← Сира

Сира · id 14761

المنهج الحركي للسيرة النبوية

منير الغضبان

Полный текст (646 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

دين الله أفواجا ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾. النصر الحقيقي هو أن تدخل قادة العدو في الإسلام لا أن تهزمهم في معركة من معارك الإسلام. ويبقى هذا الهدف هو الأعلى. نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها، لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. لكن فن الدعوة لا بد أن يلامس تلك النفوس لمسا حادا، وينفذ إلى أعماقها نفوذا حكيما بحيث يكون هو المصير للمدعو ولا مصير غيره هو الحل ولا حل غيره. أما إذا شعر العدو أو الخصم أن الإسلام هو الذي يذل، ويحطم مصالحه. فسيبقى في إطار العداء لله على الدوام. ومن إسلام خالد إلى خطواته في الدعوة بعد لحظات إلى رفاق دربه صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وعثمان بن طلحة. وحين شرح الله صدر خالد للإسلام صار على التو داعية إلى الله وتذكر أحب الناس إليه هؤلاء الثلاثة وراح يعرض عليهم الإسلام فطووا عنه كشحا، فلم تنلهم هزة خالد، ولم يشرح الله صدورهم بعد غير أن إقدامه على دعوتهم ليعطي دلالة واصحة على صخامة هذه الهزة فلقد كان بإمكانه أن يكتم خبره ويمضي وحده إذا كان هذا الإيمان ذاتيا من جهة، وباردا من جهة ثانية، لكن حرارته وصدقه، هما اللذان دفعاه إلى عرض هذا الدين على رفاق الدرب معه بل أصبح يدرك ببصيرة المؤمن، أن عناد هؤلاء الرفاق مرتبط بنزعات جاهلية عميقة ولما يمر عليه في الإسلام ساعات بعد. إذ أن مقتل آبائهم وإخوانهم هو الذي يعمي بصرهم عن الحقيقة ولن يدرك الحقيقة موتور ثائر إنما يدركها مخلص. بعيد عن الهوى والغرض. ولعلنا قبل أن ننتقل مع القادة الثلاثة إلى المدينة نستمع لعمرو ﵁ ينقل لنا طرفا من الحديث من خلال رواية البيهقي عن الواقدي: (... فغضب من ذلك ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، فأبتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابي، فأصابني من الذل ما لو انشقت بي الأرض دخلت فيها فرقا منه ثم قلت: أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك. قال فاستحيا، وقال يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى لتقتله؟ قال عمرو: فغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي، عرف هذا الحق العرب والعجم

стр. 527

وتخالف أنت .. ثم دعا بطست، فغسل عني الدم وكساني ثيابا وكانت ثيابي قد إمتلأت بالدم فألقيتها ثم خرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك. وقالوا هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول مرة. وقلت أعود إليه. فقالوا: الرأي ما رأيت. قال ففارقتهم وكأني أعمد إلى حاجة فعمدت إلى موضع السفن. فأجد سفينة قد شحنت تدفع قال: فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعبة، وخرجت من السفينة ومعي نفقة: فابتعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى مررت على مر الظهران ثم مضيت حتى إذا كنت بالهوة فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا وأحدهما داخل في الخيمة والآخر يمسك الراحلتين، فنظرت فإذا خالد بن الوليد: قال: قلت: أين تريد؟ قال: محمدا. دخل الناس في الإسلام فلم يبق أحد به طعم، والله لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها، قلت: أنا والله قد أردت محمدا وأردت الإسلام فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي فنزلنا جميعا في المنزل ثم اتفقنا حتى أتينا المدينة فلما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عتبة يصيح: يا رباح يا رباح يا رباح فتفاءلنا بقوله وسرنا، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول: أعطت مكة المقادة بعد هذين وظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد، وولى إلى المسجد سريعا فظننت أنه بشر رسول الله ﷺ بقدومنا فكان كما ظننت، وأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا ثم نودي بالعصر فانطلقنا على أظلعنا عليه، وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفبع طرفي حياء منه فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر فقال إن الإسلام يجب ما كان قبله والهجرة تجب ما كان قبلها قال: فوالله ما عدل بي رسول الله ﷺ وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أن أسلمنا. ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك المنزلة وكان عمر على خالد كالعاتب. ولقد عرضنا هذه الرواية الثانية التي تعطي إيضاحات أكثر على إسلام عمرو ﵁. وتلقي أضواء على طبيعة شخصيته. فعمرو داهية العراب وقد بايع النجاشي على الإسلام لم يكن من سمته ولا من طبعه أن يطرح ما في نفسه على صحبه كما فعل خالد ﵁. بل كتم الأمر عنهم وأوهمهم بكسوة النجاشي أنه لا يزال على عهده واستحيا طلب رسول محمد ﷺ لهذه الهدية، واتنسل عن صحبه يبحث عن سفينة تقوده إلى يثرب. وتبرز طبيعة شخصيته ثانيا حين التقى مع خالد ولم يظهر مقدمه للإسلام حتى اطمأن إلى خالد أنه ماض إلى المدينة ليسلم. فشخصيته التي تقوم على أساس الحذر والحيطة المناسبتين لطبيعة الداهية تقتضي منه هذه المواقف. والملاحظ أن عرض عمرو ﵁ لإسلامه وإسلام خالد بين يدي الرسول ﷺ لا

стр. 528

يختلف في المضمون لكن نرى في بعض الجزئيات إشارات لمعنى ضخم في طبيعة الدعاة فخالد ﵁ يرى ابتسام رسول الله ﷺ له منذ لقياه. وأنه ينظر به وعمرو ﵁ يرى تهلل وجه رسول الله ﷺ منذ أن رآهما. وخالد يقول: إن رسول الله ﷺ لم يعدل به أحد إذا حز به أمر، وعمرو ﵁ يقول: إن رسول الله ﷺ لم يعدل بهما أحد إذا حز به أمر وهذه الإشارات تدل على عظمة هذا النبي سيد ولد آدم. فكل صحابي كان يشعر أنه أحب الناس إلى رسول الله ﷺ وأنه موطن ثقته. وحده من دون الناس، وهكذا كان عمرو وخالد يشعران أنهما قد احتلا الموقع المناسب وأن كفاءتهما العسكرية والسياسة لم تذهب هدرا أو عبثا. بل كان لهما محل القيادة والريادة بين المسلمين رغم حداثة دخولهما في الإسلام. ويبقى المعنى الأعمق والأشمل بإسلام هذه القيادات وأثر هذا الإسلام على المعسكر المكي الذي بدأ ينهار إثر هذه الضربة القاضية حتى أبو سفيان القائد العام شهد بأم عينه عند هرقل ما قاله قيصر في حق النبي ﷺ وكانت بداية الغزو النفسي له. لقد أهدت مكة إلى المعسكر الإسلامي ثلاثة أبطال من أبطالها وكل بطل ركن في عشيرته فخالد سيد بني مخزوم وعمرو سيد بني سهم، وعثمان سيد بني عبد الدار وصدق فيهم قول رسول اللهق ﷺ لقد رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها، فهم قرة عين مكة، وقادتها الكبار ينضمون إلى معسكر النبوة. ولإسلام عثمان بن طلحة أثر فوق هذه الآثار جميعا هو أن مفتاح الكعبة معه، فبنو عبد الدار عندهم حجابة الكعبة، وعثمان بن طلحة قد انتهت إليه هذه المأثرة. وهذا الأمر يهد قريشا هدا فهي تفاخر العرب بالبيت الحرام وأنها حاميته والذائدة عنه فإذا كان حامل مفتاح الكعبة قد غدا جنديا في جيش محمد ﷺ فلقد انتهت ادعاءاتها في الحامية وصار عثمان بن طلحة المسلم صاحب الحجابة هو المسؤول أمام العرب عن حجابة الكعبة ورعاية البيت الحرام كما أن بني هاشم قد انتهت عندهم السقاية والرفادة وليس موقف العباس بتأييده المطلق الواضح لمحمد ﷺ بخاف عن أحد، وقد رأينا نموذجا من هذا التأييد المطلق في خيبر، حيث لبس حلته وتخلق بطيب، ومضى يطوف حول الكبة ابتهاجا بنصر ابن أخيه محمد ﵊. وتبدو صورة هذه المعاني في وقتنا الحاضر حين ينضم الى الحركة الإسلامية من كان يمثل موقعا مهما في المجتمع الجاهلي، كأن يكون سفيرا أو وزيرا أو ضابطا قائدا فكم يكون لمثل هذا الانضمام من أثر على قوة الحركة الإسلامية، وضربة نجلاء في صميم المجتمع الآخر. وحق لهذا العرض أن يكون سمة واضحة في هذه المرحلة من تاريخ الدعوة.

стр. 529

السمة الحادية عشرة: الصدام الأول مع الروم - مؤته قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: بعث رسول الله ﷺ بعثة إلى مؤته في جمادى الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس، فتجهز الناس ثم تهيؤوا للخروج. وهم ثلاثة آلاف. فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلموا عليهم. فلما ودع عبد الله بن رواحة من ودع من أمراء رسول الله ﷺ بكى. فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم. ولكني سمعت رسول الله يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾. فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات قرع تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا ثم إن القوم تهيؤوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ فودعه ثم قال: فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا إني تفرست فيك الخبر نافلة ... الله يعلم أني ثابت البصر أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر (١) وشيعهم رسول الله ﷺ إلى ثنية الوداع، ثم وقف وهم حوله وقال: أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا اغزوا في سبيل الله فقاتلوا من كفر الله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث. فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم واكفف عنهم. ادعهم إلى الدخول في الإسلام فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين فإن فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، وإن دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم. فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله ولا يكون لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.

стр. 530

وإن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك أن تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ وإن حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك على أن تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله. ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين الناس فلا تتعرضوا لهم؛ وستجدون آخرين في رؤوسهم مفاحص (١) فاقلعوها بالسيوف. لا تقتلن إمرأة ولا صغيرا ولا كبيرا فانيا، ولا تغرقن نخلا ولا تقلعن شجرا ولا تهدموا بيتا (٢). قال ابن إسحاق: ثم خرج القوم وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال: خلف السلام على امرىء ودعته ... في النخل خير مشجع وخليل ثم مضوا حتى نزلوا معان فبلع الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم. وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم، عليهم رجل من بلى ثم أحد إراشة يقال له مالك بن زافلة فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره. فنمضي له. فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد صدق والله ابن رواحة، فمضى الناس فقال عبد الله بن رواحة في حبسهم ذلك شعرا. ثم مضى الناس. حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له: قطبة بن قتادة. وعلى مسيرتهم رجلا من الأنصار يقال له عباية بن مالك. ثم التقى الناس واقتتلوا. فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط (٣) في رماح القوم. ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألحمه (٤) القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول

стр. 531

رجلا من المسلمين عقر (١) في الإسلام. وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف. وكان في تلك الغزوة غزوة مؤته قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء. ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها عليَّ إذ لاقيتها ضرابها قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم: إن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل ﵁ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء. ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين. قال ابن إسحاق: (وبالسند السابق): فلما قتل أخذ الراية عبد الله بن رواحة، ثم تقدم بها، وهو على فرس فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد، ثم قال: أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه أن أجلب الناس (٢) وشدوا الرنة (٣) ... ما لي أراك تكرهين الجنة قد طال ما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة من شنة (٤) وقال أيضا: يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد لقيت وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت يريد صاحبيه زيدا وجعفرا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق (٥) من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده ثم انتهس (٦) منه نهسة، ثم سمع الحطمة (٧) في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده ثم أخد سيفه فتقدم.

