(كِتَابِ الوَصَايَا)
جمع وصيةٍ، مأخوذةٌ مِن وَصَيتُ الشيء: إذا وصلتُه، فالموصي وصل ما كان له في حياته بما بعد موته.
واصطلاحاً: الأمر بالتَّصرُّف بعد الموت، أو التبرُّع بالمال بعده.
والأصل في مشروعيتها: قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» [البخاري: ٢٧٣٨، ومسلم: ١٦٢٧]، وقال ابن قدامة: (أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية).
- مسألة: لا يخلو حكم الوصية من أحوال:
الحالة الأولى: أن تكون واجبة: وذلك على من كان عليه دين، أو عنده وديعة، أو عليه واجب من زكاة أو كفارة، وليس عنده وثيقة بذلك، فيجب عليه أن يوصي، لأن الله تعالى فرض أداء الأمانات.
الحالة الثانية: أن تكون مستحبة: وأشار إليها المؤلف بقوله: (يُسَنُّ لِمَنْ
стр. 1087
تَرَكَ مَالاً كَثِيراً عُرْفاً الوَصِيَّةُ)؛ لما تقدم من أدلة مشروعة الوصية. ولا تجب؛ لعدم الدليل على وجوبها، وأما قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، فمنسوخة؛ لقول ابن عباس ﵄: «كَانَ المَالُ لِلوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ الله مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ» [البخاري: ٢٧٤٧].
- فرع: يسن أن تكون الوصية (بِخُمُسِهِ) أي: خُمُس ماله؛ لقول ابن عباس ﵄: «الَّذِي يُوصِي بِالخُمُسِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُوصِي بِالرُّبُعِ، وَالَّذِي يُوصِي بِالرُّبُعِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُوصِي بِالثُّلُثِ» [البيهقي: ١٢٥٧٥]، وروي ذلك عن أبي بكر وعلي ﵄ [عبد الرزاق: ١٦٣٦١، ١٦٣٦٣].
الحالة الثالثة: أن تكون محرمة: وأشار إليها المؤلف بقوله: (وَتَحْرُمُ) الوصية في ثلاثة مواضع:
١ - إذا كان الموصي (مِمَّنْ) له وارث (يَرِثُهُ، غَيْرُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ)، كابن وأخ وعم ونحوهم، إذا أوصى (بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ) أي: ثلث ماله (لِأَجْنَبِيٍّ)، فتلزم الوصية في الثُلُث من غير إجازة، وما زاد على الثُلُث يقف على إجازتهم، فإن أجازوه جاز، وإن ردوه بطل في قول جميع العلماء؛ لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ لما مرض بمكة، وفيه: قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: «لَا»، قلت: فالشطر؟ قال: «لَا»، قلت: الثُلُث؟
стр. 1088
قال: «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ». [البخاري: ٢٧٤٢، ومسلم: ١٦٢٨].
أما إن أوصى بأكثر من الثُلُث وكان وارثه أحد الزوجين فقط، وردَّ الوصية ولم يُجِزها: أُعطي الموصى له الثُلُث؛ لأنه لا يتوقف على إجازة، ويأخذ أحد الزوجين فرضه من الثلثين، والباقي من الثلثين يكون للموصى له؛ لأن الزوجين لا يُرد عليهما الميراث، فلا يأخذان من المال أكثر من فرضيهما.
٢ - (أَوْ) أن يوصي (لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ)، قليلًا كان أو كثيرًا، فتحرم ولا تصح إجماعًا إلا بإجازة الورثة كما سيأتي؛ لحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» [أحمد: ٢٢٢٩٤، وأبو داود: ٢٨٧٠، والترمذي: ٢١٢٠، وابن ماجه: ٢٧١٣]. قال شيخ الإسلام: (هذا مما تلقته الأمة بالقبول والعمل بموجبه).
٣ - وعند شيخ الإسلام: تحرم المضارة في الوصية، لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، وقال ابن عباس: «الإِضْرَارُ فِي الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبَائِرِ» [النسائي في الكبرى: ١١٠٢٦].
قال شيخ الإسلام: (فمتى أوصى بزيادة على الثلث فهو مضار، قصد أو لم يقصد، فترد هذه الوصية، وإن وصى بدونه ولم يعلم أنه قصد الضرار فيمضيها، فإن علم الموصى له إنما أوصى له ضرارًا لم يحل له الأخذ).
стр. 1089
- فرع: (وَتَصِحُّ) الوصية لأجنبي بما زاد على الثلث، والوصية لوارث (مَوْقُوفَةً عَلَى الإِجَازَةِ) أي: إجازة الورثة لهما بعد الموت؛ لأن المنع لحقهم فإذا رَضُوا بإسقاطه جاز.
- فرع: تعتبر الإجازة بعد موت الموصي؛ لأن حق الورثة لا يثبت إلا بموته.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تصح في حياة الموصي إذا وقعت في حال مرضه؛ فليس له الرجوع؛ لأنه تعلق حقهم بماله وانعقد لهم سبب الإرث؛ فيصح ولو قبل وجود الشرط.
الحالة الرابعة: أن تكون مكروهة: وأشار إليها المؤلف بقوله: (وَتُكْرَهُ) الوصية (مِنْ فَقِيرٍ) عرفًا (وَارِثُهُ مُحْتَاجٌ)؛ لحديث سعد السابق، ولأنَّه عدل عن أقاربه المحاويج إلى الأجانب.
الحالة الخامسة: أن تكون مباحة: إذا وصى بجميع ماله وليس له وارث؛ لقول ابن مسعود ﵁: «إِنَّكُمْ مِنْ أَحْرَى حَيٍّ بِالكُوفَةِ أَنْ يَمُوتَ أَحَدُكُمْ وَلَا يَدَعْ عَصَبَةً وَلَا رَحِمًا، فَمَا يَمْنَعُهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ فِي الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ» [عبد الرزاق: ١٦٣٧١]، ولأنَّ المنع فيما زاد على الثُّلث لحقِّ الورثة، فإذا عُدموا زال المانع.
- مسألة: (فَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالوَصَايَا)، كأن يكون ثلث ماله عند
стр. 1090
الموت خمسين، وقد أوصى لزيد بمائة ولعمرو بخمسين ولمحمد بخمسين، ولم تُجِز الورثةُ الوصيةَ؛ (تَحَاصُّوا) أي: الموصى لهم (فِيهِ) أي: في الثُلث، فيدخل النقص على الجميع بالقِسط، وعلى هذا فإن نسبة الثُلُث إلى مجموع الوصايا في المثال السابق: الرُبُع، فيعطى كل واحد رُبُعَ وصيته، ولا فرق بين متقدمهم ومتأخرهم؛ لأنَّهم تساوَوا في الأصل وتفاوتوا في المقدار، فوجبت المُحاصَّة؛ (كَمَسَائِل العَوْلِ) ويأتي بيانها في كتاب الفرائض.
