واختار ابن عثيمين: أن جناية البهائم كلها هَدَر إلا إذا تعدى صاحبها أو فرط؛ لحديث أبي هريرة السابق.
(فَصْلٌ) في الشُّفْعَة
الشفعة: بإسكان الفاء، من الشفع، وهو الزوج؛ لأن الشفيع بالشفعة يضم المبيع إلى ملكه الذي كان منفرداً.
وفي الاصطلاح: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه، بعوض مالي، بثمنه الذي استقر عليه العقد.
وهي ثابتة بالسنة؛ لحديث جابر ﵁: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» [البخاري: ٢٢٥٧]، وحكى ابن المنذر الإجماع عليها.
- مسألة: (وَتَثْبُتُ الشَّفْعَةُ) للشريك في الشِّقْص بخمسة شروط:
الشرط الأول: المطالبة بالشفعة (فَوْراً) (١)، ساعة يعلم بالبيع، إن لم يكن
стр. 1017
له عذر يمنعه من الطلب، فإن لم يطالب بها بلا عذر بطلت؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ» [ابن ماجه ٢٥٠٠، وأنكره أبو زرعة]، ولأن ثبوتها على التراخي ربما أضر بالمشتري؛ لعدم استقرار ملكه.
وتسقط الفورية في حالتين:
١ - إن لم يعلم بالبيع؛ فهو على شفعته ولو مضى سنون.
٢ - إذا أخر المطالبة بها لعذرٍ؛ بأن علم ليلًا فأخره إلى الصباح، أو لحاجة أكل أو شرب أو طهارة، أو ليأتي بالصلاة وسننها.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أن المطالبة بالشفعة على التراخي، لا تسقط إلا بما يدل على الرضا؛ لإطلاق حديث جابر السابق؛ ولأن هذا خيار لا ضرر في تراخيه، فلم يسقط بالتأخير كالقصاص.
- مسألة: تثبت الشفعة (لِمُسْلِمٍ) على مسلم وعلى كافر، ؛ لعموم الأدلة، ولأنها إذا ثبتت على المسلم مع عظم حرمته، فلأن تثبت على الكافر مع دناءته أولى.
وتثبت لكافر على كافر؛ لاستوائهما كالمسلمَيْن.
ولا شفعة لكافر حين البيع على مسلم، ولو أسلم بعد البيع، وهو من المفردات؛ لحديث أنس ﵁ مرفوعاً: «لَا شُفْعَةَ لِنَصْرَانِيٍّ» [المعجم الصغير للطبراني ٥٦٩، قال أبوحاتم: باطل]، وعن حميد الطويل: عن الحسن أو أنس:
стр. 1018
«لَيْسَ لِلْكَافِرِ شُفْعَةٌ» [مصنف عبدالرزاق ١٤٤١١]، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
وقيل وفاقاً للثلاثة: تثبت الشفعة للكافر على المسلم؛ لعموم الأدلة، ولأن أهل الذمة لهم حق في التملك، والشفعة بمنزلة الشراء.
وقال ابن عثيمين: (ولو قلنا برجوع هذا إلى نظر الحاكم أي القاضي لكان هذا جيداً، ويظهر هذا بالقرائن، فإذا عرفنا أن الكافر سوف يفتخر بأخذ الشفعة من المسلم ويرى أنه علا عليه فحينئذ لا نمكنه، أما إذا علمنا أن الكافر مهادن وأنه لم يأخذ بالشفعة إلا لأنه مضطر إليها لمصلحة ملكه، فإننا نمكنه منها).
- مسألة: تثبت الشفعة لـ (تَامِّ المِلْكِ)، فلا تثبت لمن ملكه غير تام؛ كشركة وقف - دار نصفها وقف ونصفها طلق-، فلو بِيع الطلق، فلا شفعة للموقوف عليه ولو معينًا؛ لأن ملكه غير تام، أشبه مالك المنفعة.
الشرط الثاني: أن تكون الشفعة (فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ المُنْتَقِلَةِ) عنه (لِغَيْرِهِ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ)؛ كالبيع، والصلح والهبة بمعناه؛ لأن الشفيع يأخذه بمثل الثمن الذي انتقل به إلى المشتري، ولا يمكن هذا في غير المبيع، وألحق بالبيع المذكورات بعده؛ لأنها بيع في الحقيقة لكن بألفاظ أخر.
فإن انتقل نصيب الشريك:
стр. 1019
١ - بالإرث: فلا شفعة فيه اتفاقًا؛ لأن ذلك ليس في معنى البيع، والأخذ يقتضي دفع العوض، ولم يقصد به المعاوضة.
٢ - بغير عوض: كالهبة بغير ثواب، والوصية؛ فلا شفعة؛ لأنه مملوك بغير مال أشبه الإرث.
واختار ابن عثيمين: تثبت فيه الشفعة؛ لأن الحكمة من الشفعة موجودة في الهبة، وهي إزالة الضرر، ويأخذها الشريك بقيمته في السوق.
٣ - بعوض غير مالي؛ بأن جعل صداقًا، أو خلعًا، أو صلحًا عن دم عمد؛ فلا شفعة؛ لأن الخبر ورد في البيع، وهذه ليست في معناه.
وفي وجه، واختاره ابن عثيمين: تثبت فيه الشفعة؛ لأن التملك تم بعقد معاوضة، فثبت فيه الشفعة قياسًا على البيع، مع لحوق الضرر في الكل، وعلى هذا فيأخذ الشِّقْصَ بقيمته.
- فرع: يأخذ الشفيع نصيب البائع (بِمَا) أي: بثمنه الذي (اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ العَقْدُ) وقت لزومه، قدرًا وجنسًا وصفةً؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «أَيُّمَا قَوْمٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ رِبَاعَةٌ، أَوْ دَارٌ، فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ، فَلْيَعْرِضْهُ عَلَى شُرَكَائِهِ، فَإِنْ أَخَذُوهُ فَهُمْ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ» [أحمد ١٤٣٢٦]؛ ولأن الشفيع إنما يستحق الشِّقْص بالبيع، فكان مستحِقًّا له بالثمن كالمشتري.
стр. 1020
(وَ) الـ (شَّرْطُ) الثالث: (تَقَدُّمُ مِلْكِ شَفِيعٍ) للرقبة؛ بأن يملكها قبل البيع؛ لأن الشفعة ثبتت لدفع الضرر عن الشريك، فإذا لم يكن له ملك سابق فلا ضرر عليه، فلا شفعة.
وعليه فلا شفعة في أمور، منها:
١ - إذا كان شريكاً في المنفعة لا في الرقبة؛ كدار موصًى بنفعها، فباع الورثة نصفها، فلا شفعة في الرقبة للموصى له؛ لأن المنفعة لا تؤخذ بالشفعة، فلا تجب الشفعة لمالك المنفعة.
٢ - إذا لم يسبق ملك أحدهما الآخر؛ كشراء اثنين دارًا صفقة واحدة؛ فلا شفعة لأحدهما على صاحبه؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر؛ لاستوائهما في البيع في زمن واحد، ولعدم الضرر.
(وَ) الشرط الرابع: (كَوْنُ شِقْصٍ) مبيع (مُشَاعاً) أي: غير مفرز (مِنْ أَرْضٍ تَجِبُ قِسْمَتُهَا) إجبارًا -وهي ما لا ضرر في قسمته ولا رد عوض-؛ لحديث جابر ﵁ السابق: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ، فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى، فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ» [مسلم ١٦٠٨].
فلا شفعة في أمور، وهي:
١ - المنقول؛ كسيف وشجر وجوهر ونحوه؛ لأن حديث جابر السابق
стр. 1021
ورد في العقار، والمنقول لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص، ولأن الأرض هي التي تبقى على الدوام ويدوم ضررها.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تثبت فيه الشفعة؛ لحديث جابر ﵁: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ» [البخاري ٢٢١٤]، وهذا يشمل كل مال، منقول وغيره، وأما ما استدلوا به فهو ذكر لبعض أفراد العام بحكم يوافق حكم العام، فلا يقتضي التخصيص.