стр. 532

فقاتل حتى قتل. ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد. فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم (١)، ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف الناس. وقد أورد ابن كثير روايات البخاري والنسائي والبيهقي حول نهاية الغزوة وبعض جزئياتها نسوقها لتستكمل صورة هذه المعركة. وروى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبر فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم. وروى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ في غزوة مؤته زيد بن حارثة فقال رسول الله ﷺ إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من ضربة ورمية. وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد دق في يدي يوم مؤته تسعة أسياف وصبرت في يدي صفحة يمانية. قال الواقدي حدثني عبد الجبار بن عمارة بن غزية بن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال: لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله ﷺ على المنبر، وكشف له ما بينه وبين الشام فهو ينظر إلى معتركهم فقال أخذ الراية زيد بن حارثة فجاء الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت وحبب إليه الدنيا فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إلي الدنيا، فمضى قدما حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله وقال: استغفروا له فقد دخل الجنة وهو شهيد، ولما قتل زيد أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت ومناه الدنيا، فقال الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين يمنيني الدنيا، ثم مضى قدما حتى استشهد فصل عليه رسول الله ﷺ وقال: استغفروا لأخيكم فإنه شهيد دخل الجنة وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد ثم دخل الجنة معترضا فشق ذلك على الأنصار فقيل يا رسول الله: ما اعتراضه؟ قال: لما أصابته الجراح نكل فعاتب نفسه فتشجع واستشهد ودخل الجنة فسري عن قومه.

стр. 533

وقال الواقدي حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه قال: لما أخذ الراية خالد بن الوليد قال رسول الله ﷺ : الآن حمي الوطيس. قال الواقدي وحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا وقد جعل مقدمته ساقته وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته. وميسرته ميمنته فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين (١). لقد كان قدر هذا الجيل أن يواجه أمم الأرض بهذا الدين وها نحن الآن أمام منعطف جديد في تاريخ دولة الإسلام هو الصدام المباشر مع الروم، ويحسن أن لا يغيب عن البال أن السبب لهذه المعركة هو أن رسول الله ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابة إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، وكان عاملا على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر، فأوثقه رباطا ثم قدمه فضرب عنقه (٢). فالمعركة إذن نتجت عن الدعوة. ومقتل فرد مسلم يعني عند رسول الله ﷺ حربا ضروسا مع المعتدين، ولعل هذا المعنى لا يغيب عن أذهان بعض الدعاة الذين يرون أن بالإمكان تجنب المعركة مع العدو إذا سالمناه وعرضنا عليه فكرنا فحسب. إن الصدام مع أعداء الله أمر لا مفر منه. لكن تحديد وقت الصدام وإمكانيته يعود إلى قيادة الجماعة المسلمة. الفقه النبوي يعني أن مقتل جندي مسلم - وهو رسول إلى العدو - إشعال معركة ضارية وقد فعلها رسول الله ﷺ مرتين: الأولى: يوم الحديبية حين بلغه أن عثمان ﵁ قد قتل، وأخذ البيعة من جيشه على الموت وهذه المرة الثانية. فلا بد إذن من توطين الحركة الإسلامية نفسها على المواجهة وهو تأكيد من جهة ثانية على الدرس السابق، على أهمية الفرد المسلم عند قيادته وأن الجيش كله مستعد أن يخوض معركة للثأر له. لكن الملاحظ أن هذا الأمر مرتبط بإمكانيات الجماعة المسلمة على ذلك ففي حالات الضعف كان كل ما يملكه رسول الله ﷺ أن يقول صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، أو يدفعهم إلى الذهاب إلى النجاشي الذي لا يظلم عنده أحد، حتى والمسلمون دولة، قد تكون الدولة المسلمة عاجزة عن الثأر لشهدائها فمأساة بئر معونة والتي ذهب ضحيتها سبعون من خيار المسلمين لم يتمكن رسول الله ﷺ من الثأر لهم إلا بعد لأي. لكن المعنى الأساسي يبقى ثابتا في التحام الصف المسلم، وقيمة الجندي فيه - إنه

стр. 534

حين تكون الظروف مواتية. فلا يجوز أن يذهب دم الشهيد هدرا، ولا بد أن يثأر له. ونقف أمام هذا العدد الضخم الذي تحرك للقاء الروم، فلم يتحرك جيش خارج المدينة أكثر من ألف وخمسمائة مقاتل، وأكبر جيش حشده المسلمون داخل المدينة هو جيش الخندق وكان قوامه ثلاثة آلاف مجاهد، وها هو الجيش الإسلامي يتحرك اليوم مغادرا المدينة إلى الشام بثلاثة آلاف مجاهد، وهنا نشير إلى الفتح المبين في الحديبية. حيث تضاعف عدد الجيش الإسلامي بعد الحديبية بسنة ونصف على التقريب. وبدأت تظهر أسماء جديدة لم تكن تعرف من قبل فقائد ميمنة المسلمين في الحديبية قطبة بن قتادة وهو من بلى وهذا معنى مهم إذ القبائل التي تواجه المسلمين فيهم تجمع كبير من هذه القبيلة. ونضيف في الحديث عن هذا الحشد إلى شعور الرسول ﷺ بخطورة المواجهة مع دولة عظمى، فلن يصلح لهذه المواجهة عدة مئات. ويؤكد هذا المعنى كذلك تعيين الأمراء الثلاثة فلم يسبق لرسول الله ﷺ خلال المراحل السابقة أن عين أكثر من أمير على الجيش لكنه كان يعلم ﵊ بما أوحى الله تعالى إليه أن الأمراء يلقون مصرعهم في هذه المعركة. ولقد أدرك اليهود هذا المعنى حيث قال أحدهم: (إن الأنبياء في بنى إسرائيل كانوا إذا سموا الرجل على القوم فقالوا إن أصيب فلان ففلان. فلوا سموا مائة أصيبوا جميعا ثم جعل يقول لزيد: اعهد فإنك لا ترجع أبدا إن كان محمد نبيا قال زيد: أشهد أنه نبي صادق) (١) وقد يقول قائل كان بإمكان رسول الله ﷺ تجنب هذه المواجهة مع العرب الغساسنة في الشام لكن الصورة المقابلة كذلك إن قتل هذا الرسول ولم يثأر له. فقد يدفع عرب الشام مع الروم إلى غزو المدينة. وكثيرا ما يكون الهجوم وسيلة ضخمة من وسائل الدفاع عن النفس. وإذا كانت قوة الجيش تقاس بمعنوياته. فلن نجد أقوى من هذا الجيش والأصل أن يكون المسلمون اليوم في هذا الاتجاه عندهم بعض الخوف والتردد فهم يقدمون على حرب في البلقاء على تخوم الروم، واحتمال المواجهة واردة معهم. ولم يسبق لهم رصيد من التجربة في الحرب مع الروم أو الفرس والدولتان الكبريان آنذاك تتقاسمان الأرض ومع ذلك فقد كان أحد القادة الثلاث يبكي وقد حضره المسير، ولم يكن سبب بكائه جزعا من الموت إنما كان خوفا لما بعد الموت، خوفا من النار التي يرد عليها الناس جميعا: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ وتصور الناس أن الدعاء بالسلامة هو الذي يثلج الصدر فقالوا له ولإخوانه: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين. فكان جواب القائد الشاعر ابن رواحة

стр. 535

طلب الشهادة في أرض الشام والمغفرة. هذه نفسية الجيش وقيادته قبل التحرك. وكانت أزمته الثانية عندما بلغه التجمع الهائل وهو في معان وهو وجود حوالي مائتي ألف من العرب والروم قد تهيؤوا للقائهم ومضوا يناقشون الأمر وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره ولم يكن من بين الحلول المطروحة أن يعودوا إلى المدينة. وكل ما يخشونه أن تكون المواجهة مغامرة غير جائزة أن يواجهوا هذا العدد الضخم بقوتهم الضئيلة. وما أعتقد أن جيشا في الأرض لا تنهار معنوياته أمام هذه المواجهة وبينهم هذا الفارق في العدد والعدة ولكن هذا الدين الذي ضرب جذوره في أعماق هذه العصبة المؤمنة، جعل منهم نموذجا آخر لا يبارى في التاريخ وجعل لدى الجيش تلك الأرضة التي تقبل قول الأمير الشاعر ابن رواحة ﵁. (والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة). وأمكن لهذه الكلمة أن تفعل في الجيش كله فعل السحر، وانطلق الجيش للمواجهة قائلين قد والله صدق ابن رواحة. إن فكرة الشهادة والأمل برضوان الله تعالى ودخول الجنة قد أثبت التاريخ عمليا أنها أقوى دافع في هذا الوجود للمواجهة والموات. لأن المسلم على يقين أن ما عند الله خير وأبقى للمسلم من كل شيء فلا يتوانى لحظة واحدة عن الإقبال على الموت تغمره السعادة ويحدوه الرضا بقضاء الله وقدره. وكلا الأمرين لا يدري أيهما أحب إليه النصر أو الشهادة. وهذه الروح المعنوية التي رافقت الجيش المسلم في كل معاركه هي التي رجحت كفته دائما على عدوه. ودانت له الأرض بسبب ذلك. وكانت الأزمة الثالثة العنيفة لحظة المواجهة؛ أو المفروض أن تكون الأزمة لكن الروح المعنوية العالية، على ما تذكر الروايات، لم تفارق الجيش وهو بعدده الضئيل أمام ذلك الجيش العرمرم وكانت القيادات من الكفاءة بحيث تتسابق أمام جنودها على الموت. وكأنما هي تتجهز له تجهز العروس لعروسه. (قال ابن إسحاق: ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم.)

стр. 536

ومقتل قائد واحد خلال لحظات قليلة كفيل أن يعيد النظر في المواجهة حيث كان الأمر الثاني جعفر بن أبي طالب. لكن شوق الجنة هو الذي حدا بجعفر ﵁ أن يقتحم عن فرسه الشقراء ويتراقص فرحا بالجنة وهو يواجه العدو: يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها عليَّ إذ لاقيتها ضربها واستشهد القائد الثاني فجرى بعض الفتور في هذه الروح المعنوية عند ابن رواحة، وكان الفرق واضحا بين طلبه الشهادة وهو في المدينة وبين معاينتها وهو في مؤتة. لقد كانت الرؤى الشعرية الوجدانية عنده أقوى من الواقع العملي. فراح يبرز خلجات نفسه في هذا الحديث الرائع أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه قد طال ما قد كنت مطمئنة ... مالي أراك تكرهين الجنة ولم يكتف بهذا الحديث النفسي، فراح ينقل حديثا آخر: يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد لقيت إن تفعلي فعلهما هديت ... أو تعرضي عنهم فقد شقيت ولكن مهما تزعزع القائد إذا كان له من إيمانه ما يعصمه. فلابد من الثبات بعد ذلك وهذا ما جرى لدى ابن رواحة فقد طغى التدفق الإيماني عليه، وانخرط في القتال حتى قضى شهيدا في سبيل الله. وكانت الأزمة الأخيرة، وهذه الروح المعنوية العالية كفيلة أن تحطم أي روح مهما سمت، وبعد مقتل الأمراء الثلاثة وانتهاء القيادة من المعركة. لم يعد إلا ذبح هذا الجيش كله. فمن هؤلاء من مضى لائذا بالفرار إلى المدينة لكن أكثرية الجيش عادت فتمالكت. وأخذ الراية ثابت بن أقرم ﵁، وهو يحس بثقل الأمانة. (وصاح: يا للأنصار. فأتاه الناس من كل وجه وهم قليل، وهو يقول: إلي أيها الناس فلما نظر إلى خالد بن الوليد قال: خذ اللواء يا أبا سليمان! فقال: لا آخذه أنت أحق به، أنت رجل لك سن، وقد شهدت بدرا قال ثابت: خذه أيها الرجل. فوالله ما أخذته إلا لك فأخذه خالد ..) (١) وهكذا استطاع هذا الجيش المسلم أن يواجه ذلك البحر المتلاطم من البشر بتلك الروح