- مسألة: (وَتُخْرَجُ) جميع (الوَاجِبَاتِ) التي على الميت (مِنْ) قضاء (دَيْنٍ، وَحَجٍّ) واجب، (وَزَكَاةٍ)، ونذر، وكفارة (مِنْ) جميع (رَأْسِ المَالِ مُطْلَقاً) أي: سواء كان أوصى به أو لم يوص اتفاقًا؛ لقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: ١٢]، ولحديث سعد بن الأَطْوَل ﵁ قال: مات أخي وترك ثلاث مائة دينار، وترك ولدًا صغارًا، فأردت أن أنفقها عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَخَاكَ مُحْتَبَسٌ بِدَيْنِهِ، فَاقْضِ عَنْهُ» [أحمد: ١٧٢٢٧، وابن ماجه: ٢٤٣٣]، ولأن حق الورثة إنما هو بعد أداء الدين.
стр. 1091
فصل في الموصى له
- مسألة: تصح الوصية لكل من يصح تمليكه من مسلم وكافر، ولو مرتدًّا أو حربيًّا؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفًا﴾ [الأحزاب: ٦] قال محمد بن الحنفية: (هو وصية المسلم لليهودي والنصراني) [تفسير الطبري ٢٠/ ٢١١]، ولما روى ابن عمر ﵄: «أَنَّ صَفِيَّةَ ابْنَةَ حُيَيٍّ أَوْصَتْ لِابْنِ أَخٍ لَهَا يَهُودِيٍّ» [عبد الرزاق: ٩٩١٤]، ولأن الهبة تصح لهم، فصحت لهم الوصية.
- مسألة: وصية الرجل لعبده لا تخلو من حالين:
الحالة الأولى: أن يوصي لعبده بمشاعٍ من ماله: وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَتَصِحُّ) الوصية (لِعَبْدِهِ بِمُشَاعٍ) من مال؛ (كَثُلُثٍ) ورُبُع؛ لأنها وصية تضمنت العتق بثُلُث ماله فصحت، كما لو صرح بذلك، (وَيَعْتِقُ مِنْهُ) أي: من العبد (بِقَدْرِهِ) أي: بقدر الثُلُث، فإن كان ثُلُثه مائة وقيمة العبد مائة فأقلُّ عَتَقَ كلُّه؛ لأنه يملك من كل جزء من المال ثُلُثَه مُشاعًا، ومن جملته نفسُه، فيملك ثُلُثَها فيَعْتِقُ ويسري إلى بقيته، (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ) من الثُلُث، كأن تكون قيمة العبد أقل من ثلث مال سيده، (أَخْذَهُ) أي: أخذ العبدُ الفاضلَ؛ لأنه صار حرًّا.
стр. 1092
وإن لم يَخرج العبد كله من الثلث فإنه يَعتق منه بقدر الثُلُث إن لم تُجِز الورثة عتق باقيه، فلو كانت الوصية لعبده بثُلُث المال، وقيمته مائة دينار، وله سوى العبد خمسون دينارًا، فمجموع ماله: مائة وخمسون دينار؛ وثُلُثها: خمسون، وهي نصف قيمة العبد، فيَعتق من العبد نصفه.
الحالة الثانية: أن يوصي لعبده بمال معين لا يدخل هو فيه: فلا تصح الوصية، كدار وفرش وثوب ومائة من مال؛ لأنه يصير للورثة، فكأنه وصَّى لهم بما يرثونه.
- مسألة: (وَ) تصح الوصية (بِحَمْلٍ) معين من أمة أو حيوان؛ إذا تحقق وجوده قبل الوصية؛ لجريان الوصية مجرى الإرث.
ولا تصح بحمل معين إذا لم يتحقق وجوده قبل الوصية؛ وأما الوصية بحمل غير معين كأن يوصي بما تحمله دابته أو شجرته فيصح، ويأتي في الوصية بالمعدوم.
واختار شيخ الإسلام: عدم صحة الوصية بحمل أمته منفردًا عن أمه؛ لحديث أبي أيوبَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ الله بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» [أحمد: ٢٣٥١٣، والترمذي: ١٢٨٣]، وليس التفريق مختصًّا بالبيع، بل هو عام في كل تفريق إلا العتق وافتداء الأسير.
стр. 1093
- مسألة: (وَ) تصح الوصية (لِحَمْلٍ تُحُقِّقَ وُجُودُهُ) حين الوصية أو قبلها، بأن تضعه لأقلَّ من ستَّة أشهرٍ من الوصيَّة إن كانت فراشًا، أو لأقلَّ من أربع سنين إن لم تكن كذلك؛ لأنها تعليق على خروجه حيًّا، والوصية قابلة للتعليق بخلاف الهبة، ولأنها تجري مجرى الميراث.
فإن لم يتحقق وجوده فلا تصح الوصية، كما لو وصى لمن تحمل هذه المرأة؛ لأن الوصية تمليك، فلا تصح للمعدوم، ولأن الوصية أجريت مجرى الميراث.
واختار شيخ الإسلام: تصح الوصية للمعدوم بالمعدوم، فيكون الريع للفقراء إلى أن يحدث المعدوم فيكون لهم؛ لأنه يصح في الوقف فكذا في الوصية.
стр. 1094
- مسألة: (لَا) تصح الوصية (لِكَنِيسَةٍ، وَبَيْتِ نَارٍ)، ومكان من أماكن الكفر؛ لأنه معصية، فلم تصح الوصية به، (وَ) لا تصح بـ (ـكَتْبِ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَنَحْوِهَا)؛ كالزبور والصحف، ولو من ذمي؛ لأنها كُتُب منسوخة والاشتغال بها غير جائز؛ لما فيها من التغيير والتبديل، ولغضب النبي ﷺ لما وجد مع عمر شيئًا مكتوبًا من التوراة [أحمد: ١٥١٥٦].
فصل في الموصى به
- مسألة: (وَتَصِحُّ) الوصية (بِمَجْهُولٍ)؛ كعبد وشاة، اتفاقًا؛ لأن الموصى له شبيه بالوارث من جهة انتقال شيء من التركة إليه مجانًا، والجهالة لا تمنع الإرث؛ فلا تمنع الوصية.
ويُعطى الموصى له ما يقع عليه الاسم من المجهول؛ لأنَّه اليقين؛ كالإقرار.
- مسألة: (وَ) تصح الوصية بشيء (مَعْدُومٍ)، كأن يوصي بما تحمل شجرته من ثمر؛ لأنه يجوز ملكه بالسلم والمضاربة والمساقاة، فجاز ملكه بالوصية، ولأن الوصية أجريت مجرى الميراث وهذا يورث، فصحت الوصية به.
- مسألة: (وَ) تصح الوصية (بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ)، كعبد آبق، وطير في هواء، وبعير شارد ونحوه؛ لأن الوصية تصح بالمعدوم، فهنا أولى.
стр. 1095
- مسألة: (وَمَا حَدَثَ) لموصٍ (بَعْدَ الوَصِيَّةِ) من مال ونحوه؛ فإنه (يَدْخُلُ فِيهَا) أي: في الوصية؛ لأنه ترثه ورثته، ويقضى منه دينه، أشبه ما ملكه قبل الوصية، ولو كان هذا المال دِيَتَه، بأن قُتِل عمداً أو خطأً وأُخذت ديته؛ لأنَّها تجب للميت بَدَلَ نفسه، ونفسه له، فكذا بدلها.
- مسألة: (وَتَبْطُلُ) الوصية (بِتَلَفِ) شيء (مُعَيَّنٍ وُصِّيَ بِهِ) إجماعًا، سواء تلف قبل موت الموصى، أو بعده قبل القبول؛ لأن الموصى له إنما يستحق المعين، فإذا ذهب زال حقه؛ كما لو تلف بيده.
