- مسألة: (وَ) يسقط القَسْم والنفقة عن المرأة بأمور، منها:
١ - (إِنْ أَبَتِ) الزوجة (المَبِيتَ مَعَهُ) في فراشه: فلا قسم لها ولا نفقة؛ لأنها عاصية كالناشز.
٢ - (أَوْ) أبت الزوجة (السَّفَرَ) معه: فلا قسم لها ولا نفقة؛ لما تقدم.
٣ - (أَوْ سَافَرَتْ) الزوجة، ولا يخلو سفرها من قسمين:
الأول: أن تسافر بدون إذن الزوج: فيسقط قسمها ونفقتها؛ لأنها عاصية بذلك، فهي كالناشز.
الثانية: أن تسافر بإذن الزوج، ولا يخلو من ثلاث حالات:
أ) أن تسافر (فِي حَاجَتِهَا: سَقَطَ قَسْمُهَا وَنَفَقَتُهَا) ولو بإذن الزوج؛ لتعذر الاستمتاع من جهتها.
واختار ابن عثيمين: أنها إن سافرت بإذنه فإن قَسْمها يسقط؛ لأنها اختارت ذلك بسفرها، وأما نفقتها فلا تسقط؛ لأن الزوج أسقط حقه بإذنه في سفرها، فلا يسقط حقها هي بذلك.
ب) أن تسافر لحاجة الزوج: فلا يسقط حقها من نفقة ولا قسم؛ لأن تعذر استمتاعه بسبب من جهته، ويقضي لها بحسب ما أقام عند ضرتها؛ ليسوِّيَ بينهما.
стр. 1297
ت) أن تسافر لحاجة أجنبي: فإنه يسقط حقها من القَسم والنفقة؛ لأن الامتناع إنما جاء من جهتها.
وتقدم كلام ابن عثيمين في سقوط القسم وعدم سقوط النفقة.
- مسألة: (وَإِنْ تَزَوَّجَ بِكْرًا) ومعه غيرها؛ (أَقَامَ عِنْدَها) أي: عند البكر (سَبْعًا) أي: سبع ليالٍ، ولو كانت البكر أمة والأخريات حرائر؛ لعموم ما يأتي، ثم دار، (أَوْ) تزوج (ثَيِّبًا؛ أَقَامَ) عندها (ثَلَاثًا) أي: ثلاث ليال (ثُمَّ دَارَ) أي: إذا انتهت مدة إقامته عند الجديدة، عاد إلى القَسْم بين زوجاته كما كان قبل أن يتزوج الجديدة، ودخلت الجديدة بينهن، فصارت آخرهن نوبة؛ لقول أنس ﵁: «السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا» [البخاري: ٥٢١٣، ومسلم: ١٤٦١]، وخُصّت البكر بزيادة؛ لأن حياءها أكثر، والثلاث مدة معتبرة في الشرع، والسبعة؛ لأنها أيام الدنيا وما زاد عليها يتكرر، وحينئذ ينقطع الدور.
- فرع: إن أحبت الثيب أن يقيم الزوج عندها سبعًا؛ فعل وقضى للبواقي من ضراتها سبعًا سبعًا؛ لما روت أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ لما تزوجها أقام عندها ثلاثًا، وقال: «إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ، سَبَّعْتُ لِنِسَائِي» [مسلم: ١٤٦٠].
стр. 1298
فصل في النشوز
مأخوذ من النَّشَز: وهو ما ارتفع من الأرض، فكأنها ارتفعت وتعالت عما فرض عليها من المعاشرة بالمعروف.
- مسألة: (وَالنُّشُوزُ حَرَامٌ)؛ لقوله تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن) الآية.
- فرع: (وَهُوَ) أي: النشوز: (مَعْصِيَتُهَا إِيَّاهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا) طاعته فيه؛ لأنها مأمورة بطاعة زوجها في غير معصية الله تعالى؛ وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا؛ لَعَنَتْهَا المَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» [البخاري: ٣٢٣٧، ومسلم: ١٤٣٦].
- مسألة: (فَمَتَى ظَهَرَ أَمَارَتُهُ) أي: النشوز، بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تجيبه وهي متثاقلة أو متكرهة، أو تخرج بدون إذنه، أو يختل أدبها في حقه، ونحو ذلك، فإنه يعالج ذلك النشوز بمراتب:
المرتبة الأولى: (وَعَظَهَا) أي: خوَّفها الله تعالى وذكَّرها ما أوجب الله عليها من الحق والطاعة، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة؛ لقوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن﴾ [النساء: ٣٤].
стр. 1299
المرتبة الثانية: (فَإِنْ أَصَرَّتْ) على النشوز بعد وعظها: (هَجَرَهَا فِي المَضْجَعِ) أي: يهجر فراشها فلا يضاجعها فيه، (مَا شَاءَ)؛ حتى ترجع إلى الطاعة؛ للإطلاق في قوله تعالى: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ [النساء: ٣٤]، قال ابن عباس ﵄: «لَا تُضَاجِعْهَا فِي فِرَاشِكَ» [تفسير ابن أبي حاتم: ٥٢٧١، وفيه ضعف]، ولحديث أم سلمة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا» [البخاري: ١٩١٠].
واختار ابن عثيمين: أن الهجر في المضجع يكون على ثلاث مراتب:
١ - أن لا ينام في حجرتها، وهذا أشد شيء.
٢ - أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الأول.
٣ - أن ينام معها في الفراش، ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا أهونها.
ويبدأ بالأهون فالأهون؛ لأن ما كان المقصود به المدافعةَ فالواجب البداءة بالأسهل فالأسهل؛ كالصائل.
- فرع: (وَ) هجرها (فِي الكَلَامِ ثَلَاثاً) أي: ثلاثة أيام فقط؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ» [البخاري: ٦٠٦٥، ومسلم: ٢٥٥٨].
واختار ابن عثيمين: أن الهجر إلى ثلاث جائز، وفوق الثلاث حرام إلا
стр. 1300
لمصلحة، وعليه تحمل قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك.
المرتبة الثالثة: (فَإِنْ أَصَرَّتْ) بعد الهجر المذكور: (ضَرَبَهَا)؛ لقوله تعالى: ﴿واضربوهن﴾ [النساء: ٣٤]، ويكون الضرب للزوجة الناشز، وللابن، وغيره ممن يباح ضربه بشروط:
١ - أن يكون الضرب (غَيْرَ شَدِيدٍ)؛ لحديث عبد الله بن زَمْعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ اليَوْمِ» [البخاري: ٥٢٠٤].
٢ - أن يجتنب فيه الوجه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ» [البخاري: ٢٥٥٩، ومسلم: ٢٦١٢].
٣ - أن يجتنب فيه المقاتل والمواضع المخوفة والمستحسنة؛ لئلا يهلكه أو يشوهها.
٤ - ألا يزيد على عشرة أسواط؛ لحديث أبي بردة الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ» [البخاري: ٦٨٥٠، ومسلم: ١٧٠٨].
واختار ابن عثيمين: أن له الزيادة على عشرة أسواط تبعًا للمصلحة والزجر؛ والمراد بقوله في الحديث: «إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ»: تركُ الواجب أو فعلُ المحرم؛ لأن الله تعالى سمى المحرمات حدودًا، فقال: (تلك حدود الله فلا تقربوها)، وسمى الواجبات حدودًا، فقال:
стр. 1301
(تلك حدود الله فلا تعتدوها)، والنشوز داخل في ذلك.
