← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تجب المتعة لكل مطلقة؛ لعموم قوله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف)، وأكد استحقاقها المتعة بقوله: (حقًّا) أي: أَحُقُّهُ حَقًّا، ثم أكده بمؤكد ثانٍ وهو قوله: (على المتقين) فدل على أن القيام به من تقوى الله، وتقوى الله واجبة. - فرع: (وَهِيَ) أي: المتعة معتبرة بحال الزوج، (بِقَدْرِ يُسْرِهِ وَعُسْرِهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. - فرع: حكم المهر بالنسبة للوطء لا يخلو من أقسام: الأول: أن يكون الوطء في نكاح صحيح: فلها المهر، وسيأتي. والثاني: أن يكون الوطء في نكاح فاسد: فيجب لها المهر المسمى في العقد؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» [أحمد: ٢٤٢٠٥، وأبو داود: ٢٠٨٣، والترمذي: ١١٠٢، وابن ماجه: ١٨٧٩]، فجعل لها المهر المسمى في هذا النكاح الفاسد، ولأن النكاح مع فساده ينعقد ويترتب عليه أكثر أحكام الصحيح؛ من وقوع الطلاق، ولزوم عدة الوفاة بعد الموت، ونحو ذلك، فلذلك لزم المسمى فيه؛ كالصحيح.

стр. 1262

(وَ) الثالث: أن يكون الوطء بشبهة؛ كمن وطئ امرأة ليست زوجة له يظنها زوجته: فـ (يَجِبُ) لها (مَهْرُ مِثْلٍ لِمَنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ)، قال في الشرح: (بغير خلاف علمناه)؛ لحديث عائشة السابق: «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» أي: نال منه، وهو الوطء. وظاهر كلام شيخ الإسلام: أنه لا يجب لها مهر؛ لأنه قال: (البضع إنما يتقوم على زوج أو شِبْهِهِ، فيملكه). (١) والرابع: أن يكون الوطء بزنًى، ولا يخلو من حالين: الحالة الأولى: أن يكون الزنى بمطاوعة المرأة: فلا شيء لها؛ لأنه إتلاف للبضع برضا مالكه، ولحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ» [البخاري: ٢٢٣٧، ومسلم: ١٥٦٧]. الحالة الثانية: (أَوْ) يكون (زِنًى كُرْهاً) للمرأة: فلها مهر المثل؛ لحديث عائشة السابق: «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» أي: نال منه، وهو الوطء، ولأنه إتلاف للبضع بغير رضا مالكه، فأوجب القيمة وهي المهر.

стр. 1263

وعنه، واختاره شيخ الإسلام، وابن عثيمين: لا مهر على من زنى بامرأة وهي مكرهة؛ لعموم حديث أبي مسعود الأنصاري السابق، ولأن الله أوجب في الزنى حدًّا، فلا نزيد على ما أوجب الله، ولا يمكن أن نقيس هذا الجماع الذي يعتقد حرمته، بالجماع الذي يعتقد حله. - فرع: (لَا أَرْشُ بَكَارَةٍ مَعَهُ) أي: مع المهر؛ لدخوله في مهر مثلها؛ لأنه يعتبر ببكر مثلها فلا يجب مرة ثانية. واختار ابن عثيمين: أنه يجب عليه أرش البكارة إن زنى بها مكرهة وهي بِكر، بناء على القول بأنه لا يعطيها مهراً؛ لأنه أتلف البكارة بسبب يتلفها عادة. والخامس: أن يكون الوطء في نكاح باطل؛ كمن تزوج خامسة: فلا يخلو من حالين: ١ - أن يكون الوطء بشبهة أو إكراه: فحكمه على ما تقدم في وطء الشبهة والزنى بإكراه. واختار ابن عثيمين، -وذكره في الترغيب رواية-: يلزمه المهر المسمى؛ لأنها إنما سلمت بضعها على أن لها المهر المسمى. ٢ - أن تكون المرأة مطاوعة عالمة بالتحريم: فحكمها حكم الزنى بمطاوعة؛ لأنه باطل بالإجماع، فكان وجوده كعدمه.

стр. 1264

والسادس: أن يكون وطئًا في الدبر أو لواطًا: فلا مهر فيه؛ لأنه غير مضمون على أحد، لأن الشرع لم يَرِد ببدله، ولا هو إتلاف لشيء؛ فأشبه القبلة والوطء دون الفرج. - مسألة: (وَلَهَا) أي: للمرأة، مفوِّضة كانت أو غيرها (مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مَهْراً حَالًّا) إجماعًا، لأن المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء، فإذا تعذر استيفاء المهر عليها لم يمكنها استرجاع عوضها. - فرع: (لَا) تملك المرأة منع نفسها من زوجها في ثلاث أحوال: ١ - إذا كان المهر مؤجلًا: فلا تملك منع نفسها حتى تقبضه؛ لأنها لا تملك الطلب به، لأن حقها لم يحل بعد. ٢ - (إِذَا) كان المهر مؤجلًا ثم (حَلَّ قَبْلَ تَسْلِيمِ) المرأة نفسها: فلا تملك منع نفسها؛ لأنها رضيت بتأخيره. وفي وجه: لها منع نفسها؛ لأنه يصدق على المهر حينئذ أنه حالٌّ، فحكمه حكم الحال. ٣ - (أَوْ) إذا (تَبَرَّعَتِ) المرأة (بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا) للزوج قبل الطلب بالمهر الحال، ثم أرادت الامتناع بعد دخول أو خلوة: فلا تملك منع نفسها؛ لرضاها بالتسليم واستقرار الصداق، فلم يكن لها منع نفسها بعد ذلك.

стр. 1265

فإن وطئها مكرهة؛ لم يسقط حقها من الامتناع بعدُ؛ لحصوله بغير رضاها؛ كالمبيع إذا أخذه المشتري من البائع كرهاً. وفي وجه، واختاره ابن عثيمين: أنها إذا تبرعت بالتسليم قبل الطلب بالحالِّ ثم أرادت الامتناع بعد الدخول أو الخلوة؛ فلها أن تمنع نفسها؛ لأن الرجل إذا ماطل لا نمكنه من استيفاء الحق كاملًا. - مسألة: (وَإِنْ أَعْسَرَ) الزوج (بِـ) ـمهرٍ (حَالٍّ)، سواء قبل الدخول أم بعد الدخول، لم يخلُ ذلك من ثلاث حالات: ١ - أن تكون الزوجة حرة مكلفة: (فَلَهَا الفَسْخُ)؛ لتعذر الوصول إلى العوض بعد قبض المعوض، كما لو أفلس المشتري، ما لم تكن عالمة بعسرة الزوج حين العقد؛ فليس لها الفسخ؛ لرضاها بذلك. واختار ابن قدامة: أنه ليس لها حق الفسخ، بل يجب عليها الانتظار؛ لأن المهر أصبح مهراً في ذمة الزوج لزوجته، فهو كسائر الديون إذا أعسر عنها المدين، تحرم مطالبته، ولأن الأصل بقاء النكاح. ٢ - أن تكون الزوجة حرة صغيرة أو مجنونة: فليس لوليها حق الفسخ؛ لأن الحق لها في الصداق دون وليها، وقد ترضى بتأخيره. ٣ - أن تكون الزوجة أمة: فيخير سيدها في الفسخ؛ لأنه مالك نفعها، والصداق عوض منفعتها، فهو ملكه دونها.