ولا تبطل بإتلاف وارث أو غيره الموصى به إن قبله الموصى له، ولو بعد الإتلاف، ويكون على متلفه ضمانه له.
فصل في الوصية بالأنصاء والأجزاء
الأنصباء: جمع نصيب، وهو الحظ. والأجزاء: جمع جزء بضم الجيم وفتحها، وهو البعض.
والغرض منه: معرفة طريق استخراج أنصباء الموصى لهم، وتعيين قدر نصيب كل واحد منهم ونسبته من التركة.
- مسألة: (وَإِنْ وَصَّى) لرجل (بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ)؛ كقوله: له
стр. 1096
مثل نصيب ابني؛ (فَلَهُ مِثْلُهُ مَضْمُوماً إِلَى المَسْأَلَةِ) أي: مسألة الورثة؛ فتصحِّح مسألة الورثة وتزيد عليها مثل نصيب ذلك المعيَّن، فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان، فللموصى له الثُلُث، وإن كانوا ثلاثة فله الرُبُع؛ لأنه بذلك يحصل له مثل نصيب الوارث المعين.
وعُلم منه: صحة الوصية بذلك؛ لما روي عن أنس ﵁: «أَنَّهُ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِهِ» [ابن أبي شيبة: ٣٠٧٩٦]، ولأن المراد تقدير الوصية، فلا أثر لذكر الوارث.
- مسألة: (وَ) إن وصَّى لرجل (بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ) ولم يبين ذلك الوارث، كان (لَهُ مِثْلُ مَا لِأَقَلِّهِمْ) أي: أقل الورثة مضمومًا إلى مسألتهم؛ لأنَّه اليقينُ، وما زاد مشكوكٌ فيه، فله مع ابن وبنت الرُبُع، وله مع زوجة وابن التُسُع، وهكذا.
- مسألة: (وَ) إن وصَّى لرجل (بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ) ولم يحدده كان (لَهُ سُدُسٌ) بمنزلةِ سدسٍ مفروضٍ؛ لأن السَّهم في كلام العرب السُّدس، كما قال إياس بن معاوية [مصنف ابن أبي شيبة: ٣٠٨٠٠]، ولما روي عن ابن مسعود ﵁: «أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ، فَجَعَلَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ السُّدُسَ» [البزار: ٢٠٤٧، وضعفه]، ولأن السُدُس أقل سهم مفروض يرثه ذو قرابة، فتنصرف الوصية إليه.
стр. 1097
- مسألة: (وَ) إن وصَّى لرجل (بِشَيْءٍ، أَوْ حَظٍّ، أَوْ جُزْءٍ)، أو نصيب، أو قِسْط؛ (يُعْطِيهِ الوَارِثُ مَا شَاءَ)، قال ابن قدامة: (لا أعلم فيه خلافًا)؛ لأنَّه لا حدَّ له في اللغة ولا في الشرع، فكان على إطلاقه، فيعطيه ما شاء مما يُتموَّل؛ لأن القصد بالوصية بِرُّ الموصى له، وما لا يتمول شرعًا لا يحصل به المقصود.
(فَصْلٌ) في الموصى إليه
وهو: المأذون له بالتصرف بعد الموت في المال وغيره، مما للوصي التصرف فيه حال الحياة، وتدخله النيابة بملكه وولايته الشرعية.
- مسألة: الدخول في الوصية للقوي عليها قربة مندوبة؛ لفعل الصحابة ﵃، فقد أوصى إلى الزبير ستة من الصحابة، منهم: عثمان، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف ﵃ [مصنف ابن أبي شيبة ٣٠٩٠٨]، ولأنه معونة للمسلم، فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢].
- مسألة: (وَيَصِحُّ الإِيصَاءُ) من مسلم (إِلَى كُلِّ):
стр. 1098
١ - (مُسْلِمٍ)، إجماعًا؛ لأن الكافر لا يلي مسلمًا.
٢ - (مُكَلَّفٍ)، فلا تصح إلى طفل، ولا مجنون، ولا أبْلَهَ؛ لأنهم لا يتأهلون لتصرف أو ولاية.
٣ - (رَشِيدٍ)، فلا تصح إلى سفيه؛ لأنه لا يصح توكيله.
٤ - (عَدْلٍ)، فلا تصح إلى فاسق؛ لأنه ليس أهلاً للأمانة والولاية.
(وَلَوْ) كان الموصى إليه عدلاً (ظَاهِراً)، وهو مستور الحال.
وعنه: تصح إلى الفاسق، ويضم الحاكم إليه أميناً؛ لأنه بالغ عاقل، فصحت كالوصية إليه.
واختار ابن عثيمين: إن كانت العدالة تخدش في تصرفه فهي شرط، وإن كانت لا تخدش فليست بشرط.
- فرع: يصح الإيصاء إلى أعمى، أو امرأة، أو أم ولد، أو عدو الطفل الموصى عليه؛ لأنهم أهل للائتمان، وكذا لو كان الموصى إليه عاجزًا؛ لأنه أهل للائتمان، ويضم إلى الضعيف قوي أمين معاون.
- مسألة: (وَ) يصح الإيصاء (مِنْ كَافِرٍ):
١ - (إِلَى مُسْلِمٍ)، إن لم تكن تركة الكافر خمرًا أو خنزيرًا ونحوهما، فإن كانت تركته كذلك؛ لم تصح؛ لعدم إمكانه.
стр. 1099
٢ - (وَ) إلى كافر (عَدْلٍ فِي دِينِهِ)؛ لأنه يلي غيره بالنسب فيلي بالوصية؛ كالمسلم.
- مسألة: (وَلَا يَصِحُّ) الإيصاء (إِلَّا) بشرطين:
١ - أن يكون (فِي) تصرف (مَعْلُومٍ)؛ ليعلم موصًى إليه ما وصِّيَ به إليه؛ ليتصرف فيه كما أمر، فلا تصح في مجهول؛ كوصيتك في نظر.
٢ - أن يكون فيما (يَمْلِكُ المُوصِي فِعْلَهُ)؛ كقضاء الدين، وتفريق الوصية، والنظر في أمر غير مكلف رشيد، من طفل ومجنون وسفيه، ورد الودائع إلى أهلها؛ لأن الوصي يتصرف بالإذن، فلم يجز إلا فيما يملكه الموصي؛ لأن الموصيَ أصيل، والموصى إليه فرع، ولا يملك الفرع ما لا يملكه الأصيل؛ كالوكالة.
فلا تصح الوصية فيما لا يملكه؛ كوصية الرجل بالنظر على بالغ رشيد؛ لعدم ولاية الموصي حال الحياة.
- مسألة: (وَمَنْ مَاتَ بِمَحَلٍّ لَا حَاكِمَ فِيهِ) أي: في المحل الذي مات فيه، (وَلَا وَصِيَّ) له، بأن لم يوص إلى أحد؛ كمن مات في برية؛ (فَلِمُسْلِمٍ) حضره (حَوْزُ تَرِكَتِهِ، وَفِعْلُ الأَصْلَحِ فِيهَا مِنْ بَيْعٍ) إن رآه أصلح؛ كسريع
стр. 1100
الفساد، (وَغَيْرِهِ) أي: غير البيع لما لا يسرع فساده؛ لأنه موضع ضرورة لحفظ مال المسلم عليه، إذ في تركه إتلاف له.
