← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

٢ - (وَ) تعتد (أَمَةٌ) توفي عنها زوجها: (نِصْفَهَا) أي: شهرين وخمسة أيام بلياليها؛ لأن الصحابة أجمعوا على أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة، قاله في المبدع. واختار ابن حزم وابن عثيمين: أن عدتها كعدة الحرة؛ لعموم الآية، وقال ابن سيرين: (ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة، إلا أن تكون قد مضت في ذلك سنة، فإن السنة أحق أن تُتبع). ٣ - (وَ) تعتد (مُبَعَّضَةٌ) توفي عنها زوجها: (بِالحِسَابِ) من عدة حرة وأمة، ويجبر بالكسر، فمن نصفها حر ونصفها رقيق: تعتد ثلاثة أشهر وثمانية أيام بلياليها، ومن ثلثها حر: شهرين وسبعة وعشرين يومًا. - مسألة: المطلقة إن مات عنها زوجها في عدتها لا تخلو من ثلاثة أقسام: ١ - أن تكون رجعية، ثم يموت زوجها في عدتها: فتستأنف عدة الوفاة من حين موته؛ لأنها زوجة، فتدخل في عموم قوله: ﴿والذين يتوفون منكم﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]، وسقطت عدة الطلاق؛ لأنها تعتد للوفاة، فلا يجتمع معها غيرها إجماعًا، حكاه ابن المنذر. ٢ - أن تكون مبانة في حال الصحة، ثم يموت في عدتها: فلا تنتقل عن عدة الطلاق؛ لأنها أجنبية منه في النظر إليها، والتوارث، ولحوقها طلاقه ونحوه، فلا تعتد لوفاته.

стр. 1402

٣ - أن تكون مبانة في مرض موت الزوج، ثم يموت عنها، فلا تخلو من قسمين: أأن تكون وارثة، فقال ﵀: (وَتَعْتَدُّ مَنْ أَبَانَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) المخُوف ضرارًا: (الأَطْوَلَ مِنْ عِدَّةِ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ إِنْ وَرِثَتْ)؛ لأنها وارثة، فيجب عليها أن تعتد للوفاة، ومطلقة؛ فيجب عليها أن تعتد للطلاق، فتعتد بأطولهما، ضرورة أنها لا تخرج عن العهدة يقينًا إلا بذلك. وعنه، واختاره ابن عثيمين: تعتد عدة طلاق؛ لأنه مات وهي ليست زوجة له؛ لأنها بائن، وكونها ترثه لا علاقة به في العدة؛ لأنها ترثه ولو بعد العدة، إن طلقها بقصد حرمانها من الميراث، ما لم تتزوج أو ترتد. ب أن تكون غير وارثة، فقال ﵀: (وَإِلَّا) تكن البائن في مرض موته وارثة؛ كالأمة، أو الحرة يطلقها العبد، أو الذمية الكتابية يطلقها المسلم، أو تكون هي سألته الطلاق، أو سألته الخلع؛ فتعتد (عِدَّةَ طَلَاقٍ) لا غير؛ لأنها ليست وارثة، أشبهت المبانة في الصحة. (الثَّالِثَةُ) من المعتدات: (ذَاتُ الحَيْضِ المُفَارَقَةُ فِي الحَيَاةِ)، بعد الدخول أو الخلوة، (فَتَعْتَدُّ): ١ - إذا كانت (حُرَّةً): بثلاث حيضات، واختاره ابن عثيمين؛ لقوله

стр. 1403

تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والقروء: الحِيَض؛ لقول عمر وعلي وابن مسعود ﵃، وقال عمرو بن دينار: (الأقراء: الحِيَض، عن أصحاب رسول الله ﷺ [عبدالرزاق ٦/ ٣١٥]؛ ولأنه المعهود في لسان الشرع؛ لحديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده مرفوعاً: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» [أبو داود ٢٩٧، والترمذي ١٢٦، وابن ماجه ٦٢٥]، ولم يعهد في لسانه استعمال القرء بمعنى الطهر، وإن كان في اللغة القرء مشتركًا بين الحيض والطهر، قال الإمام أحمد: (كنت أقول إنه الأطهار، ثم رجعت لقول الأكابر). ٢ - (وَ) تعتد (مُبَعَّضَةٌ: بِثَلَاثِ حَيْضَاتٍ) أيضاً؛ لأن عدة الأمة بالقروء قرءان، فأدنى ما يكون فيها من الحرية يوجب قرءًا ثالثًا؛ لأنه لا يتبعض. وقال شيخ الإسلام: (ويتوجه في المعتَقِ بعضها إذا كان الحر ثلثَها فما دون: أن لا تجب الثلاثة الأقراء، فإن تكميل القرءين من الأمة إنما كان لضرورة، فيؤخذ للمعتَقِ بعضها بحاسب الأصل ويكمل). وعلى هذا: لو كان نصفها حرًّا ونصفها أمة، فبالحرية لها حيضة ونصف، وبالرق ثلاثة أرباع حيضة، فالمجموع: حيضتان وربع، فيجبر الكسر، وتكون عدتها ثلاث حيض. وأما إن كان ثلثها حرًّا وثلثاها أمة، فبالحرية لها حيضة، وبالرق لها حيضة، فيكون المجموع: حيضتين.

стр. 1404

٣ - (وَ) تعتد (أَمَةٌ: بِحَيْضَتَيْنِ)؛ صح ذلك عن عمر وابنه [عبد الرزاق ١٢٨٧١ - ١٢٩٥٩]، وروي عن علي أيضاً ﵃ [ابن أبي شيبة ٤/ ١٤٦]، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة، وكالحد، وكان القياس يقتضي أن تكون حيضة ونصفًا، كما أن حدها النصف من الحرة، إلا أن الحيض لا يتبعض، فوجب تكميله كالطلقة. - فرع: عدة المفارَقة في الحياة بعد الدخول أو الخلوة إن كانت من ذوات الأقراء لا تخلو من ثلاث حالات: ١ - أن تكون الفرقة بطلاق رجعي أو بائن دون الثلاث، فتعتد على ما سبق في عدة ذات الحيض. ٢ - أن تكون مفارقة بطلقة ثالثة، فتعتد على ما سبق؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، وقد حكاه في الفروع إجماعًا. وقال شيخ الإسلام: المطلقة ثلاثاً تعتد بحيضة إن قال به أحد ولم يخالف إجماع (١)، وقال: (والحديث -أي: حديث فاطمة بنت قيس لما

стр. 1405

طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات- وإن لم يكن في لفظه أن تعتد ثلاث حيض؛ فهذا هو المعروف عند من بلغنا قوله من العلماء، فإن كان هذا إجماعًا فهو الحق، والأمة لا تجتمع على ضلالة، وإن كان من العلماء من قال: إن المطلقة ثلاثًا إنما عليها الاستبراء لا الاعتداد بثلاث حيض؛ فهذا له وجه قوي، بأن يكون طول العدة في مقابلة استحقاق الرجعة، وهذا هو السبب في كونها جعلت ثلاثة قروء، فمن لا رجعة عليها لا تتربص ثلاثة قروء؛ وليس في ظاهر القرآن إلا ما يوافق هذا القول؛ لا يخالفه). ٣ - أن تكون الفرقة بخلع أو فسخ، فتعتد على ما سبق؛ قياساً على المطلقة. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن المخلوعة والمفسوخة تعتد بحيضة؛ لحديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِدَّتَهَا حَيْضَةً» [أبو داود ٢٢٢٩، والترمذي ١١٨٥]، ولما روى نافع: أن الرُّبيع اختلعت من زوجها، فأتى عمُّها عثمانَ، فقال: «تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ»، وكان ابن عمر يقول: «تَعْتَدُّ ثَلَاثَ حِيَضٍ»، حتى قال هذا عثمان، فكان يفتي به ويقول: «خَيْرُنَا وَأَعْلَمُنَا» [ابن أبي شيبة ١٨٤٦٢]، وهو قول ابن عباس ﵄ [ابن أبي شيبة ١٨٤٦٤]، قال شيخ الإسلام: (ولم يثبت عن صحابي خلافه، فإنه روي خلافه عن عمر وعلي بإسناد ضعيف)، ولا يصح قياس الخلع على