стр. 1266

- فرع: لا يُفسخ النكاح لعسرة الزوج بالمهر الحالِّ إلا (بِحَاكِمٍ)؛ لأنه فَسْخٌ مختلف فيه. وقال شيخ الإسلام: (لو قيل: إن الفسخ يثبت بتراضيهما، وبفسخ الحاكم لكان له وجه)، واختاره ابن عثيمين؛ لأن الحاكم يُحتاج إليه عند التنازع، ولا تنازع هنا. - مسألة: (وَيُقَرِّرُ) المهر (المُسَمَّى كُلَّهُ)، وكذا مهر المثل، ستة أمور: الأول: (مَوْتُ) أحد الزوجين؛ لحديث ابن مسعود في قصة بَرْوَعَ بِنت وَاشِقٍ المتقدم. (وَ) الثاني: (قَتْلُ) أحد الزوجين الآخر، أو قتل أحدهما نفسه؛ لأن النكاح قد بلغ غايته فقام ذلك مقام استيفاء المنفعة في تقرير المهر. (وَ) الثالث: (وَطْءُ) زوج لزوجته (فِي فَرْجٍ) اتفاقًا؛ لمفهوم قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [البقرة: ٢٣٧]، ولأنه قد وجد استيفاء المقصود، فاستقر العوض، (وَلَوْ) كان الفرج الموطوء (دُبُراً)؛ لأنه فرجٌ يتعلق به التحريم إذا وُجد في الزوجة، فكذا هنا.

стр. 1267

(وَ) الرابع: (خَلْوَةُ) الزوج بالزوجة (١)؛ لما ورد عن زُرَارَةَ بن أَوْفَى أنه قال: «قَضَاءُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ أَنَّهُ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا وَأَرْخَى سِتْرًا فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ وَالْعِدَّةُ» [عبد الرزاق: ١٠٨٧٥، والبيهقي: ١٤٤٨٤، وقال: هذا مرسل، زرارة لم يدركهم]، وورد ذلك عن عمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عمر ﵃ [البيهقي ٧/ ٤١٦]، قال ابن كثير: (وهذه طرق يشد بعضها بعضاً)، فهذه قضايا اشتَهَرت ولم يخالفهم أحد في عصرهم، فكان كالإجماع. - فرع: يشترط في الخلوة المقررة للمهر خمسة شروط: ١ - أن تكون الخلوة (عَنْ مُمَيِّزٍ) وبالغ، فإن وُجد معهم مميز أو بالغ؛ زالت الخلوة، ولو كان كافرًا أو أعمى، أو ذكرًا أو أنثى، أو عاقلًا أو مجنونًا.

стр. 1268

٢ - أن يكون الزوج (مِمَّنْ يَطَأُ مِثْلُهُ) وهو ابن عشر سنين، وإلا لم يتقرر المهر؛ لعدم التمكن من الوطء. ٣ - أن تكون الزوجة ممن يوطأ مثلها، وهي بنت تسع سنين؛ للتعليل السابق. ٤ - أن تكون الخلوة (مَعَ عِلْمِهِ) بأنها عنده، فإن لم يعلم بكونها عنده فلا يتقرر المهر؛ لعدم تمكنه من الوطء إذاً. ٥ - (إِنْ لَمْ تَمْنَعْهُ) الزوجة من وطئها، فإن منعته منه؛ لم يتقرر المهر؛ لأنه لم يحصل التمكين. وقال شيخ الإسلام: (ويتقرر المهر بالخلوة وإن منعته الوطء، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حرب). - فرع: تُقرِّرُ الخلوةُ المذكورةُ المهرَ كاملًا: ١ - ولو لم يطأ. ٢ - ولو كان بالزوجين أو بأحدهما مانع حسي؛ كجَبٍّ ورَتَق وهزال ونحوه. ٣ - ولو كان بهما أو بأحدهما مانع شرعي؛ كإحرام وحيض وصوم. لأن الخلوة نفسها مقررة للمهر لعموم ما تقدم.

стр. 1269

(وَ) الخامس: (طَلَاق) الرجل امرأته (فِي مَرَضِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا) المخوف قبل الدخول (١)، أي: إذا طلق زوجته فرارًا في مرض الموت المَخُوفِ، ثم مات؛ تقرر الصداق عليه كاملًا بالموت؛ لأنه يجب عليها عدة الوفاة إذن، ومعاملةً له بضد قصده؛ كالفارِّ بالطلاق من الإرث، والقاتل، ما لم تتزوج قبل موته، أو ترتدَّ عن الإسلام؛ لأنها لا ترثه إذن. (وَ) السادس: (لَمْسُ) الزوجة (أَوْ نَظَرٌ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ فِيهِمَا) أي: في اللمس والنظر للفرج ولو بلا خلوة، (وَتَقْبِيلُهَا) ولو بحضرة الناس؛ لأن ذلك نوع استمتاع، فأوجب المهر كالوطء، ولمفهوم قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ الآية [البقرة: ٢٣٧]، وحقيقة اللمس التقاء البشرتين. قال ابن عثيمين: (وعن الإمام أحمد ﵀، عبارة جامعة، وهي: إذا استحل منها ما لا يحل إلا لزوجها؛ فقد استقر المهر). - مسألة: (وَيُنَصِّفُهُ) أي: المهرَ المسمى (كُلُّ فُرْقَةٍ مِنْ قِبَلِهِ) أي: قِبل الزوج؛ كطلاقه، وردَّته، ونحوه، إذا كان ذلك (قَبْلَ دُخُولٍ)؛ لقوله تعالى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾

стр. 1270

[البقرة: ٢٣٧]، فثبت في الطلاق بعد الدخول تنصيف المهر المسمى، والباقي قياسًا عليه؛ لأنه في معناه، ولأنه لا فعل للزوجة في ذلك؛ فيسقط به صداقها. وقال شيخ الإسلام، وقواه ابن رجب: لو علَّق طلاقها على صفة، وكانت الصفة من فعلها الذي لها منه بد، وفعلته، فلا مهر لها؛ لأن الطلاق حصل من جهتها؛ كجعل الطلاق بيدها. - مسألة: (وَ) كل فُرقة حصلت (مِنْ قِبَلِهَا) أي: قِبل الزوجة؛ كردتها، وإرضاعها ممن يثبت به المحرمية بينها وبين الزوج، ونحوه، (قَبْلَهُ) أي: قبل الدخول؛ (تُسْقِطُهُ) أي: المهر المسمى كاملًا؛ لأنها أتلفت العوض قبل تسليمه، فسقط البدل كله، كالبائع يتلف المبيع قبل تسلمه. (فَصْلٌ) في وليمة العرس أصل الوليمة: تمام الشيء واجتماعه، ثم نُقِلت لطعام العرس خاصة؛ لاجتماع الرجل والمرأة. - مسألة: (وَتُسَنُّ الوَلِيمَةُ لِلْعُرْسٍ) بتأكدٍ؛ لحديث عبد الرحمن بن عوف