(وَ) للمسلم الذي حاز تركته:
- (تَجْهِيزُهُ مِنْهَا)، أي: من تركته إن وُجدت تركة وأمكن تكفينه منها؛ لوجوبها في ماله؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته دابته فمات، قال ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» [البخاري ١٨٤٩، ومسلم ١٢٠٦].
- (وَمَعَ عَدَمِهَا) أي: بأن لم تكن له تركة، أو كانت ولم يمكن تجهيزه منها: فإنه يجهزه (مِنْهُ) أي: من عنده، (وَيَرْجِعُ) بما جَهَّزه بالمعروف (عَلَيْهَا) أي: على تركته حيث كانت، (أَوْ) يرجع به (عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) غير الزوج، إن لم يترك شيئًا؛ لأنه قام عنه بواجب، فيرجع عليه.
- تنبيه: عبر في الإقناع: (على من يلزمه كفنه)، وهو أولى من قول المؤلف تبعاً لما في المنتهى: (تلزمه نفقته)، إذ الزوج يلزمه نفقة زوجته، ولا يلزمه كفنها، فلا يرجع عليه، بل على أبيها أو نحوه. أفاده البهوتي.
- فرع: من قام بتجهيز ميت من ماله فإنه يرجع على تركته أو على من تلزمه نفقته (إِنْ نَوَاهُ) أي: الرجوع، (أَوْ) إن (اسْتَأْذَنَ حَاكِماً)؛ لأنه لو لم يرجع إذن لامتنع الناس من فعله مع حاجة الناس إليه.
стр. 1101
فإن نوى التبرع أو أطلق؛ لم يرجع، وسبق في كتاب الزكاة اختيار شيخ الإسلام: أنه يرجع ما لم ينو التبرع.
стр. 1102
(كِتَابُ الفَرَائِضِ)
جمع فريضة، بمعنى: مفروضة، أي: مقدرة، وهي: نصيب مقدر شرعًا لمستحِقه.
والفرائض شرعاً: العلم بقسمة المواريث، جمع ميراث.
والميراث: هو الحق المخلف عن ميت، ويقال له أيضًا: التراث.
ويسمى العارف بهذا العلم: فارضًا، وفريضًا، وفرضيًّا، وفرائضيًّا.
وقد حث ﷺ على تعلمه وتعليمه، ومن ذلك: حديث عبدالله بن عمرو مرفوعاً: «العِلْمُ ثَلَاثَةٌ، فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ» [أبو داود ٢٨٨٥، وابن ماجه ٥٤، وضعفه الألباني]، وقال عمر ﵁: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا مِنْ دِينِكُمْ» [ابن أبي شيبة ٣١٠٣٤].
- مسألة: (أَسْبَابُ الإِرْثِ) ثلاثة فقط، لا يرث ولا يورث بغيرها، وهي:
السبب الأول: (رَحِمٌ) أي: قرابة، وهي الاتصال بين إنسانين بالاشتراك في ولادة، قريبة أو بعيدة، فيرث بها؛ لقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى
стр. 1103
ببعض في كتاب الله﴾ [الأنفال: ٧٥]، وجهات الرحم ثلاثة: أصول الميت؛ كآبائه وأمهاته، وفروعه؛ كأولاده وأولادهم، وحواشيه؛ كإخوته وأعمامه، وأولادهم.
(وَ) السبب الثاني: (نِكَاحٌ)؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم ... ﴾ الآية [النساء: ١٢]، وهو: عقد الزوجية الصحيح، سواء دخل بالزوجة أو لا، فلا ميراث في النكاح الفاسد ولا الباطل؛ لأن وجوده كعدمه.
(وَ) السبب الثالث: (وَلَاءُ) عتقٍ، والولاء: عصوبة سببها نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق، فيرث بالولاء المعتِقُ وعصبته من عتيقه، ولا عكس، فلا يرث العتيق من معتِقه؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» [ابن حبان ٤٩٥٠، والحاكم ٧٩٩٠]، فشبه الولاء بالنسب، والنسب يورث به، فكذا الولاء.
- فرع: لا إرث بغير هذه الأسباب الثلاثة، فلا إرث بالموالاة، أي: المؤاخاة والمعاقدة، وهي المحالفة، ولا بإسلامه على يديه، ولا بكونهما من أهل ديوان واحد، ولا بالالتقاط؛ لعدم الدليل على الإرث بهذه الأسباب.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يثبت الإرث عند عدم الرحم والنكاح والولاء بأسباب أخرى، وهي:
стр. 1104
١ - الموالاة والمعاقدة: وهو الاتفاق على الولاء والنصرة والتوارث، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الخلة والمعاقدة، يقول لصاحبه: دمي دمك وترثني وأرثك، واستمر ذلك أول الإسلام، فكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، والموالاة كالمعاقدة.
٢ - الإسلام على يديه؛ لحديث تميم الداري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يسلم على يدي الرجل؟ فقال: «هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ» [أحمد ١٦٩٤٤، وأبو داود ٢٩١٨، والترمذي ٢١١٢، وابن ماجه ٢٧٥٢]، وعن مجاهد: أن رجلًا أتى عمر ﵁ فقال: إن رجلًا أسلم على يدي، فمات وترك ألف درهم، فتحرجت منها، ورفعتها إليك، فقال: «أَرَأَيْتَ لَوْ جَنَى جِنَايَةً عَلَى مَنْ كَانَتْ تَكُونُ؟ » قال: علي، قال: «فَمِيرَاثُهُ لَكَ» [ابن أبي شيبة ٣١٥٧٧].
٣ - الالتقاط؛ لحديث واثلة بن الأسقع ﵁ أن النبي ﷺ قال: «المَرْأَةُ تُحْرِزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَنْهُ» [أحمد ١٦٠٠٤، وأبو داود ٢٩٠٦، والترمذي ٢١١٥، وابن ماجه ٢٧٤٢]، ولقول عمر ﵁ لمن التقط لقيطاً: «هُوَ حُرٌّ، وَوَلَاؤُهُ لَكَ، وَعَلَيْنَا رَضَاعُهُ» [ابن أبي شيبة ٣١٥٦٩]، ولأن إنعام الملتقط على اللقيط بتربيته والقيام عليه، ليس بدون إنعام المعتق على العبد بعتقه.
стр. 1105
٤ - كونهما من أهل الديوان، وهو اسم الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش، وأهل العطاء، والمراد: كونهما مكتوبين في ديوان واحدٍ، قال أبو الخطاب في توريثهم من بعض: (يروى عن عمر ﵁ (١).
٥ - وزاد شيخ الإسلام: العتيق من سيده؛ لقول ابن عباس ﵄: «مَاتَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا إِلَّا عَبْدًا لَهُ هُوَ أَعْتَقَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِيرَاثَهُ» [أحمد ١٩٣٠، والترمذي ٢١٠٦، وأبو داود ٢٩٠٥، وابن ماجه ٢٧٤١، وضعفه البخاري، وقال ابن القيم بعده: وبهذه الفتوى نأخذ]، ولأن له ولاء، فهو أولى من بيت المال.