стр. 1406

الطلاق؛ لأنه فسخ لا طلاق. (الرَّابِعَةُ) من المعتدات: (المُفَارَقَةُ فِي الحَيَاةِ، وَلَمْ تَحِضْ لِصِغَرٍ أَوْ إِيَاسٍ) من الحيض، والإياس: بلوغها سن الخمسين، وعند شيخ الإسلام: لا حدَّ لأكثره، وتقدم في الحيض، (فَتَعْتَدُّ): ١ - إذا كانت (حُرَّةً: بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق: ٤] أي: كذلك. وتبدأ المدة من وقت الفرقة، فإن فارقها نصف الليل أو النهار اعتدت من ذلك الوقت إلى مثله. ٢ - (وَ) إذا كانت (أَمَةً): فتعتد (بِشَهْرَيْنِ)؛ لقول عمر ﵁: «تَعْتَدُّ الْأَمَةُ حَيْضَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَشَهْرَيْنِ» [عبد الرزاق ١٢٨٧٢]، ولأن كل شهر مقام قرء، وعدتها بالأقراء قرءان، فكذا بدلهما شهران. ٣ - (وَ) إذا كانت (مُبَعَّضَةً) فتعتد: (بِالحِسَابِ)، فتزيد على الشهرين من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، فمن ثلثها حر؛ تعتد بشهرين وعشرة أيام، ومن نصفها حر؛ فعدتها شهران ونصف شهر، ومن ثلثاها حران؛ عدتها شهران وعشرون يومًا، ويجبر الكسر، فلو كان ربعها حرًّا؛ فعدتها شهران وثمانية أيام.

стр. 1407

(الخَامِسَةُ) من المعتدات: (مَنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا)، ولو بعد حيضة أو أكثر، وهي على قسمين: الأول: من ارتفع حيضها (وَلَمْ تَعْلَمْ مَا رَفَعَهُ) أي: سببه: (فَتَعْتَدُّ لِلْحَمْلِ غَالِبَ مُدَّتِهِ)، تسعة أشهر؛ ليعلم براءة رحمها، (ثُمَّ تَعْتَدُّ) بعد ذلك (كَآيِسَةٍ)، على ما سبق تفصيله آنفًا في الحرة والمبعضة والأمة، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول عمر ﵁: «أَيُّمَا رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ قَعَدَتْ، فَلْتَجْلِسْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى يَسْتَبِينَ حَمْلُهَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ حَمْلُهَا فِي التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ؛ فَلْتَعْتَدَّ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ بَعْدَ التِّسْعَةِ الَّتِي قَعَدَتْ مِنَ الْمَحِيضِ» [عبد الرزاق ١١٠٩٥]، قال الشافعي: (هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار، لا ينكره منهم منكر علمناه)، ولأن الغرض بالعدة معرفة براءة رحمها، وهي تحصل بذلك، فاكتفي به، وإنما وجبت العدة بعد التسعة أشهر؛ لأن عدة الشهور إنما تجب بعد العلم ببراءة الرحم من الحمل، إما بالصغر أو الإياس، وهنا لما احتمل انقطاع الحيض للحمل أو للإياس؛ اعتبرت البراءة من الحمل بمضي مدته، فتعين كون الانقطاع للإياس، فوجبت عدته عند تعيينه، ولم يعتبر ما مضى من الحيض قبل الإياس؛ لأن الإياس طرأ عليه. فتكون عدة الحرة: سنة، تسعة للحمل، وثلاثة أشهر للعدة. وعدة أمة: أحد عشر شهرًا، تسعة للحمل، وشهران للعدة.

стр. 1408

(وَ) الثاني: (إِنْ عَلِمَتْ) معتدة انقطع حيضها (مَا رَفَعَهُ) من مرض أو رضاع أو نفاس: (فَلَا تَزَالُ) في عدة (حَتَّى يَعُودَ) حيضها (فَتَعْتَدَّ بِهِ) وإن طال الزمن؛ لعدم إياسها من الحيض، فتدخل في عموم قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)؛ ولما روى الزهري: (أن رجلًا من الأنصار يقال له: حبان بن منقذ، طلق امرأته وهي ترضع، وهو يوم طلقها صحيح، فمكثت سبعة أشهر لا تحيض، يمنعها الرضاع الحيضة، ثم مرض حبان بعد أن طلقها بأشهر، فقيل له: إن امرأتك ترثك إن مت، فقال لهم: احملوني إلى عثمان، فحملوه، فذكر شأن امرأته وعنده علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت ﵃، فقال لهما عثمان: «مَا تَرَيَانِ؟ » قالا: «نَرَى أَنَّهَا تَرِثُهُ إِنْ مَاتْ، وَأَنَّهُ يَرِثُهَا إِنْ مَاتَتْ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقَوَاعِدِ اللَّاتِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْأَبْكَارِ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى عِدَّةِ حَيْضَتِهَا قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ»، فرجع إلى أهله، فأخذ ابنته من امرأته، فلما فقدت الرضاع حاضت حيضة، ثم أخرى في الهلال، ثم توفي حبان قبل أن تحيض الثالثة، فاعتدت عدة المتوفى عنها وورثته) [البيهقي ١٥٤١٠]. (أَوْ) حتى (تَصِيرَ) التي انقطع حيضها وعلمت ما رفعه (آيِسَةً) أي: تبلغ سن الإياس، (فَتَعْتَدَّ عِدَّتَهَا)؛ لأنها آيسة أشبهت سائر الآيسات.

стр. 1409

واختار شيخ الإسلام: إن علمت عدم عوده؛ فكآيسة، وإلا اعتدت سنة؛ لقضاء عمر السابق، وقال: (ومن قال: إنها تدخل في سن الآيسات؛ فهذا قول ضعيف جدًّا، مع ما فيه من الضرر الذي لا تأتي الشريعة بمثله). - مسألة: (وَعِدَّةُ بَالِغَةٍ لَمْ تَحِضْ)؛ كآيسة: ثلاثة أشهر إن كانت حرة، وشهران إن كانت أمة؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض﴾ الآية [الطلاق: ٤]. (وَ) عدة (مُسْتَحَاضَةٍ مُبْتَدَأَةٍ، أَوْ نَاسِيَةٍ) لعادتها ولا تمييز؛ (كَآيِسَةٍ)، ثلاثة أشهر إن كانت حرة، وشهران إن كانت أمة؛ لأنهما لا يعلمان وقت حيضهما، والغالب على النساء أن يحضن في كل شهر حيضة، ويطهرن باقيه، كما في حديث حمنة بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ أمرها أن تجلس في كل شهر ستة أيام أو سبعة [أحمد ٢٧١٤٤، وأبو داود ٢٨٧، والترمذي ١٢٨، وابن ماجه ٦٢٧]. وإن كانت لها عادة أو تمييز؛ عملت به؛ كما تعمل به في الصلاة والصوم.