стр. 1271

رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له لما تزوج: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» [البخاري: ٢٠٤٨، ومسلم: ١٤٢٧]، ولحديث صفية بنت شيبة ﵂ قالت: «أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ» [البخاري: ٥١٧٢]، وفي حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ أَوْلَم على صفية بنت حُيي بِحَيْسٍ. [البخاري: ٣٧١، ومسلم: ١٣٦٥]. وليست الوليمة واجبة، وما ورد فيها من الأمر محمولٌ على الاستحباب؛ بدليل أنه أمر في حديث عبد الرحمن بشاةٍ، ولو كان الأمر للوجوب لوجبت الشاة، وذلك منتفٍ بالإجماع، وبفعل النبي ﷺ حيث أولم بمدين من شعير، ولأن دعوة العرس طعام لسرور، فلم تكن واجبة؛ كسائر الأطعمة. - فرع: تسن الوليمة بالعقد. واختار شيخ الإسلام: أنها تسن بالدخول؛ لورود الأخبار بذلك؛ كما في حديث أنس ﵁ قال: «بَنَى النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ، فَأَرْسَلَنِي، فَدَعَوْتُ رِجَالًا إِلَى الطَّعَامِ» [البخاري: ٥١٧٠]، وعنه ﵁ قال: «أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ -وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالمَدِينَةِ-، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ» [البخاري: ٥١٦٣، ومسلم: ١٤٢٨]. وقال في الإنصاف: (الأولى أن يقال: وقت الاستحباب موسع من عقد النكاح إلى انتهاء أيام العرس؛ لصحة الأخبار في هذا، وكمال السرور بعد

стр. 1272

الدخول، لكن قد جرت العادة فعل ذلك قبل الدخول بيسير)، ولم نقف على شيء من الأخبار في كونها قبل الدخول. - مسألة: تسن الوليمة (وَلَوْ) كانت (بِشَاةٍ فَأَقَلَّ)؛ كما أَوْلَم ﷺ على بعض نسائه بمدين من شعير، وقال جمع: يستحب ألَّا تنقص عن شاة؛ لظاهر حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ السابق. - مسألة: (وَتَجِبُ الإِجَابَةُ إِلَيْهَا) أي: إلى وليمة العرس؛ لقول أبي هريرة ﵁: «بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الوَلِيمَةِ، يُدْعَى إِلَيْهِ الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ المَسَاكِينُ، فَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ» [البخاري: ٥١٧٧، ومسلم: ١٤٣٢]، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ» [البخاري: ٥١٧٣، ومسلم: ١٤٢٩]. واختار شيخ الإسلام: أن الإجابة لوليمة العرس مستحبة؛ وما ورد من النصوص فإنه محمول على الاستحباب. - فرع: تجب الإجابة إلى وليمة العرس (بِشَرْطِهِ)، وهي سبعة شروط: الشرط الأول: أن تكون الدعوة في اليوم الأول، فإن دعاه في اليوم الثاني أو اليوم الثالث من الوليمة لم تجب إجابته؛ لحديث زهير بن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِيَ مَعْرُوفٌ، وَاليَوْمَ الثَّالِثَ سُمْعَةٌ وَرِيَاءٌ» [أحمد: ٢٠٣٢٥، وأبو داود: ٣٧٤٥، وفيه ضعف]. الشرط الثاني: أن يدعوه بعينه، فإن دعاه الجَفَلَى - كقوله: أيها الناس

стр. 1273

هلموا إلى الوليمة -؛ لم تجب الإجابة باتفاق القائلين بوجوبها؛ لأنه لم يعين بالدعوة، فلم تتعين عليه الإجابة، ولا يحصل كسر القلب بترك إجابته. الشرط الثالث: أن يكون الداعي مسلمًا؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ» [مسلم: ٢١٦٢]، فإن دعاه ذميٌّ لم تجب الإجابة؛ لأنها تراد للإكرام والموالاة، وذلك منتف في حقه. الشرط الرابع: أن يكون الداعي ممن يحرم هجره، فإن كان لا يحرم هجره؛ كالمبتدع والفاسق؛ لم تجب الإجابة؛ لأن من لوازم هجره عدم إجابة دعوته. وذكر شيخ الإسلام: أن الهجر يُرجع فيه للمصلحة؛ لأن الحكمة مِن الهجر الزجر واتَّعاظ العامة، فإن تحققت المصلحة هُجِر، وإلا فلا. الشرط الخامس: أن يكون الداعي مكسبه طيبًا، فإن كان في ماله حرام؛ لم تجب الإجابة؛ لما يأتي. الشرط السادس: ألا يكون في الوليمة منكر، فإن كان فيها منكر لا يستطيع إنكاره؛ لم تجب الإجابة باتفاق القائلين بوجوبها؛ لما فيه من الإعانة على المنكر، ولقوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم﴾

стр. 1274

[النساء: ١٤٠]، يعني: إن قعدتم معهم فأنتم مثلهم في العقوبة والمعصية. الشرط السابع: ألا يكون المدعو مريضًا، أو مشغولًا بحفظ مال، أو كان في شدة حر أو برد أو مطر يبل الثياب، ونحو ذلك، وإلا لم تجب الإجابة؛ لأن ذلك عذر يبيح ترك الجماعة، فأباح ترك الإجابة. - مسألة: (وَتُسَنُّ) الإجابة (لِكُلِّ دَعْوَةٍ مُبَاحَةٍ) كدعوة العقيقة، وقدوم المسافر، وحفظ القرآن وغير ذلك؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقول: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ» [مسلم: ١٤٢٩]، ولحديث البراء بن عازب ﵄: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ»، وذكر منها: «وَإِجَابَةِ الدَّاعِي» [البخاري: ١٢٣٩، ومسلم: ٢٠٦٦]، والأمر محمول على الاستحباب؛ لأنه لم يخص به دعوة ذات سبب دون غيرها، ولأنه جبر لقلب الداعي. - مسألة: (وَتُكْرَهُ) الإجابة (لِمَنْ فِي مَالِهِ) شيء (حَرَامٌ؛ كَـ) كراهية (أَكْلٍ مِنْهُ، وَمُعَامَلَتِهِ، وَقَبُولِ هَدِيَّتِهِ، وَ) قبول (هِبَتِهِ)، وقبول صدقته، قل الحرام أو كثر، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته؛ لأن المسلم مطلوب منه التباعد عن الشبهة وما فيه الحرام؛ لئلا يواقعه، ويؤيده حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» [البخاري: ٥٢، ومسلم: ١٢١٩]،

стр. 1275

ولا تحرم إجابته والأكل منه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، فَأَطْعَمَهُ طَعَامًا، فَلْيَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِ، وَلَا يَسْأَلْهُ عَنْهُ، وَإِنْ سَقَاهُ شَرَابًا مِنْ شَرَابِهِ، فَلْيَشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ، وَلَا يَسْأَلْهُ عَنْهُ» [أحمد: ٩١٨٤]، ولما صح عن ذر بن عبد الله أنه: جاء رجل إلى ابن مسعود ﵁، فقال: إن لي جارًا يأكل الربا، وإنه لا يزال يدعوني، فقال: «مَهْنَؤُهُ لَكَ، وَإِثْمُهُ عَلَيْهِ» [عبد الرزاق: ١٤٦٧٥]، ونحوه عن سلمان الفارسي ﵁ [عبد الرزاق: ١٤٦٧٧]. قال شيخ الإسلام: (إن عَرف الحرام بعينه لم يأكل حتمًا، وإن لم يَعرف عينه لم يحرم الأكل منه؛ لكن إذا كثر الحرام كان متروكًا ورعًا). وقال شيخ الإسلام: (إذا كان في الترك مفسدة، من قطيعة رحم أو فساد ذات البين ونحو ذلك؛ فإنه يجيبه؛ لأن الصلة وصلاح ذات البين واجب، فإذا لم يتم إلا بذلك كان واجبًا، وليست الإجابة محرمة). - مسألة: (وَيُسَنُّ الأَكْلُ) من طعام الوليمة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا، فَلْيَطْعَمْ» [مسلم: ١٤٣١]، ولأنه أبلغ في إكرام الداعي وجبر قلبه. ولا يجب الأكل منها؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» [مسلم: ١٤٣٠].

