(وَ) العاشر: يحرم (عَلَى سَيِّدٍ) ولا يصح منه نكاح (أَمَتِهِ)؛ لأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البُضْع، فلا يجمع معه عقد أضعف منه.
(وَ) الحادي عشر: يحرم على الحر أن ينكح (أَمَةَ وَلَدِهِ) من النسب؛ لأن له فيها شبهة ملك، دون الرضاع، فله أن يتزوج أمة ولده من الرضاع بشرطه؛ كالأجنبي.
واختار ابن عثيمين: يجوز للأب أن يتزوج أمة ابنه إذا تم في حقه شروط جواز نكاح الإماء، بشرط: ألا يكون الابن قد جامعها؛ فإن جامعها الابن فإنها لا تحل للأب؛ لأنها مما نكح ابنه، وأما قولهم: له شبهة مِلك، فليس كذلك، بل للأب شبهة تملك، فليس الأب مشاركاً للابن.
- فرع: علم مما تقدم: أن للعبد نكاح أمةٍ ولو فُقِد الشرطان، ولو على حرة، لأنها تساويه، ولو كانت أَمَة لابنه، قال في الإنصاف: (بلا نزاع)؛ لأن الرق قطع ولايته عن ولده وماله، فهو كالأجنبي منه.
وعلم أيضاً: أن للأمة نكاح عبد ولو كان العبد لابنها؛ لمساوتها له في الرق، ولقطع التوارث بينها وبين ابنها، فكان كالأجنبي منها.
(وَ) الثاني عشر: يحرم (عَلَى حُرَّةٍ) نكاح (قِنِّ وَلَدِهَا)؛ لأنه لو ملك أحد الزوجين الآخر لانفسخ النكاح بغير خلاف، فكذا لو ملك ولد أحد الزوجين الآخر؛ لأن ملك الابن كملكه في إسقاط الحد، وحرمة الاستيلاد، فكان كملكه في إبطال النكاح.
стр. 1227
واختار ابن عثيمين: يجوز للحرة أن تنكح قن ولدها، ولا ينفسخ النكاح إذا ملك ولد أحد الزوجين الآخر؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ولأنه لا يملكها بملك الابن، فلم يبطل نكاحه كما لو ملكه أجنبي، ولأن الأصل بقاء النكاح.
والثالث عشر: يحرم ولا يصح نكاح خنثى مشكل قبل تبين أمره؛ لعدم تحقق مبيح النكاح.
- مسألة: (وَمَنْ حَرُمَ وَطْؤُهَا بِعَقْدٍ)؛ كالمعتدة، والمُحْرِمة، والزانية، والمطلقة ثلاثًا؛ (حَرُمَ) وطؤها (بِمِلْكِ يَمِينٍ)؛ لأن النكاح إذا حرم لكونه طريقًا إلى الوطء، فلأن يحرم الوطء بطريق الأولى، (إِلَّا أَمَةً كِتَابِيَّةً)، فيحرم نكاحها ولا يحرم وطؤها بملك اليمين؛ لدخولهن في قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣]، ولأنها ممن يحل نكاح حرائرهم، فحل له التسري بها؛ كالمسلمة، وهذا معدوم في غير الكتابية، فأما نكاح الأمة الكتابية فيحرم؛ لأنه فيه إرقاق ولده وإبقاؤه مع كافرة، بخلاف التسري.
- فرع: وطء المسلم للأمة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - أن تكون الأمة مسلمة: فيجوز نكاحها بشرطه، ويجوز وطؤها بملك اليمين، وتقدم الكلام عليها.
٢ - أن تكون الأمة كتابية: فيحرم نكاحها، وتقدم الكلام عليها، ويجوز وطؤها بملك اليمين.
стр. 1228
٣ - أن تكون الأمة كافرة غير كتابية؛ كالمجوسية: فيحرم نكاحها، وسبقت المسألة، ويجوز أن يملكها، لكن يحرم وطؤها بملك يمين؛ لما تقدم من أن النكاح إذا حرم لكونه طريقًا إلى الوطء، فلأن يحرم الوطء بطريق الأولى، ولم يستثن إلا الكتابية، فيبقى ما عداها على التحريم.
واختار شيخ الإسلام: جواز وطء إماء غير أهل الكتاب؛ لعموم قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم)، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسَ، فَلَقُوا عَدُوًّا، فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أَيْ: فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ» [مسلم ١٤٥٦]، قال ابن القيم: (دل هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين، فإن سبايا أوطاس لم يكن كتابيات، ولم يشترط رسول الله ﷺ في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع مع أنهم حديثو عهد بالإسلام).
стр. 1229
(فَصْلٌ) في الشروط في النكاح
أي: ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر مما له فيه غرض.
- مسألة: الشروط في النكاح لا تخلو:
١ - أن تكون في صلب عقد النكاح؛ كأن يقول: زوجتك ابنتي بشرط كذا، فيقبل الزوج: فمعتبرة بلا خلاف.
٢ - أن يتفقا عليها قبل العقد: فهي معتبرة أيضاً، بخلاف ما تقدم في البيوع، قال شيخ الإسلام: (على هذا جواب أحمد؛ لأن الأمر بالوفاء بالشروط والعقود والعهود يتناول ذلك تناولًا واحدًا).
٣ - أن تكون بعد لزوم العقد: فلا يلزم الشرط؛ لفوات محله.
- مسألة: (وَالشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ نَوْعَانِ):
النوع الأول: شرط (صَحِيحٌ)، وهو ما لا ينافي مقتضى العقد، وهو قسمان:
١ - شرط يقتضيه العقد؛ كتسليم الزوجة إلى الزوج، وتمكينه من
стр. 1230
الاستمتاع بها، وتسليمها المهر وتمكينها من الانتفاع به: فوجوده كعدمه؛ لأن العقد يقتضي ذلك، ولم يذكره في المنتهى وغيره؛ لوضوحه.
٢ - شرط ما تنتفع به المرأة مما لا ينافي العقد؛ (كَشَرْطِ زِيَادَةٍ فِي مَهْرِهَا)، أو زيادة في نفقتها الواجبة، أو تشترط عليه أن لا ينقلها من دارها أو بلدها، أو أن لا يسافر بها.
فهذا النوع صحيح لازم، بمعنى ثبوت الخيار للزوجة بعدمه؛ لما روى عبد الرحمن بن غَنْمٍ قال: شهدت عمر بن الخطاب ﵁ واخْتُصِمَ إليه في امرأة شرط لها زوجها أن لا يخرجها من دارها، قال عمر: «لَهَا شَرْطُهَا»، قال رجل: لئن كان هكذا لا تشاء امرأة تفارق زوجها إلا فارقته، فقال عمر: «المُسْلِمُونَ عِنْدَ مَشَارِطِهِمْ، عِنْدَ مَقَاطِعِ حُدُودِهِمْ» [عبدالرزاق ١٠٦٠٨]، ولأنه شَرَط لها منفعة مقصودة لا تمنع المقصود من النكاح؛ فكان لازماً.
(فَإِنْ لَمْ يَفِ) الزوج للزوجة (بِذَلِكَ) أي: بما اشترطته؛ (فَلَهَا الفَسْخُ)؛ لما تقدم عن عمر ﵁، ولأنه شرط لازم في عقد، فثبت حق الفسخ بترك الوفاء به؛ كالرهن والضمين في البيع.
- فرع: لا يجب الوفاء بالشرط الصحيح، بل يسن- بخلاف الشروط في البيع فيُوجِبون الوفاء بها كما تقدم-؛ لأنه لو وجب لأجبر الزوج عليه، ولم يجبره عمر ﵁ بل قال: «لَهَا شَرْطُهَا».