- مسألة: (وَلَهُ) أي: للزوج (أَيْضاً ضَرْبُهَا) وتأديبها (عَلَى تَرْكِ فَرَائِضِ اللهِ تَعَالى)؛ قال علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ [التحريم: ٦]، قال: «عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمُ الخَيْرَ» [الحاكم: ٣٨٢٦]، ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «عَلِّقُوا السَّوْطَ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُ الْبَيْتِ؛ فَإِنَّهُ لَهُمْ أَدَبٌ» [الطبراني في المعجم الكبير: ١٠٦٧١].
ولا يؤدبها في حادث متعلق بحق الله تعالى؛ كسحاق؛ لأنها وظيفة الحاكم.
стр. 1302
(بَابُ الخُلْعِ)
وهو فراق الزوجة بعوض بألفاظ مخصوصة، سمي بذلك؛ لأن المرأة تخلع نفسها من الزوج كما تخلع اللباس، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وفائدته: تخليصها من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها.
- مسألة: حكم الخلع لا يخلو من أقسام:
القسم الأول: (يُبَاحُ) الخلع (لِسُوءِ عِشْرَةٍ) بين الزوجين (١) بأن صار كلًّا منهما كارهاً للآخر لا يحسن صحبته، (وَ) يباح لـ (بِغْضَةِ) زوجها، تخشى أن لا تقيم حدود الله في حقه، (وَ) يباح لـ (كِبَرٍ، وَقِلَّةِ دِينٍ)، ونحو ذلك، وخافت إثمًا بترك حقه، فيباح لها أن تخالعه على عوض تفتدي به نفسها منه؛ لقوله
стр. 1303
تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولحديث ابن عباس ﵄ الآتي.
- فرع: يسن للزوج إجابتها في الخلع؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس، ما أعتِبُ عليه في خُلُق ولا دِين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ » قالت: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» [البخاري ٥٢٧٣].
واختار ابن عثيمين: أنه يجب؛ لحديث ابن عباس السابق، حيث أمره بفراقها، والأمر يفيد الوجوب، ولأن بقاءها معه في هذه الحال يحدث عداوة بين الطرفين.
قال في الفروع: (واختلف كلام شيخنا -أي: شيخ الإسلام - في وجوبه).
- فرع: يباح الخلع في الصورة السابقة إلا أن يكون الزوج له إليها ميل ومحبة، فيستحب صبرها وعدم افتدائها منه؛ دفعًا لضرره، قال أحمد: (ينبغي لها أن لا تختلع منه وأن تصبر).
واختار شيخ الإسلام: كراهة الخلع مع محبة الزوج لها (١).
стр. 1304
(وَ) القسم الثاني: (يُكْرَهُ) الخلع (مَعَ اسْتِقَامَةِ) الحال بين الزوجين، ويقع، أما الكراهة؛ فلحديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ؛ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الجَنَّةِ» [أحمد ٢٢٣٧٩، وأبوداود ٢٢٢٦، والترمذي ١١٨٧، وابن ماجه ٢٠٥٥]، ولأنه عبث، وأما الصحة؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ [النساء: ٤].
وعنه، ومال إليه ابن قدامة، واختاره ابن عثيمين: يحرم، ولا يصح؛ لقول الله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾، فاشترط لإباحة الخلع الخوف من عدم إقامة حدود الله، وإلا فلا يباح، ولحديث ثوبان السابق، ولأنه إضرار بها وبزوجها، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة، وإذا قلنا بأنه يحرم فإنه لا يقع؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [مسلم ١٧١٨]، وأما قوله تعالى: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا)، فإنه ليس في حال الخلع، بل في جواز ترك المرأة بعض صداقها.
стр. 1305
قال شيخ الإسلام: (الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة: أن تكون المرأة كارهة للزوج تريد فراقه، فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها، كما يفتدي الأسير، وأما إذا كان كل منهما مريدًا لصاحبه، فهذا الخلع محدث في الإسلام).
والقسم الثالث: يحرم الخلع ولا يصح: وذلك إذا عضلها بضرب أو تضييق أو نحوهما، ظلمًا لتفتدي منه، ولم يكن عَضْله إياها لزناها، أو نشوزها، أو تركها فرضًا، فافتدت به، واختاره شيخ الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، ولأنه عوض أُكرهت على بذله بغير حق، فلم يستحقه آخذه؛ كالثمن في البيع.
فإن عضلها الزوج لتفتدي منه بسبب زناها، أو نشوزها، أو تركها فرضاً؛ كصلاة أو صوم؛ جاز وصح؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [الطلاق: ١]، والاستثناء من النهي إباحة، ولأنه لا يؤمن أن تُلحق به ولدًا من غيره، وقيس الباقي عليه.
- مسألة: (وَهُوَ) أي: الخلع لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون (بِلَفْظِ خُلْعٍ، أَوْ فَسْخٍ، أَوْ مُفَادَاةٍ)، بأن قال: خلعت، أو: فسخت، أو: فاديت، ولم ينو به الطلاق: فهو (فَسْخٌ)، ولو لم ينو الفسخ؛ لأنها ألفاظ صريحة فيه، ولا ينقص به عدد الطلاق؛ لقوله
стр. 1306
تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾، ثم قال: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾، ثم قال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فذكر تطليقتين، والخلع، وتطليقة بعدها، فلو كان الخلع طلاقًا لكان أربعًا، واحتج بذلك ابن عباس ﵄ [عبدالرزاق ١١٧٧١]، ولأن الخلع فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته، فكانت فسخًا كسائر الفسوخ.
وأما ما روي عن عثمان وعلي وابن مسعود ﵃ من أنه طلقة بائنة بكل حال [عبدالرزاق ٦/ ٤٨١ وما بعدها]؛ فقد ضعفه أحمد، وقال: (ليس لنا في الباب شيء أصحَّ من حديث ابن عباس ﵄ أنه فسخ).
(وَ) الأمر الثاني: أن يكون (بِلَفْظِ) صريحِ (طَلَاقٍ، أَوْ نِيَّتِهِ) أي: نية الطلاق، (أَوْ كِنَايَتِهِ) أي: كناية الطلاق وقصده به الطلاق: فهو (طَلْقَةٌ)؛ لأنه نوى الطلاق، وتكون (بَائِنَةً)؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وإنما يكون فداء إذا خرجت من قبضته وسلطانه، ولو لم يكن بائنًا لملك الرجعة، وكانت تحت حكمه وقبضته، ولأن القصد إزالة الضرر عنها، فلو جازت الرجعة لعاد الضرر.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام، وجعله قول قدماء أصحاب أحمد: أنه خلع ولو كان بلفظ الطلاق وكنايته؛ لقول ابن عباس ﵄: «كُلُّ شَيْءٍ أَجَازَهُ المَالُ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ» [عبدالرزاق ١١٧٧٠]، ولحديث ابن عباس ﵄ السابق في امرأة ثابت بن قيس: «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»، فذكر الطلاق في
стр. 1307
معرض الخلع، فدل على أن الخلع يقع بلفظ الطلاق، ولأن الاعتبار في العقود بمقاصدها ومعانيها لا بألفاظها، قال ابن القيم: (وهو مذهب ابن عباس وعثمان وابن عمر والرُّبَيِّع وعمها ﵃، ولا يصح عن صحابي أنه طلاق البتة).