стр. 1276

واختار ابن عثيمين: أن الأكل من الوليمة فرض على الكفاية؛ جمعًا بين الأدلة، ولما في ترك الأكل من الجميع من مفسدةٍ، وكسرٍ لقلب الداعي. - فرع: (وَإِبَاحَتُهُ) أي: إباحة الأكل (تَتَوَقَّفُ عَلَى صَرِيحِ إِذَنٍ، أَوْ قَرِينَةٍ) تدل على إذن؛ كتقديم طعام، ودعاء إليه، (مُطْلَقاً) أي: سواء كان من بيت قريبه أو صديقه أو لا، وسواء أحرزه عنه أو لا؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ؛ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا» [أبو داود: ٣٧٤١، وضعفه ابن حجر]، ولأنه مال غيره، فلا يباح أكله بغير إذنه، كأخذ الدراهم. واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز الأكل من بيت قريبه وصديقه إذا لم يحرزه؛ نظرًا إلى العادة والعرف. - فرع: (وَ) إذا دُعي (الصَّائِمُ) إلى وليمة العرس لم يخل من حالين: الأولى: أن يكون صومه (فَرْضاً): فيحضر الوليمة وجوبًا؛ لما تقدم، و (يَدْعُو) للداعي، ولا يفطر؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]، ولحديث أبي هريرة المتقدم: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا، فَلْيَطْعَمْ»، ولأن الفطر محرم والأكل غير واجب. (وَ) الثانية: أن يكون صومه (نَفْلاً): فيحضر الوليمة وجوبًا؛ لما تقدم، و (يُسَنُّ أَكْلُهُ) من الطعام (مَعَ جَبْرِ خَاطِرِ) قلبِ أخيه المسلم، وإلا فلا يأكل،

стр. 1277

وفاقًا لما في الإقناع، واختاره شيخ الإسلام وقال: (هذا أعدل الأقوال)؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: صنعت لرسول الله ﷺ طعامًا، فأتاني هو وأصحابه، فلما وُضِع الطعام قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : «دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ» ثم قال له: «أَفْطِرْ وَصُمْ مَكَانَهُ يَوْمًا إِنْ شِئْتَ» [البيهقي: ٨٣٦٢، وحسنه ابن حجر]، ولما في أكله من إدخال السرور على قلب أخيه المسلم. وظاهر ما في الإنصاف والمنتهى والغاية: يستحب لصائم النفل الأكل مطلقًا؛ لعموم الحديث السابق. - مسألة: (وَسُنَّ إِعْلَانُ) أي: إظهار (نِكَاحٍ)؛ لحديث عبد الله الزُّبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ» [أحمد: ١٦١٣٠، وحسنه الألباني]، ولم يجب؛ لأن عقد النكاح اشتمل على أركانه وشروطه فيكون صحيحًا. وقال شيخ الإسلام: (فالذي لا ريب فيه: أن النكاح مع الإعلان يصح وإن لم يشهد شاهدان، وأما مع الكتمان والإشهاد فهذا مما ينظر فيه، وإذا اجتمع الإشهاد والإعلان فهذا الذي لا نزاع في صحته، وإن خلا عن الإشهاد والإعلان: فهو باطل عند العامة، فإن قدر فيه خلاف فهو قليل).

стр. 1278

- مسألة: (وَ) سن (ضَرْبٌ بِدُفٍّ مُبَاحٍ)، وذلك أن الدفَّ على ثلاثة أقسام: ١ - المغشي بجلد من جهة واحدة: فهذا هو الدف، وهو المراد به هنا. ٢ - المغشي بجلد من جهتين: فهو الذي يسمى: الطبل، فإن كان كبيرًا سُمي: الكَبَر، وليس هو الدف المراد به هنا، بل هو داخل في باقي آلات المعازف الآتي حكمها؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيَّ، أَوْ حُرِّمَ الخَمْرُ، وَالمَيْسِرُ، وَالكُوبَةُ»، قال سفيان: فسألت علي بن بَذِيمَةَ عن الكوبة، قال: الطبل. [أحمد: ٢٤٧٦، وأبو داود: ٣٦٩٦]. ٣ - الدف الذي فيه حِلق وصنوج من نحاس ونحوها: فهذا محرم من أجل تلك الحلق. - فرع: يسن الدف خاصة في خمسة مواطن: الأول: (فِيهِ) أي: في النكاح، باتفاق الأئمة؛ لما روى محمد بن حاطب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فَصْلُ مَا بَيْنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ: الدُّفُّ، وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ» [أحمد: ١٥٤٥١، والنسائي: ٣٣٦٩، والترمذي: ١٠٨٨، وابن ماجه: ١٨٩٦]. (وَ) الثاني: (فِي خِتَانٍ)؛ لما ورد عن ابن سيرين، قال: «نُبِّئت أن عمر ﵁ كان إذا استمع صوتًا أنكره وسأل عنه، فإن قيل: عرس أو ختان؛ أَقَرَّه» [ابن أبي شيبة: ١٦٤٠٢].

стр. 1279

(وَ) الثالث: (نَحْوُهُ) كقدوم غائب؛ لحديث بُريدة الأَسْلَمي ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله ﷺ : «إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِلَّا فَلَا»، فجعلت تضرب [أحمد: ٢٢٩٨٩، والترمذي: ٣٦٩٠]. والرابع: عند الولادة؛ قياسًا على العرس، لما فيه من السرور. والخامس: عند الإملاك؛ لما تقدم. - فرع: يسن الدف في المواطن الخمسة السابقة (لِنِسَاءٍ) فقط، ويكره للرجال مطلقًا، وفاقًا لما في الإقناع؛ لأنه إنما كان يضرب به النساء، والمخنثون المتشبهون بهن، ففي ضرب الرجال به تشبه بالنساء. وظاهر ما في المنتهى، وصرح به في الغاية: أنه مسنون للنساء والرجال، قال في الفروع: (وظاهر نصوصه وكلام الأصحاب التسوية)؛ لعموم الأدلة السابقة. - فرع: تحرم كل ملهاة سوى الدف؛ كمزمار وطبل وعود وناي وغير ذلك؛ لحديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ، وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ، وَالمَعَازِفَ» [البخاري: ٥٥٩٠]، ولما صح عن ابن عباس ﵄, في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ [لقمان: ٦] قال: «نَزَلَتْ فِي الْغِنَاءِ وَأَشْبَاهِهِ» [البيهقي:

стр. 1280

٢٠٩٨٧]، وصح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «الغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي القَلْبِ» [البيهقي: ٢١٠٠٦، وصححه ابن القيم]. ويستثنى من ذلك: ١ - الدف؛ فلا يحرم (١)؛ لحديث بريدة الأسلمي السابق في قصة الجارية؛ ولو كان محرمًا لم يأمرها به وإن كان منذورًا. واختار ابن عثيمين: أنه حرام في غير المواطن الواردة؛ لدخول الدف في مسمى المعازف لغة، ولأن ما خُصِّص بحال يجب أن يتخصص بها. ٢ - الطبل للرجال في الحرب؛ فلا يحرم؛ لما فيه من المنفعة ومصلحة الحرب، بخلاف طبل اللهو. (فَصْلٌ) في عشرة النساء العشرة: بكسر العين، الاجتماع، يقال لكل جماعة: عشرة ومعشر، وهي هنا: ما يكون بين الزوجين من الألفة والانضمام.

