← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

أنفق؛ لوجوبه عليه؛ لأن النفقة فرض كفاية. واختار ابن عثيمين: إن نوى الرجوع رجع، وإن لم ينوِ الرجوع فقد قام بواجب عليه، ولا يرجع به على أحد. - مسألة: (وَهُوَ) أي: اللقيط لا يخلو من حالتين: الأولى: أن يوجد في بلاد الإسلام: فلا يخلو من أمرين: ١ - أن يكون فيه مسلم، ولو واحداً: فهو (مُسْلِمٌ) إن أمكن كونه منه؛ لظاهر الدار، وتغليب الإسلام، فإنه يعلو ولا يعلى عليه. ٢ - أن يكون كل أهله أهل ذمة: فهو كافر؛ لأنه لا مسلم بها يحتمل كونه منه، وتغليب الإسلام إنما يكون مع الاحتمال الثانية: أن يوجد في بلد الكفر: فلا يخلو من أمرين: ١ - (إِنْ وُجِدَ فِي بَلَدٍ يَكْثُرُ فِيهِ المُسْلِمُونَ): فهو مسلم، ولو كانت دار حرب؛ للتعليل السابق. ٢ - إن وجد في بلد لا مسلم فيه، أو فيه قليل من المسلمين؛ كتاجر وأسير، فهو كافر؛ تغليباً لحكم الأكثر؛ لأن الدار لهم. وفي وجه واختاره ابن عثيمين: أنه مسلم مطلقاً، ولو وجد في دار كفر لا مسلم فيه؛ لأن نسبه مجهول، فإذا لم يكن له أب ينسب إليه قرابةً، فإنه

стр. 1052

ليس له أب ينسب إليه دِيناً من بابِ أولى، فانقطعت التبعية، وإذا انقطعت التبعية رجعنا إلى الأصل، وهو أن كل مولود يولد على الفطرة. - مسألة: (وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ) أي: بأن اللقيط ولده، ولو كان المُقِرُّ كافراً، أو رقيقاً، أو أنثى، حيًّا كان اللقيط أو ميتًا؛ لحقه بشرطين: ١ - أن يكون المقر مـ (مَّنْ يُمْكِنُ كَوْنُهُ) أي: اللقيط (مِنْهُ)، فإن ادعاه من لا يمكن كونه منه كابن تسع، لم يلحقه؛ لأنه يستحيل عادة. ٢ - أن ينفرد بدعواه، فإن ادعاه اثنان فأكثر؛ قُدِّم من له بينة، فإن تساووا في البينة، أو تساووا في عدمها؛ عُرِضَ على القافة، فمن ألحقته به لحقه؛ لما روى عروة بن الزبير: «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا وَلَدًا، فَدَعَا عُمَرُ الْقَافَةَ، وَاقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِبَصَرِ الْقَافَةِ وَأَلْحَقَهُ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ» [عبدالرزاق ١٣٤٧٥]، ونحوه عن أنس وأبي موسى ﵃ [البيهقي ١٠/ ٤٤٧]. فإن اجتمع الشرطان: (أُلْحِقَ) اللقيط (بِهِ)؛ لأنه استلحاق لمجهول النسب ادعاه من يمكن أنه منه من غير ضرر فيه ولا دافع عنه، ولا ظاهر يرده، فوجب الإلحاق؛ ولأنه محض مصلحة للطفل؛ لوجوب نفقته، وكسوته، واتصال نسبه، فكما لو أقر له بمال. - فرع: يتبع اللقيطُ الكافرَ المدَّعِيَ أنه ولده في النسب؛ لما تقدم، ولا يتبعه في دينه؛ لأن اللقيط محكوم بإسلامه بظاهر الدار، فلا يقبل قول الكافر في كفره بغير بينة.

стр. 1053

إلا أن يقيم بينة تشهد أنه ولد على فراشه، فيتبعه في دينه، بشرط استمرار أبويه على الحياة والكفرِ إلى بلوغه عاقلًا، فإن مات أحدهما، أو أسلم قبل بلوغه؛ حُكِمَ بإسلامه. - فرع: لا يتبع اللقيطُ الرقيقَ في رقه إذا استلحقه إلا ببينة تشهد أنه ولد على فراشه؛ لأنه خلاف الأصل، وإضرار بالطفل. ولا يلحقُ اللقيطُ بزوج المرأة المُقِرَّة به بدون تصديق الزوج؛ لأن إقرارها لا ينفذ على غيرها، فلا يلحقه بذلك نسب لم يقر به، إلا إذا أقامت بينة أنه ولدته على فراش زوجها. (والله أعلم). (فَصْلٌ) في الوقف يُقال: وَقَفَ الشيء، وحَبَسَه، وأَحْبَسَه، وسبَّلَه بمعنًى واحد. وشرعًا: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. - مسألة: (وَالوَقْفُ سُنَّةٌ)؛ وهو من القُرَب المندوب إليها، قال تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧]، ولحديث ابن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبيَّ ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني

стр. 1054

أصبت أرضًا بخيبر لم أُصِبْ مالًا قط أنفسَ عندي منه، فما تأمر به؟ قال: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، قال: فتصدق بها عمر، أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على مَنْ ولِيَها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول [البخاري: ٢٧٣٧، ومسلم: ١٦٣٢]، وفي رواية: «احْبِسْ أَصْلَهَا، وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا» [أحمد: ٥٩٤٧، والنسائي: ٣٦٠٣، وابن ماجه: ٢٣٩٧]، وسئل الإمام أحمد عن الوقوف فقال: جائز، لم يزل المسلمون يفعلونه، ثم ذكر عمرَ وعثمان وعليًّا وطلحة والزبير ﵃ [الوقوف والترجل ص ٢٠]. - مسألة: (وَيَصِحُّ) الوقف بأحد أمرين، واختاره شيخ الإسلام: الأول: (بِقَوْلٍ)، ويأتي صريح القول وكنايته. (وَ) الثاني: بـ (ـفِعْلٍ) مع شيء (دَالٍّ عَلَيْهِ) أي: على الوقف، (عُرْفاً)؛ لاشتراكهما في الدلالة عليه، (كَمَنْ بَنَى أَرْضَهُ مَسْجِداً، أَوْ) جعل أرضه (مَقْبَرَةً وَأَذِنَ لِلنَّاسِ) إذنًا عامًّا (أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ) أي: في ذلك المسجد، (وَ) أن (يَدْفِنُوا فِيهَا) أي: في المقبرة؛ لأن الإذن الخاص قد يقع على غير الموقوف، فلا يفيد دلالة الوقف.

стр. 1055

- فرع: (وَ) القول الذي يصح به الوقف على قسمين: الأول: (صَرِيحُهُ) أي: القول: ثلاثة ألفاظ، وهي: (وَقَفْتُ، وَحبَّسْتُ، وَسَبَّلْتُ)؛ فمن أتى بصيغة منه صار وقفًا من غير انضمام أمر زائد؛ لأن هذه الألفاظ ثبت لها حكم الاستعمال بين الناس، يفهم الوقف منها عند الإطلاق، وانضم إلى ذلك الشرع كما تقدم في حديث ابن عمر، فصارت هذه الألفاظ في الوقف كلفظ الطلاق في التطليق. (وَ) الثاني: (كِنَايَتُهُ) أي: الوقف، ثلاثة أيضًا، وهي: (تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأَبَّدْتُ)؛ لأنَّه لم يثبت لها فيه عرف لغوي ولا شرعي، ولعدم خلوص كل لفظ منها عن الاشتراك، فإن الصدقة تستعمل في الزكاة، وهي ظاهرة في صدقة التطوع، والتحريم صريح في الظهار، والتأبيد يستعمل في كل ما يراد تأبيده من وقف وغيره. واختار ابن عثيمين: أن جميع صيغ العقود القولية يرجع فيها إلى العرف، فقد يكون هذا اللفظ صريحًا عند قوم وكناية عند آخرين، وقد لا يدل على المعنى إطلاقًا عند غيرهم، فيرجع إلى عرف الناس في ذلك. - فرع: يشترط لصحة الوقف مع ألفاظ الكناية أحد أربعة أمور: ١ - نية الوقف؛ لأن الكناية تحتمل الوقف وغيره، فلابد من النية التي تعين أحد الاحتمالين، فإن قال: ما أردت الوقف، فالقول قوله؛ لأنه أعلم بما في ضميره.

