وقيل، - وهو مروي عن أحمد -: لا تجبر الأمة الكبيرة؛ لأن منافع البضع ليست بمال; بدليل المعسرة لا تُلْزَم بالتَّزَوُّج، ولأن الأصل تساوي الأحرار والأرقاء في الأحكام البدنية المحضة إلا لدليل.
٢ - السيد مع عبيده، ولا يخلو ذلك من ثلاث حالات:
الأولى: عبده البالغ العاقل: فلا يملك السيد إجباره على النكاح؛ لأنه مكلف يملك الطلاق، فلا يجبر على النكاح كالحر.
(وَ) الثانية: (عَبْدُهُ الصَّغِيرُ) العاقل: فلسيده إجباره على النكاح؛ لأنه إذا ملك تزويج ابنه الصغير، فلأن يملك تزويج عبده الصغير مع ملكه له وتمام ولايته عليه أولى.
وفي وجه: لا يملك إجباره؛ لما تقدم في عبده البالغ.
والثالثة: عبده المجنون، ولو بالغًا: فلسيده إجباره على النكاح؛ لأن الإنسان إذا ملك تزويج ابنه المجنون، فعبده الذي كذلك مع ملكه وتمام ولايته عليه أولى.
ثالثًا مما يستثنى من رضا الزوجين: باقي الأولياء غير الأب ووصيه فيه: فليس لهم ولاية الإجبار على أحد؛ لأنه لا نظر لغير الأب ووصيه والحاكم في أموالهم ومصالحهم المتعلقة به.
ويستثنى من ذلك اثنتان:
стр. 1192
١ - المجنونة إذا ظهر ميلها للرجال؛ لأن لها حاجة إلى النكاح لدفع ضرر الشهوة عنها وصيانتها عن الفجور، وتحصيل المهر والنفقة والعفاف، وصيانة العرض، ولا سبيل إلى إذنها؛ فأبيح تزويجها؛ كالبنت مع أبيها.
٢ - المجنونة إذا قال أهل الطب: إن علتها تزول بالتزويج؛ لأن ذلك من أعظم مصالحها؛ كالمداواة.
وعلى هذا: (فَلَا يُزَوِّجُ بَاقِي الأَوْلِيَاءِ صَغِيرَةً بِحَالٍ) بكرًا كانت أو ثيبًا، وهي لا تخلو من حالين:
أ) أن تكون دون تسع سنين: فليس لهم تزويجها بحال من الأحوال؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄: أن قدامة بن مظعون زوج ابنة أخيه من عبد الله بن عمر ﵃، فرُفِع ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «هِيَ يَتِيمَةٌ، وَلَا تُنْكَحُ إِلَّا بِإِذْنِهَا» [أحمد: ٦١٣٦]، والصغيرة لا إذن لها بحال.
ب) أن تكون بنت تسع فأكثر، وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَلَا) يُزوج باقي الأولياء (بِنتَ تسعٍ إِلَّا بِإِذْنِهَا)؛ لأن لها إذنًا معتبرًا، ولأنها تصلح بذلك للنكاح، وتحتاج إليه؛ أشبهت البالغة.
رابعًا: الحاكم: فله ولاية إجبار عند عدم الأب ووصيه، على الصغير العاقل، والمجنون البالغ، عند الحاجة إلى النكاح أو الخدمة ونحوه؛ لأنه الذي ينظر في مصالحهما إذن.
стр. 1193
- فرع: (وَهُوَ) أي: الإذن، لا يخلو من أمرين:
الأول: (صُمَاتُ بِكْرٍ)، ولو كان الذي زوجها غير الأب، لحديث أبي هريرة المتقدم: «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قالوا: يا رسولَ الله، وكيف إذنها؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ»، ولو ضحكت أو بكت كان إذنًا؛ لأنها غير ناطقة بالامتناع مع سماعها للاستئذان، فكان ذلك إذنًا منها؛ كالصمات، والبكاء يدل على فرط الحياء.
(وَ) الثاني: (نُطْقُ ثَيِّبٍ)؛ لحديث عَدِيٍّ الكندي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ رِضَاهَا صَمْتُهَا» [ابن ماجه: ١٨٧٢، وصححه الألباني]، قال ابن قدامة: (لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن إذنها الكلام؛ للخبر، ولأن اللسان هو المعبر عما في القلب، وهو المعتبر في كل موضع يعتبر فيه الإذن، غير أشياء يسيرة أقيم فيها الصمت مقامه لعارض).
(وَ) الشرط الثالث من شروط النكاح: (الوَلِيُّ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فنهيه الأولياء عن العضل دليل على اشتراطهم في النكاح، ولحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» [أحمد: ١٩٥١٨، وأبو داود: ٢٠٨٥، والترمذي: ١١٠١، وابن ماجه: ١٨٨١]، ولأن المرأة مولًّى عليها في النكاح، فلا تليه كالصغيرة.
стр. 1194
ويستثنى من ذلك: النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) [الأحزاب: ٦].
- فرع: (وَشُرُوطُهُ) أي: شروط الولي ستة:
١ - (تَكْلِيفٌ) أي: بالغ عاقل؛ لأن غير المكلف يحتاج لمن ينظر له، فلا ينظر لغيره.
٢ - (وَذُكُورَةٌ)، اتفاقًا؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ» [ابن ماجه: ١٨٨٢، وصححه الألباني]، ولأن المرأة لا ولاية لها على نفسها، فعلى غيرها من باب أولى.
٣ - (وَحُرِّيَّةٌ) أي: كمالها، فلا ولاية على قن ولا مبعَّض؛ لأن العبد لا ولاية له على نفسه، فعلى غيره من باب أولى.
ويستثنى المكاتَب، فيزوج أمته بإذن سيده؛ لأن تزويجه إياها تصرف في ماله؛ فصح منه ذلك كبيعه.
وقيل، واختاره ابن عثيمين: لا تشترط الحرية؛ لعمومات الأدلة، وللقاعدة: (أن الأصل تَساوي الأرقاء والأحرار في العبادات البدنية المحضة إلا لدليل)، ولأن هذا ليس مالًا أو تصرفًا ماليًّا؛ ولكنه ولاية.
٤ - (وَرُشْدٌ) في العقل، بأن يعرف الكفء، ومصالح النكاح، وليس هو حفظَ المال، فإن رشد كل مقام بحسبه، قاله شيخ الإسلام؛ لقول
стр. 1195
ابن عباس ﵄: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» [البيهقي: ١٣٦٥٠]، قال الإمام أحمد: (أصح شيء في هذا قول ابن عباس ﵄.
٥ - (وَاتِّفَاقُ دِينِ) الولي ومَوْلِيَّتِهِ، ولا يخلو اختلاف الدين من ثلاث أحوال:
الأولى: أن يكون الولي كافرًا، والمرأة مسلمة: فلا ولاية له عليها، حكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، فدل على أن غير المؤمنين ليسوا أولياء للمؤمنين، ولانقطاع التوارث بينهما.
الثانية: أن يكون الولي مسلمًا، والمرأة كافرة: فلا ولاية له عليها؛ لقول الله تعالى ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ [الأنفال: ٧٣]، ولأن مختلفي الدين لا يرث أحدهما الآخر، ولا يعقل عنه، فلم يل عليه.
واختار ابن عثيمين: أنه يكون وليًّا عليها؛ لأنها ولاية، فمن كان أقرب إلى الأمانة فهو أولى.
الثالثة: أن يكونا كافرين؛ كأن يكون الولي نصرانيًّا، والمرأة مجوسية: فلا ولاية له عليها؛ لعدم التوارث بينهما (١).