стр. 1231
واختار ابن عثيمين، ومال إليه شيخ الإسلام: أنه يجب الوفاء بهذه الشروط، ويجبره الحاكم على ذلك؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ» [البخاري ٢٧٢١، ومسلم ١٤١٨]، قال ابن القيم: (يجب الوفاء بهذه الشروط، التي هي أحق أن يوفى بها، وهو مقتضى الشرع، والعقل، والقياس الصحيح، فإن المرأة لم ترض ببذل بُضْعِها للزوج إلا على هذا الشرط).
(وَ) النوع الثاني: شرط (فَاسِدٌ)، وهو على قسمين:
القسم الأول: شرط (يُبْطِلُ العَقْدَ) من أصله، (وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ):
الأول: (نِكَاحُ الشِّغَارِ): وهو أن يزوج رجل رجلًا وليَّته؛ كبنته أو أخته ونحوهما، على أن يزوجه الآخر وليته، ولا مهر بينهما، سواء سكتا عنه أو شرطا نفيه، يقال: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول، فسُمي هذا النكاح شغارًا؛ تشبيهًا في القبح برفع الكلب رجله للبول.
فلا بد من نكاح الشغار من أمرين: وجود الشرط، وعدم المهر؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ»، والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق. [البخاري ٥١١٢، ومسلم ١٤١٥].
وعنه، واختاره الخرقي وابن باز: يبطل إن اشترطا، ولو سميا مهراً؛ لما ورد أن العباس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته،
стр. 1232
وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية ﵁ إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: «هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ الله ﷺ » [أحمد ١٦٨٥٦، وأبو داود ٢٠٧٥]، قال ابن حزم: (فهذا معاوية بحضرة الصحابة لا يعرف له منهم مخالف؛ يَفْسخ هذا النكاح، وإن ذُكِر فيه الصداق، ويقول: إنه الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ، فارتفع الإشكال جملة)، وأما حديث ابن عمر: فقد جاء في رواية بيان أن تفسير الشغار من كلام نافع لا من كلام ابن عمر [البخاري ٦٩٦٠، مسلم ١٤١٥]، ولأن النهي عن الشغار ورد في حديث معاوية كما تقدم وحديث جابر [مسلم ١٤١٧]، ولم تذكر فيه الزيادة.
واختار شيخ الإسلام: أن علة بطلان نكاح الشغار هي اشتراط عدم المهر، فإن سموا مهراً صح؛ لأن الشغار مأخوذ من الخلو، يقال: شغر المكان إذا خلا، وشغر الكلب: إذا رفع رجله، وأخلى ذلك المكان منها.
- فرع: إن سَمَّوا لكل واحدة منهما مهرًا مستقلاً عن بُضع الأخرى، غير قليل حيلة؛ صح النكاحان، ولو كان المسمى دون مهر المثل.
وعليه فيشترط لصحة النكاح هنا ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون المهر مستقلًّا عن بضع الأخرى، فإن جعل المهر المسمى دراهمَ وبُضْعَ الأخرى؛ لم يصح؛ لدخوله في مسمى الشغار.
стр. 1233
الشرط الثاني: ألا يكون المهر قليلاً، فإن كان قليلاً؛ لم يصح النكاح، ولو بلا حيلة.
وقطع في الإقناع والغاية: أنه يصح إن كان بلا حيلة.
الشرط الثالث: ألا يكون حيلة؛ فإن كان حيلة؛ لم يصح النكاح ولو كان كثيراً؛ لبطلان الحيل.
وقطع في الإقناع والغاية: أنه يصح النكاح إذا كان المهر كثيراً، ولو كان حيلة (١).
(وَ) الثاني من الشروط الفاسدة المبطلة للعقد: نكاح (المُحَلِّلِ)، سُمِّي محلِّلًا؛ لقصده الحل في موضع لا يحصل فيه الحل، وله ثلاث صور:
١ - أن يتزوج المطلقة ثلاثًا بشرط أنه متى أحلَّها للأول طلقها، أو فلا نكاح بينهما.
стр. 1234
٢ - أن يتفقا قبل العقد على أنه متى أحلها للأول طلقها، أو لا نكاح بينهما، ولم يرجع عن نيته عند العقد.
٣ - أن ينوي المحلل أنه متى أحلها للأول طلقها، دون أن يذكر الشرط في العقد، ولم يرجع عن نيته عند العقد، واختاره شيخ الإسلام، لحديث ابن عمر الآتي، ولأنه نوى التحليل.
فإن شرط عليه قبل العقد أن يحلها لمطلقها ثلاثًا، وأجاب لذلك، ثم نوى عند العقد غير ما شرط عليه، وأنه نكاح رغبة؛ صحَّ؛ لخلوه عن نية التحلل وشرطه.
- فرع: نكاح التحليل حرام وباطل في جميع الصور السابقة، ولا يحصل به التحليل للزوج الأول؛ لحديث علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لَعَنَ الله المُحَلِّلَ، وَالمُحَلَّلَ لَهُ» [أبو داود ٢٠٧٦، والترمذي ١١١٩، وابن ماجه ١٩٣٥]، وعن نافع مولى ابن عمر، أن رجلًا سأل عبد الله بن عمر ﵄، فقال: إن خالي فارق امرأته، فدخله من ذلك همٌّ، وأمرٌ شقَّ عليه، فأردت أن أتزوجها، ولم يأمرني بذلك، ولم يعلم به؟ فقال ابن عمر: «لَا، إِلَّا أَنْ تَنْكِحَ نِكَاحَ غِبْطَةٍ، إِنْ وَافَقَتْكَ أَمْسَكْتَ، وَإِنْ كَرِهْتَ فَارَقْتَ، وَإِلَّا فَإِنَّا كُنَّا نَعُدُّ هَذَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِفَاحًا» [المعجم الأوسط ٦٢٤٦]، وثبت ذلك عن عمر وابنه ﵄ [عبد الرزاق ٢٢٦٥].
- فرع: لا أثر لنية الزوجة، والزوج الأول، والولي؛ لحديث عائشة رضي الله عنها
стр. 1235
قالت: جاءت امرأة رِفَاعةَ القُرَظي النبيَّ ﷺ ، فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فأَبَتَّ طلاقي، فتزوجت عبدَ الرحمن بنَ الزَّبِير، إنما معه مثل هُدْبَة الثوب، فقال: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» [البخاري ٢٦٣٩، ومسلم ١٤٣٣]، فالنبي ﷺ بين أنها مع إرادتها أن ترجع إلى الزوج الأول لا يحل له حتى يجامعها، فعلم أنه إذا جامعها حَلَّت للأول، ولو كانت إرادتها تحليلًا مفسدًا للنكاح؛ لم تحل له، سواء جامعها أو لم يجامعها، ولأنه خلا عن نية التحليل وشرطه؛ لأن كلًّا من الزوجة والزوج الأول والولي لا يملكون رفع العقد، فوجود نيتهم كعدمها، ومن لا فرقة بيده لا أثر لنيته.
وأما القول بأن امرأة رفاعة يحتمل أنها أرادت الرجوع إلى الأول بعد حل عقدة النكاح، وذلك لا يؤثر في فساد العقد، فالجواب: بأن جوز لها الرجوع بعد جماع الثاني مطلقاً، وتركُ الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال بمنزلة العموم في المقال.
واختار ابن عثيمين، واستظهره المرداوي: أن النية إذا وقعت من واحد من الثلاثة فإنها تُبْطِل العقد، ولا يحصل بها الإحلال؛ لقول النبي ﷺ : «إَنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّيَاتِ»، والولي حينما عقد لم ينوِ نكاحاً مستمرًّا دائماً، وكذلك الزوجة، ولأن بإمكانهم أن يسعوا في إفساد النكاح، بأن تنكد على الزوج حتى يطلقها، أو يُغْرُوه بالدراهم، وأما حديث عائشة، فيحتمل أنها أرادت ذلك بعد العقد لا قبله.
стр. 1236
(وَ) الثالث من الشروط الفاسدة المبطلة للعقد: نكاح (المُتْعَةِ)، سُمِّي بذلك؛ لأنه يتزوجها ليتمتع بها إلى أمد، وله صور:
الأولى: أن يعلق النكاح إلى مدة معلومة أو مجهولة، مثل أن يقول الولي: زوجتك ابنتي شهرًا، أو زوجتكها إلى انقضاء الموسم.
الثانية: أن يقول المتزوج: أمتعيني نفسك، فتقول: أمتعتك نفسي، لا بولي ولا شاهدين.
والدليل على هاتين الصورتين: حديث سَبْرة ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وفي لفظ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ» [مسلم ١٤٠٦].
الثالثة: أن ينوي الزوج طلاقها بوقت بقلبه، أو يتزوج الغريب بنية طلاقها إذا خرج ليعود إلى وطنه؛ لحديث عمر ﵁: قال رسول الله ﷺ : «إَنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّيَاتِ»، ولأنه شبيه بالمتعة، لأن الضرر الحاصل للزوجة بهذا النكاح كالقدر الحاصل بنكاح المتعة.
واختار الموفق، وشيخ الإسلام (١) وفاقاً للثلاثة: يصح العقد ولا يحرم؛ لأنه لم يشترطه، ولا تضر نيته، كما لو نوى إن وافقته وإلا طلقها، وهذه النية قد تتغير، وبذلك تفارق المتعة، ولأنه قاصد للنكاح وراغب فيه،
стр. 1237
بخلاف المحلل فإنه لا رغبة له في نكاحها البتة، ولقول علي ﵁: «يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، أَوْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، لَا تُزَوِّجُوا حَسَنًا، فَإِنَّهُ رَجُلٌ مِطْلَاقٌ» [ابن أبي شيبة ١٩١٩٥]، قال شيخ الإسلام: (قد كان الحسن بن علي ﵄ كثير الطلاق، فلعل غالب من تزوجها كان في نيته أن يطلقها بعد مدة، ولم يقل أحد إن ذلك متعة).
واختار ابن عثيمين: أن النكاح صحيح، ولكنه محرم، لا من أجل أن العقد اعتراه خلل يعود إليه، ولكن من أجل أنه من باب الخيانة والخدعة.
(وَ) الرابع من الشروط الفاسدة المبطلة للعقد: النكاح (المُعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ) مستقبل (غَيْرِ مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى)؛ كقوله: زوجتك ابنتي إذا جاء رأس الشهر، أو إن رضيت أمها، فيبطل النكاح؛ لأنه عقد معاوضة، فلا يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع، ولأنه وقفٌ للنكاح على شرط، ولا يجوز وقفه على شرط.
وعلم مما تقدم: أنه يصح تعليق النكاح في ثلاث مسائل:
١ - تعليقه على مشيئة الله، بأن يقول: زوجت وقبلت إن شاء الله؛ لأن مقصود التعليق بالمشيئة التبرك، لا التردد غالبًا.
стр. 1238
٢ - تعليقه على شرط ماضٍ؛ كقوله: زوجتك فلانة إن كانت بنتي، أو: زوجتكها إن انقضت عدتها، والعاقدان يعلمان أنها بنته، وأن عدتها انقضت: فيصح؛ لأنه ليس بتعليق حقيقة، بل توكيد وتقوية.
٣ - تعليقه على شرط حاضر؛ كقوله: زوجتكها إن شئتَ، فقال: شئتُ وقبلتُ: فيصح؛ لما سبق.
٤ - تعليقه بالموت؛ كقوله: زوجتك إلى الممات: فيصح، ولا أثر للتوقيت؛ لأنه مقتضى العقد.
وعنه: يصح تعليقه على شرط مطلقاً، واختاره شيخ الإسلام، وقال: يصح التعليق في كل العقود التي لم تخالف الشرع؛ لأن إطلاق الاسم يتناول المنجز والمعلق والصريح والكناية كالنذر، وتقدم في كتاب البيع.
قال ابن القيم: (وتعليق النكاح بالشرط في تزويج موسى بابنة صاحب مَدْين، وهو من أصح نكاح على وجه الأرض، ولم يأت في شريعتنا ما ينسخه، بل أتت مقررة له).
(وَ) النوع الثاني من الشروط الفاسدة: شرط (فَاسِدٌ لَا يُبْطِلُهُ)، أي: لا يبطل النكاح؛ (كَـ):
١ - (شَرْطِ) الزوج (أَنْ لَا مَهْرَ) لها؛ لأنها شرط ينافي مقتضى العقد، ويتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده؛ فلم يصح، كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع، فأما العقد في نفسه فهو صحيح؛ لأن هذه الشروط
стр. 1239
تعود إلى معنًى زائد في العقد، لا يشترط ذكره، ولا يضر الجهل به، فلم يبطله.
واختار شيخ الإسلام: أنه يُفسد العقد، وقال: إنه قول أكثر السلف؛ لأن الله جل وعلا اشترط لحل النكاح أن يبتغي الزوج بماله، فقال الله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾، ولأن الزواج بالهبة من خصائص النبي ﷺ ، قال تعالى: (خالصة لك من دون المؤمنين)، وشرط أنْ لا مهر لها شبيه بذلك.
٢ - (أَوْ) شرط أن (لَا نَفَقَةَ) للزوجة؛ لأنها شرط ينافي مقتضى العقد، ويتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده؛ فلم يصح.
وقال شيخ الإسلام: (ويتوجه صحته، لا سيما إذا قلنا: إنه إذا أعسر الزوج ورضيت الزوجة لم تملك المطالبة به بعد)؛ لأن المسلمين على شروطهم، والأصل في الشروط في العقود الصحة.
- فرع: قال ابن عثيمين: إذا شرط الزوج ترك النفقة فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
١ - إذا شرط الزوج أن لا نفقة قبل العقد، ثم عقد على هذا الشرط، فالعقد صحيح، والشرط باطل.
٢ - إذا أسقطت المرأة نفقتها بعد العقد، فالإسقاط صحيح، لكن لها أن تطالب بها في المستقبل.
стр. 1240
٣ - إذا جرى ذلك بينهما صلحاً، بأن خيف الشقاق بينهما، وتصالحا على أن لا نفقة، فليس لها أن تطالب بالنفقة؛ لأنه جرى الصلح عليها؛ لأن فائدة الصلح أن يُمضى ويثبت، وإذا لم يمضِ ولم يثبت فلا فائدة في الصلح.
٣ - (أَوْ) شرط للزوجة (أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ ضَرَّتِهَا)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا» [البخاري ٢١٤٠، ومسلم ١٥١٥]، فالمرأة منهية أن تسأل طلاق ضرتها؛ لما في ذلك من الظلم والاعتداء على حق الغير، فكذا سؤالها أن يقسم لها أكثر من ضرتها؛ لما في ذلك من الاعتداء والظلم.
٤ - (أَوْ) أن يقيم عندها (أَقَلَّ) من ضرتها؛ لأن الشرط ينافي مقتضى العقد، ويتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده؛ فلم يصح.
واختار ابن عثيمين: يصح الشرط؛ لأن المسلمين على شروطهم، والأصل في الشروط في العقود الصحة، وهو مقتضى كلام شيخ الإسلام، حيث قال بصحة شرط الزوج عدم الوطء؛ كشرط ترك ما تستحقه.
- مسألة: (وَإِنْ شُرِطَ نَفْيُ عَيْبٍ) عن الزوجة (لَا يُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ)؛ كالعمى والخرس ونحو ذلك، (فَوُجِدَ بِهَا) ذلك العيب؛ (فَلَهُ الفَسْخُ)، أي:
стр. 1241
فالزوج بالخيار؛ لأنه شَرَط صفة مقصودة ففاتت، أشبه ما لو شرطها حرة فبانت أمة، ولا شيء عليه إن فسخ قبل الدخول، وبعده يرجع بالمهر على الغارِّ، واختاره شيخ الإسلام.
(فَصْلٌ) في العيوب في النكاح
العيب لغة: النقص، والمراد به هنا بيان ما يثبت به الخيار من العيوب وما لا يثبت به.
- مسألة: يثبت الخيار لأحد الزوجين إذا وُجِد بالآخر عيبٌ في الجملة؛ لما روي عن عمر ﵁ قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ غُرَّ بِهَا رَجُلٌ، بِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ؛ فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، وَصَدَاقُ الرَّجُلِ عَلَى وَلِيِّهَا الَّذِي غَرَّهُ»، ونحوه عن علي، وابن عباس ﵃ [الدارقطني ٤/ ٣٩٨ - ٤٩٩]، ولأنه عيب يمنع الوطء، فأثبت الخيار؛ كالجَبِّ والعُنَّة.
- مسألة: عيوب النكاح معدودة، فلا فسخ بغيرها؛ لأن الأصل بقاء النكاح، فلا يثبت الفسخ إلا بالعيوب التي جاءت بها الآثار.
واختار شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن عثيمين: أن كل عيب ينفر عن كمال الاستمتاع، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة فإنه
стр. 1242
يوجب الخيار؛ لأن الفسخ بالعيب وارد عن الصحابة، فيقاس عليه ما هو مثله.
- مسألة: (وَعَيْبُ نِكَاحٍ) المثبت للخيار (ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ):
الـ (نَوْعُ) الأول: عيب (مُخْتَصٌّ بِالرَّجُلِ (١)؛ كَـ):
١ - (جَبٍّ)، اتفاقاً، والجب: قطع الذكر كله أو بعضه، بحيث لا يبق منه ما يطأ به؛ لأن هذا الجب يتعذر معه الوطء، فيفوت الاستمتاع المقصود بالنكاح، فأشبه العنة، بل أولى؛ للإياس من زواله بخلاف العنة.
٢ - (وَعُنَّةٍ)، أي: لا يمكنه وطء، ولو لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، مأخوذ من: عَنَّ الشيء يَعِنُّ، إذا اعترض؛ لأن ذكره يعن إذا أراد أن يولجه، أي: يعترض، وثبوت الخيار لامرأة العنين بعد تأجيله سنة ورد عن عمر وعلي وابن مسعود والمغيرة بن شعبة ﵃ [عبدالرزاق ٦/ ٢٥٣ - ٢٥٤]، ولا مخالف لهم.
(وَ) الـ (نَوْعُ) الثاني: عيب (مُخْتَصٌّ بِالمَرْأَةِ (٢)؛ كَسَدِّ فَرْجٍ) بحيث لا
стр. 1243
يسلكه الذَّكَر، (وَ) إن كان ذلك بأصل الخلقة فهو (رَتَقٍ)، وإلا يكن ذلك بأصل الخلقة فهي قرناء وعفلاء: فيثبت به الخيار؛ لأنه يمنع الوطء المقصود من النكاح، ولما ورد عن علي ﵁ قال: «يُرَدُّ مِنَ القَرْنِ، وَالجُذَامِ، وَالجُنُونِ، وَالبَرَصِ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَعَلَيْهِ المَهْرُ، إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُطَلِّقْهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا» [عبدالرزاق ١٠٦٧٧].
(وَ) الـ (نَوْعُ) الثالث: عيب (مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا) أي: بين الرجل والمرأة (١)؛ (كَـ):
١ - (جُنُونٍ)، ولو أحياناً؛ لأثر علي ﵁ السابق، ولأن النفس لا تسكن إلى من هذه حاله.
٢ - (وَجُذَامٍ)، وهو داء معروف تتهافت منه الأطراف، ويتناثر منه اللحم؛ لما تقدم في الجنون.
- مسألة: (فَيُفْسَخُ) النكاح (بِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ) أي: من الأقسام الثلاثة؛
стр. 1244
لما فيه من النفرة، أو النقص، أو خوف تعدي أذاه، أو تعدي نجاسته، (وَلَوْ حَدَثَ) ذلك (بَعْدَ دُخُولٍ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لأنه عيب في النكاح يثبت به الخيار مقارنًا، فأثبته طارئًا؛ كالإعسار، ولأنه عقد على منفعة، فحدوث العيب بها يثبت الخيار.
- فرع: يستثنى من ذلك -على المذهب-: عيب العُنَّة، فإن من وطئ امرأته في قُبُلها مرة، ثم صار عنيناً؛ فلا يثبت للزوجة حق الفسخ؛ لأن حقوق الزوجية من استقرار المهر، ووجوب العدة تثبت بالوطء مرة، وقد وجد.
واختار ابن عثيمين: أنه إذا عَجَزَ عن وطئها فعنين، ولو وطئ قَبْلُ؛ لأنه عَجَزَ عن وطئها؛ كما لو جُبَّ بعد الوطء، ولأن حق المرأة بالوطء لا يتقيد بالمرة الواحدة، بل يتكرر بمرور الأيام؛ كالطعام والشراب.
- مسألة: (لَا) يثبت خيار لأحد الزوجين بغير ما ذكر من العيوب (بِنَحْوِ عَمىً، وَطَرَشٍ، وَقَطْعِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ)؛ لأن ذلك كله لا يمنع الاستمتاع ولا يخشى تعديه، (إِلَّا بِشَرْطٍ)، فإن شرط أحد الزوجين نفي العمى، أو العَوَرِ، أو العَرَجِ ونحوه، فبان الزوج الآخر بخلافه؛ فله الخيار.
وسبق اختيار شيخ الإسلام وابن القيم: أن كل عيب ينفر عن كمال الاستمتاع، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة أنه يوجب الخيار.
стр. 1245
- مسألة: (وَمَنْ ثَبَتَتْ عُنَّتُهُ) بإقراره، أو ثبتت ببينة على إقراره أنه عنِّين، أو بنكوله عن اليمين: (أُجِّلَ سَنَةً) هلالية لا فصلية؛ لأنها المعتبرة في الأحكام الشرعية، (مِنْ حِينِ تَرْفَعُهُ) الزوجة (إِلَى الحَاكِمِ)، فيضرب المدةَ الحاكمُ، ولا يضربها غيره؛ لوروده عن عمر وعلي وابن مسعود والمغيرة بن شعبة ﵃ [عبدالرزاق ٦/ ٢٥٣ - ٢٥٤]، ولأن العجز قد يكون لعُنَّة وقد يكون لمرض، فضربت له سنة؛ لتمر به الفصول الأربعة، فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة، وبالعكس، وإن كان من برودة زال في فصل الحرارة، وإن كان من انحراف مزاج زال في فصل الاعتدال، فإن مضت الفصول الأربعة ولم يَزُل عُلِم أنها خلقة.
(فَإِنْ لَمْ يَطَأِ) الزوج (فِيهَا) أي: في السنة (فَلَهَا) أي: للزوجة (الفَسْخُ)؛ لما تقدم من آثار الصحابة، وإن وطئ في السنة؛ فليس بعنين، وتقدمت المسألة.
- مسألة: (وَخِيَارُ عَيْبٍ)، وفوات شرط (عَلَى التَّرَاخِي)؛ لأنه لدفع ضرر متحقق، فكان على التراخي؛ كخيار القصاص، (لَكِنْ) لا تخلو من أمرين:
الأول: أن يكون العيب غير العنة: فـ (يَسْقُطُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا)، وذلك:
стр. 1246
١ - بقول؛ كقوله: أسقطت الفسخ، و: رضيت.
٢ - بفعل، كوطءٍ إذا كان الخيار للزوج؛ لأنه يدل على رغبته فيها، أو تمكين من وطء مع العلم بالعيب إن كان الخيار للزوجة؛ لأنه يدل على رضاها به.
الثاني: أن يكون العيب عُنَّة: فـ (لَا) يسقط خيار الفسخ (فِي عُنَّةٍ إِلَّا بِقَوْلِ) امرأة العنين: أسقطت حقي من الخيار لعنته، ونحوه; لأن العلم بعدم قدرته على الوطء لا يكون بدون التمكين، فلم يكن التمكين دليل الرضا، فلم يبق إلا القول.
واختار شيخ الإسلام: لا فرق بين العنة وغيرها، وأنه متى أمكنته في حال لها الفسخ؛ سقط خيارها.
- مسألة: لا تخلو الفسوخ من قسمين:
١ - ما هو مجمع على ثبوت أصل الفسخ فيه؛ كفسخ المعتَقة تحت عبدٍ، فلا يشترط فيه حكم حاكم.
وقال ابن رجب: (فإن كان الخلاف ضعيفًا يسوغ نقض الحكم به؛ لم يفتقر الفسخ به إلى حكم حاكم).
стр. 1247
٢ - ما هو مختلف فيه؛ كالعنة وعيوب النكاح، فقال ﵀: (وَلَا) يصح (فَسْخٌ) في خيار العيب وخيار الشرط (إِلَّا بِـ) حكم (حَاكِمٍ)؛ لأنه فسخٌ مجتهدٌ فيه يقع فيه الخلاف.
فيفسخ النكاحَ الحاكمُ بطلب من له الخيار، أو يرد الفسخ إلى من له الخيار، فيفسخه ويكون كحكمه.
واختار شيخ الإسلام: أن أمر الزوجين لا يخلو من حالتين:
١ - أن يتفقا على الفسخ: فيُفسخ بلا حكم حاكم.
٢ - أن يختلفا في الفسخ: فلابد من حكم حاكم؛ لأن حكم الحاكم يحتاج إليه لقطع النزاع، فكان محله فيما إذا تنازع الطرفان.
- مسألة: كل فرقة من قبل الزوجة قبل الدخول؛ كردتها؛ فإنه يسقط به مهرها؛ لأنها أتلفت العوض -وهو بضعها- قبل تسليمها، فسقط البدل كله؛ كالبائع يُتلف المبيع قبل تسليمه.
وكل فرقة حصلت من قبل الزوج قبل الدخول؛ كطلاقه؛ فإنه يتنصف المهر المسمى؛ لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣٧]، فثبت في الطلاق، والباقي قياسًا عليه؛ لأنه في معناه.
- فرع: (فَإِنْ فُسِخَ) النكاح فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون الفسخ (قَبْلَ دُخُولٍ؛ فَلَا مَهْرَ) لها، سواء كان الفسخ
стр. 1248
من الزوج أو من الزوجة؛ لأن الفسخ إن كان منها فالفرقة من جهتها، وإن كان منه فإنما فسخ لعيب بها دلسته بالإخفاء، فصار الفسخ كأنه منها.
لا يقال: هلَّا جعل فسخها لعيبه كأنه منه؛ لحصوله بتدليسه؟ ! لأن العوض من الزوج في مقابلة منافعها، فإذا اختارت الفسخ مع سلامة ما عُقد عليه، رجع العوض إلى العاقد منها، وليس من جهتها عوضٌ في مقابلة منافع الزوج، وإنما ثبت لها الخيار لأجل ضرر يلحقها، لا لأجل تعذر ما استحقت عليه في مقابلته عوضًا، فافترقا.
واختار ابن عثيمين: إن كان لعيب الزوجة فلا شيء لها؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها، وإن كان لعيب الزوج فلها نصف المهر؛ لأن الفرقة جاءت من قِبَل الزوج، وكونها طلبت الفسخ إنما طلبته من أجل عيبه الذي غرها به.
(وَ) الثانية: أن يكون الفَسخ (بَعْدَهُ) أي: بعد الدخول، أو بعد خلوة؛ فـ (لَهَا) المهر (المُسَمَّى) كله؛ لقول عمر ﵁: «أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ، فَمَسَّهَا، فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا، وَذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِّهَا» [الموطأ ٢/ ٥٢٦]، لأنه نكاح صحيح وجد بأركانه وشروطه، فترتب عليه أحكام الصحة، ولأن المهر يجب بالعقد ويستقر بالخلوة، فلا يسقط بالفسخ بعده.
وقال شيخ الإسلام: إذا دخل النقص على الزوج لعيب بالمرأة، أو فوات صفة، أو شرط صحيح أو باطل؛ فإنه ينقص من المسمى بنسبة هذا النقص من مهر المثل.
стр. 1249
مثاله أن يقال: كم مهر هذه بهذا العيب أو مع هذا الشرط؟ فيقال: ثمانون، وبلا عيب ولا شرط: مائة، فنسبة ما بينهما الخُمُس، فيرجع من المسمى بالخُمس.
- فرع: (يَرْجِعُ) الزوج (بِهِ) أي: بالمهر (عَلَى مُغِرٍّ)، والغارُّ: هو من علم بالعيب وكتمه، من زوجة عاقلة، وولي، ووكيل؛ لقول عمر ﵁: «أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ، فَمَسَّهَا، فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا، وَذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِّهَا» [الموطأ ٢/ ٥٢٦]، ولا يخلو الغار من أربعة أقسام:
١ - أن يكون الغرور من أحدهم فقط بحيث لا يعلم به غيره، أي: من المرأة العاقلة، أو من الولي، أو من الوكيل: فالضمان عليه وحده؛ لانفراده بالسبب الموجب.
٢ - أن يكون الغرور من المرأة العاقلة ومن وليها: فالضمان على الولي؛ لأنه هو المباشر للعقد.
٣ - أن يكون الغرور من المرأة العاقلة ومن الوكيل: فالضمان بينهما نصفين؛ لأن فعل الوكيل كفعل الموكل، فقد صدر الغرور منهما، فيكون الغرور بينهما نصفين، بخلاف الولي، فليس فعله فعل مولاه.
٤ - إذا لم يكن الغرور من أحدٍ منهم، مثل أن يكون العيب برصًا في ظهرها: فمفهوم كلام الأصحاب: لا يرد للزوج المهر، وصرح به ابن
стр. 1250
عثيمين، وقال: لأنه لم يخدع، وقد استحل الفرج بعقد صحيح.
فصل في نكاح الكفار، وما يتعلق به
- مسألة: حكم نكاح الكفار كحكم نكاح المسلمين، في كل ما يترتب عليه من الآثار؛ كالصحة، ووقوع الطلاق، والظهار، والإيلاء، ووجوب المهر والنفقة، والقسم، والإحصان، وغيرها؛ لأن الله تعالى أضاف النساء إليهم فقال: ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ [المسد: ٤]، وقال: ﴿امرأت فرعون﴾ [القصص: ٩].
- مسألة: (وَيُقَرُّ الكُفَّارُ عَلَى نِكَاحٍ فَاسِدٍ)، وإن خالف أنكحة المسلمين بشرطين:
١ - (إِنِ اعْتَقَدُوا صِحَّتَهُ) (١) في شرعهم، بخلاف ما لا يعتقدون حِلَّه؛ لأن ما لا يعتقدون حِلَّه ليس من دينهم فلا يقرون عليه؛ كالزنى والسرقة.
٢ - أن لا يترافعوا إلينا؛ لقوله تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ الآية [المائدة: ٤٢]، فدل أنهم يُخلَّون وأحكامَهم إن لم يجيئوا إلينا،
стр. 1251
ولأنه ﷺ أخذ الجزية من مجوس هَجَرٍ، ولم يعترض عليهم في أنكحتهم، مع علمه أنهم يستبيحون نكاح محارمهم.
- فرع: إن ترافع الكفار إلينا لم يخلُ ذلك من أمرين:
الأمر الأول: أن يأتونا قبل عقد النكاح بينهم؛ فنعقده على حكمنا، بإيجاب وقبول وشاهدي عدل؛ كأنكحة المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٢].
(وَ) الأمر الثاني: (إِنْ) أتونا بعد العقد فيما بينهم، أو (أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ) على نكاح: لم نتعرض لكيفية عقدهم؛ لأنه أسلم خلق كثير في عصر النبي ﷺ فأقرهم على أنكحتهم ولم يكشف عن كيفيتها، فأولى إذا ارتفعوا إلينا من غير إسلام.
- فرع: (وَ) إذا تقرر ذلك: فإن ترافعوا إلينا بعد العقد فيما بينهم، أو أسلم الزوجان؛ لم يخل ذلك من أمرين:
١ - أن تكون (المَرْأَةُ تُبَاحُ إِذاً) أي: يجوز ابتداء نكاحها وقت الترافع إلينا أو الإسلام؛ كما لو عقد عليها في العدة ثم فرغت عدتها، أو يعقد على أخت زوجته ثم تموت قبل الترافع، أو وقع العقد بلا صيغة أو ولي أو شهود: (أُقِرَّا) على نكاحهما، إجماعاً؛ لما تقدم، ولأن ابتداء النكاح حينئذ لا مانع فيه، فلا مانع من استدامته.
стр. 1252
٢ - أن تكون الزوجة ممن يحرم ابتداء نكاحها وقت الترافع إلينا أو الإسلام؛ كذات محرم من نسب أو رضاع أو مصاهرة، أو مزوجة في عدة من غيره لم تفرغ عدتها، أو مطلقته ثلاثًا قبل أن تنكح زوجًا غيره، ونحو ذلك: فرق بينهما؛ لأنه حال يمنع من ابتداء العقد، فمنع من استدامته؛ كنكاح ذوات المحارم.
واختار شيخ الإسلام فيما إذا أسلم وتحته معتدة من غيره: أن النكاح لا ينفسخ، ولا يخلو من حالين:
١ - إن كان لم يدخل بها: فيمنع من وطئها حتى تنقضي العدة.
٢ - إن كان دخل بها: فلا يمنع من الوطء، إلا أن يكون حَبَلٌ قبل وطئه.
وقال أيضًا: (يحتمل أن يقال في أنكحة الكفار التي نقضي بفسادها (١): إن كان حصل بها دخول؛ استقرت، وإن لم يكن حصل دخول؛ فُرِّق بينهما).
стр. 1253
(بَابُ الصَّدَاقِ)
يقال: أصدقتُ المرأة، ومهرتُها، وأمهرتُها.
وهو: عوض يسمى في النكاح وما ألحق به كوطء الشبهة، أو بعده.
- مسألة: (يُسَنُّ تَسْمِيَتُهُ) أي: الصداق (فِي العَقْدِ)؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال في حديث الواهبة: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟ » قال: لا، قال: «التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» [البخاري: ٥١٣٥]، ولأنه أقطع للنزاع، ويكره ترك تسمية الصداق؛ لأنه قد يؤدي إلى التنازع في فرضه.
وليس شرطًا لصحة النكاح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].
- مسألة: (وَ) يسن (تَخْفِيفُهُ) أي: الصداق؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَؤُونَةً» [أحمد: ٢٥١١٩]، ولما روى أبو العَجْفاء السُّلَمي، قال: خَطَبَنا عمر ﵁، فقال: «أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللهِ؛ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» [أحمد: ٢٨٥، وأبو داود:
стр. 1254
٢١٠٦، والترمذي: ١١١٤، وابن ماجه: ١٨٨٧]، ولأنه إذا كثر ربما تعذر عليه، فيتعرض للضرر في الدنيا والآخرة.
- مسألة: (وَ) لا يَتقدَّرُ الصداقُ بشيء، بل (كُلُّ مَا صَحَّ) أن يكون (ثَمَنًا) في بيع، (أَوْ أُجْرَةً) في إجارة؛ (صَحَّ) أن يكون (مَهْرًا)؛ لقوله تعالى: (أن تبتغوا بأموالكم)، ولحديث سهل بن سعد السابق، وفيه: «التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ».
قال شيخ الإسلام: (والصداق المقدم إذا كثر وهو قادر على ذلك لم يكره إلا أن يقترن بذلك ما يوجب الكراهة من معنى المباهاة ونحو ذلك).
- فرع: لا حد لأقل المهر؛ لحديث سهل السابق.
وفي الإقناع، تبعًا للموفق والشارح: يشترط أن يكون الصداق له نصف يتمول ويبذل العوض في مثله عرفًا؛ لأن الطلاق بعوض فيه قبل الدخول، فلا يبقى للمرأة فيه إلا نصفه، فيجب أن يبقى لها مال تنتفع به، قال الزركشي: (وليس في كلام أحمد هذا الشرط وكذا أكثر أصحابه).
- مسألة: (فَإِنْ لَمْ يُسَمَّ) مهرٌ في عقد النكاح، -وهو تفويض البضع-، (أَوْ بَطَلَتِ التَّسْمِيَةُ)؛ كما لو سَمَّى مهرًا فاسدًا؛ كخمر؛ (وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ بِعَقْدِ) النكاح؛ لما ورد عن عبد الله بن مسعود أنه قال في رجل تزوج امرأةً فمات عنها، ولم يَدخل بها ولم يَفرض لها الصداق: «لَهَا الصَّدَاقُ
стр. 1255
كَامِلًا، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ، وَلَهَا المِيرَاثُ»، فقال مَعْقِلُ بن سِنان: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِهِ فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ» [أحمد: ٤٢٧٦، وأبو داود: ٢١١٤، والترمذي: ١١٤٥، والنسائي: ٣٣٥٥، وابن ماجه: ١٨٩١]، ولأن المرأة لا تُسلِّم نفسها إلا ببدلٍ، ولم يُسلَّم، وتَعذَّر ردُّ العِوض، فوجب بدله؛ كما لو باعه سلعة بخمر، فتلفت عند المشتري.
- مسألة: إذا اشتُرِط شيءٌ من المهر لغير الزوجة لم يخلُ من قسمين:
الأول: أن يكون الاشتراط من قِبل الأب، وأشار إليه بقوله: (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا)، أو على أن الكلَّ للأب؛ (صَحَّ) ذلك، وكان الألفان جميعًا مهرَها؛ لقوله تعالى في قصة شعيب ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج﴾ [القصص: ٢٧]، فجعل الصداق الإجارة على رعاية غنمه، وهو شرط لنفسه، ولأن للوالد أخذ ما شاء من مال ولده بشروطه، كما في حديث جابر ﵁، وفيه: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» [ابن ماجه: ٢٢٩١]، ولا يملكه الأب إلا بالقبض مع النية؛ كسائر مالها.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أن المسمى كله للزوجة، قال ابن عثيمين: ما كان قبل العقد فهو للزوجة مطلقًا، ثم إذا ملكته فللأب أن يتملَّك بشروطه، وما كان بعد العقد فهو لمن أُهدِيَ إليه؛ لأن الأب لن ينظر إلى مصلحة موليته حينئذٍ، بل ينظر إلى مصلحته، والواجب النظر في مصلحة موليته.
стр. 1256
- فرع: (فَلَوْ طَلَّقَ) الزوج (قَبْلَ دُخُولٍ) وبعد قبض الزوجة الألف وقبض أبيها الألف؛ (رَجَعَ) على الزوجة (بِأَلْفِهَا) دون أبيها؛ لأنه نصف الصداق، (ولَا شَيْءَ عَلَى الأَبِ لَهُمَا) أي: للمطلق والمطلقة؛ لأنا قَدَّرْنا أن الجميع صار لها، ثم أخذه الأب منها، فتصير كأنها قبضته ثم أخذه منها.
وقيل، واختاره ابن عثيمين: يرجع بنصف المهر، فيأخذ من كل منهما نصف ما دفع، قال في الإنصاف: (والنفس تميل إلى ذلك)؛ لأن هذا أقرب إلى العدل؛ لأن المهر مهر بقدره وجنسه ووصفه، ومن وصفه أنه نصف للأب ونصف للزوجة.
الثاني: أن يكون الاشتراط من غير الأب، وأشار إليه بقوله: (وَإِنْ شُرِطَ) أي: الصداق أو بعضه (لِغَيْرِ الأَبِ)؛ كالجد والأخ وغيرهما من الأولياء، (شَيْءٌ) من الصداق؛ فالتسمية صحيحة، ويلغو الشرط، (فَالكُلُّ) أي: كل المسمى (لَهَا) أي: للزوجة؛ لأن الصداق عِوض بُضْعِها، والشرط باطل؛ لأنه ليس للغير أن يأخذ شيئًا بغير إذن.
- مسألة: (وَيَصِحُّ تَأْجِيلُهُ) أي: الصداق، كله أو بعضه؛ لأنه عقد معاوضة، فجاز ذلك فيه؛ كالثمن.
стр. 1257
- فرع: لا يخلو تأجيل الصداق من أمرين:
الأول: إن عُيِّن الأجلُ: فهو إلى الأجل الذي أُنيط به؛ كسائر الحقوق المؤجلة.
(وَ) الثاني: (إِنْ أُطْلِقَ الأَجَلُ: فَـ) تصح التسمية، و (مَحَلُّهُ الفُرْقَةُ) البائنة بموت أو غيره، واختاره شيخ الإسلام، وذكر ابن القيم أنه قول الصحابة، وقال: (وحكاه الليث إجماعًا منهم)؛ عملًا بالعرف والعادة، والعرف في الصداق ترك المطالبة به إلى حين الفرقة بالموت أو البينونة، فجرت العادة مجرى الشرط.
الثالث: إذا عُيِّن أجل مجهول؛ كقدوم زيد: لم يصح التأجيل؛ لجهالته، وإنما صح المطلق؛ لأن أجله الفرقة بحكم العادة، وقد صُرف هنا من العادة ذكر الأجل ولم يبينه فبقي مجهولًا.
قال في الشرح: يحتمل أن يبطل التأجيل ويحل، قال البهوتي: (وهو قياس ما تقدم في المبيع).
- مسألة: (وَ) المرأة (تَمْلِكُهُ) أي: الصداق، سواء كان حالًّا أو مؤجلًا، معينًا أو غير معينٍ، (بِعَقْدِ) النكاح؛ لأنه عقد يُملَك به العوض فتملك به المعوض كاملًا؛ كالبيع، ولحديث سهل بن سعد السابق، وفي رواية: أن النبي ﷺ قال له: «إِزَارُكَ إِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ» [البخاري: ٥٨٧١]، فدل على أن الصَّداق كله للمرأة ولا يبقى للرجل فيه شيء.
стр. 1258
فصل في التفويض وغيره
التفويض: لغة الإهمال، كأن المهر أهمل حيث لم يسم.
- مسألة: (وَيَصِحُّ) التفويض، وهو على قسمين:
الأول: (تَفْوِيضُ بُضْعٍ: بِأَنْ يُزَوِّجَ أَبٌ بِنْتَهُ المُجْبَرَةَ) بلا مهر، (أَوْ) يزوج (وَلِيُّ غَيْرِهَا) أي: غير المجبرة؛ كالأخ يزوج موليته (بِإِذْنِهَا بِلَا مَهْرٍ) سواء سكت عن الصداق أو شرط نفيه؛ فالعقد صحيح، ويجب به مهر المثل، وتقدم في الشروط في النكاح اختيار شيخ الإسلام أنه إن شرط نفي المهر فسد العقد.
الثاني: تفويض مهر: بأن يجعل المهر إلى رأي أحد الزوجين أو غيرهما، (كَـ) قوله: زوجتك بنتي (عَلَى مَا شَاءَتْ، أَوْ) على ما (شَاءَ فُلَانٌ) وهو أجنبي من الزوجين، أو يقرب لهما أو لأحدهما، ونحوه؛ فالعقد صحيح.
- فرع: يترتب على التفويض بنوعيه مسائلُ، منها:
المسألة الأولى: صحة العقد؛ لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ولحديث ابن مسعود
стр. 1259
السابق في قصة بَرْوَعَ، ولأن القصد من النكاح الوصلة والاستمتاع، دون الصداق، فصح من غير ذكره.
المسألة الثانية: (وَيَجِبُ لَهَا) أي: للمفوِّضة (١) (بِعَقْدِ) النكاح (مَهْرُ مِثْلٍ)؛ لعدم تسميته في تفويض البضع، وسقوط تسميته في تفويض المهر بسبب الجهالة؛ وإنما كان لها مهر المثل؛ لما ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال في رجل تزوج امرأةً فمات عنها، ولم يَدخل بها ولم يَفرض لها الصداق: «لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ، وَلَهَا المِيرَاثُ»، فقال معقل بن سنان ﵁: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِهِ فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ» [أحمد: ٤٢٧٦، وأبو داود: ٢١١٤، والترمذي: ١١٤٥، والنسائي: ٣٣٥٥، وابن ماجه: ١٨٩١]، ولأنها لم تأذن في تزويجها إلا على صداق، لكنه مجهول؛ فوجب به مهر المثل، (وَيَسْتَقِرُّ) المهر للمفوضة وغيرها (بِدُخُولٍ) بها، ويأتي.
المسألة الثالثة: استقرار المهر بالموت، وأشار إليه بقوله: (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) أي: أحد الزوجين (قَبْلَ دُخُولٍ) أي: قبل ما يُقرِّر المهر، (وَ) قبل (فَرْضٍ) لمهر المثل؛ (وَرِثَهُ الآخَرُ) بلا خلاف؛ لحديث ابن مسعود السابق،
стр. 1260
ولأن ترك تسمية الصداق لا يقدح في صحة النكاح.
(وَلَهَا مَهْرُ) مثلها من (نِسَائِهَا) أي: قريباتها؛ (كَأُمِّهَا، وَعَمَّتِهَا، وَخَالَتِهَا)؛ لحديث ابن مسعود السابق، وفي بعض ألفاظه: «إِنَّ لَهَا صَدَاقًا كَصَدَاقِ نِسَائِهَا».
المسألة الرابعة: (وَإِنْ طُلِّقَتِ) المفوِّضة (قَبْلَهُمَا) أي: قبل الدخول وقبل فرض المهر؛ (لَمْ يَكُنْ لَهَا) أي: المفوضة (عَلَيْهِ) أي: على المطلق شيئًا من الصداق؛ لعدم فرضه، وليس لها (إِلَّا المُتْعَةُ)؛ لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متعا بالمعروف حقا على المحسنين﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وهذا يقتضي الوجوب، ولا يعارضه قوله تعالى: (حقا على المحسنين)؛ لأن أداء الواجب من الإحسان.
وأما إن طلقها بعد ما تقرر المهر، أو تقرر نصفه؛ فلا تجب لها متعة على المطلِّق، بل لها مهر المثل فقط؛ لأن كلَّ مَن وَجَب لها المهر، أو نصفه؛ لم تجب لها المتعة، سواء كانت ممن سُمِّيَ لها صداق أو لا؛ لأن المتعة كالبدل مع المهر، ولكن تستحب لها المتعة؛ لقوله تعالى ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ الآية [البقرة: ٢٤١].
стр. 1261
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تجب المتعة لكل مطلقة؛ لعموم قوله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف)، وأكد استحقاقها المتعة بقوله: (حقًّا) أي: أَحُقُّهُ حَقًّا، ثم أكده بمؤكد ثانٍ وهو قوله: (على المتقين) فدل على أن القيام به من تقوى الله، وتقوى الله واجبة.
- فرع: (وَهِيَ) أي: المتعة معتبرة بحال الزوج، (بِقَدْرِ يُسْرِهِ وَعُسْرِهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
- فرع: حكم المهر بالنسبة للوطء لا يخلو من أقسام:
الأول: أن يكون الوطء في نكاح صحيح: فلها المهر، وسيأتي.
والثاني: أن يكون الوطء في نكاح فاسد: فيجب لها المهر المسمى في العقد؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» [أحمد: ٢٤٢٠٥، وأبو داود: ٢٠٨٣، والترمذي: ١١٠٢، وابن ماجه: ١٨٧٩]، فجعل لها المهر المسمى في هذا النكاح الفاسد، ولأن النكاح مع فساده ينعقد ويترتب عليه أكثر أحكام الصحيح؛ من وقوع الطلاق، ولزوم عدة الوفاة بعد الموت، ونحو ذلك، فلذلك لزم المسمى فيه؛ كالصحيح.
стр. 1262
(وَ) الثالث: أن يكون الوطء بشبهة؛ كمن وطئ امرأة ليست زوجة له يظنها زوجته: فـ (يَجِبُ) لها (مَهْرُ مِثْلٍ لِمَنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ)، قال في الشرح: (بغير خلاف علمناه)؛ لحديث عائشة السابق: «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» أي: نال منه، وهو الوطء.
وظاهر كلام شيخ الإسلام: أنه لا يجب لها مهر؛ لأنه قال: (البضع إنما يتقوم على زوج أو شِبْهِهِ، فيملكه). (١)
والرابع: أن يكون الوطء بزنًى، ولا يخلو من حالين:
الحالة الأولى: أن يكون الزنى بمطاوعة المرأة: فلا شيء لها؛ لأنه إتلاف للبضع برضا مالكه، ولحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ» [البخاري: ٢٢٣٧، ومسلم: ١٥٦٧].
الحالة الثانية: (أَوْ) يكون (زِنًى كُرْهاً) للمرأة: فلها مهر المثل؛ لحديث عائشة السابق: «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» أي: نال منه، وهو الوطء، ولأنه إتلاف للبضع بغير رضا مالكه، فأوجب القيمة وهي المهر.
стр. 1263
وعنه، واختاره شيخ الإسلام، وابن عثيمين: لا مهر على من زنى بامرأة وهي مكرهة؛ لعموم حديث أبي مسعود الأنصاري السابق، ولأن الله أوجب في الزنى حدًّا، فلا نزيد على ما أوجب الله، ولا يمكن أن نقيس هذا الجماع الذي يعتقد حرمته، بالجماع الذي يعتقد حله.
- فرع: (لَا أَرْشُ بَكَارَةٍ مَعَهُ) أي: مع المهر؛ لدخوله في مهر مثلها؛ لأنه يعتبر ببكر مثلها فلا يجب مرة ثانية.
واختار ابن عثيمين: أنه يجب عليه أرش البكارة إن زنى بها مكرهة وهي بِكر، بناء على القول بأنه لا يعطيها مهراً؛ لأنه أتلف البكارة بسبب يتلفها عادة.
والخامس: أن يكون الوطء في نكاح باطل؛ كمن تزوج خامسة: فلا يخلو من حالين:
١ - أن يكون الوطء بشبهة أو إكراه: فحكمه على ما تقدم في وطء الشبهة والزنى بإكراه.
واختار ابن عثيمين، -وذكره في الترغيب رواية-: يلزمه المهر المسمى؛ لأنها إنما سلمت بضعها على أن لها المهر المسمى.
٢ - أن تكون المرأة مطاوعة عالمة بالتحريم: فحكمها حكم الزنى بمطاوعة؛ لأنه باطل بالإجماع، فكان وجوده كعدمه.
стр. 1264
والسادس: أن يكون وطئًا في الدبر أو لواطًا: فلا مهر فيه؛ لأنه غير مضمون على أحد، لأن الشرع لم يَرِد ببدله، ولا هو إتلاف لشيء؛ فأشبه القبلة والوطء دون الفرج.
- مسألة: (وَلَهَا) أي: للمرأة، مفوِّضة كانت أو غيرها (مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مَهْراً حَالًّا) إجماعًا، لأن المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء، فإذا تعذر استيفاء المهر عليها لم يمكنها استرجاع عوضها.
- فرع: (لَا) تملك المرأة منع نفسها من زوجها في ثلاث أحوال:
١ - إذا كان المهر مؤجلًا: فلا تملك منع نفسها حتى تقبضه؛ لأنها لا تملك الطلب به، لأن حقها لم يحل بعد.
٢ - (إِذَا) كان المهر مؤجلًا ثم (حَلَّ قَبْلَ تَسْلِيمِ) المرأة نفسها: فلا تملك منع نفسها؛ لأنها رضيت بتأخيره.
وفي وجه: لها منع نفسها؛ لأنه يصدق على المهر حينئذ أنه حالٌّ، فحكمه حكم الحال.
٣ - (أَوْ) إذا (تَبَرَّعَتِ) المرأة (بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا) للزوج قبل الطلب بالمهر الحال، ثم أرادت الامتناع بعد دخول أو خلوة: فلا تملك منع نفسها؛ لرضاها بالتسليم واستقرار الصداق، فلم يكن لها منع نفسها بعد ذلك.
стр. 1265
فإن وطئها مكرهة؛ لم يسقط حقها من الامتناع بعدُ؛ لحصوله بغير رضاها؛ كالمبيع إذا أخذه المشتري من البائع كرهاً.
وفي وجه، واختاره ابن عثيمين: أنها إذا تبرعت بالتسليم قبل الطلب بالحالِّ ثم أرادت الامتناع بعد الدخول أو الخلوة؛ فلها أن تمنع نفسها؛ لأن الرجل إذا ماطل لا نمكنه من استيفاء الحق كاملًا.
- مسألة: (وَإِنْ أَعْسَرَ) الزوج (بِـ) ـمهرٍ (حَالٍّ)، سواء قبل الدخول أم بعد الدخول، لم يخلُ ذلك من ثلاث حالات:
١ - أن تكون الزوجة حرة مكلفة: (فَلَهَا الفَسْخُ)؛ لتعذر الوصول إلى العوض بعد قبض المعوض، كما لو أفلس المشتري، ما لم تكن عالمة بعسرة الزوج حين العقد؛ فليس لها الفسخ؛ لرضاها بذلك.
واختار ابن قدامة: أنه ليس لها حق الفسخ، بل يجب عليها الانتظار؛ لأن المهر أصبح مهراً في ذمة الزوج لزوجته، فهو كسائر الديون إذا أعسر عنها المدين، تحرم مطالبته، ولأن الأصل بقاء النكاح.
٢ - أن تكون الزوجة حرة صغيرة أو مجنونة: فليس لوليها حق الفسخ؛ لأن الحق لها في الصداق دون وليها، وقد ترضى بتأخيره.
٣ - أن تكون الزوجة أمة: فيخير سيدها في الفسخ؛ لأنه مالك نفعها، والصداق عوض منفعتها، فهو ملكه دونها.