- مسألة: (وَلَا يَصِحُّ) الخلع (إِلَّا بِعِوَضٍ يُبْذَلُ لِزَوْجٍ)؛ لأن العوض ركن فيه، لقوله تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)، فلا يصح تركه؛ كالثمن في البيع، ولأنه لا يملك فسخ النكاح لغير مقتضٍ يبيحه.
فإن خالعها بغير عوض، فلا يخلو من حالين:
١ - أن يكون بلفظ طلاق أو نيته: فيقع طلاقًا رجعيًّا؛ لأنه طلاق لا عوض فيه، فكان رجعيًّا كغيره، ولأنه يصلح كناية عن الطلاق.
٢ - ألا يكون بلفظ الطلاق ولا نيته: لم يقع خلع ولا طلاق؛ لأن الشيء إذا لم يكن صحيحًا لم يترتب عليه شيء؛ كالبيع الفاسد.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يصح الخلع بغير عوض؛ قال شيخ الإسلام: (وهذا القول له مأخذان:
أحدهما: أن الرجعة حق للزوجين، فإذا تراضيا على إسقاط الرجعة سقطت.
стр. 1308
والثاني: أن ذلك فرقة بعوض؛ لأنها رضيت بترك النفقة والسكنى، ورضي هو بترك ارتجاعها.
- مسألة: ما صح مهراً من عين مالية أو منفعة مباحة؛ صح الخلع به؛ لعموم قوله تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به).
- فرع: (وَيُكْرَهُ) خلع زوجة (بِأَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا)؛ لحديث ثابت بن قيس، وفيه قال النبي ﷺ : «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ الَّتِي أَعْطَاكِ؟ »، قالت: نعم وزيادة، فقال النبي ﷺ : «أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا، وَلَكِنْ حَدِيقَتُهُ» [الدارقطني ٣٦٢٩]، وعن علي بن أبي طالب: «أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا» [مصنف ابن أبي شيبة ١٨٥٢٣].
ويصح الخلع، ولا يحرم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولقول الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ لزوجها: «أختلع منك بكل شيء أملكه، فقال: نعم، قلت: ففعلت، فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان، فأجاز الخلع، قالت: وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه» [عبدالرزاق ١١٨٥٠]، ونحوه عن ابن عمر ﵁ [عبدالرزاق ١١٨٥٢].
- مسألة: (وَيَصِحُّ بَذْلُهُ) أي: عوض الخلع (مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ)، وهو الحر الرشيد غير المحجور عليه لسفه أو صغر أو جنون، فإن بذل عوض الخلع من لا يصح تبرعه كالمحجور عليه لسفه أو صغر أو جنون لم يصح الخلع؛ لأنه تصرف في المال وليس من أهله، فلم يصح كالهبة.
стр. 1309
أما المحجور عليه لفلس فيصح بذله عوض الخلع؛ لأنه يصح الخلع منها على مال في ذمتها لا في عين مالها؛ لصحة تصرفها في ذمتها.
- مسألة: يصح بذل العوض (مِنْ زَوْجَةٍ وَأَجْنَبِيٍّ)، اتفاقاً؛ لأنه بذل مال في مقابلة ما ليس بمال ولا منفعة، فصار كالمتبرع.
وقال شيخ الإسلام في خلع الأجنبي: (ينبغي أن يكون ذلك مشروطًا بما إذا كان قصده تخليصها من رق الزوج لمصلحتها).
وقال ابن عثيمين: خلع الأجنبي لا يخلو من أربعة أقسام:
١ - أن يكون لمصلحة الزوج: فيجوز؛ لما فيه من الإحسان إلى الغير.
٢ - أن يكون لمصلحة الزوجة: فيجوز؛ لما تقدم.
٣ - أن يكون بقصد الإضرار: فهو حرام؛ لأنه عدوان وظلم.
٤ - أن يكون لمصلحة غير الزوجين، سواء الأجنبي نفسه أو غيره: فهو حرام؛ لأنه عدوان، ولأن فيه إفساد المرأة على زوجها.
- مسألة: (وَيَصِحُّ) الخلع (بِمَجْهُولٍ)؛ كما لو خالعته على ما في بيتها أو يدها من دراهم، (وَ) يصح الخلع بـ (مَعْدُومٍ) ينتظر وجوده؛ كما لو خالعته على ما تحمل شجرتها؛ لأن الخلع إسقاط لحقه من البُضع، وليس فيه تمليك شيء، والإسقاط تدخله المسامحة، ولذلك جاز بغير عوض على رواية.
стр. 1310
فإن لم يحصل منه شيء؛ وجب فيه أقل ما يطلق عليه الاسم من هذه الأشياء؛ لصدق الاسم عليه.
- مسألة: (لَا) يصح الخلع (بِلَا عِوَضٍ)، وسبق.
- مسألة: الخلع بعوض محرم لا يخلو من أمرين:
الأول: إن كان المتخالعان يعلمان أنه محرم، فقال ﵀: (وَلَا) يصح الخلع (بِـ) عوض (مُحَرَّمٍ) يعلمانه؛ كالخمر والخنزير، ويكون لغواً؛ لخلوه عن العوض؛ كالخلع بلا عوض؛ لأن الخلع على ذلك مع العلم بتحريمه يدل على رضا فاعله بغير شيء.
ويقع طلاقاً رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيته طلاق؛ لأن الخلع من كنايات الطلاق، فإذا نواه به وقع، وقد خلا عن العوض فكان رجعيًّا، فإن لم ينو به طلاقًا؛ فلغو.
واختار شيخ الإسلام: أنه يصح خلعاً، وله مهر المثل، كما لو كان النكاح بمهر محرم؛ فإنه يثبت مهر المثل، فكذا الخلع وأولى.
والثاني: إن كان المتخالعان يجهلان كونه محرمًا، بأن لم يعلما أنه خمر أو خنزير؛ صح الخلع، وكان للزوج بدله، أي: مثل المثلي وقيمة المتقوم، كما لو خالعها على عبد فبان حرًّا، أو على خلٍّ فبان خمرًا؛ صح الخلع، وللزوج قيمة العبد ومثل الخل؛ لأن الخلع معاوضة بالبضع، فلا يفسد بفساد العوض؛ كالنكاح.
стр. 1311
- مسألة: (وَلَا) يصح الخلع ويحرم إن كان (حِيلَةً لِإِسْقَاطِ) يمين (طَلَاقٍ)، أي: فرارًا من وقوع الطلاق المعلق على مستقبل؛ لأن الحيل خداع لا تُحل ما حرم الله.
مثاله: لو قال لزوجته: أنت طالق إذا دخل رمضان، فخالعها قبل رمضان، ليدخل رمضان وهي ليست بزوجة له؛ فلا يقع الطلاق، ثم يرجع فيتزوجها بعد رمضان، فإن الخلع لا يصح، ويحنث بدخول رمضان.
