ضير في ذلك.
ولتحقيق الهدف الأساسي من تفويت الفرصة على قريش في أن لا تعد العدة ولا تواجه الحرب كان لا بد من استعراض القوات الإسلامية المسلحة أمام أبي سفيان وذلك عند خطم الجبل حتى ييأس نهائيا من المقاومة فيقنع قريشا بضرورة الاستسلام وها هي نفسيته تلوح وهو يشهد قبائل العرب التي كانت قبل عامين كلها معه ضد محمد. فيقول وهو يرى الكتيبة الخضراء بعد أن هدته القبائل (ما رأيت مثل هذه الكتيبة قط ولاخبرنيه مخبر ما لأحد به طاقة ولا يدان، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما). إنها خطتان تمشيان جنبا إلى جنب.
الخطة الأولى: تلامس نفس هذا القائد في أعماقه وتدعوه إلى الإسلام لتفت في عضد قريش فماذا بعد إسلام قائدها الأكبر أو استسلامه.
الخطة الثانية: أن يحطم نفسية المقاومة عنده بحيث يشهد بأم عينه جيش النبوة الذي تهتز الأرض اعتزازا به. وهو يعلم أنه فشل في حربه ولما يتجاوز جيش محمد ثلاثمائة رجل فكيف به أمام عشرة آلاف مقاتل؟
ولا يسعنا قبل أن نغادر أبا سفيان أن نعرض له وهو يرى سيف عمر بن الخطاب ينتظر أمر رسول الله ﷺ ليهوي عليه فيقطع رأسه عن جسده. ويرى إلحاح عمر وإلحاح العباس فيه حتى ليكادان يختصمان عليه وفيه. فيحميه رسول الله ﷺ ويراجع رصيده قبل عامين وهو في بلاط قيصر الذي يقسم أن محمدا سيطأ ما بين رجليه. وأنه يتمنى أن يكون عنده فيقبل الأرض بين قدميه ونستطيع القول، أن إنهاء أبي سفيان من المعركة هو القضاء على ثلثي العدو فيها. وكم يكون ربح الحركة الإسلامية في القمة حين ينهى جيش العدو بالإجهاز على قائده. وليس إجهاز الإفناء، بل هو إدخاله في الإسلام. وأن تجتنب معركة بتحييد قائدها لصالح الإسلام مع أن الطريق الوحيد لذلك هو القوة الرادعة القادرة على أن تقنع هذا القائد فتعطيه عوضا عن الذل، حلما وكرما وصلة تجعله يفدي أمير المسلمين بأمه وأبيه. إنه الشرط الطويل لكنه هو الطريق.
نصر الله والفتح
رجوع أبي سفيان إلى أهل مكة:
قال: قلت النجاء إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة
стр. 562
فأخذت بشاربه. فقالت: اقتلوا الحميت الدميم الأحمس (١) قبح من طليعة قوم! قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك، قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
وصول النبي إلى ذي طوى: قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى ذي طوى. وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة (٢) حمراء وإن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل.
دخول جيوش المسلمين مكة: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح أن رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذي طوى، أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء (٣).
طريق المسلمين في دخول مكة: قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبد الله بن أبي نجيح في حديثه: أن رسول الله ﷺ أمر خالد بن الوليد، فدخل من الليط، أسفل مكة في بعض الناس.
وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله ﷺ ودخل رسول الله من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبته.
تعرض صفوان في نفر معه للمسلمين: قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، وقد كان حماس بن قيس بن خالد، أخو بني بكر يعد سلاحا قبل دخول رسول الله ﷺ ويصلح منه، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء: قال والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال:
إن يُقبلوا اليوم فما لي عِلَّه ... هذا سلاح كامل وأله (٤)
وذو عزارين سريع السِّله (٥)
ثم شهد الخندمة مع صفوان، وسهيل وعكرمة، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد
стр. 563
ابن الوليد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر، أحد بني محارب ... وخنيس بن خالد حليف بني منقذ وأصيب من جهينة سلمة بن الميلاء، وأصيب من المشركين ناس قريب من اثنى عشر رجلا، أو ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي علي بابي قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:
إنك لو شهدت يوم الخندمة ... إذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبو يزيد قائم كالموتمة ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة ... ضربا فلا يسمع إلا غمغمة
لهم نهيت خلفنا وهمهمة ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمة
وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وحنين والطائف شعار المهاجرين يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله وشعار الأوس: يا بني عبيد الله.
عهد رسول الله إلى أمرائه وأمره بقتل نفر ممن سماهم: وإن كان رسول الله ﷺ قد عهد إلى أمرائه من المسلمين، حين أمرهم أن يدخلوا مكة، أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد إلى نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد ... وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله لأنه قد كان أسلم وكان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي. فارتد مشركا راجعا إلى قريش. ففر إلى عثمان بن عفان وكان أخاه للرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله ﷺ بعد أن اطمأن الناس وأهل مكة فاستأمن له فزعموا أن رسول الله ﷺ صمت طويلا ثم قال نعم. فلما انصرف عنه عثمان قال رسول الله ﷺ لمن حوله من أصحابه لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول الله؟ قال: إن النبي لا يقتل بالإشارة. وعبد الله بن خطل رجل من تيم إنما أمر بقتله أنه كان مسلما. فبعثه رسول الله ﷺ مضدقا وبعث معه رجل من الأنصار وكان معه مولى له يخدمه. وكان مسلما فنزل منزلا، وأمر المولى أن يذبح له تيسا فيصنع له طعاما. فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركا وكانت له قينتان: وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ فأمر رسول الله بقتلهما معه. والحويرث بن نقيذ. وكان ممن يؤذيه بمكة. (قال ابن هشام: وكان العباس بن عبد المطلب قد حمل فاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ من مكة يريد بهما المدينة؛ فنخس بهما الحويرث فرمى بهما إلى الأرض) ومقيس بن حبابة. وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله، لقتل الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ ورجوعه إلى قريش مشركا وسارة مولاة بني عبد المطلب، وعكرمة بن أبي جهل وكانت سارة ممن يؤذيه بمكة. فأما عكرمه فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام. فاستأمنت له من رسول الله ﷺ فأمنه. فخرجت في طلبه إلى اليمن حتى أتت به إلى رسول الله ﷺ فأسلم، وأما عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن حريث وأبو برزة الأسلمي،
стр. 564
اشتركا في دمه، وأما مقيس بن حبابة فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى، حتى استؤمن لها ... وأما سارة فاستؤمن لها فأمنها .. وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب.
حديث الرجلين اللذين أمنتهما أم هانىء: قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي هند عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، أن أم هانىء ابنة أبي طالب قالت: لما نزل رسول الله ﷺ بأعلى مكة، فر إلي رجلان من أحمائي، من بني مخزوم. وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي، قالت: فدخل علي علي بن أبي طالب أخي فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إلي فقال: مرحبا وأهلا يا أم هانىء، ما جاء بك؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي؛ فقال: قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما.
طواف الرسول بالبيت وكلمته فيه: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد جعفر بن الزبيرى، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله ﷺ لما نزل مكة، واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف (١) له الناس في المسجد.
قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قام على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش. إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم، وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾. ثم قال: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
إقرار الرسول ﷺ ابن طلحة على السدانة: ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك فقال رسول
стр. 565
الله ﷺ : أين عثمان بن طلحة فدعي له، فقال: هال مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء.
أمر الرسول بطمس ما في البيت من صور: قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، أن رسول الله ﷺ دخل البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم ﵇ مصورا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست.
سبب إسلام عتاب والحارث بن هشام: قال ابن هشام: وحدثني أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب عتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا فسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمته لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليهم النبي ﷺ فقال: قد علمت الذي قلتم ثم ذكر ذلك لهم: فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك.
سقوط أصنام الكعبة بإشارة من الرسول: قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي ﷺ يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾. فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه. حتى ما بقي منها صنم إلا وقع. فقال تميم بن أسد الخزاعي في ذلك:
وفي الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا
كيف أسلم فضالة: قال ابن هشام: وحدثني: أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد قتل الرسول ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله ﷺ : أفضالة؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله: قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال لا شيء كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي ﷺ ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه. فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلم إلى الحديث فقلت: لا. وانبعث فضالة يقول:
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والإسلام
стр. 566
لو ما رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بيننا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام
أمان الرسول لصفوان بن أمية: قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر، عن عروة بن الزبير، قال: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربا منك، ليقذف نفسه في البحر فأمنه صلى الله عليك، قال: هو آمن؛ قال: يا رسول الله فاعطني آية يعرف بها أمانك، فأعطاه رسول الله ﷺ عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها حتى أدركه، وهو يريد أن يركب البحر. فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي. الله الله في نفسك أن تهلكها. فهذا أمان من رسول الله ﷺ قد جئتك به، قال: ويحك! أغرب عني فلا تكلمني. قال: أي صفوان، فداك أبي وأمي أفضل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس، وخير الناس، ابن عمك، عزه عزك وشرفه وملكه ملكك قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذاك وأكرم، فرجع معه حتى وقف به على رسول ﷺ فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمنتني، قال: صدق، قال: فاجعلني في الخيار شهرين؛ قال: أنت بالخيار فيه أربعة أشهر.
إسلام عكرمة وصفوان: قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري: أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وفاختة بنت الوليد، وكانت فاختة عند صفوان بن أمية، وأم حكيم عند عكرمة بن أبي جهل، أسلمتا، فأما أم حكيم فاستأمنت رسول الله ﷺ لعكرمة فأمنه. فلحقت به في اليمن فجاءت به. فلما أسلم عكرمة وصفوان أقرهما رسول الله ﷺ عندهما على النكاح الأول.
إسلام ابن الزبعري: قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، قال: رمى حسان ابن الزبعري وهو بنجران بيت واحد ما زاده عليه:
لا تعدمن رجلا أحلك بغضه ... نجران في عيش أخد ليئم
فلما بلغ ذلك ابن الزبعرى خرج إلى رسول الله ﷺ فأسلم، فقال حين أسلم:
يا رسول المليك إن لساني ... رائق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أباري الشيطان في سنن الغي ... ومن مال ميله مثبور
آمن اللحم والعظام لربي ... ثم قلبي الشهيد أنت النذير
إنني عنك زاجر ثم حيا ... من لؤي وكلهم مغرور (١).
إسلام سهيل بن عمرو: وكان سهيل بن عمرو أغلق عليه بابه، وبعث إلى ابنه عبد الله بن سهيل أن يأخذ له أمانا فأمنه رسول الله ﷺ وقال: من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه
стр. 567
فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع (١) فيه أنه لم يكن له بنافع. فخرج عبد اله إلى أبيه فأخبره فقال: سهيل: كان والله برا صغيرا وكبيرا فخرج وشهد حنين وأسلم بالجعرانة (٢).
نتحدث عن هذا النصر والفتح من خلال النقاط التالية التي تحدد معلم هذه السمة: أو تتمة معالمها.
أولا: إنهيار المقاومة المسلحة.
ثانيا: رسول الله ﷺ في مكة والبيت الحرام.
ثالثا: المحكوم عليهم بالإعدام.
رابعا: إسلام القيادة جميعا.
النصر يبتدىء دئما عندما تتحقق الهزيمة النفسية في صفوف العدو، وكان أبو سفيان هو بطل الاستسلام الرسمي فهو التائد العام لمكة وكان كل اهتمامه ينصب على حماية مكة من التدمير، ولن تتم حمايتها إلا إذا أعلنت الانسحاب والتخلي عن المقاومة. ولا نشك أبدا أن إسلام أبي سفيان ﵁ كان دافعا قويا لفتح الطريق أمام محمد ﷺ لدخول مكة.
غير أن التطورات كانت على غير ما يهوى أبو سفيان. لقد حملت هند بنت عتبة زوجه لواء المعارضة ضده، ودعت إلى قتله لأنه استسلم، وراحت تهيح المشاعر والنفوس للمقاومة واسطاعت أن تقود تيارا قويا مع القادة الشباب الذين عز عليهم أن تمرغ كرامتهم بالتراب لو لجؤوا إلى بيوتهم مذعورين خائفين، وضبط القائد العام لمكة أعصابه على هول الصفعة من زوجه هند، واكتفى للمحافظة على الهدف أن يقول: لا تغرنكم هذه عن أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به.
وكان الجيش الإسلامي كما وزعه رسول الله ﷺ مكلفا بدخول مكة من عدة محاور. وكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى وكلف بدخول مكة من أسفلها وتحت إمرته أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة. وكان سلاح الفرسان مع هذه الكتيبة. وخالد هو قائد سلاح الفرسان دائما إذ أن أسلم وحدها، حين انضمت للجيش الإسلامي قدمت بألف فرس وفارس.