стр. 1281

- مسألة: (وَيَلْزَمُ كُلًّا مِنَ الزَّوْجَيْنِ مُعَاشَرَةُ) الزوج (الآخَرِ بِالمَعْرُوفِ)، من الصحبة الجميلة وكف الأذى، (وَأَلَّا يَمْطُلَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ) من حق، (وَلَا يَتَكَرَّهَ لِبَذْلِهِ)، بل بِبِشْرٍ وطلاقة وجه، ولا يتبعه أذىً ومنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] - فرع: (وَيَجِبُ بِعَقْدِ) النكاح إذا تمَّ؛ (تَسْلِيمُ) زوجة (حُرَّةٍ)؛ لأنه بالعقد يستحق الزوج تسليم المعوَّض، كما تستحق المرأة تسليم العوض، فيجب إذا كانت: ١ - ممن (يُوطَأُ مِثْلُهَا)، وهي بنت تسع؛ لأن التسليم إنما وَجَب ضرورة استيفاء الاستمتاع الواجب، فإذا لم يُمكِن الاستمتاع بها لم يكن واجبًا، ولأن النبي ﷺ بنى بعائشة ﵂ وهي بنت تسع سنين [البخاري: ٣٨٩٤، ومسلم: ١٤٢٢]. واختار ابن عثيمين: أنه لا يتحدد بسن، بل متى أمكن وطؤها والاستمتاع بها وجب تسليمها، وحديث عائشة ﵂ يحمل على سبيل الغالب، لا التحديد.

стр. 1282

٢ - وأن يطلب الزوج ذلك، وأشار إليه بقوله: (فِي بَيْتِ زَوْجٍ إِنْ طَلَبَهَا)؛ لأن الحق له، فلا يجب بدون طلبه. ٣ - (وَلَمْ تَكُنْ شَرَطَتْ) أي: الزوجة في العقد (دَارَهَا)، أو بلدها، فإن شرطتها فلها الفسخ إذا نقلها عنها؛ للزوم الشرط. - فرع: يكون التسليم في بيت الزوج؛ لأنه بالعقد يستحق الزوج تسليم العوض كما تستحق المرأة العوض؛ كالإجارة. واختار ابن عثيمين: إلا أن يخالف العرف ذلك، فيعمل حينئذ بالعرف؛ لقوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف). - فرع: (وَمَنِ اسْتَمْهَلَ) أي: إذا طلب أحد الزوجين المهلة، لم يخل من أمرين: ١ - لإصلاح أمره: (أُمْهِلَ) ما جرت به العادة، نحو (اليَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ)؛ لأن ذلك من حاجتها، فإذا مُنعت منه كان تعسيرًا، فوجب إمهالها؛ طلبًا لليسر والسهولة، ويرجع في ذلك للعرف; لأنه لا تقدير فيه شرعًا، ويدل عليه قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف). ٢ - لعمل جهاز: فـ (لَا) يجب أن يمهل من طلب المهلة منهما (لِعَمَلِ جَهَازٍ) -بفتح الجيم وكسرها-، وهو: ما يُجهز به البيت مما

стр. 1283

يُحتاج إليه، من شراء أثاث وأوانٍ ونحوها؛ لأن هذا شيء لا يتعلق بالنكاح، قال في الغنية: (وتستحب الإجابة). - فرع: (وَ) يجب (تَسْلِيمُ أَمَةٍ) مع الإطلاق (لَيْلاً فَقَطْ)؛ لأنه زمان الاستمتاع، وللسيد استخدامها نهارًا؛ لأنه زمن الخدمة، لأن السيد يملك من أمته منفعتين: الاستخدام والاستمتاع، فإذا عقد على إحداهما لم يلزمه تسليمها إلا في زمن استيفائها. فإن شرط الزوج أن يتسلَّمها نهارًا، أو بذله السيد له؛ فيجب على الزوج استلامها نهارًا أيضًا؛ لأن الزوجية تقتضي وجوب التسليم مع البذل ليلًا ونهارًا، وإنما منع منه في الأمة في زمان النهار لحق السيد، فإذا بذله فقد ترك حقه، فعاد إلى الأصل في الزوجية. واختار ابن عثيمين: أنه لا فرق بين الحرة والأمة؛ لأن سيدها بعد الزواج يكون زوجها، كالحرة قبل الزواج تكون عند والدها، وحق الوالدين واجب، وبعده تنتقل إلى زوجها. - مسألة: (وَلِزَوْجٍ اسْتِمْتَاعٌ بِزَوْجَةٍ كُلَّ وَقْتٍ)، وعلى أي صفة؛ لقوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ويستثنى من ذلك أمور: ١ - (مَا لَمْ يَضُرَّهَا) الاستمتاع بها؛ كما لو كانت مريضة يضرها

стр. 1284

الاستمتاع بها: فيحرم؛ لعموم حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أحمد: ٢٢٧٧٨، وابن ماجه: ٢٣٤٠]. ٢ - (أَوْ) ما لم (يَشْغَلْهَا) أي: الاستمتاع بها، (عَنْ فَرْضٍ): فيحرم إذن؛ لأن ذلك ليس من المعاشرة بالمعروف. ٣ - الوطء في الحيض والنفاس: فيحرم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فاتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وكذا بعدهما وقبل الغسل؛ لظاهر الآية. ٤ - وطء النفساء بعد الطهر وقبل الأربعين: فيكره، وتقدم في باب الحيض. ٥ - المستحاضة من غير خوف العنت: فيحرم، وتقدم في باب الحيض. ٦ - الوطء في الدبر: فيحرم؛ لحديث خزيمة بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ» [أحمد: ٢١٨٥٤، وابن ماجه: ١٩٢٤]، قال الذهبي: (قد تَيقَّنا بطرق لا محيد عنها، نهي النبي ﷺ عن أدبار النساء، وجزمنا بتحريمه). - مسألة: (وَ) للزوج (السَّفَرُ بِـ) زوجةٍ (حُرَّةٍ) مع الأمن؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون بنسائهم [البخاري: ٢٥٩٣، مسلم: ٢٧٧٠]، (مَا لَمْ تَكُنْ شَرَطَتِ) المرأة (بَلَدَهَا) أي: ألا يُسافر بها، فيوفي بالشرط، وإلا فلها

стр. 1285

الفسخ؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ» [البخاري ٢٧٢١، ومسلم ١٤١٨]. واختار ابن عثيمين: أنه لو كان من المطرد عند أهل هذا البلد أن الرجل لا يسافر بامرأته إلا بشرط؛ فإنه يُعمل بالشرط، ويكون من الشروط العرفية. - فرع: يستثنى من جواز السفر بالزوجة ثلاث مسائل: ١ - إذا كانت الزوجة أمة، فليس لزوجها ولا سيدها سفر بها بلا إذن الآخر؛ لما في ذلك من تفويت حقه عليه. ٢ - إذا كان السفر مَخُوفًا، بأن كان الطريق أو البلد الذي يريده مَخُوفًا، فليس له السفر بها بلا إذنها؛ لحديث عبادة السابق: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». ٣ - إن شرطت المرأة بلدها، فلها شرطها، وتقدم. - مسألة: (وَلَهُ) أي: الزوج (إِجْبَارُهَا) أي: الزوجة، ولو كانت ذمية أو مملوكة، (عَلَى) أمور، منها: ١ - (غُسْلِ حَيْضٍ) ونفاس؛ لأنه يَمنع الاستمتاع الذي هو حقٌّ له، فملك إجبارها على إزالة ما يمنع حقه. ٢ - (وَ) له إجبارها على غسل (جَنَابَةٍ) إذا كانت الزوجة مكلفة، سواء كانت مسلمة؛ لأن الصلاة واجبة عليها، ولا تتمكن منها إلا بالغسل، أو