стр. 1056

٢ - اقتران الكناية بأحد الألفاظ الخمسة الباقية من الصَّريح والكناية، كتصدَّقت بكذا صدقةً موقوفةً، أو محبَّسةً، أو مسبَّلةً، أو محرَّمةً، أو مؤبَّدةً؛ لأنَّ اللفظ يترجَّح بذلك لإرادة الوقف. ٣ - اقتران الكناية بصفات الوقف، كقوله: تصدَّقت بكذا صدقةً لا تُباع ولا تُورَث؛ لأن ذلك لا يستعمل في غير الوقف فانتفت الشركة. ٤ - اقتران الكناية بحكم الوقف؛ كقوله: تصدقت بأرضي على فلان والنظر لفلان، أو: عليه وعلى أولاده من بعده؛ لما تقدم. - مسألة: (وَشُرُوطُهُ) أي: الوقف (خَمْسَةُ) شروط: الشرط الأول: (كَوْنُهُ) أي: الوقف (فِي عَيْنٍ مَعْلُومَةٍ، يَصِحُّ بَيْعُهَا، غَيْرَ مُصْحَفٍ، وَيُنْتَفَعُ بِهَا، مَعَ بَقَائِهَا)، وهذا هو ضابط ما يصح وقفه، فيصح في عقار وحيوان وأثاث وسلاح وغيرها. - فخرج بقوله: (عَيْنٍ)، ثلاثة أمور: ١ - المنفعة؛ كمنفعة العبد الموصى بخدمته، ومنفعة العين المستأجرة، فلا يصح وقفها؛ لأن الأصل في الوقف الدوام. واختار شيخ الإسلام: صحة وقف المنفعة؛ لعدم الدليل على المنع، قال ﵀: (لا فرق بين وقف هذا ووقف البناء والغراس).

стр. 1057

٢ - ما في الذمة؛ كدار وسلاح غير معينين: فلا يصح وقفه؛ لأن الوقف نقل ملك على وجه القربة، فلم يصح في غير معين كالهبة. ٣ - المبهم؛ كأحد هاتين الدارين: فلا يصح وقفه؛ لما تقدم. واختار شيخ الإسلام: صحة وقف ما في الذمة والمبهم؛ لأنه عقد تبرع، والتبرع يتسامح فيه ما لا يتسامح في غيره. قال ﵀: (ووقف المبهم مفرع على هبته وبيعه، وليس عن أحمد في هذا منع). وقال في الإنصاف: (فعلى الصحة: يخرج المبهم بالقرعة). - وخرج بقوله: (مَعْلُومَةٍ): العين المجهولة، كوقفِ دارٍ لم يرها؛ للتعليل السابق. واختار ابن عثيمين: صحة وقفه؛ لأنه عقد تبرع، فكما يصح أن يتصدق بدراهم لا يعرف عددها فكذا الوقف، وقال شيخ الإسلام: (فمنع هذا -أي: وقف المجهول- بعيد). - وخرج بقوله: (يَصِحُّ بَيْعُهَا): ما لا يصح بيعه؛ كالحر، والكلب، والحمل المنفرد، ونحوها، فلا يصح وقفه؛ لأن الوقف نقل للملك فيها، فلم يجز؛ كالبيع. واختار شيخ الإسلام: يصح وقف كل عين تجوز عاريَّتُها، فيصح وقف

стр. 1058

الكلب المعلَّم، والجوارح المعلمة، وما لا يقدر على تسليمه. - فرع: كل عين لا يصح بيعها لا يصح وقفها، ويستثنى من ذلك: أ) المصحف: فيصح وقفه وإن لم يصح بيعه - على الخلاف المتقدم -؛ لأن المنع من بيعه إنما هو لما فيه من الابتذال، وهذا غير حاصل في الوقف، وليس منع بيعه لعدم ماليته أو لأن نقل الملك فيه لا يجوز. ب) الماء، فيصح وقفه وإن لم يصح بيعه قبل حيازته؛ لما روى عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ»، فَحَفَرْتُهَا. [البخاري: ٢٧٧٨]. - وخرج بقوله: (وَيُنْتَفَعُ بِهَا): ما لا منفعة فيه، كحمار هَرِمٍ؛ لعدم وجود معنى الوقف. - وخرج بقوله: (مَعَ بَقَائِهَا): ما لا يُنتفع به مع بقائه دائمًا؛ كالأثمان، والطعام ونحوه، فلا يصح وقفه؛ لأن الوقف يراد للدوام ليكون صدقة جارية، ولا يوجد ذلك فيما لا تبقى عينه. واختار شيخ الإسلام وابن عثيمين: صحة وقف ما لا ينتفع به إلا بتلفه؛ لعدم المانع، والمقصود إسداء الخير للغير. قال شيخ الإسلام: (ولو وقف الدراهم على المحتاجين، لم يكن جواز هذا بعيدًا)، وقال: (لو تصدق بدهن على مسجد ليوقد فيه، جاز، وهو من

стр. 1059

باب الوقف، وتسميته وقفًا، بمعنى أنه وقف على تلك الجهة، لا ينتفع به في غيرها، لا تأباه اللغة، وهو جار في الشرع). - فرع: ضابط ما يصح وقفه عند شيخ الإسلام: (كل عين تجوز عاريَّتُها)، ولهذا نص على صحة وقف المجهول، والمبهم، وما لا يقدر على تسليمه، والكلب المعلَّم والجوارح المعلمة، وغير ذلك كما تقدم. (وَ) الشرط الثاني: (كَوْنُهُ) أي: الوقف (عَلَى بِرٍّ) إذا كان على جهة عامة، واختاره شيخ الإسلام؛ كالمساكينِ والأقارب والمساجد والمدارس ونحوها؛ لأنه شُرع لتحصيل الثواب، فإذا لم يكن على بر لم يحصل المقصود الذي شُرع من أجله. فعلى هذا: - لا يصح الوقف على طائفة الأغنياء، أو الفساق، أو على أهل الذمة ونحو ذلك. - ولا يصح على مباح؛ كتعليم شعر مباح. - ولا يصح على مكروه؛ كتعليم منطق؛ لانتفاء القربة. - ولا يصح على معصية؛ كبناء كنائس، وطباعة كتب المبتدعة؛ لما فيه من المعونة عليها.

