- مسألة: (وَيَقَعُ) الطلاق بأمرين:
الأول: يقع (بِصَرِيحِهِ) أي: صريح الطلاق، (مُطْلَقاً) أي: نوى الطلاق أو لم ينوه، ولا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام:
١ - أن يقصد بذلك الطلاق: فيقع؛ لأنه نواه.
٢ - أن يقصد بذلك غير الطلاق؛ كما لو قال لزوجته: أنت طالق، وادعى أنه أراد: طالق من وثاق، أو ادعى أنه أراد أن يقول: طاهر، فسبق لسانه، فقال: طالق؛ فلا يخلو ذلك من أمرين:
أأن يكون في حال الغضب، أو بعد سؤالها الطلاق: فلا يقبل؛ لأن لفظه ظاهر في الطلاق، وقرينة حاله تدل عليه، فكانت دعواه مخالفة للظاهر.
ب أن يكون في غير حال الغضب، أو بعد سؤالها الطلاق: لم تطلق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه أعلم بنيته، ولم يقبل ذلك منه في الحكم (١)؛ لأنه خلاف ما يقتضيه الظاهر عرفًا؛ إذ تبعد إرادة ذلك.
وقال شيخ الإسلام: يتخرج أن يقبل منه حكماً إذا كان عدلاً؛ لأنه يغلب على الظن صدقه.
стр. 1332
ت- أن لا ينويَ شيئاً: فيقع الطلاق؛ لأن ما يعتبر له القول يكتفى فيه به من غير نية إذا كان صريحًا فيه، كالبيع.
(وَ) الثاني: يقع الطلاق (بِكِنَايَتِهِ)، وذلك مع أحد أمرين:
١ - أن تكون الكناية (مَعَ النِّيَّةِ) أي: نية الطلاق؛ لأن الكناية لما قصرت رتبتها عن الصريح وقف عملها على نية الطلاق؛ تقوية لها، ولأنها لفظ يحتمل غير معنى الطلاق، فلا يتعين له بدون النية.
ويشترط أن تكون النية مقارنة للفظ؛ فلو تلفظ بالكناية غير ناوٍ للطلاق، ثم نواه بها بعد؛ لم يقع؛ كنية الطهارة بعد فراغه منها.
٢ - أن يأتي مع الكناية بما يقوم مقام نية الطلاق؛ كحال خصومة وغضب وجواب سؤالها الطلاق؛ فيقع الطلاق ممن أتى بكناية الطلاق إذن، ولو بلا نية، واختاره شيخ الإسلام؛ لأن دلالة الحال كالنية، بدليل أنها تُغَيِّر حكم الأقوال والأفعال.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: لا يقع الطلاق بها إلا بنية؛ لأنه هذا ليس بصريح في الطلاق، ولم ينوه، فلم يقع؛ كحال الرضا.
- مسألة: (وَصَرِيحُهُ) أي: الطلاق، هو ما لا يحتمل غيره بحسب الوضع العرفي، وذلك:
١ - (لَفْظُ طَلَاقٍ)، أي: المصدر، فيقع بقوله: أنت الطلاق ونحوه؛ لأنه
стр. 1333
موضوع له على الخصوص، ثبت له عرف الشارع والاستعمال.
٢ - (وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ) أي: من لفظ الطلاق، كطالق، ومطلَّقة، وطلقتك؛ لما سبق، (غَيْرَ) ثلاثة ألفاظ تتصرف من لفظ الطلاق ولا يقع به الطلاق:
أفعل (أَمْرٍ) من الطلاق؛ نحو: اطْلُقي.
ب (وَ) غير فعل (مُضَارِعٍ)؛ نحو: أُطلقُكِ، وتطلُقِين.
ت (وَ) غير (مُطَلِّقَةٍ - بِكَسْرِ اللَّامِ-)، اسم فاعل من الطلاق.
فلا تطلق بذلك؛ لأنه لا يدل على إيقاع الطلاق.
وقال شيخ الإسلام: (وما كان من هذه الألفاظ محتملًا فإنه يكون كناية، حيث تصح الكناية؛ كالطلاق ونحوه، ويعتبر دلالات الأحوال، وهذا الباب عظيم المنفعة، خصوصًا في الخلع وبابه).
فصل
- مسألة: (وَإِنْ قَالَ) لزوجته: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ)؛ فهو ظهار ولو نوى به طلاقاً أو يميناً؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ في النذر والحرام إذا لم يسمِّ شيئاً: «أَغْلَظُ الْيَمِينِ، فَعَلَيْهِ رَقَبَةٌ، أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» [عبدالرزاق ١٥٨٣٤]، ولأنه صريح في الظهار؛ لأن الظهار تشبيه بمن
стр. 1334
تحرم على التأبيد، والطلاق يفيد تحريماً غير مؤبد.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون بقصد إنشاء التحريم وإيقاعه، لا بقصد اليمين: فهو ظهار، ولو نوى به طلاقاً؛ لما سبق.
٢ - أن يقصد به اليمين، فيقصد به الحث، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب: فهي يمين، تجب فيها كفارة يمين بالحنث؛ لقوله تعالى: (قد فرض الله تحلة أيمانكم)، بعد قوله: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك)، وهذا يشمل كل يمين، لقول ابن عباس ﵄ في الحرام: «يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا» [مسلم ١٤٧٣]، وقياساً على النذر، فإن الصحابة فرقوا بين من حلف بالنذر فجعلوه يميناً مكفرة، وبين تعليقه بشرط يقصد إيقاعه، فيكون نذراً لازم الوفاء، قال ابن القيم: (صحَّ عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة ﵃ فيمن حلفت بأن كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته، أنها تكفر عن يمينها ولا تفرق بينهما)، وقال أيضاً: (هذا مقتضى المنقول عن ابن عباس ﵄، فإنه مرة جعله ظهارًا، ومرة جعله يمينًا).
واختار ابن عثيمين: أنه لا يخلو من أمرين:
١ - إن نوى به الخبر دون الإنشاء، فإننا نقول له: كذبت، وليس بشيء؛ لأنها حلال.
стр. 1335
٢ - إن نوى به الإنشاء، أي: تحريمها، فالأصل أنه يمين؛ لما روي عن أبي بكر وعمر وأبي مسعود ﵃ أنهم قالوا: «مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ فَلَيْسَتْ عَلَيْهِ بِحَرَامٍ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» [ابن أبي شيبة ١٨٢٠٠، وفيه ضعف]، إلا في حالين:
أإذا نوى به الطلاق: فهو طلاق؛ لأنه قابل لأن يكون طلاقًا.
ب وإذا نوى به الظهار: فهو ظهار؛ لأنه قابل لأن يكون ظهاراً.
- مسألة: (أَوْ) قال لزوجته: أنت عليَّ (كَظَهْرِ أُمِّي)، فهو ظهار ولو نوى به الطلاق؛ لأنه صريح فيه، فلا يكون كناية في الطلاق، كما لا يكون الطلاق كناية في الظهار، ولأنه لو نوى به الطلاق فقد نوى ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يجعلون الظهار طلاقاً بائناً، فأبطله الله تعالى، وجعل للظهار حكماً خاصاً.
- مسألة: (أَوْ) قال: (مَا أَحَلَّ اللهُ عَلَيَّ حَرَامٌ) أو: الحل علي حرام؛ (فَهُوَ ظِهَارٌ، وَلَو نَوَى طَلَاقاً)، وحكم هذه المسألة كمسألة: أنت علي حرام، وقد سبقت.
- مسألة: (وَإِنْ قَالَ) لزوجته: أنت علي (كَالمَيْتَةِ أَوِ الدَّمِ)، أو الخنزير، فلا يخلو من أمرين:
стр. 1336
١ - أن ينوي شيئاً: (وَقَعَ مَا نَوَاهُ) من طلاق؛ لأنه يصلح كناية فيه، ومن ظهار؛ بأن يقصد تحريمها عليه مع بقاء نكاحها؛ لأنه يشبهه، ومن يمين؛ بأن يريد ترك وطئها لا تحريمها ولا طلاقها، فتجب فيها الكفارة بالحنث.
٢ - (وَمَعَ عَدَمِ نِيَّةِ) شيء من ذلك: فهو (ظِهَارٌ)؛ لأن معناه: أنت علي حرام كالميتة، والدم.
وفي وجه، واختاره ابن عثيمين: يكون يمينًا، لأن الأصل براءة الذمة، فإذا أتى بلفظ محتمل ثبت فيه أقل الحكمين؛ لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه، فلا نثبته بالشك.
- مسألة: (وَإِنْ قَالَ) لزوجته: (حَلَفْتُ بِالطَّلَاقِ) لا أفعل كذا، أو لأفعلنه، أو لا فعلته، (وَكَذَبَ)، بأن لم يكن حلف بالطلاق؛ فلا يلزمه الطلاق، و (دُيِّنَ) فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه لم يحلف، واليمين إنما تكون بالحلف، (وَلَزِمَهُ) الطلاق (حُكْماً)؛ مؤاخذة له بإقراره؛ لأنه يتعلق به حق آدمي معين، فلم يقبل رجوعه عنه؛ كإقراره له بمال ثم يقول: كذبت.
فصل فيما يختلف به عدد الطلاق
- مسألة: الطلاق معتبر بالرجال؛ لقول عمر ﵁: «يَنْكِحُ الْعَبْدُ ثِنْتَيْنِ، وَيُطَلِّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ» [عبدالرزاق ١٢٨٧٢]، وصح أيضاً عن عثمان وزيد وابن
стр. 1337
عباس ﵃ [عبدالرزاق ٧/ ٢٣٥]، ولأنه خالص حق الرجال فاعتبر به؛ كعدد المنكوحات.
وأما ما روي عن عائشة ﵂ مرفوعًا: «الأَمَةُ تَطْلِيقَتَانِ، وَقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ» [أبو داود ٢١٨٩، والترمذي ١١٨٢، وابن ماجه ٢٠٨]، فقد قال ابن القيم: (حديث ضعيف معلول).
- فرع: (وَيَمْلِكُ):
١ - (حُرٌّ) وإن كان تحته أمة: ثلاثَ تطليقات؛ لقوله تعالى: (الطلاق مرتان .. )، ثم ذكر تطليقة ثالثة: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد ... ).
٢ - (وَ) يملك (مُبَعَّضٌ) وإن كان تحته أمة: (ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ)؛ لأن قسمة الطلاق في حقه غير ممكنة؛ لأنه لا يتبعض، فكمل في حقه.
٣ - (وَ) يملك (عَبْدٌ) ومكاتب ونحوه: (اثْنَتَيْنِ)؛ لحديث عائشة مرفوعًا: «طَلَاقُ الْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا» [الدارقطني ٤٠٠٢]، ولما صح عن عمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عباس ﵃ كما سبق.
стр. 1338
فصل في الاستثناء في الطلاق
الاستثناء: استفعال من الثَّنْي، وهو الرجوع.
واصطلاحًا: إخراج بعض الجملة بإلا، أو إحدى أخواتها.
- مسألة: يشترط لصحة الاستثناء في الطلاق أربعة شروط:
الشرط الأول: أن يستثني النصف فأقل، وأشار إليه بقوله: (وَيَصِحُّ) من زوج (اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ فَأَقَلَّ، مِنْ طَلَقَاتٍ، وَ) من (مُطَلَّقَاتٍ)؛ فإذا قال: أنت طالق طلقتين إلا واحدة؛ وقعت واحدة، أو قال: نسائي طوالق إلا فلانة؛ لم تطلق؛ وإنما صح الاستثناء لأنه كلام متصل أبان به أن المستثنى غير مراد بالأول؛ فصح.
ويصح الاستثناء ولو بالنصف؛ لقوله تعالى: (قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً).
وعلى هذا:
١ - إن استثنى الكل، بطل الاستثناء، وحُكي إجماعاً، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا؛ طلقت ثلاثًا؛ لأن استثناء الكل رَفْع لما أوقعه، فلم يرتفع.
٢ - إن استثنى أكثر من النصف؛ لم يصح الاستثناء، فإذا قال: أنت
стр. 1339
طالق ثلاثًا إلا اثنتين؛ طلقت ثلاثًا؛ لأن استثناء الأكثر كالكل؛ لأن الأكثر يقوم مقام الكل في مواضع كثيرة.
وقيل، واختاره الخلال وابن عثيمين: يصح استثناء الأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: ٤٢]، والغاوون أكثر؛ لقوله تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)، ولأنه كالتخصيص بالشرط، وهو جائز بأكثر من النصف اتفاقاً، ولأن المدار على المعنى، وإن كان ذلك ليس من فصيح لسان العرب، إلا أنه معقول المعنى.
(وَ) الثاني: (شُرِطَ: تَلَفُّظٌ) بالمستثنى، فلو استثنى بقلبه لم ينفعه الاستثناء، إلا ما يأتي.
(وَ) الشرط الثالث: (اتِّصَالٌ مُعْتَادٌ)، إما لفظًا: بأن يأتي به متواليًا، أو حكمًا: كانقطاعه بتنفس، وسعال وعطاس، فلو انفصل وأمكن الكلام دونه؛ بطل الاستثناء (١)؛ لقوله تعالى: (خذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث)، ولو صح الاستثناء بعد انفصاله عن الكلام لأرشد الله تعالى إليه، وقال أحمد: (حديث النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سَمُرة ﵁: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» [البخاري ٦٦٢٢، ومسلم
стр. 1340
١٦٥٢] ولم يقل: واستثن)، ولأن الاتصال يجعل اللفظ جملة واحدة، فلا يقع الطلاق قبل تمامها، بخلاف غير المتصل، فإنه لفظ يقتضي رفع ما وقع بالأول، والطلاق إذا وقع لا يمكن رفعه.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يضر فصل يسير بكلام أو سكوت؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ المَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ، فَأَطَافَ بِهِنَّ، وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ»، قال النبي ﷺ : «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ» [البخاري ٥٢٤٢، مسلم ١٦٥٤].
(وَ) الشرط الرابع: (نِيَّتُهُ) للاستثناء (قَبْلَ تَمَامِ مُسْتَثْنىً مِنْهُ)، فقوله: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، لا يعتد بالاستثناء إلا إن نواه قبل تمام قوله: أنت طالق ثلاثًا؛ لأنها صوارف للفظ عن مقتضاه؛ فوجب مقارنتها لفظاً ونية.
واختار شيخ الإسلام: ينفعه الاستثناء، ولو لم ينوه إلا بعد فراغه من كلامه، وقال: (دل عليه كلام الإمام أحمد)؛ لحديث أبي هريرة السابق في قصة سليمان ﵇.
- مسألة: (وَيَصِحُّ) أن يستثني (بِقَلْبِ) ـه النصفَ فأقل (مِنْ) عدد (مُطَلَّقَاتٍ)، ولا يخلو ذلك من حالين:
١ - أن يذكر ذلك بلفظ عام بدون عدد؛ كأن يقول من له أربع نسوة:
стр. 1341
نسائي طوالق، واستثنى واحدة منهن بقلبه: لم تطلق المستثناة؛ لأنه اسم عام يجوز التعبير به عن بعض ما وُضع له، واستعمال العام في الخاص كثير، فينصرف اللفظ بنية ما أراد فقط.
٢ - أن يذكر ذلك بصريح العدد؛ كأن يقول من له أربع نسوة: نسائي الأربع طوالق، واستثنى واحدة منهن بقلبه؛ طلقن كلهن في الباطن والظاهر، صححه في الإنصاف، وهو ظاهر ما في المنتهى؛ لأن العدد نصٌّ فيما يتناوله، فلا يرتفع بالنية، ولا يديَّن فيه؛ لأنه عنى باللفظ ما لا يحتمل.
وقطع في الإقناع: تطلق في الحكم فقط، ولا تطلق في الباطن.
- مسألة: (لَا) يصح استثناء بقلب من عدد (طَلَقَاتٍ)، فإن قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا، واستثنى بقلبه إلا واحدة؛ وقعت الطلقات الثلاث؛ لأن العدد نص فيما تناول، فلا يرتفع بالنية ما ثبت بنص اللفظ؛ لأنه أقوى منها، وإن نوى بالثلاث اثنتين فقد استعمل اللفظ في غير ما يصلح له، فوقع مقتضى اللفظ، ولغت النية.
فصل
- مسألة: (وَ) إن قال لزوجته: (أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي)، أو قبل موتك،
стр. 1342
أو قبل موت زيد؛ (تَطْلُقُ فِي الحَالِ)؛ لأن ما قبله من حين عقد الصفة محلٌّ للطلاق، ولا مقتضى لتأخيره عن أوله.
- مسألة: (وَ) إن قال لزوجته: أنت طالق (بَعْدَهُ) أي: بعد موتي، (أَوْ) قال لها: أنت طالق (مَعَهُ) أي: مع موتي؛ (لَا تَطْلُقُ) فيهما، قال في الشرح: (لا نعلم فيه خلافاً)؛ لحصول البينونة بالموت، فلم يبق نكاح يزيله الطلاق.
- مسألة: (وَ) إن قال لزوجته: أنت طالق (فِي هَذَا الشَّهْرِ، أَوْ) قال لها: أنت طالق في هذا (اليَوْمِ، أَوْ) قال لها: أنت طالق في هذه (السَّنَةِ؛ تَطْلُقُ فِي الحَالِ)؛ لأن الشهر واليوم والسنة ظرف لإيقاع الطلاق، فإذا وُجِد ما يتسع له؛ وقع لوجود ظرفه.
(فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ) أن الطلاق يقع (آخِرَ الكُلِّ)، أي: آخر الشهر، وآخر اليوم، وآخر السنة؛ دُيِّنَ، و (قُبِلَ) منه (حُكْماً)؛ لأنه يجوز أن يريد ذلك، فلا يلزمه الطلاق في غيره، وإرادته لا تخالف ظاهره، إذ ليس أوَّله أولى في ذلك من غيره.
- مسألة: (وَ) إن قال لزوجته: أنت طالق (غَداً)؛ طلقت في أوله عند طلوع فجره، (أَوْ) قال: أنت طالق (يَوْمَ السَّبْتِ)؛ طلقت في أول اليوم،
стр. 1343
(وَنَحْوَهُ)؛ كأنت طالق في رمضان؛ (تَطْلُقُ بِأَوَّلِهِ)، أي: بغروب شمس آخر يوم من شعبان؛ لأنه جعل ذلك ظرفًا للطلاق، فكل جزء منها صالح للوقوع فيه، فإذا وُجِد ما يكون ظرفًا؛ طلقت.
(فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ الآخِرَ) من ذلك؛ لم يديَّن و (لَمْ يُقْبَلْ) حكماً؛ لأنه مخالف لمقتضى اللفظ، إذ مقتضاه الوقوع في كل جزء منه.
- مسألة: (وَ) إن قال لزوجته: (إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ)؛ فإنها (تَطَلُقُ بِمُضِيِّ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْراً)؛ لقوله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً)، وتعتبر الشهور بالأهلة، تامة كانت أو ناقصة.
- مسألة: (وَإِنْ قَالَ): أنت طالق إذا مضت (السَّنَةُ) بحيث عرَّف السنة باللام؛ (فَـ) إنها تطلق (بِانْسِلَاخِ) شهر (ذِي الحِجَّةِ) من السنة المعلق فيها؛ لأنه عرفها بلام التعريف العهدية؛ والسنة المعروفة آخرها ذو الحجة.
فإن قال: أردت بالسنة اثني عشر شهراً؛ ديِّن، وقبل منه حكماً؛ لأن لفظه يحتمله. (واللهُ أَعْلَمُ).
стр. 1344
(فَصْلٌ) في تعليق الطلاق بالشروط
والمراد هنا: الشرط اللغوي، والتعليق: هو ترتيب شيء غير حاصل في الحال من طلاق أو عتق ونحوه، على شيء حاصل أو غير حاصل، بحرف إنْ -وهي أم أدوات الشرط-، أو إحدى أخواتها.
- مسألة: (وَمَنْ عَلَّقَ طَلَاقاً وَنَحْوَهُ)؛ كعتق، وظهار، ونذر (بِشَرْطٍ؛ لَمْ يَقَعِ) الطلاق (حَتَّى يُوجَدَ) الشرط؛ لا قبله؛ لما روى نافع قال: طلَّق رجل امرأته البتة إن خرجت، فقال ابن عمر ﵄: «إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ» [البخاري معلقاً مجزوماً ٧/ ٤٥، ولم نقف على من وصله، وقد بيض له ابن حجر في تغليق التعليق]، ولأن الطلاق إزالة ملك بني على التغليب والسراية؛ أشبه العتق، فإذا وجد الشرط؛ وقع الطلاق؛ لوجود الصفة.
وقال شيخ الإسلام: تعليق الطلاق لا يخلو من أمرين:
١ - أن يقصد الزوج بالتعليق اليمين؛ كما لو قصد الحث أو المنع، أو التصديق أو التكذيب: فلا يقع الطلاق، وفيه كفارة يمين، ولم يرد عن أحد من الصحابة في الحلف بالطلاق كلام، وإنما ورد الحلف بالنذر، فعن أبي رافع ﵁: أن مولاته -ليلى بنت العجماء- أرادت أن تُفرِّق بينه وبين
стр. 1345
امرأته، فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية، وكل مملوك لها حر، وكل مال لها في سبيل الله، وعليها المشي إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما، فسألت عائشة، وابن عمر، وابن عباس، وحفصة، وأم سلمة ﵃، فكلهم قال لها: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَكُونِي مِثْلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، وَأَمَرُوهَا أَنْ تُكَفِّرَ يَمِينَهَا وَتُخَلِّيَ بَيْنَهُمَا» [الدارقطني ٤٣٣١]، فإذا كان النذر الذي يجب الوفاء به إذا قصد به الحث أو المنع جعله الصحابة في حكم اليمين، فالطلاق الذي هو مكروه من باب أولى، قال شيخ الإسلام: (هذا القول يخرج على أصول أحمد من مواضع).
٢ - أن يكون شرطاً محضاً: فيقع به الطلاق إذا وُجِد المعلق عليه؛ لما تقدم.
- فرع: (فَلَوْ لَمْ يَلْفِظْ بِهِ) أي: بالشرط، (وَادَّعَاهُ)؛ كأن يقول: أنت طالق، ثم قال: أردت إن قمت؛ دُيِّن؛ لأنه أعلم بنيته، و (لَمْ يُقْبَلْ) منه ذلك (حُكْماً)؛ لأنه خلاف الظاهر.
- مسألة: (وَلَا يَصِحُّ) تعليق الطلاق (إِلَّا مِنْ زَوْجٍ) يعقل الطلاق؛ لأن من صح تنجيزه للطلاق؛ صح تعليقه له على شرط؛ لأن التعليق مع وجود الصفة تطليق، فمن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق؛ لم تطلق إن تزوجها؛ قال ابن عباس ﵄: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ
стр. 1346
مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وَلَمْ يَقُلْ: إِذَا طَلَّقْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ» [عبدالرزاق ١١٤٦٨]، ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ» [أحمد ٦٧٦٩، وأبو داود ٢١٦٠، والترمذي ١١٨٠، وابن ماجه ٢٠٤٧]، وعن علي ﵁ قال: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ وَإِنْ سَمَّى» [عبدالرزاق ١١٤٥٣].
- مسألة: يصح التعليق (بِصَرِيح) الطلاق؛ كأنت طالق إن جلست، (وَ) يصح (بِكِنَايَةِ) الطلاق؛ كأنت مسرَّحة إن دخلت الدار، (مَعَ قَصْدِ) الطلاق بالكناية.
- مسألة: (وَيَقْطَعُهُ) أي: التعليق (فَصْلٌ) بين الشرط وجوابه (بِتَسْبِيحٍ، وَسُكُوتٍ)، ونحوهما مما لا يكون معه الكلام متصلاً؛ كأنت طالق -سبحان الله- إن قمت؛ فيقع الطلاق منجزاً؛ لعدم صحة التعليق؛ لانقطاعه.
- مسألة: (لَا) يضر فصل بين الشرط وجوابه بـ (كَلَامٍ مُنْتَظِمٍ؛ كَأَنْتِ طَالِقٌ - يَا زَانِيَةُ- إِنْ قُمْتِ)؛ لأنه لا يُعدُّ فصلاً عرفاً.
- مسألة: (وَأَدَوَاتُ الشَّرْطِ) أي: الألفاظ التي يؤدي بها معنى الشرط، المستعملة غالبًا في طلاق وعَتاق؛ ست أدوات، وهي: إنْ، وإذا، ومتى،
стр. 1347
ومَنْ، وأَيٌّ، وكلما، (نَحْوَ: إِنْ) قمت فأنت طالق، (ومَتَى) قمت فأنت طالق، (وإِذَا) قمت فأنت طالق، فمتى وُجد القيام طلقت عقبه؛ لوجود الصفة التي عُلِّق عليها الطلاق.
فصل في تعليق الطلاق بالكلام، والإذن، ونحو ذلك
- مسألة: (وَ) إذا قال لزوجته: (إِنْ كَلَّمْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَحَقَّقِي، أَوْ) زجرها فقال: (تَنَحَّيْ، وَنَحْوُهُ)؛ كقوله: أو اسكتي، اتصل ذلك بيمينه أو لا؛ فإنها (تَطْلُقُ)؛ لوجود شرطه وهو الكلام، إلا أن يريد بقوله: إن كلمتك، كلامًا مستأنفًا غير هذا الكلام؛ فلا يحنث حتى يوجد ما نواه.
وصوب المرداوي: أنه لا يحنث بالكلام المتصل بيمينه؛ لأن إتيانه به يدل على إرادته الكلام المنفصل عنها.
- مسألة: (وَإِنْ) قال لزوجته: إن (بَدَأْتُكِ بِالكَلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ) له: (إِنْ بَدَأْتُكَ بِهِ) أي: بالكلام (فَعَبْدِي حُرٌّ؛ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ)؛ لأنها كلمته فلم يكن كلامه لها بعد ذلك ابتداء، إلا أن ينوي عدم البداءة في مجلس آخر، فلا تنحل يمينه بذلك، (وَتَبْقَى يَمِينُهَا) معلقة حتى يوجد ما يحلها أو شرطها،
стр. 1348
فإن بدأها بكلام؛ انحلت يمينها، وإن بدأته هي بكلام؛ عتَقَ عبدها.
- مسألة: (وَ) إن قال لزوجته: (إِنْ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي، وَنَحْوُهُ)؛ كقوله: إن خرجت إلا بإذني، أو: حتى آذن لك؛ (فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ أَذِنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ) مرة بإذنه، (ثُمَّ خَرَجَتْ) ثانياً (بِغَيْرِ إِذْنٍ)؛ طلقت؛ لأن (خَرَجْتِ) نكرة في سياق الشرط، وهي تقتضي العموم، فقد صدق أنها خرجت بغير إذنه، واختاره شيخ الإسلام، إلا أن ينوي الإذن مرة، ويأذن لها فيه، ثم تخرج بعد؛ فلا حنث، أو يقول: إن خرجت إلا بإذني مرة فأنت طالق، فإذا أذن فيه مرة؛ لم يحنث بخروجها بَعْدُ بغير إذنه.
- مسألة: (أَوْ) إن قال لزوجته: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، ثم (أَذِنَ لَهَا) في الخروج، (وَلَمْ تَعْلَمْ) بإذنه، فخرجت؛ (طَلُقَتْ)؛ لأن الإذن هو الإعلام ولم يُعلمها، ولأنها قصدت بخروجها مخالفته وعصيانه، أشبه ما لو لم يأذن لها في الباطن؛ لأن العبرة بالقصد، لا بحقيقة الحال.
فصل في تعليق الطلاق بالمشيئة
- مسألة: (وَإِنْ عَلَّقَهُ) أي: الطلاق (عَلَى مَشِيئَتِهَا)؛ كقوله: أنت طالق إن شئت، أو إذا شئت، أو متى شئت؛ لم (تَطْلُقْ) إلا (بِمَشِيئَتِهَا) لفظاً، سواء
стр. 1349
كانت راضية أو كانت كارهة للصفة، فإذا قالت: قد شئت؛ طلقت؛ لأن ما في القلب لا يعلم حتى يعبر عنه اللسان، فيتعلق الحكم بما ينطق به دون ما في القلب، ولو شاءت بقلبها دون نطقها؛ لم يقع؛ لما تقدم.
فتطلق إذا كانت (غَيْرَ مُكْرَهَةٍ (١)، فإذا قالت: قد شئت، وهو مكرهة على ذلك؛ لم تطلق؛ لأن فعل المكره ملغي.
- مسألة: (أَوْ) علق طلاقها (بِمَشِيئَةِ اثْنَيْنِ)؛ كقوله: أنت طالق إن شئت وشاء أبوك، (فَـ) تطلق (بِمَشِيئَتِهِمَا كَذَلِكَ)؛ لأن الصفة مشيئتهما، فلا تطلق بمشيئة أحدهما؛ لعدم وجود الشرط، وكيف شاءا؛ طلقت، ولو اختلفا في الفورية والتراخي، بأن شاء أحدهما فورًا والآخر متراخيًا؛ لأن المشيئة وجدت منهما جميعًا.
- مسألة: (وَإِنْ عَلَّقَهُ) أي: الطلاق (عَلَى مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى)؛ كقوله: أنت طالق إن شاء الله؛ فـ (تَطْلُقُ فِي الحَالِ)؛ لما روي عن ابن عباس ﵄: «إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللهُ، فَهِيَ طَالِقٌ» [المحلى ٩/ ٤٨٥]، ولأنه تعليق على ما لا سبيل إلى علمه، فبطل، كما لو علقه على شيء من المستحيلات.
стр. 1350
وعند شيخ الإسلام: أن ذلك لا يخلو قسمين:
١ - إن كان مراده: أنت طالق بهذا اللفظ، فقوله: إن شاء الله، مثل قوله: بمشيئة الله، وقد شاء الله الطلاق حين أتى بالتطليق؛ فيقع.
٢ - إن كان قد علَّق لئلا يقع، أو علقه على مشيئة توجد بعد هذا؛ لم يقع به الطلاق حتى يطلق بعد هذا، فإنه حينئذ شاء الله أن تطلق.
وزاد ابن عثيمين قسماً ثالثاً: إن أراد بقوله إن شاء الله التبرك لا التعليق؛ وقع الطلاق؛ لأنه أراد التحقيق لا التعليق.
- فرع: (وَكَذَا عِتْقٌ)، فيما لو قال: عبدي حر إن شاء الله؛ عتق؛ على ما تقدم من الخلاف.
فصل في مسائل متفرقة
- مسألة: (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَاراً، أَوْ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَدْخَلَ) الدارَ بعضَ جسده، (أَوْ أَخْرَجَ) منها (بَعْضَ جَسَدِهِ)، ولا نية ولا قرينة لفعل بعضه؛ لم يحنث؛ لعدم وجود الصفة، إذ الكل لا يكون بعضًا، ولحديث
стр. 1351
عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ المَسْجِدِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ» [البخاري ٣٠١، ومسلم ٢٩٧].
(أَوْ) حلف لا يدخل الدار فـ (دَخَلَ طَاقَ البَابِ)؛ لم يحنث؛ لأنه لم يدخلها بجملته.
- مسألة: (أَوْ) حلف: (لَا يَلْبَسُ ثَوْباً مِنْ غَزْلِهَا، فَلَبِسَ ثَوْباً فِيهِ مِنْهُ)، أي: من غزلها؛ لم يحنث؛ لأنه لم يلبس ثوباً كله من غزلها.
- مسألة: (أَوْ) حلف: (لَا يَشْرَبُ مَاءَ هَذَا الإِنَاءِ، فَشَرِبَ بَعْضَهُ؛ لَمْ يَحْنَثْ)؛ لأنه لم يشرب ماءه، وإنما شرب بعضه، بخلاف ما لو حلف: لا يشرب ماء هذا النهر، فشرب بعضه؛ فإنه يحنث؛ لأن شرب جميعه ممتنع، فلا تنصرف إليه يمينه.
- مسألة: (وَ) إن حلف: (لَيَفْعَلْنَّ شَيْئاً) عيَّنه؛ (لَا يَبَرُّ) بحلفه (إِلَّا بِفِعْلِهِ كُلِّهِ)؛ لأن اليمين تناولت فعل الجميع، فلم يَبَرَّ إلا به، فمن حلف ليأكلن الرغيف؛ لم يبر حتى يأكله كله، (مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ) تخالف ظاهر لفظه ولا سبب ولا قرينة تقتضي المنع من بعضه.
стр. 1352
- مسألة: (وَإِنْ) حلف على شيء لا يفعله، ثم (فَعَلَ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِياً، أَوْ جَاهِلاً)؛ كمن حلف لا يدخل دار زيد، فدخلها ناسياً، أو جاهلاً أنها دار زيد، أو جاهلاً الحنث إذا دخل؛ (حَنِثَ فِي طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ)؛ لوجود شرطهما، ولأنهما يتعلق بهما حق آدمي، فاستوى فيهما العمد والنسيان والجهل؛ كالإتلاف.
ولا يحنث في يمين مكفرة مع النسيان والجهل؛ لأن الكفارة تجب لدفع الإثم، ولا إثم عليهما، ولأنه محض حق الله تعالى فيعفى عنه.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: لا يحنث في الجميع، بل يمينه باقية؛ لقوله تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [الأحزاب: ٥]، ولحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٠٤٥]، ولأنه غير قاصد المخالفة؛ أشبه النائم.
- فرع: إن حلف على شيء ليفعلنه؛ كقوله: لأذهبن إلى مكة، فتركه ناسياً؛ لم يحنث، ولو في طلاق وعتاق، قطع به في التنقيح والمنتهى؛ لأن الترك يكثر فيه النسيان، فيشق التحرز منه.
وقطع في الإقناع: يحنث في طلاق وعتق فقط؛ كحلفه على شيء لا يفعله، ففعله ناسياً.
стр. 1353
- فرع: إن فعل المحلوف عليه مكرهاً، أو مجنوناً، أو مغمىً عليه، أو نائماً؛ لم يحنث مطلقاً، سواء في الطلاق أو العتق أو اليمين؛ لأنه مغطًّى على عقله في جميع هذه الأحوال، والمكره لا يضاف إليه الفعل، بخلاف الناسي.
فصل في التأويل في الحلف بالطلاق أو غيره
التأويل في الحلف: هو أن يريد الحالف بلفظه ما يخالف ظاهره.
- مسألة: إذا حلف وتأوَّل في يمينه لم يخل من ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون ظالماً؛ كالذي يستحلفه الحاكم على حق عنده: لم ينفعه تأويله، قال في المبدع: (بغير خلاف نعلمه)، وكانت يمينه منصرفة إلى ظاهر الذي عنى المستحلف؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ» [مسلم ١٦٥٣].
الثاني: أن يكون مظلومًا؛ كالذي يستحلفه ظالم على شيء لو أخبره به على وجه الصدق لظلمه أو ظلم غيره أو نال منه ضرراً: فينفعه تأويله؛ لحديث سويد بن حنظلة ﵁ قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حُجْر، فأخذه عدو له، فتحرَّج القوم أن يحلفوا، فحلفت أنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا النبي ﷺ ، فذكرنا له ذلك فقال: «صَدَقْتَ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» [أبو داود ٣٢٥٦].
стр. 1354
الثالث: ألا يكون الحالف ظالمًا ولا مظلومًا: فينفعه تأويله، وأشار إلى القسم الثاني والثالث بقوله: (وَيَنْفَعُ غَيْرَ ظَالِمٍ تَأَوُّلٌ بِيَمِينِهِ)، ولو كان التأويل بلا حاجة إليه؛ لأنه ﷺ كان يمزح ولا يقول إلا حقًّا [أحمد ٨٤٨١، والترمذي ١٩٩٠]، ومُزاحه: أن يوهم السامع بكلامه غير ما عناه، وهو التأويل، ولحديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال لعجوز: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ» [البيهقي في البعث والنشور ٣٤٦]، يعني: أن الله ينشئهن أبكارًا عربًا أترابًا، ولقول عمر ﵁: «إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَا يَكُفُّ أَوْ يُعِفُّ الرَّجُلَ عَنِ الْكَذِبِ» [ابن أبي شيبة ٢٦٠٩٥].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يجوز إلا إن ترتبت عليه ضرورة أو مصلحة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ السابق: قال رسول الله ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ»، ولأن التدليس لغير المظلوم كتدليس المبيع، ولأن المعاريض نوع من الكذب.
فصل في الشك في الطلاق
- مسألة: (وَمَنْ شَكَّ فِي طَلَاقِ) زوجته: لم يلزمه الطلاق، اتفاقاً؛ لأن النكاح ثابت بيقين، فلا يزول بالشك.
(أَوْ) شك في (مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ) الطلاق، أي: في وجود شرطه الذي علق
стр. 1355
عليه، نحو: أنت طالق إن لم أفعله اليوم، فمضى اليوم وشك في فعله؛ (لَمْ يَلْزَمْهُ) الطلاق؛ لما تقدم.
- مسألة: (أَوْ) شك (فِي عَدَدِهِ) أي: في عدد الطلاق؛ بأن علم أنه طلق، ولم يدر عدده؛ (رَجَعَ إِلَى اليَقِينِ)، وهو الأقل، فإن لم يدر أواحدة طلق أم ثلاثًا؛ فواحدة.
- مسألة: (وَإِنْ قَالَ) زوج (لِمَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ)، سماها أو لم يُسمِّها: (أَنْتِ طَالِقٌ؛ طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ)؛ لأنه قصد زوجته بصريح الطلاق، والاعتبار في الطلاق بالقصد لا بالخطاب.
(لَا عَكْسُهَا)، بأن قال لزوجته ظانًّا أنها أجنبية: أنت طالق؛ لم تطلق امرأته؛ لأنه لم يردها بذلك، كذا في الإقناع، واختاره شيخ الإسلام.
وفي التنقيح والمنتهى: أنها تطلق؛ لأنه واجهها بصريح الطلاق، فوقع، كما لو علم أنها زوجته، ولا أثر لظنه إياها أجنبية؛ لأنه لا يزيد على عدم إرادة الطلاق.
- مسألة: (وَمَنْ أَوْقَعَ بِزَوْجَتِهِ كَلِمَةً، وَشَكَّ هَلْ هِيَ طَلَاقٌ أَوْ ظِهَارٌ؛ لَمْ
стр. 1356
يَلْزَمْهُ شَيْءٌ)؛ لأن الأصل عدمهما، ولم يتيقن أحدهما.
(فَصْلٌ) في الرجعة
الرَّجعة: بفتح الراء أفصح من كسرها، وهي لغة: المرة من الرجوع.
وشرعًا: إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد.
والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق دون الثلاث، والعبد دون الاثنين؛ أن لهما الرجعة في العدة).
- مسألة: (وَإِذَا طَلَّقَ حُرٌّ) ولو مميزاً يعقله (مَنْ دَخَلَ) بها، (أَوْ خَلَا بِهَا) في نكاح صحيح، طلاقًا (أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، أَوْ) طلق (عَبْدٌ) من دخل أو خلا بها، في نكاح صحيح، طلقة (وَاحِدَةً، بِلَا عِوَضٍ) من المرأة ولا غيرها، (فِيهِمَا) أي: في طلاق الحر أو العبد؛ (فَلَهُ) أي: المطلق حرًّا كان أو عبدًا رجعتها في عدتها؛ لما تقدم من الآية والإجماع، ولا رجعة بعد انقضاء العدة؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨].
стр. 1357
(وَلِوَلِيِّ مَجْنُونٍ) طلق بلا عوض دون ما يملكه وهو عاقل، ثم جُنَّ في عدتها؛ (رَجْعَتُهَا) أي: المطلقة (فِي عِدَّتِهَا مُطْلَقاً)، رضيت أو كرهت، لقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا﴾، ولم يشترط تعالى رضا الزوجة، ولقيام ولي المجنون مقامه؛ خشية الفوات بانقضاء عدتها.
وعُلم مما تقدم: أن للرجعة أربعة شروط:
الأول: أن يكون دخل أو خلا بها؛ لأن غيرها لا عدة عليها، فلا تمكن رجعتها.
الثاني: أن يكون النكاح صحيحًا؛ لأن من نكاحُها فاسد تَبِين بالطلاق، فلا تمكن رجعتها، ولأن الرجعة إعادة إلى النكاح، فإذا لم تحل بالنكاح لعدم صحته؛ وجب أن لا تحل بالرجعة إليه.
الثالث: أن يُطلِّق دون ما يملكه من عدد الطلاق، وهو الثلاث للحر، والاثنتان للعبد؛ لأن من استوفى عدد طلاقه، لا تحل له مطلقته حتى تنكح زوجًا غيره، فلا تمكن رجعتها لذلك.
الرابع: أن يكون الطلاق بغير عوض؛ لأن العوض في الطلاق إنما جعل لتفتدي به المرأة نفسها من الزوج، ولا يحصل ذلك مع ثبوت الرجعة.
فإذا وجدت هذه الشروط كان له رجعتها ما دامت في العدة؛ للإجماع، ودليله ما سبق.
стр. 1358
وزاد شيخ الإسلام شرطاً خامساً: أن يريد بالرجعة الإصلاح، فلا يُمَكَّن من الرجعة إلا من أراد إصلاحًا وأمسك بمعروف؛ لقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا﴾، وقال: (القرآن يدل على أنه لا يملكه، وأنه لو أوقعه لم يقع، كما لو طلق البائن، ومن قال: إن الشارع مَلَّك الإنسان ما حرم عليه؛ فقد تناقض).
- مسألة: (وَسُنَّ لَهَا) أي: للرجعة (إِشْهَادٌ)؛ احتياطاً، وليس هو من شرطها؛ لعموم الأدلة التي تبيح الرجعة، وليس فيها الأمر بالإشهاد، كقوله تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك)، ولأنها لا تفتقر إلى قبول، فلا تفتقر إلى إشهاد؛ كسائر حقوق الزوج، وكذا لا تفتقر إلى ولي ولا صداق ولا رضا المرأة، ولا علمها إجماعًا؛ لأن حكم الرجعية حكم الزوجات، والرجعة إمساك؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾ [الطلاق: ٢]، فلم تحتج إلى ما يحتاج إليه في ابتداء النكاح.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يشترط الإشهاد، وإن أشهد وأوصى الشهود بكتمانها، فالرجعة باطلة؛ لقوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)، قال شيخ الإسلام: (والمراد بالإشهاد هنا: الإشهاد على الرجعة)، ولما ورد عن عمران بن حصين ﵁ أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها، ولا على رجعتها، فقال:
стр. 1359
«طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا» [أبو داود ٢١٨٦، وابن ماجه ٢٠٢٥].
- مسألة: (وَتَحْصُلُ) الرجعة بأحد أمرين:
الأول: بالقول، اتفاقاً، فتحصل الرجعة بلفظ من ألفاظ الرجعة، نحو: راجعت امرأتي، أو ارتجعتها، أو أرجعتها، أو رددتها، أو أمسكتها، أو أعدتها؛ لأن هذه الألفاظ هي الواردة في النصوص؛ قال تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك)، وقوله تعالى: (فأمسكوهن بمعروف)، ولحديث عمران بن الحصين السابق، وألحق بها ما هو في معناها.
ولا تحصل الرجعة بـ: نكحتها، أو تزوجتها؛ لأن هذا كناية، والرجعة استباحة بُضْع مقصود، فلا تحل بالكناية؛ كالنكاح.
وسبق أن القاعدة عند شيخ الإسلام: أن العقود تصح بكل ما دل على مقصودها عرفاً، من قول أو فعل.
الثاني: تحصل الرجعة (بِوَطْئِهَا مُطْلَقاً) أي: نوى الرجعة به أو لم ينو به الرجعة؛ لقوله تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك)، فسمى الله تعالى الرجعة ردًّا، والرد يكون بالقول والفعل ولو بلا نية؛ كرد المغصوب، ولأن الطلاق سبب زوال الملك، وقد انعقد مع الخيار، والوطء من المالك يمنع زواله؛ كوطء البائع في مدة الخيار، وكما ينقطع به التوكيل في طلاقها.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تحصل الرجعة بالوطء مع النية؛ لحديث
стр. 1360
عمر ﵁ مرفوعاً: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧]، وللعلم برغبته فيها.
- فرع: لا تحصل الرجعة بالمباشرة؛ كالقبلة، واللمس، والنظر إلى فرجها بشهوة أو غيرها، ولا بالخلوة بها، والحديث معها؛ لأن ذلك كله ليس في معنى الوطء، إذ الوطء يدل على ارتجاعها دلالة ظاهرة، بخلاف ما ذُكِر.
- مسألة: (وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ)، يملك الزوج منها ما يملكه ممن لم يطلقها، فيصح أن تلاعن، ويلحقها ظهاره، وإيلاؤه، ويرث أحدهما صاحبه إجماعًا، ويصح خلعها، ولها ما للزوجة من نفقة وكسوة ومسكن، ولها أن تتشرف وتتزين له، وله السفر والخلوة بها، وعليها حكم الزوجات من لزوم المسكن ونحوه؛ لقوله تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك)، فسمى المطلق بعلاً، فدل على أنها زوجة.
فالرجعية لها حكم الزوجات (فِي غَيْرِ) أربع مسائل:
١ - (قَسْمٌ)، فلا يجب على الزوج أن يقسم لها؛ لأنه انعقد سبب زوال نكاحها، فأشبهت البائن في عدتها.
٢ - أن من وقف على أولاده، وشرط أن من تزوج من البنات لا حق لها، فتزوجت واحدة منهن أو أكثر، ثم طلقت؛ عاد إليها حقها؛ لفوات شرطه.
стр. 1361
٣ - أن حضانة أولادها من غيره تعود إليها في مدة الرجعة؛ لقيام سبب الحضانة، وإنما امتنع حق الحضانة لمانع، فإذا زال المانع عاد الحق بالسبب السابق الملازم.
٤ - أنها كالمتوفى عنها زوجها في لزوم المنزل، لا في الإحداد؛ لقوله تعالى: (لا تخرجوهن من بيوتهن) [الطلاق: ١]، فلا تخرج ولو أذن لها المطلق؛ لأنه من حقوق العدة وهي حق لله، فلا يملك الزوج إسقاطه.
واختار ابن عثيمين: أنها كسائر الزوجات؛ لأن الرجعية زوجة، وأما الآية فالمراد به خروج المفارقة، وليس الخروج لأي سبب.
- مسألة: (وَتَصِحُّ) رجعة (بَعْدَ طُهْرٍ مِنْ حَيْضَةٍ ثَالِثَةٍ قَبْلَ غُسْلٍ)؛ لما روى مكحول: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيًّا، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَأَبَا الدَّرْدَاءِ، وَعُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ الأَشْعَرِيَّ، كَانُوا يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ: إِنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنْ حَيْضَتِهَا الثَّالِثَةِ، يَرِثُهَا وَتَرِثُهُ مَا دَامَتْ فِي العِدَّةِ» [ابن أبي شيبة ١٨٨٩٩]، ولأن أثر الحيض يمنع الزوج الوطء كما يمنعه الحيض، فيحرم وطؤها قبل الغسل، فوجب أن يمنع ذلك ما يمنعه الحيض، ويوجب ما أوجبه الحيض كما قبل انقطاع الدم.
وأما بقية الأحكام من التوارث والطلاق واللعان والنفقة وغيرها فتنقطع بانقطاع الدم؛ لأنه ليس من شرط انقضاء الحيضة الغسل، فتنقضي بانقطاع
стр. 1362
الدم، خولف في هذه المسألة للآثار.
- فرع: متى اغتسلت الرجعية من حيضة ثالثة إن كانت من ذوات الأقراء، أو أتمت ثلاثة أشهر من كانت عدتها بالشهور، أو وضعت كل الحمل إن كانت حاملاً، ولم يرتجعها قبله؛ بانت منه، (وَ) لا (تَعُودُ بَعْدَ) انقضاء (عِدَّةٍ) إلا (بِعَقْدٍ جَدِيدٍ)؛ إجماعًا؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: العدة.
- فرع: المطلقة لا تخلو من ثلاث حالات:
١ - أن يطلقها دون ما يملك من الطلقات؛ بأن طلق حر دون الثلاث، أو عبد واحدة، ثم تعود إليه برجعة أو نكاح جديد قبل زوج ثان: فهذه تعود إليه (عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا)، قال ابن قدامة: (بغير خلاف نعلمه).
٢ - أن يطلقها كل ما يملك من الطلقات، فتنكح زوجًا غيره، ويصيبها، ثم يتزوجها الأول: فهذه تعود على طلاق ثلاث، حكاه ابن المنذر إجماعاً؛ لأنه قد استوفى ما كان يملك من الطلاق الثلاث، فوجب أن يستأنفها.
٣ - أن يطلقها دون ما يملك من الطلقات، ثم تنقضي عدتها، ثم تنكح زوجاً غيره، ثم يطلقها، ثم يتزوجها الأول: فتعود إليه على ما بقي من طلاقه، وتسمى: مسألة الهدم، وهو قول أكابر الصحابة منهم: عمر، وعلي، وأُبي، ومعاذ، وعمران بن حصين، وأبو هريرة ﵃ [عبدالرزاق ٦/ ٣٥١ - ٣٥٤]، ولأن وطء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال للأول، فلا يغير حكم
стр. 1363
الطلاق؛ كوطء الشبهة والسيد، ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث، أشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني.
- مسألة: (وَمَنِ ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا)؛ لم يخل ذلك من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن تدعي انقضاء عدتها بولادة، (وَأَمْكَنَ) ذلك؛ بأن مضى زمن يمكن انقضاؤها فيه، ولا يخلو ذلك من حالين:
١ - إن ادعت انقضاء العدة بوضع حمل تمام ليس سقطًا: لم يقبل قولها في أقل من ستة أشهر من حين إمكان الوطء بعد العقد؛ لأن ذلك أقل مدة الحمل.
٢ - وإن ادعت أنها أسقطت ما تنقضي به العدة: لم يقبل قولها في أقل من ثمانين يومًا من حين إمكان الوطء بعد العقد؛ لأن العدة لا تنقضي إلا بما يبين فيه خلق إنسان، وأقل مدة يتبين فيها خلق إنسان أحد وثمانون يومًا.
فإذا ادعت ما يمكن انقضاء عدتها فيه؛ (قُبِلَ) ذلك منها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: من الحيض والحمل، فلولا أن قولهن مقبول لم يحرم عليهن كتمانه، ولأنه أمر تختص المرأة بمعرفته، فقُبِل قولها فيه؛ كالنية من الإنسان حيث اعتبرت.
القسم الثاني: أن تدعي انقضاء عدتها بالحيض، فلا يخلو من ثلاث حالات:
стр. 1364
١ - أن تدعي انقضاءها بشهر: فـ (لَا) تقبل دعوى الحرة انقضاء عدتها (فِي شَهْرٍ بِحَيْضٍ)، ولا دعوى الأمة انقضاء عدتها خمسة عشر يوماً ولحظة؛ (إِلَّا بِبَيِّنَةٍ)؛ لقول شريح: إذا ادعت أنها حاضت ثلاث حيض في شهر، وجاءت ببينة؛ فقد انقضت عدتها، وإلا فهي كاذبة، فقال له علي: «قَالُون» [ابن أبي شيبة ١٩٢٩٦]، ومعناه بالرومية: أصبت وأحسنت، وإنما لم تصدق في ذلك مع إمكانه؛ لندرته، بخلاف ما زاد على الشهر.
وأقل ما يمكن أن تنقضي فيه عدة الحرة من الأقراء- وهي: الحيض- تسعة وعشرون يومًا ولحظة، بناء على أن أقل الحيض يوم وليلة، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا، وذلك بأن يطلقها مع آخر الطهر، ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر لحظة لتعرف بها انقضاء الحيض، وإن لم تكن اللحظة من عدتها فلا بد منها لمعرفة انقطاع الحيض، ومن اعتبر الغسل؛ فلا بد من وقت يمكن فيه الغسل بعد الانقطاع.
وأقل ما تنقضي فيه عدة الأمة بالأقراء: خمسة عشر يومًا ولحظة، بأن يكون طلقها في آخر طهرها، وحاضت يومًا وليلة، وطهرت ثلاثة عشر يومًا، وحاضت يومًا وليلة، واللحظة؛ ليتحقق فيها الانقطاع كما تقدم.
٢ - أن تدعي الحرة انقضاء عدتها في أقل من تسعة وعشرين يومًا ولحظة، أو تدعي الأمة انقضاءها في أقل من خمسة عشر يوماً ولحظة: فلا
стр. 1365
تسمع دعواها؛ لأن ذلك أقل زمن يمكن انقضاء العدة فيه.
٣ - أن تدعي الحرة أو الأمة انقضاء العدة بالحيض في أكثر من ذلك: قبل قولها؛ لأنه أمكن صدقها.
القسم الثالث: أن تدعي انقضاء العدة بالشهور: لم يقبل قولها إلا ببينة، والقول قول الزوج؛ لأن الاختلاف في ذلك ينبني على الاختلاف في وقت الطلاق، والقول قول الزوج فيه.
إلا أن يدعي الزوج انقضاءها ليسقط نفقتها، مثل أن يقول في المحرَّم: طلقتك في شوال، فقد انقضت عدتك، وسقطت نفقتك، فتقول هي: بل طلقتني في ذي القعدة، فعدتي ونفقتي باقيتان؛ فقولها؛ لأن الأصل عدم سقوط ذلك.
فصل
- مسألة: (وَإِنْ طَلَّقَ حُرٌّ) زوجته (ثَلَاثاً، أَوْ) طلق (عَبْدٌ) زوجته (اثْنَتَيْنِ)؛ حرمت عليه؛ لقول ابن عباس ﵄: «﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨] , وذلك أن الرجُلَ كان إذا طلَّقَ امرأتَه فهو أحقُّ بِرَجْعَتِها وإن طَلَّقها ثلاثاً، فَنُسِخَ ذلك، وقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾» [أبوداود ٢١٩٥، والنسائي ٣٥٥٤].
стр. 1366
و (لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يَطَأَهَا زَوْجٌ غَيْرُهُ) بخمسة شروط:
١ - أن يطأها الزوج الثاني، باتفاق الأئمة؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)، ولحديث عائشة ﵂: أن امرأة رِفَاعة القُرَظي جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني فبَتَّ طلاقي، وإني نَكَحْت بعده عبد الرحمن بن الزبير القُرَظي، وإنما معه مثل الهُدْبة، قال رسول الله ﷺ : «لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» [البخاري ٥٢٦٠، ومسلم ١٤٣٣].
فلا يكفي العقد، ولا الخلوة، ولا المباشرة دون الفرج.
٢ - أن يكون الوطء (فِي قُبُلٍ)، فلا تحل في وطء في الدبر؛ لأن الوطء المعتبر شرعًا لا يكون في غيره.
٣ - أن يطأها (بِنِكَاحِ رَغْبَةٍ صَحِيحٍ)، لا بنكاح فاسد، أو بنكاح باطل، أو بشبهة، أو بملك يمين؛ لأنه لا يسمى نكاحاً شرعاً، فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾.
٤ - أن يكون الوطء (مَعَ انْتِشَارِ) الذكر، باتفاق الأئمة؛ لحديث عائشة السابق، وفيه: «لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ»، والعسيلة لا تكون إلا مع انتشار الذكر.
стр. 1367
(وَيَكْفِي) في حِلِّها (تَغْيِيبُ حَشَفَةٍ) كلها من الزوج الثاني في قبلها، لأن أحكام الوطء تتعلق به، أو تغييب قدرها من مجبوب؛ لأنه يوجب الغسل ويفسد الحج، أشبه تغييب الذكر، (وَلَوْ لَمْ يُنْزِلْ)؛ لوجود حقيقة الوطء، (أَوْ) أي: ولو لم (يَبْلُغْ عَشْراً)، فلا يشترط بلوغ الزوج الثاني؛ لعموم قوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ).
٥ - أن يكون الوطء الثاني مباحاً، فـ (لَا) تحل بوطء (فِي حَيْضٍ، أَوْ) في (نِفَاسٍ، أَوْ) في (إِحْرَامٍ) منهما أو من أحدهما، (أَوْ) في (صَوْمِ فَرْضٍ) منهما أو من أحدهما؛ لأنه وطء حرم لحق الله تعالى، فلم يحلها؛ كالوطء في النكاح الباطل.
أما إن وطئها وهي محرَّمة الوطء لضيق وقت الصلاة، أو وطئها مريضةً تتضرر بوطئه، أو وطئها في المسجد، أو في حال منع الزوجة نفسها لقبض مهر حال، فإن الوطء يحلها له في هذه الصورة؛ لأن الحرمة هنا لا لمعنىً فيها لحق الله تعالى، بخلاف ما تقدم.
واختار ابن قدامة وابن عثيمين: لا يشترط كون الوطء مباحاً؛ لعموم قوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)، وعموم قوله ﷺ : «لا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ»، وقد وجد، ولأنه وطء في نكاح صحيح في محل الوطء على سبيل التمام، فأحلها،
стр. 1368
كالوطء المباح، وكما لو وطئها وقد ضاق وقت الصلاة، أو وطئها مريضة يضرها الوطء.
- فرع: (أَوْ) وطئها في (رِدَّةٍ) من الزوج الثاني أو منها؛ لم يحلها؛ لأنه إن لم يُسْلِم الزوج الثاني في العدة؛ لم يصادف الوطء نكاحًا، وإن عاد إلى الإسلام؛ فقد وقع الوطء في نكاح غير تام؛ لانعقاد سبب البينونة.
(فَصْلٌ) في الإيلاء
بالمدِّ، أي: الحلِفِ، مصدرُ: آلَى يُولِي، والألِيَّةُ اليمينُ.
- مسألة: (وَالإِيلَاءُ حَرَامٌ)؛ لأنه يمين على ترك واجب، ولما فيه من الإضرار بالمرأة بترك معاشرتها بالمعروف.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦]، وكان أُبَي بن كعب، وابن عباس ﵃، يقرآن ﴿يقسمون﴾ مكان ﴿يؤلون﴾، وكان أهل الجاهلية إذا طلب الرجل من امرأته شيئًا فأبت أن تعطيه، حلف أن لا يقربها السنة والسنتين والثلاث، فيدعها لا أيمًا ولا ذات بعل، فلما كان الإسلام جعل الله ذلك للمسلمين أربعة أشهر.
стр. 1369
- مسألة: (وَ) الإيلاء شرعًا: (هُوَ حَلِفُ زَوْجٍ)، فلا يصح من غيره، (عَاقِلٍ)، فلا يصح من مجنون، (يُمْكِنُهُ الوَطْءُ)، فلا يصح من عاجز عنه لنحو جَبٍّ أو شَلَلٍ، (بِاللهِ) تعالى، (أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ)؛ كعزة الله، وقدرة الله، (عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ)، لا أمته، أو أجنبية، (المُمْكِنِ) جماعها، لا نحو رتقاء، (فِي قُبُلٍ) لا دبرٍ، ولا ما دون الفرج، (أَبَداً، أَوْ مُطْلَقاً، أَوْ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) مصرحًا بها، أو ينويها، بأن يحلف أن لا يطأها وينوي فوق أربعة أشهر.
- فرع: يشترط في الإيلاء أربعة شروط:
الشرط الأول: أن يحلف الزوج على ترك وطء زوجته في القبل، وعلى هذا فلا يكون موليًا:
- إن ترك الوطء بغير يمين؛ لظاهر الآية، ويأتي.
- ولا إن حلف على ترك وطء أمته أو أجنبية؛ لظاهر قوله: (يؤلون من نسائهم)، والأمة من ماله وليست من نسائه.
- ولا إن حلف على ترك وطء الدبر، ولا ما دون الفرج؛ لأنه لم يترك الوطء الواجب عليه، ولا تتضرر المرأة بتركه.
стр. 1370
الشرط الثاني: أن يحلف بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، ولا خلاف أن الحلف بذلك إيلاء؛ لقوله تعالى: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ٢٢٦]، والغفران إنما يدخل اليمين بالله تعالى.
فإن حلف على ترك الوطء بنذر، أو عتق، أو طلاق، أو تحريم مباح، ونحوه؛ كما لو قال: علي الطلاق أن لا أطأ زوجتي مدة سنة، أو قال: إن وطئت زوجتي قبل سنة فرقيقي حر، ونحو ذلك؛ فليس بمول؛ لأنه لم يحلف بالله تعالى أشبه ما لو حلف بالكعبة، ولأن هذا تعليق بشرط، ولهذا لا يؤتى فيه بحرف القسم، ولا يجاب بجوابه، ولا ذكره أهل العربية في باب القسم، وإنما يسمى حلفًا تجوزًا؛ لمشاركته القسم في الحث على الفعل أو المنع منه.
واختار ابن القيم وابن عثيمين: أنه يكون موليًا بذلك؛ لأن اليمين بالطلاق ونحوه يمين مكفرة، قال شيخ الإسلام: (القول بأنه يمين مكفرة هو مقتضى المنقول عن الصحابة في الحلف بالعتق، بل بطريق الأولى؛ فإنهم إذا أفتوا من قال: "إن لم أفعل كذا فكل مملوك لي حر"، بأنه يمين تكفر، فالحالف بالطلاق أولى).
الشرط الثالث: أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر؛ لظاهر الآية، ولقول ابن عباس ﵄: «كَانَ إِيلَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَوَقَّتَ اللهُ لَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَمَنْ كَانَ إِيلَاؤُهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ» [البيهقي: ١٥٢٣٨].