стр. 1410

(السَّادِسَةُ) من المعتدات: (امْرَأَةُ المَفْقُودِ)، أي: من انقطع خبره فلم تعلم حياته ولا موته: (تَتَرَبَّصُ، وَلَوْ) كانت (أَمَةً)، ولا يخلو تربصها من أمرين: الحالة الأولى: تتربص (أَرْبَعَ سِنِينَ: إِنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ لِغَيْبَةٍ ظَاهِرُهَا الهَلَاكُ)؛ كالمفقود من بين أهله، أو في مفازة، أو بين الصفين في حال الحرب، ونحوه، ثم تعتد للوفاة، الحرة أربعة أشهر وعشرًا، والأمة شهرين وخمسة أيام؛ لما ورد عن ابن المسيب: «أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄ قَضَيَا فِي الْمَفْقُودِ أَنَّ امْرَأَتَهُ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُزَوَّجَ؛ فَإِنَّ جَاءَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ؛ خُيِّرَ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ» [عبد الرزاق ١٢٣١٧]، قال أحمد: (من تركها هذا أي شيء يقول؟ ! هو عن خمسة من الصحابة: عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن الزبير ﵃. (وَ) الحالة الثانية: تتربص تمام (تِسْعِينَ) سنة (مُنْذُ وُلِدَ: إِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا السَّلَامَةَ)؛ كسفر تاجر في غير مهلكة، وإباق العبد، والسفر لطلب العلم والسياحة، والأسر عند من ليس عادته القتل؛ لأن الظاهر أنه لا يعيش أكثر منها، فإن فُقِد ابن تسعين؛ اجتهد الحاكم، (ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ)، الحرة أربعة أشهر وعشرًا، والأمة شهرين وخمسة أيام؛ لأنه قد حكم بموته،

стр. 1411

ثم تحل للأزواج. واختار ابن عثيمين: أنه يرجع في تقدير مدة التربص إلى اجتهاد الحاكم، وهو يختلف باختلاف الأحوال، والأزمان، والأمكنة، والأسباب التي بها فقد؛ لأن الأصل حياة المفقود، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بيقين أو ما في حكمه. - فرع: الأمة كالحرة في التربص؛ لأن تربص المدة المذكورة ليُعْلَم حاله من حياة وموت، وذلك لا يختلف بحال زوجته. - مسألة: (وَإِنْ طَلَّقَ) زوج (غَائِبٌ، أَوْ مَاتَ) زوجها الغائب عنها؛ (فَابْتِدَاءُ العِدَّةِ مِنَ الفُرْقَةِ) أي: وقت الطلاق أو الموت، لا من حين علمت بالخبر؛ لوروده عن ابن عمر وابن عباس ﵃ [عبد الرزاق ٦/ ٣٢٧]، كما لو كان حاضرًا، ولأن القصد غير معتبر في العدة بدليل الصغيرة والمجنونة، وإن لم تجتنب ما تجتنبه المعتدة؛ لأن الإحداد الواجب ليس بشرط في العدة؛ لظاهر النصوص. - مسألة: (وَعِدَّةُ مَنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أَوْ) وطئت بـ (زِنىً)، أو وطئت بعقد فاسد؛ على قسمين: ١ - أن تكون حرة، أو أمة مزوجة: فعدتها (كَـ) عدة (مُطَلَّقَةٍ)؛ لأنه وطء يقتضي شغل الرحم، فوجبت العدة منه؛ كالوطء في النكاح.

стр. 1412

وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن كل واحدة منهن تستبرأ بحيضة؛ لأنه لم يرد إيجاب العدة بثلاثة قروء إلا على المطلقات؛ لا على من فارقها زوجها بغير طلاق، وقياساً على المختلعة. ٢ - أن تكون أمة غير مزوجة، وأشار إليها بقوله: (إِلَّا أَمَةً غَيْرَ مُزَوَّجَةٍ؛ فَـ) لا تعتد، وإنما (تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ)؛ لأن استبراءها من الوطء المباح يحصل بذلك، فكذا غيره. - مسألة: (وَإِنْ وُطِئَتْ مُعْتَدَّةٌ بِشُبْهَةٍ، أَوْ) وطئت بـ (زِنىً، أَوْ) وطئت بـ (نِكَاحٍ فَاسِدٍ)؛ فُرِّق بينهما، أي: بين المعتدة الموطوءة والواطئ؛ لأن العقد الفاسد وجوده كعدمه، و (أَتَمَّتْ عِدَّةَ الأَوَّلِ)، سواء كانت عدته من نكاح صحيح أو فاسد، أو وطء شبهة أو زنىً؛ لأن سببها سابق على الوطء المذكور، ما لم تحمل من الثاني؛ فتنقضي عدتها منه بوضع الحمل، ثم تتمم عدة الأول. (وَلَا يُحْتَسَبُ مِنْهَا) أي: من عدة الأول مدة (مُقَامِهَا عِنْدَ) واطئ (ثَانٍ) بعد الوطء، بل ابتداؤها من التفريق بينهما؛ لانقطاعها بوطئه، (ثُمَّ اعْتَدَّتْ) بعد تتمة عدة الأول (لِـ) واطئ (ثَانٍ)؛ لأن العدتين من رجلين لا يتداخلان؛ كالدينين، وعن علي ﵁: «أَنَّهُ قَضَى فِي الَّتِي تُزَوَّجُ فِي عِدَّتِهَا أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ

стр. 1413

مِنْ فَرْجِهَا، وَتُكْمِلُ مَا أَفْسَدَتْ مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ وَتَعْتَدُّ مِنَ الْآخَرِ» [مسند الشافعي ٢٨٢٢]. فصل في الإحداد وهو: المنع، إذ المرأة تمنع نفسها مما كانت تتهيأ به لزوجها من تطيب وتزين. - مسألة: (وَيَحْرُمُ إِحْدَادٌ عَلَى مَيِّتٍ غَيْرِ زَوْجٍ فَوْقَ ثَلَاث) ليال بأيامها؛ لحديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول اللهِ ﷺ يقول: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» [البخاري ١٢٨١، ومسلم ١٤٨٦]. - مسألة: (وَيَجِبُ) الإحداد (عَلَى زَوْجَةِ مَيِّتٍ) بنكاح صحيح؛ لحديث أم حبيبة السابق، قال ابن قدامة: (ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في وجوبه على المتوفى عنها زوجها، إلا عن الحسن، فإنه قال: لا يجب الإحداد، وهو قول شذ به أهل العلم وخالف به السنة، فلا يعرج عليه). فيجب الإحداد ولو كانت المرأة ذمية، والزوج مسلم أو ذمي، أو كانت أمة، والزوج حر أو عبد، أو كانت غير مكلفة، والزوج مكلف أو غير مكلف، فيجنبها وليُّها ما تجتنبه المكلفة زمن عدته؛ لعموم الأحاديث،

стр. 1414

ولتساويهن في اجتناب المحرمات وحقوق النكاح. - فرع: لا يجب الإحداد على مطلقة رجعية، ولا على موطوءة بشبهة، أو زنى، أو نكاح فاسد، أو نكاح باطل، أو ملك يمين؛ لأنها ليست زوجةً متوفًّى عنها. أما لو مات زوج الرجعية في أثناء عدتها؛ فتنتقل إلى عدة وفاة؛ كما سبق، ويلزمها الإحداد. - مسألة: (وَيُبَاحُ) الإحداد (لِبَائِنٍ) من حيٍّ؛ كالمطلقة ثلاثاً والمختلعة بالإجماع، ولا يجب، ولا يسن؛ لأن الحديث ورد في عدة الوفاة، ولأن الإحداد في عدة الوفاة لإظهار الأسف على فراق زوجها وموته، فأما البائن فإنه فارقها باختياره وقطع نكاحها، فلا معنى لتكليفها الحزن عليه. - مسألة: (وَهُوَ) أي: الإحداد: (تَرْكُ زِينَةٍ، وَ) ترك (طِيبٍ)؛ لأنه يحرك الشهوة ويدعو إلى المباشرة، (وَ) ترك (كُلِّ مَا يَدْعُو إِلَى جِمَاعِهَا وَيُرَغِّبُ فِي النَّظَرِ إِلَيْهَا)؛ لحديث أم عطية ﵂ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه: «لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ، نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» [البخاري ٥٣٤٢، ومسلم ٩٣٨]، وفي رواية: «لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا الْمُمَشَّقَةَ، وَلَا تَخْتَضِبُ، وَلَا