стр. 1196
- فرع: يستثنى من اشتراط اتفاق الدين ثلاث صور:
الأولى: أم ولد لكافر إذا أسلمت، فيزوجها لمسلم؛ لأنها باقية في ملكه، ولا يمكن أن تزال بالبيع.
الثانية: أمةٌ كافرةٌ لمسلم، فله أن يزوجها لكافر، - وكذا أمة كافرة لمسلمة، فيزوجها ولي سيدتها -؛ لأنها مال فأشبه نكاحها إجارتها.
الثالثة: السلطان، فيزوج من لا ولي لها من أهل الذمة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» [أحمد: ٢٤٢٠٥، وأبو داود: ٢٠٨٣، والترمذي: ١١٠٢، وابن ماجه: ١٨٧٩]، ولعموم ولايته على دار الإسلام.
٦ - (وَعَدَالَةٌ)؛ لقول ابن عباس ﵄ السابق: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ»، ولأنها ولاية نظرية، فلا يستبدّ بها الفاسق؛ كولاية المال،
стр. 1197
(وَلَوْ) كان الولي عدلًا (ظَاهِراً)، فيكفي مستور الحال؛ لأن اشتراط العدل ظاهرًا وباطنًا فيه حرج ومشقة، ويفضي إلى بطلان غالب الأنكحة.
وعنه: لا تشترط العدالة، فيصح تزويج الفاسق؛ لأنه يلي نكاح نفسه، فصحت ولايته على غيره.
قال ابن عثيمين: العدالة ليست بشرط، وإنما الشرط الأمانة أن يكون أمينًا على ابنته؛ لأنه يتصرف لمصلحة غيره، فاعتبر تحقيق المصلحة في حق ذلك الغير، أما عدالته ودينه فهذا إليه هو.
- فرع: يشترط في الولي العدالة (إِلَّا فِي) حالين:
١ - (سُلْطَانٍ) إذا زوج من لا ولي لها؛ فلا تشترط عدالته؛ للحاجة.
٢ - (وَ) إلا في (سَيِّدٍ) إذا زوَّج أمته؛ فلا تشترط عدالته؛ لأنه تصرف في أمته، أشبه ما لو آجرها.
- فرع: (وَيُقَدَّمُ وُجُوباً) في نكاح الحرة:
١ - (أَبٌ)؛ لأنه أكمل نظرًا وأشدُّ شفقةً، ولأن الولد موهوب لأبيه كما قال تعالى: ﴿ووهبنا له يحيى﴾ [الأنبياء: ٩٠].
قال شيخ الإسلام: (لو قيل: إن الابن والأب سواء في ولاية النكاح،
стр. 1198
كما إذا أوصي لأقرب قرابته، لكان متوجهًا، ويتخرج لنا: أن الابن أولى، إذا قلنا: الأخ أولى من الجد).
٢ - (ثُمَّ وَصِيُّهُ فِيهِ) أي: في النكاح؛ لقيامه مقامه. وتقدم الخلاف في ذلك.
٣ - (ثُمَّ جَدٌّ لِأَبٍ وَإِنْ عَلَا)، الأقرب فالأقرب؛ لأن له إيلادًا وتعصيبًا؛ فأشبه الأب.
٤ - (ثُمَّ ابْنٌ وَإِنْ نَزَلَ)، الأقرب فالأقرب؛ وللابن ولاية؛ لما روت أم سلمة ﵂ أنها لما انقضت عدتها، أرسل إليها رسول الله ﷺ يخطبها، فقالت: يا رسول الله ليس أحد من أوليائي شاهدًا، قال: «فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ، وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ»، فقالت: قم يا عمر فزوِّج رسول الله ﷺ ، فزوجه [أحمد: ٢٦٦٦٩، والنسائي: ٣٢٥٤]، فدل على أن لها وليًا حاضرًا في الجملة.
٥ - (وَهَكَذَا عَلَى تَرْتِيبِ المِيرَاثِ)، فيُقدَّم - بعد الابن وإن نزل - الأخُ لأبوين، ثم لأب، ثم بنوهما كذلك، وإن نزلوا، ثم عمها لأبوين، ثم لأب، ثم بنوهما كذلك، ثم أقرب العصبات على ما سبق في الميراث؛ لأن مبنى الولاية على الشفقة والنظر، وذلك معتبر بمظنته وهو القرابة، والأحق بالميراث هو الأقرب، فيكون أحق بالولاية.
стр. 1199
٦ - (ثُمَّ المَوْلَى المُنْعِمُ) بالعتق؛ لأنه يرثها ويعقل عنها، فكان له تزويجها عند عدم عصباتها، قال في المغني: (بغير خلاف نعلمه).
(ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَتِهِ) أي: الولي المنعم (نَسَباً) على ترتيب الميراث، (ثُمَّ) إن عدموا فأقرب عصبته (وَلَاءً)، وهكذا.
٧ - (ثُمَّ السُّلْطَانُ) وهو الإمام أو نائبه، أو من فوَّضا إليه الأنكحة؛ لحديث عائشة السابق، وفيه: «فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»، قال في المغني: (لا نعلم خلافًا بين أهل العلم، في أن للسلطان ولايةَ تزويج المرأة عند عدم أوليائها أو عضلهم).
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أو والي البلد أو كبيره.
٨ - ثم ذو سلطان في ذلك المكان؛ كوالي البلد أو كبيره أو أمير القافلة ونحوه؛ لأن له سلطنة.
٩ - ثم عَدْلٌ بإذنها؛ لأن اشتراط الولاية في هذه الحالة يمنع النكاح بالكلية فلم يجز، كاشتراط كون الولي عصبة في حق من لا عصبة لها.
- فرع: لا ولاية لغير العصبات النسبية والسببية من الأقارب؛ كالأخ من الأم، والخال، وعم الأم، وأبيها ونحوهم؛ لقول علي ﵁: «إِذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحَقَائِقِ، فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى» [البيهقي: ١٣٦٩٥]، ولأن من ليس يعصبها شبيه بالأجنبي منها.
- فرع: إن زوَّج الأبعد، أو زوج أجنبي - ولو حاكمًا - من غير عذر للأقرب؛ لم يصح النكاح؛ لعدم الولاية من العاقد عليها مع وجود
стр. 1200
مستحِقها؛ لأن قوله ﷺ : «إِلَّا بِوَلِيٍّ» وصف مشتق من الولاية، فيقتضي أن يكون الأحق الأولى فالأولى، وكل حكم علق على وصف فإنه يقوى الحكم بقوة هذا الوصف فيه.
وعنه: يصح ويقف على إجازة الولي؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق: «أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ ».
- مسألة: في مسقطات الولاية، وهي:
المسقط الأول: العضل، وهو: منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل منهما في صاحبه بما صح مهرًا، ولو كان بدون مهر مثلها.
- فرع: العضل محرم اتفاقًا، ويفسق به إن كرره؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وعن الحسن البصري ﵀: «أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا، فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتِ الآية» [البخاري: ٤٥٢٩].
(فَإِنْ عَضَلَ) الولي (الأَقْرَبُ) بأن منعها كفئًا رَضِيَتْهُ، ورغب بما صح مهرًا ولو دون مهر المثل؛ سقطت ولايته؛ لتعذر التزويج من جهة الأقرب، فصار كالعدم.
وقال شيخ الإسلام: (ومن صور العضل المسقط للولاية: إذا امتنع الخطَّاب لشدة الولي).
стр. 1201
المسقط الثاني: عدم أهلية الأقرب، وأشار إليه بقوله: (أَوْ لَمْ يَكُنِ) الولي الأقرب (أَهْلاً)؛ لكونه طفلًا أو كافرًا أو فاسقًا أو عبدًا؛ لأن الولاية لا تثبت للأقرب مع اتصافه بذلك، فصار وجوده كعدمه.
المسقط الثالث: الغَيبة المنقطعة، وأشار إليها بقوله: (أَوْ كَانَ) الولي الأقرب (مُسَافِراً) سفرًا (فَوْقَ مَسَافَةِ قَصْرٍ)، وهي رواية في المذهب، ذكرها صاحب الفروع (١)؛ لأن من دون ذلك في حكم الحاضر.
وقطع في المقنع والتنقيح والمنتهى: بأنها ما لا تُقطع إلا بكُلْفَةٍ ومشقة، قال في غاية المنتهى: (فوق مسافة قصر أو دونها)؛ لأن التحديد بابه التوقيف، ولا توقيف.
وقيل: ما يفوت به كفء راغب، قال المرداوي: (وهو قوي)؛ لأن مبنى الولاية على مصلحة المرأة، فإذا ترتب على اعتبار هذا الولي مفسدة للمرأة؛ سقطت ولايته.
واختار ابن عثيمين: أنه متى أمكن مراجعة الولي الأقرب فهو واجب، وإذا لم يمكن، وكان يفوت به الكفء؛ فليزوجها الأبعد، وذكر أنه يفرق بين الأب وغيره من الأولياء في اعتبار ذلك.
стр. 1202
المسقط الرابع: إذا تعذرت مراجعة الأقرب؛ بأَسْر أو حبس غائب لا يعلم مكانه؛ لأنه صار كالبعيد.
- فرع: إذا سقطت ولاية الولي بأحد المسقطات السابقة؛ (زَوَّجَ حُرَّةً) وليٌّ (أَبْعَدُ)؛ لحديث عائشة السابق، وفيه: «فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»، فدل على أن الولاية تنتقل إلى الأبعد، ولا تنتقل إلى السلطان مع وجود الولي، ولأنه تعذر التزويج من جهة الأقرب، فملكه الأبعد، كما لو جن.
- فرع: (وَ) إذا سقطت ولاية سيدِ (أَمَةٍ) بأن غاب، أو تعذرت مراجعته بنحو أسر؛ زوجها (حَاكِمٌ)؛ لأن له النظر في مال الغائب ونحوه.
(وَ) الشرط الرابع: (شَهَادَةُ) شاهدين على النكاح؛ لحديثِ ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» [الدارقطني: ٣٥٢١، ورجح وقفه]، وصح ذلك عن عمر وابن عباس ﵃ من قولهما [البيهقي: ١٣٧٢٧، ١٣٧٢٥]، قال الإمام أحمد: (أصح شيء في هذا قول ابن عباس)، قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم، قالوا: لا نكاح إلا بشهود، لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم، إلا قومًا من المتأخرين من أهل العلم)، ولأنه عقد يتعلق به حق غير المتعاقِدَيْن، وهو الولد، فاشترطت الشهادة فيه لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه، بخلاف غيره من العقود.
стр. 1203
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يصح النكاح بدون إشهادٍ بشرط الإعلان؛ لأن النكاح أُمِر فيه بالإعلان، كما في حديث: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ» [الترمذي: ١٠٨٩، وابن ماجه: ١٨٩٥، وحسنه الألباني]، فأغنى إعلانه مع دوامه عن الإشهاد، وقال شيخ الإسلام: (واشتراط الإشهاد وحده ضعيف؛ ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، فإنه لم يثبت عن النبي ﷺ فيه حديث)، وذكر ذلك عن أحمد وغيره من أهل الحديث. (١)
- فرع: يشترط في الشهود شروط، وهي:
١ - التعدد: فلابد من شاهدين، ولا يكفي شاهد واحد؛ لقول ابن عباس المتقدم: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ».
٢ - أن يكونا مسلمين: فلا ينعقد نكاح مسلم بشهادة ذميين، ولا بشهادة مسلم وذمي؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وللخبر السابق.
٣ - أن يكونا (رَجُلَيْنِ) أي: ذكرين؛ لقول الزهري ﵀: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي حَدٍّ، وَلَا نِكَاحٍ، وَلَا طَلَاقٍ» [عبد الرزاق: ٢٨٧١٤]، ولأنه عقد ليس بمال، ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال غالبًا، فلم ينعقد بهن؛ كالحدود.
стр. 1204
وعند ابن حزم: تصح شهادة النساء في النكاح؛ لأن الضلال الذي يحصل في شهادة المرأة جُبر بمضاعفة العدد، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ» [البخاري: ٣٠٤].
٤ - أن يكونا (مُكَلَّفَيْنِ) أي: بالغين عاقلين؛ لأن الصبي والمجنون ليسا من أهل الشهادة، ولا يوثق بخبرهما.
٥ - أن يكونا (عَدْلَيْنِ)؛ لقول ابن عباس السابق، (وَلَوْ) كانا عدلين (ظَاهِراً)، فينعقد النكاح بشهادة مستوري الحال؛ لأن النكاح يكون في القرى والبادية، وبين عامة الناس، فاعتبار العدالة في الباطن يشق، فاكتفي بظاهر الحال.
وعنه: لا تشترط العدالة، فتصح بشهادة الفاسقين؛ لأنها تَحَمُّلٌ، فصحت من الفاسق، كسائر التحمُّلات.
٦ - أن يكونا (سَمِيعَيْنِ)؛ لأن الأصم لا يسمع العقد فيشهد به.
واختار ابن عثيمين: صحة شهادة الأصم إذا كُتِب له وشَهد على الكتابة؛ لأن وصول العلم يكون بالبصر كما يكون بالسمع، وقد قال تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ [الزخرف: ٨٦]، فإذا وصل العلم إلى الشاهد كفى.
٧ - أن يكونا (نَاطِقَيْنِ)؛ لأن النطق شرط، والأبكم لا يتمكن من أداء الشهادة، فوجوده كعدمه.
стр. 1205
واختار ابن عثيمين: تصح شهادة الأخرس إذا كان يُمكن أن يُعبر عما شَهد به بكتابة، أو بإشارة معلومة؛ لأن المقصود أداء الشهادة أداءً صحيحاً، ولو عن طريق الكتابة.
- مسألة: (وَالكَفَاءَةُ) لغة: المماثلة والمساواة، وهي هنا معتبرة في خمسة أمور:
١ - الدين: وهو أداء الفرائض واجتناب النواهي، فلا يكون الفاسق ولا الفاجر كفئًا لعفيفة؛ لأنه مردود الشهادة والرواية، وذلك نقص في إنسانيته، فلا يكون كفئًا لعدل، يؤيده قوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾ [السجدة: ١٨].
٢ - النسب، فلا يكون العجمي كفئًا للعربية؛ لقول عمر ﵁: «لَأَمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذَوَاتِ الْأَحْسَابِ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مِنَ الْأَكْفَاءِ» [ابن أبي شيبة: ١٧٧٠٢، وفيه ضعف]، ولأن العرب يعتدُّون الكفاءة في النسب، ويأنفون من نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصًا وعارًا.
٣ - الحرية؛ فلا يكون العبد ولا المبعَّض كفئًا لحرة، ولو كانت عتيقة؛ لأن النبي ﷺ خَيَّر بَرِيرَةَ حين عَتَقَتْ تحت عبد [البخاري: ٢٥٣٦، ومسلم: ١٥٠٤]، وإذا ثبت الخيار في الاستدامة ففي الابتداء أولى، ولأنه منقوص بالرق، ممنوع من التصرف في كسبه، غير مالك له.
стр. 1206
٤ - الصناعة، فلا يكون صاحب صناعة دنيئة؛ كالحجام، والزبال، كفئًا لبنت من هو صاحب صناعة جليلة؛ كالتاجر، وصاحب العقار، ونحو ذلك؛ لأن ذلك نَقْصٌ في عُرف الناس، فأشبه نقص النسب، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «العَرَبُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ أَكْفَاءٌ إلَّا حَائِكًا أَوْ حَجَّامًا» [ابن عدي في الكامل ٦/ ١٧٢، وكذبه أبو حاتم]، قيل لأحمد: كيف تأخذ به وأنت تضعفه؟ قال: العمل عليه.
٥ - اليسار بمال بحسب ما يجب لها من المهر والنفقة، فلا يكون المعسر كفئًا لموسرة؛ لأن على الموسرة ضررًا في إعسار زوجها؛ لإخلاله بنفقتها، ومؤنة أولاده، ولأن ذلك نَقْصًا في عُرف الناس، يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب.
واختار ابن قدامة: أن الكفاءة في الدين والنسب فقط، دون الباقي.
واختار شيخ الإسلام: عدم اعتبار النسب في الكفاءة والصناعة واليسار والحرية وغير ذلك، وقال: (وليس عن النبي ﷺ نص صحيح صريح في هذه الأمور)؛ لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾ [الحجرات: ١٣]، ولحديث أبي هريرة ﵁: أن أبا هند حَجَم النبي ﷺ في اليافوخ، فقال النبي ﷺ : «يَا بَنِي بَيَاضَةَ، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ وَانْكِحُوا إِلَيْهِ» [أبو داود: ٢١٠٢، وصححه الألباني]، ولعدم الدليل على اعتبار النسب في الكفاءة.
стр. 1207
- فرع: الكفاءة ليست شرطًا لصحة النكاح، فيصح النكاح مع فقدها؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ، فَنَكَحَهَا بِأَمْرِهِ» [مسلم: ١٤٨٠]، وفاطمة قرشية، وأسامة مولًى، ولما روت عائشة ﵂: «أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ تَبَنَّى سَالِمًا، وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ» [البخاري: ٤٠٠٠].
وإنما الكفاءة (شَرْطٌ لِلُزُومِهِ) أي: النكاح، (فَـ):
١ - (يَحْرُمُ تَزْوِيجُهَا) أي: المرأة (بِغَيْرِهِ) أي: بغير الكفء (إِلَّا بِرِضَاهَا)، فلو زُوِّجت بغير كفء دون رضاها فلها الفسخ؛ لأن الكفاءة شرط للزومها.
٢ - أنه يثبت حق الفسخ لمن لم يرض من سائر الأولياء عند فوات الكفاءة؛ لأن العار عليهم أجمعين.
واختار ابن عثيمين: أن الكفاءة ليست شرطًا للصحة ولا للزوم، فليس لأحد الحق في فسخ النكاح ما دام النكاح صحيحًا؛ لأنه إذا صح العقد بمقتضى دليل شرعي، فلا يفسخ إلا بدليل شرعي.
واستثنى مسألتين:
١ - إذا كان الخلل من حيث العفاف، فإذا كان الزوج زانيًا، ولم يتب، أو كانت الزوجة زانية، ولم تتب؛ فإنه لا يصح النكاح، ويأتي.
стр. 1208
٢ - إذا كان الزوج يشرب الخمر ونحو ذلك مما يضر بالمرأة؛ فإن لها حق الفسخ؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة ثابت بن قيس ﵄ أتت النبي ﷺ فقالت: «يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلامِ» [البخاري: ٥٢٧٣]، فظاهر قولها أنها لو عابته بخلق ودين لكان لها الحق في طلب الفسخ.
(فَصْلٌ) في المحرمات في النكاح
وهن ضربان:
أحدهما: من تحرم على الأبد، وقد ذكره بقوله: (وَيَحْرُمُ أَبَداً)، وهن خمسة أقسام:
القسم الأول: يحرمن بالنسب، وهن سبع:
١ - (أمٌّ، وَجَدَّةٌ) مطلقاً، سواء من جهة الأب أو الأم، (وَإِنْ عَلَتْ)، لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣]، قال ابن رشد: (اتفقوا على أن الأم ههنا اسم لكل من لها عليك ولادة، من جهة الأم أو من جهة الأب)، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة، وهي التي ولدتك، أو مجازًا وهي التي ولدت من ولدتك، وإن علت.
стр. 1209
٢ - (وَبِنْتٌ) لصلبٍ، (وَبِنْتُ وَلَدٍ)، ذكرًا كان الولد أو أنثى، (وَإِنْ سَفَلَتْ)؛ لقوله تعالى: ﴿وبناتكم﴾ [النساء: ٢٣]، قال ابن رشد: (اتفقوا على أن البنت اسم لكل أنثى لك عليها ولادة، سواء كانت من قبل الابن أو من قبل البنت أو مباشرة).
وسواء كانت البنت من حلال، زوجةٍ أو سُريَّةٍ، أو من حرام كزنًى، أو من شبهة، أو منفية بلعان؛ لدخولهن في عموم لفظ: (وبناتكم)، ولأن ابنته من الزنى خلقت من مائه، فحرمت عليه؛ كتحريم الزانية على ولدها من الزنى، والمنفية بلعان لا يسقط احتمال كونها خلقت من مائه، واختاره شيخ الإسلام.
ويكفي في التحريم أن يعلم أنها بنته ظاهرًا، وإن كان النسب لغيره، قال شيخ الإسلام: ظاهر كلام الإمام أحمد أن الشبه يكفي في ذلك؛ لأنه قال: أليس أمر النبي ﷺ سودة أن تحتجب من ابن أمة زَمْعَة، وقال: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» [البخاري: ٢٠٥٣، ومسلم: ١٤٥٧]، وقال: إنما حجبها للشبه الذي رأى بعينه.
وكذا يقال في الأخوات وغيرهن ممن يأتي من الأقسام.
٣ - (وَأُخْتٌ مُطْلَقاً)، أي: أخت لأبوين، وأخت لأب، وأخت لأم؛ لقوله تعالى: (وأخواتكم)، قال ابن رشد: (اتفقوا على أن الأخت اسم لكل أنثى شاركتك في أحد أصليك أو مجموعهما).
стр. 1210
٤ - (وَبِنْتُهَا)، أي: بنت الأخت مطلقاً، (وَبِنْتُ وَلَدِهَا) أي: بنت ابن الأخت، وبنت بنت الأخت (وَإِنْ سَفَلَتْ)؛ لقوله تعالى: ﴿وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ [النساء: ٢٣]، قال ابن رشد: (اتفقوا على أن بنت الأخت اسم لكل أنثى لأختك عليها ولادة، مباشرة أو من قبل أمها أو من قبل أبيها).
٥ - (وَبِنْتُ كُلِّ أَخٍ) شقيق أو لأب أو لأم، (وَبِنْتُهَا)، أي: بنت بنت الأخ، (وَبِنْتُ وَلَدِهَا وَإِنْ سَفَلَتْ)؛ لقوله تعالى: ﴿وبنات الأخ﴾ [النساء: ٢٣]، قال ابن رشد: (اتفقوا على أن بنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة من قبل أمها، أو من قبل أبيها، أو مباشرة).
٦ - (وَعَمَّةٌ) مطلقًا، أي: من كل جهة، وهن جميع أخوات آبائك وأجدادك وإن علون، اتفاقاً؛ لقوله تعالى: ﴿وعماتكم﴾ [النساء: ٢٣].
٧ - (وَخَالَةٌ مُطْلَقاً)، أي: من كل جهة، وهن جميع أخوات أمهاتك وجداتك وإن علون، اتفاقاً؛ لقوله تعالى: ﴿وخالاتكم﴾ [النساء: ٢٣].
(وَ) القسم الثاني: يحرمن بالرضاع، وهن سبع، أشار إليه: (يَحْرُمُ بِرَضَاعٍ مَا يَحْرُمُ بِنَسَبٍ)، فكل امرأة حرمت من النسب حرم مثلها بالرضاع؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» [البخاري ٢٦٤٥، ومسلم ١٤٤٧]، ولأن الأمهات والأخوات
стр. 1211
منصوص عليهن في قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣] والباقيات يدخلن في عموم لفظ سائر المحرمات، فيحرم من الرضاع: الأمهات وإن علون، والبنات وإن نزلن، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، ويأتي في الرضاع.
(وَ) القسم الثالث: المحرمات بالمصاهرة، وهن أربع:
الأول والثاني: أشار إليهما بقوله: (يَحْرُمُ بِعَقْدٍ) وإن لم يحصل دخول ولا خلوة: (حَلَائِلُ عَمُودَيْ نَسَبِهِ) أي:
١ - حلائل آبائه: وهن كل من تزوجها أبوه، أو جده لأبيه أو لأمه، من نسب أو رضاع، وإن علا، وسواء فارقها أو مات عنها، وحلائلهم: زوجاتهم، سميت امرأة الرجل حليلة؛ لأنها تحل إزار زوجها وهي محللة له؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢].
٢ - حلائل أبنائه، وهن كل من تزوجها أحد من بنيه، أو من بني أولاده وإن نزلوا، من أولاد البنين أو البنات، من نسب أو رضاع؛ لقوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ [النساء: ٢٣]، مع ما تقدم من قوله ﷺ : «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».
٣ - (وَ) يحرم بعقد وإن لم يحصل دخول ولا خلوة: (أُمَّهَاتُ زَوْجَتِهِ وَإِنْ عَلَوْنَ)، من نسب ومثلهن من رضاع؛ لقوله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم﴾
стр. 1212
[النساء: ٢٣]، والمعقود عليها من نسائه، فتدخل أمها في عموم الآية، قال ابن عباس ﵄: «هِيَ مُبْهَمَةٌ، فَأَرْسِلُوا مَا أَرْسَلَ الله، وَاتَّبِعُوا مَا بَيَّنَ الله » [سعيد بن منصور ٩٣٧]، أي: عمموا حكمها في كل حال، ولا تفصلوا بين المدخول بها وغيرها.
٤ - (وَ) يحرم (بِدُخُولٍ: رَبِيبَةٌ)، وهي بنت زوجته التي دخل بها، (وَبِنْتُهَا) أي: بنت ربيبته، (وَبِنْتُ وَلَدِهَا) الذكور والإناث (وَإِنْ سَفَلَتْ)، من نسب أو رضاع، لقوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ [النساء: ٢٣]، ولو كن في غير حجره؛ لأن التربية لا تأثير لها في التحريم، وأما قوله تعالى: ﴿اللاتي في حجوركم﴾ فقد خرج مخرج الغالب لا الشرط، فلا يصح التمسك بمفهومه.
فإن ماتت الزوجة أو أبانها قبل دخول؛ لم تحرم بناتها، ولو بعد الخلوة؛ لقوله تعالى: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾ [النساء: ٢٣]، والخلوة لا تسمى دخولًا.
- فرع: تحرم زوجة الأب من الرضاع، وزوجة الابن من الرضاع، وأم الزوجة من الرضاع، وبنت الزوجة من الرضاع، اتفاقاً؛ لعموم ما تقدم من قوله تعالى: (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ)، وقوله: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ).
стр. 1213
وأما قوله تعالى: ﴿الذين من أصلابكم؛ فللاحتراز عمن يتبناه وليس منه، ولحديث ابن عباس السابق: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، فأجرى النبي ﷺ الرضاعة مجرى النسب، وشبهها به، فثبت تنزيل ولد الرضاعة وأبي الرضاعة منزلة ولد النسب وأبيه، فما ثبت للنسب من التحريم، ثبت للرضاعة، فإذا حرمت امرأة الأب والابن، وأم المرأة، وابنتها من النسب، حرمن بالرضاعة.
واختار شيخ الإسلام وابن القيم: أنهن لا يحرمن؛ لأن حرمة هؤلاء بالمصاهرة لا بالنسب، وإنما قال رسول الله ﷺ : «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى في المحرمات: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾، ومعلوم أن لفظ: (الابن) إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرضاع، ولهذا قام الإجماع على عدم دخولهم في قول الله : (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ)، فكيف إذا قُيِّد بكونه ابن صلب، وقَصْد إخراج ابن التبني بهذا لا يمنع إخراج ابن الرضاع.
- فرع: إذا وطئ الرجل امرأة فلا يخلو هذا الوطء في ثبوت التحريم بالمصاهرة من ثلاثة أقسام:
١ - أن يكون الوطء حلالاً: فيثبت به التحريم بالمصاهرة إجماعًا؛ لأنها حرمت عليه على التأبيد بسبب مباح، أشبه النسب.
стр. 1214
٢ - أن يكون الوطء بشبهة (١): فيثبت به التحريم بالمصاهرة، وحكاه ابن المنذر إجماعًا؛ لأنه وطء يلحق به النسب؛ فأثبت التحريم كالوطء المباح.
ولا يصير به الرجل مَحْرمًا لمن حرمت عليه، ولا يباح له به النظر إليها؛ لأن الوطء ليس بمباح، ولأن الموطوءة لم يستبح النظر إليها، فلأن لا يستبيح النظر إلى غيرها أولى.
٣ - أن يكون الوطء حرامًا؛ كزنًى أو وطء في الدبر: فيثبت به التحريم بالمصاهرة؛ لأن الوطء يسمى نكاحًا، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ الآية [النساء: ٢٢]، ولأن ما تعلق من التحريم بالوطء المباح تعلق بالمحظور؛ كوطء الحائض، ولا تثبت به المَحْرَمية ولا إباحة النظر؛ لما تقدم.
واختار شيخ الإسلام: أن الوطء الحرام لا يثبت به تحريم المصاهرة؛ لأن الأصل الحل، والعقود إذا أطلقت في الشرع حملت على الصحيح منها؛ ولحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» [ابن ماجه ٢٠١٥، وضعفه الألباني]، وسئل ابن عباس ﵄ عن الرجل يزني بأم امرأته قال: «تَخَطَّى بِحُرْمَةٍ إِلَى حُرْمَةٍ، وَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ» [عبد الرزاق ١٢٧٦٩، وصححه الحافظ والألباني].
стр. 1215
القسم الرابع من المحرمات على الأبد: زوجات نبينا محمد ﷺ فقط، دون بناتهن وأمهاتهن، فيحرمن على غيره أبدًا؛ لقوله تعالى: ﴿ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ولو من فارقها في حياته؛ لأنها من أزواجه.
القسم الخامس: الملاعِنة على الملاعِن، فلا تحل له بنكاح ولا ملك يمين؛ لحديث ابن عمر ﵄ في قصة اللعان مرفوعاً: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا» [البخاري ٥٣١٢، ومسلم ١٤٩٣]، وعن علي وابن مسعود ﵄ قالا: «مَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» [الدارقطني ٣٧٠٧]، فلا تحل له ولو أكذب الملاعن نفسه؛ لأنه تحريم لا يرتفع قبل الجلد والتكذيب، فلم يرتفع بهما.
- فرع: زاد شيخ الإسلام:
١ - لو قتل رجل رجلاً ليتزوج امرأته فلا تحل له على التأبيد؛ عقوبة له بنقيض قصده؛ كحرمان القاتل من الميراث.
٢ - لو خبب امرأةً على زوجها حتى طلقها؛ فنكاحه لها باطل، ويجب التفريق بينهما؛ كمنع القاتل الميراث، وهو قول في مذهب أحمد.
стр. 1216
فصل
الضرب الثاني: المحرمات إلى أمد، وهن نوعان:
النوع الأول: محرمات لأجل الجمع، وأشار إليه بقوله: (وَيَحْرُمُ إِلَى أَمَدٍ):
١ - (أُخْتُ مُعْتَدَّتِهِ) قبل انقضاء عدتها؛ لأنها في حكم الزوجة، (أَوْ) أختُ (زَوْجَتِهِ)، سواء كانت أختها من نسب أو رضاع، قبل الدخول أو بعده؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
واختار ابن عثيمين: إن كانت معتدتَه من طلاق بائن بينونة كبرى؛ جاز أن يتزوج من أختها؛ لأنه لا يمكنه الرجوع إليها.
٢ - الجمع بين المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها، ولو رضيتا، وسواء كانت العمة والخالة حقيقة أو مجازًا؛ كعمات آبائهن وخالات آبائهن وإن علون، وعمات أمهاتهن وخالاتهن وإن علت درجتهن، من نسب أو رضاع؛ لعموم حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» [البخاري ٥١٠٩، ومسلم ١٤٠٨]، قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على القول به، وليس فيه بحمد الله اختلاف، إلا أن بعض أهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافًا، وهم الرافضة والخوارج؛ لم يحرموا ذلك، ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ .
стр. 1217
- ضابط: يحرم الجمع بين كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى حرم نكاحه، أي: الذكر لها، لقرابة أو رضاع؛ لأن المعنى الذي حرم الجمع من أجله إفضاؤه إلى قطيعة الرحم القريبة، لما في الطباع من التنافر والغيرة بين الضرائر.
- فرع: يحرم الجمع بين المرأة وأختها، أو عمتها، أو خالتها ولو من رضاع؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» [البخاري ٢٦٤٥، ومسلم ١٤٤٧].
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يحرم الجمع مع الرضاع، فلا يحرم الجمع بين الأختين من الرضاع، ولا بين المرأة وخالتها أو عمتها من الرضاع؛ لأن الأصل الحل، وقد قال تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم).
- فرع: لا يحرم الجمع بين مبانة شخص وبنته من غيرها؛ لأنه وإن حرمت إحداهما على الأخرى لو قُدِّرت ذكرًا، لم يكن تحريمها إلا للمصاهرة؛ لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع، قال قُثَمُ مولى ابن عباس: «تَزَوَّجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ ﵁ ابْنَةَ عَلِيٍّ, وَامْرَأَةَ عَلِيٍّ النَّهْشَلِيَّةَ» [علقه البخاري ٧/ ١١، ووصله الدارقطني ٣٨٦٧].
- فرع: إن طُلِّقت المرأة، وفرغت العدة، أو ماتت؛ أبيحت له أختها، أو عمتها، أو خالتها، أو نحوهن ممن تقدم؛ لعدم المانع.
стр. 1218
٣ - ليس للحر أن يجمع بين أكثرَ من أربع زوجات؛ لحديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال لغَيْلانَ بن سَلَمة ﵁ حين أسلم وتحته عشر نسوة: «اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» [أحمد ٤٦٠٩، والترمذي ١١٢٨، وابن ماجه ١٩٥٣]، فإذا منع استدامة ما زاد على أربع فالابتداء أولى، وقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣]، أريد به التخيير بين اثنتين وثلاث وأربع، كما قال تعالى: ﴿أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾ [فاطر: ١]، ولم يرد أن لكلٍّ تسعة أجنحة، ولو أراده لقال: (تسعة)، ولم يكن للتطويل معنى.
إلا النبي ﷺ فكان له أن يتزوج بأي عدد شاء؛ تكرمة له من الله تعالى.
- فرع: ليس للعبد أن يتزوج أكثرَ من اثنتين، لقول عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف ﵃ [مصنف عبدالرزاق ٧/ ١٧٤]، وقد روى ليث بن أبي سُليم عن الحكم بن عتيبة أنه قال: (أجمع أصحاب رسول الله ﷺ أن العبد لا ينكح أكثر من ثنتين)، وهذا يخص عموم قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء)، مع أن فيها ما يدل على إرادة الأحرار وهو قوله: (أو ما ملكت أيمانكم).
النوع الثاني من المحرمات لأمد: محرمات لعارض يزول، وهن أصناف:
الأول: زوجة غيره؛ لقوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤].
стр. 1219
والثاني: تحرم عليه المعتدة من غيره، اتفاقاً؛ لقوله: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ [البقرة: ٢٣٥].
وتحرم أيضًا المستبرأة من غيره؛ لأن تزوُّجَها زمن استبرائها يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب.
وسواء في ذلك المعتدة، والمستبرأة من وطء مباح، أو محرم؛ كشبهة وزنى، أو من غير وطء؛ كالمتوفى عنها زوجها قبل الدخول؛ لعموم ما تقدم.
(وَ) الثالث: تحرم (زَانِيَةٌ) على زان وغيره، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن مَرْثَدَ بنَ أبي مَرْثَدٍ الغَنَويَّ كان يحمل الأُسارى بمكة، وكان بمكة بَغِيٌّ يقال لها: عَنَاقُ، وكانت صديقتَه، قال: جئتُ إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أَنْكِحُ عَنَاقَ؟ قال: فسكت عني، فنزلت: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك﴾ (١) [النور: ٣] فدعاني فقرأها عليَّ، وقال: «لَا تَنْكِحْهَا» [أبوداود ٢٠٥١، والترمذي ٣١٧٧، والنسائي ٣٢٨].
فلا تباح الزانية إلا بشرطين:
стр. 1220
١ - (حَتَّى تَتُوبَ)؛ لأنها إذا تابت زال ذلك الحكم عنها.
٢ - (وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا)، ولا فرق في ذلك بين الزاني وغيره؛ لأن ولدها لا يلحق نسبه بأحد، فيؤدي تزويجها قبل انقضاء عدتها إلى اشتباه النسب (١).
- فرع: توبة الزانية: أن تُراوَدَ على الزنى فتمتنع منه، واختاره شيخ الإسلام؛ لما روي أنه قيل لابن عمر ﵄: كيف تعرف توبتها؟ قال: «يُرِيدُهَا عَلَى ذَلِكَ: فَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَلَمْ تَتُبْ، وَإِنْ أَبَتْ فَقَدْ تَابَتْ» [ذكره ابن قدامة ولم نقف عليه]، وقال شيخ الإسلام: (وهو مروي عن عمر وابنه وابن عباس ﵃.
стр. 1221
واختار ابن قدامة وابن عثيمين: أن توبة الزانية كتوبة غيرها، ندم وإقلاع وعزم أن لا تعود، وقال: (لا ينبغي لمسلم أن يدعو امرأة إلى الزنى، ويطلبه منها، ولأن طلبه ذلك منها إنما يكون في خلوة، ولا تحل الخلوة بأجنبية، ثم لا يأمن إن أجابته إلى ذلك أن تعود إلى المعصية).
- فرع: إذا تابت من الزنى وانقضت عدتها؛ حلَّ نكاحها للزاني وغيره، ورد ذلك عن أبي بكر، وعمر، وابنه، وابن عباس، وجابر ﵃ [مصنف عبدالرزاق ٧/ ٢٠٢ - ٢٠٥]، ولأن الحكم يدور مع علته، فإذا تابت ارتفع عنها وصف الزنى.
وأما ما روي عن ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة ﵃ [مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٢٩]: أنها لا تحل للزاني بحال، فيحتمل أنهم أرادوا بذلك ما قبل التوبة، أو قبل استبرائها.
- فرع: لا يشترط لصحة نكاحها توبة الزاني بها إذا أراد أن ينكح الزانية؛ كالزاني بغيرها.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يمنع الزاني من تزوج العفيفة حتى يتوب؛ للآية السابقة.
(وَ) الرابع: تحرم (مُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثاً حَتَّى يَطَأَهَا زَوْجٌ غَيْرُهُ، بِشَرْطِهِ)؛ بأن ينكحها نكاحًا صحيحًا، ويطأها في قُبُل، مع انتشار، ويطلقَها وتنقضيَ
стр. 1222
عدتها، ويأتي في الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولحديث عائشة ﵂ قالت: جاءت امرأة رِفاعةَ القُرَظِي النبي ﷺ ، فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فأبت طلاقي، فتزوجت عبدَ الرحمن بنَ الزَّبِير إنما معه مثلُ هُدْبَةِ الثوب، فقال: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» [البخاري ٢٦٣٩، ومسلم ١٤٣٣].
والخامس: تحرم المُحْرِمة حتى تَحِلَّ من إحرامها؛ لحديث عثمان ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ» [مسلم ١٤٠٩]، وتقدم تفصيله في محظورات الإحرام.
(وَ) السادس: تحرم (مُسْلِمَةٌ عَلَى كَافِرٍ) حتى يُسْلِم، إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١].
(وَ) السابع: تحرم (كَافِرَةٌ عَلَى مُسْلِمٍ)، ولو كان عبداً؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١]، (إِلَّا) أن يجتمع فيها ثلاثة شروط:
١ - أن تكون (حُرَّةً)، فلا يحل لمسلم ولو عبدًا نكاحُ أمة كتابية؛ لقوله تعالى: ﴿فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥]، ولئلا يؤدي إلى استرقاق الكافر ولدَها المسلم؛ لأنه يقر ملكه على أمته الكافرة، وولدها مملوك سيدها.
стр. 1223
وقال شيخ الإسلام: تباح الأمة الكتابية إذا شرط عتق ولدها منه، والآية إنما دلت على تحريم غير المؤمنات بالمفهوم، ولا عموم له، بل يصدق بصورةٍ؛ لانتفاء علة المنع، وهي استرقاق ولده منها.
ب أن تكون (كِتَابِيَّةً)؛ لقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [المائدة: ٥]، قال ابن قدامة: (ليس بين أهل العلم اختلاف في حل نساء أهل الكتاب).
وأهل الكتاب هم: من دان بالتوراة والإنجيل خاصة، ولو من بني تَغْلِبَ، ومن في معناهم من نصارى العرب ويهودهم.
قال شيخ الإسلام: (الصواب المقطوع به أن كون الرجل كتابيًّا أو غير كتابي هو حكم مستقل بنفسه لا بنسبه، وكل من تدين بدين أهل الكتاب فهو منهم، سواء كان أبوه أو جده دخل في دينهم أو لم يدخل، وسواء كان دخوله قبل النسخ والتبديل أو بعد ذلك، ... وهذا هو المنصوص الصريح عن أحمد، وإن كان بين أصحابه في ذلك نزاع معروف، وهذا القول هو الثابت عن الصحابة ﵃، ولا أعلم بين الصحابة في ذلك نزاعًا).
٣ - أن يكون أبواها كتابيين؛ فإن كان أحد أبويها غير كتابي؛ لم تحل لمسلم؛ لأنها لم تتمحض كتابية؛ ولأنها مولدة بين من يَحِل وبين من لا يَحِل، فلم تحل؛ كالسِّمْع - وهو ولد الذئب من الضبع -، والبغل.
стр. 1224
وعنه، واختاره الموفق وشيخ الإسلام: تحل الكتابية ولو كان أبواها غير كتابيين؛ اعتباراً بنفسها، ولدخولها في عموم الآية المبيحة، ولأنها كتابية، فأشبهت من أبواها كتابيان، قال شيخ الإسلام: (هو المنصوص عن الإمام أحمد ﵀ في عامة أجوبته)، وقال الزركشي عن الرواية الأولى: (ولم أر من ذكر عن أحمد بذلك نصًّا).
- فرع: الأَوْلى أن لا يتزوج من نساء أهل الكتاب مع وجود الحرائر المسلمات، وقال شيخ الإسلام: يكره؛ لأن طلحة بن عبيد الله ﵁ نكح بنت عظيم يهود، فعزم عليه عمر ﵁ إلا ما طلقها [عبدالرزاق ١٢٦٧٢]، وقياساً على أكل ذبائحهم بلا حاجة تدعو إليه.
(وَ) الثامن: تحرم (عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ) نكاح (أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ) - لا كافرة، ولو كتابية، فلا يجوز نكاحها ولو مع الشروط الآتية؛ لما سبق - إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن يخشى مشقة ترك النكاح، وأشار إليه بقوله: (مَا لَمْ يَخَفِ) الحر (عَنَتَ عُزُوبَةٍ) أي: مشقة عدم الزواج، (لِحَاجَةِ مُتْعَةٍ، أَوْ) لحاجة (خِدْمَةٍ) له، لكبر أو مرض أو غيرهما.
(وَ) الشرط الثاني: أن (يَعْجِزَ عَنْ طَوْلِ حُرَّةٍ) أي: مالٍ حاضرٍ يكفي نكاح حرة.
стр. 1225
والدليل على هذين الشرطين: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥]، والصبر عن نكاحها مع الشرطين أولى، لقوله تعالى: ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾.
(أَوْ) لا يقدر على (ثَمَنِ أَمَةٍ)، ولو كتابية، وتبع فيه صاحب الإقناع، واختاره ابن قدامة؛ لأنه لا يخاف العنت، ولأنه قدر على صيانة ولده عن الرق، فلم يجز له إرقاقه، أشبه القادر على طول الحرة.
والمذهب كما في المنتهى: يجوز له نكاح الأمة بالشرطين ولو قدر على ثمن أمة؛ لظاهر الآية السابقة.
واختار شيخ الإسلام: أنه يباح نكاح الأمة لمن فقد هذه الشروط إذا شرط على السيد عتق كل من يولد منها؛ لامتناع مفسدة إرقاق ولده.
(وَ) التاسع: يحرم (عَلَى عَبْدٍ) ولا يصح منه نكاح (سَيِّدَتِهِ) المالكة له أو لبعضه، حكاه ابن المنذر إجماعًا، لأن أحكام الملك والنكاح تتناقص، إذ ملكها إياه يقتضي وجوب نفقته عليها، وأن يكون بحكمها، ونكاحه إياها يقتضي عكس ذلك، وعن جابر ﵁ قال: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب ونحن بالجابِيَّة نكحت عبدها فانتهرها، وهَمَّ أن يرجمها، وقال: «لَا يَحِلُّ لَكِ مُسْلِمٌ بَعْدَهُ» [عبدالرزاق ١٢٨١٧، وصححه ابن حزم].
стр. 1226
(وَ) العاشر: يحرم (عَلَى سَيِّدٍ) ولا يصح منه نكاح (أَمَتِهِ)؛ لأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البُضْع، فلا يجمع معه عقد أضعف منه.
(وَ) الحادي عشر: يحرم على الحر أن ينكح (أَمَةَ وَلَدِهِ) من النسب؛ لأن له فيها شبهة ملك، دون الرضاع، فله أن يتزوج أمة ولده من الرضاع بشرطه؛ كالأجنبي.
واختار ابن عثيمين: يجوز للأب أن يتزوج أمة ابنه إذا تم في حقه شروط جواز نكاح الإماء، بشرط: ألا يكون الابن قد جامعها؛ فإن جامعها الابن فإنها لا تحل للأب؛ لأنها مما نكح ابنه، وأما قولهم: له شبهة مِلك، فليس كذلك، بل للأب شبهة تملك، فليس الأب مشاركاً للابن.
- فرع: علم مما تقدم: أن للعبد نكاح أمةٍ ولو فُقِد الشرطان، ولو على حرة، لأنها تساويه، ولو كانت أَمَة لابنه، قال في الإنصاف: (بلا نزاع)؛ لأن الرق قطع ولايته عن ولده وماله، فهو كالأجنبي منه.
وعلم أيضاً: أن للأمة نكاح عبد ولو كان العبد لابنها؛ لمساوتها له في الرق، ولقطع التوارث بينها وبين ابنها، فكان كالأجنبي منها.
(وَ) الثاني عشر: يحرم (عَلَى حُرَّةٍ) نكاح (قِنِّ وَلَدِهَا)؛ لأنه لو ملك أحد الزوجين الآخر لانفسخ النكاح بغير خلاف، فكذا لو ملك ولد أحد الزوجين الآخر؛ لأن ملك الابن كملكه في إسقاط الحد، وحرمة الاستيلاد، فكان كملكه في إبطال النكاح.
стр. 1227
واختار ابن عثيمين: يجوز للحرة أن تنكح قن ولدها، ولا ينفسخ النكاح إذا ملك ولد أحد الزوجين الآخر؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ولأنه لا يملكها بملك الابن، فلم يبطل نكاحه كما لو ملكه أجنبي، ولأن الأصل بقاء النكاح.
والثالث عشر: يحرم ولا يصح نكاح خنثى مشكل قبل تبين أمره؛ لعدم تحقق مبيح النكاح.
- مسألة: (وَمَنْ حَرُمَ وَطْؤُهَا بِعَقْدٍ)؛ كالمعتدة، والمُحْرِمة، والزانية، والمطلقة ثلاثًا؛ (حَرُمَ) وطؤها (بِمِلْكِ يَمِينٍ)؛ لأن النكاح إذا حرم لكونه طريقًا إلى الوطء، فلأن يحرم الوطء بطريق الأولى، (إِلَّا أَمَةً كِتَابِيَّةً)، فيحرم نكاحها ولا يحرم وطؤها بملك اليمين؛ لدخولهن في قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣]، ولأنها ممن يحل نكاح حرائرهم، فحل له التسري بها؛ كالمسلمة، وهذا معدوم في غير الكتابية، فأما نكاح الأمة الكتابية فيحرم؛ لأنه فيه إرقاق ولده وإبقاؤه مع كافرة، بخلاف التسري.
- فرع: وطء المسلم للأمة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - أن تكون الأمة مسلمة: فيجوز نكاحها بشرطه، ويجوز وطؤها بملك اليمين، وتقدم الكلام عليها.
٢ - أن تكون الأمة كتابية: فيحرم نكاحها، وتقدم الكلام عليها، ويجوز وطؤها بملك اليمين.
стр. 1228
٣ - أن تكون الأمة كافرة غير كتابية؛ كالمجوسية: فيحرم نكاحها، وسبقت المسألة، ويجوز أن يملكها، لكن يحرم وطؤها بملك يمين؛ لما تقدم من أن النكاح إذا حرم لكونه طريقًا إلى الوطء، فلأن يحرم الوطء بطريق الأولى، ولم يستثن إلا الكتابية، فيبقى ما عداها على التحريم.
واختار شيخ الإسلام: جواز وطء إماء غير أهل الكتاب؛ لعموم قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم)، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسَ، فَلَقُوا عَدُوًّا، فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أَيْ: فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ» [مسلم ١٤٥٦]، قال ابن القيم: (دل هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين، فإن سبايا أوطاس لم يكن كتابيات، ولم يشترط رسول الله ﷺ في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع مع أنهم حديثو عهد بالإسلام).
стр. 1229
(فَصْلٌ) في الشروط في النكاح
أي: ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر مما له فيه غرض.
- مسألة: الشروط في النكاح لا تخلو:
١ - أن تكون في صلب عقد النكاح؛ كأن يقول: زوجتك ابنتي بشرط كذا، فيقبل الزوج: فمعتبرة بلا خلاف.
٢ - أن يتفقا عليها قبل العقد: فهي معتبرة أيضاً، بخلاف ما تقدم في البيوع، قال شيخ الإسلام: (على هذا جواب أحمد؛ لأن الأمر بالوفاء بالشروط والعقود والعهود يتناول ذلك تناولًا واحدًا).
٣ - أن تكون بعد لزوم العقد: فلا يلزم الشرط؛ لفوات محله.
- مسألة: (وَالشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ نَوْعَانِ):
النوع الأول: شرط (صَحِيحٌ)، وهو ما لا ينافي مقتضى العقد، وهو قسمان:
١ - شرط يقتضيه العقد؛ كتسليم الزوجة إلى الزوج، وتمكينه من
стр. 1230
الاستمتاع بها، وتسليمها المهر وتمكينها من الانتفاع به: فوجوده كعدمه؛ لأن العقد يقتضي ذلك، ولم يذكره في المنتهى وغيره؛ لوضوحه.
٢ - شرط ما تنتفع به المرأة مما لا ينافي العقد؛ (كَشَرْطِ زِيَادَةٍ فِي مَهْرِهَا)، أو زيادة في نفقتها الواجبة، أو تشترط عليه أن لا ينقلها من دارها أو بلدها، أو أن لا يسافر بها.
فهذا النوع صحيح لازم، بمعنى ثبوت الخيار للزوجة بعدمه؛ لما روى عبد الرحمن بن غَنْمٍ قال: شهدت عمر بن الخطاب ﵁ واخْتُصِمَ إليه في امرأة شرط لها زوجها أن لا يخرجها من دارها، قال عمر: «لَهَا شَرْطُهَا»، قال رجل: لئن كان هكذا لا تشاء امرأة تفارق زوجها إلا فارقته، فقال عمر: «المُسْلِمُونَ عِنْدَ مَشَارِطِهِمْ، عِنْدَ مَقَاطِعِ حُدُودِهِمْ» [عبدالرزاق ١٠٦٠٨]، ولأنه شَرَط لها منفعة مقصودة لا تمنع المقصود من النكاح؛ فكان لازماً.
(فَإِنْ لَمْ يَفِ) الزوج للزوجة (بِذَلِكَ) أي: بما اشترطته؛ (فَلَهَا الفَسْخُ)؛ لما تقدم عن عمر ﵁، ولأنه شرط لازم في عقد، فثبت حق الفسخ بترك الوفاء به؛ كالرهن والضمين في البيع.
- فرع: لا يجب الوفاء بالشرط الصحيح، بل يسن- بخلاف الشروط في البيع فيُوجِبون الوفاء بها كما تقدم-؛ لأنه لو وجب لأجبر الزوج عليه، ولم يجبره عمر ﵁ بل قال: «لَهَا شَرْطُهَا».