стр. 537

المعنوية العالية التي لم يرو لها التاريخ مثيلا إلا في المحضن الإسلامي. والذي نؤكده بحمد الله أن هذه الروح المعنوية العالية بقيت خلال خمسة عشر قرنا في الأجيال الإسلامية يرثها الجيل بعد الجيل. وما تنبت فئة مؤمنة بالإسلام إلا ووجدت في صفوفها هذه الروح، حتى جيلنا المعاصر. فلم يعرف تاريخ الحركات السياسية اليوم بطولة نادرة واستبسال منقطع وضحايا في سبيل الهدف كما عرف تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة. وثرى فلسطين وأفغاسسان وحماة هي أصدق شاهد على ما نقول. وإذا كان جيش العقيدة بهذه الروح المعنوية العالية فهو جيش المبادىء التي بقيت معلما للبشرية خلال تاريخها الطويل حتى صحت البشرية اليوم ووضعت مبادىء في أصول الحرب، لم ترتفع بعد إلى المستوى الإسلامي فوصية النبي ﷺ للجيش المعد لمقابلة أمم الأرض. توضح أن الهدف الأعظم فيه هي نشر هذه العقيدة وإبلاغ هذا الدين على يد هذه العصبة المؤمنة التي هيأها الله تعالى لذلك. (فادعهم إلى الإسلام فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم) ليس الأمر طمعا في مال أو أرض أو جاه إنما دعوة الناس إلى الدخول في دين الله. وحين يحال بين الناس وبين دين الله فلا أقل من ألا يحال بينهم وبين شريعة الله والخضوع لهذه الشريعة من خلال الجزية كاف لإنهاء الحرب والكف عن الدماء. وما لم يكن هذا ولا ذاك، فمن يحارب شرعة الله تعالى يحارب، ولا يجوز لجيش المبادىء أن يخالف المبادىء التي انطلق لتحقيقها والدعوة إليها ومن أجل ذلك نهى رسول الله ﷺ هذا الجيش عن الإخلال بهذه المبادىء قائلا: (لا تغدروا ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدا ... وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين الناس فلا تتعرضوا لهم، ولا تقتلن امرأة ولا صغيرا ضرعا ولا كبيرا فانيا) (١). فهؤلاء الذين نشدوا السلامة وهجروا الحرب كالوليد والمرأة والشيخ الفاني والمتبتل للعبادة. ليس هم الإسلام القضاء عليهم بل هو يحارب من أجلهم، ويقاتل الذين يشرعون سيافهم ورماحهم في وجه هذه العقيدة وهذه الشريعة، ويحولون بين الناس وبين دين الله وشرعته. ولا يقتل من المدنيين إلا دعاة البغي والانحلال (وستجدون آخرن في رؤوسهم مفاحص فاقلعوها بالسيوف). وهؤلاء الذين انطلقوا في الأرض وابتعثهم الله ليخرجوا من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ليسوا أوصياء على البشرية حين تستجيب لهم البشرية، ولا يعني براءتهم من الخطأ، وأنهم الناطقون باسم الله، بل هم بشر ممن خلق ومن أجل هذا يدعوهم رسول الله ﷺ إلى أن ينزلوا الناس على ذممهم لا على ذمة الله ورسوله، وبذلك يكون الخطأ عليهم لا على هذا الدين الذي

стр. 538

مضوا يدعون إليه ﷺ ويدعوهم إلى أن ينزلوا الناس على حكمهم لا على حكم الله ورسوله (فإنك لا تدري أتصبب فيهم حكم الله أم لا). وبذلك يلتصق الخطأ بالإنسان لا بعقيدته، بالقائد لا بدينه. وهكذا نرى أن هذا الجيش المسلم هو كتيبة دعاة حضرت إلى أرض الشام لتتابع رسالة المسلم الشهيد الذي قضى نحبه وهو يبلغ رسالة رسول رب العالمين. ولا نستطيع ونحن نتحدث عن مؤته إلا الوقوف عند أبطالها الكبار. فلقد كان زيد ﵁ مولى رسول الله ﷺ ومن أخص خاصته. فلقد كان حب رسول الله ﷺ له حبا مشهورا عند الصحابة جميعا فيطلقون على ابنه أسامة الحب ابن الحب. وهو أول مولى على الأرض أشرق قلبه بنور الإسلام، والمهمات الصعبة كانت عليه، فهو المكلف بعد بدر بإحضار أهل رسول الله ﷺ من قلب مكة، وحين يحدق الخطر في أشد أهواله، فليكن رجل المهمات الصعبة على رأسه، وحين يقدم رسول الله ﷺ لهذه المخاطر أحب الناس إليه، لا يضن الناس بمهجهم وأرواحهم بين يدي رسول الله ﵊. وكان الرجل الثاني ... طرازا رفيعا من الرجال. إنه جعفر بن أبي طالب، الذي شهدناه داعية إلى الله في الحبشة، ورئيس الجالية الإسلامية فيها، وأكرمه الله تعالى أن تسلم الملوك على يديه فهو الذي أوضح الإسلام للنجاشي، فاعتنقه، ولم نشهده إطلاقا مقاتلا في معركة، إنه سفير فوق العادة لفترة خمسة عشر عاما خلت في أرض الغربة لسانا ووطنا ودينا، إذا به اليوم قائد معركة. وليس في الإسلام ذلك الخط الفاصل بين السياسي والجندي والقائد. فكل مسلم هو جندي في المعركة مهما علت مرتبته واختلفت وظيفته، ولا ننسى أنه لم يمر على انضمام جعفر للصف الإسلامي في المدينة السنة، أو تزيد قليلا عن ذلك فقد وصل خيبر بعد الفتح، وكانت خيبر في ربيع الأول لسنة سبع وكانت مؤتة لجمادى الأولى سنة ثمان. عام واحد فقط. متع رسول الله ﷺ نفسه برؤية حبيبه جعفر، ويكفي أن نعرف مبلغ حب رسول الله ﷺ لجعفر، بعد غربة خمسة عشر عاما عنه. إن رؤيته له كانت تعادل هزيمة اليهود، فقال ﵊: (والله ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر) وعلى شدة هذا الحب، وعلى طول تلك الغربة، عندما لاحت بوارق الصدام مع الروم فكان الرجل الثاني لذلك جعفر بن أبي طالب، وكان الدرس العملي، الأضخم أن يكون المولى زيد بن حارثة أميرا على جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي. وقد شهدنا جعفر ﵁ يمضي من أرض الغربة إلى أرض الغربة فيسلخ قرابة

стр. 539

نصف عمره فيها، وحين يحين القتال، وهو لم يخض معركة من قبل قط، يبدي من ضروب البسالة والقوة والمقاومة ما تتصاغر أمامه الصناديد الأبطال، يأخذ الراية بيمينة فتقطع، ثم يأخذها بشمال فتقطع، ثم يأخذها بعضديه، ثم يسقط شهيدا وقد أفضى إلى ربه وقد انشق نصفين، فلم يجد إخوته المؤمنون حرجا أن ينظروا إلى عدد طعناته ورمياته فكانت تسعين ما بين ضربة سيف وطعنة رمح. وكان لا بد لأنصار الله ورسوله من أن يشاركوا في هذا الشرف العظيم على مستوى القيادة فكان الأمير الثالث هو شاعر الإسلام العظيم عبد الله بن رواحة. وأن تكون قيادة الجيش بين مولى وسفير وشاعر، ليؤكد أن طاقات الإسلام كلها في خدمة المعركة. وأن وقودها في حالة الخطر هو كل شباب الإسلام. وحافظ ثابت بن أقرم الأنصاري بعد عبد الله بن رواحة الأنصاري على الراية حتى دفعها في صدر خالد بن الوليد. وإذا كانت الغرابة عندنا أن ينضم جعفر ﵁ وهو من أوائل من أسلم إلى جيش مؤتة بعد سنة من عودته. لكن الأغرب أن يكون خالد بن الوليد في هذا الجيش ولما يمض ثلاثة أشهر على انضمامه للصف الإشلامي بعد حرب عشرين عاما ضد رسول الله ﷺ . فلقد أسلم في صفر ثمان للهجرة. وتحرك للحديبية في جمادي الأولى سنة ثمان للهجرة كذلك، أي أنه أمضى في مدرسة النبوة فقط شهر ربيع الأول وربيع الثاني وبقايا صفر وجمادى. هذه هي كل حياته في الصف الإسلامي، ولو كان في الحركة الإسلامية اليوم لما حق له أن يوجه أسرة بله يقود معركة. لقد مضى خالد ﵁ بعزيمة الرجال يريد أن يطوي تلك الصفحة السوداء من حياته ليكتب صفحة جديدة من نور تغسل تلك الصورة القاتمة عن ماضيه في الصد عن سبيل الله، ومن أجل ذلك فما أن لاحت بوارق التعبئة لمؤته حتى كان من أوائل المنضمين لهذا الجيش. ونفسه تتوق إلى تلك اللحظة التي يشهر فيها سيفه في سبييل الله. ولكنه قدر الله تعالى الذي ادخر هؤلاء الرجال لهذه الأزمات ... لم يكن يدري ابن الوليد أنه سيكون في موقع الاختبار ومنذ اللحظات الأولى، في موضع لقيادة العليا في الجيش، والغريب أن الذي اختاره لذلك هو أنصاري بدري ورضي المسلمون بذلك. وكانت مفاجأة مذهلة لخالد، هكذا وبكل هذه البساطة يغدو قائدا لجيش محمد ﵊، ويسلمه القيادة واللواء الأنصاري البدري ثابت بن أقرم، بل لم يدع المسلمون له لحظة اعتذار، فهو بطل المرحلة، والجيش الآن على أتون المذبحة الرهيبة بين يدي الروم لقد دفع إليه اللواء. والمسلمون معدون للفناء بسيوف الروم.

стр. 540

وظهرت معادن الرجال. وبطولات الرجال، وعبقريات الرجال. ويا لعظمة هذا الدين. خالد الذي هم قبل عام ونصف أن ينقض على محمد ﷺ في صلاة العصر في الحديبية لينهي هذا الصابىء وجنده- على حد زعمه- يطلب منه الآن وبعد أقل من ثلاثة أشهر من إسلامه أن ينقذ جيش محمد صلوات الله وسلامه عليه من المذبحة المحتمة مذبحة الروم. وخالد الذي انقض فعلا على محمد ﷺ قبل خمس سنوات من الخلف وحطم النصر المؤزر الذي حققه المسلمون يطلب منه اليوم أن يعيد الكرة، فينقذ الجيش المنهزم المعروض للذبح من الفناء. مع فارق واحد هو إن جيشه الذي استعاد النصر فيه في أحد كان أربعة أضعاف جيش محمد ﷺ بينما يطلب منه الآن أن يستعيد النصر بجيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل على جيش قوامه مئتي ألف أي يطلب منه أن يستعيد النصر على جيش يبلغ سبعون ضعفا من جيشه على التقريب ومع ذلك، فقد تحقق النصر، وفتح الله تعالى على يديه. إن روايات السيرة تذكر إنه نجا بالجيش وفر فيه، لكن أصح الروايات، والتي سقنا ثلاث روايات منها في البخاري فقط، تؤكد أن فتح الله تعالى قد تم على يديه، وأن الروم قد هزموا هزيمة منكرة، بعد أن استعمل حيلته الحربية البارعة في فت عضد الروم بتغير مواقع جيشه. ويجمع ابن كثير ﵀ بين روايات السيرة التي تؤكد خروج أطفال المدينة لملاقاة الجيش بالحجارة لأنهم فروا من المعركة وبين روايات البخاري عن رسول الله ﷺ بانتصار المسلمين في أن فصيلة من هذا الجيش وفيها عبد الله بن عمر ﵁ قد فرت بعد أن أطبق الموت عليها ونجت بأنفسها إلى المدينة، أما أكثرية الجيش فقد بقيت في أرض المعركة تذود عن حمى الإسلام، واستحق خالد رضي الله تعالى عنه في هذه المعركة أرفع وسام في الجيش الإسلامي، وأعلى رتبة ولم ينل هذا الوسام أحد بعده ولا أحد قبله، أعلنه رسول الله ﷺ على المنبر. فقال: (وأخذ الراية سيف من سيوف الله سله الله تعالى على المشركين، جعل الله النصر على يديه) إنها لقفزة هائلة في الميدان العسكري من جندي عادي مغمور إلى قائد فذ يقلده رسول الله ﷺ هذا الوسام، ومضى معه حتى لقي به العرب والفرس والروم، فقال له قائد جيش الروم في اليرموك: هل أنزل الله سيفا من السماء فأعطاكه. فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟ ولم ينزل الله تعالى سيفا من السماء. بل أنيت هذا السيف من صلب الوليد بن المغيرة الذي هجاه الله تعالى في كتابه، ونقله بعد عشرين عاما من قلعة الشرك إلى قلعة الإيمان. فإذا معادن الرجال تبرز صارمة صارخة كما يقول ﵊: الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) (١).