- مسألة: (وَمَوَانِعُهُ) أي: موانع الإرث ثلاثة:
الأول: (قَتْلٌ)، فلا يرث القاتل باتفاق الأئمة، مكلف أو غير مكلف، انفرد بقتل مورثه أو شارك فيه، ولو كان القتل بسبب؛ كحفر نحو بئر، إن لزم القاتلَ قَوَدٌ أو دِيَةٌ أو كفارة، ويأتي الكلام عليه في فصل ميراث القاتل؛ لحديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ» [الموطأ ٢/ ٨٦٧، وأحمد ٣٤٨، وابن ماجه ٢٦٤٦].
(وَ) الثاني: (رِقٌّ)، وهو: عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر، وهو
стр. 1106
مانع من الجانبين، فلا يرث الرقيق اتفاقاً، ولو مُدبِّرًا أو مكاتَبًا أو أم ولد؛ لأنه لو ورث لكان لسيده وهو أجنبي، ولا يورث؛ لأنه لا مال له.
(وَ) الثالث: (اخْتِلَافُ دِينٍ)، بأن يكون أحدهما على ملة والثاني على ملة أخرى، فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم؛ لحديث أسامة بن زيد ﵄ مرفوعًا: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ المُسْلِمَ» [البخاري ٤٢٨٣، ومسلم ١٦١٤].
وأهل الذمة يرث بعضهم بعضًا مع اتفاق أديانهم، كيهودي ويهودي، ولا يرث بعضهم من بعض مع اختلاف أديانهم، كاليهود مع النصارى؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» [أحمد ٦٦٦٤، وأبو داود ٢٩١١، وابن ماجه ٢٧٣١]، وعن محمد بن الأشعث: أن عمَّةً له توفيت باليمن وهي يهودية، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب ﵁، فقال: «لَيْسَ ذَاكَ لَكَ، يَرِثُهَا أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْهَا مِنْ أَهْلِ دِينِهَا، لَا يَتَوَارَثُ مِلَّتَانِ» [سنن الدارمي ٣٠٣٩].
- فرع: يستثنى من اختلاف الدين أمران:
١ - الولاء، فيرث المسلم عتيقه الكافر؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ» [الدارقطني ٦٣٥٦]، ولأن ولاءه له بالإجماع، وهو شعبة من الرق، فورثه به كما يرثه قبل العتق.
стр. 1107
ويرث الكافر عتيقه المسلم بالولاء؛ قياسًا على ما تقدم.
٢ - إذا أسلم كافر قبل قسم ميراث مورثه المسلم، فيرث منه؛ لحديث عروة وابن أبي مليكة عن النبي ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» [سعيد بن منصور ١٨٩، ١٩٠]، ولما روي: (أن عمر ﵁ قضى أنه من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فإنه يصيبه، وقضى به عثمان ﵁ [ابن عبد البر بإسناده في التمهيد ٢/ ٥٧]، والحكمة فيه الترغيب في الإسلام والحث عليه، فإن قسم البعض دون البعض ورث مما بقي دون ما قسم.
ولا يرث من أسلم قبل قسم الميراث إن كان زوجًا؛ لانقطاع عُلَق الزوجية عنه بموتها بخلافها، وكذا لا ترث هي منه إن أسلمت بعد عدتها.
واختار شيخ الإسلام: أنه يستثنى من مانع اختلاف الدين أيضاً ثلاثة أمور:
١ - المسلم، فإنه يرث من قريبه الكافر الذمي، لا العكس؛ لحديث عائذ بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» [الدارقطني ٣٦٢٠]، و «كَانَ مُعَاوِيَةُ، يُوَرِّثُ المُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ، وَلَا يُوَرِّثُ الْكَافِرَ مِنَ الْمُسْلِمِ» [سعيد بن منصور ١٤٦]، ولئلا يمتنع قريبه من الإسلام.
٢ - المرتد إن قُتِل في ردته أو مات عليها، فماله لوارثه المسلم، وهو رواية عن الإمام أحمد؛ لوروده عن علي وابن مسعود ﵄ [سنن الدارمي ٣١١٦، ٣١١٧]، قال شيخ الإسلام: (وهو المعروف عن الصحابة)، ولأن
стр. 1108
توريث قرابته المسلمين أولى من توريث عموم المسلمين.
والمذهب: أن ماله فيء؛ لأنه كافر فلا يرثه المسلم، ولا يمكن جعله لأهل دينه؛ لأنه لا يرثه فلا يرثونه.
٣ - الزنديق: وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهو المنافق: فإنه يرث ويورث؛ لأنه ﵇ لم يأخذ من تركة منافق شيئًا، ولا جعله فيئًا، فعُلم أن التوارث مداره على النصرة الظاهرة، واسم الإسلام يجري عليه في الظاهر إجماعًا.
والمذهب: أن المنافق كالمرتد على ما تقدم؛ لأنه في الحقيقة كافر.
- مسألة: (وَأَرْكَانُهُ) أي: الإرث ثلاثة:
١ - (وَارِثٌ)، وهو: الحي بعد موت المورث، أو الملحق بالأحياء حكمًا؛ كالمفقود.
٢ - (وَمُوَرِّثٌ)، وهو: الميت الذي انتقلت التركة منه، حقيقةً أو حكمًا.
٣ - (وَمَالٌ مَوْرُوثٌ)، وهو: التركة، من مال أو حق أو مختص.
- مسألة: (وَشُرُوطُهُ) أي: الإرث، ثلاثة:
١ - (تَحَقُّقُ مَوْتِ مُوَرِّثٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، إما:
стр. 1109
أحقيقة: بمشاهدة، أو استفاضة، أو شهادة عدلين.
ب أو حكمًا: بإلحاقه بالأموات حكمًا؛ كالمفقود.
ت أو تقديرًا: بإلحاقه بالأموات تقديرًا، كالجنين إذا جُني على أمه فسقط ميتًا، فإنه يجب فيه غرة -عبد أو أمة-، فيقدر حيًّا، ثم يقدر أنه مات؛ لتورث عنه تلك الغرة.
٢ - (وَتَحَقُّقُ وُجُودِ) أي: حياة (وَارِثٍ) حين موت المورث، إما:
أحقيقة: بمشاهدة، أو استفاضة، أو شهادة عدلين.
ب أو حكمًا: بإلحاقه بالأحياء حكمًا؛ كالمفقود قبل مضي المدة التي يغلب على الظن فيها هلاكه، وكالحمل.
٣ - (وَالعِلْمُ بِالجِهَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلإِرْثِ)، أي: معرفة أسباب الإرث: من رحم، أو نكاح، أو ولاء.
- مسألة: (وَالوَرَثَةُ) ثلاثة أصناف:
١ - (ذُو فَرْضٍ) أي: ذو نصيب مقدر شرعًا، لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول.
٢ - (وَعَصَبَةٌ): وهم من يرثون بلا تقدير.
стр. 1110
٣ - (وَذُو رَحِمٍ): وهم الذين يرثون عند عدم العصبات وأصحاب الفروض غير الزوجين، على ما يأتي بيانه.
- مسألة: (فَذُو الفَرْضِ) أي: الأنصباء المقدرة (عَشَرَةٌ: الزَّوْجَانِ، وَالأَبَوَانِ)، مجتمعين أو متفرقين، (وَالجَدُّ) لأب، (وَالجَدَّةُ) لأم أو أب، كذلك، (وَالبِنْتُ، وَبِنْتُ الابْنِ)، وإن نزل أبوها، (وَالأُخْتُ) لأبوين أو لأب، (وَوَلَدُ الأُمِّ)، ذكرًا كان أو أنثى، ويأتي تفصيل أحوالهم.