стр. 1415

تَكْتَحِلُ» [أحمد ٢٦٥٨١، وأبوداود ٢٦٥٨١، والنسائي ٣٥٣٥]، ويدخل في ذلك: ١ - تحسين الوجه بالتحمير أو التبييض، أو نقش الوجه واليدين. ٢ - الاختضاب بالحناء. ٣ - التحلي، حتى الخاتم والحلْقة؛ لأن التحلي يزيد حسنها، ويدعو إلى نكاحها. ٤ - الاكتحال، وهو على نوعين: أبما فيه زينة؛ كالكحل الأسود: فتمنع منه؛ لحديث أم عطية السابق، إلا إن كان لحاجة التداوي؛ تكتحل به ليلًا وتمسحه نهارًا؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ حين توفِّي أبو سلمة، وقد جعلت على عيني صبْرًا، فقال: «مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ » فقلت: إنما هو صبر يا رسول اللهِ، ليس فيه طيب، قال: «إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ، وَتَنْزِعِينَهُ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ» [أبوداود ٢٣٠٥، والنسائي ٣٥٣٧]. واختار ابن عثيمين: أنه لا يجوز، ولو احتاجت إليه؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لَا» مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك

стр. 1416

يقول: «لَا» [البخاري ٥٣٣٦، ومسلم ١٤٨٨]. ب بما لا زينة فيه؛ كالتوتياء -نوع من المعادن-، والعنزروت -صمغ شجرة تنبت في بلاد الفرس، فلا بأس به؛ لأنه لا يحسن العين. ٥ - ترك التطيب؛ كزعفران وغيره. ولها أن تجعل في فرجها طيبًا إذا اغتسلت من الحيض؛ للخبر السابق. وقال ابن عثيمين: (أما الصابون الممسك والشامبو فلا يدخل في ذلك؛ لأنه لا يتخذ للتطيب، إنما هو لنكهته ورائحته). ٦ - الادهان، وهو على قسمين: أالادهان بمطيب: فلا يجوز؛ لأنه طيب. ب الادهان بغير مطيب: كزيت وشيرج؛ لأنه ليس بطيب. ٧ - لبس الثياب الملونة، قبل نسج أو بعده؛ كأحمر، وأصفر، وأخضر، ونحوه. ولا تمنع من: أ-لبس البياض، ولو كان حسنًا من حرير؛ لأن حسنه من أصل خلقته، فلا يلزم تغييره.

стр. 1417

واختار ابن عثيمين: لا يجوز لبس البياض إذا كان معدًّا للزينة؛ لدخوله في عموم المنع من التزين للمعتدة. ب ولا تمنع من لبس ملون لدفع وسخ؛ ككحلي وأسود؛ لأن الصبغ لدفع الوسخ لا يحسنه؛ لأنه ليس بزينة. - فرع: لا تمنع المعتدة من أمور: ١ - أخذ ظفر وعانة ونتف إبْط ونحوه. ٢ - تنظيفٍ وغسل وامتشاط؛ لأنه لا يراد للزينة. ٣ - تزيين بسط وفرش وأثاث بيت ونحوه؛ لأن الإحداد في البدن. ٤ - لبس النقاب والبرقع؛ لأنه ليس منصوصاً عليه، ولا في معنى المنصوص. وقال ابن عثيمين: تمنع من البرقع؛ لأنه يعتبر من الجمال. - فائدة: قال ابن عثيمين: (اعتاد بعض النساء أن يلبسن الأسود، وأن لا يخرجن إلى فناء البيت، ولا تكلم أحدًا من الرجال، وأشياء ما أنزل الله بها من سلطان، فكل هذه خرافة، ليس لها أصل). - مسألة: تجب عدة الوفاة في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه، (وَيَحْرُمُ بِلَا حَاجَةٍ تَحَوُّلُهَا) أي: المعتدة (مِنْ مَسْكَنٍ وَجَبَتْ) العدة (فِيهِ)؛ لقول فُرَيْعة بنت مالك: توفي زوجي بالقَدُّوم، فأتيت النبي ﷺ فذكرت

стр. 1418

له أن دارنا شاسعة، فأذن لها، ثم دعاها فقال: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» [أحمد ٢٧٠٨٧، وأبوداود ٢٣٠٠، والترمذي ١٢٠٤، وابن ماجه ٢٠٣١]، وصح ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وابن مسعود ﵃ [عبد الرزاق ٧/ ٣١ - ٣٢]. وسواء كان المنزل لزوجها، أو كان بإجارة أو عاريَّة إذا تطوع الورثة بإسكانها فيه، أو تطوع به السلطان، أو تطوع به أجنبي؛ لعموم ما سبق. - فرع: إذا دعت الضرورة -وعبارة المنتهى: حاجة- إلى خروجها منه؛ بأن يحولها مالك المنزل منه، أو تخشى على نفسها من هدم أو غرق أو عدو أو غير ذلك، أو لكونها لا تجد ما تكتري به؛ فتنتقل؛ لأنها حالة عذر، أو لا تجد ما تكتري به إلا من مالها؛ لأن الواجب عليها السكنى لا تحصيل المسكن. فإذا تعذرت السكنى في بيت زوجها؛ سقطت، وجاز أن تتحول إلى حيث شاءت؛ لسقوط الواجب للعذر، ولم يرد الشرع بالاعتداد في مكان معين غيره، فاستوى في ذلك القريب والبعيد. - مسألة: خروج المتوفى عنها زمن العدة لا يخلو من أمرين: الأول: أن يكون ذلك نهارًا، فقال ﵀: (وَلَهَا) أي: للمتوفى عنها زمن العدة (الخُرُوجُ) من سكن وجبت فيه (لِحَاجَتِهَا)؛ من بيع وشراء ونحوهما (نَهَاراً)، واختاره شيخ الإسلام وابن عثيمين، ولو كان لها من يقوم

стр. 1419

بمصالحها؛ لحديث فريعة السابق، حيث لم ينكر النبي ﷺ خروجها لتسأله عن جواز انتقالها. فلا تخرج لحاجة غيرها، ولا لغير حاجة؛ كعيادة وزيارة ونحوهما. الثاني: أن يكون ذلك ليلاً: فلا تخرج ولو لحاجة، واختاره شيخ الإسلام وابن عثيمين؛ لما روى مجاهد قال: استشهد رجال يوم أحد عن نسائهم، وكن متجاورات في داره، فجئن النبي ﷺ فقلن: إنا نستوحش يا رسول الله بالليل، فنبيت عند إحدانا، حتى إذا أصبحنا تبددنا إلى بيوتنا، فقال النبي ﷺ : «تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إِحْدَاكُنَ مَا بَدَا لَكُنَّ، حَتَّى إِذَا أَرَدْتُنَ النَّوْمَ فَلْتَأْتِ كُلُّ امْرَأَةٍ إِلَى بَيْتِهَا» [عبد الرزاق ١٢٠٧٧، وفيه انقطاع]، وصح نحوه عن ابن مسعود موقوفاً [عبدالرزاق ١٢٠٦٨]، ولأن الليل مظنة الفساد. ولها أن تخرج ليلًا لضرورة؛ كانهدام المنزل؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات. فصل في الاستبراء مأخوذ من البراءة، وهي التمييز والقطع، وشرعًا: تربص يقصد منه العلم ببراءة رحم ملك يمين. - مسألة: (وَ) يجب الاستبراء في ثلاثة مواضع فقط: الأول: (مَنْ مَلَكَ) من ذكرٍ - ولو طفلاً- (أَمَةً)، بإرث أو شراء

стр. 1420

ونحوهما، (يُوطَأُ مِثْلُهَا)، بكراً كانت أو ثيباً، ولو لم تحض لصغرٍ أو إياس، (مِنْ أَيِّ شَخْصٍ كَانَ)، ولو ملكها من صغير، أو امرأة، أو مجبوب؛ (حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا وَمُقَدِّمَاتُهُ)، أي: مقدمات الوطء من نحو قُبلة ونظر لشهوة، (قَبْلَ اسْتِبْرَاءٍ)؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في سبي أوطاس: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» [أحمد ١١٥٩٦، وأبو داود ٢١٧٥]، ولأن عدمه يُفضي إلى اختلاط الأنساب، ويحرم مقدمات الوطء؛ لأنه استبراء يُحرِّم الوطء، فحرَّم الاستمتاع؛ كالعدة. وعنه، واختاره ابن القيم: يختص التحريم بالوطء فقط، واحتج بجواز الخلوة والنظر -أي: لغير شهوة-، وقال: (لا أعلم في جواز هذا نزاعًا). - فرع: لا يجب الاستبراء: ١ - بملك أنثى من أنثى؛ لأن المرأة لا استبراء عليها بتجدد ملكها. ٢ - بملك من لا يوطأ مثلها؛ لأن سبب الإباحة متحقق، وليس على تحريمها دليل، ولا يراد لبراءة الرحم. - فرع: يجب استبراء الأمة، سواء ملكها من صغير أو كبير، أو رجل أو امرأة، أو مجبوب، أو كان ملكها من رجل قد استبرأها قبل البيع ثم لم يطأها؛ فليس للمشتري وطؤها حتى يستبرئها؛ لعموم ما سبق، ولأن الحكم

стр. 1421

منوط بالمظنة، ولأن الاستبراء يجب للملك المتجدد، وذلك موجود في كل واحد منها. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: إذا كانت بكراً لا تستبرأ؛ لقول ابن عمر ﵄: «إِذَا كَانَتِ الْأَمَةُ عَذْرَاءَ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا» [عبدالرزاق ١٢٩٠٦]، وكذا لو أخبره البائع الصادق أنه لم يطأها، أو أنه استبرأها؛ جاز وطؤها؛ لظهور براءة رحمها. وكذا لو كانت عند صبي أو امرأة، قال في الإنصاف: (وهو مقتضى قواعد شيخ الإسلام). وقال ﵀: (واستبراء الصغيرة التي لم تحض، والعجوز، والآيسة، في غاية البُعْد). - مسألة: الاستبراء لا يخلو من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: استبراء (حَامِلٍ): فيكون استبراؤها (بِوَضْعِ) كل الحمل؛ لقوله تعالى: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)، ولحديث أبي سعيد الخدري السابق. (وَ) الحالة الثانية: استبراء (مَنْ تَحِيضُ) ولم تكن حاملاً: فيكون استبراؤها (بِحَيْضَةٍ)؛ لحديث أبي سعيد السابق. (وَ) الحالة الثالثة: استبراء (آيِسَةٍ وَصَغِيرَةٍ): فيكون استبراؤها (بِشَهْرٍ)؛

стр. 1422

لأن الشهر أقيم مقام الحيضة في عدة الحرة أو الأمة. الموضع الثاني من المواضع التي يجب فيها الاستبراء: إذا وطئ أمته ثم أراد تزويجها أو بيعها: لم يجز له ذلك حتى يستبرئها، أما المنع من تزويجها؛ فلأن الزوج لا يلزمه استبراء، فيفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، وأما المنع من البيع؛ فلأن عمر ﵁ أنكر على عبد الرحمن بن عوف ﵁ بيع جاريةٍ له كان يطؤها قبل استبرائها [ابن أبي شيبة ١٧٤٩٥]، ولأنه يجب على المشتري لحفظ مائه، فكذلك البائع. والموضع الثالث: إذا أعتق أم ولده، أو أعتق سُرِّيَّته، أي: الأمة التي اتخذها لوطئه، أو مات عن أم الولد أو السُّرية سيدُها؛ لزمها استبراء نفسها؛ لأنها فراشٌ لسيدها، وقد فارقها بالموت أو العتق، فلم يجز أن تنتقل إلى فراش غيره بلا استبراء. ولا يلزمها استبراءٌ إن استبرأها قبل عتقها؛ لحصول العلم ببراءة الرحم، أو أراد بعد عتقها أن يتزوجها؛ فلا استبراء؛ لأنها لم تنتقل إلى فراش غيره. واختار شيخ الإسلام: أن الاستبراء لا يقتصر على هذه المواضع الثلاث، بل يكون للمختلعة، والموطوءة بشبهة، والزانية، وتقدم في مواطنه، والمهاجرة من دار كفر، وغيرها.

стр. 1423

(فَصْلٌ) في الرضاع الرضاع - بفتح الراء، وقد تكسر- لغة: مص لبن من ثدي، وشربه. وشرعًا: مص لبن أو شربه ونحوه في الحولين، ثاب -أي: اجتمع- عن حمْلٍ، من ثدي امرأة. - مسألة: (وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء: ٢٣]، ولحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» [البخاري ٢٦٤٥، ومسلم ١٤٤٧]، فالرضاع الصحيح يصيِّر الطفل ولداً للرجل والمرأةِ في تحريم النكاح؛ لما تقدم، وإباحةِ النظر والخلوة وثبوت المحرمية؛ لأن ذلك فرع عن التحريم بسبب مباح. ولا تثبت بقية أحكام النسب، من النفقة والإرث ورد الشهادة، وولاية النكاح والمال وغير ذلك؛ لأن النسب أقوى من الرضاع، فلا يساويه إلا بما ورد النص فيه، وهو التحريم وما يتفرع عنه. - فرع: تنتشر حرمة الرضاع (عَلَى رَضِيعٍ)، ذكراً كان أو أنثى، فيصير المرتضع ولداً للمرضعة والواطئ، (وَ) تنتشر الحرمة أيضاً إلى (فَرْعِهِ) أي:

стр. 1424

فرع المرتضع، وهم أولاده (وَإِنْ نَزَلَ)، وهم أولاد أولاده وإن سفلوا، فيصيرون أولادًا لهما؛ لأن الرضاع كالنسب، والتحريم في النسب يشمل ولد الولد وإن سفل، فكذا الرضاع. (فَقَطْ)، أي: دون أبوي الرضيع من النسب، وأصولهما، وفروعهما، فلا تنتشر الحرمة إلى من في درجة المرتضع؛ من إخوته وأخواته؛ لأنها لا تنتشر في النسب، فكذا في الرضاع. ولا تنتشر أيضًا إلى من هو أعلى من المرتضع؛ من آبائه وأمهاته، وأعمامه وعماته، وأخواله وخالاته؛ لأن الحرمة إذا لم تنتشر إلى من هو في الدرجة؛ فألَّا تنتشر إلى من هو أعلى منه بطريق الأولى. - ضابط: تنتشر حرمة الرضاع في ثلاث جهات: ١ - صاحب اللبن، فينتشر التحريم إلى أصوله، وفروعه، وحواشيه دون فروعهم. ٢ - المرضعة، فينتشر التحريم إلى أصولها، وفروعها، وحواشيها دون فروعهم. فجميع أقارب صاحب اللبن والمرضعة يُنسبون إلى المرتضع، كما يُنسبون إلى ولديهما من النسب؛ لأن اللبن الذي ثاب للمرأة مخلوق من ماء الرجل والمرأة، فنشر التحريم إليهما، ولحديث عائشة ﵂، قالت: استأذن

стр. 1425

عليَّ أفلح، فلم آذن له، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك، فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، فقالت: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ» [البخاري ٢٦٤٤، مسلم ١٤٤٥]. ٣ - المرتضع -الرضيع-، فينتشر التحريم إلى فروعه، دون أصوله وحواشيه؛ لما تقدم. - مسألة: (وَلَا) تثبت (حُرْمَةُ) الرضاع (إِلَّا) بشروط: الشرط الأول: أن يرتضع الطفل (بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ) فأكثر؛ لقول عائشة ﵂: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ» [مسلم ١٤٥٢]، وهذا الخبر يخصص عموم حديث ابن عباس السابق: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ». الشرط الثاني: أن يرتضع الطفل (فِي الحَوْلَيْنِ)، فلو ارتضع بعدهما بلحظة؛ لم تثبت الحرمة؛ لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فجعل تمام الرضاعة حولين، فدل على أنه لا حكم للرضاعة بعدهما، ولحديث عائشة مرفوعًا: «فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ» [البخاري ٢٦٤٧، ومسلم ١٤٥٥]، يعني: في حال الحاجة إلى الغذاء واللبن، ولما صح عن ابن عباس ﵄ قال: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ» [عبدالرزاق ١٣٩٠٣، وصححه الدارقطني].

стр. 1426

واختار شيخ الإسلام: أن الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام، وأما بعد الفطام فلا ينشر الحرمة، سواء كان قبل الحولين أو بعده؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ، وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ» [الترمذي ١١٥٢]. الشرط الثالث: أن يصل اللبن إلى جوفه من حلقه، فإن وصل اللبن إلى فمه ثم مجه، أو احتقن به، أو وصل إلى جوف لا يغذي كالذكر والمثانة؛ لم ينشر الحرمة؛ لأن هذا ليس برضاع، ولم يحصل به التغذي، فلم ينشر الحرمة. - فرع: يشترط في الرضعات الخمس أن تكون متفرقة؛ ليتحقق العدد، فمتى امتص الطفل ثم ترك الرضاع لشبعٍ، أو لتنفسٍ، أو لانتقاله إلى ثدي آخر، ونحوه؛ فهي رضعة؛ لأن الشرع ورد بها مطلقًا، ولم يحدها بزمن ولا مقدار، فدل على أنه ردهم إلى العرف، فإذا ارتضع ثم قطع باختياره، أو قُطع عليه فهي رضعة، فمتى عاد ارتضع ولو قريبًا فهي رضعة أخرى؛ لأن العود ارتضاع، والشارع لم يحد الرضعة بزمان، فوجب أن يكون القريب كالبعيد، فكان رضعة أخرى كالأولى. واختار ابن القيم، والسعدي: أن الرضعة بمنزلة الوجبة، فمتى التقم الثدي، فامتص منه، ثم تركه باختياره من غير عارض؛ كان ذلك رضعة؛ لأن الشرع ورد بذلك مطلقًا، فحمل على العرف، والعرف هذا، والقطع العارض

стр. 1427

لتنفس، أو استراحة يسيرة، أو لشيء يلهيه، ثم يعود عن قرب، لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك، ثم عاد عن قريب لم يكن ذلك أكلتين بل واحدة. - مسألة: (وَتَثْبُتُ) حرمة رضاع (بِـ): ١ - (سُعُوطٍ)، وهو أن يُصَبَّ اللبن في أنفه من إناء أو غيره، فيدخل حلقه، (وَ) بـ (وُجُورٍ)، وهو أن يُصَبَّ في حلقه من غير الثدي؛ لحديث ابن مسعود مرفوعًا: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ، إِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ، وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ» [أحمد ٤١١٤ وأبو داود ٢٠٦٠]، ولوصول اللبن بذلك إلى جوفه؛ كوصوله بالارتضاع، وحصول إنبات اللحم وإنشاز العظم به كما يتحصل بالرضاع بالفم، والأنف سبيل لفطر الصائم، فكان سبيلًا للتحريم. ٢ - (وَ) تثبت حرمة الرضاع بـ (لَبَنِ مَيِّتَةٍ)؛ كلبن الحية؛ لمساواته له في إنبات اللحم وانشاز العظم. ٣ - (وَ) تثبت حرمة الرضاع بلبن (مَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ)، أو بعقد فاسد؛ لأن ولدها ملحق بالواطئ. وكذا تثبت حرمة الرضاع بلبن موطوءة بنكاح باطل، أو زنًى، أو بلبن حملٍ نفي بلعان؛ لأن الرضاع تابع للنسب، فيكون ابناً لها فقط، ولا تثبت حرمة الرضاع في حق الواطئ؛ لأنه لا ينسب الحمل إليه، بخلاف ما قبلها. ٤ - (وَ) تثبت حرمة الرضاع بلبنٍ (مَشُوبٍ)، وهو المخلوط بغيره، إن

стр. 1428

كانت صفاته - أي: لونه وطعمه وريحه- باقية؛ لأن الحكم للأغلب، ولبقاء اسمه ومعناه. فإن غلب ما خالطه به؛ لم يثبت به تحريم؛ لأنه لا ينبت به اللحم ولا ينشر العظم. - مسألة: (وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بَنْتُهَا) من نسب ومثلها من الرضاع؛ (كَأُمِّهِ، وَجَدَّتِهِ، وَرَبِيبَتِهِ) التي دخل بأمها، وأخته، (إِذَا أَرْضَعَتِ طِفْلَةً) رضاعًا مُحَرِّمًا (حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ) أبداً؛ لأنها تصير ابنتها من الرضاع، فإذا كانت المرضعة أمه فالمرتضعة أخته، وإن كانت المرضعة جدته فالمرتضعة عمته أو خالته، وإن كانت المرضعة أخته فالمرتضعة ابنة أخته. (وَكُلُّ رَجُلٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنْتُهُ؛ كَأَخِيهِ، وَأَبِيهِ، وَرَبِيبِهِ (١)، إِذَا أَرْضَعَتْ امْرَأَتُهُ بِلَبَنِهِ) رضاعاً مُحَرِّماً (طِفْلَةً؛ حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ)؛ لأنها تصير ابنته، فإن كانت

стр. 1429

المرضعة امرأة أخيه فالمرتضعة ابنة أخيه، وإن كانت امرأة أبيه فالمرتضعة أخته. - مسألة: (وَمَنْ) تزوج امرأة ثم (قَالَ: إِنَّ زَوْجَتَهُ أُخْتُهُ مِنَ الرَّضَاعِ؛ بَطَلَ نِكَاحُهُ) حكماً، وحرمت عليه؛ لأنه أقر بما يتضمن تحريمها عليه، كما لو أقر بالطلاق. فإن كان صادقاً؛ فيفسخ النكاح فيما بينه وبين الله تعالى، وإن لم يكن صادقاً؛ فالنكاح بحاله فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن كذبه لا يحرمها. وأما المهر فلا يخلو من ثلاثة أحوال: الأولى: أن يقول ذلك قبل الدخول وتصدقه، فقال ﵀: (وَلَا مَهْرَ) لها (قَبْلَ دُخُولٍ إِنْ صَدَّقَتْهُ) أنها أخته من الرضاع، أو ثبت ذلك ببينة؛ لأنه نكاح باطل من أصله، لا تستحق فيه مهراً. (وَ) الثانية: أن يقول ذلك قبل الدخول وتكذبه: فـ (يَجِبُ) لها (نِصْفُهُ) أي: نصف المهر المسمى (إِنْ كَذَّبَتْهُ)؛ لأن قوله غير مقبول عليها في إسقاط حقوقها، وقد جاءت الفرقة من جهته. (وَ) الثالثة: أن يقول ذلك بعد الدخول: فلها (كُلُّهُ) أي: كل المهر (بَعْدَ دُخُولٍ مُطْلَقاً) أي: ولو صدقته أنه أخوها؛ لأنه استقر بالدخول، ما لم تقر

стр. 1430

أنها طاوعته عالمة بالتحريم؛ لأنها زانية مطاوِعة. - مسألة: (وَإِنْ قَالَتْ هِيَ ذَلِكَ)، أي: قالت هو أخي من الرضاع، (وَكَذَّبَهَا)، ولم تأت ببينة؛ (فَهِيَ زَوْجَتُهُ حُكْماً) أي: ظاهراً؛ لأنه لا يقبل قولها عليه في فسخ النكاح؛ لأنه حق عليها. - مسألة: (وَمَنْ شَكَّ فِي) وجود (رَضَاعٍ)؛ بأن شك هل أرضعته أو لا، ولا بينة؛ بنى على اليقين؛ لأن الأصل عدم الرضاع. (أَوْ) شك في (عَدِدِهِ) أي: عدد الرضعات؛ بأن شك هل أرضعته خمسًا أو دونها، ولا بينة؛ (بَنَى عَلَى اليَقِينِ)؛ لأن الأصل بقاء الحل، وكذا لو شك في وقوعه في العامين. لكن قال شيخ الإسلام: (إذا شك في عدد الرضعات: فإنها تكون من الشبهات، فاجتنابها أولى، ولا يحكم بالتفريق بينهما إلا بحجة توجب ذلك). - مسألة: (وَيَثْبُتُ) الرضاع (بِإِخْبَارِ مُرْضِعَةٍ مَرْضِيَّةٍ) أنها أرضعته خمساً في الحولين، واختاره شيخ الإسلام، سواء كانت متبرعة بالرضاع أو بأجرة، (وَ) يثبت أيضاً (بِشَهَادَةِ عَدْلٍ مُطْلَقاً)، من رجل وامرأة على رضاع امرأة لهما بلا يمين؛ بأن شهدت امرأة أو شهد رجل أن فلانة أرضعته خمساً في

стр. 1431

الحولين؛ لما روى عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمةٌ سوداءُ فقالت: قد أرضعتكما، فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ ، فأعرض عني، قال: فتنحيت، فذكرت ذلك له، قال: «وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا» فنهاه عنها. [البخاري ٢٦٩٥]، وقال الزهري: (فُرِّق بين أهل أبيات في زمن عثمان لشهادة امرأة واحدة) [عبد الرزاق ١٣٩٦٩]، ولأن هذه شهادة على عورة، فتقبل فيها شهادة النساء منفردات كالولادة، ولأنه إذا ثبت بشهادة امرأة واحدة؛ فالرجل من باب أولى.

стр. 1432

(بَابُ النَّفَقَاتِ) جمع نفقة، وأصلها في اللغة: الإخراج، من النافِقاء؛ وهو موضعٌ يجعله اليربوعُ في مؤخر الجحر رقيقاً، يُعِدُّه للخُروجِ، فسُمي الخروج نفقة كذلك. وفي الاصطلاح: هي كفاية من يمونه خبزًا، وإدامًا، وكسوةً، ومسكنًا، وتوابعها. والنفقة لها ثلاثة أسباب: النكاح، والقرابة، والملك، وبدأ المؤلف بالنكاح. - مسألة: (وَ) يجب (عَلَى زَوْجٍ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ) إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾ [الطلاق: ٧]، ، وهي في سياق أحكام الزوجات، ولحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» [مسلم: ١٢١٨]، ولأنها محبوسة على الزوج، يمنعها من التصرف والاكتساب، فوجبت نفقتها عليه؛ كالعبد مع سيده، وأجمعوا على وجوب نفقة الزوجة على الزوج إذا كانا بالغين ولم تكن ناشزًا، ذكره ابن المنذر. - مسألة: يجب على الزوج لزوجته ما يصلح لمثلها مع مثله

стр. 1433

بالمعروف، (مِنْ مَأْكُولٍ، وَمَشْرُوبٍ، وَكِسْوَةٍ، وَسُكْنَى بِالمَعْرُوفِ) على ما يأتي تفصيله؛ لقوله في حديث جابر السابق: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ». وهي مقدَّرة بالكفاية، فيجب لها ما يكفيها من غير تقدير؛ لحديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال لهند بنت عتبة ﵂: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» [البخاري: ٥٣٦٤، ومسلم: ١٧١٤]، فأمرها بأخذ ما يكفيها من غير تقدير، والكفاية لا تختلف باليسار والإعسار، وإنما اعتبرهما الشرع في الجنس لا القدر، لما يأتي. - فرع: تختلف النفقة باختلاف حال الزوجين يسارًا وإعسارًا؛ لقوله تعالى ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾ [الطلاق: ٧]، ولحديث جابر السابق، وإنما اعتبره بحالهما؛ جمعًا بين الأدلة، ورعاية لكل من الجانبين فكان أولى، ولا يخلو ذلك من ثلاث حالات: الأولى: أن يكون الزوجان موسرين: (فَيَفْرِضُ) حاكم (لِـ) زوجة (مُوسِرَةٍ مَعَ) زوج (مُوسِرٍ، عِنْدَ تَنَازُعٍ) في قدر ذلك أو صفته: (مِنْ أَرْفَعِ خُبْزِ البَلَدِ وَأُدْمِهِ)؛ كأرز ولبن، ولحمٍ، وملحٍ ونحو ذلك، مما جرت (عَادَةُ) أمثالها من (المُوسِرِينَ) بأكله مما لا تكرهه عرفًا؛ لأنه ﷺ جعل النفقة بالمعروف؛

стр. 1434

وليس من المعروف إطعام الموسرة طعام المعسرة، ولأن الله تعالى فرق بين الموسر والمعسر في الإنفاق، ولم يبين ما فيه التفريق؛ فوجب الرجوع إلى العرف. (وَ) يفرض لها من الكسوة (مَا يَلْبَسُ مِثْلُهَا) من حرير وجيد قطن وغيره، (وَ) يفرض لها شيء (يُنَامُ عَلَيْهِ) من فراش ولحفٍ ومخدة، مما هو من عادتها. (وَ) الثانية: أن يكونا فقيرين: فيفرض حاكم (لِفَقِيرَةٍ مَعَ) زوج (فَقِيرٍ) قدر (كِفَايَتِهَا؛ مِنْ أَدْنَى خُبْزِ البَلَدِ وَأُدْمِهِ) الملائم له؛ كالباقلاء ونحوه، (وَ) يفرض لها (مَا يَلْبَسُ مِثْلُهَا، وَيُنَامُ) عليه من فراش صوف ونحوه مما يصلح لمثلها، (وَ) يفرض لها ما (يُجْلَسُ عَلَيْهِ) من غليظ القطن والكتان ونحوه من عادة أمثالها. (وَ) الثالثة: أن يكونا متوسطين، أو أحدهما موسرًا والآخر معسرًا: فيفرض (لِمُتَوَسِّطَةٍ مَعَ) زوج (مُتَوَسِّطٍ، وَمُوسِرَةٍ مَعَ فَقِيرٍ، وَعَكْسِهَا: مَا بَيْنَ ذَلِكَ) أي: المتوسط عرفًا؛ لأن إيجاب نفقة الموسر على المعسر وإنفاق المعسر نفقة الموسر ليس من المعروف، وفيه إضرار بصاحبه، فكان اللائق بحقهما هو المتوسط.

стр. 1435

واختار ابن عثيمين: أن المعتبر في النفقة عند التنازع حال الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾، ولقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾، وأما قوله في الحديث: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ»؛ فلا يدل على اعتبار حالها فقط، لأن المعروف هو ما وافق الشرع في الآية السابقة. - فرع: (لَا) يملك الحاكم فرض (القِيمَةِ)؛ كدراهم مثلًا، (إِلَّا بِرِضَاهُمَا)، ولا يجبر من امتنع منهما، قال ابن القيم: (وأما فرض الدراهم فلا أصل لها في كتاب ولا سنة، ولا نص عليه أحد من الأئمة؛ لأنها معاوضة بغير الرضا عن غير مستقر). قال في الفروع: (وهذا متجه مع عدم الشقاق وعدم الحاجة، فأما مع الشقاق والحاجة؛ كالغائب مثلًا: فيتوجه الفرض؛ للحاجة إليه على ما لا يخفى). - فرع: (وَ) يجب (عَلَيْهِ) أي: على الزوج (مُؤْنَةُ نَظَافَتِهَا) من دهن رأسها، والصابون، وثمن ماء وضوء وغسل، ومشط، وما يقطع رائحة كريهة منها، ونحو ذلك؛ لأن ذلك يراد للتنظيف؛ كتنظيف الدار المؤجرة، ولأن ذلك كله من حوائجها. - فرع: (لَا) يجب على الزوج (دَوَاءٌ) لزوجته، (وَ) لا (أُجْرَةُ طَبِيبٍ)؛ لأن ذلك ليس من حاجتها الضرورية المعتادة، بل لعارض، ولأن ذلك يراد