стр. 541

وتبدو أهية هذه السمة في هذه المرحلة في أنها كانت توطئة للفتح الأعظم في مكة، وكانت كذلك تهيئة للقبائل العربية أن تنضم للإسلام. ولا شك أن ارتفاع معنويات المسلمين قد بلغ الذروة بعد غزوة مؤتة. حيث حدثهم رسول الله ﷺ عن الفتح الذي تم على يد خالد ﵁ على المنبر، وقبل وصول الجيش الإسلامي من مؤتة. وعاشت المدينة أفراح النصر وآلام الضحايا في لحظة واحدة. وكان أطفال المدينة من اليقظة والوعي ما يضاهئون به يقظة ووعي أبطال الأرض، فمع الحيصة الأولى كانوا يقذفون الفصيل المنهزم بالحجارة ويقولون: أنتم الفرار في سبيل الله، ولم يخفف من وطأة هذا الهجوم إلا قول الرسول ﷺ لهم: بل أنتم الكرارون إن شاء الله، ومع ذلك فقد عاشوا جوا من الهم والقلق. رغم عذر رسول الله ﷺ . بينما خرج الأطفال أنفسهم يشتدون مع رسول الله ﷺ يستقبلون الجيش المنتصر وعلى رأسه سيف الله المسلول خالد بن الوليد. والحركة الإسلامية اليوم بحاجة إلى أن تتدبر هذه المعاني العظيمة في هذه المعركة. وتبحث عن أفذاذ الرجال الذين يعدل الواحد منهم الألف بل المائة ألف. والذين غمروا أو حالت الظروف دون بروزهم وظهورهم، وقد يكون بين خصومها الأقوياء من يدخره الله تعالى ليكتب نصره على يديه فما ندري؟ إذ ما الذي يمنع من أن تتكرر تجربة أفلاذ كبد مكة مرة ثانية. ولعل في رجالها وشبابها المنتثرين في أراضي الغربة في أوربة وأمريكا من هو مؤهل لمثل هذه المواقع، وما أحوج الدعوة إلى أمثال جعفر الطيار، وسيف الله ابن الوليد. لقد قال الله تعالى للمؤمنين الغاضبين الحانقين يوم صلح الحديبية: ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ..﴾ (١). وتحقق موعود الله بالثورة الإسلامية التي قادها أبو بصير ﵁، وأنقذ الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات، وشاء قدر الله تعالى أن تتأجل المعركة كذلك رغم هم وغم المسلمين ثم كان الوعد الآخر. ﴿.. ليدخل الله في رحمته من يشاء﴾ (٢). وأدخل الله في رحمته بعد الحديبية هذه النماذج خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾ (٣). إنها الأقدار .. ولعل أقدار الحركة الإسلامية في هذا الجيل حين يبطىء النصر. وتدلهم المحنة، ويفدح الخطب. أن تكون إرهاصات لأن يدخل الله في رحمته من يشاء. فيكون منعطفا في تاريخ الأمة والحركة، وينقذ الله تعالى الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات. من براثن الكفر وأيدي

стр. 542

الطغاة فيشاركون في معركة الحق الأبلج .. ويكونون الوقود الأساسي لمعارك الإسلام وهم عشرات الألوف. وفي أعقاب مؤتة وعلى خطاها كانت غزوة ذات السلاسل، وكان بطلها فلذة كبد مكة الثاني عمرو بن العاص (وقد ذكرها الحافظ البيهقي ها هنا قبل غزوة الفتح فساق من طريق موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من مشارف الشام في بلى وعبد الله ومن يليهم من قضاعة. قال عروة بن الزبير وبنو بلى أخوال العاص بن وائل، فلما صار إلى هناك خاف من كثرة عدوه فبعث إلى رسول الله ﷺ يستمده فندب رسول الله ﷺ المهاجرين الأولين فانتدب أبو بكر وعمر في جماعة من سراة المهاجرين ﵃ أجمعين، وأمر عليهم رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح. قال موسى بن عقبة، فلما قدموا على عمرو قال: أنا أميركم وأنا أرسلت إلى رسول الله ﷺ استمده بكم. فقال المهاجرون، بل أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أمير المهاجرين. فقال عمرو: إنما أنتم مدد أمددته. فلما رأى ذلك أبو عبيدة، وكان رجلا حسن الخلق لين الشكيمة - قال: تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد إلي رسول الله ﷺ أن قال: إذا قدمت إلى صاحبك فتطاوعا. إنك إن عصيتني لأطيعنك فسلم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص. قال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان عن يزيد بن رومان أن أبا عبيدة لما آب إلى عمرو بن العاص فصاروا خمسمائة فساروا الليل والنهار حتى وطىء بلاد بلى ودوخها. وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا بك تفرقوا حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلى وعذرة وبلقين. ولقي في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير فاقتتلوا ساعة، وتراموا بالنبل ساعة، وحمل المسلمون عليهم فهزموا، وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا ودوخ عمرو ما هناك وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه. وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاة والنعم فكانوا ينحرون ويذبحون. ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك. ولم تكن غنائم تقسم. وقال أبو داود عن .. عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: يا عمرو وصليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت إني سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ (١) فضحك نبي الله ولم يقل شيئا. وقال الحافظ البيهقي عن أبي عثمان النهدي سمعت عمرو بن العاص يقول: بعثني رسول

стр. 543

الله ﷺ على جيش ذات السلاسل وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده، قال فأتيته حتى قعدت بين يديه قلت: يا رسول الله! من أحب الناس إليك، قال: عائشة. قلت: إني لست أسألك عن أهلك قال: فأبوها، قلت: ثم من قال: عمر، قلت: ثم من؟ حتى عدد رهطا. قال. قلت في نفسي لا أعود أسأل عن هذا. وقد خرجاه في الصحيحين، وفي رواية: فسكت مخافة أن يجعلني آخرهم (١). فقد كانت ذات السلاسل على غرار مؤتة وللهدف نفسه. ونجد هنا رسول الله ﷺ يختار عمرو مباشرة ليعجم عوده في الخط الإسلامي، وبطبيعة عمرو الحذرة الداهية طلب المد حيطة لما بلغه من كثرة العدو، وكان مددا من خيار أهل الأرض فمعظمهم من المهاجرين الأولين وأمر عليهم أبو عبيدة وفيهم أبو بكر وعمر. إنها ليست معركة، أو ساحة تدريب، إنها مدرسة تربوية فذة يشهد فيها عمرو بن العاص ابن الثلاثة أشهر في حضن الإسلام. كيف يمد بخيرة أهل الأرض أبي بكر وعمر، ويشمخ أنفه أن يكون أميرا على الذين أمضوا قرابة عشرين عاما في حضن الدعوة، ولا يرضى أن يكون تبعا لأبي عبيدة وعظمة أبي عبيدة وسماحته ووصية رسول الله ﷺ له أن لا يختلفا دفعته للقول: لئن عصيتني لأطيعنك، وسلم إمرة الجيش لعمرو بن العاص الذي كان قبل فترة وجيزة يخطط لضرب عنق رسول محمد ﷺ في الحبشة. ومن حيث الحرب فلقد أبدى إمكانات فائقة ونفذ الهدف المرسوم كله ووطىء أرض قضاعة إذ كان مهيأ لذلك فأمه أو أخواله من بلى من قضاعة. إن أحداث المعركة وتحقيق أهدافها العسكرية لا يعنينا كثيرا بمقدار ما يعنينا بناء هذا الصف المسلم. هذا الصف الذي دخله من جديد أفواج ضخمة بالألوف وفيهم من الشخصيات النابهة أمثال خالد وعمرو. إنه مجتمع يبنى بسرعة فائقة. ويعد لحرب طاحنة فيما بعد فلا بد أن ينصهر هذا المجتمع الجديد، وتتمكن القاعدة الصلبة الأولى أن تضم هذه العناصر الجديدة، وتتكيف معها وتكيفها مع الإسلام، لا بد أن يقوم الرعيل الأول بالتجارب الرائدة الفذة، بالإيثار المطلوب، بالتضحية المناسبة بالبعد عن مراكز الشهرة ليتيح للطاقات الجديدة أن تأخذ مداها وحجمها وتبرز مكنون مواهبها. واستطاعت هذه القاعدة الصلبة التي لم تكن تتجاوز ثلاثة ألاف أن تفتح صدرها لثلاثة

стр. 544

أضعافها خلال هذين العامين، وسرعة هائلة امتصت هذه الطاقات دون أن يقع الصراع، أو يقع التصادم، أو تبرز الأنانيات، والصراع على السلطة فيكون أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ﵃ جنودا تحت إمرة عمرو بن العاص. نكتب هذا الكلام وتقف الذاكرة عند واقع الحركة الإسلامية المعاصرة لتنهج هذا النهج وإني لأتصور بعض قادة الكفر وقد هداه الله تعالى للإسلام. كيف تكون نظرة الشباب المسلم الحادة له، وتبالغ في الصفاء والنقاء والحديث عنه لدرجة تتهم فيها قيادة الحركة بممالأة الأعداء والانطلاق في تيار الاحتواء. وأتصور كذلك هذه العواطف الصادقة، وقد شهدت مثل حادثة الصلاة التي صلاها عمرو ﵁. حتى ليصلي بعد التيمم، ويظهر أن الأمر لم يكن واضحا للقاعدة الإيمانية بجواز التيمم على الجنابة، ومن أجل هذا كان الأمر مستغربا، ووصل إلى رسول الله ﷺ ويسأله: أصليت بالناس وأنت جنب؟ ومن ظاهر جواب عمرو ﵁ أنه اجتهد دون الاستناد على حكم ثابت بجواز التيمم عن الجنابة ولذلك ذكر لرسول الله ﷺ اعتماده على قول اله ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ وضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا. لقد أقر عمرا على اجتهاده وليس ضحكه إلا دعابة له وموافقة على سلوكه. أقول لو جرت مثل هذه الحادثة في الصف المسلم اليوم، وأقدم قائد حديث العهد بالإسلام على هذا الأمر فصلى بالناس وهو جنب لاتهمت قيادة الجماعة بالكفر البواح ولخرج أكثر الصف على هذه القيادة. فالحركة الإسلامية اليوم تعاني أزمة ثقة ضخمة بقياداتها والأصل أنها تضعها موضع الشبهة والظنة والتهمة، في صلاتها مع خصومها. وما أحوج شباب الحركة الإسلامية الذين هم وقود معاركها، أن يفتحوا صدرهم لمثل هذه الحادثة من السيرة، ويروا أكبر أعداء الإسلام، قد صار بعد ثلاثة أشهر من إسلامه أميرا على المهاجرين الأولين وفيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وأمثالهم، ثم يصلي بالناس على جنابته بعد التيمم ويقتدي به الهاجرون الأولون. إن هذه التجربة الرائدة في تاريخ الأمم ما كانت لتنجح في إضافة ثلاثة أضعافها ونيف خلال سنتين وتأخذ هذه الأعداد موقفها الحقيقي في الصف وتقدم كل طاقاتها في سبيل الله، لو لم تكن القاعدة الصلبة الأولى على المستوى المطلوب من الانضباط والالتزام والطاعة والصبر والإيثار والتفاني في سبيل الله وغياب الذات.