وتحركت القيادات الشابة تقود الكثير من هؤلاء الشباب للمقاومة وشاء قدر الله أن يلتقي رفاق السلاح في مكان واحد، فخالد قبل أقل من عام هو قائد سلاح الفرسان لقريش وقبل أقل من عام كان يخطط مع صفوان وعكرمة وسهيل لمواجهة محمد ﷺ وهذه أول موقعة يقف فيها خالد
стр. 568
تجاه أعز أصدقائه من قبل، وأقرب أقربائه الأدنين تجاه عكرمة وصفوان اللذين دعاهما إلى الإسلام من بين كل الناس حين مضى إلى المدينة ليسلم.
ولكنها العقيدة هي التي فرقت بينه وبينهما اليوم، وهم يعرفون من خالد بن الوليد، وكانت مفاجأة صاعقة لهم أن يواجهوا به، وإن كان المهم وغيظهم منه أكثر من كل من سواه، فهو الذي تخلى عنهم، وانضم إلى صف محمد وهم الموتورون منه. وحاول خالد ﵁ أن يحول بين المواجهة غير أنه عجز عن ذلك، فلقد كان الغرور والعجرفة هو الذي يسطر على هؤلاء المقاتلين، وقد رأينا مدى ثقتهم بقوتهم أن كان حماس بن قيس يعد امرأته أن يخدمها أحدهم. فسيكون المسلمون أسرى بين أيديهم وكما يقول:
إن يقبلوا اليوم فما لي عله ... هذا سلاح كامل وإله
وذو غرارين سريع السلة
ولن تستطيع قوة الشرك أن تصمد أمام قوة الإيمان حين يكون جند الإيمان هم القلة فكيف إذا كانوا هم الكثرة عددا وعدة، ومن أجل هذا ما تمالك المشركون ساعات حتى تبارى القادة بالفرار صفوان وعكرمة وسهيل، ومع فرار القيادة لاذ الجنود بالفرار والمسلمون في ظهورهم كالنار المشتعلة كما وصفهم حماس نفسه:
لم نهيت خلفنا وهمهمة ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمة
ونلاحظ أن الخسائر كانت قليلة، فقد قتل من المشركين حوالي ثلاثة عشر رجلا بينما استشهد من المسلمين ثلاثة بينهم اثنان ضلا الطريق فوقعا بين يدي العدو. وقلة القتلى بين الفريقين ناتجة عن سرعة فرار المشركين من جهة بعد فرار قياداتهم. وعدم رغبة المسلمين في متابعة القتال حسب أوامر الرسول ﷺ من جهة ثانية.
والدرس الذي نفقهه من خلال هذه المواقف أن نحسب كل الحسابات في مواجهة العدو.
فلا يكفي الاعتماد على الاستسلام العام له إذ أن بعض فصائل هذا العدو قد تثور على من وقع وثيقة الاستسلام. فلا بد أن يعد لمثل هذا الأمر في التخطيط الذي تقوم به القيادة. والإرهاب بالقوة في أحيان كثيرة ليس هدفه القتل والذبح بمقدار ما يهدف إلى إحباط مقاومة العدو. والحركة الإسلامية تستفيد كثيرا من هذا الدرس حين تفت في أعضاد خصومها بما تملكه حقيقة من قوة رادعة لهؤلاء الخصوم. ولقد رأينا مثل هذا الموقف في عمرة القضاء حين قال المشركون: سيأتيكم محمد وجيشه قد أوهنتهم حمى يثرب، فاضطبع رسول الله ﷺ بردائه وقال لجيشه والمشركون ينظرون إليهم من دار الندوة: رحم الله امرءا أراهم من نفسه قوة ومضى ﵊ يهرول والمسلمون وراءه. لا بد أن تملك الحركة الإسلامية القوة الرادعة، أو تخطط لذلك، وهذا
стр. 569
هو الضمان الوحيد الذي يمنع الخصوم من حربها، وامتلاك هذه القوة الرادعة لا يعني أن تتحول إلى عصابة قاتلة بل تستطيع بهذه القوة أن تحطم النفوس المعاندة وتردع العدوان الكامن. وفي معظم الأحيان نجد أن هزيمة العدو مرتبطة بهزيمة قيادته. فمع فرار صفوان وعكرمة وسهيل انتهت الحرب.
وعلى الحركة الإسلامية أن تقدم إضافة إلى القوة الرادعة القوة المكافئة. فخالد هو الذي واجه سهيلا وصفوان وعكرمة. وهو الأدرى بهم وبإمكاناتهم. وهذا يعني كذلك أن الحركة الإسلابة لا بد أن تعد الوسائل المكافئة كذلك لمواجهة خصمها، وتجربة الحركة الإسلامية حين خاضت حربا ضروسا ضد أعدائها قبل أن تمتلك السلاح والرجال المكافئين للخصم فكانت كارثة مروعة راح ضحيتها عشرات الألوف من القتلى والجرحى والمفقودين. ولا بد أن تأتي الفرصة التي تحدد فيها مسؤولية هؤلاء المسؤولين عن هذه المرحلة. إن فرطوا في هذه الأمانة.
ونمضي مع رسول الله ﷺ إلى مكة:
أولا: فلقد كان وهو القائد المنتصر الذي دانت له رقاب العرب بعد أن أهدر دمه. وقال عنه ربه ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾ (١).
من ذلك الموقع الذي يقول فيه أبو بكر ﵁، لو نظر أحدهم إلى خلل قدمه لرآنا.
إلى هذا الموقف ويحيط به عشرة آلاف مقاتل على قلب رجل واحد. يفتح بهم الأرض، ويمضي إلى
الذين حاربوه عشرين عاما أو تزيد وها هو اليوم يدخل في قلب هذا النصر (يضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل). فهو الآن عبد الله ورسوله الذي أنعم الله تعالى عليه بالقتح، وليس هو كما تقول الجاهلية بطل النصر، وصانعه ومفجره، بل كان الهتاف الإسلامي الخالد:
لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده لا شيء قبله ولا شيء بعده.
فالنصر هو نصر العقيدة، نصر كلمة التوحيد، وليس انتصار الذات، أو انتصار الثأر أو انتصار الهوى وبالتالي فالتذلل لله تعالى في هذه الساعات هو التي يتنزل فيها نصر الله. وهذا الدرس لكل قادة الأرض الذين حفل بهم التاريخ أن يتعلموا من معلمهم الأول كيف يكون القائد المنتصر بين يدي ربه الذي أعطاه هذا النصر.
стр. 570
وكم يغيب هذا المعنى عن القادة المسلمين بله الفرد العادي من المسلمين فتأخذه نشوة النصر فلا يكاد يطا له أحد وهو قد انتصر بمظاهرة أو كلمة ألقاها أو كلمن عابرة اثنى عليه بها عابر سبيل.
ثانيا: ودخل رسول الله ﷺ مكة بعد أن أعلنت استسلامها الأخير وكان أول ما يقصده الذي يدخل مكة هو البيت. ولا بد أن نقارن بين طوافين. لقد كان الطواف الأول في عمرة القضاء والمسلمون معه والأصنام الثلاثمائة والستون تملأ فجاج الكعبة وأركان البيت. ولكنه كان عاجزا عن المساس بها. وليس له الحق في ذلك. إذ أن دخول الكعبة في عمرة القضاء دخول سلمي بحماية قريش وموافقتها. فطاف والأصنام قائمة أما اليوم فقد اختلف الأمر، لقد دخل مكة فاتحا، واستسلمت بعد قتال، غزيت بعد نقض للعهد. فالسلطة العليا له. ولا عهد لأحد عليه. فكان أول ما أقدم عليه ﷺ هو تحطيم الأصنام. (فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم إلا وقع).
وليت شباب الحركة الإسلامية يدركون هذه المقارنة، ويدركون أن الإسلام لا يطبق طفرة واحدة، فمع أن المسلمين دولة قوية في عمرة القضاء لكن لا سلطة ولا سلطان لهم على مكة. والذين صالحوهم وهادنوهم منحوهم حق العمرة في مكة فقط ولأيام محدودة دون مس بأمن مكة أو شعائرها أو عقائدها، لكن لا يطوفون بإعلان شعائر غيرهم كذلك فالمسلمون يعلنون كلمة التوحيد في مكة وهذا نقض كامل لمبادىء قريش. غير أنهم عاجزون عن القضاء على شعائر المشركين ومقدساتهم من الأصنام. ولقد قبل رسول الله ﷺ هذا الواقع من خلال معاهدة أقبل على توقيع بنودها، وهو درس هام وهام جدا للحركة الإسلامية يوضح خطوط تحركها، ويوضح المرحلية في الوصول إلى أهدافها، فما كان جائزا من خلال معاهدة بين قريش ورسول الله ﷺ وهو عدم التعرض لأصنام قريش. لم يعد جائزا. بعد مرحلة القوة الجديدة التي فتحت أبواب مكة أمام رسول الله ﷺ دون قيد أو شرط.
فقد تقدم الحركة الإسلامية على ميثاق هدنة أو صلح أو تحالف لا يتم من خلاله التميز الكامل لشعائر الإسلام، أو التنفيذ الكامل لمبادىء الإسلام. لكن الذي لا عذر فيه أن يقدم المسلمون شعائر جاهلية. أن تشترك الشعائر كل حسب مقدساته. فلا غرابة في ذلك، إذ لم يثبت أن المسلمين وهم يعطوفون حول الكعبة منعوا طواف بقية الناس، ومنعوا إعلان شعائر الشرك التي تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكا هو لك وما ملك. أو منعوا السجود للأصنام وتقديسها أثناء الطواف لكن كان لهم كامل الحق أن يطوفوا بشعائرهم دون أن يتقيدوا بشعائر المشركين.
وهذا التدرج الذي يصل المسلمون إليه خطوة بعد خطوة لا بد أن يفقهه الدعاة إلى الله
стр. 571
تعالى. ولا يسارعوا إلى النيل من قياداتهم حين تسير في هذه الخطوات في التدرج حسب القوة التي تمتلكها. إن معاملة القاعدة للقيادة دائما على أن عليها أن تطبق أحكام الإسلام النهائية كما هي بعد براءة. فهو ظلم لهذه القيادة من جهة، وجهل بحقيقة هذا الدين ومرحلتيه وحركتيه في الوصول إلى أهدافه. وحين نبين الحد الواضح بين الاحتواء الذي يمثل نطقا بفكر غيرنا الذي لا نؤمن به أو يحارب عقيدتنا وبين التعامل التي يحفظ لكل طرف حقه في شعائره وعقيدته. والدليل على هذه المرحلية كما نرى هو اختلاف الموقف بين طواف عمرة القضاء وطواف الفتح. فقد رافق طواف الفتح هدم للأصنام في الكعبة، وإعلان كلمة التوحيد على بابها. والمشركون لا يملكون حتى رفع بصرهم إلى رسول الله ﷺ خوفا ورهبة وإجلالا كذلك هذا الافتراق بين الطوافين هو الذي يعلمنا كيف ننطلق بهذا الإسلام في منهجه الحركي، ومن خلال سماته، المتتابعة التي تحقق نصرا عقب نصر من خلال خطة واضحة المعالم، محددة المراحل في ذهن رسول الله ﷺ الذي خطط لفتح مكة دون أن يضطر لقيد واحد أو شرط واحد على الفتح. بينما قام رسول الله ﷺ بذاته الشريفة في إعلان مبادىء الهدنة المشتركة بين قريش ومحمد بن عبد الله.
ومما كسر كذلك صنم قريش الأكبر الذي كان مفخر عزها، وهو الذي نادى أبو سفيان باسه يوم أحد فقال: أعل هبل .. ولم يترك الزبير ﵁ هذا الأمر. فذكر أبا سفيان بذلك قائلا له: (يا أبا سفيان قد كسر هبل أما إنك كنت يوم أحد في غرور حين تزعم أنه قد أنعم! فقال: دع هذا عنك يا ابن العوام فقد أرى لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان). ومع انتهاء الطواف. وإلغاء كل مظاهر الوثنية الظاهرة. كان الناس ينظرون إلى القائد العظيم بثيابه الحربية الدرع والمغفر وعلى راحلته وهو بينهم حيث قام ﵊ بعد الطواف بالشرب من ماء زمزم والوضوء منه استعدادا لخطوات لاحقة.