قال شيخ الإسلام: (وخلع الحيلة لا يصح على الأصح، كما لا يصح نكاح المحلل؛ لأنه ليس المقصود به الفرقة، وإنما يقصد به بقاء المرأة مع زوجها، كما يقصد بنكاح المحلل أن يطلقها لتعود إلى الأول، والعقد لا يقصد به نقيض مقصوده، وإذا لم يصح لم تبن به الزوجة).
فصل في تعليق طلاقها أو خلعها أو تنجيزه
- مسألة: الطلاق المعلق بعوض، والطلاق المنجز بعوض؛ كالخلع، يقع بائناً؛ لأن القصد إزالة الضرر عنها، ولو جازت رجعتها لعاد الضرر.
- مسألة: (وَإِذَا قَالَ) الزوج لزوجته: (مَتَى) أعطيتني ألفًا فأنت طالق، (أَوْ) قال: (إِذَا) أعطيتني ألفًا فأنت طالق، (أَوْ) قال: (إِنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفاً فَأَنْتِ طَالِقٌ)؛ ترتب على ذلك أمران:
стр. 1312
الأول: أن الشرط لازم في حقه، ولا يمكنه إبطاله؛ كسائر التعاليق.
وعند شيخ الإسلام: أن التعليق لا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون التعليق على شرط محض؛ كقوله: إن قدم زيد فأنت طالق، فليس له إبطاله.
٢ - أن يكون التعليق يقصد به إيقاع الجزاء؛ كما لو علقه على عوض، بأن قال إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق: فلا يلزم قبل قبول المرأة؛ قياساً على عقد الكتابة، قال ﵀: (التعليق الذي يقصد به إيقاع الجزاء: إن كان معاوضة، فهو معاوضة، ثم إن كانت لازمة، فلازم، وإلا فلا، فلا يلزم الخلع قبل القبول، ولا الكتابة، وقول من قال: التعليق لازم؛ دعوى مجردة).
والثاني: (طَلُقَتْ) الزوجة طلاقاً بائنًا (بِعَطِيَّتِهِ) الألف؛ لوجود المعلق عليه، (وَلَوْ تَرَاخَتِ) العطية؛ لأنه علَّق الطلاق بشرط فكان على التراخي؛ كسائر التعاليق.
- مسألة: (وَإِنْ قَالَتْ) الزوجة: (اخْلَعْنِي بِأَلْفٍ، أَوْ) قالت: اخلعني (عَلَى أَلْفٍ)، أو قالت: اخلعني ولك ألف؛ (فَفَعَلَ) أي: خلعها؛ (بَانَتِ) الزوجة بذلك؛ لأن الباء للمقابلة، و (على) في معناها، ولو لم يذكر الألف؛ لأن السؤال كالمعاد في الجواب، (وَاسْتَحَقَّهَا) أي: استحق الزوج الألف؛ لأنه فعل ما جعلت الألف في مقابلته.
стр. 1313
- فرع: يشترط أن يجيبها على الفور، وإلا لم يكن جوابًا لسؤالها، فيكون خلعاً بلا عوض.
وقيل: لا تشترط الفورية، بل يكون على التراخي؛ لأن قولها: اخلعني على ألف، ليس مقيداً بالحاضر.
- فرع: للزوجة الرجوع عما قالته لزوجها قبل إجابته؛ لأنه إنشاء منها على سبيل المعاوضة، فلها الرجوع قبل تمامه بالجواب؛ كالبيع.
- مسألة: (وَلَيْسَ لَهُ) أي: لأب (خَلْعُ زَوْجَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ)، أو المجنون، (وَلَا طَلَاقُهَا)؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» [ابن ماجه ٢٠٨١]، والخلع في معناه.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: له ذلك إن رأى المصلحة، وذكر شيخ الإسلام: أنها ظاهر المذهب؛ لأن ابن عمر طَلَّق على ابن له معتوه، وروي عن عمر ﵁: «إِذَا عَبَثَ المَعْتُوهُ بِامْرَأَتِهِ أُمِرَ وَلِيُّهُ أَنْ يُطَلِّقَ» [الدارقطني ٤٠٥٤].
- مسألة: (وَلَا) يجوز للأب خلع (ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ)، أو المجنونة، أو السفيهة (بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا)، ولا طلاقها بشيء من مالها؛ لأنه إنما يملك التصرف بما لها فيه الحظ، وليس في هذا حظ، بل فيه إسقاط حقها الواجب لها.
стр. 1314
فإن بذل العوض من ماله؛ صح؛ كالأجنبي.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: للأب أن يخالع عن ابنته الصغيرة بشيء من مالها للمصلحة؛ قياساً على تخليصها ممن يُتْلِف مالها، ويخاف منه على نفسها وعقلها، ولأنها إذا طلقت قبل الدخول فللأب أن يعفو عن نصف الصداق، إذ هو الذي بيده عقدة النكاح، فهذا أولى.
مسألة: (وَإِنْ عَلَّقَ) الزوج (طَلَاقَهَا عَلَى صِفَةٍ)؛ كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، (ثُمَّ أَبَانَهَا)، بخلع أو طلقة أو ثلاث، (فَوُجِدَتِ) الصفة حال بينونتها (أَوْ لَا) أي: لم توجد الصفة حال بينونتها، (ثُمَّ نَكَحَهَا) أي: عقد عليها، (فَوُجِدَتِ) الصفة بعده، بأن دخلت الدار وهي في عصمته، أو في عدة طلاق رجعي؛ (طَلُقَتْ)؛ لوجود الصفة، ولا تنحل بفعلها حال البينونة؛ لأنها لا تنحل إلا على وجه يحنث به؛ لأن اليمين حلٌّ وعقد، والعقد يفتقر إلى الملك، فكذا الحل.
وعنه، ومال إليه ابن عثيمين (١): أن الصفة لا تعود مطلقاً، فلا تطلق لو وجدت في النكاح الثاني؛ لأن الإيقاع وجد قبل النكاح؛ فلم يقع؛ كما لو علَّقه بالصفة قبل أن يتزوج بها، وقال ابن عثيمين: (اللهم إلا إذا كان علقها
стр. 1315
على صفة يريد ألا تتصف بها مطلقاً، فهذا قد يقال: إنها تعود الصفة).
- فرع: (وَكَذَا عِتْقٌ)، فلو علَّق رب قِنٍّ عتقه بصفة ثم باعه، فوجدت الصفة أو لم توجد، ثم ملكه فوجدت الصفة وهو في ملكه، فإنه يَعتق؛ لما سبق.
وعنه: لا تعود الصفة؛ لأن الملك الثاني لا يبنى على الأول في شيء من أحكامه.
стр. 1316
(كِتَابُ الطَّلَاقِ)
وهو في اللغة: التخلية، من قول العرب: أطلقتُ الناقة، فطلقت، إذا كانت مشدودة فأزلت الشد عنها وخليتها، فشبه ما يقع بالمرأة بذلك؛ لأنها كانت متصلة الأسباب بالزوج.
وشرعًا: حلُّ قَيْدِ النكاح، أو حلُّ بعضه إذا طلَّقها طلقة رجعية.
وأجمعوا على جوازه؛ لقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» [ابن ماجه ٢٠٨١]، والمعنى يدل عليه؛ لأن الحال ربما فسد بين الزوجين، فيؤدي إلى ضرر عظيم، فبقاؤه إذًا مفسدة محضة، فَشُرع ما يُزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه.