стр. 545

ونحن لا ننفي إطلاقا بل نقول إن الدور الأضخم والأكبر الذي ساعد هذه القاعدة على تمثل هذه العناصر الجديدة هو شخص القائد الأعظم محمد ﷺ الموحى إليه من الله تعالى، ومن أجل ذلك لا يقف الجندي المسلم ليفكر لحظة في مناقشة الأمر طالما أنه من رسول الله ﷺ لكنه يفكر في كيفية التنفيذ وسرعته في التو واللحظة. فأبو عبيدة ﵁ لم يقف ليوازن كثيرا نتائج تنازله عن الإمرة لعمرو، واحتمالات أخطائه الكثيرة وهو الجديد على الإسلام، بل كانت وصية رسول الله ﷺ منارا هاديا له: (لا تختلفا، تطاوعا). فاستجاب على التو وقال. لئن عصيتني لأطيعنك. وتبدو أهمية التربية لهؤلاء القادة الكبار الذين انضموا للصف الإسلامي من جديد من خلال العرض الأخير الذي عرضه لنا عمرو ﵁، إذ حدثنا صراحة أن إمرته على أبي بكر وعمر وأمثالهم جعلت لديه غرورا بأنه أفضل من هؤلاء جميعا. أو على الأقل أحب إلى رسول الله ﷺ منهم، ولكي يؤكد هذا المعنى. يأتي ليسأل نبي الله ﵊ عن أحب الناس إليه. وكان يتوقع الجواب أن يكون هو ذلك الإنسان فإذا به يفاجأ بأن أحب الناس إلى رسول الله ﷺ بعد عائشة زوجه هو جنديه الذي كان تحت إمرته أبو بكر وجنديه الذي كان تحت إمرته عمر، وجنديه الذي كان تحت إمرته أبو عبيدة، وعدد رهطا من الصحب، واستحيا عمرو من ذكر هؤلاء الرهط حتى توقف عن الاستفسار خشية أن يكون آخرهم، وكان لا بد أن يتلقى عمرو في مدرسة النبوة هذا الدرس الشديد حتى يفرق بين المهمة المحددة والموقع الأصيل، يفرق بين التكليف والإكرام وبين الثقة بالمجاهدين الأولين الذين أمضوا حياتهم وأفنوا عمرهم في سبيل الله. واكتفى بهذه الإجابات لتجعله ضمن المدى الذي حدد له، ورضي الله عنهم أجمعين. فلم يغضب ولم تتحرك الجاهلية في كيانه، بل أصبح لاحقا بهذا الرعيل، فيقدم لنا ذاته بخطأ تصوره وعظمة إكباره للشيخين أبي بكر وعمر، وإخوانهما من المهاجرين الأولين. وليستفد الشباب المسلم من هذا الدرس كذلك، وليضعوا ذاتهم خلفهم وليتقبلوا تقويم قيادتهم لهم في المهمات والملمات دون أن يضعوا أنفسهم فوق ما يستحقون ودون أن يحملوا على قيادتهم حين لا تستجيب لأهوائهم كما يشتهون. ونعرض أخيرا هذه الجوانب الجزئية كلها لتنضم في إطار هذه السمة التي لاحظنا خطوطها العريضة في مواجهة الروم، وفي بناء الصف الداخلي المتلاحم المذهل، وأن هذه التوطئة قد كانت إيذانا بالتوجه نحو مكة لتحقيق الفتح الأكبر، وكان جنود المرحلة الأولى كأنما كلف كل واحد منهم بالعديد من إخوانه يثقفه فقها ويربيه سلوكا. وينصحه قدوة ويبنيه مسلما مخلصا

стр. 546

خالصا من براثن الجاهلية لتتسع القاعدة الصلبة المتجهة إلى مكة إلى عشرة آلاف مقاتل. والحركة التي تعجز عن استيعاب عناصرها الجديدة، سوف تنفصم وتتشرذم إلى جماعات عدة. وحركتنا الإسلامية التي تعاني من هذا الداء العضال، يحسن أن تفقه هذا الدرس وتخطط للاستيعاب الحقيقي للطاقات الجديدة الفتية. قبل أن تأكلها هذه الطاقات وتقضي عليها. بدل أن تكون البنيان المرصوص الجديد. ***

стр. 547

السمة الثانية عشرة: نصر الله والفتح: فتح مكة قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله ﷺ بعد بعثه إلى مؤته جمادى الآخرة ورجبا ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له الوتير: فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة وأصابوا منهم ما أصابوا ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد والميثاق بما استحلوا من خزاعة وكانت في عقده وعهده خرج عمرو بن سالم الخزاعي ثم أحد بني كعب حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس. فقال: يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا فانصر رسول الله نصرا أعتدا ... وادعو عباد الله يأتوا مددا إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا ... وسجدا فقال رسول الله ﷺ : نصرت يا عمرو بن سالم ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان من السماء فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب ... ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه: فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني. قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ ، قال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ ، فكلمه فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟ والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي الله عنها وعندها حسن بن علي غلام يدب بين يديها، فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما، وإني قد جئت في جاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا. فاشفع لي إلى رسول الله ﷺ . فقال: ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابنة محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بني ذاك أن يجير بين الناس إذ ما يجير أحد على رسول

стр. 548

الله ﷺ . قال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني قال: والله ما أعلم لك شيئا يغنيك، ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا. قال: لا والله ما أظنه. ولكني لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره وانطلق فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته، فوالله ما رد علي شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو، ثم جئت عليا فؤجدته ألين القوم، وقد أشار علي بشيء صنعته، فوالله ما أدري أيغني ذلك شيئا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا قالوا: ويلك إن زاد الرجل على أن لعب بك فما يغني عنك ما قلت. قال لا والله ما وجدت غير ذلك. تجهيز الرسول لفتح مكة: وأمر رسول الله ﷺ بالجهاز وأمر أهله أن يحهزوه فدخل أبو بكر على ابنته عائشة ﵂، وهي تحرك بعض جهاز رسول الله ﷺ ، فقال: أي بنية: أأمركم رسول الله ﷺ أن تجهزوه؟ قالت: نعم، فقال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري، ثم إن رسول الله ﷺ أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ. وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، فتجهز الناس. كتاب حاطب إلى قريش: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة ابن الزبير وغيره من علمائنا قالوا: لما أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة ... وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب. فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄ فقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم. فخرجا حتى أدركاها (بالخليقة، خليقة بني أبي أحمد) فاستنزلاها فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا فقال لها علي بن أبي طالب: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك، فلما رأت الجد منه، قالت: أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه فأتى به رسول الله ﷺ ، فدعا حاطبا فقال: يا حاطب ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله أما والله إنني لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت وما بدلت، ولكني كنت امرءا ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليه. فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله ﷺ ، وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله تعالى في حاطب: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا

стр. 549

تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ..﴾ إلى قوله ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ..﴾ (١) إلى آخر القصة. خروج الرسول في رمضان: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس قال: ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين بن عتبة بن خلف الغفاري وخرج لعشر مضين من رمضان فصام رسول الله ﷺ وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين فسبعت سليم، وبعضهم يقول: ألفت، وألفت مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران، وقد عميت الأخبار عن قريش، فلم يأتهم خبر عن رسول الله ﷺ ولا يدرون ما هو فاعل، وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به، وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله ﷺ ببعض الطريق. هجرة العباس: قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله ﷺ عنه راض، فيما ذكر ابن شهاب الزهري. إسلام أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله أيضا بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فقد هتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، قال: فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبي سفيان بنيا له. فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيدي بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رق لهما ثم أذن لهما فأسلما. قصة إسلام أبي سفيان على يد العباس: فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران، قال العباس بن عبد المطلب: فقلت: واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه؛ إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها، قال: حتى جئت الأراك، فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا

стр. 550

حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة. قال: فوالله إني لأسير عليها، وألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا، قال يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، قال، يقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل، من أن تكون نيرابها وعسكرها، قال: فعرفت صوته، فقلت: أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ قال: قلت: نعم، قال: ما لك؟ فداك أبي وأمي، قال: قلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي، قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك. قال: فركب خلفي ورجع صاحباه، قال: فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ وأنا عليها قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته حتى مررت بنار عمر ابن الخطاب ﵁ فقال: من هذا؟ وقام إلي. فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء. قال: فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله ﷺ ، ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله إني قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله ﷺ ، فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل، فلما أكثر عمر في شأنه قال. قلت: مهلا يا عمر فوالله أن لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد ضمناف فقال: مهلا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به. قال: فذهبت إلى رحلي فبات عندي فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ﷺ فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله آخر غيره لقد أغنى عني شيئا بعد. قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأني لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه والله فإن في النفس منها شيئا فقال له العباس، ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك، قال: فشهد ثهادة الحق، فأسلم قال العباس. قلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئا، قال: نعم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ : يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم (١) الجبل. حتى تمر به جنود الله فيراها

стр. 551

قال: فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله أن أحبسه. قال: ومرت القبائل على راياتها كلها مرت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول سليم: فيقول: ما لي ولسليم، ثم تمر القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفذت القبائل ما تمر به قبيلة ولا يسألني عنهم، فإذا أخبرته بهم قال: ما لي ولبني فلان، حتى مر رسول الله في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار ﵃ لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما قال: قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذن. ليس ببعيد أن تكون الأنباء قد وردت متضاربة لأهل مكة حول نتائج سرية مؤته. لأن نقض قادة قريش للعهد لا بد أن يكون وراءه خلفية معينة حول ضعف محمد وأصحابه. فبعد خيبر ارتفعت الثقة بقوة المسلمين، أما إذا وصلت الأنباء إلى مكة عن فرار جيش محمد من الروم، فهذا يطمع في فتح هذه الجبهة، خاصة وأن الذين ساهموا في نقض العهد هم الذين أبرموه سهيل بن عمرو ومركز بن حفص، وحويطب بن عبد العزى، مع آخرين، وقد تكون القضية اندفاعا وحمية عمياء، إذ يذكر المقريزي (أن أنس بن زنيم الدبلي هجا رسول الله ﷺ فسمعه غلام من خزاعة فضربه فشجه، فثار الشر بين بني بكر (حلف قريش) وبين خزاعة (حلف رسول الله ﷺ ) (١). وتبدو محاولة مكشوفة تلك التي لجأت إليها قريش في إرسال أبي سفيان لتلافي الأمر وزيادة المدة وتأكيد العهد. لأنه لن يغيب عن ذهن قريش أن خزاعة ستستنجد برسول الله حليفها الأكبر. ولقد أدرك أبو سفيان منذ اللحظات الأولى فشل مهمته حين تأكد من أن بديل بن ورقاء الخزاعي قد وفد إلى المدينة والتفى برسول الله ﷺ بعد أن فرك بعر راحلة بديل بيده وقال: أحلف بالله لقد جاء بذيل محمدا، وذلك حين رأى النوى في بعر البعير. وكان ذهاب بديل وهو أحد قادة مكة رفدا لعمرو بن سالم الذي جاء المسجد وعرض قضية الغدر بأسلوب مشرق مثير. وذكر بضرورة الانتصار للمضطهدين من خزاعة. وقبل أن نتحدث عن رحلة أبي سفيان لمكة، لا بد من التركيز على بعض النقاط المهمة حين نتحدث عن فتح مكة بصفته سمة بارزة في العهد المدني لا حدثا تاريخيا مر. فالأصل في العهود بين المسلمين والمشركين أن يكون الوفاء بها من الطرفين. ورأينا عظمة تمسك النبي ﷺ بعهده وعقده، حتى ولو برفض قبول المؤمنين المستضعفين في المدينة، وقد شكل