٢ - ما لا تجب قسمته، وهي ما لا تنقسم إلا بضرر أو رد عوض؛ كحمَّام صغير ودُور صغيرة؛ لحديث محمد بن أبي بكر ﵁ مرفوعًا: «لَا شُفْعَةَ فِي مَاءٍ، وَلَا طَرِيقٍ، وَلَا فَحْلٍ» [مصنف عبدالرزاق ١٤٤٢٧، وأعله ابن عبدالهادي بالانقطاع]، ولقول عثمان ﵁: «لَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَلَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فِي فَحْلِ النَّخْلِ» [الموطأ ٢/ ٧١٧].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تثبت الشفعة فيه؛ لحديث جابر ﵁: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ» [مسلم ١٦٠٨]، وهذا عام، ولأن ثبوت الشفعة فيما لا يقبل القسمة أولى بثبوت الشفعة فيما يقبل القسمة؛ فإن الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه بالمقاسمة، وما لا يمكن فيه القسمة يكون ضرر المشاركة فيه أشدَّ.
٣ - ما تم قسمته، فلا شفعة لجار؛ لحديث جابر ﵁ السابق: «قَضَى
стр. 1022
رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ»، فدل بمفهومه: أنه لا شفعة فيما قسم.
واختار شيخ الإسلام، وقال المرداوي: (هو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب): أنه إن كان الجار شريكًا في حق من حقوق المبيع؛ كالشِّرْب والطريق الخاص بهما ونحو ذلك، ثبتت له الشفعة، وإلا فلا؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» [أحمد ١٤٢٥٣، وأبو داود ٣٥١٨، والترمذي ١٣٦٩، وابن ماجه ٢٤٩٤].
- فرع: (وَيَدْخُلُ) في الشفعة (غِرَاسٌ وَبِنَاءٌ) ونهر وبئر وقناة ودولاب (تَبَعاً) للأرض إذا بيعت معها، لا إن بيع ذلك منفرداً؛ لحديث جابر ﵁ السابق: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ»، وهذا يدخل فيه الغراس والبناء، و (لَا) يدخل في الشفعة (ثَمَرَةٌ) ظاهرة، (وَ) لا (زَرْعٌ)، لا تبعاً ولا مفرداً؛ لأنهما لا يدخلان في البيع، فلا يدخلان في الشفعة؛ كقماش الدار.
(وَ) الشرط الخامس: (أَخْذُ) شريك (جَمِيعَ) شِقْصٍ (مَبِيعٍ) (١)؛ لئلا
стр. 1023
يتضرر المشتري بتبعيض الصفقة في حقه بأخذ بعض المبيع.
- فرع: (فَإِنْ أَرَادَ) الشريك (أَخْذَ البَعْضِ) من المبيع فلا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون المبيع باقياً كله؛ سقطت شفعته؛ لأن حق الأخذ إذا سقط بالترك في البعض سقط في الكل؛ كعفوه عن بعض قَوَدٍ يستحقه.
٢ - أن يكون بعض المبيع تالفاً؛ كانهدام بيت من دار بِيع بعضها؛ أخذ الشفيع باقيَ المبيع إن شاء بحصته من ثمن جميع الشقص، فإن كان المبيع نصفَ الدار، وقيمة البيت المنهدم منها نصف قيمتها؛ أخذ الشفيع الشقص فيما بقي من الدار بنصف ثمنه؛ لأنه تعذر عليه أخذ كل المبيع بتلف بعضه، فجاز له أخذ الباقي بحصته.
- فرع: (أَوْ عَجَزَ) الشفيع (عَنْ بَعْضِ الثَّمَنِ) أو عَجَزَ عن كله؛ سقطت شفعته؛ لأن في أخذه بدون دفع كل الثمن إضراراً بالمشتري، والضرر لا يزال بالضرر، وذلك (بَعْدَ إِنْظَارِهِ) أي: الشفيع إن طلب الإنظار لتحصيل الثمن؛ أمهل (ثَلَاثاً) من حين أخذه بالشفعة حتى يتبين عجزه؛ لأنه قد يكون معه نقد، فيمهل بقدر ما يعدُّه فيه، والثلاث يمكن الإعداد فيها غالبًا.
- فرع: إن قال الشفيع للمشتري: هب الشقص لي، (أَوْ قَالَ) الشفيع (لِمُشْتَرٍ: بِعْنِي) ما اشتريت، (أَوْ) قال له: (صَالِحْنِي) عن الشفعة، ونحو
стр. 1024
ذلك؛ سقطت شفعته؛ لأن هذا وشبهه دليل على رضاه بالشركة وتركه للشفعة، ولفوات الفور.
- فرع: (أَوْ أَخْبَرَهُ) أي: الشفيعَ بالبيع (عَدْلٌ) ولو واحدًا، عبدًا أو أنثى؛ (فَكَذَّبَهُ)؛ سقطت شفعته؛ لتراخيه عن الأخذ بلا عذر؛ لأنه خبر من عدل يجب قبوله في الرواية والفتيا وسائر الأخبار الدينية، فسقطت الشفعة بتكذيبه، فإن كذب فاسقًا لم تسقط؛ لأنه لم يعلم الحال على وجهه.
(وَنَحْوُهُ)؛ كأن أخبره من لا يقبل خبره وصدقه، ولم يطالب بها؛ (سَقَطَتْ) شفعته.
- فرع: تثبت الشفعة لشريكين اثنين بقدر حقيهما؛ لأنها حق يستفاد بسبب الملك، فكانت على قدر الأملاك، فدارٌ بين ثلاثة: نصف، وثُلُث، وسُدُس، فباع رب الثُّلُث، فالمسألة من ستة، والثُلُث يقسم على أربعة، لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب السُّدُس واحد، (فَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ) أي: بعض الشركاء وترك شفعته؛ سقطت، و (أَخَذَ بَاقِيهِمْ) بالشفعة (الكُلَّ) أي: كل المبيع (أَوْ تَرَكَهُ)، حكى ابن المنذر الإجماع عليه، لأن في أخذ البعض إضرارًا بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر.
- مسألة: (وَإِنْ مَاتَ شَفِيعٌ) لم يخل ذلك من حالين:
стр. 1025
١ - أن يموت (قَبْلَ طَلَبِ) الشفعة مع القدرة: (بَطَلَتْ) شفعته؛ لأنه نوع خيار للتمليك أشبه خيار القبول؛ فإنه لو مات من يريد القبول بعد إيجاب صاحبه لم يقم وارثه مقامه بالقبول.
٢ - أن يموت بعد طلب الشفعة: ثبتت الشفعة لوارثه؛ لأن الحق قد تقرر بالطلب.
وفي وجه، واختاره ابن عثيمين: أن حق الشفعة لا يسقط بموت الشفيع مطلقًا، طالب بها قبل الموت أو لم يطالب، بل ينتقل حق المطالبة إلى الوارث؛ لأن الشفعة خيار يثبت لدفع الضرر عن المال، فيورث عن الشفيع؛ كالرد بالعيب.
- مسألة: (وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ) الذي اشتُري به الشقص (مُؤَجَّلاً) لم يخلُ من أمرين:
١ - أن يكون الشفيع مليئاً، وأشار إليه بقوله: (أَخَذَ) شفيع (مَلِيءٌ) وهو القادر على الوفاء (بِهِ) أي: بالثمن المؤجل؛ لأن الشفيع يستحق الأخذ بقدر الثمن وصفته، والتأجيل من صفته.
٢ - (وَغَيْرُهُ)، أي: غير المليء، وهو المعسر، يأخذه بالثمن المؤجل (بِكَفِيلٍ مَلِيءٍ)؛ دفعاً لضرر المشتري.
стр. 1026
- مسألة: (وَلَوْ أَقَرَّ بَائِعٌ بِالبَيْعِ) في الشقص المشفوع، (وَأَنْكَرَ مُشْتَرٍ) شراءه؛ (ثَبَتَتِ) الشفعة؛ لأن البائع أقر بحقين؛ حق للشفيع وحقٍّ للمشتري، فإن أسقط حقه بإنكاره ثبت حق الآخر وهو الشفيع.
وعليه فلا يخلو البائع من حالين:
١ - أن يكون مقِرًّا بقبض الثمن من المشتري: فيأخذ الشفيع الشقص من البائع، ويدفع إليه الثمن؛ لاعترافه بالبيع.
٢ - أن لا يكون البائع مقراً بقبض الثمن من المشتري: فيبقى في ذمة الشفيع إلى أن يدَّعِيَهُ المشتري؛ لأنه لا مستحِقَّ له غيره.
(فَصْلٌ) في الوديعة
من وَدَعَ الشيء: إذا تركه؛ لأنها متروكه عند المودَع.
وشرعًا: اسم للمال، أو المختص المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض.
وأجمعوا على جواز الإيداع؛ لقوله تعالى: ﴿فليؤد الذي ائتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» [أحمد ١٥٤٢٤، وأبو داود ٣٥٣٥، والترمذي ١٢٦٤، وحسنه]، ولحاجة الناس إليها؛ لأنه يتعذر عليهم حفظ جميع أموالهم بأنفسهم.
стр. 1027
- مسألة: (وَ) حكم قبول الوديعة لا يخلو من أمرين:
١ - (يُسَنُّ قَبُولُ وَدِيعَةٍ: لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الأَمَانَةَ)، أي: أنه ثقة قادر على حفظها؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» [مسلم ٢٦٩٩].
٢ - يكره قبول الوديعة: لمن لا يعلم من نفسه الأمانة إلا برضا ربها. قاله في المبدع، وقال في الكشاف: (ولعل المراد إعلامه بذلك إن كان لا يعلمه؛ لئلا يغره).
- مسألة: (وَيَلْزَمُ) المودَعَ (حِفْظُهَا) أي: الوديعة؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: ٥٨]، ولا يمكن أداؤها إلا بالحفظ.
ثم لا يخلو مكان الحفظ من أمرين:
الأول: أن لا يعين ربها مكان حرزها: فيلزم المودَع حفظها (فِي حِرْزِ مِثْلِهَا) عرفًا، اتفاقًا؛ لأن الإيداع يقتضي الحفظ، وإذا أطلق حمل على المتعارف، وهو حرز المثل، وهو ما جرت العادة بحفظ الوديعة فيه؛ فالدنانير في الصناديق من وراء الأقفال، والثياب في البيوت، وهكذا.
فإن لم يحرزها في حرز مثلها مع عدم التعيين ضمنها؛ لأنه مفرط.
стр. 1028
(وَ) الثاني: (إِنْ عَيَّنَهُ) أي: الحرز (رَبُّهَا) أي: رب الوديعة؛ بأن قال -مثلًا-: احفظها في هذا البيت، فعلى قسمين:
أإن أحرزها بمثل الحرز المعيَّن في الحفظ، أو أحرزها في حرز فوقه - ولو لغير حاجة-: لا يضمن الوديعة إن تلفت؛ لأن تعيين الحرز يقتضي الإذن في مثله، وفيما هو أحفظ من باب أولى.
ب (فَـ) إن (أَحْرَزَ بِدُونِهِ) أي: دون المعيَّن رتبةً في الحفظ فضاعت، فلا يخلو من أمرين:
١ - أن يمكنه إحرازها بمثله أو أعلى منه: ضمن، اتفاقاً؛ لمخالفته المودِع، ولأن بيوت الدار تختلف، فمنها ما هو أسهل نقبًا ونحوه.
٢ - أن لا يمكنه إحرازها إلا بما دونه: لم يضمنها؛ لأن إحرازها به في ذلك الحرز أحفظ لها من تركها بمكانها، وليس في وسعه حينئذ سواه.
- مسألة: الوديعة أمانة عند المودَع؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فإذا تلفت الوديعة لم يخل من أمرين:
١ - أن يكون تلفها بغير تعدٍّ ولا تفريط: فلا ضمان عليه فيها؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ» [ابن ماجه ٢٤٠١، وضعفه الحافظ]، ولأن المستودَع يحفظها لمالكها، فلو ضُمنت لامتنع الناس من الدخول فيها، وذلك مضر؛ لما فيه
стр. 1029
من مسيس الحاجة إليها.
٢ - أن يكون تلفها بتعدٍّ منه أو تفريط: وأشار إليه بقوله: (أَوْ تَعَدَّى) أي: فعل ما لا يجوز؛ كأن تكون ثياباً فيلبَسها دون إذن، (أَوْ فَرَّطَ) أي: ترك ما وجب عليه من حفظها؛ كأن يقصر في حفظ الوديعة في حرز مثلها؛ فإنه يضمن، قال في المبدع: (بغير خلاف علمناه)؛ لأن المتعدي متلف لمال غيره فضمنه، كما لو أتلفه من غير إيداع، والمفرط متسبب بترك ما وجب عليه من حفظها.
- مسألة: (أَوْ قَطَعَ) المودَع (عَلَفَ دَابَّةٍ) أو سقيها (عَنْهَا) فلا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون ذلك (بِغَيْرِ قَوْلٍ) من مالك: لا تعلفها، أو لا تسقها، حتى ماتت: (ضَمِنَ)؛ لأنه من كمال الحفظ، بل هو الحفظ بعينه، ؛ لأن العرف يقتضي علفها وسقيها، فهو مأمور به عرفًا.
٢ - أن يكون ذلك بقول المالك: لا تعلفها، أو لا تسقها، حتى ماتت: فلا يضمن المودَع؛ لأن مالكها أذن له في إتلافها، أشبه ما لو أمره بقتلها، لكن يأثم بترك علفها وسقيها حتى مع الأمر بتركهما؛ لحرمة الحيوان.
واختار ابن عثيمين: أنه يضمن، لأنه تعدى بترك علفها، أشبه ما إذا لم ينهه، ولكن يُجعل ما ضمنه في بيت المال؛ لأنها تلفت بقولٍ من صاحبها وقد رضي بتلفها عليه.
стр. 1030
- مسألة: (وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُودَعٍ فِي) أمور:
١ - إذا ادعى أنه (رَدَّهَا) أي: الوديعة (إِلَى رَبِّهَا)، بيمينه؛ لأنه لا منفعة له في قبضها، فيقبل قوله بغير بينة.
٢ - (أَوِ) ادعى أنه ردها إلى (غَيْرِهِ) أي: غير ربها (بِإِذْنِهِ) أي: بإذن ربها، بيمينه؛ لأنه ادعى دفعًا يبرأ به من رد الوديعة، أشبه ما لو ادعى ردها إلى مالكها.
- فرع: (لَا) يقبل قول مودَع في ردها إلى (وَارِثِهِ)، أي: وارث المالك إلا ببينة؛ لأنهم لم يأتمنوه.
٣ - (وَ) يقبل قول مودَع (فِي تَلَفِهَا) أي: الوديعة، بيمينه؛ لتعذر إقامة البينة على ذلك، فلو لم يقبل قوله فيه لامتنع الناس من قبول الأمانات مع الحاجة إليه، ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك.
لكن إذا ادعى التلف بسبب ظاهر؛ كحريق ونهب جيش، ونحوه؛ لم يقبل منه ذلك إلا ببينة تشهد بوجود ذلك السبب في تلك الناحية، فإن عَجَزَ عن إقامة البينة بالسبب الظاهر ضمنها؛ لأنه لا تتعذر إقامة البينة به، والأصل عدمه.
٤ - (وَ) يقبل قول مودَع في (عَدَمِ تَفْرِيطٍ، وَ) عدم (تَعَدٍّ)؛ لأنه أمين، والأصل براءته.
стр. 1031
٥ - (وَ) يقبل قول مودَع (فِي الإِذْنِ) أي: أن المالك أذِنَ له في دفعها إلى إنسان عيَّنه، مع إنكار المالك الإذن؛ لأنه أمين.
- مسألة: (وَإِنْ أَوْدَعَ اثْنَانِ) واحداً شيئًا مشتركًا بينهما، لم يخل من أمرين:
١ - أن يكون (مَكِيلاً أَوْ مَوْزُوناً يُقْسَمُ) بلا ضرر، (فَطَلَبَ أَحْدُهُمَا نَصِيبَهُ لِغَيْبَةِ شَرِيكٍ، أَوْ) حضوره و (امْتِنَاعِهِ) من أخذ نصيبه، أو من الإذن لشريكه في أخذ نصيبه: (سُلِّمَ إِلَيْهِ) أي: إلى الطالب وجوبًا؛ لأنه أمكن تمييز نصيب أحد الشريكين من نصيب الآخر بغير غبن ولا ضرر، فإذا طلب أحدهما نصيبه لزم دفعه إليه، كما لو كان متميزًا.
واختار القاضي وابن عثيمين: لا يلزمه الدفع إلا بإذن شريكه أو الحاكم، لأنه ينقص بالكيل أو الوزن.
٢ - أن يكون غير مكيل وغير موزون، أو كان كذلك، لكن لا ينقسم
стр. 1032
لصناعة فيه كآنية نحاس ونحوها، أو مختلف الأجزاء ونحوه: لم يُسلَّم إليه إلا بإذن شريكه أو حاكم؛ لأن قسمته لا يؤمن عليها الحيف؛ لافتقارها إلى التقويم، وهو ظن وتخمين.
- مسألة: (وَلِمُودَعٍ، وَمُضَارَبٍ، وَمُرْتَهِنٍ، وَمُسْتَأْجِرٍ، إِنْ غُصِبَتِ العَيْنُ) منهم (المُطَالَبَةُ بِهَا) من غاصبها؛ لأنهم مأمورون بحفظها، وهذا منه.
(فَصْلٌ) في إحياء المَوَات
الموات: بفتح الميم والواو، وهي مشتقة من الموت، وهو عدم الحياة.
واصطلاحًا: الأرض المنفكَّة عن الاختصاصات، ومِلْكٍ معصوم.
- مسألة: (وَمَنْ أَحْيَا أَرْضاً) فإنه يملكها بشروط:
١ - أن تكون الأرض (مُنْفَكَّةً عَنِ الِاخْتِصَاصَاتِ)، فلا يملك بإحياء ما قرب عرفًا من العامر وتعلق بمصالحه؛ كطرقه، وفنائه، ومسيل مياهه، ومطرح قمامته، ونحو ذلك؛ فكل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه، قال في المبدع: (بغير خلاف نعلمه)؛ لحديث عمرو بن عوف ﵁ قال: قال
стр. 1033
رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مِنَ الْأَرْضِ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهُوَ لَهُ» [البزار ٣٣٩٣]، ولأن ذلك من مصالح الملك، فأعطي حكمه.
٢ - (وَ) أن تكون الأرض منفكة عن (مِلْكٍ مَعْصُومٍ)، من مسلم وكافر ذمي، أو معاهَدٍ أو مستأمَنٍ؛ فإن ملكها مَن له حُرمة لم يملكها بالإحياء، وسواء ملكها المعصوم بشراء أو هبة أو إحياء أو غير ذلك؛ لحديث عروة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ»، قال عروة: (قضى به عمر ﵁ في خلافته) [البخاري ٢٣٣٥].
فمتى أحيا تلك الأرض (مَلَكَهَا)؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» [أحمد ١٤٦٣٥، وأبو داود ٣٠٧٣، والترمذي ١٣٧٩]، قال ابن قدامة: (وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء، وإن اختلفوا في شروطه)، سواء كان المحيي مسلمًا أو ذميًّا، مكلفاً أو غير مكلف، في دار الإسلام أو غيرها؛ لعموم الأخبار.
وسواء أحياها بإذن الإمام، أو بغير إذنه؛ لأنها عين مباحة، فلم يفتقر ملكها إلى إذن الإمام؛ كأخذ المباح.
وقيل، وحكي رواية: لا يملكه إلا بإذن الإمام؛ لأن له مدخلاً في النظر في ذلك، قال ابن عثيمين: (يملكها بدون إذن الإمام، إلا إذا أصدر الإمام أمره بألا يحيي أحد أرضًا إلا بإذنه؛ فلا تحيا إلا بإذنه؛ لأن طاعة ولي الأمر واجبة في غير معصية الله).
стр. 1034
- فرع: يستثنى مما سبق:
١ - موات أراضي المشاعر: كعرفةَ، ومِنًى، ومزدلفة، فلا يملك بالإحياء مطلقًا؛ لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله ألا نبني لك بيتًا يُظِلُّك بمِنًى؟ قال: «لَا، مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» [أحمد ٢٢٥٤١، وأبو داود ٢٠١٩، والترمذي ٨٨١، وابن ماجه ٣٠٠٧]، ولما فيه من التضييق في أداء المناسك، واختصاصه بمحلٍّ الناس فيه سواء.
٢ - موات الحرم غير المشاعر: فلا يملك بالإحياء مطلقًا؛ لقوله تعالى: (والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد)، ولما فيه من التضييق في أداء المناسك.
وفي وجه (١): يملك موات الحرم وعرفات بالإحياء؛ للعموم.
قال المرداوي: (لو قيل يملك بالإحياء ما لا يحتاج إليه الحاج البتة إن وجد، لكان له وجه).
٣ - ما أحياه مسلم من أرض كفار صولحوا على أن الأرض لهم، ولنا الخراج عنها؛ لأنهم صولحوا في بلادهم، فلا يجوز التعرض لشيء منها؛ لأن الموات تابع للبلد، ويفارق دار الحرب؛ لأنها على أصل الإباحة.
стр. 1035
- مسألة: (وَيَحْصُلُ) إحياء الأرض الموات بأمور، منها:
١ - (بِحَوْزِهَا بِحَائِطٍ مَنِيعٍ)، بحيث يمنع الحائط ما وراءه؛ لحديث سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» [أحمد ٢٠١٣٠، وأبو داود ٣٠٧٧]، ويكون البناء مما جرت عادة أهل البلد البناء به من لَبِنٍ، أو آجُرٍّ، أو حجر، أو قصب، أو خشب ونحوه، وسواء أحاطها للبناء أو لزرع أو لحظيرة غنم ونحوه.
٢ - (أَوْ إِجْرَاءِ مَاءٍ) لها إن كانت (لَا تُزْرَعُ إِلَّا بِهِ)، أي: بالماء المسوق إليها؛ لأن نفع الأرض بالماء أكثر من الحائط.
٣ - (أَوْ قَطْعِ مَاءٍ) عنها (لَا تُزْرَعَ مَعَهُ)؛ كأرض البطائح التي يفسدها غرقها بالماء لكثرته، فإحياؤها بسده عنها وجعلها بحيث يمكن زرعها؛ لأنه بذلك يتمكن من الانتفاع بها.
٤ - (أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ)، أو نهر، ويصل إلى ماء البئر، فإن لم يصل إلى ماء البئر أو النهر؛ فليس بإحياء.
٥ - (أَوْ غَرْسِ شَجَرٍ فِيهَا)؛ بأن كانت لا تصلح للغراس لكثرة أحجارها، أو نحوها، فينقيها ويغرسها؛ لأنه يراد للبقاء؛ كالحائط.
- مسألة: (وَمَنْ سَبَقَ إِلَى طَرِيقٍ وَاسِعٍ)، أو رحبة مسجد غير محوطة؛
стр. 1036
(فَهُوَ أَحَقُّ بِالجُلُوسِ فِيهِ)؛ لحديث أَسْمَرَ بن مُضَرِّسٍ مرفوعًا: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» [أبو داود ٣٠٧١]، ولأنه ارتفاق بمباح بلا إضرار، فلم يمنع منه؛ كالاجتياز.
ويكون أحقَّ به بشرطين:
١ - (مَا بَقِيَ مَتَاعُهُ) في ذلك الطريق الواسع، فإن نقل متاعه كان لغيره الجلوس فيه، إلا إن أطال الجلوس فيزال؛ لأنه يصير كالتملك، كذا في الإقناع والمنتهى.
وفي زاد المستقنع تبعاً لما في الوجيز: هو أحق به وإن طال جلوسه فيه؛ لعموم ما سبق.
٢ - (مُا لَمْ يَضُرَّ) أو يُضيِّقْ على المارة؛ لحديث: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أحمد ٢٨٦٥، وابن ماجه ٢٣٤٠].
(فَصْلٌ) في الجعالة
بتثليث الجيم، وهي: ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله.
وفي الاصطلاح: جعل شيء معلوم لمن يعمل عملاً ولو مجهولاً.
والجعالة مشروعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]، ولحديث اللديغ [البخاري ٢٢٧٦، ومسلم ٢٢٠١]، ولأن الحاجة تدعو إلى
стр. 1037
ذلك، فإن العمل قد يكون مجهولاً؛ كرد الضالة، فلا تنعقد الإجارة عليه، وقد لا يوجد من يتبرع به.
- مسألة: (وَيَجُوزُ جَعْلُ شَيْءٍ مَعْلُومٍ)، بالرؤية أو الوصف، (لِمَنْ يَعْمَلُ عَمَلاً) مباحًا، (وَلَوْ) كان العمل المباح (مَجْهُولاً؛ كَرَدِّ عَبْدٍ، وَلُقَطَةٍ، وَبِنَاءِ حَائِطٍ)، أو لمن يعمل له مدة ولو مجهولة؛ كمن حرس زرعي، أو أذَّن في هذا المسجد فله في كل شهر كذا.
وعلم من كلامه:
١ - أنه يشترط في الُجعْل أن يكون معلوماً؛ لأن العوض يصير لازماً بإتمام العمل، فاشترط العلم به.
فإن كان مجهولاً؛ لم يصح، نحو: من رد عبدي فله نصفه ونحوه.
ويستثنى من ذلك: إن كان من مال حربي، فيصح مجهولًا؛ كثُلُث مال فلان الحربي، لمن يدل على قلعة؛ لحديث عوف بن مالك وخالد بن الوليد ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ» [أحمد: ٢٣٩٨٨، وأبو داود: ٢٧٢١].
٢ - أنه يشترط أن يكون العمل في الجعالة مباحاً؛ فلا يصح على غناء وزِنًى؛ لقوله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
стр. 1038
٣ - أنه لا يشترط في الجعالة أن يكون العمل معلوماً، أو أن تكون المدة معلومة؛ فتصح الجعالة مع جهالة العمل وجهالة المدة؛ لأن العمل لا يصير لازماً، فلا يشترط كونه معلوماً، بخلاف الإجارة، ولأن الحاجة داعية إلى كون العمل مجهولاً، وكذلك المدة؛ لكونه لا يعلم موضع الضالة.
- مسألة: (فَمَنْ فَعَلَهُ) أي: العمل المسمى عليه الجُعْل، لم يخلُ من ثلاثة أحوال:
١ - أن يفعله (بَعْدَ عِلْمِهِ) أي: بعد أن بلغه الجُعْل؛ (اسْتَحَقَّهُ)؛ لأن العقد استقر بتمام العمل، فاستحق ما جُعِل له؛ كالربح في المضاربة.
٢ - أن يبلغه الجعل في أثناء العمل: فإنه يستحق من الجعل حصة تمام العمل إن أتمه بنية الجُعْل؛ لأن عمله قبل بلوغ الجُعْل وقع غير مأذون فيه، فلم يستحق عنه عوضًا؛ لأنه بذل منافعه متبرعًا بها.
٣ - أن يفعل العمل المجاعل عليه قبل أن يبلغه الجعل: لم يستحق شيئًا من الجعل؛ لأنه متبرع بعمله، وحرم عليه أخذ الجعل؛ لأنه من أكل المال بالباطل، إلا إن تبرع له به ربه بعد إعلامه بالحال.
- مسألة: (وَ) الجعالة عقد جائز من الطرفين، قال في الشرح: (لا نعلم في ذلك خلافًا)؛ لأنها عقد على مجهول، فكانت جائزة؛ كالمضاربة، (لِكُلٍّ) من الجاعل والمجعول له (فَسْخُهَا) متى شاء؛ كسائر العقود الجائزة.
стр. 1039
وعلى هذا (فَـ) متى كان الفسخ:
- (مِنْ عَامِلٍ) قبل تمام العمل: فـ (لَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأنه فوَّت على نفسه حيث لم يأت بما شُرِط عليه.
وقال ابن عثيمين: لو قيل إذا تضرر الجاعل بفسخ العامل الجعالة، أنه يضمن العامل ما يلحق الجاعل من الضرر؛ لكان له وجه.
وقد ذكر ابن رجب في قواعده: أن التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضررًا على أحد المتعاقدين، أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد؛ لم يجز ولم ينفذ، إلا أن يُمكن استدراك الضرر بضمان أو نحوه، فيجوز على ذلك الوجه.
- (وَمِنْ جَاعِلٍ) لم يخل من أمرين:
١ - أن يكون الفسخ قبل شروع العامل في العمل: فلا شيء للعامل؛ لأنه عمل غير مأذون فيه.
٢ - أن يكون الفسخ بعد شروع العامل في العمل: فـ (لِعَامِلٍ أُجْرَةُ) مثل (عَمَلِهِ)؛ لأنه عمل بعوض ولم يسلم له، فكان له أجرة عمله، وما عمله بعد الفسخ لا أجرة له عليه؛ لأنه غير مأذون فيه.
واختار ابن عثيمين: له نسبة عمله من الجعالة، فإذا عمل ثلث العمل؛ فله ثلث الجعل، لا ثلث الأجرة؛ لأنه دخل في الجعالة على أنه
стр. 1040
مجاعل لا أنه أجير، وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام (١).
- مسألة: إن عمل مُعَدٌّ لأخذ أجرة؛ كالحجام، والخياط، والمكاري، ونحوهم، وقد أُذِن له في العمل؛ فله أجرة المثل؛ لدلالة العرف على ذلك.
(وَإِنْ عَمِلَ) شخص (غَيْرُ مُعَدٍّ لِأَخْذِ أُجْرَةٍ لِغَيْرِهِ عَمَلاً بِلَا جُعْلٍ)؛ فلا شيء له؛ لأنه بذل منفعته من غير عوض فلم يستحقه.
(أَوْ) عمل (مُعَدٌّ) لأخذ أجرة لغيره عملاً، (بِلَا إِذْنٍ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ لتبرعه بعمله حيث بذله بلا عوض.
(إِلَّا) في صورتين:
الأولى: (فِي تَحْصِيلِ مَتَاعِ) غيره (مِنْ بَحْرٍ أَوْ فَلَاةٍ؛ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ) وإن لم يأذن له ربه، واختاره شيخ الإسلام؛ لأنه يخشى هلاكه وتلفه على مالكه، وترغيباً لمن ينقذه من الهلاك.
стр. 1041
(وَ) الثانية: (فِي) رد (رَقِيقٍ) آبق إن كان الرادُّ غيرَ الإمام؛ فله (دِينَارٌ، أَوِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَماً)؛ لقول ابن أبي مُليكة وعمرو بن دينار: ما زلنا نسمع: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي الْعَبْدِ الْآبِقِ يُوجَدُ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ دِينَارًا أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ»، وروي عن عمر ﵁: «أَنَّهُ جَعَلَ فِي جُعْلِ الْآبِقِ دِينَارًا أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا»، ونحوه عن علي وابن مسعود ﵄ [مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٤٤٢].
- مسألة: تختلف الجعالة عن الإجارة في أربعة أمور:
١ - أنه لا يشترط العلم بالعمل، أو بالمدة في الجعالة، بخلاف الإجارة.
٢ - أنه يصح الجمع بين تقدير المدة والعمل في الجعالة، بخلاف الإجارة، وتقدم الخلاف في الإجارة.
٣ - أن العامل في الجعالة لا يشترط تعيينه، بخلاف الإجارة.
٤ - أن الجعالة عقد جائز، والإجارة عقد لازم.
(فَصْلٌ) في اللُّقَطة
اللقطة: بضم اللام وفتح القاف، ويقال: لُقاطة - بضم اللام، ولَقَطة - بفتح اللام والقاف.
وهي شرعًا: اسم لما يُلتقط من مال، أو مختصٍّ ضائعٍ عن ربه.
стр. 1042
والأصل في اللقطة: حديث زيد بن خالد الجُهَني ﵁ أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة، الذهب، أو الورق؟ فقال: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ»، وسأله عن ضالة الإبل، فقال: «مَا لَكَ وَلَهَا، دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ المَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا»، وسأله عن الشاة، فقال: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» [البخاري ٢٣٧٢، ومسلم ١٧٢٢].
- مسألة: (وَاللُّقَطَةُ) تنقسم إلى (ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ):
القسم الأول: (مَا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ؛ كَرَغِيفٍ، وَشِسْعٍ)، وهو أحد سيور النعل الذي يدخل بين الإصبعين، ونحو ذلك، وما قيمته كقيمة ذلك؛ (فَيُمْلَكُ) بأخذه، ويباح الانتفاع به، (بِلَا تَعْرِيفٍ)؛ لحديث أنس ﵁ قال: مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق، فقال: «لَوْلا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا» [البخاري ٢٤٣١، ومسلم ١٠٧١]، قال ابن قدامة: (ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في إباحة أخذ يسير اللقطة والانتفاع به).
- فرع: إن وجد ربَّها -أي: ما لا تتبعه همة أوساط الناس- لم يخل من أمرين:
١ - أن يجده قبل أن تتلف العين: فيلزمه دفعه إلى ربه؛ لأنه ملكه.
стр. 1043
٢ - أن يجده بعد تلف العين: فلا يلزم الملتقط دفع بدله؛ لأن النبي ﷺ رخص في أخذه، وما ترتب على المأذون غير مضمون (١).
القسم (الثَّانِي): ما يحرم التقاطه، وهو نوعان:
الأول: (الضَّوَالُّ الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ)؛ كذئب وأسد صغير، إما لكبر جثتها؛ (كَخَيْلٍ، وَإِبِلٍ، وَبَقَرٍ)، وإما بطيرانها؛ كطير، وإما بنابها؛ كفهد؛ (فَيَحْرُمُ التِقَاطُهَا)؛ لحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ السابق: وسأله عن ضالة الإبل، فقال: «مَا لَكَ وَلَهَا، دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ المَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا»، ولقول عمر ﵁: «مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ» [مالك ٢/ ٧٥٩].
- فرع: يستثنى من هذا القسم: الآبق، فيجوز التقاطه؛ لما سبق: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي الْعَبْدِ الْآبِقِ يُوجَدُ خَارِجًا مِنَ الحَرَمِ دِينَارًا أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ»، وصونًا له عن اللحوق بدار الحرب، وارتداده، وسعيه بالفساد.
الثاني: ما يتحفظ بنفسه ولا يبرح من مكانه من الأموال؛ كالقدور الضخمة، والأخشاب الكبيرة؛ فيحرم التقاطها؛ لأنها لا تكاد تضيع عن صاحبها، ولا تبرح من مكانها، فهي أولى بعدم التعرض من الضوال.
стр. 1044
- فرع: للإمام ونائبه فقط دون غيرهما أخذ ما ذُكِر من الضوال ليحفظه لربه؛ لأن لهما نظرًا في حفظ مال الغائب، وفي أخذها على وجه الحفظ مصلحة لربها لصونها، ولا يجوز لهما كغيرهما أخذها على سبيل الالتقاط؛ لما تقدم، ولا يلزمهما تعريف ما أخذاه من الضوال ليحفظاه لربه؛ لقول الزهري: «كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ إِبِلًا مُؤَبَّلَةً تَنَاتَجُ لَا يَمَسُّهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَمَرَ بِمَعْرِفَتِهَا وَتَعْرِيفِهَا ثُمَّ تُبَاعُ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا» [البيهقي ١٢٠٨٠]، ولأنه إذا عرف من الإمام حفظ الضوال فمن كانت له ضالة جاء إلى موضع الضوال، فمن عرف ماله أقام البينة عليه.
- فرع: (وَلَا تُمْلَكُ) ما حرم التقاطها (بِتَعْرِيفِهَا)؛ لأن آخذها متعدٍّ بأخذه؛ كالغاصب؛ لعدم إذن المالك والشارع، وإن أخذها ضمنها؛ لأن التقاطه غير مأذون فيه.
القسم (الثَّالِثُ): ما يشرع التقاطه، وهو (بَاقِي الأَمْوَالِ)، وهي نوعان:
الأول: ما لا يتحفظ بنفسه من الأموال؛ (كَثَمَنٍ، وَمَتَاعٍ)؛ كالقدر الصغير، والأخشاب الصغير.
(وَ) الثاني: ما لا يمتنع من صغار السباع؛ كـ (غَنَمٍ، وَفُصْلَانٍ) جمع فصيل، وهو ولد الناقة، (وَعَجَاجِيلَ) جمع عجل، وهو ولد البقرة.
стр. 1045
- مسألة: يترتب على القسم الثالث من اللقطة ستة أحكام:
الحكم الأول: التقاطها، ولا يخلو من قسمين:
١ - الإباحة، وأشار إليه بقوله: (فَلِمَنْ أَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا)، وقوي على تعريفها (أَخْذُهَا)؛ لحديث زيد بن خالد الجُهَني ﵁ السابق المذكور أول الباب في النقدين، وقيس عليهما كل متمول غير الحيوان، وفي الشاة، وقيس عليه كل حيوان لا يمتنع بنفسه من صغار السباع.
والأفضل له تركها وعدم التعرض؛ لقول ابن عباس ﵄: «لَا تَرْفَعِ اللُّقَطَةَ، لَسْتَ مِنْهَا فِي شَيْءٍ» وقال: «تَرْكُهَا خَيْرٌ مِنْ أَخْذِهَا» [مصنف عبدالرزاق ١٨٦٢٤]، فالأولى تركها ولو وجدها بمَضْيَعة؛ لأن في الالتقاط تعريضًا بنفسه لأكل الحرام، وتضييع الواجب من تعريفها، وأداء الأمانة فيها، فترك ذلك أولى وأسلم.
وعند أبي الخطاب وصوبه المرداوي: إن وجدها بمَضيَعة فالأفضل أخذها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.
وقال في الإنصاف: (وخرَّج بعض الأصحاب: وجوب أخذها).
٢ - التحريم: وذلك لمن لا يأمن نفسه عليها، أو يَعْجِزُ عن تعريفها؛ فلا يجوز له أخذها بحال؛ لما فيه من إضاعتها على ربها، فهو كإتلافها.
(وَ) الحكم الثاني: (يَجِبُ) على الملتقط (حِفْظُهَا)؛ لأنها صارت أمانة في يده بالتقاطها.
стр. 1046
(وَ) الحكم الثالث: يجب على الملتقط (تَعْرِيفُهَا) بنفسه أو بنائبه؛ لأن النبي ﷺ أمر بالتعريف في حديث زيد بن خالد المتقدم، وفيه: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً»، ولأن إيصال اللقطة إلى صاحبها واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويكون التعريف (فِي مَجَامِعِ النَّاسِ)؛ كالأسواق وأبواب المساجد، أوقات الصلوات؛ لأن المقصود إشاعة ذكرها، وذلك طريق إليه، وروي عن عمر ﵁ أنه قال في اللقطة: «أَنْشِدْهَا الآنَ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ , ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً» [عبد الرزاق ١٨٦١٩].
(غَيْرِ المَسَاجِدِ)، فيكره النداء فيها؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» [مسلم ٥٦٨]، والإنشاد دون التعريف، فهو أولى.
وقيل، واختاره ابن عثيمين: يحرم تعريفها في المساجد؛ لظاهر الحديث.
- فرع: يعرفها (حَوْلاً كَامِلاً فَوْراً)؛ لحديث زيد بن خالد السابق: «ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً»؛ ولأن مقتضى الأمر الفور، ولأن صاحبها يطلبها عقب ضياعها، (كُلَّ يَوْمٍ) نهاراً؛ لأنه مجمع الناس، وملتقاهم (مَرَّةً)، يفعل ذلك (أُسْبُوعاً) أي: سبعة أيام؛ لأن الطلب فيه أكثر، (ثُمَّ شَهْراً، كُلَّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً، ثُمَّ مَرَّةً كُلَّ شَهْرٍ) حتى يتم الحول، وتبع المصنف في ذلك صاحب الإقناع.
стр. 1047
وقطع به في المنتهى وغيره: أنه لا يجب تعريفها بعد أسبوع متواليًا، بل على عادة الناس.
(وَ) الحكم الرابع: (تُمْلَكُ) اللقطة (بَعْدَهُ) أي: بعد تعريفها حولًا كاملًا، ولم تُعْرَف فيه، وكانت مما يجوز التقاطه (حُكْماً)؛ كالميراث، فلا يقف الملك على اختياره؛ لحديث: «وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ» [مسلم ١٧٢٣]، وفي رواية: «فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا» [البخاري ٢٤٢٧، ومسلم ١٧٢٢]، ولو وقف مِلْكُها على تملكها لبيَّنه له؛ لأنه لا يجوز له التصرف قبله، ولأن الالتقاط والتعريف سبب للملك، فإذا تمَّا وجب أن يثبت الملك حكمًا؛ كالإحياء والاصطياد.
(وَ) الحكم الخامس: (يَحْرُمُ تَصَرُّفُهُ) أي: الملتقط (فِيهَا) أي: في اللقطة (قَبْلَ مَعْرِفَةِ وِعَائِهَا)، وهو ظرفها، كيسًا كان أو غيره، (وَ) قبل معرفة (وِكَائِهَا)، وهو الخيط أو السير الذي تشد به، (وَ) قبل معرفة (عِفَاصِهَا)، وهو صفة الشد والعقد، (وَ) قبل معرفة (قَدْرِهَا)، بكيل أو وزن أو ذرع أو عدٍّ، (وَ) قبل معرفة (جِنْسِهَا، وَصِفَتِهَا) التي تتميز بها، وحتى نوعها ولونها؛ لحديث زيد بن خالد ﵁ السابق، وفيه: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً».
стр. 1048
(وَ) الحكم السادس: (مَتَى جَاءَ رَبُّهَا) ولو بعد الحول، (فَوَصَفَهَا) بالصفات السابقة؛ (لَزِمَ دَفْعُهَا إِلَيْهِ)، ولو بلا بينة، ولا يمين، ظن صدقه أو لا؛ لحديث زيد بن خالد السابق، وفيه قوله ﵊: «فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ»، وفي رواية: «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ» [مسلم ١٧٢٣]، ولأنه يتعذر إقامة البينة عليها غالبًا لسقوطها حال الغفلة والسهو، فلو لم يجب دفعها بالصفة لما جاز التقاطها.
- مسألة: (وَمَنْ أُخِذَ نَعْلُهُ وَنَحْوُهُ) من متاعه؛ كمداسه وثيابٍ في حمام، (وَوَجَدَ غَيْرَهُ مَكَانَهُ؛ فَلُقَطَةٌ)، أي: كلُقَطَة (١)، لا يملكه بذلك؛ لأن سارق ذلك لم يَجْرِ بينه وبين مالكها معاوضة تقتضي زوال ملكه عنها، فإذا أخذها فقد أخذ مال غيره، ولا يعرف صاحبه، فيعرفه كاللقطة، ويأخذ حقه منه بعد تعريفه؛ لأنه أقرب إلى الرفق بالناس، وفيه نفع للمسروق ثيابه بحصول عوضها، ونفع للآخذ بالتخفيف عنه، وحفظ هذه الثياب عن الضياع، فإن بقي شيء تصدق به؛ لأن الزائد فاضل عما يستحقه، ولم يرض صاحبها بتركها.
стр. 1049
واختار ابن عثيمين: أن ينظر للقرائن، فإذا وجدت قرائن تدل على أن صاحب النعل أخذ نعلك، وأبقى لك هذا النعل، فإنه لا يكون لقطة، وإنما يكون لواجده، ولكن في هذه الحال ينبغي أن يتأنى بعض الشيء لعل صاحبه يرجع، فإذا أيس منه أخذه، فإن كان أدنى من نعله اكتفى به، وإن كان أعلى وجب عليه أن يتصدق بالفرق بين قيمتي النعلين.
فصل في اللَّقِيط
(وَاللَّقِيطُ): فعيل بمعنى مفعول، كجريح وطريح.
وشرعًا: (طِفْلٌ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ، وَلَا) يعرف (رِقُّهُ؛ نُبِذَ)، أي: طرح في شارع أو باب مسجد، ونحوه، (أَوْ ضَلَّ) الطريق، ما بين ولادته (إِلَى) سن (التَّمْيِيزِ) فقط.
- مسألة: (وَالتِقَاطُهُ) أي: اللقيط (فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢]، ولأن فيه إحياءَ نفسه، فكان واجبًا؛ كإطعامه إذا اضطر، وإنجائه من نحو غرق، فلو تركه جميع من رآه أثموا.
- مسألة: مراتب النفقة على اللقيط:
١ - أن يوجد معه مال: فيُنفق عليه منه بالمعروف، باتفاق الأئمة؛ لوجوب نفقته في ماله.
стр. 1050
٢ - ألا يوجد معه مال: فينفق عليه من بيت المال؛ لقول أبي جميلة: وجدت ملقوطًا فأتيت به عمر ﵁، فقال عريفي: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال عمر: «أَكَذَلِكَ؟ »، قال: نعم، قال: «اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ» [البخاري تعليقاً مجزوماً به ٣/ ١٧٩، ووصله مالك ٢/ ٧٣٨].
٣ - (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، وَتَعَذَّرَ) الإنفاق عليه من (بَيْتِ المَالِ)، لكون البلد ليس له بيت مال، أو به ولا مال به ونحوه؛ اقترض الحاكم على بيت المال، وظاهره: ولو مع وجود متبرع بها؛ لأنه أمكن الإنفاق عليه بلا منة تلحقه، أشبه أخذها من بيت المال.
٤ - أن يتعذر على الحاكم الاقتراض على بيت المال، أو كان لا يمكن الأخذ منه؛ (أَنْفَقَ عَلَيْهِ عَالِمٌ بِهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢]، ولما في ترك الإنفاق عليه من هلاكه، وحفظه عنه واجب، كإنقاذ من الغرق.
- فرع: إن أنفق الملتقط فهل يرجع أو لا؟ لا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون للَّقيط مال يتعذر الإنفاق منه لمانع، أو ينتظر حصوله من وقف أو غيره: فلمن أنفق عليه بنية الرجوع أن يرجع؛ لأن اللقيط في هذه الحالة غني عن مال الغير.
٢ - أن لا يكون للقيط مال: فينفق عليه الملتقط مجاناً (بِلَا رُجُوعٍ) بما
стр. 1051
أنفق؛ لوجوبه عليه؛ لأن النفقة فرض كفاية.
واختار ابن عثيمين: إن نوى الرجوع رجع، وإن لم ينوِ الرجوع فقد قام بواجب عليه، ولا يرجع به على أحد.
- مسألة: (وَهُوَ) أي: اللقيط لا يخلو من حالتين:
الأولى: أن يوجد في بلاد الإسلام: فلا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون فيه مسلم، ولو واحداً: فهو (مُسْلِمٌ) إن أمكن كونه منه؛ لظاهر الدار، وتغليب الإسلام، فإنه يعلو ولا يعلى عليه.
٢ - أن يكون كل أهله أهل ذمة: فهو كافر؛ لأنه لا مسلم بها يحتمل كونه منه، وتغليب الإسلام إنما يكون مع الاحتمال
الثانية: أن يوجد في بلد الكفر: فلا يخلو من أمرين:
١ - (إِنْ وُجِدَ فِي بَلَدٍ يَكْثُرُ فِيهِ المُسْلِمُونَ): فهو مسلم، ولو كانت دار حرب؛ للتعليل السابق.
٢ - إن وجد في بلد لا مسلم فيه، أو فيه قليل من المسلمين؛ كتاجر وأسير، فهو كافر؛ تغليباً لحكم الأكثر؛ لأن الدار لهم.
وفي وجه واختاره ابن عثيمين: أنه مسلم مطلقاً، ولو وجد في دار كفر لا مسلم فيه؛ لأن نسبه مجهول، فإذا لم يكن له أب ينسب إليه قرابةً، فإنه
стр. 1052
ليس له أب ينسب إليه دِيناً من بابِ أولى، فانقطعت التبعية، وإذا انقطعت التبعية رجعنا إلى الأصل، وهو أن كل مولود يولد على الفطرة.
- مسألة: (وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ) أي: بأن اللقيط ولده، ولو كان المُقِرُّ كافراً، أو رقيقاً، أو أنثى، حيًّا كان اللقيط أو ميتًا؛ لحقه بشرطين:
١ - أن يكون المقر مـ (مَّنْ يُمْكِنُ كَوْنُهُ) أي: اللقيط (مِنْهُ)، فإن ادعاه من لا يمكن كونه منه كابن تسع، لم يلحقه؛ لأنه يستحيل عادة.
٢ - أن ينفرد بدعواه، فإن ادعاه اثنان فأكثر؛ قُدِّم من له بينة، فإن تساووا في البينة، أو تساووا في عدمها؛ عُرِضَ على القافة، فمن ألحقته به لحقه؛ لما روى عروة بن الزبير: «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا وَلَدًا، فَدَعَا عُمَرُ الْقَافَةَ، وَاقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِبَصَرِ الْقَافَةِ وَأَلْحَقَهُ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ» [عبدالرزاق ١٣٤٧٥]، ونحوه عن أنس وأبي موسى ﵃ [البيهقي ١٠/ ٤٤٧].
فإن اجتمع الشرطان: (أُلْحِقَ) اللقيط (بِهِ)؛ لأنه استلحاق لمجهول النسب ادعاه من يمكن أنه منه من غير ضرر فيه ولا دافع عنه، ولا ظاهر يرده، فوجب الإلحاق؛ ولأنه محض مصلحة للطفل؛ لوجوب نفقته، وكسوته، واتصال نسبه، فكما لو أقر له بمال.
- فرع: يتبع اللقيطُ الكافرَ المدَّعِيَ أنه ولده في النسب؛ لما تقدم، ولا يتبعه في دينه؛ لأن اللقيط محكوم بإسلامه بظاهر الدار، فلا يقبل قول الكافر في كفره بغير بينة.
стр. 1053
إلا أن يقيم بينة تشهد أنه ولد على فراشه، فيتبعه في دينه، بشرط استمرار أبويه على الحياة والكفرِ إلى بلوغه عاقلًا، فإن مات أحدهما، أو أسلم قبل بلوغه؛ حُكِمَ بإسلامه.
- فرع: لا يتبع اللقيطُ الرقيقَ في رقه إذا استلحقه إلا ببينة تشهد أنه ولد على فراشه؛ لأنه خلاف الأصل، وإضرار بالطفل.
ولا يلحقُ اللقيطُ بزوج المرأة المُقِرَّة به بدون تصديق الزوج؛ لأن إقرارها لا ينفذ على غيرها، فلا يلحقه بذلك نسب لم يقر به، إلا إذا أقامت بينة أنه ولدته على فراش زوجها. (والله أعلم).
(فَصْلٌ) في الوقف
يُقال: وَقَفَ الشيء، وحَبَسَه، وأَحْبَسَه، وسبَّلَه بمعنًى واحد.
وشرعًا: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.
- مسألة: (وَالوَقْفُ سُنَّةٌ)؛ وهو من القُرَب المندوب إليها، قال تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧]، ولحديث ابن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبيَّ ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني
стр. 1054
أصبت أرضًا بخيبر لم أُصِبْ مالًا قط أنفسَ عندي منه، فما تأمر به؟ قال: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، قال: فتصدق بها عمر، أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على مَنْ ولِيَها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول [البخاري: ٢٧٣٧، ومسلم: ١٦٣٢]، وفي رواية: «احْبِسْ أَصْلَهَا، وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا» [أحمد: ٥٩٤٧، والنسائي: ٣٦٠٣، وابن ماجه: ٢٣٩٧]، وسئل الإمام أحمد عن الوقوف فقال: جائز، لم يزل المسلمون يفعلونه، ثم ذكر عمرَ وعثمان وعليًّا وطلحة والزبير ﵃ [الوقوف والترجل ص ٢٠].
- مسألة: (وَيَصِحُّ) الوقف بأحد أمرين، واختاره شيخ الإسلام:
الأول: (بِقَوْلٍ)، ويأتي صريح القول وكنايته.
(وَ) الثاني: بـ (ـفِعْلٍ) مع شيء (دَالٍّ عَلَيْهِ) أي: على الوقف، (عُرْفاً)؛ لاشتراكهما في الدلالة عليه، (كَمَنْ بَنَى أَرْضَهُ مَسْجِداً، أَوْ) جعل أرضه (مَقْبَرَةً وَأَذِنَ لِلنَّاسِ) إذنًا عامًّا (أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ) أي: في ذلك المسجد، (وَ) أن (يَدْفِنُوا فِيهَا) أي: في المقبرة؛ لأن الإذن الخاص قد يقع على غير الموقوف، فلا يفيد دلالة الوقف.
стр. 1055
- فرع: (وَ) القول الذي يصح به الوقف على قسمين:
الأول: (صَرِيحُهُ) أي: القول: ثلاثة ألفاظ، وهي: (وَقَفْتُ، وَحبَّسْتُ، وَسَبَّلْتُ)؛ فمن أتى بصيغة منه صار وقفًا من غير انضمام أمر زائد؛ لأن هذه الألفاظ ثبت لها حكم الاستعمال بين الناس، يفهم الوقف منها عند الإطلاق، وانضم إلى ذلك الشرع كما تقدم في حديث ابن عمر، فصارت هذه الألفاظ في الوقف كلفظ الطلاق في التطليق.
(وَ) الثاني: (كِنَايَتُهُ) أي: الوقف، ثلاثة أيضًا، وهي: (تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأَبَّدْتُ)؛ لأنَّه لم يثبت لها فيه عرف لغوي ولا شرعي، ولعدم خلوص كل لفظ منها عن الاشتراك، فإن الصدقة تستعمل في الزكاة، وهي ظاهرة في صدقة التطوع، والتحريم صريح في الظهار، والتأبيد يستعمل في كل ما يراد تأبيده من وقف وغيره.
واختار ابن عثيمين: أن جميع صيغ العقود القولية يرجع فيها إلى العرف، فقد يكون هذا اللفظ صريحًا عند قوم وكناية عند آخرين، وقد لا يدل على المعنى إطلاقًا عند غيرهم، فيرجع إلى عرف الناس في ذلك.
- فرع: يشترط لصحة الوقف مع ألفاظ الكناية أحد أربعة أمور:
١ - نية الوقف؛ لأن الكناية تحتمل الوقف وغيره، فلابد من النية التي تعين أحد الاحتمالين، فإن قال: ما أردت الوقف، فالقول قوله؛ لأنه أعلم بما في ضميره.