- مسألة: ينقسم الطلاق باعتباره حكمه إلى أقسام:
القسم الأول: (يُكْرَهُ) الطلاق (بِلَا حَاجَةٍ)؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَبْغَضُ الحَلَالِ إِلَى اللهِ الطَّلَاقُ» [أبوداود ٢١٧٨، وابن ماجه ٢٠١٨، وفيه ضعف]، ولإزالته النكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها.
стр. 1317
(وَ) القسم الثاني: (يُبَاحُ) الطلاق (لَهَا) أي: للحاجة إليه؛ كسوء خلق المرأة، أو لسوء عشرتها، والتضرر بها من غير حصول الغرض بها، فيباح له؛ دفعًا للضرر عن نفسه، ولأن المكروه يباح عند الحاجة.
(وَ) القسم الثالث: (يُسَنُّ) الطلاق في أحوال:
١ - (لِتَضَرُّرِهَا) أي: الزوجة ببقاء النكاح (بِالوَطْءِ)، أو لتضررها بما يحوجها إلى المخالفة من شقاق وغيره؛ لإزالة الضرر عنها.
٢ - (وَ) لـ (تَرْكِهَا) أي: الزوجة، (صَلَاةً، وَعِفَّةً وَنَحْوَهُمَا) من حقوق الله الواجبة؛ لتفريطها في حقوق الله تعالى إذا لم يمكنه إجبارها عليها، ولأن فيه نقصًا لدينه، ولا يأمن من إفساد فراشه، وإلحاقها به ولدًا من غيره إذا لم تكن عفيفة.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يجب الطلاق لتركها عفة ولتفريطها في حقوق الله تعالى، قال شيخ الإسلام: (إذا كانت المرأة تزني لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال، بل يفارقها وإلا كان ديوثًا)، وورد في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ بِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ - الْمُتَشَبِّهَةُ بِالرِّجَالِ -، وَالدَّيُّوثُ» [أحمد ٦١٨٠، والنسائي ٢٥٦٢].
стр. 1318
والقسم الرابع: يحرم الطلاق في الحيض، وفي النفاس، وفي طهر وطئ فيه، ويأتي.
والقسم الخامس: يجب الطلاق؛ كطلاق المُولي بعد التربص أربعة أشهر من حلفه إذا لم يفئ؛ لما يأتي في بابه.
- مسألة: (وَلَا يَصِحُّ) الطلاق (إِلَّا مِنْ زَوْجٍ)، عاقلٍ، مختار، أو وكيله؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ».
ويستثنى: الحاكم على مُولٍ بعد التربص إن أبى الفيئة والطلاق، ويأتي في الإيلاء موضحًا.
ولا يخلو الزوج من ثلاثة أمور:
١ - أن يكون بالغًا: فيصح طلاقه بلا خلاف.
٢ - أن يكون غير مميز: فلا يصح طلاقه بلا خلاف.
٣ - أن يكون مميزاً: فيصح، وأشار إليه بقوله: (وَلَوْ) كان الزوج (مُمَيِّزًا يَعْقِلُهُ)؛ لقول علي ﵁: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» [علقه البخاري ٧/ ٤٥، ووصله ابن أبي شيبة ١٧٩١٤]، وقال ﵁: «اكْتُمُوا الصِّبْيَانَ النِّكَاحَ» [ابن أبي شيبة ١٧٩٤٠]، فيعلم منه: أن فائدته أن لا يطلقوا، ولأنه طلاق من عاقل صادف محل الطلاق؛ أشبه طلاق البالغ.
стр. 1319
ومعنى كون المميز يعقل الطلاق: أن يعلم المميز أن زوجته تبين منه، وتحرم عليه إذا طلقها.
وعنه: لا يصح طلاق غير البالغ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد ٢٤٦٩٤، وأبو داود ٤٤٠٣، والنسائي ٣٤٣٢، وابن ماجه ٢٠٤١]، ولأنه غير مكلف، فلم يقع طلاقه؛ كالمجنون.
- مسألة: (وَ) طلاق من زال عقله لا يخلو من أمرين:
الأول: (مَنْ عُذِرَ بِزَوَالِ عَقْلِهِ)؛ كالمجنون، والنائم، والمغمى عليه، والمبرسم، أو أكره على شرب مسكر فشربه، أو أكل بنجاً ونحوه لتداو؛ لم يقع طلاقه؛ لحديث عائشة السابق، ولقول علي ﵁ السابق: «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ»، ولأن الطلاق قول يزيل الملك، فاعتبر له العقل؛ كالبيع.
الثاني: من لم يعذر بزوال عقله؛ وقع طلاقه؛ كمن شرب ما يزيل العقل، وهو مختار، عالم به وبتحريمه: فيقع طلاقه، ويؤاخذ بسائر أقواله، ولو خلط في كلامه وقراءته، أو سقط تمييزه بين الأعيان؛ لأن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحد بالقذف، كما قال علي ﵁: «إِنَّ السَّكْرَانَ إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى»، وأقره عليه عمر ﵁ [عبدالرزاق ١٣٥٤٢]،
стр. 1320
ولأنه فرط بإزالة عقله فيما يُدخل فيه ضررًا على غيره، فأُلزم حكمَ تفريطه؛ عقوبة له.
وعنه، ورجع إليها أحمد، واختاره شيخ الإسلام: لا يقع طلاقه، ولا يؤاخذ بشيء من أقواله؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)، والسكران لا يعلم ما يقول، فلا يقع طلاقه، ولأن النبي ﷺ لما أقرَّ ماعزًا بالزنى أمر من يستنكهه، أي: لعله سكران [مسلم ١٦٩٥]، فدل على عدم اعتبار قوله، ولقول عثمان ﵁: «لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ» [ابن أبي شيبة ١٧٩٠٨]، وقال ابن عباس ﵄: «طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ» [البخاري معلقاً مجزوماً ٧/ ٤٥، ووصله ابن أبي شيبة ١٨٠٢٧].
- مسألة: (أَوْ) أي: من (أُكْرِهَ) على الطلاق؛ كما لو أكره بما يؤلمه؛ كالضرب والخنق، (أَوْ هُدِّدَ) هو أو ولده، وقال ابن اللحام: (ويتوجه أيضاً: كل من يشق عليه تعذيبه مشقة عظيمة؛ من والد وزوجة وصديق)، (مِنْ قَادِرٍ) على ما هدده به؛ لأن التهديد إكراه بمفرده، (فَطَلَّقَ لِذَلِكَ)؛ لم يخل من أمرين:
١ - أن يُكرَه ظلماً؛ فيطلِّقَ تبعًا لقول مُكْرِهِه (١):
(لَمْ يَقَعْ) طلاقه؛
стр. 1321
لقول الله : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)، وهذا وإن كان في الكفر بالله ، فما دونه من المحظورات من باب أولى، ولحديث عائشة مرفوعاً: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» [أحمد ٢٦٣٦٠، وأبو داود ٢١٩٣، وابن ماجه ٢٠٤٦]، والإغلاق: الإكراه؛ لأن المكره مغلق عليه في أمره مضيق عليه في تصرفه؛ كمن أغلق عليه باب، ولحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٠٤٥]، ولوروده عن عمر ﵁ [ابن أبي شيبة ١٨٠٣٠]، ولأنه قولٌ حُمِلَ عليه بلا حق، أشبه كلمة الكفر.