стр. 552

هذا الأمر لرسول الله ﷺ إحراجا كبيرا أمام هؤلاء المؤمنين الذين اختاروا الإسلام على الكفر. ومع ذلك أعاد أبا بصير التزاما بالعهد وقال: إنه لا يحل في ديننا الغدر. هذه الصورة الإسلامية المشرقة. بينما تقابلها تلك الصورة الغادرة من التواطؤ مع المعتدين، والاشتراك معهم في غزو حلفاء محمد ﷺ من خزاعة. هذه هي القضية الأولى. والقضية الثانية: هناك فرق واضح بين الاسقامة وبين الغفلة فالمسلمون لا بد أن يكونوا على يقظة تامة من تحركات من هادنوهم، وأن يكون التعامل معهم بصدق لكن بحذر. ولعل هذا الأمر يوضح فيما بعد من تحرك أبي سفيان. والقضية الثالثة: حول طبيعة الحلف في الإسلام فانضمام خزاعة ودخولها في عقد محمد ﷺ وعهده يعني كل مستلزمات هذا الحلف، علما بأن خزاعة لم تكن كلها مسلمة. بل كانت قيادتها لا تزال خاضعة للمشركين. ولم تعلن هذه القيادة إنضمامها إلى المسلمين في المدينة. صحيح قد تفشى فيهم الإسلام، ولكن فيها المسلم والكافر، وعندما عاهد رسول الله ﷺ خزاعة عاهدها على أنها مشركة. وهذا يعني أن من حق الدولة الإسلامية حين ترى مصلحتها في حلف محدد، لا يقتضي بالضرورة أن يكون الحليف مسلما. كما أنه لا تتناقض بين هذا التحالف وبين موادة الذين يحادون الله ورسوله. إن الشباب المسلم بحاجة إلى التفريق بين قضيتين كبيرتين: الأولى: موادة أعداء الله ورسوله الذين يحاربون المؤمنين ويضطهدونهم من خلال قناعات فردية للشباب المسلم دون إذن أو علم قيادتهم. الثانية: التحالف مع كافرين إختاروا أن يكونوا مع المؤمنين ضد عدو مشترك لهما معا. وهذه هي الصورة الثانية التي تمت بين خزاعة والمسلمين. فليس الكفر مانعا من هذا التحالف ورسول الله ﷺ قد شرع لنا هذا الأمر. وتبقى القضية الخلانية، حول مشروعية هذا التحالف هل هو مرتبط بكون المسلمين دولة قوية يحق لهم ذلك فقط، لأنهم وهم ليسوا دولة قد يبتلعهم حليفهم أو يفرض عليهم شروطه؟ أم إن الأمر عام مرتبط بحاجة المسلمين لهذا الأمر إذ ما رأوا مصلحة في ذلك. وإن كان لا دليل على التخصيص واضح فيدخل الأمر - والله أعلم - ضمن إطار تقدير المصلحة. القضية الرابعة: هي الجدية في تنفيذ بنود التحالف. فعندما وقع اعتداء على خزاعة وثبت

стр. 553

لرسول الله ﷺ تواطؤ قريش مع بني بكر، لم يتمالك أن أعلنها في المسجد صريحة مدوية نصرت يا عمرو بن سالم، أو قوله: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب أو قوله: لا نصرت إن لم أنصر بني كمب مما أنصر منه نفسي. فهذه الجدية في تنفيذ بنود الحلف تجعل الثقة لدى الآخرين بأن ينضووا تحت لواء المسلمين لضمان نصرهم وعونهم. لكننا لو تصورنا أن رسول الله ﷺ لم يعر اهتاما لهذا الأمر، فهذا قد يدفع خزاعة إلى البحث عن حليف قوي ينصرها، أو التخلي على الأقل عن حلف رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. القضية الخامسة: هي أثر هذا التحالف في صف المتحالفين، فهذا الأمر يكسر الحدود المصطنعة بين هؤلاء الحلفاء والإسلام، أولا، وبينهم وبين المسلمين ثانيا. فهي فرصة مواتية لكي يعرض الإسلام على حقيقته دون غبش في صفوف هؤلاء الخصوم، وفرصة مواتية ثانية ليتعرف الحلفاء على طبيعة المسلمين وأخلاقهم وأفكارهم عن كثب. فتكون القدوة والدعوة من خلالها مهيأة أمام الآخرين. وكل هذه القضايا هي في رصيد الحركة الإسلامية ذات بال تحتاج إلى استيعاب وتوضيحها لقواعدها حتى يزول اللبس في الأمور لدى شباب الحركة الذين يسيطر عليهم دائما نقاء الصف وتميزه وطهره. وننتقل إلى مهمة أبي سفيان في المدينة. فقد قدر رسول الله ﷺ هذا الأمر سلفا بثاقب نظره، وعميق فكره فقال: (كأني بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد، ويزيد في المدة). ووصل أبو سفيان المدينة، وكان يفاجأ بالفشل أينما مضى، وكيفما اتجه وذلك لأن الصف الداخلي القوي كان قلعة منيعة في وجهه، عجز من أن يتسلل إليه ولو من ثقب إبرة، ويكفي أن نعلم أن في هذا الصف المسلم القوي ابنة أبي سفيان وألصق الناس به. وقد تلقى منها منذ اللحظات الأولى أقسى درس في حياته. لا ينساه ما عاش. وذلك حين طوت فراش رسول الله ﷺ عنه لأنه نجس على شركه. ولو استطاع أن يتسلل من هذه الثغرة لكانت أخطر ثغرة على الإطلاق. فهو بيت النبي ﷺ ، ولاشك أذ العدو يحاول دائما أن ينفذ من مثل هذه الثغرات إلى الصف المسلم. ولم يكن لدى رسول الله حرج من أن تستقبل أم حبيبة بنت أبي سفيان أبا سفيان أباها في بيت رسول الله فهو مطمئن إلى أهل بيته، واثق بزوجه.

стр. 554

وما أروع الثقة حين تسود في الصف المسلم، فلم يتطرق الشك إلى رسول الله ﷺ ولا إلى أصحابه الأدنين والأبعدين، ولا إلى بيوت أزواجه الأخرى فيغمزن من قناة ضرتهن أم حبيبة. وحتى طوي فراش النبي ﷺ عن أبي سفيان لم يكن بإيحاء نبوي بمقدار ما كان فطرة إسلامية خالصة. وهنا نذكر الشباب المسلم بالفرق بين الموادة، وبين المعاملة الدبلوماسية اللازمة. فلم ينهش المسلمون عرض أم حبيبة ﵂ وهي تستقبل أباها وترحب به. ولم تتهم في دينها أو ممالأتها للكفار، وأبو سفيان يمثل في هذه المرحلة مسؤولية غدر قريش ونقضها للعهد. وهي ﵂ لم تجد حرجا في مثل هذا الاسقبال وهذه الضيافة فهي مطمئنة إلى ثقة النبي ﷺ ، والمسلمين بها، لكنها من الطرف الآخر، وصلت بالتميز والمفاصلة مع أبيها أكثر من المطلوب منها حين منعت أباها عن الجلوس على فراش رسول الله ﷺ ولا شك أن عصبة تصل الثقة في صفوفها أن تخلي بين قائد العدو وابنته في جلسة خاصة. دون أن يتطرق الشك بهذه المرأة لهي عصبة مؤهلة أن تحكم الأرض ويدين لها الخافقان. ثم كانت المواجهة الثانية بين النبي ﷺ وأبي سفيان: يقول أبو سفيان: (يا محمد إني كنت غائبا في صلح الحديبية، فاشدد العهد وزدنا في المدة. فقال رسول الله ﷺ : ولذلك قدمت يا أبا سفيان؟ قال: نعم! قال: هل كان قبلكم حدث؟ قال: معاذ الله! قال: فنحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية) (١). لقد كان أبو سفيان القائد العام لجيش المشركين يريد أن يضع كل عبقريته في عقد جديد يلغي ما كان من إخلاله قبله. وتذرع بغيابه عن صلح الحديبية. ولكن أنى له أن تسري أحابيله بين يدي رسول رب العالمين فقال له ﵊: ولذلك قدمت يا أبا سفيان؟ قال: نعم! وكان بإمكان النبي ﷺ أن ينفعل ويغضب، ويكشف غدر قريش. لكن العلاقات السياسية لا تحل عن طريق الانفعالات، ثم استجره أكثر لعله يعترف بغدر قريش. فسأله: هل كان قبلكم حدث؟ قال: معاذ الله. وأبو سفيان مضطر لنفي الأمر رغم معرفته به ورغم توقعه أن يكون محمد ﷺ قد عرف به، لأن الاعتراف فيه قد يودي بضرب عنقه، أو علمه على الأقل بهذا الغدر، ومع هذا النفي فكان الجواب الحاسم: فنحن على مدتنا وعهدنا وصلحا يوم الحديبية. يقول الشاعر: ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي وأن تكون هذه الصورة فعلا حقيقية، وهي نجاح أبي سفيان في مهمته، أو إيهام النبي ﷺ

стр. 555

بالوفاء التام. فهو عبقرية من أبي سفيان ولا شك لكن هذه العبقرية تبدو سذاجة أمام عبقرية النبي ﷺ في إيهام أبي سفيان بأنه اقتنع بجوابه. وأن العهد لا يزال على ما هو عليه. فلقد سد المنافذ كلها على أبي سفيان. إذ ما معنى تجديد العقد وزيادة المدة، طالما أن قريشا على عهدها ومدتها. ولتمام نجاح هذه المهمة، فلقد كانت الأسرار في الصف المسلم من المناعة، ومن الكتمان بحيث لا يمكن أن تبرز ولو من صفحات الوجه أن المسلمين على علم بغدر قريش. وهكذا برزت البراعة السياسية بأعلى صورها حين سدت على العدو كل منافذه وسبله. لقد كان بإمكان أبي سفيان أن ينجح بشيء من مهمته. لو أن لحظة انفعال أو غضب سيطرت على أحد الجنود الذين التقى بهم أبو سفيان وكان يمكن أن ينجح في شيء من مهمته لو أن سرا قد أفشي من أسرار المسلمين من خلال لقاءات أبي سفيان في المدينة. وحين يرتفع الصف المسلم إلى هذا المستوى. فلن يكون العدو قادرا على تحقيق النزر اليسير من مهمته. بله الأمر الكبير. فليس الداهية هو الذي يخدع الآخرين فقط، بل الأدهى منه هو الذي يوحي له بجواز خدعته عليه. لقد كان بإمكان النبي ﷺ أن يعتقل أبا سفيان أو يهدد به، أو يهدده ولكن لم يكن تخطيط النبي ﷺ أن يحل الأمر بالطرق السلمية أو بحلول محدودة لقد رأى أن الأوان قد آن لفتح مكة. بعد أن أصبح حرا من العقود والعهود التي نقضها العدو. ومن أجل ذلك حرص على إخفاء أية صورة من صور التحدي والإثارة أمام أبي سفيان ثم كانت خطوات أبي سفيان المتلاحقة في اللقاء مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، بين من يراه أمس الناس رحما به، ومن يراه أعدى العدو ولئن اختلفت لهجة الاستقبال من عظيم إلى آخر لكنها كانت جميعا ذات مضمون واحد هي أنه لا يجير أحد على رسول الله ﷺ ولا يقبل أحد أن يكون وسيطا في قضية رفضها رسول الله ﵊. ولم يتورع أبو سفيان في الوساطة أن يطلب من فاطمة بنت محمد، والحسن بن فاطمة بنت محمد ﵃ أن يكونا وسطاء في زيادة المدة وتجديد العهد. وفاطمة أحب خلق الله تعالى إلى أبيها وكان الجواب واحدا لا يتغير. فلن يشفع أحد عند رسول الله ﷺ في هذا الأمر. بعد أن صدر الجواب الحاسم. فنحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغير ولا نبدل. وهو درس كذلك لقواعد الحركة الإسلامية وقياداتها في أن لا تحرج أمير الجماعة في أمر أعلنه والتزم به خاصة حين يكون هذا الأمر مع خصوم الجماعة أو أعدائها أو حلفائها على السواء أو أن يبرز خلاف في الرأي أمام هذا الحليف أو ذاك العدو مهما كانت الأسباب الموجبة لذلك فالأصل أن يصدر الجميع عن رأي واحد خلف قيادتهم وبدون تردد.