- مسألة: (وَالفُرُوضُ المُقَدَّرَةُ فِي كِتَابِ اللهِ) تعالى (سِتَّةٌ: النِّصْفُ، وَالرُّبُعُ، وَالثُّمُنُ، وَالثُّلُثَانِ، وَالثُّلُثُ، وَالسُّدُسُ)، وإن شئت قلت: النصف، والثلثان، ونصفهما، ونصف نصفهما، وأما ثلث الباقي فإنما ثبت باجتهاد الصحابة، ويأتي في العمريتين.
- مسألة: (فَالنِّصْفُ فَرْضُ خَمْسَةِ) أصناف:
الصنف الأول: (الزَّوْجُ)، ويستحق النصف بشرط واحد، وهو: (إِنْ لَمْ
стр. 1111
يَكُنْ لِلزَّوْجَةِ وَلَدٌ)، ذكر أو أنثى، منه أو من غيره، (وَلَا وَلَدُ ابْنٍ) وإن نزل أبوه بمحض الذكور؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢].
(وَ) الصنف الثاني: (البِنْتُ)، وتستحق النصف بشرطين:
١ - عدم المعصب، وهو أخوها، سواء كان شقيقًا، أَو لأبٍ، أَو لأم؛ لقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين).
٢ - عدم المشارك، وهو أختها أو أخواتها، سواء كنَّ شقيقات أو لأب أو لأم؛ بلا خلاف؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ [النساء: ١١].
(وَ) الصنف الثالث: (بِنْتُ الابْنِ) وإن نزل أبوها بمحض الذكورة؛ كبنت ابن ابن، وبنت ابن ابن ابن، إجماعاً؛ لأن ولد الابن كولد الصلب، الذكر كالذكر، والأنثى كالأنثى.
وتستحقه بثلاثة شروط:
١ - عدم المعصب، وهو أخوها، سواء كان شقيقاً أو لأب، أو ابن عمها الذي في درجتها؛ لقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين).
٢ - عدم المشارك، وهي أختها، سواء كانت شقيقةً أو لأب، أو بنت عمها التي في درجتها؛ قياساً على البنت.
стр. 1112
٣ - (مَعَ عَدَمِ) الفرع الوارث الأعلى منها، سواء كان (وَلَدَ الصُّلْبِ)، أو ولد ابن أعلى منها، وهذا بالإجماع.
(وَ) الصنف الرابع: (الأُخْتُ لأَبَوَيْنِ)، وهي الشقيقة، وتستحق النصف إجماعاً بأربعة شروط:
١ - (عِنْدَ عَدَمِ) الفرع الوارث، وهو (الوَلَدُ، وَوَلَدُ الابْنِ)، وإن نزل بمحض الذكور؛ لقوله تعالى: ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾.
٢ - عدم الأصل الوارث من الذكور وهو الأب، والجد على القول بأنه كالأب، ويأتي؛ لقوله تعالى: (يسألونك قل الله يفتيكم بالكلالة)، والكلالة: هي من لا ولد له ولا والد.
٣ - عدم المعصب، وهو الأخ الشقيق؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾، والجد - على القول بتوريثها معه وهو المذهب-، فلا يفرض لها النصف مع الجد، إلا في المسألة الأكدرية، وتأتي.
٤ - عدم المشارك، وهو الأخت الشقيقة؛ لقوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾.
стр. 1113
(وَ) الصنف الخامس: (الأُخْتُ للأَبِ)، وتستحق النصف بخمسة شروط، الأربعة السابقة في استحقاق الشقيقة له، والخامس: (عِنْدَ عَدَمِ الأَشِقَّاءِ)؛ بالإجماع.
- مسألة: (وَالرُّبُعُ فَرْضُ اثْنَيْنِ) من أصحاب الفروض:
الصنف الأول: (الزَّوْجُ)، ويستحقه بشرط واحد، وهو ما أشار إليه بقوله: (مَعَ الوَلَدِ) للزوجة، منه أو من غيره، ذكر أو أنثى، (أَوْ) مع (وَلَدِ الِابْنِ) كذلك، وإن سَفَل أبوه بمحض الذكور؛ لقوله تعالى: (فإن كان لهن ولدٌ فلكم الربع مما تركن).
(وَ) الصنف الثاني: (الزَّوْجَةُ فَأَكْثَرُ)، وتستحقه بشرط واحد، وهو عدم الفرع الوارث للزوج، وهو ما أشار إليه بقوله: (مَعَ عَدَمِهِمَا) أي: عدم الولد للزوج، ذكر أو أنثى، منها أو من غيرها، ومع عدم ولد ابن كذلك، وإن سَفَل، إجماعًا؛ لقوله تعالى: (ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد).
- مسألة: (والثُمُنُ فَرْضُ) صنف (وَاحِدٍ: وَهُوَ الزَّوْجَةُ فَأَكْثَرُ)، وتستحقه بشرط واحد، وهو وجود الفرع الوارث، وأشار إليه بقوله: (مَعَ الوَلَدِ)
стр. 1114
للزوج، منها أو من غيرها، ذكر أو أنثى، واحد أو متعدد، (أَوْ) مع (وَلَدِ الابْنِ) كذلك، وإن سَفَل؛ لقوله تعالى: (فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم).
- مسألة: (وَالثُّلُثَانِ فَرْضُ أَرْبَعَةِ) أصناف:
فالصنف الأول: فرض (البِنْتَيْنِ فَأَكْثَرَ)، فيأخذن الثلثين بشرطين:
١ - عدم المعصب.
٢ - وجود المشارك، بأن يكنَّ اثنتين فأكثر؛ لقوله تعالى: (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ماترك)، ولحديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال لأخ سعد بن الربيع: «أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ ثُلُثَيْ مَالِهِ، وَأَعْطِ امْرَأَتَهُ الثُّمُنَ، وَخُذْ أَنْتَ مَا بَقِيَ» [أحمد ١٤٧٨٩، وأبو داود ٢٨٩٢، والترمذي ٢٠٩٢، وابن ماجه ٢٧٢٠]، وحكي إجماعاً.
(وَ) الصنف الثاني: فرض (بِنْتَيِ الابْنِ فَأَكْثَرَ)، وإن نزل أبوهما بمحض الذكور، وسواء كانتا أختين أو بنتي عم متحاذيتين، فيأخذن الثلثين بثلاثة شروط:
١ - عدم الفرع الوارث الأعلى منها، على ما تقدم بيانه في ميراثها النصف.
стр. 1115
٢ - عدم المعصب، على ما تقدم بيانه في ميراثها النصف.
٣ - وجود المشارك، بأن يكن اثنتين فأكثر؛ لقوله تعالى: (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ماترك)، ويدخل أولاد الابن في الأولاد، قياساً على بنات الصلب.
(وَ) الصنف الثالث: فرض (الأُخْتَيْنِ لأَبَوَيْنِ) أي: الشقيقة (فَأَكْثَرَ)، فيأخذن الثلثين بأربعة شروط:
١ - عدم الأصل الوارث من الذكور.
٢ - عدم الفرع الوارث.