ثالثا: ثم كان دخول الكعبة المشرفة، حيث دعا عثمان بن طلحة ﵁ وأخذ منه مفتاح الكعبة ودخلها فكسر شعائر الوثنية داخلها وهي الحمامة من العيدان، وصورة إبراهيم ﵊ وهو يستقسم بالأزلام. وصلى بالكعبة ثم خرج إلى الناس. وكانت فرصة مواتية، أن طلب العباس بن عبد المطلب ضم الحجابة إلى السقاية وتكونان لبني هاشم.
وكان هذا أمام الناس جميعا، ومن يستطيع أن يناقش رسول الله ﷺ في أمر، حتى عثمان بن طلحة، فلقد غدا جنديا مسلما ينفذ أمر رسوله والناس جميعا كأن على رؤوسهم الطير، وهم ينتظرون ما تتحرك به شفتي النبي ﷺ في هذا الأمر وبيده أن يلغي الحجابة ويضعها في يده، أو يعطيها لبني هاشم رهط النبي من بعده. لكن المسلمين والمشركين فوجئوا برسول الله ﷺ يقول: (ادعوا إلي عثمان بن طلحة - وكان ﷺ قال له يوما بمكة: وهو يدعوه إلى الإسلام، ومع عثمان المفتاح. فقال: لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت. فقال له عثمان: لقد
стр. 572
هلكت إذن قريش وذلت، فقال ﷺ بل عمرت وعزت يومئذ - فأقبل عثمان فقال له ﵊، خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة، ولا ينزعها منكم إلا ظالم! يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا بالمعروف. فلما ولى عثمان ناداه ﵊ فرجع إليه فقال له: ءألم يكن الذي قلت لك؟ فذكر عثمان قوله له بمكة. فقال: بلى أشهد أنك رسول الله، فقال: قم على الباب، وكل بالمعروف. ودفع ﵇ السقاية إلى العباس ﵁ (١).
ونقف أمام هذا الدرس العظيم العجيب الذي يفسره قول رسول الله ﷺ : (ألا إن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مال أو مأثرة فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج).
ولا بد من التذكير أن هذا التوزيع لهذه المآثر بالأصل هو توزيع جاهلي بحت على يدي قصي بن كلاب مؤسس دولة قريش. (وكان ابنه عبد مناف قد شرف وساد في حياته، وكان عبد الدار بكره فقال له قصي لألحقك بالقوم وإن شرفوا عليك، فأوصى له بما كان يليه من مصالح قريش فأعطاه دار الندوة والحجابة واللواء والسقاية والرفادة، وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه. وكان أمره في حياته وبعد موته كالدين المتبع. فلما هلك أقام بنوه أمره لا نزاع بينهم ولكن لما هلك عبد مناف نافس أبناؤه بني عمهم عبد الدار في هذه المناصب، وافترقت قريش فرقتين وكاد يكون بينهما قتال، إلا أنهم تداعوا إلى الصلح واقتسموا هذه المناصب، فصارت السقاية والرفادة إلى بني عبد مناف، وبقيت دار الندوة واللواء والحجابة بيد بني عبد الدار ..) (٢).
ومع أن هذا التقسيم كما رأينا أعراف جاهلية ودين متبع عندهم. لم يكن لدى رسول الله ﷺ وهو من بني هاشم أن يعيد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ابن عمه البعيد. تقيدا بأعراف مكة التي تخالف الإسلام. بينما أعلن ﵊ أن بقية المآثر تحت قدميه.
ونحن نعلم أن هذا الأمر من رسول الله ﷺ هو من عند الله لأن الله تعالى أقر نبيه على ذلك. وشاءت إرادة الله تعالى أن تبقى حراسة بيته بيد بني عبد من عبيده وهو عثمان بن طلحة. وحتى خمسة عشر قرنا من الزمان. لم يتغير الأمر طالما ان رسول الله ﷺ هو الذي شرعه. وأما السقاية فقد تحولت على يد زبيدة زوج الرشيد (العباسية) ابنة العباس بن عبد المطلب إلى سقاية رسمية من خلال مشروع المياه الذي مددته من الطائف إلى مكة لسقاية الحجيج حين لم يعد زمزم كافيا لذلك.
ونفقه من هذا الدرس كذلك أن بإمكان الحركة الإسلامية وهي في ذروة قوتها أن تحافظ
стр. 573
على بعض المآثر التي لا تتعارض مع المفهوم الإسلامي. حفاظا على مشاعر الأمة أن تصدم فيها حين تدخل في صميم حياتها أما ما دون ذلك فمن حق دولة الإسلام أن تلغيه حين يتعارض مع الإسلام، أو مصلحة المسلمين والجماعة الإسلامية.
لقد حافظ رسول الله ﷺ في بداية الأمر على اللواء. حتى أحد حيث كان بيد مصعب بن عمير رضى الله عنه العبدري. لكنه بعد ذلك تخلى عنه، ولم يدخل اللواء في إطار هذا الخلوذ. لأن الله تعالى يعلم أن ألوية المسلمين سوف تملأ فجاج الأرض، وسوف تنتثر تحت كل نجم، فلا يمكن أن يحصر في إنسان بل في أمة بل في جيل من الأجيال. أما حين يرد سكان الأرض إلى البيت الحرام. فلا يصعب أن تكون سدانته في يدي بني أبي طلحة، ولا تزال في عهدتهم إلى اليوم، حتى إن سادن الكعبة قد أعلن عن وفاته قبل عشرة أعوام فقط. وقد استلم ابنه بعده وسيبقى إلى يوم الدين كما قال ﵊. خذوها تالدة خالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم.
ونقول في نهاية المطاف مع هذه الفقرة: إن المسلمين وهم في ذروة نصرهم، حيث لا يملك أحد أن يحول بينهم وبين ما يريدون ومع هذا كله فيستطيعون المحافظة على أعراف وتقاليد الدولة التي كانت قبل الحكم الإسلامي ما لم يتعارض ذلك مع الإسلام.
رابعا: ثم كانت الخطبة التي أعلن فيها ﵊ في بداية الأمر عفوه عن قريش (يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم، قالوا خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت. فقال فإني أقول لكم، كما قال أخي يوسف: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ اذهبوا فأنتم الطلقاء).
ثم أعلن مبادىء الحكم الإسلامي صريحة مدوية، والتي سيبدأ بتنفيذها على التو، بعد أن صار ﵊ قادرا على تنفيذ هذا الحكم: وها نحن نرى هذه المبادىء.
أ - إعلان إسلامية الدولة: الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
ب - إسقاط الثارات والأمجاد السابقة: إن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مال أو مأثرة فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.
ج - إسقاط الرابطة الجاهلية: إن الله لد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتكثرها بالآباء، كلكم لآدم وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم.
د - حرمة الكعبة: ألا إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض؛ فهي حرام بحرام الله لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد كائن بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من النهار، ألا لا ينفر
стр. 574
صيدها ولا يعضد (١) عضاهها (٢) ولا تحل لقطتها إلا لمنشد (٣) ولا يختلي خلالها (٤). فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لا بد منه للقبور وظهور البيوت. فسكت ساعة ثم قال: إلا الإذخر فإنه حلال.
هـ - في مجال المرأة: ولا وصية لوارث، وأن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ولا يحل لامرأة أن تعطي من مالها إلا بإذن زوجها.
و- إعلان الرابطة الجديدة: والمسلم أخو المسلم، والمسلمون إخوة والمسلمون يد واحدة على من سواهم يتكافؤون دماءهم، يرد عليهم أقصاهم، ويعقد عليهم أدناهم، ومشدهم على مضعفهم ومسيرهم على قاعدهم.
ز - بعض الحقوق للطوائف الأخرى: ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين.
ح - بعض الأحكام الاقتصادية: ولا جلب ولا جنب (٥)، ولا تؤخذ صدقات المسلمين إلا في بيوتهم وبأفنيتهم ...
ط - في النكاح: ولا تُنكح المرأة على عمتها وخالتها.
ي - في القضاء: والبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر.
ك - في المحارم: ولا تسافر المرأة مسيرة ثلاث إلا مع ذي محرم.
ل - في العبادات: ولا صلاة بعد العصر وبعد الصبح، وأنهاكم عن صيام يومين يوم الأضحى ويوم الفطر.
م - في الألبسة: وعن لبستين: لا يحتب أحدكم في ثوب واحد يفضي بعورته إلى السماء، ولا يشتمل الصماء ولا إخا لكم إلا قد عرفتموها (٦).
ومع نهاية الخطبة ألغي الوجود الجاهلي، وصار الحكم للإسلام. وتم تنفيذ حكمين شرعيين خلال وجود رسول الله ﷺ في مكة.
أولهما: دية القتيل من بكر (وقد قتلتم هذا القتيل والله لأدنيه فمن قتل بعد مقامي هذا
стр. 575
فأهله بالخيار إن شاؤوا فدم قتيلهم وإن شاؤوا فعقله).
ثم أمر خزاعة يخرجون ديته فأخرجوها مائة من الإبل فكان أول قتيل وداه رسول الله ﷺ في الإسلام.
ثانيهما: المرأة المخزومية التي سرقت. وكانت امتحانا مباشرا لدولة الإسلام في الأرض، وبنو مخزوم من أشراف الناس وبدأت الوساطات من كل جانب وكان أسامة بن زيد ﵁ أحب الناس إلى رسول الله ﷺ . فجاء يشفع في حدها، فكان الجواب قاسيا جدا عليه: يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله!!
ثم أعلن ﵊، أسباب محق الأمم وهلاكها: إنما أهلك من كان قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.
ثم أعلن كذلك ﷺ ، أنه لا أحد في هذه الأرض فوق حدود الله بعد بلوغها للحاكم: والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
والحركة الإسلامية تهلك يوم لا تعدل في أحكامها بين قيادتها وقواعدها، وطالما أنها ترهب أن تقول كلمة الحق في صفها، فلن تعلن كلمة الحق في الناس، وميزان الحكم على النصر والهزيمة من خلال هذه الكلية الضخمة. وإنه لامتحان عسير أن تساوى القيادة في أحكامها على أبنائها مع الآخرين، وحين تنفذ ذلك فتكون لها القوامة على الآخرين.
أما الذين أهدر رسول الله ﷺ دمهم، وكانوا ستة نفر فكان أغلبهم من المرتدين أو الذين آذوا رسول الله ﷺ في هجاء مقذع أو اعتداء أثيم .. وقد قتل نصفهم ونجا نصفهم. وتقبل رسول الله ﷺ على كره منه - وساطة عثمان في عبد الله بن سعد في الوقت الذي أتاح فيه للمسلمين أن ينفذوا حكم رسول الله ﷺ فيه، وشاءت إرادة الله أن لا ينتبه المسلمون لذلك فينجو عبد الله، ثم يسلم فيحسن إسلامه. وعثمان الذي تستحي منه الملائكة، كان رسول الله ﷺ يستحي منه ويقول: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة. جعلت رسول الله يوافق بعد لأي وإلحاح لثلاث مرات على إجارته.
وهو موقف كريم من نبي كريم، مع صحابي كريم من صحابته. نرى من خلاله إلى أي مدى ترتفع قيمة الجندي عند قائده ولو في تغيير خطة أعلنها على الملأ. وكرامة عثمان عند رسول الله ﷺ ، كانت يوم تمت بيعة الحديبية على الموت ثأرا له بعد إشاعة مقتله. وها هو اليوم في مكة يشفع لمرتد لا يمكن أن ينجو لولا الموافقة النبوية على ذلك.
والإشارة العظيمة إلى أن النبي لا يقتل بالإشارة ذات دلالة على شرف النبوة التي لا تتعامل
стр. 576
بالغدر من الناس مهما كانت التكاليف الباهظة في حقها.
إن كرامة العهد غالية جدا على المسلم.
وكرامة الرجل المسلم غالية جدا على الحركة الإسلامية.
وكرامة حدود الله غالية جدا على الجيش المسلم.
ولابد من المرازنات بين هذه الأمور بحيث لا يطغى جانب على جانب.
ونلاحظ أن رسول الله ﷺ ، رفض قبول شفاعة زيد ووساطته من أجل المرأة المخزومية التي سرقت. بينما قبل وساطة عثمان في حد المرتد. ولكن في هذا الأمر شبهة لجوئه إلى مكة. بينما حدثت السرقة في ظل الدولة الإسلامية دون أية شبهة، ودائما تدرأ الحدود بالشبهات.
والحركة الإسلامية التي تحمل عبء إقامة دولة الله في الأرض، لا بد لها أن تتحمل مسؤولية التطبيق العملي لذلك، مهما كان الثمن غاليا. والمجرمون الذين يحملون كبر الإجرام من كبار العتاة في الأرض لا بد من عقوبتهم دون مراعاة لعواطفهم طالما أنهم قادة لهذا الشر أو مراوغون مرتدون ثبت غدرهم وكفرهم. هذا بالنسبة لخارج الصف المسلم. وكذلك الأمر داخل هذا الصف فليست الغرابة أن يقع فيه الخطأ. بل نقول أكثر من ذلك إن الغريب ألا يقع الخطأ في هذا الصف. لأن طبيعة النفس البشرية مجبولة على الخطأ.
(لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله لهم) (١).
إنما الأشد غربة أن يقع الخطأ في كبيرة أو حد من الحدود. ويتهاون به، وينفذ على الصغير دون الكبير، وعلى الضعيف دون الشريف. فهذه قاصمة الظهر للجماعة وللحركة الإسلامية كاملة فالحركة الإسلامية العاجزة عن تحقيق العدل في صفوفها هي من باب أولى عاجزة عن تحقيقه في صفوف غيرها .. ومن هنا تأتي أضخم أزمة ثقة بين القيادة والقاعدة في صف الحركة حين يصبح المثل المحتذى. والقدوة محل نقد وشك من شباب الدعوة، وجنودها الأوفياء.
القيادات جميعا تعتنق الإسلام
ولم يحدث في تاريخ الأرض كلها أن يدخل قادة جيش العدو في دين عدوهم إلا في تاريخ الإسلام.
الثلاثة الكبار: وهم قادة جيش العدر صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن
стр. 577
عمرو. وإسلام كل واحد منهم ملحمة فخار في تاريخ هذه الدعوة.
أما عكرمة: فهو الذي قال لابن عمه خالد عندما دعاه للإسلام: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا.
ولاذ بالفرار إلى اليمن لينهي حياته هناك. غير أن المفاجأة أذهلته وهو يرى زوجه قد قدمت إليه وحسب أنها فارة إليه. ولكنها الآن تدعوه إلى أمان محمد بن عبد الله ﷺ وعكرمة يعرف عهد محمد ووفاءه وكراهيته للغدر.
وعلى الصيغة نفسها كانت دعوة صفوان بن أمية للإسلام إذ لحق به صديقه السابق عمير بن وهب أما سهيل فاختبأ في بيته ينتظر أمانا من رسول الله ﷺ فأعطاه إياه.
وطبيعي أن يفر هؤلاء الثلاثة أو يختبئوا. فقد رفضوا الأمان الأول، وحاربوا الجيش الإسلامي، وأعلنوا العداء الصريح الواضح أن لا لقاء مع محمد إلا من خلال السيف.
لكن حرص النبي ﷺ على طوي صفحة الحرب حتى مع هؤلاء القادة المحاربين. كان واضحا بحيث أعطى أمانه لهم دون تردد. وحمل هذا الأمان زوجة وولد وصديق.
(وطلبت أم حكيم أمانا لعكرمة وقد هرب إلى اليمن. فأمنه. فخرجت إليه حتى قدم، فلما دنا من مكة قال رسول الله ﷺ : يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبوا أباه. فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ إليه! فلما رآه وثب إليه فرحا، فوقف ومعه امرأته متقبة، فقال: يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني. فقال: صدقت. فأنت آمن: فأسلم) (١).
وحين تذكر الخالدات في التاريخ تبرز أم حكيم في ذروتهن. فهي التي استطاعت أن يغلب حكمها جهلها والمرأة تنطلق من الحب والكره أكثر بكثير من الرجل. ولم تكتف بذلك بل اعتبرت رسالتها الحقيقة هي أن تقنع زوجها بالإسلام، وكم تثق بنفسها حين تقطع الأرض إلى اليمن باحثة عن زوجها تدعوه إلى أمان رسول الله ﷺ ، وطامحة إلى إسلامه. وهي في أعتى بيئة عداء للإسلام. فأبوها الحارث بن هشام، الذي لم يدخل الإسلام بعد، وعمها أبو جهل، وزوجها عكرمة. فالبيئة تنضح بالكره لمحمد والحقد عليه. ومع ذلك استطاعت أن تتجاوز هذا كله. وتمضي الداعية العظيمة في فجاج الأرض لتعود بزوجها إلى رسول الله ﷺ .
ومدرسة النبوة الحية في عظمة حلمها وصلتها وبرها تجل عن الوصف. حتى إن النبي ﷺ يوصي المسلمين بالامتناع عن سب أبي جهل أمام عكرمة. وتوارث سب أبي جهل في الصف
стр. 578
الإسلامي هو مدرسة بحد ذاتها. فلم يشتف المسلمون من كافر شفاءهم من أبي جهل. ورغم هذا الحقد المتوارث في النفوس والكره المستأصل فيها، فقد صدرت أوامر النبي ﷺ بإغلاق هذه المدرسة. إكراما لعكرمة المؤمن المهاجر. وإذا كان المسلمون قادرين على كبت مشاعر الحقد والكره على أبي جهل فرعرن هذه الأمة. لكنهم عاجزون تماما عن إبداء مشاعر الحب إلى الذي بقي حتى آخر لحظة يحارب الإسلام ويحارب الله تعالى ورسوله. لكن النبي ﷺ الذي يحمل في قلبه تاريخا كاملا من أذى أبي جهل وحربه له ولعقيدته، كان أكبر من بشر الأرض جميعا في سوه، واستطاع أن يظهر كل معاني الحب والود لعكرمة. فيثب إليه فرحا منذ رؤيته. أولا يحس عكرمة ﵁ أنه يذوب حياء من رسول الله ﷺ ، وأنه أعجز من أن يصمد لحظة واحدة أمام هذا الاسقبال العظيم بعد الحرب الكؤود. وأنه لن يقدر على هذا إلا أولوا العزم من الرسل أو بالأحرى سيد هؤلاء الرسل جميعا. ومع ذلك تمالك وتجلد وتأكد قبل أن يعلن إسلامه من أمان رسول الله ﷺ له. وأعلن إسلامه بعد أن نال أمانه.
إنها مدرسة في التربية وليس درسا فقط، تجري أمام هذا الجيش المسلم. تتجلى في هذه المعالم الثلاثة كظم الكره والحقد عن أكبر كفار في التاريخ ومجرميهم أبي جهل إكراما للعدو الألد ابنه الذي يأتي للإسلام. القيام والوثوب لاستقبال هذا العدو الألد. ومظاهر الفرح تملأ كيان النبي ﷺ ، ولما يعلن عكرمة إسلامه بعد.
إعطاء الأمان لعكرمة قبل أن يعلن إسلامه وهو الذي ملأ الدنيا حربا ضد الإسلام والمسلمين. وهكذا دخل عكرمة في هذا الدين دون أن تخدش كرامته أو تمس. فقد كان بإمكانه أن يغادر مكة، أو يبقى على كفره بهذا الأمان إلى فترة محددة. ولكنه حرص على أن يدخل في هذا الدين دون أن يكون هذا الأمر تحت وطأة السيف وطريق الإرهاب. واستطاع النبي ﷺ أن يستل حقده كله، وأن يضبط عواطف جيشه كله. فلا ينال من عدو الله أبي جهل إكراما لهذا المستأمن أولا، ثم المسلم بعد ذلك.
والذي يؤكد هذا المعنى هو صفوان بن أمية الذي طلب أمانا لشهرين فأعطاه رسول الله ﷺ الأمان لأربعة أشهر. وتأخر في إسلامه حتى حضر حنين مشركا.
والذي لا شك فيه أن معاملة هؤلاء القادة كانت معاملة خاصة استثنائية. فلا أمان لكافر محارب في الأصل، وإعطاؤه الأمان هو فسح الصدر لهذه النفوس أن تهدأ وترعوي.
وصفوان ﵁، بلغ من حقده أنه رفض في بداية الأمر أن يكلم صديق عمره، عمير بن وهب الجمحي والذي لم يكن حقده عليه أقل من حقده على محمد ﷺ حين عاهده في الحجر بعد بدر على قتل محمد ﷺ ، وراح يحدث القوم: سيأتيك عمير بخبر تتحدث به الركبان.
стр. 579
وجاء الخبر بإسلامه، فأقسم أن لا يكمله. وها هو الآن يلحق به إلى البحر ويدعوه ويلاطفه ويلح عليه ويذكره بابن عمه محمد ﷺ أبر الناس وأوصل الناس وأحلم الناس حتى تلين قناته، وتهدأ نفسه. وعاد يطلب الآمان. وقبل منه أن يدخل مدرسة المسلمين وهو على شركه. إنه يعيش وسط البيئة المسلمة. وهو على شركه وهو على حقده. وجرت حادثة كان من الممكن أن توتر الجو حين جاءه رسول محمد ﷺ .
حيث بعث رسول الله ﷺ يستقرض من صفوان خمسين ألف درهم، وأدراعا من عنده للحرب فقال: أغصبا يا محمد، قال: لا. ولكن عارية مؤداة. وأداها رسول الله ﷺ له من غنائم حنين، ولئن كفت المعاملة الطيبة لعكرمة مباشرة في دخوله في الإسلام. لكن صفوان تأخر بعد حنين حتى أسلم يقول ﵁:
والله ما كان على ظهر الأرض أحد أبغض إلي من محمد، فما زال يعطيني من غنائم حنين حتى لم يعد أحد على ظهر الأرض أحب إلي من محمد.
ولئن كان الوثوب لاستقبال عكرمة والأمان والنهي عن سب أبي جهل استطاعت أن تسل حقد عكرمة فيسلم. وكانت غنائم حنين كفيلة بأن تستل حقد صفوان بعد شهرين. فكان لجواب رسول الله عليه ﷺ لسهيل بن عمرو. أعظم الأثر في استلال حقده. وكانت مدرسة سهيل بن عمرو من مدرسة خالد بن الوليد ﵁. حيث أسلما من خلال الكلمة الطيبة.
كانت كلمة رسول الله ﷺ لخالد: ما مثل خالد يجهل الإسلام، وعقله عقله، ولو جاء إلينا لقدمناه على غيره.
وكانت كلمة رسول الله ﷺ لعبد الله بن سهيل عن أبيه:
من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه، فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه أنه لم يكن بنافع.
فقال سهيل، كان والله برا صغيرا وكبيرا.
فخرج وشهد حنينا وأسلم بالجعرانة.
إن هذا الصبر القليل على هؤلاء القادة الثلاثة. جعلهم يدخلون الإسلام كما قال ابن الزبعري. بعد أن أسلم اللحم والعظام لربهم، ولا يدخلونه خيفة أو نفاقا.
إن السخصيات العظيمة لا تتقن النفاق، فقد كان بالإمكان أن يموتوا طريدين مشردين، حاقدين على الإسلام. لكن عظمة المعاملة النبوية. نقلتهم وهم قادة إلى الصف المسلم ليتبوؤوا موقع القيادة فيه. ويكونوا سادة على قومهم يقاتلون بهم أعداء الله. ويسقطون شهداء في المعارك.
стр. 580
لقد مثل هذه الصورة واحد فقط من قادة مكة هو هبيرة بن أبي وهب زوج أم هانىء ولم يتراجع عن حقده، ومات في اليمن طريدا على كفره. فماذا يذكر التاريخ عن هبيرة. وأم هانىء ﵂، استطاعت أن تنقذ اثنين من أحمائها ليدخلوا في حظيرة الإسلام. ولم تتمكن أن تفعل مع زوجها ذلك.
شيوخ مكة: وكان إسلامهم وهم يبثون حقدهم على رؤية بلال ﵁ يؤذن فوق الكعبة تقول جويرية بنت أبي جهل وهي تسمع وأشهد أن محمدا رسول الله - (قد لعمري رفع لك ذكرك أما الصلاة فسنصلي. والله لا نحب من قتل الأحبة أبدا. ولقد كان جاء أبي الذي جاء محمدا من النبوة فردها وكره خلاف قومه).
عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يسمع هذا اليوم.
الحارث بن هشام: واثكلاه! ليتني مت قبل هذا اليوم: قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة.
الحكم بن أبي العاص: هذا والله الحدث العظيم، أن يصبح عبد بني جمح على بينة أبي طلحة (١).
سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخطا لله فسيغيره، وإن كان رضى فسيقره.
أبو سفيان بن حرب: أما أنا فلا أقول شيئا، لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصباء. فأتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ فأخبره خبرهم) (٢).
(فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: قد علمت الذي قلتم ثم ذكر ذلك لهم: فقال الحارث وعتاب: نشهد إنك رسول الله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول اخبرك.) (٣).
وهكذا انضم الحارث شيخ بني مخزوم إلى الإسلام، وهو أخو أبي جهل، وانضم الشاب الفتى عتاب بن أسيد إلى الإسلام كذلك.