стр. 556

وأبو سفيان يدرك أن رسول الله ﷺ لن يرد شفاعة وجاه أقرب المقربين إليه مثلل أصحابه الأربعة، وابنته وابن ابنته، وإدراك هذا المعنى عند أبي سفيان جعله يقول لفاطمة ﵂: يا ابنة محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر (١)؟ لأنه يتصور أن هذه الإجارة ستوقف حربا ضروسا بين مكة والمدينة لأنه يعلم أن الأخبار لا بد واردة إلى النبي ﷺ . ولن يقبل محمد أن يكون مهيض الجناح، فيسكت على ذبح حلفائه. وننظر هنا إلى الخطوط العامة التي سادت مكة بعد عودة أبي سفيان فنراها تنصب على الاتجاه الذي سلكه رسول الله ﷺ في أمر الناس بالتجهز والتهيؤ في بادىء الأمر، حتى أن أبا بكر الوزير الأول ما يدري لأي مكان الاتجاه ويسأل ابنته عائشة عن الأمر: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري ثم يوضح الهدف بعد ذلك بإعلام الناس بالتهيؤ إلى مكة. مع المحافظة على سرية التحرك: (اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها). ولم يند عن هذه السرية في المدينة إلا حاطب بن أبي بلتعة ﵁. وكانت زلة ضخمة دفعه لها حرصه على ولده وأهله. ومثل هذا المستوى مرفوض من حاطب البدري، وهو من الثقة لدى رسول الله ﷺ أن كان بمهمة ضخمة بعد الحديبية، بأن كان ممثل الرسول ﷺ إلى المقوقس وقام بدور إيجابي ضخم في شرح رسالة الإسلام، ومع ذلك كانت هذه السقطة منه. ورأى عمر ﵁ فيها أنها نفاق يستحق صاحبها القتل. غير أن الماضي العظيم لحاطب شفع له عند رسول الله ﷺ حيث أجاب: (لعل الله اطلع على أهل بدر يوم بدر فقال: إعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). ولا شك أن خطيئة القدوة ضخمة في صفوف العامة. ومثل حاطب ﵁ في موطن القدوة. غير أن رسول الله ﷺ لا يستغني عن أحد من أصحابه. ويكفي ما جاء من المحاكمة العلنية أمام الناس، والقرآن الكريم الذي جاء بإدانته على هذا التصرف. وتأتي خطورة القضية في أنها تمت دون علم القيادة، ودوافعها مصلحة الأهل والولد. وهذا الدرس يعني بالنسبة للشباب المسلم أنه لا معصوم إلا من عصمه الله تعالى، وقد تقع الزلة والخطيئة ممن هم في موقع الولاية والمسؤولية والذين هم أصحاب الأسرار العامة والخاصة ومثل هذه الخطيئة تستحق القتل فهي بمثابة الخيانة العظمى، ولعل هذه الخاصية -حضور بدر-

стр. 557

هي التي شفعت لحاطب ﵁، وما أعتقد أن أي عمل في الإسلام اليوم يعدل حضور بدر إذ أن ذلك وحي من الله تعالى غير أن المعنى العام الذي يفقهه الدعاة، هو أن بلاء الرجل وجهاده قد يشفعان له في تخفيف العقوبة لا بإلغائها. وهو ضلال عن سواء السبيل كما ذكره القرآن الكريم. وتأتي الصورة الأخيرة في الاستنفار العام للعرب جميعا من المدن والحضر الذين دخلوا في دين الله وكانت صيغة الاستنفار: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة .. وبعث رسلا في كل ناحية حتى قدموا فقدمت أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع المدينة وأتت بنو سليم بقديد، وعسكر ببئر أبي عنبة، وعقد الألوية والرايات). ومع كل هذا التوسع فقد حافظ المسلمون جميعا على سرية التحرك، وكان الدرس القاسي الذي نزل قرآنا يتلى بحق حاطب ﵁ قد تعمم على الجيش كله. ولم يجرؤ أحد بعد وفي قلبه إيمان بالله ورسوله أن يخون هذه الخيانة، ونجحت سرية التحرك دون أن تصل الأخبار إلى مكة. وما كان لمثل هذا التحرك الضخم أن ينجح لولا قوة هذا الصف وسلامته. ولم تكن الخطيئة الكبيرة من حاطب لتغير من هذه النظرة. رغم أن المهاجرين والأنصار لا يبلغون نصف الجيش (فقد كان المهاجرون سبعمائة ومعهم ثلاثمائة فرس، وكانت الأنصار أربعة آلاف ومعهم خمسمائة فرس، وكانت مزينة ألفا فيها مائة فرس ومائة درع، وكانت أسلم أربعمائة فيها ثلاثون فرسا، وكانت جهينة ثمانمائة معها خمسون فرسا، وكانت بنو كعب بن عمرو خمسمائة). وبمقارنة هذا العدد الهائل والاستجابة للنفير العام مع التباطؤ والتلكؤ يوم الحديدبية، نلاحظ الفرق بين تحرك الناس قبل التمكن وتحركهم بعده. ولقد قرع القرآن الكريم في سورة الفتح أولئك الأعراب الذين تباطؤوا وتخاذلوا عن هذا النفير حتى حرموا من حضور خيبر بعدها، هم هم أنفسهم اليوم ينضمون بالآلاف إلى الجيش الإسلامي، وهذا المعنى يرتبط بالفتح المبين يوم الحديبية. فثبات النفر القليل أيام المحنة والأيام السود هو الدرس الحي الذي يقود جحافل الناس بعد المحنة. وثبات النفر القليل هو الذي هيأ الجو لمثل هذه المعاهدة، وهذا لجو هو الذي فتح القلوب للإسلام، والجو المفتوح البعيد عن الخوف، الخالي من المخاطر، هو الذي هيأ المجال للتحرك الجاد من القاعدة الصلبة إلى نفوس الناس المتعطشة لهذا الدين، وما كان لمثل هذا التجمع أن يعطي فعاليته لولا ثبات الرواد الأوائل على الطريق، وقدرتهم على ضم هذه الأعداد الهائلة إلى المعركة.

стр. 558

ونلتقي مع أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمة والعباس بن عبد المطلب من أهل بيت النبي ﷺ يتحركون للإسلام أما مهمة العباس فقد انتهت فكان لابد له أن يدرك الهجرة وأما أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية هم أعدى العدو بالحسام وبالبيان. ولقد رفض رسول الله ﷺ بادىء ذي بدء قبولها بقوله: (أما ابن عمي فقد هتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال). وقول عبد الله بن أبي أمية بقي جرحا غائرا يحفر في قلب النبي ﷺ بعد مرور ما ينوف عن خمسة عشر عاما. فهو الذي قال: (والله لا أؤمن بك حتى تصعد إلى السماء، وتدخل فيها ثم ترجع ومعك كتاب ومعك أربعة من الملائكة يشهدون أن هذا من عند الله ولو فعلت هذا ما أظن أني أصدقك،) وضاقت الأرض بما رحبت بهذين الطريدين فقال أبو سفيان: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيدي بني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا .. ويلجأ أبو سفيان بن الحارث لابن عمه علي بن أبي طالب، ويشكو عبد الله بن أبي أمية لأم المؤمنين أم سلمة (فقالت: يا رسول الله لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك، وقال علي لأبي سفيان بن الحارث: أئت رسول الله ﷺ من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف ﴿قالوا تالله لقد آترك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾ فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولا منه. ففعل ذلك أبو سفيان فقال له رسول الله ﷺ ) لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) ومسحت حرب عشرين عاما من الهجاء والإقذع بكلمة واحدة أمام أعظم نفس بشرية لأن مفتاحه أنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا (١) فلقد أدرك علي ﵁ مفتاح شخصية النبي ﷺ وهذا المفتاح هو أنه قمة الكمال البشري. فلا يرضى ﵊ لنفسه موقفا أدنى من غيره وهو المؤهل للقدوة العليا للبشرية في الأرض. ومن الموقع نفسه نشهده مع أبي سفيان بن حرب ولقد جاء به العباس بن عبد المطلب ليأخذ له أمانا من النبي ﷺ عله ينقذ مكة من المواجهة ومما يثلج الصدر أن تكون رواية العباس بن عبد المطلب ﵁ بين أيدينا، وهو يعرض لنا حرصه على نجاة مكة. (فقلت: واصباح قريش. والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر). ونجد أن هذا الاتجاه لا يخرج عن رغبة النبي ﷺ ، فهو حريص على أن تستسلم مكة دون قتال، وهو حريص على حقن الدماء في مكة لتسلم له قلوب أهلها. وتكون مستعدة بالمعاملة الحسنة الكريمة الطيبة أن تنضم إلى الإسلام. فنحن لسنا أمام قائد عسكري فقط، وهو سيد القادة في الأرض تهيئة وتخطيطا، وإعدادا

стр. 559

ومواجهة لكننا كذلك أمام رسول رب العالمين، لا يريد أن يشقى أحد على يديه. فهو الرحمة المهداة. ولكم كان حريصا على هداية قومه حتى ليعاتبه ربه بذلك ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا﴾ (١) ٠ ولم تغير حرب عشرين عاما من نفسه الطاهرة الشريفة بأن يكون الانتقام رائده. بل بقي النور الذي يغمر الظلام مهما اشتد. ويمثل هذه النفسية العليا في الأرض رؤيا أبي بكر وتفسير النبي ﵊ لها: (فرأى أبو بكر الصديق ﵁، في الليلة التي أصبح فيها بالجحفة، أن النبي ﷺ لما دنوا من مكة خرجت عليهم كلبة تهر، فلما دنوا منها استلقت على ظهرها. فإذا أطباؤها (٢) تشخب لبنا، فذكرها أبو بكر فقال رسول الله ﷺ : ذهب كلبهم (٣)، وأقبل درهم. هم سائلوكم بأرحامكم! وأنتم لاقون بعضهم فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه) (٤). لقد أطلقنا على هذه المرحلة، مرحلة الجهاد السياسي، ولكنه من أعلى مواقع القوة العسكرية. فليس هذا الاتجاه عن عجز أو وهن. بل لأن القوة الضاربة هي التي تلجم اندفاعات العدو وتكبح جماحه وتتيح الفرصة لصوت الحق أن يظهر فحرص النبي ﷺ على سلامة مكة من حرب ضروس هو الذي دفعه لأن يدعو (اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها) وحرص العباس على سلامة قريش هو من مشكاة النبوة يريدها أن يسقط في يدها فتستسلم دون حرب وتستأمن لنفسها، فلا تجد حرجا أو غضاضة بعدها في الإسلام، أما لو وقعت المقتلة العظيمة في كل بيت من قريش وفي بطحاء مكة، فستدخل هذه القلوب في الإسلام ذليلة. ويتضح حرص النبي ﷺ على هذا المعنى كذلك من موقفه من سيد الخزرج سعد بن عبادة فقد (كانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا، غلما حاذى رسول الله ﷺ أبا سفيان قال: يا رسول الله ألم تسمع ما قال سعد؟ قال: وما قال؟ فقال: كذا وكذا. فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة: فقال رسول الله ﷺ : بل اليوم يوم المرحمة، اليوم تعظم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله قريشا، ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء، ودفعه إلى ابنه قيس، ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعد، وقيل بل دفعه إلى الزبير) (٥).