قال شيخ الإسلام: (وحقيقة الإغلاق: أن يغلق على الرجل قلبه، فلا يقصد الكلام، أو لا يعلم به، كأنه انغلق عليه قصده وإرادته، ويدخل في ذلك طلاق المكره، والمجنون، ومن زال عقله بسكر أو غضب، وكل من لا قصد له ولا معرفة له بما قال).
٢ - أن يُكره بحق: كإكراه الحاكم المولي على الطلاق بعد التربص إذا
стр. 1322
لم يفئ، وإكراه الحاكم رجلين زوجهما وليَّان ولم يعلم السابق منهما؛ لأنه قول حُمِل عليه بحق؛ فصح؛ كإسلام المرتد.
- فرع: يشترط للإكراه أربعة شروط:
الأول: أن يكون المكرِه قادرًا بسلطان، أو تغلب؛ كاللص ونحوه على إيقاع ما هدد به؛ لأن غيره لا يُخاف وقوع المحظور به؛ لأنه يمكن دفعه.
الثاني: أن يغلب على ظن المكرَه نزول الوعيد به إن لم يُجِب المكرِهَ إلى ما طلبه، مع عجزه عن دفعه وهربه واختفائه.
واختار شيخ الإسلام: أنه لو استوى الطرفان لكان إكراهًا، ولا يلزم غلبة الظن بذلك، وقال: (وأما إن خاف وقوع التهديد، وغلب على ظنه عدمه؛ فهو محتمل في كلام أحمد).
الثالث: أن يكون مما يستضر به ضررًا كثيرًا؛ كالقتل، والضرب الشديد، والحبس والقيد الطويلين، وأخذ المال الكثير.
وأما الضرب اليسير، فإن كان في حق من لا يبالى به؛ فليس بإكراه، وإن كان في ذوي المروءات على وجه يكون إخراقًا بصاحبه وغضًّا له وشهرة له في حقه، فهو كالضرب الكثير فى حق غيره.
الرابع: أن يكون الإكراه بغير حق، فإن كان بحق؛ وقع طلاقه؛ لما تقدم.
стр. 1323
- مسألة: (وَمَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ)، من بالغ ومميز يعقله؛ (صَحَّ تَوْكِيلُهُ فِيهِ، وَ) صح (تَوَكُّلُهُ) فيه؛ لأن من صح تصرفه في شيء لنفسه مما تجوز الوكالة فيه؛ صح توكيله وتوكله فيه، ولأن الطلاق إزالة ملك، فجاز التوكيل والتوكل فيه؛ كالعتق.
- مسألة: (وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ امْرَأَةٍ فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا)؛ لقول عائشة ﵂: «قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ نَعُدَّهُ طَلَاقًا» [مسلم ١٤٧٧]، وكوكيلٍ غيرها.
(وَ) يصح توكيل المرأة في طلاق (غَيْرِهَا)؛ لأنها لما ملكت طلاق نفسها بجعله إليها؛ ملكت طلاق غيرها.
فصل في سنة الطلاق وبدعته
طلاق السنة: ما أذن الشارع فيه، وطلاق البدعة: ما نهى الشارع عنه.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، قال علي ﵁: «مَا طَلَّقَ رَجُلٌ طَلَاقَ السُّنَّةِ فَنَدِمَ» [ابن أبي شيبة ١٧٧٣].
- مسألة: (وَالسُّنَّةُ) في الطلاق: هو ما اجتمعت فيه أربع صفات:
стр. 1324
الأول: (أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً)، لا أكثر، ويأتي.
الثانية: أن يطلقها (فِي طُهْرٍ) من حيض أو نفاس؛ لحديث ابن عمر ﵄: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر ﵁ للنبي ﷺ ، فقال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا، أَوْ حَامِلًا» [البخاري ٥٢٥١، ومسلم ١٤٧١]، وهذا يشمل الطهر من الحيض والنفاس.
واختار ابن عثيمين: أن الطلاق في النفاس طلاق سنة واقع؛ لأن المرأة تشرع في العدة مباشرة، بخلاف الحائض، وأما حديث ابن عمر فهو خطاب له؛ لأنه طلق امرأته وهي حائض، لا نفساء.
الثالثة: أن يطلقها في طهر (لَمْ يُجَامِعْ فِيهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، قال ابن مسعود ﵁: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ لِلسُّنَّةِ كَمَا أَمَرَ اللهُ؛ فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ»، وعن ابن عباس ﵄ نحوه [عبدالرزاق ٦/ ٣٠٣].
الرابعة: أن يدعها فلا يتبعها طلاقًا آخر، حتى تنقضي عدتها من الطلقة الأولى، إذ المقصود من الطلاق فراقها وقد حصل بالأولى.
стр. 1325
فإن أتبعها طلقة أخرى بعد مراجعتها، أو بعد عقد؛ كأن طلقها طلقة ثم راجعها أو عقد عليها، ثم طلقها أخرى، ثم راجعها أو عقد عليها، ثم طلقها الثالثة، فطلاق سنة لا بدعة.
الخامس: إذا لم يستبن حملها، فإن استبان حملها فطلاقها جائز وليس ببدعة؛ لأنه يكون طلقها للعدة، حيث إن عدة الحامل وضع الحمل.
- فرع: يستثنى مما سبق إذا طلقها في طهرٍ يتعقب الرجعة من طلاق في حيض؛ فهو طلاق بدعة؛ لحديث ابن عمر ﵄ لما طلق امرأته في الحيض، قال النبي ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقُ بَعْدُ، أَوْ يُمْسِكُ».
- مسألة: (وَإِنْ طَلَّقَ) زوجة (مَدْخُولاً بِهَا فِي حَيْضٍ) أو نفاس، (أَوْ) طلقها في (طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ)، ولم يتبين حملها؛ (فَـ) هو طلاق (بِدْعَةٍ)، وهو (مُحَرَّمٌ)؛ لما سبق من الأدلة، (وَيَقَعُ)، واختاره ابن باز؛ لأنه ﷺ أمر عبد الله بن عمر لما طلق امرأته في حيضها بالمراجعة، والمراجعة لا تكون إلا بعد وقوع الطلاق، ولقول ابن عمر ﵄: «حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ» [البخاري ٥٢٥٣]، وفي رواية قال: «وَحَسَبْتُ لَهَا التَّطْلِيقَةَ الَّتِي طَلَّقْتُهَا» [مسلم ١٤٧١]، ولأنه طلاق من مكلف في محله، فوقع؛ كطلاق الحامل، ولأنه ليس بقربة فيعتبر لوقوعه موافقة السنة، بل هو إزالة عصمة وقطع ملك، فإيقاعه في زمن البدعة أولى؛ تغليظًا عليه، وعقوبة له، ولأنه لم يثبت أن النبي ﷺ كان يستفصل من المستفتين في الطلاق: هل وقع في الحيض أو لا.
стр. 1326
(لَكِنْ تُسَنُّ رَجْعَتُهَا) إن كان الطلاق رجعيًّا؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق، وليزول المعنى الذي حرم الطلاق لأجله.
فإن راجعها؛ وجب إمساكها حتى تطهر، فإذا طهرت سن إمساكها حتى تحيض ثانية ثم تطهر؛ لحديث ابن عمر السابق: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقُ بَعْدُ، أَوْ يُمْسِكُ».