стр. 1060

(وَ) أما إذا كان الوقف على معين فلا يشترط أن يكون على برٍّ، فـ (ـيَصِحُّ) أن يكون (مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى) مسلم أو (ذِمِّيٍّ) أو فاسق أو غني معين؛ لأنه في موضع القربة، ولهذا جازت الصدقة عليه، (وَ) يصح (عَكْسُهُ) أي: من ذميٍّ على مسلم معين، أو طائفة كالفقراء. - فرع: لا يصح الوقف على حربي ولا على مرتد؛ لأن الواجب إتلافهما والتضييق عليهما، والوقف يجب أن يكون لازمًا. (وَ) الشرط الثالث: (كَوْنُهُ) أي: الوقف إذا كان (فِي غَيْرِ) الوقف على (مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) من الجهات العامة، كالفقراء والمجاهدين وطلبة العلم والمدارس ونحو ذلك، أن يكون (عَلَى مُعَيَّنٍ) سواء كان على جهة كمسجدِ كذا، أو شخصٍ كزيد، (يَمْلِكُ) ملكًا مستقرًّا؛ لأن الوقف يقتضي تحبيس الأصل تحبيسًا لا تجوز إزالته، ومن ملكه غير ثابت تجوز إزالته، والوقف على المساجد ونحوها وقف على المسلمين، إلا أنه عُيِّن في نفع خاص لهم. وعلى هذا: - لا يصح الوقف على مجهول؛ كرجل ومسجد غير معينين. - ولا على مبهم؛ كأحد هذين.

стр. 1061

- ولا على من لا يملك؛ كقنٍّ ومَلَكٍ وحيوان معين. - ولا على معدوم أصالة؛ كوقفه على من سيولد لفلان؛ لأنه لا يصح تمليك المعدوم، ويصح الوقف على المعدوم تبعًا؛ كوقفه على أولاده حتى يولد منهم. (وَ) الشرط الرابع: (كَوْنُ وَاقِفٍ نَافِذَ التَّصَرُّفِ) وهو المكلف الرشيد، أو من يقوم مقامه، فلا يصح من صغير أو سفيه؛ كسائر تصرفاته المالية. (وَ) الشرط الخامس: أن يكون (وَقْفُهُ نَاجِزاً)، وخرج بذلك: ١ - التأقيت: فلا يصح الوقف مؤقتًا، كما لو قال: وقفته سنة؛ لأن الوقف مقتضاه التأبيد، والتأقيت ينافيه. ٢ - التعليق: فلا يصح الوقف معلقًا؛ لأنه نقل للملك فيما لم يبن على التغليب والسراية، فلم يجز تعليقه بشرط في الحياة كالهبة. إلا تعليقه بالموت، كما لو قال: هو وقف بعد موتي؛ لما جاء في وصية عمر ﵁: «هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللهِ عُمَرُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ إِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ» ثم ذكر الوقف [أبو داود: ٢٨٧٩]، ولأنه تبرع مشروط بالموت، فصح كالهبة. ٣ - لو اشترط أنه يرجع في الوقف متى شاء؛ فلا يصح؛ لأنه ينافي مقتضى الوقف. واختار شيخ الإسلام: صحة التأقيت والتعليق واشتراط الرجوع متى

стр. 1062

شاء؛ لأن الأصل في الشروط الحل والصحة، والمسلمون على شروطهم، ولأثر عمر السابق، إذ لا فرق بين الموت وغيره من التعاليق. - مسألة: (وَيَجِبُ العَمَلُ بِشَرْطِ وَاقِفٍ)؛ كاشتراط جمعٍ أو تقديمٍ، أو اعتبار وصف أو إلغائه، ونحو ذلك؛ لأن عمر وقف وقفًا، وشرط فيه شروطًا [البخاري: ٢٧٦٤، ومسلم: ١٦٣٢]، ولو لم يجب اتباع شرطه لم يكن في اشتراطه فائدة، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» [أبو داود: ٣٥٩٤]، ولأن الوقف متلقًّى من جهته، فاتبع شرطه. - فرع: لا يخلو شرط الواقف من أمرين: الأول: (إِنْ وَافَقَ) الشرط (الشَّرْعَ)، ولا يخلو من قسمين: ١ - أن يظهر فيه قصد القُربة؛ كما لو أوقف على بني فلان، يقدم منهم طالب العلم: فيجب العمل به؛ لما تقدم. ٢ - أن يكون مباحًا لا يظهر فيه قصد القربة؛ كما لو أوقف على بني فلان، يقدم منهم العُزَّاب: فيجب العمل به أيضًا؛ لأن الوقف من باب العطايا والهبات، والهبة تصح بغير قصد القربة. واختار شيخ الإسلام: أن الشرط الذي لا يظهر فيه قصد القربة لا يُعمل به ولو كان مباحًا، قال ﵀ فيمن أوقف بيتًا على العُزَّاب: (هذا شرط باطل؛ والمتأهل أحق بمثل هذا من المتعزب إذا استويا في سائر الصفات؛ إذ ليس في التعزب هنا مقصود شرعي)؛ لأن الشرط إذا لم يكن قربة لم يكن الواقف

стр. 1063

مثابًا على بذل المال فيه. (١) الثاني: وإن خالف مقصود الشرع، وهو اشتراط أمر محرم: فلا يصح باتفاق المسلمين، ولا يلتفت إلى اشتراطه؛ لحديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» [البخاري: ٢١٦٨، ومسلم: ١٥٠٤]. - فرع: قال شيخ الإسلام: (إذا تخاطبوا -أي: الناس- بينهم في البيع والإجارة أو الوقف أو الوصية أو النذر أو غير ذلك بكلامٍ رُجع إلى معرفة مرادهم، وإلى ما يدل على مرادهم من عادتهم في الخطاب، وما يقترن بذلك من الأسباب). - فرع: (وَمَعَ إِطْلَاقِ) الواقف في الموقوف عليه، بحيث لم يشترط وصفًا معينًا؛ فإنه (يَسْتَوِي) في الوقف (غَنِيٌّ وَفَقِيرٌ، وَذَكَرٌ وَأُنْثَى)؛ لعدم ما يقتضي التخصيص.

стр. 1064

- فرع: (وَالنَّظَرُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ) أي: إذا لم يشترط الواقف النظرَ لأحدٍ، أو شرط لإنسانٍ ومات، لا يخلو من أمرين: ١ - يكون النظر (لِمَوْقُوفٍ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مَحْصُوراً)، أو آدميًا معينًا كزيد؛ لأنَّه ملكه وغلَّته له، فإن كان واحدًا استقلَّ به مطلقًا، وإن كانوا جماعةً فهو بينهم على قدر حِصَصهم، فإن كان صغيرًا أو مجنونًا أو سفيهًا؛ قام وليه مقامه فيه. ٢ - (وَإِلَّا) يكُنِ الموقوف عليه محصورًا؛ كالوقف على الفقراء والمساكين: (فَـ) إن النظر يكون (لِحَاكِمٍ) أو من يستنيبه الحاكم؛ لأنه ليس له مالك معين، (كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كالمدارس والمساكين ونحو ذلك. - مسألة: (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ) أو أولاده، (أَوْ وَلَدِ غَيْرِهِ؛ فَهُوَ لِذَكَرٍ وَأُنْثَى) وخنثى؛ لأن اللفظ يشملهم، (بِالسَّوِيَّةِ) فلا يفضل أحد على أحد، قال في الشرح: (ولا نعلم في هذا خلافًا)؛ لأنَّه شرَّك بينهم، وإطلاقها يقتضي التسوية. (ثُمَّ) بعد أولاده يكون الوقف (لِوَلَدِ بَنِيهِ) وإن سَفَلوا؛ لأنهم من ولده؛