стр. 560

فعز قريش وتعظيم الكعبة والحرص على حقن الدماء هو الخط العام الذي يتحرك رسول الله ﷺ من خلاله لكنه مع ذلك لا يريد أن يؤذي أكبر أنصاره سعد ﵁ وهو الذي كان والخزرج كتائب الفداء الأولى في الإسلام فأخذ الراية وأعطاها لابنه قيس؛ وقيس في حلمه ورجاحة عقله ودهائده ما يجعل رسول الله ﷺ يطمئن إلى جانبه ألا يندفع في ثورته ونقمته على قريش بمقدار ما يندفع ضمن الخط النبوي المرسوم. وكان ذلك اللقاء التاريخي بين قائد جيش العدو-أبي سفيان- الذي وصل شبيه الأسير بين يدي محمد ﷺ . وتحققت نبوءة عتبة بن ربيعة ند أبي سفيان الذي قال له ذات يوم في بطحاء مكة: (لكأني بك يا أبا سفيان تساق إلى محمد كما يساق الجدي ليفعل بك ما يشاء). وها هو بين يدي رسول الله ﷺ . ولا يحتمل الأمر أكثر من إشارة، أو حركة في العين ليطاح رأسه عن جسده. لكن سيد الدعاة ﷺ لا ينسى أن إسلام أبي سفيان يعني تحولا تاما في مكة وفي بني أمية بالذات. وهم أعدى الأعداء. ورمى ﵊ عداء عشرين عاما خلف ظهره ليقول لأبي سفيان: (أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله؟ فيجيبه: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك. والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد) إنه وهو الذي لا يزال على جاهليته يصعقه نبل محمد ﷺ ويهزمه في أعمق أعماقه. فيفديه بأبيه وأمه وما يتمالك عن القول: ما أحلمك وأكرمك وأوصلك. ثم يأتي السؤال الثاني ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا. وإنها لقمة الانتصار في موازين الرجال وفي معارك النفوس أن يبهت القائد العام للعدو بخلق خصمه الأول فلا يتمالك عن الثناء على حلمه وكرمه وصلته للرحم بل يفديه بأبيه وأمه. وأدرك العباس ﵁ أن عدم إسلام أبي سفيان لن يضمن تجديد معركة وحرب وفي هذه الحالة فقتل أبي سفيان قبل أن يجيش الجيوش من جديد هو الذي تقتضيه طبيعة الخطة النبوية، ومن أجل ذلك قال العباس لأبي سفيان: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق فأسلم. ومع أن هذا الإسلام واضح أنه خوف من السيف. لكن ليس من طبيعة زعيم كأبي سفيان أن يرضى غدرة من خلال إسلامه أو يرضى تلطيخ تاريخه أنه جبن أمام رسول الله محمد. فتمضي سبة عليه بين العرب والعباس الخبير بنفس أبي سفيان طلب من رسول الله ﷺ شيئا من الفخر لابن حرب فقال ﵊: من دخل الكعبة فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن. فالميزة التي أخذها من هذا الفخر، إظهار لزعامته في قريش، وهذا حق مكتيب له لكن دون أن يبني عليها تعديل ذرة واحد من الخطة، وحين لا تتعارض الجزئية مع الكليات العامة فلا

стр. 561

ضير في ذلك. ولتحقيق الهدف الأساسي من تفويت الفرصة على قريش في أن لا تعد العدة ولا تواجه الحرب كان لا بد من استعراض القوات الإسلامية المسلحة أمام أبي سفيان وذلك عند خطم الجبل حتى ييأس نهائيا من المقاومة فيقنع قريشا بضرورة الاستسلام وها هي نفسيته تلوح وهو يشهد قبائل العرب التي كانت قبل عامين كلها معه ضد محمد. فيقول وهو يرى الكتيبة الخضراء بعد أن هدته القبائل (ما رأيت مثل هذه الكتيبة قط ولاخبرنيه مخبر ما لأحد به طاقة ولا يدان، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما). إنها خطتان تمشيان جنبا إلى جنب. الخطة الأولى: تلامس نفس هذا القائد في أعماقه وتدعوه إلى الإسلام لتفت في عضد قريش فماذا بعد إسلام قائدها الأكبر أو استسلامه. الخطة الثانية: أن يحطم نفسية المقاومة عنده بحيث يشهد بأم عينه جيش النبوة الذي تهتز الأرض اعتزازا به. وهو يعلم أنه فشل في حربه ولما يتجاوز جيش محمد ثلاثمائة رجل فكيف به أمام عشرة آلاف مقاتل؟ ولا يسعنا قبل أن نغادر أبا سفيان أن نعرض له وهو يرى سيف عمر بن الخطاب ينتظر أمر رسول الله ﷺ ليهوي عليه فيقطع رأسه عن جسده. ويرى إلحاح عمر وإلحاح العباس فيه حتى ليكادان يختصمان عليه وفيه. فيحميه رسول الله ﷺ ويراجع رصيده قبل عامين وهو في بلاط قيصر الذي يقسم أن محمدا سيطأ ما بين رجليه. وأنه يتمنى أن يكون عنده فيقبل الأرض بين قدميه ونستطيع القول، أن إنهاء أبي سفيان من المعركة هو القضاء على ثلثي العدو فيها. وكم يكون ربح الحركة الإسلامية في القمة حين ينهى جيش العدو بالإجهاز على قائده. وليس إجهاز الإفناء، بل هو إدخاله في الإسلام. وأن تجتنب معركة بتحييد قائدها لصالح الإسلام مع أن الطريق الوحيد لذلك هو القوة الرادعة القادرة على أن تقنع هذا القائد فتعطيه عوضا عن الذل، حلما وكرما وصلة تجعله يفدي أمير المسلمين بأمه وأبيه. إنه الشرط الطويل لكنه هو الطريق. نصر الله والفتح رجوع أبي سفيان إلى أهل مكة: قال: قلت النجاء إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة

стр. 562

فأخذت بشاربه. فقالت: اقتلوا الحميت الدميم الأحمس (١) قبح من طليعة قوم! قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك، قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. وصول النبي إلى ذي طوى: قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى ذي طوى. وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة (٢) حمراء وإن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل. دخول جيوش المسلمين مكة: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح أن رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذي طوى، أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء (٣). طريق المسلمين في دخول مكة: قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبد الله بن أبي نجيح في حديثه: أن رسول الله ﷺ أمر خالد بن الوليد، فدخل من الليط، أسفل مكة في بعض الناس. وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله ﷺ ودخل رسول الله من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبته. تعرض صفوان في نفر معه للمسلمين: قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، وقد كان حماس بن قيس بن خالد، أخو بني بكر يعد سلاحا قبل دخول رسول الله ﷺ ويصلح منه، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء: قال والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال: إن يُقبلوا اليوم فما لي عِلَّه ... هذا سلاح كامل وأله (٤) وذو عزارين سريع السِّله (٥) ثم شهد الخندمة مع صفوان، وسهيل وعكرمة، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد

стр. 563

ابن الوليد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر، أحد بني محارب ... وخنيس بن خالد حليف بني منقذ وأصيب من جهينة سلمة بن الميلاء، وأصيب من المشركين ناس قريب من اثنى عشر رجلا، أو ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي علي بابي قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال: إنك لو شهدت يوم الخندمة ... إذ فر صفوان وفر عكرمة وأبو يزيد قائم كالموتمة ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمة يقطعن كل ساعد وجمجمة ... ضربا فلا يسمع إلا غمغمة لهم نهيت خلفنا وهمهمة ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمة وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وحنين والطائف شعار المهاجرين يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله وشعار الأوس: يا بني عبيد الله. عهد رسول الله إلى أمرائه وأمره بقتل نفر ممن سماهم: وإن كان رسول الله ﷺ قد عهد إلى أمرائه من المسلمين، حين أمرهم أن يدخلوا مكة، أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد إلى نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد ... وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله لأنه قد كان أسلم وكان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي. فارتد مشركا راجعا إلى قريش. ففر إلى عثمان بن عفان وكان أخاه للرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله ﷺ بعد أن اطمأن الناس وأهل مكة فاستأمن له فزعموا أن رسول الله ﷺ صمت طويلا ثم قال نعم. فلما انصرف عنه عثمان قال رسول الله ﷺ لمن حوله من أصحابه لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول الله؟ قال: إن النبي لا يقتل بالإشارة. وعبد الله بن خطل رجل من تيم إنما أمر بقتله أنه كان مسلما. فبعثه رسول الله ﷺ مضدقا وبعث معه رجل من الأنصار وكان معه مولى له يخدمه. وكان مسلما فنزل منزلا، وأمر المولى أن يذبح له تيسا فيصنع له طعاما. فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركا وكانت له قينتان: وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ فأمر رسول الله بقتلهما معه. والحويرث بن نقيذ. وكان ممن يؤذيه بمكة. (قال ابن هشام: وكان العباس بن عبد المطلب قد حمل فاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ من مكة يريد بهما المدينة؛ فنخس بهما الحويرث فرمى بهما إلى الأرض) ومقيس بن حبابة. وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله، لقتل الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ ورجوعه إلى قريش مشركا وسارة مولاة بني عبد المطلب، وعكرمة بن أبي جهل وكانت سارة ممن يؤذيه بمكة. فأما عكرمه فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام. فاستأمنت له من رسول الله ﷺ فأمنه. فخرجت في طلبه إلى اليمن حتى أتت به إلى رسول الله ﷺ فأسلم، وأما عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن حريث وأبو برزة الأسلمي،

стр. 564

اشتركا في دمه، وأما مقيس بن حبابة فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى، حتى استؤمن لها ... وأما سارة فاستؤمن لها فأمنها .. وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب. حديث الرجلين اللذين أمنتهما أم هانىء: قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي هند عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، أن أم هانىء ابنة أبي طالب قالت: لما نزل رسول الله ﷺ بأعلى مكة، فر إلي رجلان من أحمائي، من بني مخزوم. وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي، قالت: فدخل علي علي بن أبي طالب أخي فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إلي فقال: مرحبا وأهلا يا أم هانىء، ما جاء بك؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي؛ فقال: قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما. طواف الرسول بالبيت وكلمته فيه: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد جعفر بن الزبيرى، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله ﷺ لما نزل مكة، واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف (١) له الناس في المسجد. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قام على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش. إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم، وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾. ثم قال: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. إقرار الرسول ﷺ ابن طلحة على السدانة: ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك فقال رسول

стр. 565

الله ﷺ : أين عثمان بن طلحة فدعي له، فقال: هال مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء. أمر الرسول بطمس ما في البيت من صور: قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، أن رسول الله ﷺ دخل البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم ﵇ مصورا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست. سبب إسلام عتاب والحارث بن هشام: قال ابن هشام: وحدثني أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب عتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا فسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمته لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليهم النبي ﷺ فقال: قد علمت الذي قلتم ثم ذكر ذلك لهم: فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك. سقوط أصنام الكعبة بإشارة من الرسول: قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي ﷺ يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾. فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه. حتى ما بقي منها صنم إلا وقع. فقال تميم بن أسد الخزاعي في ذلك: وفي الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا كيف أسلم فضالة: قال ابن هشام: وحدثني: أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد قتل الرسول ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله ﷺ : أفضالة؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله: قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال لا شيء كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي ﷺ ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه. فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلم إلى الحديث فقلت: لا. وانبعث فضالة يقول: قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والإسلام
следующие страницы →