واختار شيخ الإسلام وابن القيم، والسعدي وابن عثيمين: أنه محرم، ولا يقع طلاقاً؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [مسلم ١٧١٨]، فالطلاق الشرعي هو المأذون فيه دون غيره، ولحديث أبي الزبير: قال ابن عمر ﵄: «فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا» [أحمد ٥٥٢٤، وأبو داود ٢١٨٥]، وقال ابن عمر ﵄ في الرجل يطلق امرأته وهي حائض: «لَا يَعْتَدَّ لِذَلِكَ» [ابن حزم في المحلى ٩/ ٣٧٥، وصححه ابن القيم]، قال ابن القيم: (ولأنه لو وكَّل وكيلًا أن يطلق امرأته طلاقًا جائزًا، فطلق طلاقًا محرمًا لم يقع؛ لأنه غير مأذون له فيه، فكيف كان إذن المخلوق معتبرًا في صحة إيقاع الطلاق دون إذن الشارع).
وأما قوله ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، فإن المراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله على معان، منها:
١ - ابتداء النكاح، كقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٣٠].
стр. 1327
٢ - الرد الحسي إلى الحالة التي كان عليها أولًا؛ كقوله ﷺ لأبي النعمان بن بشير لما نحل ابنه غلامًا خصه به دون ولده: «فَارْجِعْهُ» [البخاري ٢٥٨٦، ومسلم ١٦٢٣].
وأيضاً: فلو كان الطلاق قد وقع، كان ارتجاعها ليطلقها في الطهر الأول أو الثاني زيادة وضررًا عليها، وزيادة في الطلاق المكروه، فليس في ذلك مصلحة لا له ولا لها.
وأما قوله: «حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ»، ففعل مبني لما لم يُسم فاعله، وليس فيه بيان أن رسول الله ﷺ هو الذي حسبها حتى تلزم الحجة به، وتحرم مخالفته، وأما قوله: «وَحَسَبْتُ لَهَا التَّطْلِيقَةَ الَّتِي طَلَّقْتُهَا»، فعارضه قوله: «لَا يَعْتَدَّ لِذَلِكَ».
قال ابن القيم: (فقد تبين أن سائر الأحاديث لا تخالف حديث أبي الزبير، وأنه صريح في أن رسول الله ﷺ لم يرها شيئًا، وسائر الأحاديث مجملة لا بيان فيها).
- مسألة: إن طلق رجل زوجته ثلاثًا بكلمة؛ كقوله: أنت طالق ثلاثًا، أو بكلمات؛ كقوله: أنت طالق أنت طالق أنت طالق؛ حرم ذلك؛ لحديث محمود بن لَبِيد ﵁ قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل، طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، ثم قال: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» [النسائي ٣٤٠١، قال ابن القيم: إسناده على شرط مسلم]، وعن ابن عباس
стр. 1328
رضي الله عنهما: أن رجلاً سأله فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثًا؟ فقال له: «إِنَّ عَمَّكَ عَصَى اللهَ فَأَنْدَمَهُ، وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا» [عبدالرزاق ١٠٧٧٩].
لا إن طلقها اثنتين، فيكره، ولا يحرم؛ لأنهما لا يمنعان من رجعتها إذا ندم، فلم يسد المخرج على نفسه؛ لكنه فوت على نفسه طلقة جعلها الله له من غير فائدة تحصل له بها، فكان مكروهًا؛ كتضييع المال.
واختار شيخ الإسلام، وابن عثيمين: تحرم الثنتان؛ لأن فيه تعجيلاً للبينونة، ولما يأتي في الثلاث.
- فرع: من طلق زوجته ثلاثاً؛ حرم ووقع ثلاثاً، اتفاقاً، سواء كان مدخولاً بها أو غير مدخولٍ بها؛ لما روى نافع بن عجير: أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سُهَيْمة البتة، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال رسول الله ﷺ : «وَاللهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً؟ »، فقال ركانة: والله ما أردتُ إلا واحدة، فردها إليه رسول الله ﷺ [أبو داود ٢٢٠٦]، فدل على لو أنه أراد الثلاث لوقع، ولوروده عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر ﵃ [مصنف عبدالرزاق ٦/ ٣٣٢].
واختار شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن باز، وابن عثيمين: أنه محرم، وتقع واحدة رجعية، قال شيخ الإسلام: (وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ مثل الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس القولان)؛
стр. 1329
لقول ابن عباس ﵄: «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ» [مسلم ١٤٧٢]، فأما عمر ﵁ فلم يجعله ثلاثاً إلا لما الناس قد أكثروا مما حرمه الله عليهم من جمع الثلاث، واستعجلوا في جمع الطلاق، ولا ينتهون عن ذلك إلا بعقوبة، وهذا من باب السياسة الشرعية، وعن ابن عباس ﵄ قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، قال: فسأله رسول الله ﷺ : «كَيْفَ طَلَّقْتَهَا؟ » قال: طلقتها ثلاثًا، قال: فقال: «فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؟ » قال: نعم، قال: «فَإِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ، فَارْجِعْهَا إِنْ شِئْتَ» قال: فرجعها [أحمد ٢٣٨٧، وأبوداود ٢١٩٦، قال شيخ الإسلام: وهذا إسناد جيد]، ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [مسلم ١٧١٨]، وطلاق الثلاث محرم وبدعة، والبدعة مردودة.
وأما قوله تعالى: (الطلاق مرتان)، فالمراد به مرة بعد مرة، كقوله سبحانه: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ [النور: ٦]، فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين، كانت مرة، وأما حديث ركانة؛ فضعفه الأئمة؛ كأحمد والبخاري.
стр. 1330
- مسألة: (وَلَا سُنَّةَ وَلَا بِدْعَةَ)، لا في زمن ولا في عدد (لِـ):
١ - زوجة (مُسْتَبِينٍ) أي: ظاهر (حَمْلُهَا)؛ لأن عدتها بوضع الحمل فلا ريبة؛ لأن حملها قد استبان.
٢ - (وَ) لا زوجة (صَغِيرَةٍ)؛ لأنها تعتد بالأشهر لا بالأقراء، فلا تختلف العدة.
٣ - (وَ) لا لزوجة (آيِسَةٍ)؛ لأنها لا تعتد بالأقراء فلا تختلف العدة.
٤ - (وَ) لا لزوجة (غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا)؛ لأنه لا عدة عليها.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أن هؤلاء الأربع لهن سنة وبدعة في العدد؛ لأنه إنما انتفت السنة والبدعة باعتبار الزمن لما ذكر، ولا دليل على انتفائه في العدد.
فصل في صريح الطلاق وكنايته
- مسألة: لا يقع الطلاق بغير لفظ، فلو نواه بقلبه فقط؛ لم يقع؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» [البخاري ٥٢٦٩، ومسلم ١٢٧].
стр. 1331
- مسألة: (وَيَقَعُ) الطلاق بأمرين:
الأول: يقع (بِصَرِيحِهِ) أي: صريح الطلاق، (مُطْلَقاً) أي: نوى الطلاق أو لم ينوه، ولا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام:
١ - أن يقصد بذلك الطلاق: فيقع؛ لأنه نواه.