стр. 1286

كانت الزوجة كتابية (١)، وهو ظاهر المنتهى وصححه في الإنصاف، واختاره ابن عثيمين؛ لأن بقاء الجنابة مما تعافه نفس الزوج. وفي رواية، مشى عليها في الإقناع: لا تجبر الكتابية؛ لأن الوطء لا يقف عليه لإباحته بدونه. ٣ - (وَ) له إجبارها على إزالة (نَجَاسَةٍ)؛ لأنه واجب عليها. واختار ابن عثيمين: لا يجبرها على غسل النجاسة إلا في حالين: الأولى: إذا كانت تفوت عليه كمال الاستمتاع. الثانية: إذا كان وقت صلاة لأجل أن تصلي طاهرة. أما لو كان نحو بول يبس، وليس له لون ولا رائحة، وليس بوقت صلاة، فليس له إجبارها، لأنه لا يفوت حقًّا لله، ولا حقًّا للزوج. ٤ - (وَ) له إجبارها على (أَخْذِ مَا تَعَافُهُ النَّفْسُ مِنْ شَعَرٍ وَغَيْرِهِ)؛ كظفر ووسخ؛ لأن ذلك يمنع كمال الاستمتاع. ٥ - وله إجبارها على اجتناب المحرمات؛ لأنه واجب عليها. - فرع: لا تُجبر الزوجة على خدمة زوجها؛ كعجن وخبز وطبخ

стр. 1287

ونحوه؛ لأن المعقود عليه منفعة الاستمتاع، فلا يملك غيره من منافعها، لكن الأولى فعل ما جرت العادة بقيامها به؛ لأنه العادة، ولا يصلح الحال إلا به، ولا تنتظم المعيشة بدونه. واختار شيخ الإسلام: تجب الخدمة بالمعروف، فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال؛ لأن الزوج سيدها في كتاب الله؛ وهي عانية عنده بسنة رسول الله ﷺ ، وعلى العاني والعبد الخدمة؛ ولأن ذلك من المعاشرة بالمعروف. - فرع: لا يلزم الزوج توفير خادم لزوجته إلا أن يكون مثلها لا تخدم نفسَها؛ فعليه خادم لها إذن؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» [مسلم: ١٢١٨]، فجعل النفقة بالمعروف، وهذا من المعروف. فصل في أحكام الجماع والمبيت - مسألة: (وَيَلْزَمُهُ) أي: الزوجَ (الوَطْءُ) أي: لزوجته؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، ويجب (فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً إِنْ قَدَرَ) عليه، ولم يكن له عذر من مرض ونحوه، بطلب الزوجة، حرة كانت الزوجة أو أمة، مسلمة أو ذمية؛ لأن الله تعالى قَدَّر ذلك بأربعة أشهر في حق المُولي، فكذلك في حق غيره؛ لأن اليمين لا توجب ما حلف عليه، فدل أن الوطء واجب بدونها.

стр. 1288

واختار شيخ الإسلام: أنه يجب عليه الوطء بقدر الكفاية، لأنه من المعاشرة بالمعروف، قال ﵀: (والصحيح الذي يدل عليه أكثر نصوص أحمد وعليه أكثر السلف: أن ما يوجبه العقد لكل واحد من الزوجين على الآخر؛ كالنفقة، والاستمتاع، والمبيت للمرأة، وكالاستمتاع للزوج؛ ليس بمقدر، بل المرجع في ذلك إلى العرف كما دل عليه الكتاب في مثل قوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾). وأما الإيلاء فإنه حال طارئة، إذ إن الرجل أقسم ألا يطأ، فمن أجل قسمه أُجِّل هذه المدة، بخلاف من لم يوجد عنده سبب التأجيل. - مسألة: (وَ) يلزم الزوج (مَبِيتٌ) في المضجع (بِطَلَبِ) الزوجة، ولا تخلو الزوجة من أمرين: الأول: أن تكون حرة: فيلزمه المبيت (عِنْدَ حُرَّةٍ لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ) ليال إن لم يكن عذر؛ لأن أكثر ما يمكن أن يجمع معها ثلاثًا مثلها. (وَ) الثاني: أن تكون (أَمَةً): فيلزم المبيت عندها ليلة (مِنْ كُلِّ سَبْعِ) ليالٍ؛ لأن أكثر ما يجمع معها ثلاث حرائر، وهي على النصف. ودليل التحديد أيضًا: ما ذكره الشعبي قال: جاءت امرأة إلى عمر ﵁، فقالت: زوجي خير الناس يقوم الليل، ويصوم النهار، فقال عمر: «لَقَدْ أَحْسَنْتِ الثَّنَاءَ عَلَى زَوْجِكَ»، فقال كعب بن سور: لقد اشتكت فأعرضت الشَّكِيَّة، فقال عمر: «اخْرُجْ مِمَّا قُلْتَ»، قال: أرى أن تُنْزِلَه بمنزلة رجل له

стр. 1289

أربع نسوة، له ثلاثة أيام ولياليهن، ولها يوم وليلة، فأَقَرَّه عمر [عبد الرزاق: ١٢٥٨٦، وقال ابن عبد البر: خبر عجيب مشهور]. واختار ابن قدامة: ليلة من كل ثمان على نصف الأمة. وعند القاضي، وصوبه المرداوي: يلزمه من البيتوتة ما يزول به ضرر الوحشة، ويحصل معه الأنس المقصود بالزوجية، بلا توقيت، فيجتهد الحاكم. قال شيخ الإسلام: (ويتوجه: أن لا يتقدر قسم الابتداء الواجب، كما لا يتقدر الوطء، بل يكون بحسب الحاجة، فإنه قد يقال: جواز التزوج بأربع لا يقتضي أنه إذا تزوج بواحدة يكون لها حال الانفراد ما لها حال الاجتماع، وعلى هذا فتُحمل قصة كعب بن سور على أنه تقدير شخص لا يراعى، كما لو فرض النفقة)، واختاره ابن عثيمين. - مسألة: (وَإِنْ سَافَرَ) الزوج، وجب عليه الرجوع لوطء زوجته بأربعة شروط: الشرط الأول: أن يكون السفر (فَوْقَ نِصْفِ سَنَةٍ)، فإن كان أقل من ذلك لم يجب عليه الرجوع؛ لما يأتي من أثر عمر ﵁. (وَ) الشرط الثاني: إذا (طَلَبَتِ) الزوجة (قُدُومَهُ)، فإن لم تطلب ذلك لم يجب عليه الرجوع؛ لأن الحق لها.

стр. 1290

والشرط الثالث: أن يستطيع الرجوع؛ فإن لم يستطع الرجوع لم يجب عليه؛ لأن العاجز معذور. والشرط الرابع: أن يكون السفر لغير عذر، فإن كان سفره لعذر؛ كطلب علم، أو كان في غزو أو حج واجبين أو في طلب رزق يحتاج إليه؛ فلا يلزمه القدوم ولو طال السفر؛ لأنه معذور، ولأنه لا يُفسخ نكاح المفقود إذا ترك لامرأته نفقتها. والدليل على وجوب رجوعه من السفر: ما ورد عن عمر ﵁ أنه سأل حفصة: «يَا بُنَيَّةُ، كَمْ تَصْبِرُ المَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا؟ »، قالت: أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، أو ستة أشهر، فقال عمر: «يَغْزُو النَّاسُ يَسِيرُونَ شَهْرًا ذَاهِبِينَ وَيَكُونُونَ فِي غَزْوِهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَيَقْفُلُونَ شَهْرًا»، فوقت ذلك للناس من سنتهم في غزوهم [سعيد بن منصور: ٢٤٦٣]. واختار شيخ الإسلام: أن المرأة إذا تضررت بترك الوطء فلها حق الفسخ مطلقًا، سواء كانت غيبته لعذر أو لغير عذر؛ لأثر عمر السابق، وكعجزه عن النفقة وأولى. - فرع: فإن أبى الزوج شيئًا من الواجب عليه مما سبق؛ من وجوب المبيت، أو الوطء كل أربعة أشهر مرة، أو القدوم إذا سافر بشرطه: ١ - (رَاسَلَهُ) أي: المسافرَ الذي أبى الرجوع (حَاكِمٌ) ليرجع (١).

стр. 1291

٢ - (فَإِنْ أَبَى) الرجوع بعد مراسلة الحاكم (بِلَا عُذْرٍ) له؛ (فُرِّقَ) أي: فرق الحاكم (بَيْنَهُمَا) أي: بين الزوجين، ولا يصح الفسخ هنا إلا بحكم حاكم؛ لأنه مختلف فيه، (بِطَلَبِهَا) أي: طلب الزوجة؛ لأنه تَرَك حقًّا عليه يتضرر به، أشبه المولي. - فرع: (وَإِنْ) غاب زوجها غيبة ظاهرها السلامة؛ كتاجر، وأسير عند من ليست عادته القتل، ونحوه، و (لَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ) أهو حي أو ميت، مع وجود النفقة لها؛ (فَلَا فَسْخَ) للنكاح (لِذَلِكَ بِحَالٍ) أي: ولو تضررت الزوجة بترك النكاح؛ لأنه يمكن أن يكون له عذر. واختيار شيخ الإسلام: أنها إذا تضررت بترك الوطء فلها حق الفسخ، وتقدم قريبًا. - مسألة: (وَحَرُمَ جَمْعُ زَوْجَتَيْهِ) أو بينهن وبين إمائه (بِمَسْكَنٍ وَاحِدٍ)؛

стр. 1292

لأن عليهما ضررًا في ذلك؛ لما بينهما من الغيرة، واجتماعهما يثير الخصومة، (مَا لَمْ يَرْضَيَا) بذلك، فإن رضيا جاز؛ لأن الحق لا يعدوهن فلهن المسامحة به. فإن أسكنهما دارًا واحدة كل واحدة منهما في بيت؛ جاز إذا كان بيت كل واحدة منهما مسكن مثلها؛ لأنه لا جمع في ذلك. - مسألة: (وَلَهُ) أي: للزوج (مَنْعُهَا) أي: منع زوجته (مِنَ الخُرُوجِ) من منزله إلى ما لها منه بد، واختاره شيخ الإسلام، ولو لزيارة أبويها، أو عيادتهما؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ» [البخاري: ٩٠٠، ومسلم: ٤٤٢]، فدل أنه يمنعها من غير المسجد، ولأن حق الزوج واجب، فلا يجوز تركه بما ليس بواجب. قال ابن قدامة: (ولكن لا ينبغي للزوج منعها من عيادة والديها وزيارتهما؛ لأن في ذلك قطيعة لهما، وحَمْلًا لزوجته على مخالفته، وقد أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف، وليس هذا من المعاشرة بالمعروف).

стр. 1293

فصل في القَسْم وهو: توزيع الزمان على زوجاته إن كُنَّ ثنتين فأكثر. - مسألة: (وَ) يجب (عَلَى) زوج (غَيْرِ طِفْلٍ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ زَوْجَاتٍ)، والتسوية تكون في أمور: الأمر الأول: التسوية بينهن (فِي القَسْمِ) إذا كنَّ حرائر كلهن، أو كن إماء كلهن: وهو واجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وتمييز إحداهما ميل، وليس مع الميل معروف، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا؛ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» [أبو داود: ٢١٣٣]. الأمر الثاني: التسوية بينهن في الوطء، وأشار إليه بقوله: (لَا) يجب التسوية بينهن (فِي وَطْءٍ) ودواعيه، اتفاقًا؛ لأن ذلك طريقة الشهوة والميل، ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك، ويستحب؛ لأنه أبلغ في العدل بينهن. واختار ابن عثيمين: أنه يجب عليه أن يساوي بينهن في الوطء إذا قدر؛ لأن علة المنع من وجوب العدل في الوطء بأن ذلك أمر لا يمكنه العدل فيه، فإذا أمكنه زالت العلة، وبقي الحكم على العدل.

стр. 1294

(وَ) الأمر الثالث: التسوية بينهن في النفقة والكسوة، وأشار إليه بقوله: ولا تجب التسوية في (كِسْوَةٍ، وَنَحْوِهِمَا) أي: نحو الوطء والكسوة من النفقات، (إِذَا قَامَ) الزوج (بِالوَاجِبِ) من النفقة لكل واحدة من زوجاته؛ لأن التسوية في هذا كله تَشُقُّ، فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج، فسقط وجوبه؛ كالتسوية في الوطء، ويستحب؛ لأنه أبلغ في العدل بينهن. واختار شيخ الإسلام: وجوب التسوية بينهن في النفقة والكسوة؛ لدخوله في العدل المأمور به. والأمر الرابع: التسوية بينهن في الهبة: لا يجب؛ لأن الواجب هو الإنفاق، وقد قام به. واختار ابن عثيمين: أنه يجب عليه العدل في الهبة؛ لأن ترك العدل في الهبة يوقعه في الميل المحرم، مع قدرته على تركه. والأمر الخامس: التسوية بينهن في المحبة: لا يجب؛ وفيه أنزل الله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ قال شيخ الإسلام: (أي: في الحب والجماع)، ولحديث عائشة ﵁ قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» [أبو داود: ٢١٣٤]. - مسألة: (وَعِمَادُهُ) أي: القسم، (اللَّيْلُ)، وذلك لمن معاشه في النهار اتفاقًا؛ لأنه يأوي فيه الإنسان إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام على فراشه

стр. 1295

مع زوجته عادة، والنهار للمعاش، قال الله تعالى: ﴿وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١]. (إِلَّا فِي حَارِسٍ، وَنَحْوِهِ) ممن معاشه في الليل، (فَـ) إن عماده (النَّهَارُ)، ويكون النهار في حقه كالليل في حق غيره؛ لأن النهار محل سكنه. - مسألة: يكون القسم ليلة ليلة؛ لأنه إن قسم ليلتين ليلتين أو أكثر من ذلك كان في ذلك تأخير لحق من لها الليلة الثانية للتي قبلها، إلا أن يرضين بالقسم أكثر من ليلة وليلة ; لأن الحق لا يعدوهن. - فرع: (وَزَوْجَةٌ أَمَةٌ) في القسم مع زوجة حرة (عَلَى النِّصْفِ مِنْ) زوجة (حُرَّةٍ)، فلها مع الحرة ليلة من ثلاث ليال؛ لقول علي ﵁: «إِذَا تَزَوَّجَ الحُرَّةَ عَلَى الأَمَةِ، قَسَمَ لِهَذِهِ يَوْمًا، وَلِهَذِهِ يَوْمَيْنِ» [ابن أبي شيبة: ١٦٠٩٠، واحتج به أحمد]، ولأن الحرة يجب تسليمها ليلًا ونهارًا، فكان حقها في الإيواء أكثر. (وَ) يقسم من تحته (مُبَعَّضَةٌ بِالحِسَابِ)، بأن يجعل لحريتها بحساب ما للحرة، ولِرِقِّها بحساب ما للأمة، فإن كان نصفها حرًّا: فلها ثلاث ليال وللحرة أربع؛ لأنا نجعل لجزئها الرقيق ليلة، فيكون لما يقابله من الحرة ليلتان ضعف ذلك، ويجعل لجزئها الحر ليلتين، فيكون لما يقابله من الحرة ليلتان مثل ذلك.

стр. 1296

- مسألة: (وَ) يسقط القَسْم والنفقة عن المرأة بأمور، منها: ١ - (إِنْ أَبَتِ) الزوجة (المَبِيتَ مَعَهُ) في فراشه: فلا قسم لها ولا نفقة؛ لأنها عاصية كالناشز. ٢ - (أَوْ) أبت الزوجة (السَّفَرَ) معه: فلا قسم لها ولا نفقة؛ لما تقدم. ٣ - (أَوْ سَافَرَتْ) الزوجة، ولا يخلو سفرها من قسمين: الأول: أن تسافر بدون إذن الزوج: فيسقط قسمها ونفقتها؛ لأنها عاصية بذلك، فهي كالناشز. الثانية: أن تسافر بإذن الزوج، ولا يخلو من ثلاث حالات: أ) أن تسافر (فِي حَاجَتِهَا: سَقَطَ قَسْمُهَا وَنَفَقَتُهَا) ولو بإذن الزوج؛ لتعذر الاستمتاع من جهتها. واختار ابن عثيمين: أنها إن سافرت بإذنه فإن قَسْمها يسقط؛ لأنها اختارت ذلك بسفرها، وأما نفقتها فلا تسقط؛ لأن الزوج أسقط حقه بإذنه في سفرها، فلا يسقط حقها هي بذلك. ب) أن تسافر لحاجة الزوج: فلا يسقط حقها من نفقة ولا قسم؛ لأن تعذر استمتاعه بسبب من جهته، ويقضي لها بحسب ما أقام عند ضرتها؛ ليسوِّيَ بينهما.

стр. 1297

ت) أن تسافر لحاجة أجنبي: فإنه يسقط حقها من القَسم والنفقة؛ لأن الامتناع إنما جاء من جهتها. وتقدم كلام ابن عثيمين في سقوط القسم وعدم سقوط النفقة. - مسألة: (وَإِنْ تَزَوَّجَ بِكْرًا) ومعه غيرها؛ (أَقَامَ عِنْدَها) أي: عند البكر (سَبْعًا) أي: سبع ليالٍ، ولو كانت البكر أمة والأخريات حرائر؛ لعموم ما يأتي، ثم دار، (أَوْ) تزوج (ثَيِّبًا؛ أَقَامَ) عندها (ثَلَاثًا) أي: ثلاث ليال (ثُمَّ دَارَ) أي: إذا انتهت مدة إقامته عند الجديدة، عاد إلى القَسْم بين زوجاته كما كان قبل أن يتزوج الجديدة، ودخلت الجديدة بينهن، فصارت آخرهن نوبة؛ لقول أنس ﵁: «السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا» [البخاري: ٥٢١٣، ومسلم: ١٤٦١]، وخُصّت البكر بزيادة؛ لأن حياءها أكثر، والثلاث مدة معتبرة في الشرع، والسبعة؛ لأنها أيام الدنيا وما زاد عليها يتكرر، وحينئذ ينقطع الدور. - فرع: إن أحبت الثيب أن يقيم الزوج عندها سبعًا؛ فعل وقضى للبواقي من ضراتها سبعًا سبعًا؛ لما روت أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ لما تزوجها أقام عندها ثلاثًا، وقال: «إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ، سَبَّعْتُ لِنِسَائِي» [مسلم: ١٤٦٠].

стр. 1298

فصل في النشوز مأخوذ من النَّشَز: وهو ما ارتفع من الأرض، فكأنها ارتفعت وتعالت عما فرض عليها من المعاشرة بالمعروف. - مسألة: (وَالنُّشُوزُ حَرَامٌ)؛ لقوله تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن) الآية. - فرع: (وَهُوَ) أي: النشوز: (مَعْصِيَتُهَا إِيَّاهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا) طاعته فيه؛ لأنها مأمورة بطاعة زوجها في غير معصية الله تعالى؛ وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا؛ لَعَنَتْهَا المَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» [البخاري: ٣٢٣٧، ومسلم: ١٤٣٦]. - مسألة: (فَمَتَى ظَهَرَ أَمَارَتُهُ) أي: النشوز، بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تجيبه وهي متثاقلة أو متكرهة، أو تخرج بدون إذنه، أو يختل أدبها في حقه، ونحو ذلك، فإنه يعالج ذلك النشوز بمراتب: المرتبة الأولى: (وَعَظَهَا) أي: خوَّفها الله تعالى وذكَّرها ما أوجب الله عليها من الحق والطاعة، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة؛ لقوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن﴾ [النساء: ٣٤].

стр. 1299

المرتبة الثانية: (فَإِنْ أَصَرَّتْ) على النشوز بعد وعظها: (هَجَرَهَا فِي المَضْجَعِ) أي: يهجر فراشها فلا يضاجعها فيه، (مَا شَاءَ)؛ حتى ترجع إلى الطاعة؛ للإطلاق في قوله تعالى: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ [النساء: ٣٤]، قال ابن عباس ﵄: «لَا تُضَاجِعْهَا فِي فِرَاشِكَ» [تفسير ابن أبي حاتم: ٥٢٧١، وفيه ضعف]، ولحديث أم سلمة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا» [البخاري: ١٩١٠]. واختار ابن عثيمين: أن الهجر في المضجع يكون على ثلاث مراتب: ١ - أن لا ينام في حجرتها، وهذا أشد شيء. ٢ - أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الأول. ٣ - أن ينام معها في الفراش، ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا أهونها. ويبدأ بالأهون فالأهون؛ لأن ما كان المقصود به المدافعةَ فالواجب البداءة بالأسهل فالأسهل؛ كالصائل. - فرع: (وَ) هجرها (فِي الكَلَامِ ثَلَاثاً) أي: ثلاثة أيام فقط؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ» [البخاري: ٦٠٦٥، ومسلم: ٢٥٥٨]. واختار ابن عثيمين: أن الهجر إلى ثلاث جائز، وفوق الثلاث حرام إلا

стр. 1300

لمصلحة، وعليه تحمل قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك. المرتبة الثالثة: (فَإِنْ أَصَرَّتْ) بعد الهجر المذكور: (ضَرَبَهَا)؛ لقوله تعالى: ﴿واضربوهن﴾ [النساء: ٣٤]، ويكون الضرب للزوجة الناشز، وللابن، وغيره ممن يباح ضربه بشروط: ١ - أن يكون الضرب (غَيْرَ شَدِيدٍ)؛ لحديث عبد الله بن زَمْعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ اليَوْمِ» [البخاري: ٥٢٠٤]. ٢ - أن يجتنب فيه الوجه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ» [البخاري: ٢٥٥٩، ومسلم: ٢٦١٢]. ٣ - أن يجتنب فيه المقاتل والمواضع المخوفة والمستحسنة؛ لئلا يهلكه أو يشوهها. ٤ - ألا يزيد على عشرة أسواط؛ لحديث أبي بردة الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ» [البخاري: ٦٨٥٠، ومسلم: ١٧٠٨]. واختار ابن عثيمين: أن له الزيادة على عشرة أسواط تبعًا للمصلحة والزجر؛ والمراد بقوله في الحديث: «إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ»: تركُ الواجب أو فعلُ المحرم؛ لأن الله تعالى سمى المحرمات حدودًا، فقال: (تلك حدود الله فلا تقربوها)، وسمى الواجبات حدودًا، فقال:
следующие страницы →