стр. 1065

لقوله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١]، فدخل فيه ولد البنين وإن سَفَلوا، وكذلك كل موضع ذكر الله فيه الولد دخل فيه ولد البنين. ولا يدخل ولد البنات في ذلك إلا بنصٍّ أو قرينةٍ؛ لعدم دخولهم في قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ) [النساء: ١١]، وكذا كل ولد ذكر في القرآن في الإرث أو الحجب لا مدخل لهم فيه؛ ولأن أولاد البنات ينتسبون إلى آبائهم. - فرع: يستحق أولاد البنين الوقف مرتبًا بعد آبائهم، كما لو قال: وقفته على أولادي بطنًا بعد بطن، فلا يستحق البطن الثاني شيئًا قبل انقراض البطن الأول؛ لأن الأصل الترتيب، وللقاعدة: من استحق بوصف، فإنه يقدم من كان أقوى في هذا الوصف، ومعلوم أن الولادة بالنسبة للأولاد أقوى وصفاً في الأولاد من أولاد البنين. وفي وجه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يستحق كل ولد نصيب والده بعد فقده، فهو من ترتيب الأفراد بين كل شخص وأبيه؛ لأن هذا أقرب إلى مقصود الواقف، إذ الغالب أن الجد لا يقصد حرمان أولاد ابنه مع وجود أعمامهم. قال ابن رجب عن هذا القول: (منصوص الإمام أحمد ﵀. - مسألة: (وَ) إن وقف (عَلَى بَنِيهِ أَوْ بَنِي فُلَانٍ) فلا يخلو من حالين: الأولى: ألا يكونوا قبيلة: (فَلِذُكُورٍ فَقَطْ) دون الإناث، قال في الشرح:

стр. 1066

(لا نعلم فيه خلافًا)؛ لأنَّ لفظ (البنين) وُضِع لذلك حقيقةً، قال تعالى: (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) [الطور: ٣٩]. (وَ) الثانية: (إِنْ كَانُوا قَبِيلَةً)؛ كبني هاشم وبني تميم: (دَخَلَ النِّسَاءُ) مع الرجال؛ لأنَّ اسم القبيلة يشمَل ذكرها وأُنثاها، (دُونَ أَوْلَادِهِنَّ) أي: نساء تلك القبيلة (مِنْ غَيْرِهِمْ)؛ لأنَّهم لا ينتسبون إلى القبيلة الموقوف عليها. - مسألة: (وَ) إن وقف (عَلَى قَرَابَتِهِ)، أو قرابة زيد، (أَوْ أَهْلِ بَيْتِهِ، أَوْ قَوْمِهِ)، أو آله؛ (دَخَلَ) في الوقف كلُّ (ذَكَرٍ وَأُنْثَى) وكبير وصغير، وقريب وبعيد، وغني وفقير على السواء؛ لشمول اللفظ لهم، (مِنْ أَوْلَادِهِ، وَأَوْلَادِ أَبِيهِ، وَ) أولاد (جَدِّهِ، وَ) أولاد (جَدِّ أَبِيهِ) فقط؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يجاوز بني هاشمٍ بسهم ذوي القُربى، ولم يُعط قرابة أُمِّه، وهم: بنو زهرة شيئاً. وعنه: إن كان يصل قرابته من قبل أمه في حياته صُرف إليهم، وإلا فلا؛ لأن صلته إياهم في حياتهم قرينة تدل على إرادتهم بصلته هذه. - فرع: متى وجدت قرينة تقتضي إرادة الإناث أو تقتضي حرمانهن عمل بها؛ لأن دلالتها كدلالة اللفظ. - فرع: (لَا) يدخل في الوقف على القرابة (مُخَالِفٌ) للواقف في (دِينِهِ)؛ لأن الظاهر من حال الواقف أنه لم يرد من يخالف دِينه، سواء كان

стр. 1067

كافرًا أو مسلمًا إلا بنص أو قرينة تدل على إرادتهم؛ كما لو كانوا كلهم مخالفين لدينه؛ فيدخلون لئلا يؤدي إلى رفع اللفظ بالكلية. - مسألة: (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ) من الناس فلا يخلو من حالين: الأولى: أن (يُمْكِنَ حَصْرُهُمْ) كأولاده، أو أولاد فلان، وليسوا قبيلة: (وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ) بالوقف (وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ)؛ لأنَّ اللَّفظ يقتضي ذلك، وقد أمكن الوفاء به، فوجب العمل بمقتضاه. والثانية: (وَإِلَّا) يمكنْ حصرهم، كبني هاشمٍ وتميمٍ: لم يجب تعميمهم والتسوية بينهم؛ لأنَّه غير ممكن، و (جَازَ التَّفْضيلُ) بينهم؛ لأنَّه إذا جاز حرمانه جاز تفضيل غيره عليه، (وَ) جاز (الاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ)؛ لأنَّ مقصود الواقف بِرُّ ذلك الجنس، وذلك يحصل بالدَّفع إلى واحدٍ منهم. (فَصْلٌ) في الهبة والعطية الهبة: من هبوب الريح، أي: مروره، يقال: وهبت له شيئا وهبًا- بإسكان الهاء، وفتحها - وهِبَةً، والاتهاب: قبول الهبة، والاستيهاب: سؤال الهبة.

стр. 1068

والهبة شرعًا: تمليك جائز التصرف مالًا معلومًا، أو مجهولًا تعذر علمه، موجودًا مقدورًا على تسليمه، غير واجب في الحياة، بلا عوض. والعطية هنا: الهبة في مرض الموت. - مسألة: الهبة، والصدقة، والهدية، والعطية: معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بلا عوض، وأحكام كل واحدة من هذه المذكورات تجري في البقية، فإن قصد بإعطائه ثواب الآخرة فقط فصدقة، وإن قصد بإعطائه إكرامًا، أو توددًا، أو مكافأة فهدية، وإن لم يقصد بإعطائه شيئًا مما ذكر فهبة، وعطية، ونحلة. - مسألة: (وَالهِبَةُ)، والصدقة، والهدية، والعطية؛ (مُسْتَحَبَّةٌ) إذا قصد بها وجه الله تعالى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» [البيهقي ١١٩٤٦]، وما ورد في فضل الصدقة أشهر من أن يذكر، ولما فيها من سل سخائم القلوب، وزرع الألفة والمحبة بين المتهادين. - مسألة: (وَيَصِحُّ هِبَةُ) ما يلي: ١ - (مُصْحَفٌ)، وإن لم يصح بيعه، قال الحارثي: (ولا أعلم فيه خلافًا). ٢ - (وَكُلُّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ) تصح هبته؛ لأنها تمليك في الحياة، فصحت فيما صح فيه البيع.

стр. 1069

فلا تصح هبة: أما لا يصح بيعه؛ كأم الولد. - فرع: يجوز نقل اليد في الكلب ونحوه من المختصات مما يباح الانتفاع بها، ولا تكون هبة حقيقة. وعند ابن قدامة: تصح هبة المختصات؛ لأنه تبرع فأشبه الوصية، وليس بين القولين خلاف في الحقيقة (١) ثانياً: مجهول لا يتعذر علمه؛ كالحمل في البطن، واللبن في الضرع، فلا تصح هبته؛ للجهالة وتعذر التسليم، فإن تعذر علم المجهول؛ كزيت اختلط بزيت أو شيرج؛ صحت هبة؛ كصلح عنه؛ لدعاء الحاجة إلى ذلك. ثالثا: ما لا يقدر على تسليمه؛ كآبق وطير في الهواء؛ فلا تصح هبته؛ لأن ذلك لا يتأهل للقبض، والقبض من ماهية العقد.