٣ - عدم المعصب.
على ما تقدم بيانه في ميراث الشقيقة النصف.
٤ - وجود المشارك، بأن يكنَّ اثنتين فأكثر؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ).
(وَ) الصنف الرابع: فرض (الأُخْتَيْنِ لِأَبٍ فَأَكْثَرَ)، فيأخذن الثلثين - وحكي إجماعاً - بخمسة شروط:
١ - عدم الأصل الوارث من الذكور.
٢ - عدم الفرع الوارث.
стр. 1116
٣ - عدم وجود الشقيقات والشقائق.
٤ - عدم المعصب، وأشار إليه بقوله: (مَعَ الانْفِرَادِ عَنْ مُعَصِّبٍ).
وتقدم بيان هذه الشروط.
٥ - وجود المشارك، بأن يكنَّ اثنتين فأكثر؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ)، وقد أجمعوا أنها نزلت في الإخوة لغير أم.
- تنبيه: أصحاب الثلثين هم أصحاب النصف ماعدا الزوج، وشروطهم هي شروط أصحاب النصف، ما عدا شَرْطَ عدم المشارك يتغير إلى وجود المشارك.
- مسألة: (وَالثُّلُثُ فَرْضُ) صنفين (اثْنَيْنِ):
الصنف الأول: فرض (وَلَدَيِ الأُمِّ)، ذكرين، أو أنثيين، أو خنثيين، أو مختلفين، (فَأَكْثَرَ) من اثنين، ويستحقون الثلث -إجماعاً- بثلاثة شروط:
١ - عدم الفرع الوارث مطلقًا، من الأولاد وأولاد البنين وإن نزلوا.
٢ - عدم الأصل الوارث من الذكور.
٣ - أن يكونوا اثنين فأكثر، ذكرين كانوا، أو أنثيين، أو ذكرًا وأنثى، أو أكثر من ذلك.
стр. 1117
والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، أجمع العلماء على أن المراد هنا ولد الأم، والكلالة: من لا ولد له ولا والد.
- فرع: يختص ولد الأم بخمسة أحكام:
١ - أن ذكرهم كأنثاهم حال الانفراد، فمن انفرد منهم أخذ السدس، ذكرًا كان أو أنثى، بخلاف غيرهم، فإنه إذا انفرد الذكر منهم أخذ جميع المال، وإذا انفردت الأنثى أخذت فرضها.
٢ - أنه (يَسْتَوِي فِيهِ) أي: في الثلث (ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُم) حال اجتماعهم، فلا يفضل ذكرهم على أنثاهم في الإرث؛ لقوله تعالى: ﴿فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾، والشركة إذا أطلقت تقتضي المساواة، بخلاف غيرهم، فإن البنت إذا اجتمعت مع الابن عصبها، فله ضعف مالها.
٣ - أن ذكرهم يدلي بأنثى -وهي الأم- ويرث، بخلاف ذكر غيرهم فإنه إذا أدلى بأنثى لا يرث؛ كابن البنت، وابن الأخت.
٤ - أنهم يحجبون من أدلوا به نقصانًا، وهي الأم من الثلث إلى السدس، بخلاف غيرهم، فإن المدلَى به منهم يحجب المدلي.
стр. 1118
٥ - أنهم يرثون مع من أدلوا به، فيرثون مع الأم التي أدلوا بها، وغيرهم لا يرث مع من أدلى به؛ كابن الابن فإنه لا يرث مع الابن، وهذا الأخير تشاركهم فيه الجدة أم الأب، وأم أبي الأب، فإنها تدلي بابنها وترث معه، كما سيأتي.
(وَ) الصنف الثاني: فرض (الأُمِّ)، وتستحق الثلث بثلاثة شروط:
١ - عدم الفرع الوارث، وأشار إليه بقوله: (حَيْثُ لَا وَلَدَ)، ذكراً أو أنثى، واحداً أو متعدداً، (وَلَا وَلَدَ ابْنٍ)، كذلك، وإن نزل؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١].
٢ - (وَلَا عَدَدَ) أي: اثنين فأكثر (مِنَ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ)، أو منهما، ولو محجوبين كما سيأتي؛ لقوله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ [النساء: ١١].
٣ - ألا تكون المسألة إحدى العمريتين، وأشار إليه الصنف بقوله: (لَكِنْ لَهَا ثُلُثُ البَاقِي فِي العُمَرِيَّتَيْنِ)، وسُميتا بذلك: لقضاء عمر فيهما بذلك، وتبعه عليه عثمان، وزيد بن ثابت وابن مسعود ﵃ [مصنف عبدالرزاق ١٠/ ٢٥٣].
- فرع: (وَ) العمريتان مسألتان فقط، و (هُمَا):
١ - (أَبَوَانِ، وَزَوْجٌ)، فللزوج النصف، وللأم السدس -ثلث الباقي-، وللأب الباقي.
стр. 1119
٦
زوج ... ١/ ٢ ... ٣
أم ... ١/ ٣ الباقي ... ١
أب ... الباقي ... ٢
٢ - (أَوْ) أبوان و (زَوْجَةٌ)، ، فللزوجة الربع، وللأم الربع -ثلث الباقي-، وللأب الباقي.
٤
زوجة ... ١/ ٤ ... ١
أم ... ١/ ٣ الباقي ... ١
أب ... الباقي ... ٢
ووجهه: أن الأم والأب استويا في السبب المدلى به وهو الولادة، وامتاز الأب بالتعصيب بخلاف الجد، فلو أعطينا الزوج فرضه وأخذت الأم الثلث؛ لزم تفضيل أنثى على ذكر من حيز واحد في مرتبة واحدة، أو أعطينا الزوجة فرضها والأم الثلث كاملًا لزم أن لا يفضل عليها التفضيل المعهود مع اتحاد الجهة والرتبة، فلذلك استدركوا هذا المحذور وأعطوا الأم ثلث الباقي والأب ثلثيه؛ مراعاة لهذه المصلحة.
стр. 1120
- مسألة: (والسُدُسُ فَرْضُ سَبْعَةِ) أصناف:
الصنف الأول: (الأُمُّ)، وتستحق السدس بأحد شرطين:
١ - وجود الفرع الوارث، وأشار إليه بقوله: (مَعَ الوَلَدِ)، ذكراً كان أو أنثى، واحداً أو متعدداً، (أَوْ وَلَدِ الابْنِ)، كذلك، وإن نزل؛ لقوله تعالى: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد).
٢ - (أَوْ) وجود (عَدَدٍ) أي: اثنين فأكثر (مِنَ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ)، أو منهما، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، ولفظ الإخوة يستعمل في الاثنين، وعن زيد بن ثابت ﵁: «الْإِخْوَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَخَوَانِ فَصَاعِدًا» [الحاكم ٧٩٦١].
- فرع: يحجب الإخوةُ والأخواتُ الأمَّ حجب نقصان من الثلث إلى السدس، ولو كانوا محجوبين بالشخص، واختاره ابن باز وابن عثيمين؛ لظاهر قوله تعالى: (فإن كان له إخوة فلأمه السدس)، فأتى بالفاء الدالة على ارتباط الجملة الثانية بالجملة الأولى، وقد ذكر في الأولى ميراث الأب، والإخوة لا يرثون معه.
واختار شيخ الإسلام: أنهم لا يحجبون الأم إلا إذا كانوا وارثين معها، فإن كانوا محجوبين ورثت الثلث؛ لأنهم إنما يحجبون الأم إلى السدس
стр. 1121
ليستفيدوا من هذا الحجب، فإذا لم يكونوا وارثين فلا معنى لهذا الحجب، وقياساً على المحجوب بالوصف في عدم التأثير.
(وَ) الصنف الثاني: (الجَدَّةُ فَأَكْثَرُ مَعَ تَحَاذٍ)، أي: تساوَيْن في الدرجة، ويستَحْقِقْنَ السدس بشرط: عدم الأم؛ إجماعاً؛ لحديث بُريدة ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ» [أبوداود ٢٨٩٥، والنسائي ٦٣٣٨].
ويأتي تفصيل أحكام الجدات.
(وَ) الصنف الثالث: (بِنْتُ الابْنِ فَأَكْثَرُ) وإن نزل أبوها (مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ) الواحدة، ويستَحْقِقْنَ السدس تكملة الثلثين بشرطين:
١ - عدم المعصب؛ لقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١].
٢ - أن يكن مع أنثى فرع أعلى منهن وارثة النصف فرضًا؛ لقول هُزَيل بن شُرَحْبِيل: سئل أبو موسى عن بنت وابنة ابن وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود، فسيتابعني، فسئل ابن مسعود، وأُخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضَلَلْتُ إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ : «لِلابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ» [البخاري ٦٧٣٦].
стр. 1122
- فرع: إن وجد مع بنت الابن فأكثر فرع وارث أعلى منهنَّ، فلا يخلو:
١ - أن يكون الفرع الوارث ذكرًا: فيسقطن؛ لأن كل ذكر من الفروع، يسقط من تحته من أولاد الابن.
٢ - أن يكون الفرع الوارث أنثيين فأكثرَ لا ذكر معهنَّ: فلهما الثلثان، ويسقط من دونهنَّ من بنات الابن؛ لاستغراق من فوقهن الثلثين، إلا أن يعصبهن ذكر بدرجتهن، أو أنزل منهن.
٣ - أن يكون الفرع الوارث أنثى واحدة لا ذكر معها: فلها النصف، ولمن دونها من بنات الابن السدس تكملة الثلثين، سواء كنَّ واحدةً أم أكثر، فلا يزيد الفرض بزيادتهنَّ؛ لأن إناث الفروع لا يتجاوز فرضهنَّ الثلثين، وقد أخذت البنت النصف، فلم يبق إلا السدس يكون لبنات الابن.
(وَ) الصنف الرابع: (أُخْتٌ فَأَكْثَرُ لِأَبٍ مَعَ أُخْتٍ لأَبَوَيْنِ) واحدة، فترث السدس تكملة الثلثين بشرطين:
١ - عدم المعصب؛ لقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١].
٢ - وجود أخت شقيقة وارثة النصف فرضًا، إجماعاً، وقياسًا على بنت الابن مع بنت الصلب.
فإن تعددت الشقيقات؛ بأن كنَّ اثنتين فأكثرَ؛ أسقطن الأختَ لأب فأكثرَ؛ لاستغراقهن الثلثين، إلا إذا وجد من يعصبهن.
стр. 1123
(وَ) الصنف الخامس: (الوَاحِدُ مِنْ وَلَدِ الأُمِّ)، ذكراً كان أو أنثى أو خنثى، ويستحق السدس بثلاثة شروط:
١ - عدم الفرع الوارث مطلقًا.
٢ - عدم الأصل الوارث من الذكور.
٣ - أن يكون منفردًا.
والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، أجمع العلماء على أن المراد هنا ولد الأم، والكلالة: من لا ولد له ولا والد.
(وَ) الصنف السادس: (الأَبُ)، ويستحق السدس بشرط واحد: وهو وجود الفرع الوارث، وأشار إليه بقوله: (مَعَ الوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الابْنِ)، وإن نزل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١].
(وَ) الصنف السابع: (الجَدُّ)، فيستحق السدس بشرطين:
١ - وجود الفرع الوارث، وأشار إليه بقوله: (كَذَلِكَ) أي: مع الولد، أو ولد الابنِ، وإن نزل.
стр. 1124
٢ - عدم الأب، وهذا بالإجماع.
(واللهُ أَعْلَم).
(فَصْلٌ) في الجد والإخوة
- مسألة: (وَالجَدُّ) لأب وإن علا بمحض الذكور يرث (مَعَ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ لأَبَوَيْنِ، أَوِ) الإخوة والأخوات (لِأَبٍ)، ويرثون معه ولا يسقطون به، وأما الإخوة من الأم فإنهم يسقطون بالجد بلا خلاف؛ لما ورد عن علي وزيد بن ثابت ﵄ من توريث الإخوة مع الجد [ابن أبي شيبة: ٣١٢٢٠، وما بعده]، ولأن ميراثهم ثبت بالكتاب، فلا يُحْجَبون إلا بنص أو إجماع أو قياس، وما وُجِد شيء من ذلك، ولأنهم تساووا في سبب استحقاق الميراث فيتساوون فيه، فإن الأخ والجد يدليان بالأب، وقرابة البُنوة لا تنقص عن قرابة الأبوة، بل ربما كانت أقوى؛ فإن الابن يُسقط تعصيب الأب.
وعنه واختاره شيخ الإسلام وابن القيم: أن الإخوة يسقطون بالجد كما يسقطون بالأب؛ لأن الله تعالى سمى الجد أبًا، فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، فيكون له حكم الأب، ولقول أبي بكر الصديق،
стр. 1125
وابن عباس، وابن الزبير ﵃: «الجَدُّ أَبٌ» [علقه البخاري بصيغة الجزم ٨/ ١٥١، ووصله الدارمي: ٢٩٤٥، ٢٩٦٨]، قال البخاري: (ولم يذكر أن أحدًا خالف أبا بكر ﵁ في زمانه، وأصحاب النبي ﷺ متوافرون)، لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» [البخاري: ٦٧٣٢، ومسلم: ١٦١٥]، والجد أولى من الأخ، بدليل المعنى والحكم؛ أما المعنى فإنه له قرابة إيلاد وبعضيَّة كالأب، وأما الحكم فإن الفروض إذا ازدحمت سقط الأخ دونه، ولا يسقطه أحد إلا الأب، والإخوة والأخوات يسقطون بثلاثة وهم الابن، وابنه، وإن نزل والأب، ويجمع له بين الفرض والتعصيب، كالأب، وهم ينفردون بواحد منهما، وقد ذكر ابن القيم لترجيح هذا القول عشرين وجهًا.
- مسألة: يكون الجد مع الإخوة والأخوات لأبوين أو لأب (كَأَحَدِهِمْ)، فيقاسمهم المال أو فيما أبقت الفروض، ويكون كأخ منهم؛ لأنهم تساووا في الإدلاء فتساووا في الميراث، فجدٌّ وأخ لأب وأخت لأب، أصلها من خمسة، للجد سهمان، وللأخ سهمان، وللأخت لأب سهم، وفي جدٍّ وجدَّة وأخ، للجدة سُدُس، والباقي للجد والأخ مقاسمة.
إلا إذا كان الثلث خيرًا له من المقاسمة؛ فيأخذه، والباقي لهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
- مسألة: لا يخلو توريث الإخوة مع الجد من حالين: