← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

اسْتَهَلَّ المَوْلُودُ وُرِّثَ» [أبو داود ٢٩٢٠]، قال في القاموس: (واستهل الصبي: رفع صوته بالبكاء)، (أَوْ وُجِدَ دَلِيلُ حَيَاتِهِ)؛ كأن يعطس، أو يتنفس، أو يرتضع، أو يوجد منه ما يدل على حياة؛ كحركة طويلة ونحوها؛ لدلالة هذه الأشياء على الحياة المستقرة، فيثبت له حكم الحي كالمستهل، (سِوَى حَرَكَةٍ أَوْ تَنَفُّسٍ يَسِيرَيْنِ، أَوِ اخْتِلَاجٍ)؛ لأنها لا تدل على حياة مستقرة ولو علمت الحياة إذن؛ لأنه لا يعلم استقرارها؛ لاحتمال كونها كحركة المذبوح. - مسألة: من مات عن حمل يرثه وورثه غيره، لم يخل ذلك من أمرين: الأول: أن يرضى الورثة بأن يوقف الأمر على وضعه: فهذا أولى؛ خروجًا من الخلاف، ولتكون القسمة مرة واحدة. (وَ) الثاني: (إِنْ) لم يرضوا، و (طَلَبَ الوَرَثَةُ) أو بعضهم (القِسْمَةَ) أي: قسمة التركة؛ لم يجبروا على الصبر، وتنقسم التركة كالتالي: ١ - (وُقِفَ لَهُ) أي: للحمل (الأَكْثَرُ مِنْ إِرْثِ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ)؛ لأن

стр. 1157

ولادة الاثنين كثيرة معتادة، فلا يجوز قسم نصيبهما كالواحد، وما زاد عليهما نادر، فلا يوقف له شيء، فيُقَدَّر أنه سيولد ميتاً، وذكراً، وأنثى، وذكرين، وأنثيين، وذكر وأنثى. ٢ - (وَيُدْفَعُ لِمَنْ لَا يَحْجُبُهُ) الحمل (إِرْثُهُ كَامِلاً)؛ كالجدة، فإن فرضها السدس مع الولد وعدمه. ٣ - (وَ) يدفع (لِمَنْ يَنْقُصُهُ) الحملُ، أي: يحجبه حجب نقصان (اليَقِينُ)، وهو أقل ميراثه. ٤ - ومن سقط بالحمل؛ لم يعط شيئًا؛ للشك في إرثه؛ كرجل مات عن زوجة حامل منه، وعن إخوة وأخوات، فلا يعطى الإخوة شيئًا؛ لاحتمال أن يولد من يسقطهم. فمن مات عن زوجة وابن وحمل، دفع لزوجته الثمن، ووقف للحمل نصيب ذكرين؛ لأنه أكثر من نصيب بنتين، فتصح المسألة من أربعة وعشرين، للزوجة ثلاثة، للابن سبعة، ويوقف أربعة عشر إلى الوضع. - مسألة: (فَإِذَا وُلِدَ) الحمل؛ (أَخَذَ نَصِيبَهُ) من الموقوف، (وَرُدَّ ظظ مَا بَقِيَ) لمستحقه، (وَإِنْ أَعْوَزَ شَيْئاً)؛ بأن ولدت أكثرَ من ذكرين والموقوفُ إرثهما؛ (رَجَعَ) على من هو في يده بباقي ميراثه.

стр. 1158

فصل في ميراث القاتل والمبعض - مسألة: (وَمَنْ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ) أي: باشر قتله، (وَلَوْ بِمُشَارَكَةٍ) في قتله، (أَوْ) بـ (سَبَبٍ)؛ كحفر نحو بئر، أو نصب نحو سكين؛ (لَمْ يَرِثْهُ إِنْ لَزِمَهُ) أي: القاتل (قَوَدٌ، أَوْ دِيَةٌ، أَوْ كَفَّارَةٌ)، فشمل القتل العمد العدوان، والخطأَ وشبهَ العمد؛ لحديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ» [الموطأ ٢/ ٨٦٧، وأحمد ٣٤٨، وابن ماجه ٢٦٤٦]. فأما ما لا يُضمن من القتل بشيء من قَوَدٍ أو دِيَةٍ أو كفارة؛ كالقتل لمورثه قصاصًا، أو حدًّا، أو دفعًا عن نفسه كالصائل إن لم يندفع إلا بالقتل، وكقتل العادلِ الباغيَ؛ فلا يمنع الإرث؛ لأنه مأذون فيه، فالمنع من الميراث بالقتل يتبع الضمان. واختار ابن القيم وابن عثيمين: إن قتل مورثه عمدًا عدوانًا، فلا يرث من مال مورثه ولا من ديته؛ للحديث السابق، وإن قتله خطأ فإنه يرث من ماله ولا يرث من ديته؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: «المَرْأَةُ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا وَمَالِهِ، وَهُوَ يَرِثُ مِنْ دِيَتِهَا وَمَالِهَا، مَا لَمْ يَقْتُلْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا لَمْ يَرِثْ مِنْ دِيَتِهِ وَمَالِهِ شَيْئًا، وَإِنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَطَأً وَرِثَ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَرِثْ مِنْ دِيَتِهِ» [ابن ماجه

стр. 1159

٢٧٣٦، وقال ابن القيم: وبه نأخذ (١)]، ووجه كونه ورث من المال: أنه لم يتعجله بالقتل، ووجه كونه لم يرث من الدية: أنها واجبة عليه، ولا معنى لكونه يرث شيئًا وجب عليه. - مسألة: (وَلَا يَرِثُ رَقِيقٌ) ولو مُدبَّرًا، أو مكاتَبًا، أو أم ولد، اتفاقاً؛ لأنه لو ورث لكان لسيده وهو أجنبي، (وَلَا يُورَثُ)؛ لأن فيه نقصًا منع كونهم وارثين، فمنع كونهم موروثين كالمرتد. - مسألة: (وَيَرِثُ مُبَعَّضٌ) وهو من بعضه حر وبعضه رقيق، (وَيُورَثُ، وَيَحْجُبُ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ)؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَصَابَ المُكَاتَبُ حَدًّا، أَوْ وَرِثَ مِيرَاثًا يَرِثُ عَلَى قَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ» [أبو داود ٤٥٨٢، والترمذي ١٢٥٩، والنسائي ٤٨١١، وحسنه ابن القيم]، وروي عن علي ﵁ [عبدالرزاق ١٥٧٣٤]، ولأنه يجب أن يثبت لكلِّ بعضٍ حكمه كما لو كان الآخر معه. مثاله: ابن نصفه حر، وأم وعم حران، فلو كان الابن كامل الحرية كان للأم السدس وله الباقي، وهو نصف وثلث، ولا شيء للعم، فللابن مع نصف حريته نصف ما يرث لو كان حرًّا كله، وهو ربع وسدس وللأم ربع،

стр. 1160

لأن الابن الحر يحجبها عن سدس، فنصفه الحر يحجبها عن نصف سدس، فلها سدس ونصف سدس، ومجموعهما ربع، والباقي وهو ثلث للعم تعصيبًا، وتصح من اثني عشر، للأم ثلاثة، وللمبعَّضِ خمسة، وللعم أربعة.

стр. 1161

(كِتَابُ العِتْقِ) العتق لغة: الخلوص، ومنه: عتاق الخيل والطير، أي: خالصها، وسمي البيت الحرام عتيقًا لخلوصه من أيدي الجبابرة. وشرعًا: تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق. والعتق من أعظم القُرَب; لأنه تعالى جعله كفارة للقتل والوطء في نهار رمضان، وكفارة للأيمان، وجعله ﷺ فكاكًا لمعتِقِه من النار؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ» [البخاري ٦٧١٥، ومسلم ١٥٠٩]، ولما فيه من تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق، وملك نفسه ومنافعه، وتكميل أحكامه، وأجمعت الأمة على صحته وحصول القربة به. - مسألة: حكم العتق لا يخلو من ثلاثة أقسام: الأول: (يُسَنُّ) العتق، وذلك في (عِتْقِ مَنْ لَهُ كَسْبٌ) ودِين؛ لانتفاعه بملك كسبه بالعتق. (وَ) الثاني: (يُكْرَهُ) العتق: وذلك (لِمَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ وَلَا كَسْبٌ)؛ لسقوط نفقته بإعتاقه فيصير كَلًّا على الناس ويحتاج إلى المسألة.

стр. 1162

والثالث: يحرم العتق: وذلك إن ظُنَّ أو عُلِم منه زنًى أو فسادٌ أو الرجوع إلى دار حرب؛ لأن التوسل إلى المحرم حرام، ويصح العتق ولو مع علمه بذلك؛ لصدور العتق من أهله في محله، أشبه عتق غيره. فصل في التدبير يقال: دابر الرجل، يدابر مدابرة، إذا مات، فسمي العتق بعد الموت تدبيرًا؛ لأن الموت دُبُرَ الحياة. وشرعًا: تعليق العتق بموت المعلق. والأصل فيه: حديث جابر ﵁: أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دُبُر، فاحتاج، فأخذه النبي ﷺ ، فقال: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي»، فاشتراه نُعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه [البخاري: ٢١٤١، ومسلم: ٩٩٧]، وحكى ابن المنذر الإجماع عليه في الجملة. - مسألة: (وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ (١) أي: العتق (بِالمَوْتِ، وَهُوَ التَّدْبِيرُ)، سمي بذلك؛ لأن الموت دبر الحياة.

стр. 1163

- فرع: (وَيُعْتَبَرُ) لعتق مُدبَّر: خروجه (مِنَ الثُّلُثِ) أي: من ثلث مال السيد المُدبِّر يوم موته; لأنه تبرع بعد الموت، أشبه الوصية، بخلاف العتق في الصحة; لأنه لم يتعلق به حق الورثة، فنفذ من جميع المال؛ كالهبة في الصحة. فصل في الكتابة مشتقة من الكَتْب، وهو الجمع؛ لأنها تجمع نجومًا. وشرعًا: بيع سيد عبدَه نفسَه بمال معلوم، يصح السلم فيه، مؤجل في ذمته بأجلين فأكثر. والأصل في الكتابة قوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: ٣٣]، وقصة بَرِيرَةَ ﵂ [البخاري ٢١٥٦، ومسلم ١٥٠٤]، وأجمع المسلمون على مشروعيتها.

стр. 1164

- مسألة: (وَ) حكم الكتابة لا يخلو من ثلاثة أقسام: الأول: (تُسَنُّ كِتَابَةُ مَنْ عَلِمَ فِيهِ خَيْراً)؛ لقوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: ٣٣]، (وَهُوَ) أي: الخير: (الكَسْبُ وَالأَمَانَةُ)، والآية محمولة على الندب؛ لحديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ» [الدارقطني ٢٨٨٦]، ولأنه دعاء إلى إزالة ملكه بعوض، فلم يجبر السيد عليه؛ كالبيع. وعنه: تجب، إذا ابتغاها من سيده أجبر عليها بقيمته؛ لظاهر الآية، لأن الأصل في الأمر الوجوب، وعن قتادة قال: «سَأَلَ سِيرِينُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْكِتَابَةَ، فَأَبَى أَنَسٌ، فَرَفَعَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ الدِّرَّةَ، وَتَلَا: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾، فَكَاتَبَهُ أَنَسٌ» [عبدالرزاق ١٥٥٧٧]، ولأن الشارع يتشوف إلى تكثير الأحرار، قال ابن عثيمين: (وهذا القول قوي جدًّا، بشرط أن نعلم فيه خيراً). (وَ) الثاني: (تُكْرَهُ) الكتابة (لِمَنْ لَا كَسْبَ لَهُ)؛ لئلا يصير كَلًّا على الناس ويحتاج إلى السؤال. وعنه: لا تكره؛ لأن بَرِيرَةَ كاتبت ولا حرفة لها، فلم ينكر ذلك رسول الله ﷺ . قال ابن قدامة: (وينبغي أن ينظر في المكاتب؛ فإن كان ممن يتضرر

стр. 1165

بالكتابة ويضيع لعجزه عن الإنفاق على نفسه ولا يجد من ينفق عليه؛ كرهت كتابته، وإن كان يجد من يكفيه مؤنته؛ لم تكره كتابته؛ لحصول النفع بالحرية من غير ضرر). - مسألة: (وَيَجُوزُ بَيْعُ المُكَاتَبِ)، وهبته، والوصية به، ذكراً كان أو أنثى؛ لما روت عائشة ﵂: أن بَرِيرَةَ جاءتها تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلتُ، فذكرتْ ذلك بريرة لأهلها فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون لنا ولاؤك، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال لها رسول الله ﷺ : «ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» [البخاري ٢١٥٦، ومسلم ١٥٠٤]. - فرع: (وَمُشْتَرِيه) أي: مشتري المكاتب، ومن انتقل إليه المكاتب بوصية وهبة (يَقُومُ مَقَامَ مُكَاتِبِهِ)، فيؤدي إليه المكاتَب ما بقي من كتابته، (فَإِنْ أَدَّى) المكاتب للمشتري ما بقي من مال الكتابة؛ (عَتَقَ، وَوَلَاؤُهُ) أي: المكاتَب (لِمُنْتَقِلٍ إِلَيْهِ)؛ لأن الكتابة عقد لازم، فلم تنفسخ بنقل الملك في المكاتب. وإن عَجَزَ عن الأداء لمن انتقل إليه؛ عاد قنًّا؛ لأن حكمه مع بائعه ونحوه كذلك، ولقول عائشة ﵂: «هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ» [علقه البخاري ٣/ ١٦٢]، وقال الترمذي: (هو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم).

стр. 1166

فصل في حكم أمهات الأولاد وأصل (أم) أمهة، ولذلك جمعت على أمهات باعتبار الأصل، وعلى أمات باعتبار اللفظ. - مسألة: (وَأُمُّ الوَلَدِ) مسلمة كانت أو كافرة (تَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا مِنْ كُلِّ مَالِهِ)، وإن لم يملك غيرها، فتُقدَّم على الدين والوصية والميراث، بخلاف التدبير فإنه يعتق من ثلث المال؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «أَيُّمَا رَجُلٍ وَلَدَتْ مِنْهُ أَمَتُهُ فَهِيَ مُعْتَقَةٌ، عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ» [أحمد ٢٩١٠، وابن ماجه ٢٥١٥]، ولأن الاستيلاد إتلاف حصل بسبب حاجة أصلية وهي الوطء، فكان من رأس المال؛ كالأكل ونحوه. - مسألة: (وَهِيَ) أي: أم الولد من اجتمع فيها شرطان: ١ - أن تضع ما يتبين في خلق إنسان، وأشار إليه بقوله: (مَنْ وَلَدَتْ مَا فِيهِ صُورَةٌ، وَلَوْ) كانت الصورة (خَفِيَّةً)، ولو كان ما ولدته ميتاً، لقول عمر ﵁: «الأَمَةُ يُعْتِقُهَا وَلَدُهَا، وَإِنْ كَانَ سَقْطًا» [عبدالرزاق ١٣٢٤٣]. فإن وضعت جسمًا لا تخطيط فيه؛ كمضغة ونحوها؛ لم تَصِرْ به أم ولد؛ لأنه ليس بولد، وعتقها مشروط بصيرورتها أم ولد. ٢ - أن تحمل به في ملكه، سواء كان من وطءٍ مباح أو محرم؛ كالوطء

стр. 1167

في الحيض والنفاس والإحرام والظهار، وأشار إليه بقوله: (مِنْ مَالِكٍ) لها، (وَلَوْ) كان مالكاً (بَعْضَهَا)، ولو جزءاً يسيراً. (أَوْ) كانت الأمة المستولدة (مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ) أي: على مالكها الذي أولدها؛ كأخته من رضاع. (أَوْ) ولدت (مِنْ أَبِيهِ) أي: أبي مالكها؛ لأنها حملت منه بحرٍّ؛ لأجل شُبهة الملك، فصارت أم ولد له؛ كالجارية المشتركة، (إِنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَها الابْنُ)، فإن كان الابن وطئها؛ لم تَصِرْ أم ولد للأب باستيلادها؛ لأنها تحرم عليه أبدًا بوطء ابنه لها، فلا تحل له بحال، فأشبه وطء الأجنبي، فعلى هذا لا يملكها ولا تَعتق بموته. فأما إن علقت منه في غير ملكه؛ لم تصر أم ولد؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق، وفيه: «وَلَدَتْ مِنْهُ أَمَتُهُ»، وهذا الحمل لم يحصل من وطئه حال كونها أمته. - مسألة: (وَأَحْكَامُهَا) أي: أم الولد (كَـ) أحكام (أَمَةٍ) غير مستولدة، من وطء، وخدمة، وإجارة، وتزويج، وعتق، وملك كسبها، وحَدِّها، وعورتها، وغيره من أحكام الإماء؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق: «أَيُّمَا رَجُلٍ وَلَدَتْ مِنْهُ أَمَتُهُ فَهِيَ مُعْتَقَةٌ، عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ»، فدل على أنها باقية على الرق مدة حياته، (إِلَّا) في أمرين:

стр. 1168

١ - في التدبير، فلا يصح تدبيرها؛ لأنه لا فائدة فيه؛ إذ الاستيلاد أقوى من التدبير؛ لأن مقتضى الاستيلاد العتق من رأس المال وإن لم يملك غيرها، ومقتضى التدبير العتق من الثلث، فوجب أن يبطل الأضعف وهو التدبير. ٢ - (فِيمَا يَنْقُلُ المِلْكَ فِي رَقَبَتِهَا)؛ كبيع وهبة ووقف، (أَوْ يُرَادُ لَهُ)؛ كرهن؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ , وَقَالَ: لَا يُبَعْنَ وَلَا يُوهَبْنَ وَلَا يُورَثْنَ , يَسْتَمْتِعُ بِهَا سَيِّدُهَا مَا دَامَ حَيًّا، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ» [الدارقطني ٤٢٤٧]، وروي ذلك موقوفاً على عمر ﵁ [عبدالرزاق ١٣٢٢٨]، قال الدارقطني: (الحديث عن عمر موقوف). وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يجوز بيعهن؛ لقول جابر ﵁: «بِعْنَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا» [أبوداود ٣٩٥٤]، وأما ما ورد من المنع؛ فلا يصح مرفوعاً، إنما هو من قول عمر، قال شيخ الإسلام: (وإنما كان رأيًا منه رآه للأمة، وإلا فقد بعن في حياة رسول الله ﷺ ، ومدة خلافة الصديق، ولهذا عزم علي بن أبي طالب على بيعهن، وقال: «إِنَّ عَدَمَ البَيْعِ كَانَ رَأْيًا اتَّفَقَ عَلَيْهِ هُوَ وَعُمَرُ»، فقال له قاضيه عَبِيدَةَ السَّلْماني: «يا أمير المؤمنين، رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك»، فقال: «اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ، فَإِنِّي أَكْرَهُ الخِلَافَ» [عبد الرزاق ١٣٢٢٤]، فلو كان عنده نص من رسول الله ﷺ بتحريم بيعهن لم يضف ذلك إلى رأيه ورأي عمر).

стр. 1169

- مسألة: (وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً) عبداً أو أمة، (أَوْ عَتَقَتْ) الرقبة (عَلَيْهِ) بملك أو سبب؛ (فَلَهُ) أي: المعتِق (عَلَيْهَا) أي: على الرقبة (الوَلَاءُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَصِيرُ) أي: المعتِق (عَصَبَةً لَهَا مُطْلَقاً)، ذكراً كان المعتِق أو أنثى، في جميع أحكام التعصيب؛ لحديث عائشة السابق: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، ويكون ذلك (عِنْدَ عَدَمِ عَصَبَةِ) المعتَقِ في (النَّسَبِ)، وتقدم في كتاب الفرائض.

стр. 1170

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1171

(كِتَابُ النِّكَاحِ) لغةً: الضمُّ، ومنه قولهم: تناكحت الأشجار، أي: انضم بعضها إلى بعض. وشرعاً: عقدٌ يُعتبر فيه لفظ إنكاح أو تزويج في الجملة. وهو مشروع بالإجماع، لقول الله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]، ولحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» [البخاري: ٥٠٦٥، ومسلم: ١٤٠٠]. - مسألة: حكم النكاح، لا يخلو من أربع أحوال: الأولى: (يُسَنُّ): وذلك (مَعَ) وجود (شَهْوَةٍ لِمَنْ لَمْ يَخَفِ الزِّنَى) من رجل وامرأة؛ لحديث ابن مسعود السابق، ولا يجب؛ لأن الله قال: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، فعلّق سبحانه النكاح على الاستطابة، ولو كان واجبًا لم يُعلق على الاستطابة، ولأن النبي ﷺ أقام الصوم مقام الزواج في حديث ابن مسعود، والصيام ليس واجباً اتفاقاً.

стр. 1172

وعنه واختار ابن عثيمين: يجب النكاح؛ للأمر الوارد في الحديث، ولأن ترك النكاح مع القدرة عليه فيه تشبه بالنصارى الذين يعزفون عن النكاح رهبانية. قال ابن عثيمين: ولابد من شرط الاستطاعة لقوله في الحديث: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ»، وللقاعدة العامة أنه: (لا واجب مع العجز). (وَ) الثانية: (يَجِبُ): وذلك في حالتين: ١ - إذا نذره وكان ذا شهوة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» [البخاري: ٦٦٩٦]. ٢ - (عَلَى مَنْ يَخَافُهُ) أي: الزنى بترك النكاح وَقَدَرَ على نكاح حرة؛ سواء كان خوفه من الوقوع في الزنى ظنًّا أو علماً، من رجل وامرأة؛ لأن النكاحَ طريقُ إعفاف نفسه وصونها عن الحرام. واختار ابن قدامة: يجب على من يخاف مواقعة المحظور؛ لأن ما لا يتم ترك الحرام إلا به فهو واجب. والثالثة: يباح: وذلك لمن لا شهوة له؛ كالعِنِّينِ، ومن ذهبت شهوته لكبر أو مرض؛ لأن العلة التي لها يجب النكاح أو يستحب - وهو خوف الزنى أو وجود الشهوة - مفقودة فيه، ولأن المقصود من النكاح الولد، وهو فيمن لا شهوة له غير موجود، فلا ينصرف إليه الخطاب به.

стр. 1173

قال ابن عثيمين: إن قصد بذلك إعفاف الزوجة وتحصين الفرج كان مسنونًا؛ لمصلحة الآخرين. والرابعة: يحرم: وذلك إذا دخل دار حرب بأمانٍ؛ كتاجر؛ قال أحمد: (من أجل الولد؛ لئلا يُستَعْبَد)، إلا إذا كان النكاح لضرورة؛ فيباح؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات. إلا الأسير، فلا يحل له ولو لضرورة؛ لأنه يمنع من وطء امرأته إذا أسرت معه مع صحة نكاحهما؛ لئلا يستعبد الولد، فغيرها أولى. وأما إن كان في جيش المسلمين فله أن يتزوج؛ لأن الكفار لا يد لهم عليه، أشبه من في دار الإسلام. - مسألة: (وَيُسَنُّ) للرجل (نِكَاحُ) امرأة (وَاحِدَةٍ) إن حصل بها الإعفاف؛ لأن الزيادة عليها تعريض للمحرم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ يَمِيلُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى؛ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ» [أحمد: ٧٩٣٦، وأبو داود: ٢١٣٣، والترمذي: ١١٤١، والنسائي: ٣٩٤٢، وابن ماجه: ١٩٦٩]. وكون النبي ﷺ تزوج أكثر من واحدة، فإنما هو لمصالح لا تقتصر على قضاء الوطر.

стр. 1174

وقيل، واختاره ابن عثيمين: يسن التعدد عند وجود القدرة البدنية والمالية؛ للمصالح العظيمة المترتبة على النكاح، ولأن الله بدأ بالتعدد، فقال: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، ولما ورد عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس ﵄: «هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ »، قلت: لا، قال: «فَتَزَوَّجْ، فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً» [البخاري: ٥٠٦٩]. - مسألة: يستحب أن يختار امرأةً متصفةً بصفاتٍ، منها: ١ - (حَسِيبَةٌ)، وهي النسيبة، أي: طيبة الأصل؛ ليكون ولدها نجيبًا، فإنه ربما أشبه أهلها ونَزَع إليهم. ٢ - (دَيِّنَةٌ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ» [البخاري: ٥٠٩٠، ومسلم: ١٤٦٦]. ٣ - (أَجْنَبِيَّةٌ)؛ لأن ولدها يكون أنجب، ولأنه لا يأمن الطلاق فيفضي مع القرابة إلى قطيعة الرحم. واختار ابن عثيمين: أنه يراعي الأصلح في زواجه من الأجنبية أو القريبة؛ لزواج النبي ﷺ من بنت عمته زينب بنت جحش ﵂، وزواج علي من فاطمة ﵄. ٤ - (بِكْرٌ)؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «هَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ» [البخاري: ٢٩٦٧، ومسلم: ٧١٥]، إلا أن

стр. 1175

تكون مصلحته في نكاح الثيب أرجح، فيقدمه على البكر؛ لحديث جابر السابق، وفيه قول جابر ﵁: «فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبَهُنَّ». ٥ - (وَلُودٌ)؛ أي: من نساء يعرفن بكثرة الأولاد؛ لحديث مَعْقِلِ بن يَسَارٍ ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ» [أبو داود: ٢٠٥٠، والنسائي: ٣٢٢٧]. - مسألة: (وَ) يباح (لِمُرِيدِ خِطْبَةِ امْرَأَةٍ) أن ينظر إليها؛ لما ورد عن أنس بن مالك ﵁، أن المغيرة بن شعبة ﵁ أراد أن يتزوج امرأة، فقال له النبي ﷺ : «اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» [أحمد: ١٨١٣٧، والترمذي: ١٠٨٧، والنسائي: ٣٢٣٥، وابن ماجه: ١٨٦٥]، وورود الأمر بالنظر بعد الحظر يدل على الإباحة. واختار شيخ الإسلام، وابن عثيمين: أنه يستحب؛ للأمر الوارد، ولما يترتب عليه من المصالح. - فرع: يشترط لإباحة النظر لمن عزم على خطبة امرأة شروط: الأول: أن يكون النظر (مَعَ ظَنِّ إِجَابَةٍ)، فإن ظن عدم إجابته للنكاح لو خطب، أو شك في ذلك؛ لم يجز له النظر؛ لأن الأصل تحريم النظر إلى الأجنبية، ولم يوجد ما يبيحه.

стр. 1176

الثاني: أن يكون الـ (نَظَرُ إِلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهَا غَالِباً)، كالوجه والرقبة واليد والقدم؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ المَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ» [أحمد: ١٤٥٨٦، وأبو داود: ٢٠٨٢]، فلما أذن في النظر إليها من غير علمها، عُلم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر غالبًا، إذ لا يُمكِن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره في الظهور، وما عدا ذلك فيبقى على الأصل وهو التحريم. وقيل: له النظر إلى الرأس أيضًا؛ لأن الرأس داخل فيما يدعوه إلى نكاحها. الثالث: أن يكون النظر (بِلَا خَلْوَةٍ)؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» [البخاري: ٣٠٠٦، ومسلم: ١٣٤١]. الرابع: أن ينظر إليها (إِنْ أَمِنَ الشَّهْوَةَ)؛ لأن المقصود بالنظر الاستعلام لا الاستمتاع. - مسألة: (وَلَهُ) أي: الرجل (نَظَرُ ذَلِكَ) أي: ما يظهر غالبًا، (وَ) نظر (رَأْسٍ وَسَاقٍ) أيضًا (مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ)، وهن من تحرم عليه أبدًا بنسب أو سبب مباح؛ لقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن)، ولما روت عائشة ﵂: أن امرأة أبا حذيفة - سهلة بنت

стр. 1177

سهيل - قالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالمًا ولدًا، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فُضْلًا، وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي ﷺ : «أَرْضِعِيهِ» [أحمد: ٢٥٦٥٠، وأبو داود: ٢٠٦١]، وقولها: (فضلاً) أي: في ثياب البِذْلة التي لا تستر الأطراف، ولأن التحرز من هذا لا يمكن، فأبيح كالوجه. وما لا يظهر غالبًا لا يباح؛ لأن الحاجة لا تدعو إليه، ولا تؤمن معه الشهوة ومواقعة المحظور. - فرع: (وَ) لرجل نظر ما يظهر غالبًا، وإلى رأس وساق (مِنْ أَمَةٍ) سواء كانت مستامة - أي: معروضة للبيع - أم غير مستامة؛ لما ورد عن صفية بنت أبي عبيد: أن عمر ﵁ رأى وهو يخطب الناس أمةً خرجت من بيت حفصة تجوس الناس ملتبسة لباس الحرائر، فلما انصرف دخل على حفصة ابنة عمر، فقال: «مَنِ المَرْأَةُ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِكِ تَجُوسُ الرِّجَالَ؟ » قالت: تلك جارية عبد الرحمن قال: «فَمَا يَحْمِلُكِ أَنْ تُلْبِسِي جَارِيَةَ أَخِيكِ لِبَاسَ الحَرَائِرِ؟ » [عبد الرزاق: ٥٠٦٢]، ولما ورد عن عطاء: أن عمر بن الخطاب كان ينهى الإماء من الجلابيب أن يتشبهن بالحرائر [عبد الرزاق: ٥٠٥٩]. واختار ابن عثيمين: إن الأمة كالحرة؛ لأن الطبيعة واحدة والخلقة واحدة، والرق وصف عارض خارج عن حقيقتها وماهيتها، ولا دليل على التفريق بينها وبين الحرة.

стр. 1178

قال شيخ الإسلام: (وقد كانت الإماء على عهد الصحابة يمشين في الطرقات منكشفات الرؤوس، ويخدمن الرجال، مع سلامة القلوب، فلو أراد الرجل أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين الناس في مثل هذه البلاد والأوقات كما كان أولئك الإماء يمشين؛ كان هذا من باب الفساد). - ضابط: (كل من أبيح له النظر إلى من لا يحل له الاستمتاع به؛ لم يجز له ذلك لشهوة وتلذذ)؛ لأن هذا النظر إذن داعية إلى الفتنة. - مسألة: الخِطبة، بكسر الخاء: هي طلب التزوج من المرأة، وتجوز تصريحًا وتعريضًا، والتصريح: هو ما لا يحتمل غير النكاح، والتعريض: هو ما يحتمل النكاح وغيره، كقوله للمرأة: إني لمثلك لراغب. - فرع: (وَ) خطبة المعتدة لا تخلو من ثلاثة أقسام: ١ - (حَرُمَ تَصْرِيحٌ) بالنكاح فقط دون التعريض (بِخِطْبَةِ) امرأة (مُعْتَدَّةٍ)، سواء من وفاة أو المبانة حال الحياة (عَلَى غَيْرِ زَوْجٍ تَحِلُّ لَهُ)؛ لمفهوم قَوْله تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، قال ابن عباس ﵄ في تفسيرها: «يَقُولُ: إِنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّهُ تَيَسَّرَ لِي امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ» [البخاري: ٥١٢٤]، ولحديث فاطمة بنت قيس ﵂ لما طُلِّقت: «فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي» [مسلم: ١٤٨٠]. ٢ - يباح التصريح والتعريض: وذلك لمن أبان زوجته بدون ثلاث؛

стр. 1179

كالمختلعة، والبائن بفسخ لِعِنَّة وعيب، ونحوه، فيجوز له التصريح والتعريض بالنكاح؛ لأنه يباح له نكاحها في عدتها. وأما مطلقته الرجعية، فإن له رجعتها في عدتها؛ لأنها في حكم الزوجات، بدليل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فسمى الله الزوج المطلق بعلًا، مما يدل على أنها زوجة. ٣ - (وَ) يحرم تصريحٌ و (تَعْرِيضٌ) في حالين: أ) (بِخِطْبَةِ) معتدةٍ (رَجْعِيَّةٍ) من غيره؛ لما تقدم. ب) خطبة الرجل معتدتَه التي أبانها بثلاث طلقات؛ لأنه لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، كما سيأتي. - فرع: المرأة في جواب خاطب كالخاطب فيما يحل ويحرم من تصريح وتعريض. - مسألة: (وَ) تحرم (خِطْبَةُ) مسلم (عَلَى خِطْبَةِ مُسْلِمٍ) إذا (أُجِيبَ) الخاطب الأول إلى النكاح، ولو تعريضًا، إن علم الثاني بخطبة الأول وإجابته؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَلا يَخْطُبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الخَاطِبُ» [البخاري: ٥١٤٢، ومسلم: ١٤١٢]، فإن لم يعلم بخطبة الأول؛ كان معذورًا بالجهل.

стр. 1180

وتجوز في حالات: ١ - إذا رُدَّ الخاطب الأول، فيجوز للثاني الخطبة، اتفاقًا؛ لأن الإعراض عن الأول ليس من قِبَله. ٢ - إذا أَذِن الخاطب الأول للخاطب الثاني بالخطبة، فيجوز؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق، ولأن الحق له وقد أسقطه. قال ابن عثيمين: لكن لابد من الرضا ظاهرًا وباطنًا، فلو أذن حياءً لم يجز؛ لأن ذلك من شروط صحة الهبة، قال الله : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]. ٣ - إذا ترك الخاطب الأول الخطبة جاز؛ للحديث السابق. ٤ - إذا استأذن الخاطب الثاني الخاطب الأول وسكت، فيجوز؛ لأنه في معنى الترك. ٥ - إذا جهل الخاطب الثاني بالحال، بأن لم يعلم أُجيب الأول أو لا؛ جاز للثاني أن يخطب؛ لأنه معذور بالجهل، والأصل عدم الإجابة، ولأن فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها خطبها ثلاثة: معاوية، وأبو الجهم، وأسامة ﵃ [مسلم: ١٤٨٠]، فدل على جوازه. وقيل، واختاره العثيمين: يحرم؛ لعموم حديث ابن عمر السابق، ولأن هذا الرجل صار له حق التقدم، فالخطبة على خطبته حينئذ يكون فيها ظلم وتعدي.

стр. 1181

٦ - لو كان الأول قد عرَّض لها بالخطبة في العدة، فيجوز للثاني أن يخطب، قال شيخ الإسلام: (ومن خطب تعريضًا في العدة أو بعدها فلا يُنهى غيره عن الخطبة)؛ لأن التعريض ليس صريحاً في إرادة النكاح. ٧ - لو لم يَعُد الخاطب حتى طالت المدة وتضررت المرأة بذلك، فيجوز للثاني الخطبة. - فرع: لا تحرم الخطبة على كافر؛ لمفهوم حديث ابن عمر ﵄ السابق: «وَلا يَخْطُبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ»، ولأن النهي خاص بالمسلم، وإلحاق غيره به إنما يصح إذا كان مثله، وليس الذمي كالمسلم، ولا حرمته كحرمته. واختار ابن عثيمين: تحرم الخطبة على خطبة الكافر؛ لما فيه من الظلم والاعتداء، والحديث خرج مخرج الغالب، إلا الحربي؛ لأنه لا حرمة له. - مسألة: (وَسُنَّ عَقْدُهُ) أي: النكاح (يَوْمَ الجُمُعَةِ مَسَاءً)؛ لأن فيه ساعة الإجابة، ولأن جماعة من السلف استحبوا ذلك، قال في الشرح الكبير: (منهم ضَمْرَة بن حبيب، وراشد بن سعد، وحبيب بن عتبة). وقال ابن عثيمين: (لا أعلم في هذا سنة، وأما كونه ساعة إجابة، فإنه لا يُعرف من هدي النبي ﷺ تحري ذلك الوقت، فالصواب: أنه متى تيسر العقد عقد). - فرع: سن كون الِخطبة (بَعْدَ خُطْبَةِ) عبد الله (ابْنِ مَسْعُودٍ) ﵁،

стр. 1182

وذلك أنه قال: عَلَّمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة قال: والتشهد في الحاجة: «إِنَّ الحَمْدَ لِلهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، فَمَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، ويقرأ ثلاث آيات، وفسره سفيان الثوري: ﴿اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ [النساء: ١]، ﴿اتقوا الله وقولوا قولا سديدا﴾ [الأحزاب: ٧٠]. [الترمذي: ١١٠٥]. (فَصْلٌ) في أركان النكاح - مسألة: (أَرْكَانُهُ) أي: أجزاء النكاح التي لا يتم إلا بها، وهي ثلاثة: الأول: (الزَّوْجَانِ الخَالِيَانِ عَنِ المَوَانِعِ)؛ كالعدة، والرضاع، والنسب، ونحوها مما يأتي في باب المحرمات في النكاح (١). (وَ) الثاني: (إِيجَابٌ)، وهو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه، (بِلَفْظِ: أَنَكَحْتُ، أَوْ زَوَّجْتُ)، وكذا أعتقتها وجعلت عتقها صداقها ونحوه

стр. 1183

لمن يملكها أو بعضها. (وَ) الثالث: (قَبُولٌ بِلَفْظ: قَبِلْتُ) فقط، (أَوْ: رَضِيتُ فَقَطْ، أَوْ) قبلت ورضيت (مَعَ) قوله: (هَذَا النِّكَاحَ)، أو هذا التزويج، (أَوْ تَزَوَّجْتُهَا). فالإيجاب والقبول من أركان العقد؛ لأن ماهية النكاح مُركَّبة منهما ومتوقفة عليهما. - فرع: لا يصح النكاح ممن يحسن اللغة العربية بغير لفظ: زوجت، أو: أنكحت؛ لأنهما اللفظان اللذان ورد بهما القرآن في قوله: ﴿زوجناكها﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ [النساء: ٢٢]، فالعادل عن هذه الصِّيَغ مع معرفته لها، عادل عن اللفظ الذي ورد به الكتاب والسنة مع القدرة، وعقد النكاح من أخطر العقود، فَلِعِظَم خطرها اقتُصِر فيه على الوارد في القرآن، ولأن الشهادة شرط في النكاح، وهي واقعة على اللفظ، وغير هذا اللفظ ليس بموضوع للنكاح، وإنما يصرف إليه بالنية، ولا شهادة عليها، فيخلو النكاح عن الشهادة. (١)

стр. 1184

ولا يصح القبول لمن يحسنه إلا بلفظ: قبلت، أو رضيت، أو تزوجت، على ما تقدم ذكره؛ لأن ذلك صريح في الجواب، فصح النكاح به؛ كالبيع. واختار شيخ الإسلام: أن النكاح يَنعقِد بما عده الناس نكاحًا، بأي لغة ولفظ كان، وكذا كل عقد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]، فأطلق النكاح، فكل ما سمي نكاحًا عرفًا فهو نكاح، ولحديث سهل بن سعد ﵁ في قصة الواهبة، وفيه: «مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» [البخاري: ٣٠٥٠، ومسلم: ١٤٢٥]. - فرع: يصح لمن يملك أمةً أو يملك بعضها أن يتزوجها بقوله: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، ونحوه؛ لحديث أنس ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» [البخاري: ٥٠٨٦، ومسلم: ١٣٦٥]. - فرع: (وَمَنْ جَهِلَهُمَا) أي: عَجَزَ عن الإيجاب والقبول بالعربية (لَمْ يَلْزَمْهُ تَعَلُّمُ) ذلك، (وَكَفَاهُ مَعْنَاهُمَا الخَاصُّ بِكُلِّ لِسَانٍ)؛ لأن المقصود هنا المعنى دون اللفظ، لأنه غير متعبد بتلاوته. وعُلِم من ذلك: أنه لا يصح بلفظ لا يؤدي معنى النكاح والتزويج الخاص؛ لأن من عدل عن اللفظ الخاص بذلك اللسان إلى غيره يشبه من هو

стр. 1185

عربي وعدل عن لفظهما الخاص. فصل في شروط النكاح - مسألة: (وَشُرُوطُهُ) أي: النكاح (أَرْبَعَةُ) شروط (١): الشرط الأول: (تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ) في العقد؛ لأن النكاح عقد معاوضة، أشبه تعيين المبيع في البيع، ولأن المقصود في النكاح التعيين، فلم يصح بدونه. فلا يصح العقد إن قال الولي: زوجتك ابنتي، وله بنات، حتى يميزها عن غيرها، بأن يشير إليها، أو يسميها باسم يخصها، أو يصفها بما تتميز به عن غيرها. وإن كانت له بنت واحدة؛ صح النكاح بقوله: زوجتك ابنتي، ولو سماها بغير اسمها؛ لأنه لا تعدد هنا، فلا التباس. (وَ) الشرط الثاني: (رِضَاهُمَا) أي: الزوجين، أو رضا من يقوم مقامهما؛ لأن العقد لهما، فاعتبر تراضيهما به؛ كالبيع. - فرع: (لَكِنْ) يستثنى من اشتراط رضا الزوجين ما يلي:

стр. 1186

أولاً: (لِأَبٍ وَوَصِيِّهِ فِي نِكَاحٍ) ولايةُ إجبارٍ، وذلك: ١ - بـ (ـتَزْوِيجِ صَغِيرٍ) أي: غير البالغ، سواء كان عاقلًا أو مجنونًا؛ لما روى سليمان بن يسار: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ زَوَّجَ ابْنًا لَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَابْنُهُ صَغِيرٌ يَوْمَئِذٍ» [البيهقي: ١٣٨١٧]، ولأنه لا قول له، فكان لوليه تزويجه، قال ابن قدامة في تزويج الغلام العاقل: (لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن لأبيه تزويجَه، كذلك قال ابن المنذر). واختار ابن عثيمين: له تزويج الصغير إن احتاج إليه؛ لأن الصغر علة يرجى زوالها بالبلوغ، والنكاح يترتب عليه نفقة ومؤنة وغير ذلك، وإلزام الصغير بهذه الأمور محل نظر. أما من قارب البلوغ فله إذن معتبر، فيصح تزويجه بإذنه؛ لأنه صار يعرف مصالح النكاح. ٢ - (وَ) تزويج (بَالِغٍ مَعْتُوهٍ)، وهو: ناقص العقل، يزوجه أبوه ووصيه بدون رضاه؛ لأنه غير مكلف أشبه الصغير. واختار القاضي، وابن عثيمين: أنه يجوز تزويجه إذا ظهرت منه أمارات الشهوة باتباع النساء ونحوه؛ لأن في تزويجه مع عدم حاجته إضرارًا به بإلزامه حقوقًا لا مصلحة له في التزامها. ٣ - (وَ) تزويج (مَجْنُونَةٍ)، فللأب ووصيه تزويجها ولو بلا شهوة، سواء كانت بكرًا أو ثيبًا، صغيرةً أو بالغةً؛ لأن ولاية الإجبار انتفت عن العاقلة

стр. 1187

بخيرة نظرها لنفسها بخلاف المجنونة. واختار ابن عثيمين: أن له تزويجها إذا علم رغبتها في النكاح بالقرائن، وإلا صار تزويجها عبثًا، وربما يحصل نزاع من زوجها ومفسدة. ٤ - (وَ) تزويج (ثَيِّبٍ لَهَا دُونَ تِسْعِ) سنين، وذلك أن الثيب لا تخلو من ثلاث أحوال: أ) أن تكون دون تسع سنين: فللأب ووصيه في النكاح إجبارها على النكاح؛ لأنه لا إذن لها معتبر. وقيل: ليس له إجبارها. قال المرداوي: (فعلى هذا: لا تزوج البتة حتى تبلغ تسع سنين، فيثبت لها إذن معتبرة). ب) أن تكون بنت تسع سنين، ودون البلوغ: فليس لأحد إجبارها على النكاح؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» [البخاري: ٥١٣٦، ومسلم: ١٤١٩]، وتحديده بتسع سنين؛ لقول عائشة ﵂: «إِذَا بَلَغَتِ الجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ» [علَّقه الترمذي ٣/ ٤٠٩، واحتج به أحمد وإسحاق بن راهويه]، ولأنها تصلح بذلك للنكاح وتحتاج إليه، أشبهت البالغة. ت) أن تكون بالغة: فليس له إجبارها، قال أحمد: (ليس بين الناس اختلاف في الثيب الكبيرة أنها لا تزوج إلا بإذنها)؛ لما روت خنساء بنت خِذام الأنصارية: «أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ

стр. 1188

رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَرَدَّ نِكَاحَهُ» [البخاري: ٥١٣٨]. ٥ - (وَ) تزويج (بِكْرٍ مُطْلَقاً)، أي: سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وذلك أن البكر لا تخلو من حالين: أ) أن تكون البكر دونَ تسعِ سنين: فلأبيها أن يجبرها على النكاح؛ وحكاه ابن المنذر وابن عبد البر إجماعًا؛ لقول الله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤] فجعل للائي لم يحضن - وتدخل فيهن الصغيرة - عدةً، ولا تكون العدة إلا من طلاق في نكاح، والصغيرة لا إذن لها معتبر، فلا يشترط رضاها، ولقول عائشة ﵂ قالت: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ» [البخاري: ٣٨٩٤، ومسلم: ١٤٢٢]. واختار ابن عثيمين: لا يجوز لأبيها أن يزوجها حتى تبلغ وتُستأذن (١)؛ لأن الأصل وجوب استئذان البكر في النكاح، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ

стр. 1189

تَسْكُتَ» [البخاري: ٥١٣٦، ومسلم: ١٤١٩]، ولعدم حاجتها إلى النكاح. ب) أن يكون لها تسع سنين فأزيد، ولو بعد البلوغ: فلأبيها أن يجبرها على النكاح؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا» [مسلم: ١٤٢١]، فلما قسم النساء قسمين، وأثبت الحق لأحدهما، دل على نفيه عن الآخر، وهي البكر، فيكون وليها أحق منها بها، ويستحب استئذانها؛ لحديث ابن عباس السابق. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا تُجبر على النكاح، قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: (إذا بلغت الجارية تسع سنين فلا يزوجها أبوها ولا غيره إلا بإذنها)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: «أَنْ تَسْكُتَ» [البخاري: ٤٨٤٣، ومسلم: ١٤١٩]، ولحديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ » [أحمد: ٢٤٦٩، وأبو داود: ٢٠٩٦، قال ابن القيم: له طرق]، ولقول عائشة ﵂: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» [علَّقه الترمذي ٣/ ٤٠٩، واحتج به أحمد وإسحاق بن راهويه]. - فرع: تستفاد ولاية النكاح بالوصية إذا نص على التزويج؛ لأنها ولاية ثابتة للأب، فجازت وصيته بها؛ كولاية المال، ولأنه يجوز أن يستنيب فيها

стр. 1190

في حياته ويقوم نائبه مقامه، فجاز أن يستنيب فيها بعد موته. وعنه واختاره ابن عثيمين: لا تستفاد بالوصية؛ لأنها ولاية تنتقل إلى غيره شرعًا، فلم يجز أن يوصي بها؛ كالحضانة، ولأنه لا ضرر على الوصي في تضييعها ووضعها عند من لا يكافئها، فلم تثبت له الولاية؛ كالأجنبي. - فرع: ليس للجد ولاية إجبار؛ لأن الجد يدلي بولاية غيره، فأشبه سائر العصبات، وفارق الأب، فإنه يدلي بغير واسطة. وفي وجه - وذُكِر رواية - واختاره شيخ الإسلام: أن الجد يجبر كالأب؛ لأن ولايته ولاية إيلاد، فملك إجبارها كالأب. ثانيًا مما يستثنى من شرط رضا الزوجين: السيد مع إمائه وعبيده، وتحت ذلك أصناف: ١ - ما أشار إليه بقوله: (كَسَيِّدٍ مَعَ إِمَائِهِ) فيزوجهن بغير إذنهن، سواء كانت الأمة بكرًا أم ثيبًا، صغيرة أم كبيرةً، قنًّا أو مدبرًا أو أم ولد، واختاره ابن عثيمين؛ لأنه يملك منافع بُضْعُهن، ولقول الله ﵎: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا﴾ [النور: ٣٣]، فمفهومه: أن إكراههن على غير البغاء كالنكاح الصحيح لا بأس به، قال الموفق: (لا نعلم خلافًا في السيد إذا زوج أمته بغير إذنها أنه يصح، ثيبًا كانت أو بكرًا، صغيرةً أو كبيرةً). يستثنى المكاتبة ولو صغيرة، فلا يملك إجبارها؛ لأنها بمنزلة الخارج عن ملكه، ولذلك لا يلزمه نفقتها ولا يملك إجارتها ولا أخذ مالها.

стр. 1191

وقيل، - وهو مروي عن أحمد -: لا تجبر الأمة الكبيرة؛ لأن منافع البضع ليست بمال; بدليل المعسرة لا تُلْزَم بالتَّزَوُّج، ولأن الأصل تساوي الأحرار والأرقاء في الأحكام البدنية المحضة إلا لدليل. ٢ - السيد مع عبيده، ولا يخلو ذلك من ثلاث حالات: الأولى: عبده البالغ العاقل: فلا يملك السيد إجباره على النكاح؛ لأنه مكلف يملك الطلاق، فلا يجبر على النكاح كالحر. (وَ) الثانية: (عَبْدُهُ الصَّغِيرُ) العاقل: فلسيده إجباره على النكاح؛ لأنه إذا ملك تزويج ابنه الصغير، فلأن يملك تزويج عبده الصغير مع ملكه له وتمام ولايته عليه أولى. وفي وجه: لا يملك إجباره؛ لما تقدم في عبده البالغ. والثالثة: عبده المجنون، ولو بالغًا: فلسيده إجباره على النكاح؛ لأن الإنسان إذا ملك تزويج ابنه المجنون، فعبده الذي كذلك مع ملكه وتمام ولايته عليه أولى. ثالثًا مما يستثنى من رضا الزوجين: باقي الأولياء غير الأب ووصيه فيه: فليس لهم ولاية الإجبار على أحد؛ لأنه لا نظر لغير الأب ووصيه والحاكم في أموالهم ومصالحهم المتعلقة به. ويستثنى من ذلك اثنتان:

стр. 1192

١ - المجنونة إذا ظهر ميلها للرجال؛ لأن لها حاجة إلى النكاح لدفع ضرر الشهوة عنها وصيانتها عن الفجور، وتحصيل المهر والنفقة والعفاف، وصيانة العرض، ولا سبيل إلى إذنها؛ فأبيح تزويجها؛ كالبنت مع أبيها. ٢ - المجنونة إذا قال أهل الطب: إن علتها تزول بالتزويج؛ لأن ذلك من أعظم مصالحها؛ كالمداواة. وعلى هذا: (فَلَا يُزَوِّجُ بَاقِي الأَوْلِيَاءِ صَغِيرَةً بِحَالٍ) بكرًا كانت أو ثيبًا، وهي لا تخلو من حالين: أ) أن تكون دون تسع سنين: فليس لهم تزويجها بحال من الأحوال؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄: أن قدامة بن مظعون زوج ابنة أخيه من عبد الله بن عمر ﵃، فرُفِع ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «هِيَ يَتِيمَةٌ، وَلَا تُنْكَحُ إِلَّا بِإِذْنِهَا» [أحمد: ٦١٣٦]، والصغيرة لا إذن لها بحال. ب) أن تكون بنت تسع فأكثر، وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَلَا) يُزوج باقي الأولياء (بِنتَ تسعٍ إِلَّا بِإِذْنِهَا)؛ لأن لها إذنًا معتبرًا، ولأنها تصلح بذلك للنكاح، وتحتاج إليه؛ أشبهت البالغة. رابعًا: الحاكم: فله ولاية إجبار عند عدم الأب ووصيه، على الصغير العاقل، والمجنون البالغ، عند الحاجة إلى النكاح أو الخدمة ونحوه؛ لأنه الذي ينظر في مصالحهما إذن.

стр. 1193

- فرع: (وَهُوَ) أي: الإذن، لا يخلو من أمرين: الأول: (صُمَاتُ بِكْرٍ)، ولو كان الذي زوجها غير الأب، لحديث أبي هريرة المتقدم: «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قالوا: يا رسولَ الله، وكيف إذنها؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ»، ولو ضحكت أو بكت كان إذنًا؛ لأنها غير ناطقة بالامتناع مع سماعها للاستئذان، فكان ذلك إذنًا منها؛ كالصمات، والبكاء يدل على فرط الحياء. (وَ) الثاني: (نُطْقُ ثَيِّبٍ)؛ لحديث عَدِيٍّ الكندي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ رِضَاهَا صَمْتُهَا» [ابن ماجه: ١٨٧٢، وصححه الألباني]، قال ابن قدامة: (لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن إذنها الكلام؛ للخبر، ولأن اللسان هو المعبر عما في القلب، وهو المعتبر في كل موضع يعتبر فيه الإذن، غير أشياء يسيرة أقيم فيها الصمت مقامه لعارض). (وَ) الشرط الثالث من شروط النكاح: (الوَلِيُّ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فنهيه الأولياء عن العضل دليل على اشتراطهم في النكاح، ولحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» [أحمد: ١٩٥١٨، وأبو داود: ٢٠٨٥، والترمذي: ١١٠١، وابن ماجه: ١٨٨١]، ولأن المرأة مولًّى عليها في النكاح، فلا تليه كالصغيرة.

стр. 1194

ويستثنى من ذلك: النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) [الأحزاب: ٦]. - فرع: (وَشُرُوطُهُ) أي: شروط الولي ستة: ١ - (تَكْلِيفٌ) أي: بالغ عاقل؛ لأن غير المكلف يحتاج لمن ينظر له، فلا ينظر لغيره. ٢ - (وَذُكُورَةٌ)، اتفاقًا؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ» [ابن ماجه: ١٨٨٢، وصححه الألباني]، ولأن المرأة لا ولاية لها على نفسها، فعلى غيرها من باب أولى. ٣ - (وَحُرِّيَّةٌ) أي: كمالها، فلا ولاية على قن ولا مبعَّض؛ لأن العبد لا ولاية له على نفسه، فعلى غيره من باب أولى. ويستثنى المكاتَب، فيزوج أمته بإذن سيده؛ لأن تزويجه إياها تصرف في ماله؛ فصح منه ذلك كبيعه. وقيل، واختاره ابن عثيمين: لا تشترط الحرية؛ لعمومات الأدلة، وللقاعدة: (أن الأصل تَساوي الأرقاء والأحرار في العبادات البدنية المحضة إلا لدليل)، ولأن هذا ليس مالًا أو تصرفًا ماليًّا؛ ولكنه ولاية. ٤ - (وَرُشْدٌ) في العقل، بأن يعرف الكفء، ومصالح النكاح، وليس هو حفظَ المال، فإن رشد كل مقام بحسبه، قاله شيخ الإسلام؛ لقول

стр. 1195

ابن عباس ﵄: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» [البيهقي: ١٣٦٥٠]، قال الإمام أحمد: (أصح شيء في هذا قول ابن عباس ﵄. ٥ - (وَاتِّفَاقُ دِينِ) الولي ومَوْلِيَّتِهِ، ولا يخلو اختلاف الدين من ثلاث أحوال: الأولى: أن يكون الولي كافرًا، والمرأة مسلمة: فلا ولاية له عليها، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، فدل على أن غير المؤمنين ليسوا أولياء للمؤمنين، ولانقطاع التوارث بينهما. الثانية: أن يكون الولي مسلمًا، والمرأة كافرة: فلا ولاية له عليها؛ لقول الله تعالى ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ [الأنفال: ٧٣]، ولأن مختلفي الدين لا يرث أحدهما الآخر، ولا يعقل عنه، فلم يل عليه. واختار ابن عثيمين: أنه يكون وليًّا عليها؛ لأنها ولاية، فمن كان أقرب إلى الأمانة فهو أولى. الثالثة: أن يكونا كافرين؛ كأن يكون الولي نصرانيًّا، والمرأة مجوسية: فلا ولاية له عليها؛ لعدم التوارث بينهما (١).
следующие страницы →