стр. 1070

رابعاً هبة المعدوم؛ كالذي تحمل أمته أو شجرته؛ لأن المعدوم ليس بشيء، فلا يقبل العقد. واختار شيخ الإسلام: جواز هبة المجهول، وهبة المعدوم، وقال في هبة غير المقدور على تسليمه: (اشتراطه هنا فيه نظر، بخلاف البيع)؛ لأن عقود التبرعات لا تضر الجهالة فيها؛ لأنه إما غانم أو سالم، بخلاف عقود المعاوضات فتضر الجهالة فيها؛ لأنه إما غارم أو غانم. وعلى هذا فيقال: (كل ما أبيح الانتفاع به صحت هبته). - مسألة: (وَتَنْعَقِدُ) الهبة (بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا عُرْفاً) من قول أو فعل؛ كأن يقول: وهبتك وأعطيتك، وكإرسال هدية، ودفع دراهم لفقير، ونحوه؛ لأنه ﷺ كان يُهدي ويهدى إليه، ويعطي ويعطى له، وأصحابه يفعلون ذلك، ولم ينقل عنهم في ذلك لفظ إيجاب ولا قبول، ولا أمر به ولا بتعليمه لأحد، ولو وقع لنقل نقلًا مشهورًا، واختاره شيخ الإسلام، وتقدم في أول كتاب البيع. - مسألة: (وَتَلْزمُ) الهبة (بِقَبْضِـ) ـها، ولا تلزم قبل ذلك؛ لحديث عائشة ﵂: أن أبا بكر ﵁ نحلها جداد عشرين وسْقًا من ماله بالعالية، فلما مرض قال: «وَاللهِ يَا بُنَيَّةُ، مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلَا أَعَزَّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ، وَأُخْتَاكِ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ»، وروي أيضًا نحوه عن عمر [عبدالرزاق ١٦٥٠٩،

стр. 1071

وصححه الحافظ]، وعثمان وابن عباس ﵃ [ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٠ - ٢٨١]، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة. - فرع: يستثنى مما سبق: ما كان في يد مُتَّهِبٍ؛ كوديعة، وعاريَّة، وغصب، ونحوه، فيلزم عقد الهبة فيه بمجرد عقد، ولا يحتاج إلى مضي مدة يتأتى قبضه فيها، ولا إلى إذن واهب في القبض؛ لأن قبضه مستدام، فأغنى عن الابتداء؛ كما لو باعه سلعة بيده. - فرع: تلزم الهبة بقبضها (بِإِذْنِ وَاهِبٍ)؛ لأنه قبض غير مستحَقٍّ عليه، فلم يصح إلا بإذنه؛ كأصل العقد والرهن. والإذن لا يتوقف على اللفظ، بل المناولة والتخلية إذن؛ لدلالة الحال. - مسألة: (وَمَنْ أَبْرَأَ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ) أو تصدق به عليه، أو وهبه له، أو أحله منه، أو أسقطه عنه، أو تركه له؛ صح، و (بَرِئَ) من الدين، (وَلَوْ) رده و (لَمْ يَقْبَلِ) الإبراء؛ لأنه إسقاط حق فلم يفتقر إلى القبول؛ كالعتق، بخلاف هبة العين؛ لأنها تمليك. واختار ابن عثيمين: له أن يرد الإبراء إذا خشي المنَّة؛ لما في المنة من الضرر.

стр. 1072

فصل - مسألة: (وَيَجِبُ) على معط (تَعْدِيلٌ فِي عَطِيَّةِ وَارِثٍ) من ولدٍ ووالد وإخوة وأعمام؛ لحديث النعمان بن بشير ﵄ قال: تصدَّق عليَّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عَمرة بنت رَواحة: لا أرضى حتى تُشْهِد رسول الله ﷺ ، فانطلق أبي إلى النبي ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله ﷺ : «أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ »، قال: لا، قال: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ»، فرجع أبي، فرد تلك الصدقة [البخاري ٢٥٨٧، ومسلم ١٦٢٣]، وقيس على الأولاد باقي الأقارب بجامع القرابة، وخرج منه الزوجات والموالي فلا يجب التعديل بينهم في الهبة. واختار ابن قدامة وابن عثيمين: يجب التعديل بين الأولاد فقط دون بقية الورثة؛ للحديث السابق: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ»، وغير الأولاد ليسوا في معنى الأولاد؛ لأنهم استووا في وجوب البر عليهم، فاستووا في عطيته. - فرع: يستثنى من وجوب التعديل: ١ - في الشيء التافه؛ لأنه يتسامح به فلا يحصل التأثر. ٢ - في النفقة والكسوة: فتجب الكفاية دون التعديل؛ بأن يعطي كل واحد ما يحتاج إليه؛ لأن الإنفاق لدفع حاجة.

стр. 1073

٣ - التخصيص لبعض أقاربه الذين يرثونه بإذن الباقي منهم؛ لأن العلة في تحريم التخصيص كونه يورث العداوة وقطيعة الرحم، وهي منتفية مع الإذن. ٤ - قال شيخ الإسلام: لا يجب على المسلم التسوية بين أولاده الذميين، قال في الكشاف: (وكلام غيره لا يخالفه؛ لأنهم غير وارثين منه). ٥ - وعند ابن قدامة وشيخ الإسلام: إن أعطاه لمعنًى فيه؛ من حاجة، أو زمانة، أو عمًى، أو كثرة عائلة، أو لاشتغاله بالعلم ونحوه، أو مَنَعَ بعض ولده لفسقه، أو بدعته، أو لكونه يعصي الله بما يأخذه ونحوه، جاز التخصيص؛ وعليه يحمل تخصيص أبي بكر هبته لعائشة ﵄. والمذهب: يمتنع التخصيص والتفضيل فيما تقدم؛ لعموم الأمر بالتسوية. - مسألة: التعديل الواجب: (بِأَنْ يُعْطِيَ كَلًّا) من ورثته (بِقَدْرِ إِرْثِهِ)، واختاره شيخ الإسلام؛ اقتداءً بقسمة الله تعالى، وقياسًا لحالة الحياة على حال الموت، قال عطاء: (فما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى) [مصنف عبدالرزاق ١٦٤٩٩]. - مسألة: (فَإِنْ) خص بعض الورثة بالعطية، أو (فَضَّلَ) بعضهم بلا إذن الباقي؛ أثم، و (سَوَّى) بينهم وجوبًا:

стр. 1074

- إما (بِرُجُوعٍ)، فيما خصَّ أو فضَّل به حيث أمكن. - أو بإعطاء الآخر ولو في مرض الموت المَخُوف. حتى يستووا بمن خصه أو فضله؛ لحديث النعمان السابق، وفيه أن النبي ﷺ قال له: «فَارْدُدْهُ» [مسلم ١٦٢٣]، قال شيخ الإسلام: (وينبغي أن يكون على الفور). - فرع: (وَإِنْ مَاتَ) الواهب (قَبْلَهُ) أي: قبل التعديل؛ (ثَبَتَ تَفْضِيلُهُ) للمعطى، فلا يشاركه فيه بقية الورثة؛ لأنها عطية لذي رحم فلزمت بالموت كما لو انفرد، ما لم تكن العطية في مرض الموت المَخُوف، فحكمها كالوصية، ويأتي. وعنه واختار شيخ الإسلام: لا يثبت التفضيل، ولباقي الورثة الرجوع؛ لعموم حديث النعمان السابق، ولأن سعد بن عبادة ﵁ قسم ماله بين ورثته على كتاب الله، وامرأة له قد وضعت رِجْلًا، فأرسل أبو بكر وعمر إلى قيس بن سعد ﵃: أن أخرج لهذا الغلام حقه، فقال: أما شيء صنعه سعد فلا أرجع فيه، ولكن نصيبي له، فقبلا ذلك منه. [مصنف ابن أبي شيبة ٣٠٩٨٤]. - مسألة: (وَيَحْرُمُ عَلَى وَاهِبٍ) ولا يصح (أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ بَعْدَ قَبْضٍ)، وكذا في صدقة وهدية؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» [البخاري ٢٥٨٩، ومسلم ١٦٢٢]، (وَكُرِهَ) رجوع واهب في هبته (قَبْلَهُ) أي: قبل القبض؛ خروجًا من خلاف من قال: إن الهبة تلزم بالعقد.

стр. 1075

وعبارة الكشاف: (وأما الرجوع قبل لزومها فجائز مطلقًا) (١). - فرع: يحرم على الواهب الرجوع في هبته بعد القبض (إِلَّا) في صورتين: ١ - من وهبت زوجها شيئًا بمسألته إياها، ثم ضرها بطلاق أو غيره؛ كتزويج عليها، فلها الرجوع؛ لأن شاهد الحال يدل على أنها لم تَطِبْ بها نفساً، وإنما أباحه الله تعالى عند طيب نفسها بقوله: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا)، وغير الصداق كالصداق. وإن وهبته من غير سؤال منه فليس لها الرجوع. ٢ - (الأَب) الأقرب (٢)، لا الجد، ولا الأم، فله الرجوع، قصد التسوية

стр. 1076

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1077

أو لا، مسلماً كان أو كافرًا؛ لحديث ابن عمر وابن عباس ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا، إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» [أحمد ٤٨١٠، وأبوداود ٣٥٣٩، والترمذي ١٢٩٨، والنسائي ٣٦٩٢، وابن ماجه ٢٣٧٧]. وعنه واختاره ابن قدامة: للأم أن ترجع؛ لأنها داخلة في حديث: «إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ». - مسألة: (وَلَهُ) أي: للأب الحر، لا الرقيق؛ لأن ماله سيعود لسيده، (أَنْ يَتَمَلَّكَ بِقَبْضٍ مَعَ قَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ)، ويأتي في الشروط، (مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، غَيْرِ سُرِّيَّةٍ) أي: أمة الابن التي وطئها؛ لأنها ملحقة بالزوجة، (مَا شَاءَ)، واختاره شيخ الإسلام، مع حاجة الأب إلى تملك مال ولده ومع عدمها، في

стр. 1078

صغر الولد وكبره، وسخطه ورضاه، وبعلمه وبغيره؛ لأن الله تعالى جعل الولد موهوبًا لأبيه فقال: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب)، وما كان موهوبًا له كان له أخذ ماله كعبده، ولحديث عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» [أبو داود ٣٥٣٠، وابن ماجه ٢٢٩٢]. - فرع: للأب أن يتملك من مال ولده دون أم وجد وغيرهما من سائر الأقارب؛ لأن الأصل المنع، خولف في الأب لدلالة النص، وبقي ما عداه على الأصل. - فرع: للأب أن يتملك من مال ولده بشروط ستة: الشرط الأول: أن يكون ما يتملكه الأب فاضلًا عن حاجة الولد؛ لئلا يضره، وأشار إليه بقوله: (مَا لَمْ يَضُرَّهُ)؛ لحديث: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أحمد ٢٨٦٥، وابن ماجه ٢٣٤٠]، فإن ضره بأن تتعلق حاجة الولد به؛ كآلة حرفة ونحوها؛ لم يتملكه؛ لأن حاجة الإنسان مقدمة على دينه، فلأن تقدم على أبيه أولى. الشرط الثاني: (أَوْ) أي: أن لا يأخذه (لِيُعْطِيَهُ لِوَلَدٍ آخَرَ)؛ لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذه من مال ولده الآخر أولى. وقال ابن عثيمين: إذا كان الآخرون فقراء والأب لا يستطيع أن ينفق عليهم فله ذلك، أما إذا كانوا أغنياء، أو هو يقدر أن ينفق عليهم فلا يجوز؛ لأن هذا يحدث الضغائن بين الأولاد.

стр. 1079

الشرط الثالث: أن لا يكون التملك بمرض موت الأب أو الولد المَخُوف، وأشار إليه بقوله: (أَوْ يَكُنْ بِمَرَضِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا)، فإن كان كذلك لم يصح؛ لانعقاد سبب الإرث. الشرط الرابع: أن لا يكون الأب كافرًا والابن مسلمًا، وأشار إليه بقوله: (أَوْ يَكُنِ) الأب (كَافِراً وَالابْنُ مُسْلِماً)؛ لحديث العائذ بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» [الدارقطني ٣٦٢٠]. واختار شيخ الإسلام: أن الأب المسلم ليس له أن يأخذ من مال ولده الكافر شيئًا؛ لانقطاع الولاية والتوارث. الشرط الخامس: أن يكون ما يتملكه الأب عينًا موجودة؛ فلا يتملك دين ابنه؛ لأنه لا يملك التصرف فيه قبل قبضه. الشرط السادس: أن يتملك الأب مال ولده، ويحصل التملك: بقبض ما تملكه، مع قول: تملكته أو نحوه، أو نية، قال في الفروع: ويتوجه أو قرينة؛ لأن القبض أعم من أن يكون للتملك، أو غيره فاعتبر القول أو النية؛ ليتعين وجه القبض، فلا يصح تصرف الأب في مال ولده قبل القبض، ولو كان تصرفه فيه عتقًا؛ لتمام ملك الابن على ماله. - مسألة: (وَلَيْسَ لِوَلَدٍ، وَلَا لِوَرَثَتِهِ) أي: ورثة الولد (مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنٍ)؛ كقرض وثمن مبيع، (وَنَحْوِهِ)؛ كأجرة أرض زرعها أو دار سكنها؛

стр. 1080

لحديث عبدالله بن عمرو ﵄ السابق: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»؛ ولأن المال أحد نوعي الحقوق فلم يملك مطالبة أبيه به كحقوق الأبدان، ولا غير ذلك من الحقوق؛ لما تقدم، (بَلْ) له مطالبته بأمرين: ١ - مطالبته (بِنَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ) له على الأب لفقره وعجزه عن تكسب؛ لقوله ﷺ لهند ﵂: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» [البخاري ٥٣٦٤، ومسلم ١٧١٤]، ولضرورة حفظ النفس. ٢ - مطالبته بعين مال للولد في يد الأب. فصل في تصرفات المريض - مسألة: تصرفات المريض تنقسم إلى قسمين: ١ - التصرفات التي ليست من قبيل التبرعات: مثل: البيع، والشراء، والشركة، والإجارة ونحو ذلك: فتصح من رأس المال إن كانت بثمن المثل، ولو كان المرض مَخُوفاً ما دام عقله باقيًا؛ لأنه ليس وصية؛ لأن الوصية تبرع، وليس هذا تبرعاً. فإن حابى المريض في تلك العقود؛ دخل قدر المحاباة في حكم التبرعات؛ لأنها كالهبة، وصحت في الباقي؛ لأن المانع من الصحة المحاباة، وهي في غير قدرها مفقودة.

стр. 1081

٢ - التبرعات: بأن يتصدق، أو يقف، أو يهب، أو يحابي؛ بأن يبيع بدون ثمن المثل، أو يشتري بأكثر، فهي المرادة هنا، ولا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكون المرض غيرَ مخوف، وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ مَرَضُهُ غَيْرُ مَخُوفٍ)؛ كصداع يسير، ووجع ضرس، ونحوهما: فـ (تَصَرُّفُهُ) لازم؛ (كَـ) تصرف إنسان (صَحِيحٍ)؛ لكونه لا يخاف منه الموت في العادة، ولو صار مخوفًا ومات منه؛ اعتبارًا بحال العطية؛ لأنه إذ ذاك في حكم الصحيح. القسم الثاني: (أَوْ) كان المرض (مَخُوفـ) ـًا؛ (كَبِرْسَامٍ) وهو بخار يرتقي إلى الرأس يؤثر في الدماغ فيختل به العقل، (وَإِسْهَالٍ مُتَدَارِكٍ) أي: الإسهال الذي لا يستمسك ولو كان ساعة؛ لأن من لحقه ذلك أسرع في هلاكه، وكذا إسهال معه دم؛ لأنه يضعف القوة. (وَمَا قَالَ طَبِيبَانِ، مُسْلِمَانِ، عَدْلَانِ)، لا ما قال واحد ولو لعدم غيره؛ لأنه يتعلق به حق الوارث، واشترطت العدالة والإسلام؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فإذا كان هذا خبر الفاسق فخبر الكافر من باب أولى، (عِنْدَ إِشْكَالِهِ) أي: المرض: (إِنَّهُ مَخُوفٌ)، فيرجع إلى قولهما؛ لأنهما من أهل الخبرة.

стр. 1082

واختار ابن عثيمين: المعتبر حذق الطبيب، والثقة بقوله، والأمانة، ولو كان غير مسلم؛ لأن النبي ﷺ استأجر رجلاً - عبد الله بن أُريقط، وكان مشركاً- ليدله على الطريق في سفره في الهجرة [البخاري ٢٢٦٣]، وهذا ائتمان على المال وعلى النفس. - فرع: قال شيخ الإسلام: (ليس معنى المرض المخوف الذي يغلب على القلب الموت منه، أو يتساوى في الظن جانب البقاء والموت ... ، وإنما الغرض أن يكون سببًا صالحًا للموت، فيضاف إليه، ويجوز حدوثه عنده، وأقرب ما يقال: ما يكثر حصول الموت منه). - مسألة: من مرضه مخوف لا يخلو تبرعه من أمرين: ١ - أن يتبرع لوارث: فقال ﵀: (لَا يَلْزَمُ تَبَرُّعُهُ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ)؛ لأن التبرع بمرض الموت المخوف في حكم الوصية كما سيأتي، ولا وصية لوارث. ٢ - أن يتبرع لغير وارث: وأشار إليه بقوله: (وَلَا) يلزم تبرعه (بِمَا فَوْقَ الثُّلُثِ لِغَيْرِهِ) أي: لغير وارث (إِلَّا بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ، زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» [ابن ماجه ٢٧٠٩]، فمفهومه: ليس لكم أكثر من الثلث، ويؤيد ذلك: ما روى عمران بن حصين ﵁: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ فِي

стр. 1083

مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَاسْتَدْعَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ ، فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» [مسلم ١٦٦٨]، لأن هذه الحال الظاهر منها الموت، فكانت عطيته فيها كالوصية. - فرع: يستثنى من ذلك: الكتابة لرقيقه أو بعضه بمحاباة، فلو حاباه سيده المريض مرض الموت في الكتابة؛ جاز، وتكون المحاباة حينئذ من رأس المال (١). (وَ) القسم الثالث: (مَنِ امْتَدَّ مَرَضُهُ بِجُذَامٍ وَنَحْوِهِ)؛ كالسِّلِّ لا في حال انتهائه، والفالج في دوامه، فلا يخلو من أمرين: ١ - إن لزم الفراش: فعطاياه كوصيته؛ لأنه مريض صاحب فراش يخشى من التلف، أشبه صاحب المرض المخوف.

стр. 1084

٢ - (وَ) إن (لَمْ يَقْطَعْهُ بِفِرَاشٍ) أي: لم يلزمه الفراش؛ (فَكَصَحِيحٍ) في نفوذ عطاياه كلها من كل ماله؛ لأنه لا يخاف تعجيل الموت منه؛ كالهَرِم. - فرع: (وَيُعْتَبَرُ عِنْدَ المَوْتِ) أي: موت المتبرع (كَوْنُهُ) أي: كون من وُهب له أو وصى له (وَارِثاً أَوْ لَا)؛ لأن الموت وقت لزوم الوصايا أو استحقاقها، والعطية ملحقة بالوصية في ذلك. فمن أوصى لأخيه أو وهبه في مرض موته، ثم حدث له ولد؛ صحت الوصية أو الهبة إن خرجت من الثلث؛ اعتبارًا بحالة الموت، وإن أوصى لأخيه، وللموصي ولد فمات قبله؛ وقفت على إجازة بقية الورثة؛ لما تقدم. - مسألة: (وَ) تفارق العطيةُ في مرض الموت الوصيةَ في أربعة أحكام: الأول: (يُبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ بِالعَطِيَّةِ)؛ لوقوعها لازمة، والوصية يسوى بين متقدمها ومتأخرها؛ لأنها تبرع بعد الموت، فوجد دفعة واحدة. فلو أعطى زيداً ألف ريال، وأعطى عَمْراً ألف ريال، وأعطى خالداً ألف ريال، ثم مات، وكان ثُلُثُه ألف؛ فإنه يعطى زيد ألفاً ولا شيء للبقية، وأما في الوصية فإنهم يشتركون فيها. (وَ) الثاني: (لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهَا) أي: في العطية بعد القبض؛ لأنها

стр. 1085

لازمة في حق المعطي، ولو كثرت، وإنما منع من التبرع بزيادة على الثلث لحق الورثة، بخلاف الوصية؛ فإنه يملك الرجوع فيها؛ لأن التبرع فيها مشروط بالموت، فقبل الموت لم يوجد، فهي كالهبة قبل القبول. (وَ) الثالث: (يُعْتَبَرُ قَبُولُهَا) أي: قبول العطية (عِنْدَ وُجُودِهَا)؛ لأنها تصرف في الحال، فاعتبرت شروطه وقت وجوده، بخلاف الوصية، فلا حكم لقبولها ولا ردها قبله؛ لأنها تبرع بعد الموت. (وَ) الرابع: (يَثْبُتُ المِلْكُ فِيهَا) أي: في العطية (مِنْ حِينِهَا) أي: حين وجودها بشروطها؛ كالهبة، لكن يكون الملك مراعًى؛ لأنا لا نعلم هل هذا مرض الموت أو لا، ولا نعلم هل يستفيد مالًا أو يتلف شيء من ماله؟ فإذا مات وخرجت العطية من ثُلُثِه عند موت تبيَّنَّا أن الملك كان ثابتًا من حين العطية؛ لعدم المانع منه، فلو أعتق رقيقًا في مرضه، فكسب الرقيق، ثم مات سيده فخرج الرقيق من الثُلُث؛ كان كسبه له إن كان معتقًا؛ لأنا تبيَّنَّا حريته من حين العتق، (وَالوَصِيَّةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ)؛ فلا تملك قبل الموت؛ لأنها تمليك بعده فلا تتقدمه.

стр. 1086

(كِتَابِ الوَصَايَا) جمع وصيةٍ، مأخوذةٌ مِن وَصَيتُ الشيء: إذا وصلتُه، فالموصي وصل ما كان له في حياته بما بعد موته. واصطلاحاً: الأمر بالتَّصرُّف بعد الموت، أو التبرُّع بالمال بعده. والأصل في مشروعيتها: قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» [البخاري: ٢٧٣٨، ومسلم: ١٦٢٧]، وقال ابن قدامة: (أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية). - مسألة: لا يخلو حكم الوصية من أحوال: الحالة الأولى: أن تكون واجبة: وذلك على من كان عليه دين، أو عنده وديعة، أو عليه واجب من زكاة أو كفارة، وليس عنده وثيقة بذلك، فيجب عليه أن يوصي، لأن الله تعالى فرض أداء الأمانات. الحالة الثانية: أن تكون مستحبة: وأشار إليها المؤلف بقوله: (يُسَنُّ لِمَنْ

стр. 1087

تَرَكَ مَالاً كَثِيراً عُرْفاً الوَصِيَّةُ)؛ لما تقدم من أدلة مشروعة الوصية. ولا تجب؛ لعدم الدليل على وجوبها، وأما قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، فمنسوخة؛ لقول ابن عباس ﵄: «كَانَ المَالُ لِلوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ الله مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ» [البخاري: ٢٧٤٧]. - فرع: يسن أن تكون الوصية (بِخُمُسِهِ) أي: خُمُس ماله؛ لقول ابن عباس ﵄: «الَّذِي يُوصِي بِالخُمُسِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُوصِي بِالرُّبُعِ، وَالَّذِي يُوصِي بِالرُّبُعِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُوصِي بِالثُّلُثِ» [البيهقي: ١٢٥٧٥]، وروي ذلك عن أبي بكر وعلي ﵄ [عبد الرزاق: ١٦٣٦١، ١٦٣٦٣]. الحالة الثالثة: أن تكون محرمة: وأشار إليها المؤلف بقوله: (وَتَحْرُمُ) الوصية في ثلاثة مواضع: ١ - إذا كان الموصي (مِمَّنْ) له وارث (يَرِثُهُ، غَيْرُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ)، كابن وأخ وعم ونحوهم، إذا أوصى (بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ) أي: ثلث ماله (لِأَجْنَبِيٍّ)، فتلزم الوصية في الثُلُث من غير إجازة، وما زاد على الثُلُث يقف على إجازتهم، فإن أجازوه جاز، وإن ردوه بطل في قول جميع العلماء؛ لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ لما مرض بمكة، وفيه: قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: «لَا»، قلت: فالشطر؟ قال: «لَا»، قلت: الثُلُث؟

стр. 1088

قال: «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ». [البخاري: ٢٧٤٢، ومسلم: ١٦٢٨]. أما إن أوصى بأكثر من الثُلُث وكان وارثه أحد الزوجين فقط، وردَّ الوصية ولم يُجِزها: أُعطي الموصى له الثُلُث؛ لأنه لا يتوقف على إجازة، ويأخذ أحد الزوجين فرضه من الثلثين، والباقي من الثلثين يكون للموصى له؛ لأن الزوجين لا يُرد عليهما الميراث، فلا يأخذان من المال أكثر من فرضيهما. ٢ - (أَوْ) أن يوصي (لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ)، قليلًا كان أو كثيرًا، فتحرم ولا تصح إجماعًا إلا بإجازة الورثة كما سيأتي؛ لحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» [أحمد: ٢٢٢٩٤، وأبو داود: ٢٨٧٠، والترمذي: ٢١٢٠، وابن ماجه: ٢٧١٣]. قال شيخ الإسلام: (هذا مما تلقته الأمة بالقبول والعمل بموجبه). ٣ - وعند شيخ الإسلام: تحرم المضارة في الوصية، لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، وقال ابن عباس: «الإِضْرَارُ فِي الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبَائِرِ» [النسائي في الكبرى: ١١٠٢٦]. قال شيخ الإسلام: (فمتى أوصى بزيادة على الثلث فهو مضار، قصد أو لم يقصد، فترد هذه الوصية، وإن وصى بدونه ولم يعلم أنه قصد الضرار فيمضيها، فإن علم الموصى له إنما أوصى له ضرارًا لم يحل له الأخذ).

стр. 1089

- فرع: (وَتَصِحُّ) الوصية لأجنبي بما زاد على الثلث، والوصية لوارث (مَوْقُوفَةً عَلَى الإِجَازَةِ) أي: إجازة الورثة لهما بعد الموت؛ لأن المنع لحقهم فإذا رَضُوا بإسقاطه جاز. - فرع: تعتبر الإجازة بعد موت الموصي؛ لأن حق الورثة لا يثبت إلا بموته. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تصح في حياة الموصي إذا وقعت في حال مرضه؛ فليس له الرجوع؛ لأنه تعلق حقهم بماله وانعقد لهم سبب الإرث؛ فيصح ولو قبل وجود الشرط. الحالة الرابعة: أن تكون مكروهة: وأشار إليها المؤلف بقوله: (وَتُكْرَهُ) الوصية (مِنْ فَقِيرٍ) عرفًا (وَارِثُهُ مُحْتَاجٌ)؛ لحديث سعد السابق، ولأنَّه عدل عن أقاربه المحاويج إلى الأجانب. الحالة الخامسة: أن تكون مباحة: إذا وصى بجميع ماله وليس له وارث؛ لقول ابن مسعود ﵁: «إِنَّكُمْ مِنْ أَحْرَى حَيٍّ بِالكُوفَةِ أَنْ يَمُوتَ أَحَدُكُمْ وَلَا يَدَعْ عَصَبَةً وَلَا رَحِمًا، فَمَا يَمْنَعُهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ فِي الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ» [عبد الرزاق: ١٦٣٧١]، ولأنَّ المنع فيما زاد على الثُّلث لحقِّ الورثة، فإذا عُدموا زال المانع. - مسألة: (فَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالوَصَايَا)، كأن يكون ثلث ماله عند

стр. 1090

الموت خمسين، وقد أوصى لزيد بمائة ولعمرو بخمسين ولمحمد بخمسين، ولم تُجِز الورثةُ الوصيةَ؛ (تَحَاصُّوا) أي: الموصى لهم (فِيهِ) أي: في الثُلث، فيدخل النقص على الجميع بالقِسط، وعلى هذا فإن نسبة الثُلُث إلى مجموع الوصايا في المثال السابق: الرُبُع، فيعطى كل واحد رُبُعَ وصيته، ولا فرق بين متقدمهم ومتأخرهم؛ لأنَّهم تساوَوا في الأصل وتفاوتوا في المقدار، فوجبت المُحاصَّة؛ (كَمَسَائِل العَوْلِ) ويأتي بيانها في كتاب الفرائض. - مسألة: (وَتُخْرَجُ) جميع (الوَاجِبَاتِ) التي على الميت (مِنْ) قضاء (دَيْنٍ، وَحَجٍّ) واجب، (وَزَكَاةٍ)، ونذر، وكفارة (مِنْ) جميع (رَأْسِ المَالِ مُطْلَقاً) أي: سواء كان أوصى به أو لم يوص اتفاقًا؛ لقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: ١٢]، ولحديث سعد بن الأَطْوَل ﵁ قال: مات أخي وترك ثلاث مائة دينار، وترك ولدًا صغارًا، فأردت أن أنفقها عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَخَاكَ مُحْتَبَسٌ بِدَيْنِهِ، فَاقْضِ عَنْهُ» [أحمد: ١٧٢٢٧، وابن ماجه: ٢٤٣٣]، ولأن حق الورثة إنما هو بعد أداء الدين.
следующие страницы →