لسان مكة: وكان الناطق الرسمي باسم مكة ابن الزبعري الذي أمضى حياته ووطن شعره ووظفه في حرب محمد ﷺ . وفر إلى اليمن. فأرسل إليه حسان بن ثابت بالبيت المشهور:
لا تعدمن رجلا أحلك بغضه ... نجران في عبش أحد لئيم
وحرك هذا البيت مشاعر ابن الزبعري، فتقدم إلى مكة، حيث كان رسول الله ﷺ يهيىء
стр. 581
الجو لقدومه ويقول في صحبه: هذا ابن الزبعري ومعه وجه فيه نور الإسلام ولا يغيب عن البال الشاعر الفحل الآخر، كعب بن زهير الذي فر هاربا إلى الطائف فجاءته رسالة أخيه المسلم بجير. بن زهير يقول فيها:
من مبلغ كعبا فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلا وهو أحزم
إلى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدي يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من الناس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء دينه ... ودين أبي سلمى علي محرم
فلما بلغ كعب الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه وقالوا: هو مقتول. فلما لم يجد من شيء بد قال قصيدته التي يمدح بها رسول الله ﷺ وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به. ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، كما ذكر لي، فغدا إلى رسول الله ﷺ في صلاة الصبح فصلى مع رسول الله ثم أشار له إلى رسول الله ﷺ - فقال هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه فذكر لي أنه قام إلى رسول الله ﷺ فجلس إليه ووضع يده في يده وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه فقال:
يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن جئتك به؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم. فقال: إذن أنا يا رسول الله كعب بن زهير.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه؟ فقال رسول الله ﷺ : دعه عنك فإنه جاء تائبا نازعا (١).
وكان مما قاله:
نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ... القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
إن الرسول لنور يستضاء به ... مهندمن سيوف الله مساول
في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا
نسوة قريش: وأسلمت هند بنت عتبة، وأم حكيم بنت الحارث امرأة عكرمة بن أبي جهل، والبغوم بنت المعذل امرأة صفوان بن أمية، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وهند بنت منبه ابن الحجاج أم عبد الله بن عبرو بن العاص في عشرة نسوة من قريش، فأتين رسول الله ﷺ بالأبطح، وعنده زوجتاه وفاطمة ابنته، في نساء من نساء بني عبد المطلب، فبايعته ولم تمس يده يد
стр. 582
امرأة. (ورؤيت فيهن هند بنت عتبة وهي متنكرة لأجل صنيعها بحمزة فقال رسول الله ﷺ : أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا، فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئا فقال رسول الله ﷺ : ولا تسرقن. فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح. فإن أنا أصبت من ماله هنأت؟ فقال أبو سفيان: وما أصبت فهو لك حلال. فضحك رسول الله ﷺ وعرفها فقال: وإنك لهند؟ قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله، عفا الله عنك فقال: ولا يزنين. فقالت: أو تزني الحرة؟ فقال: ولا يقتلن أولادهن. فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم ببدر كبارا فأنتم وهم أعلم. فضحك عمر حتى استلقى، فتبسم رسول الله ﷺ فقال: ولا يأتين ببهتان فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا الرشد ومكارم الأخلاق، فقال: ولا يعصينك في معروف فقالت: والله ما جلسنا مجلسك هذا وفي أنفسنا أن نعصيك.
ولما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول: كنا منك في غرور) (١).
ها هي مكة بشيوخها وشبابها ونسائها وقادتها وشعرائها تدخل في الإسلام؛ أو في أمان رسول الله ﷺ . وحقق النبي ﵊ هدفه الأكبر بالنسبة لقريش: اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله قريشا.
وكان عزها في دخولها أفواجا في دين الله، واستطاع الرسول ﷺ . أن يتجنب مجزرة فيها فناء قريش كلها من جهة. وأن تدخل قريش كلها في الإسلام. وهذه هي عظمة الجهاد السياسي المسلح. الجهاد الذي ينطلق من القوة الضخمة التي تجعل العدو قد أحيط به، فيستسلم على ضوء ذلك.
وهذا هو الفقه الأكبر للنفوس الذي شهدناه من خلال الفتح الأكبر. والحركة الإسلامية التي تحمل لواء الدعوة في سبيل الله، لا بد أن تنتقل إلى الخط المسلح الذي يمنع عنها الإبادة من العدو ولكن هذا الأمر لا يتم إلا من خلال خطة متكاملة محددة المراحل، في طبيعة الصراع مع الباطل والطاغوت، وقمة انتصارها حين تصبح قوة مرهوبة الجانب، عندئذ يدخل خصومها معها في حوار، وينتقلون للاعتراف بها كأمر واقع. وكلما استطاعت أن تتقدم في مضمار القوة أكبر. كلما استطاعت أن تسمع صوتها أكثر للجميع، واستطاعت أن تجد الآذان الصاغية لها ولدعوتها. ولا يجوز أن تفتنها القوة عن هدفها. بحيث تنسى مهمتها الأولى في أن تكسب الناس جميعا لهذا الدين الخصوم والأصدقاء على السواء.
ومن الفقه الأكبر كذلك التعرف على نفسيات القيادات والشخصيات الضخمة للعدو.
بحيث تتجنب أسلوب الإرغام والإذلال لها. لأن هذا الأسلوب سيقود هذه الشخصيات إلى الحقد الأسود على الداعية والدعوة، ويوجهها إلى الثأر والانتقام من جهة، أو إلى الممالأة والنفاق
стр. 583
ثم الكيد والتآمر في الخفاء من جهة أخرى.
وعلى الحركة الإسلامية كذلك أن تعير قضية المرأة اهتمامها الكبير. فهند بنت عتبة، أشهر الحاقدات في التاريخ، هي التي قادت نسوة قريش إلى الإسلام. وبلغ حقدها أن هاجمت زوجها ودعت إلى قتله حين دعا إلى الاستسلام، ومع ذلك أمكن تفتيت هذا الحقد إذ تقول لرسول الله ﷺ بعد انتهاء البيعة:
والله يا محمد ما كان على ظهر الأرض أحد أحب إلي من أن يذل من أهل بيتك وخبائك.
والله ما عاد على ظهر الأرض أحد أحب إلي من أن يعز من أهل بيتك وخبائك.
فيقول ﵊: وأيضا والذي نفس محمد بيده (١).
فلو استطاعت الحركة الإسلامية أن تقنع رائدات الانحراف من النساء بطبيعة هذا الدين لأمكن أن يحولن المسار كله نحو الإسلام، والاهتمام بالقيم الكبرى التي تقبع في أعماق القيادات وتختفي وراء بعض المظاهر الخادعة. يمكن أن يساهم مساهمة فعالة في تحقيق الهدف العظيم:
﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾.
...
стр. 584
السمة الثالثة عشرة:
إنهاء الجيوب الوثنية المتبقية
أ - هدم الأصنام العربية
وأقام رسول الله ﷺ بمكة تسعة عشر يوما يحدد معالم الإسلام ويرشد الناس إلى الهدى والتقى، وخلال هذه الأيام أمر أبا أسيد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم. وبث سراياه للدعوة إلى الإسلام، ولكسر الأوثان التي كانت حول مكة، فكسرت كلها ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره.
السرايا والبعوث.: ولما اطمأن رسول الله ﷺ بعد الفتح بعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان (سنة ٨ هـ) ليهدمها. وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة. وهي أعظم أصنامهم. وكان سدنتها بني شيبان. فخرج إليها خالد في ثلاثين فارسا حتى انتهى إليها فهدمها، ولما رجع سأله رسول الله ﷺ : هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها. فرجع خالد متغيظا قد جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عريانه سوداء ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها. فضربها خالد فجزلها اثنتين ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: نعم، تلك العزى. وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبدا.
٢ - ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه، وهو صنم لهذيل برهاط على ثلاث أميال من مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن: ما تريد؟ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمه؛ قال: لا تقدر على ذلك، قال: لم؟ قال: تمن. قال: حتى الآن أنت على الباطل؟ ويحك. فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئا ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.
٣ - وفي نفس الشهر بعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسا إلى مناة وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم. فلما انتهى سعد إليها قال له سادنها: ما تريد؟ قال: هدم مناة. قال: أنت وذاك، فأقبل إليها سعد، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضرب صدرها. فقال لها السادن: مناة دونك بعض عصاتك. فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره. ولم يجدوا في خزانته شيئا) (١).
стр. 585
٤ - ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى (بعثه رسول الله ﷺ إلى بني جذيمة داعيا ولم يبعثه مقاتلا ومعه قبائل من العرب. فوطئوا بني جذيمة. فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد اسلموا. فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك: فكتفوا، ثم عرضهم على السيف. فقتل من قتل منهم. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ رفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد .. ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال: يا علي أخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله ﷺ . فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال؛ حتى إنه ليدي ميلغة (١) الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم أو مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم علي رضوان الله عليه حين فرغ منهم: هل بقي لكم بقية من دم أو مال لم يود لكم؟ قالوا: لا. قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله ﷺ مما يعلم ولا تعلمون. ففعل ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر: فقال أصبت وأحسنت ثم قام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه، يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات. وقد قال بعض من يعذر خالدا إنه قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي وقال: إن رسول الله ﷺ أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم عن الإسلام.
قال ابن إسحاق: وقد كان جحدم قال لهم حين وضعوا السلاح ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة: يا بني جذيمة ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه. قد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف فيما بلغني كلام في ذلك. فقال له عبد الرحمن بن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام. فقال: إنما ثأرت بأبيك، فقال له عبد الرحمن بن عوف: كذبت، قد قتلت قاتل أبي. ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: مهلا يا خالد دع أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم انفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي أو روحته) (٢).
٥ - هدم اللات: فلما فرغوا من أمرهم، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه وقال: أدخل أنت على قومك وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم فلما دخل المغيرة بن شعبة
стр. 586
علاها يضربها بالمعول، وقام قومه دونه -بنو معتب- خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن:
لتبكين دفاع ... أسلمها الرضاع ... لم يحسنوا المصاع (١)
ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واها لك (٢).
كانت الخطوة الأولى بعد هدم الأصنام بالكعبة هو أن تلاحق الأصنام في الأرض العربية كلها وكان هبل الصنم الأعظم بمكة قد تحطم على يدي الرسول ﷺ .
﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى﴾ (٣).
ولقد ارتبطت قدسية البيت الحرام ارتباطا وثيقا بقدسية الأصنام. ولم يكن العربي بعد الله تعالى يحلف بصنم إلا باللات والعزى.
وإن كان تأخر اللات بالهدم عن العزى ومناة كان مرتبطا بكسر شوكة ثقيف. غير أن العزى كانت أول المقدسات العربية تحطيما بعد أصنام الكعبة. وتلتها مناة بعد ذلك.
وكانت الخطة النبوية أن يقوم قائدا الفرسان في مكة بهذه المهمة، خالد وعمرو أما خالد فكانت مهمته إلى العزى، بينما كانت مهمة عمرو بن العاص إلى سواع.
وخالد وعمرو للملمات والمهمات الخاطفة الفدائية. ومن أجل ذلك لم يكن معهما إلا بضعة وعشرين فارسا من فرسان المسلمين، ونجحت المهمتان نجاحا عظيما رغم المظاهرة العنيفة من العزى ومناة التي تظهرمن تلك المرأة العارية السوداء الناشرة شعرها، وكان لتحطيم الصنم، ومقتل المرأة وتهدم بيت السدانة أثر ضخم في اضمحلال قدسية هذه الأصنام. وكانت الآثار
стр. 587
الإعلامية لهذه الأحداث. أن اجتثت جذور الوثنية وزلزلت أركانها من القواعد.
لكننا نلحظ أن مناة كانت من نصيب سعد بن زيد الأشهلي ﵁ ولم تكن من نصيب خالد وعمرو وسبب ذلك أن مناة هي المقدسة عند الأوس والخزرج. فلا بد أن يهدمها واحد من الأوس والخزرج كما كانت العزى من مقدسات قريش فكان هدمها على يد خالد، ولا يبعد أن تكون سواع مقدسة عند قوم عمرو أو أقاربه، ومن أجل هذا كلف بهذه المهمة، أو لعلها من المقدسات عند قريش كذلك.
وهو تخطيط نبوي واضح، أن يحطم الصنم ممن كانوا يولونه القداسة والعبادة أكثر من غيرهم، وهكذا نلحظ أن الذي هدم اللات فيما بعد - صنم ثقيف - هو المغيرة بن شعبة الثقفي. وترافق هذا الهدم مع التوجيهات النبوية العامة في مكة وحولها.
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره).
وليس هذا أمرا سهلا في الحقيقة فهذه الخطوة من حيث الضخامة والخطورة تقارب فتح مكة وتحطيم تلك الآلهة المدعاة. ثم تحطيم تلك الأصنام التي تملأ البيوت العربية. تعني هذه الأمور ثورة كاملة على الجاهلية وإزالة معالمها ومحو مقدساتها من النفوس قبل البيوت وقبل أماكن العبادة وقد استطاع الإسلام حقا في هذه الخطوات أن يهزم الجالهية في أقل عدد من الخسائر في الأموال والأرواح، والتي كان بالإمكان أن ترافقها المذابح الجماعية في الأرض العربية.
ولا بد هنا من المقارنة بين خطين كبيرين في العمل الإسلامي في هذه المرحلة.
هذان الخطان هما: تحطيم الأصنام، وتحطيم الأشخاص.
فبمقدار ما حرص رسول الله ﷺ على الحفاظ على الأشخاص، مهما كانت مستويات محاربتهم للإسلام، ومستويات عقائدهم الوثنية. حرص رسول الله ﷺ على تحطيم كل أثر من آثار الوثنية. حتى ولو كان الصنم الصغير التافة في البيت.
ولم نجد في هذه القضية إطلاقا مراعاة للنفوس التي قد تثور أو تحقد أو تغضب أو ترتد حين تحطم مقدساتها وتكسر.
وما أحوج الدعاة إلى التفريق بين الخطين حتى في مرحلة القمة، مرحلة الفتح الأكبر
стр. 588
والنصر المبين إننا في لحظة الانفعلات العاطفية والخط الدعوي الإعلامي كثيرا ما نستعمل هذه المقولة والأشخاص الطغاة الذين يحكمون بغير شريعة الله أصنام يجب أن تحطم.
والطغاة حين يصرون على الكفر لا بد أن يسقطوا أو يحطموا. هذا لا شك فيه، ولكن عظمة الإسلام هو في الاغتيال النفسي لهؤلاء الطغاة وإعادة تركيبهم من جديد على ضوء الإسلام فتكون معادلة البناء سهلة في هذا المجال ونحن حين نغزو قلوب عظماء الرجال. ونحتلها بهذا الإسلام العظيم، نكون قد قطعنا شوطا كبيرا في مجال الدعوة من خلال البنيان القبلي والعشائري الذي يجعل للقبيلة الدور الضخم في شرائح الجهاد الإسلامي.
فخالد بن الوليد الذي حطم العزى كان في مرحلة من المراحل من طواغيت مكة. وكان صنما يجب أن يحطم على حد مقولتنا الإعلامية العاطفية لكن عظمة الإسلام أن جعلت منه الأداة التي حطمت العزى في الأرض العربية وقل هذا القول بالنسبة لعمرو بن العاص ﵁ الذي كان أحد طواغيت مكة الكبار. وتم على يديه هدم سواع. وكان من الممكن أن يكون هدف تحطيمه معركة طاحنة. وقل مثل ذلك بالنسبة لأبي سفيان رضى الله عنه الذي كان أكبر الطواغيت في مكة. فلقد كان هدفا بحد ذاته. ولطالما بعث رسول الله ﷺ من يغتاله، وشاءت إرادة الله تعالى أن لا ينجح مشروع اغتياله. وبالتالي يدخل ضمن مخطط الهدى النبوي، فيكون الأداة بعد أشهر فقط في هدم اللات مع المغيرة بن شعبة.
إنها نقلة ضخمة في عالم العظام أن تسير بهم برفق وبعبقرية من الجاهلية إلى الإسلام وتحولهم من هدف للتحطيم إلى أداة تحطم بها معالم الكفر. وبالتالي تفقه الحركة الإسلامية الفرق بين الخطين المذكورين. وبمقدار ما تراعى أعماق النفس الإنسانية. وتستلم مفتاحها وتوجد الهزة الشعورية التي تنقلها إلى حظيرة الإسلام. بمقدار ما ترمي وراء ظهرك هذه المشاعر جميعا عند بناء العقيدة وتهديم معالم الكفر، وعدم إعطاء أي وزن لغضب النفوس من جراء تحطيم معالم الجاهلية وكان أقصى حد من التساهل في هذا المجال هو أن يعفي رسول الله ﷺ القوم من هدم أصنامهم بيدهم، دون أن يكون تأجيل الهدم موضع مساومة، وأنت قادر على ذلك.
لكن هذا لا يمنع أبدا من القول: إن هذا المبدأ لم يكن هو المبدأ السائد في كل المراحل ونستطيع أن نلاحظ الموقف من الأصنام إنه قد مر بمراحل متعددة:
أولى هذه المراحل: يوم نهى الإسلام عن سب هذه الأصنام. وكان هذا في مرحلة البناء الأولى في مرحلة تأسيس الدعوة.
стр. 589
﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾ (١).
وهذه المرحلة لا ترتبط بزمن وهي بالنسبة للحركة الإسلامية تمتد طالما أن الحركة الإسلامية غير قادرة على مواجهة الكفر بشيء يوم تسب الله تعالى ولا تستطيع أن تحول دون ذلك.
والثانية في مرحلة تأسيس الدولة: ويختلف الأمر هنا من داخل الدولة إلى خارجها. فداخل حدود الدولة الأصل أن تزول معالم الوثنية منها. أما إذا اشترك في سلطانها أكثر من جهة فيمكن أن تبقى هذه الأصنام دون أن يشارك المسلمون في تقديسها. فمناة مثلا لم يهدم قبل فتح مكة. وكانت تشترك في تقديسه الأوس والخزرج وغسان، وإذا كان الأوس والخزرج قد انتهى تقديسها عندهم بعد الإسلام. لكن اشتراك غسان في تقديسها، وغسان ذات شوكة ضخة، ومرتبطة مع الروم بتحالفات مصيرية. أجلت عملية الهدم الى فتح مكة.
والثالثة في مرحلة تمكين الدولة. ويختلف الأمر في مرحلة التمكين بين حق المشاركة وحق السيادة فحق المشاركة الذي قام من خلال معاهدة الحديبية والذي حدد تنفيذه بعد عام كامل وذلك حيث تختلط معالم الوحدانية بمعالم الشرك. وحيث يقدر المسلمون أن يمارسوا شعائر الإسلام دون أن يشاركوا في شعائر الشرك. كما هو الأمر في عمرة القضاء. وطاف المسلمون حول البيت الحرام. دون أن يحق لهم التدخل في آلهة المشركين.
ونلاحظ المرحلية حتى في مجال المشاركة إذ تبدأ كما قلت بعد عام من المعاهدة وأما عند حق السيادة فالأصل إلغاء الوجود الوثني كله. مهما كانت النفوس ضعيفة وذلك الموقف الذي نشهده الآن بعد فتح مكة.
ويحضرني من خلال الواقع العملي، قضية الإذاعة التي عانت منها بعض فصائل الحركة الإسلامية المسلحة إذ كانت المصلحة تقتضي فتح صوت إسلامي في هذه الإذاعة يرافقها أصوات غير إسلامية تمثل التيار القومي. وكانت المرحلة الأولى لهذه الإذاعة أن استلمت ركنا محددا بزمن محدد تبث منه فكرها الإسلامي دون أن يكون لها علاقة بما تبثه الإذاعة القائمة أما عندما وجدت الحركة الإسلامية نفسها مضطرة للاشتراك مع حلفائها بهذا الصوت الإذاعي، تحت راية واحدة فكان لابد لها أن تحافظ على تميزها في بثها المنتشر في الإذاعة كاملة من حيث يظهر التميز في نشيدها الذي يمثل فكرها، ولا بد من خطوة ثانية تقتضي، الإشراف على البث كله طالما أنه يبرز تحت
стр. 590
راية واحدة حتى لا يخاف الإسلام في الحدود الممكنة. والدعاة بحاجة إلى فقه هذا التدرج مرحلة عقب مرحلة محكومة بالقوة التي تملكها الحركة الإسلامية والقدرة على الانتقال إلى الموقع الأفضل مع القوة الأفضل. ونرجىء المرحلة الأخيرة لما بعد سورة براءة.
وفي الحديث عن سرية خالد ﵁ إلى بني جذيمة تبرز معان جديدة متعددة. فمن هذه المعاني أن خالدا ﵁ قد نجح أعظم نجاح بصفته قائدا حربيا في مؤتة وفتح مكة، وهدم العزى. نجده فشل فشلا ذريعا بصفته داعية إلى الله تعالى. وطغى الجانب الحربي على الجانب الدعوي عنده، وكانت تجربة قاسية له ولا شك ولما يمر على إسلامه سنة كاملة وبالتحديد خلال الأشهر الثمانية الأولى من إسلامه.
لقد كانت بوادر هذا الإندفاع ظاهرة في فتح مكة حيث قاتل المشركين. ورسول الله ﷺ قد نهى عن القتال، وحوسب على ذلك فقال: (جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه. فأرسل إليه ألم آمرك؟ قال: أردت أمرا وأراد الله أمرا فكان أمر الله فوق أمرك وما استطعت إلا الذي كان) (١). وفي رواية أنه أقسم ما قاتل حتى قوتل.
وقبل رسول الله ﷺ عذره.
لكن الخطيئة في بني جذيمة كانت ضخعة. وذات أثر سيء جدا في الصف العربي الذي ينظر إلى المسلمين على أنهم القدوة العليا في الأرض، وعلى اختلاف الروايات. فلا نجد رسول الله ﷺ هنا يغفر لخالد، بل يرفع يديه إلى السماء متجها إلى القبلة ويقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد. (قالها ثلاثا).
وصورة الأمر حين ينتشر يعني أن لا عهد للمسلمين مع خصومهم، وأنه ليس أمام هؤلاء الخصوم إلا المقاومة أو الإسلام. ورسول الله ﷺ بعث خالدا داعيا ولم يعثه مقاتلا ودون الخوض في التعليلات التي سبقت واختلاف الروايات فيها. فمما لا شك فيه أن مقتل الكثير من بني جذيمة يخالف التوجيه النبوي مخالفة تامة، واحتال أن تكون هذه النفوس السبعون أو أكثر قد قتلت ظلما بعد الإسلام هو احتمال قوي كما تذكر بعض الروايات الصحيحة والذي يزيد في المسؤولية أن هناك من احتج احتجاجا شديدا على قتلهم. وأهم من احتج على ذلك عبد الله بن عمر، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الرحمن بن عوف، حتى كاد يكون بينهم شر. وإن كانت بعض الروايات تشير إلى أن عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ هو الذي أمر خالدا بذلك. وكان ألم رسول الله ﷺ ألما عظيما من هذه النتيجة. وحاول أن يستدرك الأمر بعلي ﵁ الذي لحق ببني
стр. 591
جذيمة فأوقف القتل، ودفع دية جميع القتلى بلا استثناء، وعوض عن جميع الخسائر الماديه حتى ميلغة الكلب.
ومن هذه المعاني، الدرس القاسي الذي لقنه رسول الله ﷺ لخالد، حين أعلن براءته مما عمله على مستوى الملأ، هذا بالنسبة له. لكن حرص ﵊ على الحفاط على ما تبقى من الدماء درس آخر علني في تسفيه سلوك خالد وتخطئته على الملأ من بني جذيمة.
ومن طرف ثالث. وضع خالد ﵁ ضمن حدوده حين يتجاوز على أمثال عبد الرحمن بن عوف ﵁ وهو من السابقين الأولين من المهاجرين.
إن هذه النفسية العظيمة التى كانت تجد الأمجاد أمامها مجدا بعد مجد. لا بد لها حين تخطىء من أن تكفكف عن خطئها. وتطامن من كبريائها، فتبقى هذه التجاوزات محاطة بسياج الإسلام يردها عندما تريد الجموح لقد كانت كلمة رسول الله ﷺ لخالد، أقسى من أي درس تلقاه في حياته. درس في التربية، يتلقاه القائد العظيم، ليتعلم أصول الدعوة وطريقها. وذلك حين قال له ﵊: دع عنك أصحابي. فلو أنفقت ملء أحد ذهبا ما بلغت مد أحدهم ولا نصيفه. وفي رواية: ما أدركت غدوة رجل من أصحابي أو روحته.
كان لا بد لهذه المعاني أن تطرق ذهن القائد العظيم وهو يتلقى دروس التربية في مدرسة النبوة. فذكر الغدوة والروحة لا بد من الإشارة إليه، وكل علاقة خالد بالجهاد لم تبلغ بعد ثلاث معارك خلال ثمانية أشهر فكيف يغيب عن ذهنه جهاد عشرين عاما أو تزيد في صحيفة عبد الرحمن ﵁ هذا من جهة، ومن جهة ثانية. فلذكر جبل أحد معنى ذو مذاق خاص، لا يدرك مذاقة المر مثل خالد بن الوليد ﵁. فهو بطل أحد، وهو الذي حارب رسول الله ﷺ في تلك المعركة في الوقت الذي كان عبد الرحمن بن عوف واحد من خمسة يذودون عن رسول الله ﷺ وناله أكثر من عشرين جراحة. فكيف يستويان؟
وفي الوقت الذي كان خالد ﵁ يحمل على كتفيه وسام مؤتة وهو من أعلى الأوسمة العسكرية على الإطلاق. لكن هذا لا يعفيه من المسؤولية، ولا يبيح له قتل كثير من المسلمين دون تثبت. فكان هذا الدرس من أعظم الدروس التربوية التي تلقاها خالد في حياته ﵁. فقه منه أن الحرب ليست للحرب. كما هي الحال في تاريخه العسكري لعشرين عاما خلت، وفقه منه أنه داعية قبل أن يكون قائد حرب ممتاز، وفهم منه أن استلامه الموقع الأول في القيادة لا يعني أن هذا يعطيه حق التعالي على الآخرين، أو أنه غدا خيرا منهم. بل لا يحق له أن يقارن نفسه مع الجيل الأول من المجاهدين ومع الرعيل الأول منهم.
ومن المعاني التي تبرز من خلال هذه السرية حركية الرسول ﷺ العجيبة التي جعلته يتدارك
стр. 592
الأمر قبل فوات الأوان. وحين تقارن هذه الحركية مع الحركية القائمة للجماعة الإسلامية يكاد يصيبنا الذهول والألم للبون الكبير بين الحركتين. مع توفر وسائل المواصلات اليوم. وفي العمق النفسي الذي سلكه رسول الله ﷺ واختياره عليا بالذات بصفته الممثل الشخصي له فهو أخوه وابن عمه كي يطمئن الناس إلى الموقف الصحيح الذي عالج الخطأ. بهذه الحكمة حتى ليدي مبلغة الكلب، ويوزع الباقي على بني جذيمة لتثلح صدور الناس.
من جديد، وتمسح هذه اليد الحانية تلك المجزرة الضخمة. ولا أدل على التعبير عنها مما رآه رسول الله ﷺ في نومه إذ قال:
(رأيت كأني لقمت لقمة من حيس (١) فالتذذت طعمها، فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها فأدخل علي يده فنزعه. فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله هذه سرية من سراياك تبعثها. فأتيك منها بعض ما تحب، ويكون في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله) (٢). ولعل الشيء الأخطر الذي أنقذه علي ﵁ هو سمعة المسلمين، وذلك حين يتناقل الناس النبأ أن المسلمين يغدرون، وإنهم سيذبحون كل من يعاديهم حتى لو دخل في الإسلام. فانتشار هذه القالة دون أن ينتشر معها ذلك التصحيح المباشر الذي يلف الخطأ ويزيل آثاره سوف يقف سدا ذريعا بين الناس وبين الإسلام.
وهذا الدرس يعني أن كرامة الحركة فوق كرامة الأشخاص، وسمعة الدعوة فوق سمعة الأشخاص وأن يشرح خطأ خالد علنا. على ما فيه من قساوة على خالد. هو أمر من مصلحة هذه الدعوة التي لا يجوز لها أن تفرط في ذرة من سمعتها على الإطلاق.
ومن أجل إرضاء النفوس يبذل المال كله، ولو تجاوز حدود الصلاحيات المتاحة ضمن الهدف العام الذي تتحرك القيادة من أجله وهو تطبيب النفوس، وإعادة الثقة فيها من جديد.
ومن المعاني السابقة المذكورة إلى المعنى الأخير الخطير. هذا المعنى، هو قيمة الداعية المجاهد. وقبل أن نمضي بعيدا في هذا المعنى نقف مع هذه اللمحات والخطرات في واقع الحركة الإسلامية من خلال بعض الأمثلة التي توضح الفرق بين هذا الواقع وبين الأفق الوضيء الذي تدعونا السيرة النبوية إليه.
١ - ذات مرة وقع أخ من صفوف الحركة الإسلامية أسيرا بيد حليف هذه الحركة. ولخطأ أو إهمال أو غدر تم تسليم هذا الأخ إلى يد العدو. فأدت هذه القضية في صف هذه الحركة إلى توتر لم
стр. 593
يحصر الأمر ضمن الخطيئة. بل زعزع ثقة الجنود بكل القيادة. وأشار بعض المغرضين فيها بأصابع الإتهام إلى خط الجماعة كله، ووصمها البعض بالغباء والتواطؤ. ولا شك أن الحاقدين تكنوا من إثارة هذا الجو وتعبئة النفوس في هذا المسار. لأن هذا التسليم عرض العديد من الشباب للخطر.
٢ - ألقى أخ مسؤول ذات مرة كلمة حماسية في الإذاعة المخصصة للحركة الإسلامية، فثار الشباب المتحمس ضده في اليوم الثاني. واتهمه بأنه يريد أن يذبح أسرى هذه الحركة الموجودين في صفوف العدو، وراح الحماس يلعب دوره حتى اتهمه بمسؤوليته عن قتل ستة آلاف شهيد نتيجة تلك الكلمة المذاعة، علما بأن الشهداء سقطوا قبل هذه الكلمة. وأضحت المطالبة بإقصائه ومحاكمته وقتله.
٣ - حدث في الإذاعة التي تشترك بها الحركة الإسلامية أن أخطأ بعض الإخوة وأدخل مقطوعة موسيقية ضمن برنامج إسلامي، فقامت القواعد ولم تقعد. متهة القيادة بالإنحراف عن الإسلام، وبأن هذه القيادة غدت أداة في يد العدو. تهادن في دين الله، وتستحل الحرام، وتعلن القواعد فقدان ثقتها النهائية بالقيادة لأن بعض أفرادها مسؤول عن مراقبة البرامج مع عدد من الإخوة وقبل هذا الحرام.
ذكرت هذه النماذج الثلاثة، ولا أقول إن القواعد جميعها تسلك هذا السبيل. إنما يوجد بعض الشباب الذين يثيرون هذه الاتهامات وتجد أذنا صاغية لهذا البهتان، وتضخيم الخطأ، وتحويله إلى انحراف كامل بالحركة.
وهذه النماذج الثلاثة أضعها بين يدي حادثة بني جذيمة، وكيف أعمل خالد ﵁ السيف بالأسرى بعد أن أمنهم أو بعد إعلان إسلامهم رغم المعارضة العنيفة لهذا التصرف من كبار المهاجرين. ورأينا خطورة هذه القضية التي اقتضت إعلان البراءة مما فعله خالد ﵁ أمام الصحابة جميعا، ثم كف يده عن القتل بأمر رسول الله ﷺ ودية من تمت إبادتهم.
خطأ أودى بأرواح سبعين أو أكثر من بني جذيمة وقضوا خطأ بعد إسلامهم. وماذا جرى بخالد بعد هذا الدرس النبوي القاسي؟؟
لقد بقي خالد ﵁ في مركزه وبعد أقل من عشرين يوما،. خاض غزوة حنين، وهو بموقفه نفسه قائد خيالة المسلمين. كما يقول المقريزي: وبقيت سليم كما هي في مقدمة الخيل وعليهم خالد بن الوليد (١).
стр. 594
فالخطأ الذي أخطأه ابن الوليد ﵁، لم يحرقه، ولم يقض عليه، ولم يعزله، ولم ينل من كفاءته وطاقته. إنما أعلن خطؤه، وسمع التأنيب الضروري، وتلقى الدرس التربوي المناسب وتابع مهمته في موقعه نفسه في القيادة دون أن يشهر به، أو يستغنى عنه، بل نهى المسلمين بعد الخطأ ذاك من الاسترسال في النقد. وطلب منهم الكف عن الحديث في هذا الأمر وقال: (لا تسبوا خالدا فإنه سيف من سيوف الله. سله الله على المشركين) (١).
ونخلص من هذا الدرس الأخر إلى أن خطأ الأخ سواء كان في القيادة أو في القاعدة. لا بد أن يعالج المعالجة المناسة، ويحاسب على خطئه لكن هذا لا يقتضي إسقاطه أو عزله، أو التخلي عنه والتخلي عن طاقاته وإمكاناته ومواهبه. والجماعة الحكيمة هي التي تحافظ لا على قيادتها فحسب بل على أصغر جندي من جنودها، والفرق كبير جدا جدا بين محاسبة المخطىء في الحدود اللازمة وبين الإجهاز عليه، وما يوم بني جذيمة بسر.
ب - غزوة حنين
الرسول ﷺ يغادر مكة إلى حنين: وفي يوم السبت السادس من شهر شوال سنة ٨ هـ، غادر رسول الله مكة، وكان في إثني عشر ألفا من المسلمين عشرة آلاف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة، وألفان من أهل مكة، وأكثرهم حديثوا عهد بالإسلام، واستعار من صفوان بن أمية مائة درع بأداتها، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد. ولما كان عشية جاء فارس فقال: إني طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله. وتطوع للحراسة تلك الليلة أنس بن أبي مرثد الغنوي.
وفي طريقهم إلى حنين رأوا سدرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط. كما لهم ذات أنواط فقال: الله أكبر، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون. إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم. وقد كان بعضهم قال: نظرا إلى كثرة الجيش: لن نغلب اليوم. وكان قد شق ذلك على رسول الله ﷺ .
الجيش الإسلامي يباغت الرماة والمهاجرين: إنتمى الجيش الإسلامي إلى حنين ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوال، وكان مالك بن عوف قد سبقهم فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وفرق كمناءه في الطرق والمداخل. والشعاب والأخباء والمضايق. وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين أول ما طلعوا، ويشدوا شدة رجل واحد.
стр. 595
وبالسحر عبأ رسول الله ﷺ جيشه، وعقد الألوية والرايات، وفرقها على الناس؛ وفي عملية الصبح استقبل المسلمون وادي حنين. وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذا الوادي. فبينا هم ينحطون إذا تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو قد شدت عليهم شدة رجل واحد. فانشمر المسلمون راجعين، لا يلوي أحد على أحد، وكانت هزيمة منكرة .. وانحاز رسول الله ﷺ جهة اليمين وهو يقول: هلموا إلي أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين وأهل بيته وحينئذ ظهرت شجاعة النبي ﷺ التي لا نظير لها فقد طفق يركز بغلته قبل الكفار وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب.
بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا بلجام بغلته والعباس بركابه يكفانها أن لا تسرع ثم نزل رسول الله ﷺ فاستنصر ربه قائلا: اللهم أنزل نصرك.
رجوع المسلمين واحتدام المعركة: وأمر رسول الله ﷺ عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي الصحابة قال العباس: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك يا لبيك. ويذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه فيأخذ عليه درعه. فيقذفها في عنقه. ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت حتى إذا اجتمع إليه مائة استقبلوا الناس واقتتلوا.
وصرفت الدعوة إلى الأنصار، يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى كما كانوا تركوا الموقعة. وتجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر رسول الله ﷺ إلى ساحة القتال، وقد استحر واحتدم، فقال: الآن حمي الوطيس. ثم أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب الأرض، فرمى بها في وجوه القوم: وقال: شاهت الوجوه. فما خلق الله إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة فلم يزل حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا.
انكسار حدة العدو، وهزيمته الساحقة: وما هي إلا ساعات قلائل - بعد رمي القبضة -حتى انهزم العدو هزيمة منكرة وقتل من ثقيف وحدهم نحو السبعين، وحاز المسلمون ما كان على العدو من مال وسلاح وظعن. وهذا هو التطور الذي أشار إليه في قوله: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفررا وذلك جزاء الكافرين﴾.
حركة المطاردة: ولما انهزم العدو صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى نخلة،
стр. 596
وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ﷺ إلى أوطاس طائفة من المطاردين يقودهم أبو عامر الأشعري، فناوش الفريقان القتال قليلا، ثم انهزم جيش المشركين، وفي هذه المناوئة قتل القائد أبو عامر الأشعري. وطاردت طائفة أخرى من فرسان المسلمين فلول المشركين الذين سلكوا نخلة. فأدركت دريد بن الصمة فقتله ربيعة بن رفيع. وأما معظم فلول المشركين الذين لجؤوا إلى الطائف فتوجه إليهم رسول الله ﷺ بنفسه بعد أن جمع الغنائم.
الغنائم: وكانت الغنائم: السبي ثلاثة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرون ألفا والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، أمر رسول الله ﷺ بجمعها ثم حبسها بالجعرانة، وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري، ولم يقسمها حتى فرغ من غزوة الطائف. وكانت في السبي الشيماء بنت الحارث السعدية، أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة فلما جيء بها إلى رسول الله ﷺ عرفت نفسها فعرفها بعلامة فأكرمها، وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ثم من عليها، وردها إلى قومها.
غزوة الطائف: وهذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين، وذلك أن معظم فلول هوازن وثقيف دخلوا الطائف مع القائد العام - مالك بن عوف النصري - وتحصنوا بها، فسار إليهم رسول الله ﷺ بعد فراغه من حنين وجمع الغنائم بالجعرانة في نفس الشهر. شوال سنة ٨ هـ وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة من ألف رجل، ثم سلك رسول الله ﷺ إلى الطائف فمر في طريقه على النخلة اليمانية، ثم قرن المنازل، ثم على لية، وكان هناك حصن لمالك بن عوف فأمر بهدمه ثم واصل سيره حتى انتهى إلى الطائف. فنزل قريبا من حصنه، وعسكر هناك، وفرض الحصار على أهل الحصن ودام الحصار مدة غير قليلة ففي رواية أنس عند مسلم أن مدة حصارهم كانت أربعين يوما، وعند أهل السير خلاف في ذلك فقيل عشرين يوما، وقيل بضعة عشر، وقيل ثمانية عشر، وقيل خمسة عشر. ووقعت في هذه المدة مراماة ومقاذفات. فالمسلمون أول ما فرضوا الحصار رماهم أهل الحصن رميا شديدا كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلا واضطروا إلى الارتفاع عن معسكرهم إلى مسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك.
ونصب النبى ﷺ المنجنيق على أهل الطائف، وقذف به القذائف، حتى وقعت شرخة في جدار الحصن. فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة، ودخلوا بها إلى الجدار ليخرقوه. فأرسل عليهم العدو سكك الحديد المحماة فخرجوا من تحتها، فرموهم بالنبل، وقتلوا منهم رجالا.
وأمر رسول الله ﷺ كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلى الاستسلام - أمر بقطع الأعناب وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعا ذريعا، فسألته ثقيف أن يدعها لله والرحم. فتركها لله والرحم. ونادى مناديه ﷺ : أيما عبد نزل من الحصن، وخرج إلينا فهو حر، فخرج إليهم ثلاثة
стр. 597
وعشرون رجلا فيهم أبو بكر - تسور حصن الطائف وتدلى منه ببكرة مستديرة يستقي عليها. فكناه رسول الله ﷺ أبا بكة، فأعتقهم رسول الله ﷺ ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه. فشق ذلك على أهل الحصن مشقة شديدة، ولما طال الحصار واستعصى الحصن، وأصيب المسلمون بما أصيبوا من رشق النبال، وبسلك الحديد المحماة - وكان أهل الحصن قد أعدو فيه ما يكفيهم لحصار سنة - استشار رسول الله ﷺ نوفل بن معاوية الدولي فقال: هم ثعلب في حجر-إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يغيرك، وحينئذ عزم رسول الله ﷺ على رفع الحصار والرحيل، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟ فقال رسول الله ﷺ أغدوا على القتال، فغدوا فأصابهم جراح فقال: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فسروا بذلك وأذعنوا، فجعلوا يرحلون .. ورسول الله ﷺ يضحك، ولما ارتحلوا واستقلوا قال: قالوا: آيبون تائبون، لربنا حامدون.
وقيل يا رسول الله ادع على ثقيف، فقال: اللهم اهد ثقيفا وئت بهم.
وفد ثقيف: كانت وفادتهم في رمضان سنة ٩ بعد مرجع رسول الله ﷺ من تبوك، وأسلمت ثقيف.
وفد هوازن: وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلما وهم أربعة عشر رجلا.
لم يكن يكفي سقوط معقل الوثنية - مكة لانتهاء المقاومة المسلحة، فالقبائل المجاورة من هوازن وثقيف لا تزال مركز قوة ضخم، وتشكل خطرا على الوجود الإسلامي كله. ومن أجل هذا كانت خطة النبي ﷺ تتجه إلى إنهاء كل الجيوب الوثنية المتبقية، وهي ذات قوة ضارية فعالة.
وحيث أن التربية جزء أساسي من حياة الفرد المسلم والجماعة المسلمة، وحيث أن هذا التجمع الجديد الذي وصل تعداده إلى اثني عشر ألف مقاتل، لم تتح له فرصة التميص المناسبة، ولم تصهره المحنة بعد، إذ تم دخول مكة دون قتال يذكر. فهذا يعني أن هذا الجيش الذي يزيد في أكثر من نصفه من حديثي عن عهد بالاسلام. فكانت المحنة سبرا لهذه النفوس.
لقد أثر هذا الحشد الضخم على أعصاب المسلمين، ورأوا هذه الأعداد الهائلة، فيقول قائلهم: لن نغلب اليوم أو يقول ﵊: لن يغلب اثنا عشر ألف عن قلة. فالأمر في النتيجة واحد. هو أن التجمع الذي لا تصهره التربية، يصعب عليه أن ينتصر، وهذا ما نزل بالمسلمين يوم حنين.
﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾ (١).
стр. 598
وفي لحظة من لحظات الضعف البشري بالاعتماد على الأسباب المادية والثقة بها، يأتي التأديب الرباني لينال الجماعة المسلمة كلها وهذا التأديب يتناسب مع طبيعة الخطأ الذي تخطئه هذه المجموعة.
ومن خلال المحنة والإبتلاء. يتم انصهار هذا التجمع ليتحول إلى جماعة.
وكان الابتلاء الرباي في هذه المعركة ذي محورين.
المحور الأول في الضراء، حيث كانت هزيمة حنين الأولى، وعدم نجاح حصار الطائف.
المحور الثاني في السراء، وذلك من خلال غنائم حنين.
فلقد أعد المسلمون من الأسباب المادية ما يفوق الإعداد في أية معركة. وكان قوام الجيش إثني عشر ألفا. وكانت الأسلحة متوفرة كذلك، ومن أحدث أنواع الأسلحة. كان رسول الله ﷺ قد غنمها من اليهود في خيبر. فقد كان عند المسلمين المنجنيق والدبابة ولأول مرة في تاريخ حروبهم كانوا يمتلكون ذلك. واستعار رسول الله ﷺ مائة درع من صفوان بن أمية.
هذا من حيث الإعداد المادي، الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الجيوش الإسلامية لكن هذا التجمع الإسلامي لا يزال في صفوفه الكثير ممن دخل في الإسلام وهو في قمة النصر. ورأى أن المسير في الاتجاه الإسلامي يعني نصرا مستمرا وغنائم ضخمة. فكان لا بد من هزة حنين.
وبعث رسول الله ﷺ استطلاعه الجيد قبل المعركة. وشاءت إرادة الله تعالى أن لا يرى ذلك الاستطلاع كمائن العدو المنبثة في جميع شعاب الجبل. وكانت المعركة.
وحين يقرأ المسلم أحداث هذه المعركة يذهله الخبر. فالهجوم المباغت من هوازن أفقد الجيش المسلم كله توازنه، حتى القاعدة الصلبة. فقدت توازنها، ولاذت بالفرار من هول المفاجأة. ولم يسبق لهذه القاعدة الصلبة أن اهتزت هذا الاهتزاز في تاريخها كله إلا يوم أحد.
ومع هول المفاجأة، فر الجيش الإسلامي كله، ولم يثبت مع رسول الله ﷺ إلا بضعة عشر رجلا وكانوا فريقين:
الفريق الأول: أقرباؤه الأدنين. العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.
стр. 599
وهذه نماذج جديدة على الساحة ورغم دخولها الجديد في الإسلام، لكنها لم تتراجع خطوة واحدة بجوار رسول الله ﷺ .
الفريق الثاني: وهم الخميرة الأولى للدعوة. أبو بكر، عمر، عثمان، علي، أبو دجانة.
كما برز فريق ثالث من الشباب هما: أيمن بن عبيد الخزرجي، وأسامة بن زيد ﵄.
وبرز فريق رابع من النساء هن: أم سليم بنت ملحان، هي يومئذ حامل بولدها عبد الله بن أبي طلحة، وأم عمارة بنت كعب، وأم سليط وأم الحارث.
ولا يبعد أن يكون هناك قتال ضار في مكان آخر. غير أن هذه المجموعة الفدائية بقيت حول رسول الله ﷺ .
وحين يكون الصف المسلم فيه من يفكر بقتل رسول الله ﷺ ، يعني أن التربية لم تشمله كله بعد. ويحدثنا أحد المغامرين شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، عن هذه اللحظات من الأزمة فيقول: (لما رأيت النبي ﷺ غزا مكة فظفر بها وخرج إلى هوازن. قلت: أخرج لعلي أدرك ثأري. وذكرت قتل أبي يوم أحد وعمي. فلما انهزم أصحابه جئته عن يمينه، فإذا العباس قائم عليه درع بيضاء كالفضة، فقلت، عمه! لن يخذله! ثم جئته عن يساره، فإذا بأبي سفيان بن الحارث فقلت: ابن عمه لن يخذله. فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوره (١) بالسيف إذ رفع لي فيما بيني وبينه شواظ من النار كأنه برق، وخفت أن يمحشني (٢)، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى فالتفت إلي وقال: يا شيب! أدن مني! فوضع يده على صدري وقال: اللهم اذهب عنه الشيطان. فرفعت رأسي إليه وهو أحب إلي من سمعي وبصري وقلبي ثم قال:
يا شيب قاتل الكفار! فتقدمت بين يديه أحب والله أقيه بنفسي كل شيء. فلما انهزت هوازن ودخلت عليه، فقال: الحمد لله الذي أراد بك خيرا مما أردت ثم حدثني بما هممت به (٣).
وهذه الظاهرة التي حالت دون شيبة وقتله للنبي ﷺ كانت ظاهرة عامة. فلم تر هوازن أن الجيش الإسلامي قد فر ولم يبق منه إلا بضعة عشر. لقد جاء المدد الإلهي مباشرة. ونزلت الملائكة
стр. 600
بعمائمها الحمر تسد الأفق بين الأرض والسماء.
﴿ثم أنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها﴾.
وكانت المرحلة الثانية من المعركة هي النداء الخالد للعصبة المؤمنة: يا أصحاب سورة البقرة. كان النداء إلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. فبدأت الأفراد تفد إلى ساحة المعركة. حتى بلغت المائة، ويقال إن المائة الصابرة يومئذ ثلاثة وثلاثون من المهاجرين وسبعة وستون من الأنصار.
ثم خصص رسول الله ﷺ في المرحلة الثالثة: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة (فنادى العباس بذلك وكان رجلا صيتا فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها يقولون: يا لبيك يا لبيك: فأشرف رسول الله ﷺ كالمتطاول في ركابيه، فنظر إلى قتالهم وقال: الآن حمي الوطيس، ثم أخذ بيده من الحصا، فرماهم بها وهو يقول: شاهت الوجوه ثم لا ينصرون. ثم قال: انهزموا ورب الكعبة. فما زال أمرهم مدبرا وانهزموا) (١).
وكانت هذه المراحل المتلاحفة بسرعة. تحدد مراحل المعركة. وتثبت الإيمان في قلوب ضعاف الإيمان. فلو استثنينا تلك القاعدة الصلبة التي تبلغ الألفين من المسلمين، لرأينا أن العمود الفقري من الجيش وهو من حديثي العهد بالإسلام كان لا بد أن يرى هذه المعجزة الإلهية بأم عينه، ويرى نصر الله تعالى لنبيه، ويرى ثبات هذا النبي وحده وبضعة عشر نفرا وهو يقول:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
ولقد كان هذا التحدي مثلجا لصدور العصبة الصغيرة حرولهم، فحوالي ثلثهم من بني عبد المطلب الذين ثبتوا معه، وكانوا بالأمس يحاربونه ويهجونه ويقاومونه.
ولا بد أن يطرق هذا المعنى، أذهان الشباب المسلم ويتسع بأفقه بعيدا. ويعترف بقوة رابطة النسب إلى جوار رابطة العقيدة. حين يرى أبا سفيان بن الحارث وأخاه ربيعة والعباس وابنه. وعلي بن أبي طالب. وهذا يعني الاستفادة من روابط النسب وغيرها إلى جوار رابطة العقيدة وتحت ظلها ورايتها، وأكدت هذه المعركة كذلك، أن الصف المسلم سيبقى في محن متتابعة حتى يتم انصهاره وتلاحمه، وأن النصر بيد الله تعالى يؤتيه من يشاء وأن الإعجاب النفسي بالقوة والطاقة قمين بالمحنة القاسية لتعديل هذه النظرة وتغييرها حتى يتطامن ذلك الإعجاب ويخضع صاحبه لله رب العالمين.
وكانت المحنة الثانية العنيفة التي واجهها الجيش المسلم هي حصار الطائف الذي استمر