стр. 1436

لإصلاح الجسم، كما لا يلزم المستأجر بناء ما يقع من الدار. واختار ابن عثيمين: وجوب الدواء وأجرة الطبيب على الزوج؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، وقد قال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩]. - فرع: (وَ) لا يجب على الزوج (ثَمَنُ طِيبٍ)، وحناء ونحوه؛ لأن ذلك من الزينة فلا يجب عليه؛ كشراء الحلي، إلا أن يريد منها التزين به؛ لأنه هو المريد لذلك. فصل - مسألة: تنقسم الزوجة التي فارقها زوجها - من حيثُ النفقةُ وعدمُها - إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: المطلقة الرجعية: وأشار إليه بقوله: (وَتَجِبُ) النفقة والسكنى (لِـ) ـمطلقة (رَجْعِيَّةٍ)؛ لأنها زوجة؛ لقوله: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولأنها يلحقها طلاقه وظهاره، أشبه ما قبل الطلاق، وحكاه الماوردي إجماعًا، إلا فيما يعود لنظافتها. القسم الثاني: المطلقة البائن، سواء بفسخ أو طلاق ثلاث أو على عوض، ولا تخلو من حالين:

стр. 1437

الحالة الأولى: أن تكون بائنًا غير حامل: فلا تجب لها نفقة ولا سكنى؛ لحديث فاطمة بنت قيس ﵂: أن زوجها طلَّقها في عهد النبي ﷺ ، وكان أنفق عليها نفقة دون، فلما رأت ذلك، قالت: والله لأعلمن رسول الله ﷺ ، فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني، وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئًا، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «لَا نَفَقَةَ لَكِ، وَلَا سُكْنَى» [مسلم: ١٤٨٠]. وأما قول عمر ﵁: «لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ، أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ» [مسلم: ١٤٨٠]، فقد خالفه علي [عبد الرزاق: ١٢٠٣٠]، وابن عباس وجابر ﵃ [البيهقي: ٧/ ٤٧٥]. (وَ) الحالة الثانية: (بَائِنٌ حَامِلٌ)، فتجب لها النفقة والسكنى؛ لقوله: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٦]، وفي بعض روايات حديث فاطمة بنت قيس ﵂: أن النبي ﷺ قال لها: «لَا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا» [أحمد: ٢٣٧٧٣، وأبو داود: ٢٢٩٠، وصححه الألباني]، ولأن الحمل ولد الزوج الذي أبانها فلزمه الإنفاق عليه، ولا يمكنه ذلك إلا بالإنفاق عليها؛ فوجب؛ كأجرة الرضاع، وأما السكنى؛ فلقوله تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم). القسم الثالث: المتوفى عنها زوجها، وأشار إليه بقوله: (لَا) تجب النفقة ولا السكنى (لِمُتَوَفًّى عَنْهَا) زوجها، ولو كانت حاملًا؛ لانتقال التركة للورثة،

стр. 1438

ولا سبب للوجوب عليهم، فإن كانت حاملًا فالنفقة من حصة الحمل من التركة إن كانت، وإلا فعلى وارثه الموسر. قال شيخ الإسلام: (والزوجة المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها ولا سكنى إلا إذا كانت حاملًا فروايتان، وإذا لم توجب النفقة في التركة فإنه ينبغي أن تجب لها النفقة في مال الحمل، أو في مال من تجب عليه النفقة إذا قلنا تجب للحمل؛ كما تجب أجرة الرضاع). وقال في موضع آخر: (النفقة والسكنى تجب للمتوفى عنها في عدتها، ويشترط فيها مقامها في بيت الزوج، فإن خرجت فلا جناح إذا كان أصلح لها). - مسألة: تسقط نفقة الزوجة عن الزوج بأمور، منها: المسقط الأول: الحبس، وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ حُبِسَتْ) عن زوجها، ولا تخلو من حالين: ١ - أن يكون الحبس بحق: فتسقط نفقتها اتفاقًا؛ لأنَّها مَنَعَت نفسَها عنه بسببٍ لا مِن جِهتِه؛ فسَقَطَت نَفقتُها. ٢ - أن يكون الحبس ظلمًا: فتسقط نفقتها أيضًا؛ لما تقدم. واختار ابن عثيمين: أنها لا تسقط؛ لأن تعذر استمتاعه بها ليس من قبلها، فيكون كما لو تعذر استمتاعه بها لمرض.

стр. 1439

المسقط الثاني: النشوز، وأشار إليه بقوله: (أَوْ نَشَزَتْ) بأن امتنعت عن بذل حق الزوج له: فإن نفقتها تسقط؛ لتفويتها حق الزوج من الاستمتاع. المسقط الثالث: صوم النفل، وأشار إليه بقوله: (أَوْ صَامَتْ نَفْلاً): فتسقط نفقتها؛ لتفويتها حق الزوج من الاستمتاع. المسقط الرابع: صوم الكفارة، وأشار إليه بقوله: (أَوْ) صامت (لِكَفَّارَةٍ): فتسقط نفقتها؛ لما تقدم. المسقط الخامس: قضاء رمضان، ولا يخلو من حالين: ١ - أن يكون القضاء في وقته الموسع، وأشار إليه بقوله: (أَوْ) صامت (قَضَاءَ رَمَضَانَ، وَوَقْتُهُ مُتَّسِعٌ): فتسقط نفقتها؛ لأنها منعت نفسها بسبب لا من جهته. ٢ - أن يكون القضاء في وقته المضيق، بأن صامت في آخر شعبان: فلا تسقط نفقتها؛ لأنَّها فعلت ما أوجب الشَّرعُ عليها. وقيل، واختاره ابن عثيمين: لا تسقط نفقتها، سواء كان الوقت موسعًا أو مضيقًا؛ لأنه صوم واجب، فهو كالصلاة، سواء فعلته أول الوقت أو آخره، لا فرق.

стр. 1440

المسقط السادس: الحج، ولا يخلو من حالين: ١ - حج الفرض: لا تسقط نفقتها؛ لأنها فعلت ما وجب عليها بالشرع. ٢ - حج النفل، وأشار إليه بقوله: (أَوْ حَجَّتْ نَفْلاً بِلَا إِذْنِهِ): فتسقط نفقتها؛ لأنها منعت نفسها لسبب لا من جهة الزوج. فإن كان حج النفل بإذن الزوج؛ فلا تسقط نفقتها؛ لأن حق الاستمتاع له وقد أسقطه، وهو قول في المذهب، واختاره ابن عثيمين. والمذهب كما في الإقناع، وهو مفهوم الإنصاف والمنتهى: تسقط نفقتها بحج النفل ولو أذن لها؛ لأنها فوَّتت التمكين لأجل نفسها. المسقط السابع: السفر، ولا يخلو من قسمين: ١ - أن يكون بغير إذنه: فتسقط نفقتها؛ لأنها ناشز. ٢ - أن يكون بإذنه، فعلى قسمين: أ) أن تسافر لحاجتها، وأشار إليه المؤلف بقوله: (أَوْ سَافَرَتْ) أي: الزوجة (لِحَاجَتِهَا) ولو (بِإِذْنِهِ) أو سافرت لنزهة، أو لزيارة: (سَقَطَتْ) نفقتها؛ لتفويتها التمكين لحظ نفسها وقضاء حاجتها. إلا أن يكون الزوج مسافرًا معها متمكنًا منها، فلا تسقط نفقتها؛ لأنها في قبضته.
следующие страницы →