٢ - أن يقصد بذلك غير الطلاق؛ كما لو قال لزوجته: أنت طالق، وادعى أنه أراد: طالق من وثاق، أو ادعى أنه أراد أن يقول: طاهر، فسبق لسانه، فقال: طالق؛ فلا يخلو ذلك من أمرين:
أأن يكون في حال الغضب، أو بعد سؤالها الطلاق: فلا يقبل؛ لأن لفظه ظاهر في الطلاق، وقرينة حاله تدل عليه، فكانت دعواه مخالفة للظاهر.
ب أن يكون في غير حال الغضب، أو بعد سؤالها الطلاق: لم تطلق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه أعلم بنيته، ولم يقبل ذلك منه في الحكم (١)؛ لأنه خلاف ما يقتضيه الظاهر عرفًا؛ إذ تبعد إرادة ذلك.
وقال شيخ الإسلام: يتخرج أن يقبل منه حكماً إذا كان عدلاً؛ لأنه يغلب على الظن صدقه.
стр. 1332
ت- أن لا ينويَ شيئاً: فيقع الطلاق؛ لأن ما يعتبر له القول يكتفى فيه به من غير نية إذا كان صريحًا فيه، كالبيع.
(وَ) الثاني: يقع الطلاق (بِكِنَايَتِهِ)، وذلك مع أحد أمرين:
١ - أن تكون الكناية (مَعَ النِّيَّةِ) أي: نية الطلاق؛ لأن الكناية لما قصرت رتبتها عن الصريح وقف عملها على نية الطلاق؛ تقوية لها، ولأنها لفظ يحتمل غير معنى الطلاق، فلا يتعين له بدون النية.
ويشترط أن تكون النية مقارنة للفظ؛ فلو تلفظ بالكناية غير ناوٍ للطلاق، ثم نواه بها بعد؛ لم يقع؛ كنية الطهارة بعد فراغه منها.
٢ - أن يأتي مع الكناية بما يقوم مقام نية الطلاق؛ كحال خصومة وغضب وجواب سؤالها الطلاق؛ فيقع الطلاق ممن أتى بكناية الطلاق إذن، ولو بلا نية، واختاره شيخ الإسلام؛ لأن دلالة الحال كالنية، بدليل أنها تُغَيِّر حكم الأقوال والأفعال.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: لا يقع الطلاق بها إلا بنية؛ لأنه هذا ليس بصريح في الطلاق، ولم ينوه، فلم يقع؛ كحال الرضا.
- مسألة: (وَصَرِيحُهُ) أي: الطلاق، هو ما لا يحتمل غيره بحسب الوضع العرفي، وذلك:
١ - (لَفْظُ طَلَاقٍ)، أي: المصدر، فيقع بقوله: أنت الطلاق ونحوه؛ لأنه
стр. 1333
موضوع له على الخصوص، ثبت له عرف الشارع والاستعمال.
٢ - (وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ) أي: من لفظ الطلاق، كطالق، ومطلَّقة، وطلقتك؛ لما سبق، (غَيْرَ) ثلاثة ألفاظ تتصرف من لفظ الطلاق ولا يقع به الطلاق:
أفعل (أَمْرٍ) من الطلاق؛ نحو: اطْلُقي.
ب (وَ) غير فعل (مُضَارِعٍ)؛ نحو: أُطلقُكِ، وتطلُقِين.
ت (وَ) غير (مُطَلِّقَةٍ - بِكَسْرِ اللَّامِ-)، اسم فاعل من الطلاق.
فلا تطلق بذلك؛ لأنه لا يدل على إيقاع الطلاق.
وقال شيخ الإسلام: (وما كان من هذه الألفاظ محتملًا فإنه يكون كناية، حيث تصح الكناية؛ كالطلاق ونحوه، ويعتبر دلالات الأحوال، وهذا الباب عظيم المنفعة، خصوصًا في الخلع وبابه).
فصل
- مسألة: (وَإِنْ قَالَ) لزوجته: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ)؛ فهو ظهار ولو نوى به طلاقاً أو يميناً؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ في النذر والحرام إذا لم يسمِّ شيئاً: «أَغْلَظُ الْيَمِينِ، فَعَلَيْهِ رَقَبَةٌ، أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» [عبدالرزاق ١٥٨٣٤]، ولأنه صريح في الظهار؛ لأن الظهار تشبيه بمن
стр. 1334
تحرم على التأبيد، والطلاق يفيد تحريماً غير مؤبد.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون بقصد إنشاء التحريم وإيقاعه، لا بقصد اليمين: فهو ظهار، ولو نوى به طلاقاً؛ لما سبق.
٢ - أن يقصد به اليمين، فيقصد به الحث، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب: فهي يمين، تجب فيها كفارة يمين بالحنث؛ لقوله تعالى: (قد فرض الله تحلة أيمانكم)، بعد قوله: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك)، وهذا يشمل كل يمين، لقول ابن عباس ﵄ في الحرام: «يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا» [مسلم ١٤٧٣]، وقياساً على النذر، فإن الصحابة فرقوا بين من حلف بالنذر فجعلوه يميناً مكفرة، وبين تعليقه بشرط يقصد إيقاعه، فيكون نذراً لازم الوفاء، قال ابن القيم: (صحَّ عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة ﵃ فيمن حلفت بأن كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته، أنها تكفر عن يمينها ولا تفرق بينهما)، وقال أيضاً: (هذا مقتضى المنقول عن ابن عباس ﵄، فإنه مرة جعله ظهارًا، ومرة جعله يمينًا).
واختار ابن عثيمين: أنه لا يخلو من أمرين:
١ - إن نوى به الخبر دون الإنشاء، فإننا نقول له: كذبت، وليس بشيء؛ لأنها حلال.
стр. 1335
٢ - إن نوى به الإنشاء، أي: تحريمها، فالأصل أنه يمين؛ لما روي عن أبي بكر وعمر وأبي مسعود ﵃ أنهم قالوا: «مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ فَلَيْسَتْ عَلَيْهِ بِحَرَامٍ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» [ابن أبي شيبة ١٨٢٠٠، وفيه ضعف]، إلا في حالين:
أإذا نوى به الطلاق: فهو طلاق؛ لأنه قابل لأن يكون طلاقًا.
ب وإذا نوى به الظهار: فهو ظهار؛ لأنه قابل لأن يكون ظهاراً.
- مسألة: (أَوْ) قال لزوجته: أنت عليَّ (كَظَهْرِ أُمِّي)، فهو ظهار ولو نوى به الطلاق؛ لأنه صريح فيه، فلا يكون كناية في الطلاق، كما لا يكون الطلاق كناية في الظهار، ولأنه لو نوى به الطلاق فقد نوى ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يجعلون الظهار طلاقاً بائناً، فأبطله الله تعالى، وجعل للظهار حكماً خاصاً.
- مسألة: (أَوْ) قال: (مَا أَحَلَّ اللهُ عَلَيَّ حَرَامٌ) أو: الحل علي حرام؛ (فَهُوَ ظِهَارٌ، وَلَو نَوَى طَلَاقاً)، وحكم هذه المسألة كمسألة: أنت علي حرام، وقد سبقت.
- مسألة: (وَإِنْ قَالَ) لزوجته: أنت علي (كَالمَيْتَةِ أَوِ الدَّمِ)، أو الخنزير، فلا يخلو من أمرين: