- مسألة: (وَتَنْفَسِخُ) الإجارة بأمور:
الأول: (بِتَلَفِ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ)؛ كعبد مات، ودار انهدمت، اتفاقاً؛ لأن المنفعة زالت بالكلية بتلف المعقود عليه، فانفسخت، ولا أجرة.
فإن كان التلف بعد مضي مدة لها أجرة انفسخت فيما بقي، ووجب للماضي القسط؛ لأن المعقود عليه المنافع، وقد تلف بعضها قبل قبضه، فبَطَل العقد فيما تلف دون ما قبض، كما لو اشترى صُبْرَتين، فقبض إحداهما، وتلفت الأخرى قبل قبضها (١).
(وَ) الثاني: بـ (مَوْتِ مُرْتَضِعٍ)؛ لتعذر استيفاء المعقود عليه؛ لأن غيره لا يقوم مقامه، لاختلافهم في الرضاع.
(وَ) الثالث: بـ (انْقِلَاعِ ضِرْسٍ) اكتُري لقلعه، (أَوْ بُرْئِهِ)؛ لتعذر استيفاء
стр. 982
المعقود عليه كالموت، (وَنَحْوِهِ)؛ كاستئجار طبيب ليداويه فيبرأ، أو يموت؛ فتنفسخ فيما بقي.
- مسألة: (وَلَا يَضْمَنُ أَجِيرٌ خَاصٌّ) - وهو من قدر نفعه بالزمن؛ بأن استؤجر مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها- (مَا جَنَتْ يَدُهُ خَطَأً)؛ لأنه نائب المالك في صرف منافعه فيما أمر به، فلم يضمن؛ كالوكيل، وإن تعدى أو فرط؛ ضمن؛ لأنه حينئذ كالغاصب.
- مسألة: في ضمان الطبيب والحجام والبيطار ونحوهم، وهو على قسمين:
القسم الأول: أن يكون حاذقاً: وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَلَا) يضمن (نَحْوُ حَجَّامٍ، وَطَبِيبٍ، وَبَيْطَارٍ) ونحوهم، خاصًّا كان أو مشتركاً، (عُرِفَ حِذْقُهُمْ) أي: معرفتُهُم صنعتَهُم، فلا ضمان عليهم بشرطين:
الأول: (إِنْ أَذِنَ فِيهِ) أي: في الفعل (مُكَلَّفٌ) وقع الفعل به، (أَوْ) أذن فيه (وَلِيُّ غَيْرِهِ) أي: غير المكلف؛ كصغير ومجنون.
فإن لم يؤذن فَسَرت؛ ضمن؛ لأنه فعل غير مأذون فيه، فيضمن.
وقال ابن القيم: (يحتمل أن لا يضمن مطلقاً؛ لأنه محسن، وما على
стр. 983
المحسنين من سبيل .... ، وهذا موضع نظر). (١)
(وَ) الثاني: (لَمْ تَجْنِ أَيْدِيهِمْ) أي: لم تتجاوز ما ينبغي أن يقطع؛ لأنه فعل فعلاً مباحاً فلم يضمن سرايته؛ كقطع الإمام يد السارق.
فإن كان حاذقاً، قد أذن له وأعطى الصنعة حقها، لكن جنت يده ولو خطأ، مثل أن جاوز قطع الختان إلى الحشفة، أو قطع في غير محل القطع، أو قطع بآلة كالَّة يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع فيه، وأشباه ذلك ضمن؛ لأن الإتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، واختاره ابن القيم.
القسم الثاني: ألا يكون حاذقًا، بل متطبباً جاهلاً: يضمن؛ لأنه لا يحل له مباشرة القطع إذاً، فإذا قطع فقد فعل محرماً، فضمن سرايته، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ؛ فَهُوَ ضَامِنٌ» [أبو داود ٤٥٨٦، والنسائي ٤٨٨٥، وابن ماجه ٣٤٤٦]، قال ابن القيم: يضمن الطبيب الجاهل بالإجماع.
- مسألة: (وَلَا) يضمن (رَاعٍ) فيما تلف من الماشية (مَا لَمْ يَتَعَدَّ أَوْ يُفَرِّطْ) في حفظها؛ لأنه مؤتمن على الحفظ أشبه المودع.
стр. 984
فإن فرط الراعي في حفظها بنوم أو غفلة، أو تركها تتباعد عنه، أو تعدى بأن أسرف في ضربها، أو سلك بها موضعاً تتعرض فيه للتلف، وما أشبه ذلك؛ ضمن، قال في المبدع: (بغير خلاف).
- مسألة: (وَيَضْمَنُ) أجير (مُشْتَرَكٌ) - وهو من قدر نفعه بالعمل؛ كخياطة ثوب وبناء حائط، سمي مشتركاً؛ لأنه يتقبل أعمالاً لجماعة في وقت واحد يعمل لهم، فيشتركون في نفعه كالحائك والقصار والصباغ والحمال- (مَا تَلِفَ بِفِعْلِهِ)؛ كتخريق الثوب وغلطه في تفصيله، روي عن عمر ﵁: «أنه ضمن الصناع الذين انتصبوا للناس في أعمالهم ما أهلكوا في أيديهم» [عبد الرزاق ١٤٩٤٩، وضعفه الشافعي، وابن الملقن]، وعن علي ﵁: أنه كان يضمن القصار والصواغ، وقال: «لا يصلح الناس إلا ذلك» [عبد الرزاق ١٤٩٤٨، والبيهقي ١١٦٦٦، صححه ابن حزم، وضعفه الشافعي]، ولأن عمله مضمون عليه؛ لكونه لا يستحق العوض إلا بالعمل.
واختار ابن عثيمين: لا ضمان عليه إذا لم يتعد أو يفرط؛ لقول الله : (فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)، فلا يجب الضمان إلا على المتعدي الظالم، وقياساً على الأجير الخاص.
- مسألة: (لَا) يضمن أجير مشترك ما تلف (مِنْ حِرْزِهِ) بنحو سرقة، ولا يضمن أيضاً ما تلف بغير فعله إذا لم يتعد أو يفرط؛ لأن العين في يده أمانة أشبه المودع، (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) فيما عمله وتلف قبل تسليمه لربه، سواء عمله
стр. 985
في بيت المستأجر أو كان في بيته؛ لأنه لم يُسلِّم عمله للمستأجر، فلم يستحق عوضه، كالمبيع من الطعام إذا تلف في يد.
واختار ابن عقيل وابن عثيمين، وقواه المرداوي: له الأجرة؛ لأنه وفى بما استؤجر عليه، وما دام لا يضمن لك الثوب فإنه لا يضمن لك العمل في الثوب؛ لأننا إذا قلنا: ليس له أجرة، فمعناه أننا ضمَّنَّاه العمل في الثوب وذهب عليه خسارة، ولأنه غير متعدٍّ ولا مفرط وقد قام بالعمل الذي عليه، وتلف الثوب.
- مسألة: (وَ) الفرق بين الأجير الخاص والأجير المشترك من أربعة أوجه:
١ - الأجير (الخَاصُّ: مَنْ قُدِّرَ نَفْعُهُ بِالزَّمَنِ، وَ) الأجير (المُشْتَرَكُ): من قدر نفعه (بِالعَمَلِ).
٢ - الأجير الخاص منفعته مملوكة مدة الأجرة، فليس له أن يعمل لغير مستأجره، إلا بإذنه، والأجير المشترك منفعته غير مملوكة.
٣ - الأجير الخاص لا يضمن ما جنت يده خطأ، والأجير المشترك يضمن.
٤ - الأجير الخاص يستحق الأجرة بتسليم نفسه، سواء عمل أم لم يعمل، والأجير المشترك يستحق الأجرة بتسليم العمل.
стр. 986
- مسألة: (وَتَجِبُ) أي: تملك (الأُجْرَةُ) في إجارة عين أو إجارة على منفعة في ذمة؛ كحمل معين إلى مكان معين (بِالعَقْدِ) شرط فيه الحلول أو أطلق؛ لأنها عوض أطلق في عقد معاوضة، فملك بمطلق العقد كالثمن والصداق.
وأما قوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) [الطلاق: ٦] وحديث: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» [ابن ماجه ٢٤٤٣] فلا يعارض ذلك؛ لأن الأمر بالإيتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله، كقوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾ [النساء: ٢٤]، والصداق يجب قبل الاستمتاع.
(مَا لَمْ تُؤَجَّلِ) الأجرة بأجلٍ معلوم، فإن أُجِّلت لم يجب بذلها حتى تحل؛ كالثمن والصداق.
- مسألة: (وَلَا ضَمَانَ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ) تلفت العين تحت يده (إِلَّا بِتَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ)؛ لأنه نائب المالك في صرف منافعه فيما أُمِر به، فلم يضمن؛ كالوكيل، (وَالقَوْلُ قَوْلُهُ) أي: المستأجر (فِي نَفْيِهِمَا) أي: في نفي التعدي والتفريط؛ لأنه أمين.
стр. 987
(فَصْلٌ) في السَّبَق
السَّبَق بتحريك الباء: العِوضُ الذي يُسابَق عليه، وبسكونها: المسابقة، أي: المُجاراة بين حيوانٍ وغيره.
- مسألة: (وَتَجُوزُ المُسَابَقَةُ) في الجملة إجماعًا؛ لقول الله تعالى: (إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا) [يوسف: ١٧]، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا سَبَقَ إلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» [أحمد: ١٠١٣٨، وأبو داود: ٢٥٧٤، والترمذي: ١٧٠٠، والنسائي: ٣٥٨٥، وابن ماجه: ٢٨٧٨]، ولقول عائشة ﵂: «سَابَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَبَقْتُهُ» [أحمد: ٢٦٢٥٢، وأبو داود: ٢٥٧٨]، ولما في المسابقات من تنشيط النفس وإدخال السرور عليها، وذلك مطلوب شرعاً.
- مسألة: المسابقات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المسابقات المباحة: كالمسابقة (عَلَى أَقْدَامٍ، وَسِهَامٍ، وَسُفُنٍ، وَمَزَارِيقَ)، جمع مِزْراق، وهو: الرمح القصير، وكذا المناجيق، ورمي الأحجار ونحوها، (وَ) على (سَائِرِ حَيَوَانٍ)؛ كإبل وبغال وفيلة؛ لأن الأصل فيها الحل، ولما تقدم من أدلة جواز المسابقة.
стр. 988
قال ابن القيم في بيان ضابط هذا القسم: (وهو ما ليس فيه مضرة راجحة، ولا هو أيضًا متضمن لمصلحة راجحة يأمر الله تعالى بها ورسوله ﷺ .
القسم الثاني: المسابقات المحرمة: كالنرد والشطرنج ونحوها مما ورد تحريمه في الشرع.
ومن ضوابط في هذا القسم:
١ - قال شيخ الإسلام: (ما ألهى وشغل عما أمر الله به فهو منهي عنه وإن لم يحرم جنسه، كبيع وتجارة ونحوهما).
٢ - وقال: (كل فعل أفضى إلى محرم كثيرًا؛ حرَّمه الشارع إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة؛ لأنه يكون سببًا للشر والفساد).
٣ - وقال ابن القيم: (ما فيه مفسدة راجحة على منفعته كالنرد والشطرنج فهذا يحرمه الشارع لا يبيحه).
٤ - قال ابن عثيمين: (أن يكون محرمًا لذاته، كالمسابقة على العدوان على الناس، وقطع الطريق، ونهب الأموال ونحوه).
القسم الثالث: المسابقات المشروعة: كالمسابقة على الخيل والإبل والسهام ونحوها.
وضابطها عند ابن القيم: (ما فيه مصلحة راجحة، وهو متضمن لما يحبه الله ورسوله، معين عليه ومفض إليه .... كالمسابقة على الخيل والإبل والنضال التي تتضمن الاشتغال بأسباب الجهاد وتعلم الفروسية).
стр. 989
- مسألة: أخذ العوض في المسابقات لا يخلو من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أخذ العوض على المسابقات المحرمة: لا تجوز مطلقًا، سواء من أحدهما، أو من كليهما، أو من أجنبي، قال ابن القيم: (وهذا باتفاق المسلمين غير سائغ).
القسم الثاني: أخذ العوض على المسابقات المباحة: فلا يجوز أخذ العوض فيها، وأشار إليه بقوله: (لا بِعِوَضٍ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ السابق: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ»، فنفى السَّبَق في غير هذه الثلاثة، ولأن الشريعة لو أباحته بعوض لاتخذته النفوس صناعةً ومكسبًا، فالتهت به عن كثير من مصالح دينها ودنياها.
وقال ابن عثيمين: إن كان العوض من طرف ثالث غير المتسابقين فيجوز، سواء كان من أجنبي أو من الحاكم؛ لأنه يعدُّ مكافأة وتشجيعًا.
القسم الثالث: أخذ العوض على المسابقات المشروعة: وأشار إليه بقوله: (إلَّا عَلَى إِبِلٍ، وَخَيْلٍ، وَسِهَامٍ)، ولا يخلو أخذ العوض عليها من ثلاثة أقسام:
١ - أن يكون العوض من الإمام أو من أجنبي: فيجوز باتفاق المسلمين؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «سَبَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الخَيْلِ، وَأَعْطَى السَّابِقَ» [أحمد: ٥٦٥٦]؛ ولأن في ذلك مصلحةً وحثًّا على تعليم الجهاد ونفعًا للمسلمين.
стр. 990
٢ - أن يكون العوض من أحدهما: فيجوز؛ لأنه إذا جاز بذله من غيرهما فمن أحدهما من باب أولى، ولانتفاء شبهة القمار هنا.
٣ - أن يكون العوض من الطرفين: فلا يجوز؛ لأنه يكون قمارًا؛ لأن كل واحد منهما لا يخلو من أن يغنم أو يغرم، إلا بدخول محلل في المسابقة لا يُخرِج شيئاً من العوض وأن تكافئ آلته آلة المتسابقين؛ فيجوز؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ - يَعْنِي وَهُوَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ - فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أُمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ» [أحمد: ١٠٥٥٧، وأبو داود: ٢٥٧٩، وابن ماجه: ٢٨٧٦]، فجعله قمارًا إذا أمن السبق؛ لأنه لا يخلو كل واحد منهما أن يغنم أو يغرم، وإذا لم يأمن أن يسبق لم يكن قمارًا، لأن كل واحد منهما يجوز أن يخلو من ذلك.
واختار شيخ الإسلام: جواز العوض من غير محلل؛ لأن النبي ﷺ أطلق جواز أخذ السَّبَق في الخف والحافر والنصل ولم يقيده بمحلل، ولأن مبنى العقود على العدل من الجانبين، وإذا كان كذلك فكيف يوجب في عقد من العقود أن يبذل أحد المتعاقدين وحده دون الآخر وكلاهما في العمل والرغبة سواء، ولأن إخراج العوض من المتراهنين لو كان حرامًا وهو قمار لما حل بالمحلل، فإن هذا المحلل لا يحل السَّبَق الذي حرمه الله ورسوله، ولا تزول المفسدة التي في إخراجها بدخوله، وقال شيخ الإسلام ﵀: (ما علمت بين الصحابة خلافًا في عدم اشتراط المحلل).
стр. 991
وأما الحديث الذي استدلوا به فضعيف، قال ابن عبد الهادي: (وله علة مؤثرة ذكرها غير واحد من الأئمة).
- فرع: لا يجوز الرهان في المسابقات إلا في المسابقة على الإبل والخيل والرمي؛ لظاهر حديث أبي هريرة: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ»، فنفى السَّبَق في غير هذه الثلاثة، ، وغيرها لا يحتاج إليها في الجهاد كالحاجة إليها، فلم تجز المسابقة عليها بعوض.
واختار شيخ الإسلام: جواز الرهان على كل مسابقة مباحة إذا كانت مما ينتفع به في الدين، كالصراع، والمسابقة بالأقدام، والعلم الشرعي؛ لما روى سعيد بن جبير: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَارَعَ رُكَانَةَ عَلَى شَاةٍ فَصَرَعَهُ» [المراسيل لأبي داود: ٣٠٨، وجود ابن القيم بعض أسانيده]، قال ابن القيم: (وإذا كان الشارع قد أباح الرهان في الرمي والمسابقة بالخيل والإبل لما في ذلك من التحريض على تعلم الفروسية، وإعداد القوة للجهاد، فجواز ذلك في المسابقة والمبادرة إلى العلم والحجة التي بها تفتح القلوب، ويعز الإسلام، وتظهر أعلامه أولى وأحرى).
- مسألة: (وَشُرِطَ) لجواز المسابقة خمسة شروط:
الشرط الأول: (تَعْيِينُ مَرْكُوبَيْنِ)؛ لأن المقصود في المسابقة معرفة سرعة عدو المركوب الذي يسابق عليه.
(وَ) الشرط الثاني: (اتِّحَادُهُمَا) أي: اتحاد المركوبين في النوع، فلا
стр. 992
يصح بين عربي وهجين، واتحاد القوسين في النوع، فلا تصح بين قوس عربية وفارسية؛ لأن التفاوت بين النوعين معلوم بحكم العادة، أشبها الجنسين.
- فرع: (وَ) يدخل في الشرط الأول: اشتراط (تَعْيِينُ رُمَاةٍ) في المناضلة -وهي المسابقة في الرمي-؛ لأنَّ القصد معرفة حِذْقهم، ولا يحصل إلا بالتعيين.
(وَ) الشرط الثالث: (تَحْدِيدُ مَسَافَةٍ)، بأن يكون لابتداء عَدْوهما وآخره غاية، ولا يختلفان فيه؛ لأن الغرض معرفة الأسبق، ولا يحصل إلا بتساويهما في الغاية، لأن أحدهما قد يكون مقصرًا في ابتداء عدوه سريعًا في آخره، وبالعكس.
كما يشترط ذلك في المناضلة، بأن يحدد مدى الرمي بقدر معتاد؛ لأن الإصابة تختلف بالقُرب والبُعد؛ فلو جَعَلا مسافةً بعيدةً تتعذَّر الإصابة في مثلها غالِباً - وهو ما زاد على ثلاثمائةِ ذراعٍ -؛ لم تصحَّ؛ لأنَّ الغرضَ يَفوتُ بذلك.
(وَ) الشرط الرابع: (عِلْمُ) المتسابقين بالـ (ـعِوَضِ) بالمشاهدة أو الوصف؛ لأنه مال في عقد، فاشترط العلم به كسائر العقود، (وَ) يشترط (إِبَاحَتُهُ) أي: العوض؛ كسائر العقود.
стр. 993
(وَ) الشرط الخامس: (خُرُوجٌ) بعوضٍ (عَنْ شَبَهِ قِمَارٍ)؛ لأن القمار محرَّم فشبهه مثله، وذلك بأن لا يخرج جميعهم العوض؛ لأنه إذا أخرجه كلٌّ منهم لم يخل عن أن يغنم أو يغرم، وهو شبه القمار، وتقدم الكلام عن ذلك.
(فَصْلٌ) في العارية
العارية: مشددة الياء على المشهور، وحكى الخطابي وغيره تخفيفها، قال الأزهري: هي مأخوذة من عار الشيء يعير: إذا ذهب وجاء. وقيل: هي مشتقة من التعاور، من قولهم: اعتوروا الشيء، إذا تداولوه بينهم.
واصطلاحاً: العين المأخوذة من المالك أو وكيله للانتفاع بها مطلقًا بلا عوض.
والإعارة: إباحة نفع عينٍ تبقى بعد استيفائها بلا عوض.
- مسألة: (وَالعَارِيَّةُ سُنَّةٌ) إجماعًا؛ لقولِه تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: ٢] وهي من البر، وقوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٧]، قال ابن مسعود: «كُنَّا نَعُدُّ المَاعُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : عَوَرَ الدَّلْوِ وَالقِدْرِ» [أبو داود: ١٦٥٧].
стр. 994
ولا تجب العاريَّة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ» [الترمذي: ٦١٨، ابن ماجه: ١٧٨٨]، ولحديث طلحة بن عبيد الله ﵁ في الرجل الذي جاء يسأل عن الإسلام، وفيه: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» [البخاري: ٤٦، ومسلم: ١١].
واختار شيخ الإسلام: وجوب العاريَّة مع غنى المالك؛ لقول ابن مسعود السابق في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، ولحديث أبي هريرة ﵁ في الخيل: قال رسول الله ﷺ : «وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَسِتْرًا وَتَعَفُّفًا، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي رِقَابِهَا وَظُهُورِهَا فَهِيَ لَهُ كَذَلِكَ سِتْرٌ» [البخاري: ٣٦٤٦، ومسلم: ٩٨٧]، ولحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، وَلَا بَقَرٍ، وَلَا غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَّا أُقْعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَطَؤُهُ ذَاتُ الظِّلْفِ بِظِلْفِهَا، وَتَنْطِحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْنِهَا، لَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ جَمَّاءُ وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ» قلنا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: «إِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَمَنِيحَتُهَا» [مسلم: ٩٨٨].
- فرع: يستثنى على المذهب: إعارة المصحف، فتجب لمن احتاج إلى القراءة فيه، ولم يجد غيره.
وخرَّج ابن عقيل: وجوب إعارة كتب العلم للمحتاج إليها من القُضاة والحكَّام وأهل الفتاوى.
стр. 995
- مسألة: (وَكُلُّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ) من الأعيان تصح إعارته؛ كالدَّار، والعبد، والدَّابة، والثَّوب، ونحوها؛ لما تقدم من الأدلة على صحة إعارة البهائم وغيرها، والباقي بالقياس عليها.
- فرع: يشترط لصحة الإعارة أربعة شروط:
الشرط الأول: أهلية المعير للتبرع؛ لأن الإعارة نوع من التبرع؛ لأنها إباحة منفعة، فلا يعير مكاتب، ولا ناظر وقف، ولا ولي يتيم من ماله.
الشرط الثاني: أهلية المستعير للتبرع له بتلك العين، بأن يصح منه قبولها هبة، فلا تصح إعارة المصحف لكافر؛ لشبه الإباحة بالهبة.
الشرط الثالث: كون العين المعارة منتفعاً بها (مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهـ) ـا؛ كدوابَّ، ورقيق، ودور، ولباس، وأوان، بخلاف ما لا ينتفع به إلا مع تلف عينه؛ كأطعمة وأشربة.
وقال ابن عقيل فيما إن أعطى الأطعمة والأشربة بلفظ الإعارة: احتمل أن يكون إباحة الانتفاع على وجه الإتلاف.
الشرط الرابع: أن يكون نفع العين المعارة (نَفْعاً مُبَاحاً)، ولو لم يصح الاعتياض عنه؛ كإعارة كلب ماشية ونحوه، فـ (تَصِحُّ إِعَارَتُهُ)؛ لإباحة نفعه، والمنهي عنه العوض المأخوذ عن ذلك.
وعلى هذا: لا تصح إعارة ما كان نفعه محرمًا؛ كدار لمن يتخذها
стр. 996
كنيسة، أو يعصي الله فيها، ولا إعارة إناء من أحد النقدين، ولا حلي محرم ونحو ذلك؛ لأن الإعارة لا تبيح له إلا ما أباحه الشرع، ولأن ذلك كله إعانة على الإثم والعدوان المنهي عنه.
- فرع: كل عين مباحة النفع تجوز إعارتها (إِلَّا) أموراً، منها:
١ - (البُضْعُ)، فلا تجوز إعارة بضع أمته؛ لأنَّ الوطء لا يجوز إلا في نكاحٍ أو ملك يمينٍ، وكلاهما مُنتفٍ.
٢ - (وَ) أن يعير (عَبْداً مُسْلِماً لِكَافِرٍ) لخدمته الخاصة؛ فلا يصح؛ لأنَّه لا يجوزُ له استخدامُه لما فيه من الإذلال، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
فإن أعاره لعمل في الذمة غير الخدمة؛ صح؛ لأنه لا يتضمن إذلال المسلم، واستخدامه أشبه مبايعته.
٣ - (وَ) أن يعير (صَيْداً وَنَحْوَهُ)؛ كمخيط وطيب (لِمُحْرِمٍ)؛ لأنه معاونة على الإثم والعدوان.
٤ - (وَ) أن يعير (أَمَةً، وَ) أن يعير (أَمْرَدَ لِغَيْرِ مَأْمُونٍ) عليهما، كإعارتهما لشاب ونحوه، فلا يصح؛ لأنه لا يؤمن عليه الفتنة.
- مسألة: (وَتُضْمَنُ) العاريَّة بعد قبضها، إذاتلفت في غير ما استُعيرت
стр. 997
له (مُطْلَقًا) أي: سواء فرط أم لم يفرط؛ لحديث الحسن عن سمرة بن جندب ﵁ مرفوعاً: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» [أحمد: ٢٠٠٨٦، وأبو داود: ٣٥٦١، والترمذي: ١٢٦٦، وابن ماجه: ٢٤٠٠]، ولحديث صفوان بن أمية ﵁: أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم حنين أدراعًا فقال: أغصبًا يا محمد؟ فقال: «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» [أحمد: ١٥٣٠٢، وأبو داود: ٣٥٦٢]، وعن ابن أبي مليكة: «أن ابن عباس ﵄ كان يضمن العاريَّة» [عبد الرزاق: ١٤٧٩٢].
ويضمن سواء شرط نفي ضمانها أم لا؛ لأنَّ كل عقدٍ اقتضى الضمان لم يُغيِّره الشرط.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: لا تضمن إلا إذا شرط الضمان؛ لأنه قبضها بإذن مالكها فكانت أمانة وأما كونه يضمن إذا شرط الضمان؛ فلحديث صفوان السابق: «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ»، فإن قوله: «مَضْمُونَةٌ» صفة مقيدة للعارية وليست صفة كاشفة.
وأما حديث سمرة فأعله ابن التركماني وغيره بأن الحسن لم يسمع من سمرة هذا الحديث.
واختار ابن القيم: أنها لا تتضمن إلا بالتعدي أو التفريط، وأما حديث
стр. 998
صفوان فالمقصود بقوله: «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ»، ضمان الرد لا ضمان التلف، ويدل على ذلك ما في الرواية الأخرى بلفظ: «بَلْ مُؤَدَّاةٌ» [أبو داود: ٣٥٦٦]، وورد عن عمر ﵁ قال: «العَارِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ الوَدِيعَةِ، وَلَا ضَمَانَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى» [عبد الرزاق: ١٤٧٨٥]، وعن علي نحوه [عبد الرزاق: ١٤٧٨٨].
- فرع: لا يخلو ضمان العاريَّة من أمرين:
الأول: أن تكون العاريَّة مِثلية: فتضمن (بِمِثْلِ مِثْلِيٍّ)، كقطعة من نحاس لا صناعة بها إذا تلفت، بمثل وزنها من نوعها؛ لأن المثلي أقرب إلى العين من القيمة.
(وَ) الثاني: أن تكون العاريَّة غير مثلية: فتضمن بـ (ـقِيمَةِ غَيْرِهِ) أي: غير المثلي (يَوْمَ تَلَفِـ) ـه؛ لأنه حينئذ يتحقق فوات العارية، فوجب اعتبار الضمان به.
- فرع: (لَا) تضمن العاريَّة في مسائل، منها:
١ - (إِنْ تَلِفَتْ) العاريَّة أو تلف جزؤها (بِاسْتِعْمَالٍ بِمَعْرُوفٍ) كثوب بَلِيَ باللبس، و (كَخَمْلِ مِنْشَفَةٍ) وهو هدبها مما ينسج ويفضل له فضول؛ لأنَّ الإذن في الاستعمال تضمَّن الإذن في الإتلاف، وما أُذن في إتلافه غير مضمون؛ كالمنافع.
стр. 999
٢ - (وَلَا) تضمن العاريَّة (إِنْ كَانَتْ وَقْفاً؛ كَكُتُبِ عِلْمٍ)، وسلاح موقوف على غزاة، ونحوها؛ لأن قبض الوقف ليس على وجه يختص المستعير بنفعه؛ لأن تعلم العلم وتعليمه من المصالح العامة، أو لكون الملك فيه ليس لمعين، أو لكونه من جملة المستحقين له.
٣ - إن أركب منقطعًا طالبًا الثواب، وسيأتي.
- فرع: لا تضمن العاريَّة في المسائل الثلاث (إِلَّا) بتعدٍّ فيها أو (بِتَفْرِيطٍ)؛ كسائر الأمانات، فإنها تضمن بالتعدي والتفريط.
- مسألة: (وَعَلَيْهِ) أي: على المستعير (مُؤْنَةُ رَدِّهَا) أي: رد العاريَّة؛ لما تقدم من حديثِ: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ»، وإذا كانت واجبة الردِّ وجب أن تكون مؤنة الردِّ على من وجب عليه الردُّ.
- مسألة: (وَإِنْ أَرْكَبَ) إنسان دابته شخصًا (مُنْقَطِعاً لِله) أي: طالبًا الثواب من الله، فتلفت الدابة تحته؛ (لَمْ يَضْمَنِ) الراكب؛ لأنها بيد صاحبها، وراكبها لم ينفرد بحفظها.
стр. 1000
(فَصْلٌ) في الغصب
وهو لغةً: أخْذُ الشيء ظلماً.
واصطلاحاً: استيلاء غير حربي عُرفاً على حقِّ غيره، مالاً كان أو اختصاصاً، قهراً بغير حقٍّ، من عقار ومنقول.
- مسألة: (وَالغَصْبُ) محرم إجماعاً؛ لقولِه تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [البقرة: ١٨٨]، ولحديث جابر ﵁ في خطبة الوداع، وفيه: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [مسلم: ١٢١٨]، بل عده جماعة من العلماء (كَبِيرَةً) من كبائر الذنوب؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» [البخاري: ٢٤٥٣، ومسلم: ١٦١٢].
- مسألة: (فَمَنْ غَصَبَ كَلْباً يُقْتَنَى)؛ ككلبِ صيدٍ وماشيةٍ وزرعٍ، (أَوْ) غصب (خَمْرَ ذَمِّيٍّ مُحْتَرَمَةً) أي: مستترة، (رَدَّهُمَا) لزومًا؛ لجواز الانتفاع بالكلب واقتنائه، ولكون الخمر مالًا عند الذمي يُقرُّ على شربها.
وإن كان الكلب لا يقتنى، أو كانت خمر ذمي غير محترمة، أو كانت خمر مسلم؛ لم يرده؛ للنهي عن اقتناء الكلب، وزوال عصمة الخمر.
стр. 1001
- فرع: (لَا) يلزم أن يَرد (جِلْدَ مَيْتَةٍ) غُصِب؛ لأنه لا يطهر بدبغه ولا قيمة له؛ لأنه لا يصح بيعه.
وفي وجه اختاره ابن عثيمين: يجب رده؛ لإمكان تطهيره بالدبغ والاستفادة منه.
قال في الإنصاف: (وهما - أي: القولان- مبنيان على طهارته بالدبغ وعدمها، فإن قلنا: يطهر بالدبغ: وجب رده. وإن قلنا: لا يطهر بالدبغ: لم يجب رده).
- فرع: (وَإِتْلَافُ الثَّلَاثَةِ) أي: الكلب، والخمر المحترمة، وجلد الميتة؛ (هَدَرٌ)، سواءٌ كان المتلِف مسلماً أو ذميًّا؛ لأنه ليس لها عوضٌ شرعيٌّ؛ لأنه لا يجوز بيعها.
- مسألة: (وَإِنِ اسْتَوْلَى) إنسان (عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ) كبيرٍ أو صغيرٍ، بأن حبسه ولم يمنعه الطعام والشراب فمات عنده؛ (لَمْ يَضْمَنْهُ)؛ لأنه ليس بمال، ويأتي في باب الديات بأوضح من ذلك، (بَلْ) يضمن (ثِيَابَ صَغِيرٍ (١) وَحُلِيَّهُ) ولو لم ينزِعهما عنه؛ لأن الصغير لا ممانعة منه عن ذلك أشبه ما لو غصبه منفردًا.
стр. 1002
- فرع: (وَإِنِ اِسْتَعْمَلَهُ) أي: استعمل الغاصب الحر المسلم (كُرْهاً) فعليه أجرته؛ لأنه استوفى منافعه وهي متقومة، (أَوْ حَبَسَهُ) مدة لمثلها أجرة؛ (فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ) مدة حبسه؛ لأنه فوت منفعة زمنه، وهي مال يجوز أخذ العوض عنه (كَـ) ـمنافع (قِنٍّ).
- مسألة: (وَيَلْزَمُهُ) أي: الغاصبَ (رَدُّ مَغْصُوبٍ) إن كان باقياً وَقَدَرَ على ردِّه إجماعاً؛ لحديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَعَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» [أحمد: ٢٠٠٨٦، وأبو داود: ٣٥٦١، والترمذي: ١٢٦٦، وابن ماجه: ٢٤٠٠]، ولأنه أزال يد المالك عن ملكه بغير حق، فلزمه إعادتها.
- فرع: إن زاد المغصوب لزم رده (بِزِيَادَتِهِ)، متصلةً كانت أو منفصلةً، كما لو سمنت الشاة أو ولدت؛ لأنها من نماء المغصوب، وهو لمالكه، فلزمه ردُّهُ؛ كالأصل.
- فرع: (وَإِنْ نَقَصَ) المغصوب فلا يخلو من أحوال:
الأولى: إذا نقص عين المغصوب، كما لو غصب برًّا فأخذ منه نصفه: فيلزم أرش نقصه؛ لأنه ضمان مال من غير جناية فكان الواجب ما نقص، إذ القصد بالضمان جَبْرَ حق المالك بإيجاب قدر ما فُوِّت عليه.
الثانية: إذا نقص سعر المغصوب: فلا يضمن، وأشار إليه بقوله:
стр. 1003
(لِغَيْرِ تَغَيُّرِ سِعْرٍ)؛ لأنه ردَّ العين بحالها، لم يَنْقُصْ منها عين ولا صفة، والفائت إنما هو رغبات الناس، ولا تقابل بشيء.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يضمن نقص السعر؛ لضرر المغصوب منه، ولأن النقص صفة في العيب وقد فاتت.
الثالثة: إذا نقصت قيمة المغصوب باختلاف الصفة، كما لو هزلت الشاة فنقصت قيمتها: (فَعَلَيْهِ أَرْشُهُ) أي: أرش النقص، فيغرم ما نقص من قيمته؛ فيقوم صحيحًا وناقصًا ويغرم الغاصب ما بينهما؛ لأنه لو فات الجميع لوجبت قيمته، فإذا فات منه شيء وجب قدره من القيمة.
- مسألة: (وَإِنْ بَنَى) الغاصب في الأرض المغصوبة، أو غير الغاصب بلا إذن رب الأرض، (أَوْ غَرَسَ) فيها؛ (لَزِمَهُ) ما يأتي:
١ - (قَلْعُ) الغرس أو إزالة البناء إذا طلب منه المالك ذلك، قال في المغني: (لا نعلم فيه خلافًا)؛ لحديث سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» [أبو داود: ٣٠٧٣، والترمذي: ١٣٧٨]، وفي رواية لأبي داود [٣٠٧٤]، قال عروة بن الزبير: فلقد خَبَّرني الذي حدَّثني هذا الحديث: «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، غرس أحدهما نخلًا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها»، ولأنه شغل ملك غيره بملكه الذي لا حرمة له في نفسه بغير إذنه، فلزمه تفريغه، كما لو جعل فيه قماشًا.
стр. 1004
٢ - (وَ) لزمه (أَرْشُ نَقْصِ) الأرض بسبب البناء أو الغراس إن نَقَصَتْ؛ لأنه نقص حصل في يد الغاصب، فوجب ضمانه.
٣ - (وَ) لزمه (تَسْوِيَةُ) حُفَرِ (أَرْضٍ)؛ لأنه ضرر حصل بيده.
٤ - (وَ) لزمته (الأُجْرَةُ) أي: أجرة مثلها إلى وقت التسليم؛ لأن منافعها ذهبت تحت يده العادِيَة، فكان عليه عوضها كالأعيان.
- مسألة: (وَلَوْ غَصَبَ مَا اتَّجَرَ)؛ كأن غصب عبدًا ثم اتجر به فَكَسَبَ، (أَوْ) غصب جارحًا أو كلبًا أو فرسًا فـ (صَادَ بِهِ؛ فَمَهْمَا حَصَلَ بِذَلِكَ) العبد أو الجارح أو الفرس (فَلِمَالِكِهِ) أي: لمالك العبد أو الفرس أو الجارح؛ لأنه حصل بسبب ملكه، فكان له، ولا يلزم الغاصبَ أجرة للعبد أو للجارح أو الفرس مدة اصطياده؛ لأن منافع المغصوب في هذه المدة عادت إلى المالك، فلم يستحق عوضها على غيره
وقال شيخ الإسلام: يتوجه فيما إذا غصب فرسًا، وكَسَبَ عليه مالًا أن يجعل الكسب بين الغاصب ومالك الدابة على قدر نفعهما، بأن تقوم منفعة الراكب ومنفعة الفرس، ثم يقسم الصيد بينهما.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام فيمن أودع وديعة فاتجر المودَع بها وربح، أو غصب مالًا فربح فيه: أنهما شريكان فيه - أي: المودِع والمودَع، والغاصب والمالك -؛ لما ورد أن أبا موسى الأشعري ﵁ وكان أمير
стр. 1005
البصرة -، أعطى عبد الله وعبيد الله ابني عمر ﵃ مالًا من بيت المال ليتجرا به، ويؤديا رأس المال ويكون الربح لهما، فلما قدما المدينة باعا فأُربِحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: «أَكُلُّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ، مِثْلَ مَا أَسْلَفَكُمَا؟ » قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: «قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا»، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال [مالك ٢/ ٦٨٧].
- فرع: (وَمَا حَصَدَ بِهِ) الغاصب، كما لو غصب منجلًا فقطع به خشبًا أو حشيشًا؛ فالخشب أو الحشيش للغاصب؛ لحصول الفعل منه؛ كالحبل المغصوب يربط به الغاصبَ ما يجمعه من حطب ونحوه، (فَـ) على ذلك تكون (عَلَيْهِ) أي: على الغاصب (أُجْرَتُهُ)، أي: أجرة المنجل والآلة التي حصد أو قطع بها؛ لأن منافعها ذهبت تحت يده العادِيَة، فكان عليه عوضها.
- مسألة: (وَإِنْ خَلَطَهُ) أي: خلط الغاصب المغصوب بغيره، فلا يخلو من أمرين:
١ - أن يخلطه بما يتميز؛ كحنطة بشعير، وتمر بزبيب: فيلزم الغاصب تخليصه، وردُّهُ إلى مالكه، وأجرة ذلك عليه؛ لأنه بسبب تعديه، فكان أولى بغرمه من مالكه، لكون الشارع لم ينظر إلى مصلحة المتعدي.
٢ - أن يخلطه (بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ)، فلا يخلو من حالين:
стр. 1006
أ) أن يخلطه بمثله من جنسه، كزيت بمثله، أو حنطة بمثلها: فيلزمه مثل المغصوب من المختلط (١)؛ أما كونه يلزمه مثله؛ فلأنَّه مِثلي، فيجب مثله كيلًا أو وزنًا، وأما كونه منه؛ فلأنه قَدَرَ على دفع ماله إليه مع رد المثل في الباقي، فلم ينتقل إلى بدله في الجميع، كما لو غصب صاعًا فتلف بعضه.
ب) أن يخلطه بدونه أو بخير منه من جنسه، أو بغير جنسه، كزيت بشيرج: فهما شريكان فيه بقدر ملكيهما، فيباع الجميع ويعطى كل واحد قدر حصته؛ لأنه إذا فعل ذلك وصل كل واحد إلى عين ماله، فإن نقص المغصوب عن قيمته منفردًا فعلى الغاصب ضمان النقص؛ لأنه حصل بفعله.
- مسألة: إن لتَّ سَوِيقًا مغصوبًا بدهن (أَوْ صَبَغَ) الغاصب (الثَّوْبَ): فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
стр. 1007
الحالة الأولى: ألا تَنْقُصَ قيمة المغصوب بذلك الفعل ولا تزيد: (فَهُمَا) أي: الغاصب والمالك (شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مِلْكَيْهِمَا) فيه؛ لأنَّ اجتماع الملكَيْنِ يقتضي الاشتراك، فيباع ويوزَّع الثمن على القِيمتَينِ.
(وَ) الحالة الثانية: (إِنْ نَقَصَتِ القِيمَةُ) أي: قيمة المغصوب؛ (ضَمِنَ) الغاصب النقص؛ لتعديه.
والحالة الثالثة: إن زادت قيمة أحدهما - أي: الصبغ أو الثوب مثلًا-: فالزيادة لصاحب الملك الذي زادت قيمته؛ لأنَّها تبعٌ للأصل.
(فَصْلٌ)
- مسألة: (وَمَنِ اشْتَرَى أَرْضاً فَغَرَسَ) فيها غرسًا، (أَوْ بَنَى) فيها بناء (ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ) أي: ظهرت الأرض مستحَقَّة لآخر؛ فللمالك قلع الغراس والبناء بلا ضمان؛ لوضعه في ملكه بغير إذنه؛ كالغاصب.
وعنه، واختاره ابن رجب: أن مستحِقَّ الأرض يتملك الغراس أو البناء بالقيمة ولا يقلع مجانًا؛ لما روى مجاهد: أن رجلًا أحيا أرضًا مواتًا، فغرس فيها وعمَّر، فأقام رجل البينة أنها له، فاختصما إلى
стр. 1008
عمر بن الخطاب ﵁، فقال لصاحب الأرض: «إِنْ شِئْتَ قَوَّمْنَا عَلَيْكَ مَا أَحْدَثَ هَذَا فَأَعْطَيْتَهُ إِيَّاهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يُعْطِيَكَ قِيمَةَ أَرْضِكَ أَعْطَاكَ» [الأموال لأبي عبيد: ٧١١، وفيه ضعف]، ولأن هذا الغراس والبناء محترم، قال أحمد: (ليس هذا مثل من غرس في أرض غيره فيقلع غرسه)، قال ابن رجب: (ولا يثبت عن أحمد سواه)، وكونه لم يحصل من مستحِقِّ الأرض إذنٌ، لا ينفي كون الغراس محترمًا.
- فرع: (و) إذا اشترى أرضًا فغرس فيها أو بنى ثم ظهرت أنها مستحَقَّة لآخر و (قَلَعَ) مشتري الأرض (ذَلِكَ) الغراسَ أو هدم ذلك البناء؛ (رَجَعَ) مشترٍ إذا لم يعلم بالحال (عَلَى بَائِعٍ) بثمن ما أقبضه إياه، و (بِمَا غَرِمَهُ) من أجرة غارسٍ، وثمن مؤن مستهلكة، وأجرة دار ونحوه؛ لأنه غره وأَوْهمه أنها ملكه ببيعها له.
- مسألة: (وَإِنْ أَطْعَمَهُ) أي: أطعم الغاصب ما غصبه لآخر، فلا يخلو من حالين:
١ - أن يطعمه (لِعَالِمٍ بِغَصْبِهِ: ضَمِنَ آكِلٌ)؛ لأنَّه أتلف مال الغير بغير إذنه من غير تَغريرٍ، وللمالك تضمين الغاصب؛ لأنَّه حال بينه وبين ماله، وقرارُ الضَّمان على الآكل؛ لأنه مباشر، والقاعدة: إذا اجتمع متسبب ومباشر ضمن المباشر فقط.
стр. 1009
٢ - أن يطعمه لغير عالم بغصبه: فقرارُ الضمانِ على الغاصِبِ؛ لأنَّه غَرَّ الآكلَ.
- مسألة: (وَيُضْمَنُ) مغصوب تلف أو تغيَّب، كحيوان مات، أو طعام تلف، أو فرس شرد، بأحد أمرين:
١ - إذا كان المغصوب (مِثْلِيًّـ) ـا: وهو كلُّ مكيلٍ أو موزونٍ، لا صناعة فيه مباحة، يصحُّ السَّلم فيه، كالأثمان والحبوب من بر وشعير ونحو ذلك - وتقدم اختيار شيخ الإسلام: أن المثلي ما له مثيل في الأسواق والقيمي ما عداه -: فإنه يضمن (بِمِثْلِهِ)؛ لأنَّه لما تعذَّر ردُّ العين لزِمه ردُّ ما يقوم مَقامها، والمثل أقرب إليه من القيمة؛ لكونه مماثلًا له من طريق الصورة والمشاهدة والمعنى، بخلاف القيمة فإنها مماثلة من طريق الظن والاجتهاد، فقدم ما طريقه المشاهدة.
٢ - (وَ) إذا كان المغصوب من (غَيْرِهِ) أي: غير المثلي، وهو القيمي، فإنه يضمن (بِقِيمَتِهِ) يوم تلفه في بلده؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيْهِ» [البخاري: ٢٥٢٢، ومسلم: ١٥٠١]، فأمر بالتقويم في حصة الشريك؛ لأنها متلفة بالعتق، ولم يأمر بالمثل؛ ولأن هذه الأشياء لا تتساوى أجزاؤها وتختلف صفاتها، فالقيمة فيها أعدل وأقرب إليها، فكانت أولى.
وعنه: يضمنه بقيمته يوم غصبه؛ لأنه فوَّته عليه بغصبه، فكان عليه قيمته يوم فوَّته.
стр. 1010
- مسألة: (وَحَرُمَ تَصَرُّفُ غَاصِبٍ)، وغيره ممن علم بالحال، (بِمَغْصُوبٍ)، سواء كان تصرفه له حُكْمٌ من صحة أو فساد - وهو العبادات والعقود، كالطهارة والحج بالمغصوب، وكالبيع والإجارة والهبة ونحوها منه-، أو ليس له حكم من صحة أو فساد؛ كإتلاف واستعمال وأكل وشرب ولبس ونحو ذلك؛ لحديث جابر السابق: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا».
- فرع: (وَ) لا تخلو تصرفات الغاصب الحكمية - وهي التي يحكم عليها بالصحة والفساد، بخلاف غير الحكمية كإتلاف المغصوب، ولبس الثوب -، من قسمين:
القسم الأول: تصرفاته في العقود: (لَا يَصِحُّ) تصرف الغاصب في (عَقْدٍ) من العقود، كما لو باع المغصوب، أو أَجَرَه، أو وقفه، أو وهبه، أو غير ذلك؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [مسلم: ١٧١٨]، أي: مردود، ولعدم إذن مالكها، ولأن ذلك التصرف تصرف الفضولي، وهو لا يصح.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أنه لا يخلو ذلك من أمرين:
١ - أن يجيز المالك التصرف: فيصح؛ بناء على صحة تصرف الفضولي.
٢ - ألا يجيز المالك التصرف: فلا يخلو من حالين:
стр. 1011
أ) أن يكون عين ماله باقيًا: فله أن يسترده بغير خلاف، قاله في المغني. (١)
ب) أن يكون عين ماله غير باقٍ: فيصح التصرف؛ لأن الغصب قد تطول مدته وتكثر تصرفات الغاصب فيه، ففي القضاء ببطلانها ضرر كثير، وربما عاد الضرر على المالك.
(وَ) القسم الثاني: تصرفاته في العبادات: (لَا) تصح (عِبَادَةٌ) من العبادات بالمغصوب، كما لو توضأ بماء مغصوب، أو صلى في ثوب مغصوب، أو حج بمال مغصوب، ونحو ذلك؛ لما تقدم.
وعنه: تصح العبادة مع إثم الغصب؛ لأن النهي يعود إلى شرط العبادة على وجه لا يختص، فلم يَقْتَضِ فسادها.
стр. 1012
- مسألة: (وَ) إذا اختلف المالك والغاصب في المغصوب، ففيه مسائل:
الأولى: أن يختلفا (فِي) قيمة مغصوب (تَالِفٍ)؛ كما لو قال المالك: كان قيمة الثوب خمسين درهمًا، فقال الغاصب: بل أربعين درهمًا، فالقول قول الغاصب؛ لأنه غارم.
(وَ) الثانية: أن يختلفا في (قَدْرِهِ) أي: قدر المغصوب، كما لو قال المالك: غصبتني خمس شياه، فقال الغاصب: بل أربع، فالقول قول الغاصب؛ لما تقدم.
(وَ) الثالثة: أن يختلفا في (صِفَتِهِ) أي: صفة المغصوب، كما لو قال المالك: غصبتني عبدًا كاتِبًا، وقال الغاصب: لم يكن كاتبًا؛ فالقول (قَوْلُهُ) أي: قول الغاصب؛ لما تقدم.
(وَ) الرابعة: أن يختلفا (فِي رَدِّهِ) أي: المغصوب، بأن يقول الغاصب: رددته، وينكر المالك: فالقول قول المالك؛ لأنَّ الأصل عدم الردِّ.
(وَ) الخامسة: أن يختلفا في وجود (عَيْبٍ فِيهِ) أي: في المغصوب، كما لو قال الغاصب: كان في الثوب خرق، وقال المالك: لم يكن فيه خرق، فالقول (قَوْلُ رَبِّهِ)؛ أي: المالك؛ لأن الأصل عدم العيب.
стр. 1013
- مسألة: (وَمَنْ بِيَدِهِ غَصْبٌ، أَوْ غَيْرُهُ)؛ كلُقَطة، ووديعة، وغيرها من الأمانات، (وَجَهِلَ) الغاصب ونحوه (رَبَّهُ) أي: رب المغصوب، وهو المالك؛ (فَلَهُ) أي: للغاصب طريقان:
١ - أن يسلمه للحاكم ويبرأ من عهدته؛ لأن قبض الحاكم لها قائم مقام قبض أربابها لها؛ لقيامه مقامهم.
٢ - (الصَّدَقَةُ بِهِ) أي: بالمغصوب ونحوه، (عَنْهُ) أي: عن مالكه، (بِنِيَّةِ الضَّمَانِ) لمالكها إن جاء ربه؛ لأن الصدقة بدون الضمان إضاعة لمال المالك لا على وجه بدل، وهو غير جائز.
فإذا تصدَّق به عنه كان ثوابه لمالكه، (وَيَسْقُطُ) عن الغاصب (إِثْمُ غَصْبٍ)؛ لأنه معذور عن الرد للمالك؛ لجهله به.
فإن حضر المالك؛ خُيِّر بين الأجر وبين الأخذ للبدل من المتصدق، فإن اختار الأجر فذاك، وإن اختار الأخذ من المتصدق؛ فله ذلك والأجر للمتصدق عما تصدق به.
- مسألة: (وَمَنْ أَتْلَفَ) من مكلف، أو غيره إن لم يدفعه له ربه، (وَلَوْ سَهْواً) أو خطأ أو جهلًا؛ لأن الإتلاف يستوي فيه العمد والخطأ، مالًا (مُحْتَرَماً)، بدون إذن ربه؛ (ضَمِنَهُ)؛ لأنه فوَّته على مالكه، وخرج من ذلك:
стр. 1014
١ - المختصات؛ كما لو أتلف كلب صيد أو خمر ذمي: فلا يضمنها، وتقدم.
٢ - الأموال غير المحترمة؛ كالصائل ومال الحربي وغير ذلك: فلا يضمنها؛ لعدم احترامه.
- مسألة: (وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً) أو وقفها (بِطَرِيقٍ) فأتلفت شيئًا أو عثر بها إنسان، فلا يخلو من حالين:
١ - أن يربطها بطريق (ضَيِّقٍ: ضَمِنَ) الرابط ونحوه (مَا أَتْلَفَتْهُ) الدابة (مُطْلَقاً) أي: سواء كانت له أو لغيره، له يد عليها أو لا، وسواء جنت بمقدمها أو مؤخرها أو فمها؛ لحديث النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَوْقَفَ دَابَّةً فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ المُسْلِمِينَ أَوْ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ فَأَوْطَأَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَهُوَ ضَامِنٌ» [الدارقطني: ٣٣٨٥، وضعفه ابن القطان]، ولأن طبع الدابة الجناية بفمها أو رجلها فَوَقْفُها في الطريق كوضع الحجر.
٢ - أن يربطها بطريق واسع: فمفهوم كلام الماتن: لا ضمان عليه، وهي رواية في المذهب؛ لأنه غير متعدٍّ بوقفها في الطريق الواسع، فلم يضمن, كما لو وقفها في موات.
والمنصوص عليه: عليه الضمان، وهو الذي مشى عليه في الإقناع والمنتهى؛ لما تقدم من الحديث والتعليل.
стр. 1015
وذكر ابن عثيمين أن ضابط المسألة: (إذا أوقف الدابة أو ربطها في مكان يعتبر متعديًا فيه، فعليه الضمان).
- مسألة: (وَ) جناية البهائم على قسمين:
القسم الأول: (إِنْ كَانَتِ) الدابة (بِيَدِ رَاكِبٍ، أَوْ) بيد (قَائِدٍ، أَوْ) بيد (سَائِقٍ) قادر على التصرف فيها، فوقعت جناية من الدابة؛ (ضَمِنَ جِنَايَةَ مُقَدَّمِهَا) كفمها ويدها، (وَوَطْئِهَا بِرِجْلِهَا)، ولا يضمن ما جنت بمؤخرها، كما لو رفست برجلها أو ضربت بذنبها؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الرِّجْلُ جُبَارٌ» [أبو داود: ٤٥٩٢، وضعفه الشافعي]، ولأنه لا يمكنه حفظ رجلها عن الجناية، فلم يضمنها، كما لو لم تكن يده عليها.
وهذا ما لم يكبحها باللجام زيادة على العادة، أو يضرب وجهها فيضمن؛ لأنه السبب في جنايتها.
القسم الثاني: إن لم تكن الدابة بيد أحد: فجنايتها هَدَر؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العَجْمَاءُ جُبَارٌ» [البخاري: ١٤٩٩، ومسلم: ١٧١٠].
ويستثنى من ذلك: البهيمة الضارية والجوارح وشبهها، فمن أطلق كلبًا عقورًا أو دابة رفوسًا أو عضوضًا على الناس في طرقهم ورحابهم، فأتلف مالًا أو نفسًا، ضمن؛ لتفريطه.
стр. 1016
واختار ابن عثيمين: أن جناية البهائم كلها هَدَر إلا إذا تعدى صاحبها أو فرط؛ لحديث أبي هريرة السابق.
(فَصْلٌ) في الشُّفْعَة
الشفعة: بإسكان الفاء، من الشفع، وهو الزوج؛ لأن الشفيع بالشفعة يضم المبيع إلى ملكه الذي كان منفرداً.
وفي الاصطلاح: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه، بعوض مالي، بثمنه الذي استقر عليه العقد.
وهي ثابتة بالسنة؛ لحديث جابر ﵁: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» [البخاري: ٢٢٥٧]، وحكى ابن المنذر الإجماع عليها.
- مسألة: (وَتَثْبُتُ الشَّفْعَةُ) للشريك في الشِّقْص بخمسة شروط:
الشرط الأول: المطالبة بالشفعة (فَوْراً) (١)، ساعة يعلم بالبيع، إن لم يكن
стр. 1017
له عذر يمنعه من الطلب، فإن لم يطالب بها بلا عذر بطلت؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ» [ابن ماجه ٢٥٠٠، وأنكره أبو زرعة]، ولأن ثبوتها على التراخي ربما أضر بالمشتري؛ لعدم استقرار ملكه.
وتسقط الفورية في حالتين:
١ - إن لم يعلم بالبيع؛ فهو على شفعته ولو مضى سنون.
٢ - إذا أخر المطالبة بها لعذرٍ؛ بأن علم ليلًا فأخره إلى الصباح، أو لحاجة أكل أو شرب أو طهارة، أو ليأتي بالصلاة وسننها.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أن المطالبة بالشفعة على التراخي، لا تسقط إلا بما يدل على الرضا؛ لإطلاق حديث جابر السابق؛ ولأن هذا خيار لا ضرر في تراخيه، فلم يسقط بالتأخير كالقصاص.
- مسألة: تثبت الشفعة (لِمُسْلِمٍ) على مسلم وعلى كافر، ؛ لعموم الأدلة، ولأنها إذا ثبتت على المسلم مع عظم حرمته، فلأن تثبت على الكافر مع دناءته أولى.
وتثبت لكافر على كافر؛ لاستوائهما كالمسلمَيْن.
ولا شفعة لكافر حين البيع على مسلم، ولو أسلم بعد البيع، وهو من المفردات؛ لحديث أنس ﵁ مرفوعاً: «لَا شُفْعَةَ لِنَصْرَانِيٍّ» [المعجم الصغير للطبراني ٥٦٩، قال أبوحاتم: باطل]، وعن حميد الطويل: عن الحسن أو أنس:
стр. 1018
«لَيْسَ لِلْكَافِرِ شُفْعَةٌ» [مصنف عبدالرزاق ١٤٤١١]، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
وقيل وفاقاً للثلاثة: تثبت الشفعة للكافر على المسلم؛ لعموم الأدلة، ولأن أهل الذمة لهم حق في التملك، والشفعة بمنزلة الشراء.
وقال ابن عثيمين: (ولو قلنا برجوع هذا إلى نظر الحاكم أي القاضي لكان هذا جيداً، ويظهر هذا بالقرائن، فإذا عرفنا أن الكافر سوف يفتخر بأخذ الشفعة من المسلم ويرى أنه علا عليه فحينئذ لا نمكنه، أما إذا علمنا أن الكافر مهادن وأنه لم يأخذ بالشفعة إلا لأنه مضطر إليها لمصلحة ملكه، فإننا نمكنه منها).
- مسألة: تثبت الشفعة لـ (تَامِّ المِلْكِ)، فلا تثبت لمن ملكه غير تام؛ كشركة وقف - دار نصفها وقف ونصفها طلق-، فلو بِيع الطلق، فلا شفعة للموقوف عليه ولو معينًا؛ لأن ملكه غير تام، أشبه مالك المنفعة.
الشرط الثاني: أن تكون الشفعة (فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ المُنْتَقِلَةِ) عنه (لِغَيْرِهِ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ)؛ كالبيع، والصلح والهبة بمعناه؛ لأن الشفيع يأخذه بمثل الثمن الذي انتقل به إلى المشتري، ولا يمكن هذا في غير المبيع، وألحق بالبيع المذكورات بعده؛ لأنها بيع في الحقيقة لكن بألفاظ أخر.
فإن انتقل نصيب الشريك:
стр. 1019
١ - بالإرث: فلا شفعة فيه اتفاقًا؛ لأن ذلك ليس في معنى البيع، والأخذ يقتضي دفع العوض، ولم يقصد به المعاوضة.
٢ - بغير عوض: كالهبة بغير ثواب، والوصية؛ فلا شفعة؛ لأنه مملوك بغير مال أشبه الإرث.
واختار ابن عثيمين: تثبت فيه الشفعة؛ لأن الحكمة من الشفعة موجودة في الهبة، وهي إزالة الضرر، ويأخذها الشريك بقيمته في السوق.
٣ - بعوض غير مالي؛ بأن جعل صداقًا، أو خلعًا، أو صلحًا عن دم عمد؛ فلا شفعة؛ لأن الخبر ورد في البيع، وهذه ليست في معناه.
وفي وجه، واختاره ابن عثيمين: تثبت فيه الشفعة؛ لأن التملك تم بعقد معاوضة، فثبت فيه الشفعة قياسًا على البيع، مع لحوق الضرر في الكل، وعلى هذا فيأخذ الشِّقْصَ بقيمته.
- فرع: يأخذ الشفيع نصيب البائع (بِمَا) أي: بثمنه الذي (اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ العَقْدُ) وقت لزومه، قدرًا وجنسًا وصفةً؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «أَيُّمَا قَوْمٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ رِبَاعَةٌ، أَوْ دَارٌ، فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ، فَلْيَعْرِضْهُ عَلَى شُرَكَائِهِ، فَإِنْ أَخَذُوهُ فَهُمْ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ» [أحمد ١٤٣٢٦]؛ ولأن الشفيع إنما يستحق الشِّقْص بالبيع، فكان مستحِقًّا له بالثمن كالمشتري.
стр. 1020
(وَ) الـ (شَّرْطُ) الثالث: (تَقَدُّمُ مِلْكِ شَفِيعٍ) للرقبة؛ بأن يملكها قبل البيع؛ لأن الشفعة ثبتت لدفع الضرر عن الشريك، فإذا لم يكن له ملك سابق فلا ضرر عليه، فلا شفعة.
وعليه فلا شفعة في أمور، منها:
١ - إذا كان شريكاً في المنفعة لا في الرقبة؛ كدار موصًى بنفعها، فباع الورثة نصفها، فلا شفعة في الرقبة للموصى له؛ لأن المنفعة لا تؤخذ بالشفعة، فلا تجب الشفعة لمالك المنفعة.
٢ - إذا لم يسبق ملك أحدهما الآخر؛ كشراء اثنين دارًا صفقة واحدة؛ فلا شفعة لأحدهما على صاحبه؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر؛ لاستوائهما في البيع في زمن واحد، ولعدم الضرر.
(وَ) الشرط الرابع: (كَوْنُ شِقْصٍ) مبيع (مُشَاعاً) أي: غير مفرز (مِنْ أَرْضٍ تَجِبُ قِسْمَتُهَا) إجبارًا -وهي ما لا ضرر في قسمته ولا رد عوض-؛ لحديث جابر ﵁ السابق: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ، فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى، فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ» [مسلم ١٦٠٨].
فلا شفعة في أمور، وهي:
١ - المنقول؛ كسيف وشجر وجوهر ونحوه؛ لأن حديث جابر السابق