← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

لإصلاح الجسم، كما لا يلزم المستأجر بناء ما يقع من الدار. واختار ابن عثيمين: وجوب الدواء وأجرة الطبيب على الزوج؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، وقد قال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩]. - فرع: (وَ) لا يجب على الزوج (ثَمَنُ طِيبٍ)، وحناء ونحوه؛ لأن ذلك من الزينة فلا يجب عليه؛ كشراء الحلي، إلا أن يريد منها التزين به؛ لأنه هو المريد لذلك. فصل - مسألة: تنقسم الزوجة التي فارقها زوجها - من حيثُ النفقةُ وعدمُها - إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: المطلقة الرجعية: وأشار إليه بقوله: (وَتَجِبُ) النفقة والسكنى (لِـ) ـمطلقة (رَجْعِيَّةٍ)؛ لأنها زوجة؛ لقوله: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولأنها يلحقها طلاقه وظهاره، أشبه ما قبل الطلاق، وحكاه الماوردي إجماعًا، إلا فيما يعود لنظافتها. القسم الثاني: المطلقة البائن، سواء بفسخ أو طلاق ثلاث أو على عوض، ولا تخلو من حالين:

стр. 1437

الحالة الأولى: أن تكون بائنًا غير حامل: فلا تجب لها نفقة ولا سكنى؛ لحديث فاطمة بنت قيس ﵂: أن زوجها طلَّقها في عهد النبي ﷺ ، وكان أنفق عليها نفقة دون، فلما رأت ذلك، قالت: والله لأعلمن رسول الله ﷺ ، فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني، وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئًا، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «لَا نَفَقَةَ لَكِ، وَلَا سُكْنَى» [مسلم: ١٤٨٠]. وأما قول عمر ﵁: «لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ، أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ» [مسلم: ١٤٨٠]، فقد خالفه علي [عبد الرزاق: ١٢٠٣٠]، وابن عباس وجابر ﵃ [البيهقي: ٧/ ٤٧٥]. (وَ) الحالة الثانية: (بَائِنٌ حَامِلٌ)، فتجب لها النفقة والسكنى؛ لقوله: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٦]، وفي بعض روايات حديث فاطمة بنت قيس ﵂: أن النبي ﷺ قال لها: «لَا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا» [أحمد: ٢٣٧٧٣، وأبو داود: ٢٢٩٠، وصححه الألباني]، ولأن الحمل ولد الزوج الذي أبانها فلزمه الإنفاق عليه، ولا يمكنه ذلك إلا بالإنفاق عليها؛ فوجب؛ كأجرة الرضاع، وأما السكنى؛ فلقوله تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم). القسم الثالث: المتوفى عنها زوجها، وأشار إليه بقوله: (لَا) تجب النفقة ولا السكنى (لِمُتَوَفًّى عَنْهَا) زوجها، ولو كانت حاملًا؛ لانتقال التركة للورثة،

стр. 1438

ولا سبب للوجوب عليهم، فإن كانت حاملًا فالنفقة من حصة الحمل من التركة إن كانت، وإلا فعلى وارثه الموسر. قال شيخ الإسلام: (والزوجة المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها ولا سكنى إلا إذا كانت حاملًا فروايتان، وإذا لم توجب النفقة في التركة فإنه ينبغي أن تجب لها النفقة في مال الحمل، أو في مال من تجب عليه النفقة إذا قلنا تجب للحمل؛ كما تجب أجرة الرضاع). وقال في موضع آخر: (النفقة والسكنى تجب للمتوفى عنها في عدتها، ويشترط فيها مقامها في بيت الزوج، فإن خرجت فلا جناح إذا كان أصلح لها). - مسألة: تسقط نفقة الزوجة عن الزوج بأمور، منها: المسقط الأول: الحبس، وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ حُبِسَتْ) عن زوجها، ولا تخلو من حالين: ١ - أن يكون الحبس بحق: فتسقط نفقتها اتفاقًا؛ لأنَّها مَنَعَت نفسَها عنه بسببٍ لا مِن جِهتِه؛ فسَقَطَت نَفقتُها. ٢ - أن يكون الحبس ظلمًا: فتسقط نفقتها أيضًا؛ لما تقدم. واختار ابن عثيمين: أنها لا تسقط؛ لأن تعذر استمتاعه بها ليس من قبلها، فيكون كما لو تعذر استمتاعه بها لمرض.

стр. 1439

المسقط الثاني: النشوز، وأشار إليه بقوله: (أَوْ نَشَزَتْ) بأن امتنعت عن بذل حق الزوج له: فإن نفقتها تسقط؛ لتفويتها حق الزوج من الاستمتاع. المسقط الثالث: صوم النفل، وأشار إليه بقوله: (أَوْ صَامَتْ نَفْلاً): فتسقط نفقتها؛ لتفويتها حق الزوج من الاستمتاع. المسقط الرابع: صوم الكفارة، وأشار إليه بقوله: (أَوْ) صامت (لِكَفَّارَةٍ): فتسقط نفقتها؛ لما تقدم. المسقط الخامس: قضاء رمضان، ولا يخلو من حالين: ١ - أن يكون القضاء في وقته الموسع، وأشار إليه بقوله: (أَوْ) صامت (قَضَاءَ رَمَضَانَ، وَوَقْتُهُ مُتَّسِعٌ): فتسقط نفقتها؛ لأنها منعت نفسها بسبب لا من جهته. ٢ - أن يكون القضاء في وقته المضيق، بأن صامت في آخر شعبان: فلا تسقط نفقتها؛ لأنَّها فعلت ما أوجب الشَّرعُ عليها. وقيل، واختاره ابن عثيمين: لا تسقط نفقتها، سواء كان الوقت موسعًا أو مضيقًا؛ لأنه صوم واجب، فهو كالصلاة، سواء فعلته أول الوقت أو آخره، لا فرق.

стр. 1440

المسقط السادس: الحج، ولا يخلو من حالين: ١ - حج الفرض: لا تسقط نفقتها؛ لأنها فعلت ما وجب عليها بالشرع. ٢ - حج النفل، وأشار إليه بقوله: (أَوْ حَجَّتْ نَفْلاً بِلَا إِذْنِهِ): فتسقط نفقتها؛ لأنها منعت نفسها لسبب لا من جهة الزوج. فإن كان حج النفل بإذن الزوج؛ فلا تسقط نفقتها؛ لأن حق الاستمتاع له وقد أسقطه، وهو قول في المذهب، واختاره ابن عثيمين. والمذهب كما في الإقناع، وهو مفهوم الإنصاف والمنتهى: تسقط نفقتها بحج النفل ولو أذن لها؛ لأنها فوَّتت التمكين لأجل نفسها. المسقط السابع: السفر، ولا يخلو من قسمين: ١ - أن يكون بغير إذنه: فتسقط نفقتها؛ لأنها ناشز. ٢ - أن يكون بإذنه، فعلى قسمين: أ) أن تسافر لحاجتها، وأشار إليه المؤلف بقوله: (أَوْ سَافَرَتْ) أي: الزوجة (لِحَاجَتِهَا) ولو (بِإِذْنِهِ) أو سافرت لنزهة، أو لزيارة: (سَقَطَتْ) نفقتها؛ لتفويتها التمكين لحظ نفسها وقضاء حاجتها. إلا أن يكون الزوج مسافرًا معها متمكنًا منها، فلا تسقط نفقتها؛ لأنها في قبضته.

стр. 1441

وقيل، واختاره ابن عثيمين: أنها إن سافرت لحاجتها بإذنه فلا تسقط نفقتها؛ لأن الحق له وقد أذن لها فسقط حقه، وإذا سقط حقه من الاستمتاع بإذنه فلا يسقط حقها من النفقة. ب) أن تسافر لحاجة الزوج بإذنه: فلها النفقة؛ لأنها سافرت في شغله ومراده. - ضابط عند ابن عثيمين في سقوط النفقة: (الأصل وجوب النفقة بمقتضى العقد، وهذا الأصل لا يمكن سقوطه إلا بمقتضى دليل شرعي، وهو أن يقال: هذه النفقة في مقابل الاستمتاع، فمتى فَوَّتت المرأة الاستمتاع أو كماله على الزوج بدون رضاً منه؛ سقطت نفقتها، ومتى لم تفوته إلا بإذنه فإنها لا تسقط؛ لأنه راضٍ بذلك). - فرع: (وَلَهَا) أي: للزوجة على زوجها (الكِسْوَةُ) إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، ولحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» [مسلم: ١٢١٨]، ولأنها لا بد منها على الدوام، فلزمته؛ كالنفقة. - فرع: الكسوة غير مقدرة شرعًا، بل هي على قدر كفاية الزوجة؛ كالنفقة، ولها الكسوة (كُلَّ عَامٍ مَرَّةً)، ولو كانت كسوة العام الماضي صحيحة باقية؛ لأنه العادة، ويكون الدفع إليها (فِي أَوَّلِهِ)؛ لأنه أول وقت الحاجة إلى ذلك.

стр. 1442

واختار شيخ الإسلام وابن عثيمين: أن النفقة والكسوة ليس بتمليك، بل ينفق ويكسو بحسب العادة، فمتى احتاجت للكسوة أعطاها، ومتى استغنت عن الكسوة فلا تلزمه أخرى؛ لأن الواجب على الزوج المعاشرة بالمعروف، والإنفاق بالمعروف ليس هو التمليك. - مسألة: (وَمَتَى لَمْ يُنْفِقِ) الزوج على زوجته مدة، لعذر أو غيره، ولو كان غائبًا أو معسرًا؛ لم تسقط النفقة، و (تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ)؛ ولو لم يفرضها حاكم؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا، أَوْ يُطَلِّقُوا فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا» [البيهقي: ١٥٧٠٦، وصححه ابن المنذر والألباني]، ولأنه حق يجب مع اليسار والإعسار، فلم يسقط بمضي الزمان؛ كأجرة العقار، بخلاف نفقة الأقارب، فإنها صلة يعتبر فيها يسار المنفِق وإعسار من تجب له، فتسقط. وعنه، واختاره ابن القيم: لا نفقة لها إلا أن يكون الحاكم قد فرضها لها؛ لحديث عائشة ﵂، أن هند بنت عتبة ﵂، قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ، بِالمَعْرُوفِ» [البخاري: ٥٣٦٤، ومسلم: ١٧١٤]، ولم يفرض لها نفقة ما مضى، ولأنها نفقة تجب يوماً فيوماً، فتسقط بتأخيرها إذا لم يفرضها الحاكم؛ كنفقة الأقارب، قال ابن القيم: (وإنما أمر عمر بن الخطاب ﵁ الأزواج إذا طلقوا أن يبعثوا بنفقة ما

стр. 1443

مضى، ولم يأمرهم إذا قدموا أن يفرضوا نفقة ما مضى، ولا يعرف ذلك عن صحابي البتة، ولا يلزم من الإلزام بالنفقة الماضية بعد الطلاق وانقطاعها بالكلية الإلزام بها إذا عاد الزوج إلى النفقة والإقامة). - مسألة: (وَإِنْ أَنْفَقَتِ) الزوجة (مِنْ مَالِهِ) أي: مال الزوج، (فِي غَيْبَتِهِ، فَبَانَ) الزوج (مَيِّتاً؛ رَجَعَ عَلَيْهَا) أي: على الزوجة (وَارِثٌ) بما أنفقته منذ مات؛ لأن وجوب النفقة انقطع بموت الزوج، فلا تستحق ما قبضته من النفقة بعد موته. - مسألة: تجب النفقة على الزوج بشرطين: الشرط الأول: أن تكون الزوجة ممن يوطأ مثلها، وهي بنت تسع سنين فأكثر. فإن كانت الزوجة صغيرة لا يوطأ مثلها؛ فلا تجب النفقة عليها ولو تم تسليمها للزوج؛ لأنها ليست محلًّا للاستمتاع بها، فلا أثر لتسليمها. وقيل: تجب النفقة للصغيرة ولو كانت ممن لا يوطأ مثلها؛ لأن تعذر الوطء لم يكن بفعلها، فلم يمنع وجوب النفقة؛ كالمرض، قال ابن عثيمين: (ظاهر الكتاب والسنة يدل على أنه يجب الإنفاق عليها؛ لأن موجب الإنفاق قائم وهو النكاح، إلا أن يمنع منه إجماع). الشرط الثاني: أن يتسلمها الزوج تسلمًا تامًّا؛ بأن لا تُسلم في مكان دون آخر، أو بلد دون آخر، بل بذلت نفسها حيث شاء مما يليق بها، وأشار

стр. 1444

إليه المؤلف بقوله: (وَمَنْ تَسْلَّمَ) من الأزواج (مَنْ يَلْزَمُهُ تَسَلُّمُهَا) وهي من يوطأ مثلها، (أَوْ بَذَلَتْهُ هِيَ) أي: الزوجة (أَوْ) بذلها (وَلِيُّهَا) للزوج. فإذا تم الشرطان (وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا) وكسوتها على الزوج؛ لأن النفقة تجب في مقابلة الاستمتاع، وقد أمكنته من ذلك؛ كالمُؤْجر إذا سلَّم العين المُؤْجَرة. فإن منعت تسليم نفسها أو منعها أهلها: فلا نفقة لها؛ لأن النفقة في مقابل التمكين من المستحِّق لعقد النكاح، ولم يوجد. - فرع: تجب النفقة على الزوج إذا تحقق الشرطان (وَلَوْ مَعَ صِغَرِهِ) أي: صغر الزوج، (وَمَرَضِهِ، وعُنَّتِهِ، وَجَبِّهِ) أي: قطع ذَكَره بحيث لا يمكنه وطء؛ لأن النفقة تجب في مقابلة الاستمتاع، وقد أمكنته من ذلك؛ كالمؤجر إذا سلم العين المؤجرة أو بذلها. - مسألة: (وَلَهَا) أي: للزوجة (مَنْعُ نَفْسِهَا) من زوجها (قَبْلَ دُخُولٍ لِقَبْضِ مَهْرٍ حَالٍّ) إجماعًا، وتقدم في باب الصداق، (وَلَهَا النَّفَقَةُ)؛ لأنها فعلت ما لها أن تفعله. وعلم منه: أنه لا نفقة لها فيما لو منعت نفسها حيث قلنا: ليس لها منع نفسها؛ لعدم التمكين بلا عذرٍ من قِبَلِه، وذلك في صورتين تقدمتا في

стр. 1445

الصداق، وهما: ١ - إذا منعت نفسها من زوجها قبل الدخول لقبض مهر مؤجل، ولو حلَّ قبل الدخول. ٢ - إذا منعت نفسها بعد الدخول، ولو لقبض مهرها الحال. - مسألة: (وَإِنْ أَعْسَرَ) الزوج (بِنَفَقَةِ) وكسوة وسكنى (مُعْسِرٍ)، فلم يجد القوت، (أَوْ) أعسر بـ (ـبَعْضِهَا) أي: ببعض نفقة المعسر وكسوته، أو صار الزوج لا يجد نفقة زوجته إلا يومًا بعد يوم، لم يخلُ ذلك من ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يكون موسرًا ثم يُعسِر: فإن الزوجة تُخيَّر بين المقام عنده وبين فسخ النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والإمساك مع ترك النفقة ليس إمساكًا بالمعروف، ولما ورد عن أبي الزناد قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال: «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا»، قال أبو الزناد: قلت: سُنَّة؟ فقال سعيد: «سُنَّةٌ» [مسند الشافعي ص ٢٦٦]، قال الشافعي: (والذي يشبه قول سعيد: سُنَّة، أن يكون سُنَّة رسول الله ﷺ ، ولقول أبي هريرة ﵁: «تَقُولُ المَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي» [البخاري: ٥٣٥٥]، ولأثر عمر ﵁ السابق، وفيه: «فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا»، ولأن جواز الفسخ بذلك أولى من العُنَّة لقلة الضرر؛ لأنه فَقْد شهوةٍ يقوم البدن بدونها، فتملك الفسخ.

стр. 1446

الحال الثانية: أن تتزوجه وهي عالمة بعُسرته: فلها الخيار بين المقام عنده والفسخ؛ لأن النفقة يتجدد وجوبها كل يوم، فيتجدد لها الفسخ كذلك (١). وعنه، واختاره ابن القيم: أنه ليس لها الفسخ في الحالتين؛ لحديث جابر ﵁ في قصة اعتزاله ﷺ نساءه شهرًا، وفيه: «فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؟ ! » [مسلم: ١٤٧٨]، قال ابن القيم: (فهذا أبو بكر وعمر ﵄ يضربان ابنتيهما بحضرة رسول الله ﷺ إذ سألاه نفقة لا يجدها، ومن المحال أن يضربا طالبتين للحق، فدل على أنه لا حق لهما)؛ ولأنه لم يزل الناس تصيبهم الفاقة بعد اليسار، ولم يرفعهم أزواجهم إلى الحكام ليفرقوا بينهم، ولأنها إن تزوجته وهو معسر فقد دخلت على بصيرة، كما لو تزوجته وبه عيب وهي عالمة بذلك، وإن تزوجته وهو موسر ثم افتقر؛ فإنه لم تحصل منه جناية ولا عدوان، والله تعالى يقول: ﴿ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧]، وهذا لم يُؤْت شيئًا فلا يكلفه الله. واختاره ابن عثيمين، وقال: (لكن لا يملك منعها من التكسب).

стр. 1447

الحال الثالثة: أن يَغُرَّ الرجل المرأة بأنه ذو مال، فتتزوجه على ذلك، ثم يتبين أنه معسر: فلها الخيار؛ لما فيه من التغرير بالمرأة، قال ابن القيم: (وهو الذي تقتضيه أصول الشريعة وقواعدها). - فرع: (لَا) يحق للزوجة الفسخ إن أعسر الزوج (بِمَا) أي: بنفقةٍ ماضية باقية (فِي ذِمَّتِهِ)؛ لأن البدن قد قام بدونها، والنفقة الماضية دَيْنٌ، وكالصداق إذا أعسر به بعد الدخول. - مسألة: (أَوْ) أي: إن (غَابَ) زوج موسر عن زوجته لم يخل ذلك من حالين: الأولى: ألا تتعذر النفقة عليها، كما لو ترك لها نفقة، أو قُدِر على ماله، أو أمكنها تحصيل نفقتها باقتراض أو نحوه: فليس لها حق الفسخ؛ لأن الإنفاق عليها من جهته غير متعذر. (وَ) الثانية: إن (تَعَذَّرَتْ) نفقته عليها؛ بأن لم يترك لها نفقة، ولم يُقْدَر له على مال، ولم يُمكِنها تحصيل نفقتها (بِاسْتِدَانَةٍ) أي: اقتراض (أَوْ نَحْوِهَا: فَلَهَا الفَسْخُ)؛ لأن الإنفاق عليها من ماله متعذر، فكان لها الخيار؛ كحال الإعسار، ولأن في الصبر ضررًا أمكن إزالته بالفسخ، فوجبت إزالته؛ دفعًا للضرر.

стр. 1448

- فرع: لا يصح الفسخ في ذلك كله إلا (بِحَاكِمٍ) فيفسخ الحاكم بطلبها أو تفسخ هي بأمره؛ للاختلاف فيه كالفسخ للعُنَّة، وتوقفه على طلبها ; لأنه لحقها. وسبق الضابط عند شيخ الإسلام وابن عثيمين: (أن الفسخ الذي يتوقف على الحاكم هو ما كان عند النزاع، فإن رضيَا بالفسخ فيما بينهما؛ فلهما ذلك). - فرع: (وَتَرْجِعُ) الزوجة على زوجها الغائب (بِمَا اسْتَدَانَتْهُ) من النفقة (لَهَا أَوْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ مُطْلَقاً) أي: سواء كانت استدانتها بإذن حاكم أو لا، وسواء تركها لعذر أو لغير عذر؛ لقيامها عنه بالواجب. (فَصْلٌ) في نفقة الأقارب، والمماليك، والبهائم أولًا: نفقة الأقارب: والمراد بالأقارب: من يرثه بفرض أو تعصيب. - مسألة: (وَتَجِبُ) النفقةُ كاملةً إذا كان المُنفَقُ عليه لا يَملِكُ شيئاً، أو

стр. 1449

تتمتُها إذا كان يَملِكُ البعض (عَلَيْهِ) أي: على الشخص، (بِمَعْرُوفٍ)؛ لقوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، بثلاثة شروط: الشرط الأول: كون المنفِق من عمودي نسبه أو وارثًا له إن كان من غير عمودي النسب، وأشار إليه بقوله: (لِكِلٍّ مِنْ أَبَوَيْهِ) أي: أبيه وأمه إجماعًا؛ لقولِه تعالى: (وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [البقرة: ٨٣]، ومِن الإحسانِ الإنفاقُ عليهما، ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» [أحمد: ٢٤٠٣٢، وأبو داود: ٣٥٢٨، والنسائي: ٤٤٤٩، وابن ماجه: ٢١٣٧]، (وَإِنْ عَلَوا)؛ كأجداده وجداته؛ لدخولهم في اسم الآباء، حتى ذوي الرحم منهم؛ كأجداده المدلين بإناث؛ لقوله تعالى: (ملة أبيكم إبراهيم)، فسمى إبراهيم أبًّا وهو جد. (وَ) تجب النفقة أو تتمتها، على الشخص لكل واحد من (وَلَدِهِ)، ذَكراً كان أو أنثى؛ لقولِه تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ) [البقرة: ٢٣٣]، ولحديث عائشة ﵂ السابق، أن النبي ﷺ قال لهند بنت عتبة: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ»، (وَإِنْ سَفَلَ)؛ لدخولهم في اسم الأولاد، حتى ذوي الرحم منهم؛ كولد البنت.

стр. 1450

- فرع: تجب النفقة للأصول والفروع (وَلَوْ حَجَبَهُ) أي: الغنيَّ منهم (مُعْسِرٌ)؛ فمن له أبٌ وجدٌّ معسران وجَبَت عليه نفقتهما، ولو كان الغني المنفق محجوباً مِن الجدِّ بأبيه المُعسِر؛ لأن بينهما قرابة توجب العتق، ورد الشهادة، أشبه الولد والوالدين القريبين. - فرع: تجب النفقة للأصول والفروع حتى ذوي الأرحام منهم؛ كأجدادِه المُدلين بإناث، وجدَّاته الساقطات في الميراث، وولد البنت؛ لما تقدم. - مسألة: (وَ) تجب النفقة أو تتمتها على الحواشي، كأخ وعم ونحوهم، إن كان المنفِق وارثًا للمنفَق عليه، فتجب النفقة (لِكُلِّ مَنْ يَرِثُهُ) المنفِق (بِفَرْضٍ)؛ كولد الأم، (أَوْ تَعْصِيبٍ)؛ كأخ وعمٍّ لغير الأم، سواء ورثه الآخر كالأخ، أو لا كالعمَّةِ؛ لقوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، ثم قال: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) [البقرة: ٢٣٣]، فأوجب على الأب نفقة الرَّضاع، ثم أوجب مثل ذلك على الوارث، وذلك يقتضي الاشتراك في الوجوب. - فرع: (لَا) تجب النفقة لمن يرثه (بِرَحِمٍ)، وهو من ليس بذي فرض ولا تعصيب؛ كخال وخالة، (سِوَى عَمُودَيْ نَسَبِهِ) كما سبق؛ لعدم النص فيهم، ولأن قرابتهم ضعيفة، فهم كسائر المسلمين في أن المال يُصرَف إليهم

стр. 1451

إذا لم يكن للميت وارث. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تجب النفقة على ذوي الأرحام؛ لقوله تعالى: (وآت ذا القربى حقه)، ومن حقهم النفقة عليهم، ولأن أبا بكر الصديق ﵁ حلف أن لا ينفق على مِسْطَح بن أُثاثة في حادثة الإفك [البخاري: ٢٦٦١، ومسلم: ٢٧٧٠]، وكانت أم مسطح بنت خالة أبي بكر، وقد جعله الله من ذوي القربى الذين نهى عن ترك إيتائهم فقال تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى) [النور: ٢٢]، والنهي يقتضي التحريم، فإذا لم يجز الحلف على ترك الفعل، كان الفعل واجبًا؛ لأن الحلف على ترك الجائز جائز. الشرط الثاني: فقر المنفَق عليه، وأشار إليه بقوله: (مَعَ فَقْرِ مَنْ تَجِبُ لَهُ) النفقة، (وَعَجْزِهِ عَنْ كَسْبٍ)؛ لأنَّ النفقة إنما تجب على سبيل المواساة، والغنيُّ بملْكِهِ أو قدرته على التَّكسب مُستغنٍ عن المواساة. الشرط الثالث: غِنى المنفِق، وأشار إليه بقوله: (إِذَا كَانَتْ) النفقة (فَاضِلَةً عَنْ قُوتِ نَفْسِهِ) أي: نفس المنفِق، (وَ) قوت (زَوْجَتِهِ، وَرَقِيقِهِ، يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ)، وكسوة وسكنى لهم، من حاصل بيده، أو متحصل من صناعة، أو تجارة، أو نحوه؛ لأن وجوب النفقة على سبيل المواساة، وهي لا تجب مع الحاجة، (كَفِطْرَةٍ) أي: قياسًا على زكاة الفطر.

стр. 1452

- فرع: (لَا) تجب النفقة على القريب (مِنْ رَأْسِ مَالٍ) لتجارة، (وَ) لا تجب من (ثَمَنِ مِلْكٍ، وَ) لا من ثمن (آلَةِ صَنْعَةٍ)؛ لحصول الضَّرر بوجوب الإنفاق مِن ذلك. - مسألة: (وَتَسْقُطُ) نفقة الأقارب (بِمُضِيِّ زَمَنٍ)، بأن يترك ما وجب عليه من نفقة قريب مدة؛ لأنها مواساة، إلا في حالتين: ١ - (مَا لَمْ يَفْرِضْهَا) أي: يفرض النفقة (حَاكِمٌ)؛ لأنه تأكد بفرضه؛ كنفقة الزوجة. ٢ - (أَوْ) أي: وما لم (تُسْتَدَنِ) النفقة (بِإِذْنِهِ) أي: إذن الحاكم لمن وجبت له النفقة في الاستدانة على المنفِق؛ كنفقة الزوجة. وظاهر ما اختاره شيخ الإسلام: لا يرجع بنفقة ما مضى إن استغنى بكسب أو نفقة متبرع. - مسألة: (وَإِنِ امْتَنَعَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ) النفقة من زوج أو قريب، فأنفق على الزوجة أو القريب غيره؛ (رَجَعَ عَلَيْهِ) أي: على الزوج أو القريب (مُنْفِقٌ) إن أنفق (بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ)؛ لأن الامتناع قد يكون لضعف من وجبت له، وقوة من وجبت عليه، فلو لم يملك المنفِق الرجوع؛ لضاع الضعيف، ولأنه قام عنه بواجب؛ كقضاء دينه.

стр. 1453

فأما لو أنفق بنية التبرع، أو بدون نية؛ لم يرجع، وتقدم الكلام على ذلك في قاعدة (من أدى عن غيره واجبًا) في كتاب الزكاة، وأن شيخ الإسلام اختار: أنه يرجع إلا إن نوى التبرع. - مسألة: (وَهِيَ) أي: النفقة على القريب، لا تخلو من حالين: الحالة الأولى: أن يكون المنفِق غير الأب: فالنفقة (عَلَى كُلِّ) واحد من الورثة (بِقَدْرِ إِرْثِهِ) من المنفق عليه؛ لأن الله تعالى رتب النفقة على الإرث لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فيجب أن يرتب المقدار عليه. فمن له أمٌّ وجدٌّ لأب؛ فعلى الأم الثُلُث والباقي على الجد؛ لأنهما يرثانه كذلك. ومن له جدة وأخ شقيق؛ فعلى الجدة السُدُس، والباقي على الأخ؛ كإرثهما له. - فرع: إن كان أحد الورثة موسِرًا والآخر معسِرًا، فلا يخلو من حالين: ١ - أن يكون الوارث من غير عمودي النسب؛ كأخٍ أو عمٍّ: فيلزم الموسِر بقدر إرثه فقط من غير زيادة؛ لأن الموسِر منهما إنما يجب عليه مع يسار الآخر ذلك القدر، فلا يتحمل عن غيره إذا لم يجد الغير ما يجب عليه. وإذا كان محجوبًا فلا تجب عليه النفقة، ولو كان الحاجب معسرًا؛ فمن

стр. 1454

له ابن فقير وأخ موسِر؛ فلا نفقة له عليهما؛ أما الابن فلعسرته، وأما الأخ فلعدم ميراثه. وعنه: تجب النفقة على الموسر؛ لأن الفقير كالمعدوم. ٢ - أن يكون الوارث من عمودي النسب؛ كجدٍّ أو ابن: فتجب النفقة كلها على الموسر؛ لقوة القرابة، بدليل عدم اشتراط الإرث. فمن له أم فقيرة وجدة موسِرة؛ فالنفقة على الجدة الموسرة وإن كانت محجوبة؛ لقوة القرابة. (وَ) الحالة الثانية: (إِنْ كَانَ) المنفِق عليه (أبـ) ـًا: (انْفَرَدَ بِهَا) أي: بنفقة ولده؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦]، وقوله ﷺ لهند في حديث عائشة المتقدم: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ». ثانيًا: نفقة المماليك: - مسألة: (وَتَجِبُ) النفقة (عَلَيْهِ) أي: على السيد (لِرَقِيقِهِ) اتفاقًا، قدر كفايته، وكذا كسوة وسكنى بالمعروف، ولو مع اختلاف الدين، (وَلَوْ) كان رقيقه (آبِقاً، وَ) كذا لو كانت أمته (نَاشِزاً)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ»

стр. 1455

[مسلم: ١٦٦٢]، ولأنه أخصُّ الناس به، فوجبت نفقته عليه، وهي واجبة بالملك، فلذلك وجبت للآبق، والناشز، وغيرهما. - فرع: النفقة على الرقيق تنقسم إلى قسمين: ١ - النفقة الواجبة: بأن ينفق عليه من غالب قوت البلد وأُدْم مثله، والكسوة من غالب الكسوة لأمثال العبيد في ذلك البلد الذي هو به؛ لحديث أبي هريرة السابق، وفي لفظ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ» [مسند الشافعي ص ٣٠٥]، والمعروف يختلف باختلاف الزمان والمكان. ٢ - النفقة المستحبة: بأن يُطعمه مما يَطْعَم، ويُلبسه مما يَلْبَس؛ لحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» [البخاري: ٢٥٤٥، ومسلم: ١٦٦١]. - مسألة: (وَلَا) يجوز للسيد أن (يُكَلِّفَهُ) أي: يكلف الرقيق (مُشِقًّا كَثِيراً) بحيث يقرب من العجز عنه، فإن كلفه مُشِقًّا؛ أعانه؛ لحديث أبي ذر السابق. - فرع: (وَ) يجب على السيد أن (يُرِيحَهُ) أي: يريح الرقيق (وَقْتَ قَائِلَةٍ) وهي وسط النهار، (وَ) وقت (نَوْمٍ، وَلِصَلَاةِ فَرْضٍ)؛ لأن العادة جارية بذلك، ولأن تركه إضرار بهم.

стр. 1456

ثالثًا: نفقة البهائم: - مسألة: (وَعَلَيْهِ) أي: يجب على المالك (عَلَفُ بَهَائِمِهِ وَسَقْيُهَا) حتى تنتهي إلى أول شبعها وريِّها، دون غايتهما؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» [البخاري: ٢٣٦٥، ومسلم: ٢٢٤٢]. - فرع: (وَإِنِ) امتنع مالك البهيمة من الإنفاق عليها: ١ - أُجبر على ذلك؛ لأنه واجب عليه، كما يجبر على سائر الواجبات. ٢ - فإن أبى أو (عَجَزَ) عنه؛ (أُجْبِرَ عَلَى بَيْعٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ ذَبْحِ مَأْكُولٍ)؛ لأن بقاءها في يده بترك الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته. ٣ - فإن أبى فِعل أحد هذه الأمور؛ فَعَل الحاكم الأصلح من هذه الأمور الثلاثة، أو اقترض عليه وأنفق عليها؛ كما لو امتنع من أداء الدين. - مسألة: (وَحَرُمَ تَحْمِيلُهَا) أي: البهيمة (مُشِقًّا)، بأن يحمِّلها ما لا تطيق حمله؛ لأن الشارع منع تكليف العبد ما لا يطيق، والبهيمة في معناه، ولأن فيه تعذيبًا للحيوان الذي له حرمة في نفسه. - فرع: (وَ) حرم (لَعْنُهَا) أي: البهيمة؛ لحديث عمران بن حصين رضي الله عنه

стр. 1457

قال: قال رسول الله ﷺ : بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة، فضَجَرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: «خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ»، قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس، ما يعرض لها أحد [مسلم: ٢٥٩٥]. - فرع: (وَ) يحرم (حَلْبُهَا) أي: البهمية (مَا يَضُرُّ بِوَلَدِهَا)؛ لأن كفايته واجبة على مالكه، أشبه ولد الأمة. - فرع: (وَ) يحرم (ضَرْبُ وَجْهِ) البهيمة، ووجه الآدمي أشد؛ لأنه أعظم حرمة؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عَنِ الضَّرْبِ فِي الوَجْهِ، وَعَنِ الوَسْمِ فِي الوَجْهِ» [مسلم: ٢١١٦]. - فرع: (وَوَسْمُ) البهمية لا يخلو من قسمين: الأول: الوسم في الوجه، وأشار إليه بقوله: (فِيهِ): فإنه يحرم؛ لحديث جابر السابق. (وَ) الثاني: الوسم في غير الوجه؛ كالوسم في الرِّجْل واليد، فلا يخلو من حالين: ١ - أن يكون لغير غرض: فيحرم؛ لما فيه من تعذيب البهيمة دون حاجة. ٢ - أن يكون لغرض صحيح؛ كالمداواة، ووسم إبل الصدقة، ونحو

стр. 1458

ذلك، فقال المؤلف: (يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ) أي: غير الوجه (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ)؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: «رَأَيْتُ فِي يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ المِيسَمَ وَهُوَ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ» [البخاري: ١٥٠٢، ومسلم: ٢١١٩]، وللحاجة. (فَصْلٌ) في الحضانة وهي مشتقة من الحضن، وهو الجنب؛ لضم المربي، والكافل، والطفل، ونحوه إلى حضنه. وشرعًا: حفظ صغير ومعتوه ومجنون عما يضرهم، وتربيتهم بعمل مصالحهم. - مسألة: (وَتَجِبُ الحَضَانَةُ لِحِفْظِ صَغِيرٍ، وَمَجْنُونٍ، وَمَعْتُوهٍ)؛ لأنه يَهلِك بتركها، فوجب حفظه عن الهلاك. - مسألة: (وَالأَحَقُّ بِهَا) أي: بالحضانة عند المشاحَّة: ١ - (أُمٌّ)، وهي أولى من الأب؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء،

стр. 1459

وحجري له حواء، وإن أباه طلَّقني، وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله ﷺ : «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» [أحمد: ٦٧٠٧، وأبو داود: ٢٢٧٦]، ولقول عكرمة: خاصمت امرأةٌ عمرَ إلى أبي بكر ﵄، وكان طلقها، فقال: «هِيَ أَعْطَفُ، وَأَلْطَفُ، وَأَرْحَمُ، وَأَحْنَى، وَأَرْأَفُ، وَهِيَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَزَوَّجْ» [عبد الرزاق: ١٢٦٠٠]، ولأنها أشفق، والأب لا يلي حضانته بنفسه، وإنما يدفعه إلى امرأته أو غيرها من النساء، وأمُّه أولى ممن يدفعه إليها. ٢ - (ثُمَّ) إن لم تكن أم أو لم تكن أهلًا للحضانة؛ فـ (أُمَّهَاتُهَا، القُرْبَى فَالقُرْبَى)؛ لأن ولادتهن متحققة، فهن في معنى الأم، والأقرب أكمل شفقة من الأبعد. ٣ - (ثُمَّ) بعدهن (أَبٌ)؛ لأنه أقرب من غيره، وليس لغيره كمال شفقته، فرجح بها. ٤ - (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ) أي: الأب (كَذَلِكَ) أي: القربى فالقربى؛ لأنهن يدلين بمن هو أحق، وقُدِّمن على الجد؛ لأن الأنوثة مع التساوي توجب الرجحان، كالأم مع الأب. ٥ - (ثُمَّ جَدٌّ) لأب؛ لأنه في معنى الأب. ٦ - (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ) أي: الجد (كَذَلِكَ) أي القربى فالقربى؛ لأنهن يدلين

стр. 1460

بمن هو أحق، وقُدِّمن على الأخوات مع إدلائهن بالأب؛ لما فيهن من وصف الولادة، وكون الطفل بعضًا منهن، وذلك مفقود في الأخوات. ٧ - (ثُمَّ أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ)؛ لمشاركتها له في النسب، وقُدِّمت مَنْ لأبوين؛ لقوة قرابتها، (ثُمَّ) أخت (لِأُمٍّ)؛ لأن الأم مقدمة على الأب، فقُدِّم من يُدْلي بالأم على من يُدْلي به، (ثُمَّ) أخت (لِأَبٍ). ٨ - (ثُمَّ خَالَةٌ) فتُقدَّم على العمة؛ لأن الخالة تدلي بالأم، وتُقدَّم الخالة لأبوين، ثم الخالة لأم؛ ثم الخالة لأب؛ كالأخوات، لأن الشارع قدَّم خالة ابنة حمزة على عمتها صفية ﵃، لأن صفية لم تطلب، وجعفر طلب نائبًا عن خالتها، فقضى الشارع بها لها في غيبتها [البخاري: ٩٦٩٩]. ٩ - (ثُمَّ عَمَّةٌ) لأبوين، ثم عمة لأم، ثم عمة لأب؛ لإدلائهن بالأب، وهو مؤخر في الحضانة عن الأم. ١٠ - (ثُمَّ بِنْتُ أَخٍ) لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، (وَ) بنت (أُخْتٍ) كذلك، لأبوين، ثم لأم، ثم لأب. ١١ - (ثُمَّ بِنْتُ عَمٍّ) لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، (وَ) بنت (عَمَّةٍ) كذلك. ١٢ - (ثُمَّ بِنْتُ عَمِّ أَبٍ) كذلك، (وَ) بنت (عَمَّتِهِ) أي: الأب، (عَلَى مَا فُصِّلَ)، فتُقَدَّم من لأبوين، ثم لأم، ثم لأب.

стр. 1461

١٣ - (ثُمَّ) الحضانة (لِبَاقِي العَصَبَةِ) أي: عصبة المحضون، (الأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ)، فتقدم الإخوة الأشقاء، ثم لأب، ثم بنوهم كذلك، ثم الأعمام، ثم بنوهم كذلك، ثم أعمام أب، ثم بنوهم كذلك، وهكذا. وعُلم من ذلك: أن قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب؛ لحديث البراء بن عازب ﵄: أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: «الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» [البخاري: ٢٦٩٩]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تقديم نساء العصبة فنساء الأب يقدمن على نساء الأم؛ (لأن مجمع أصول الشرع إنما يقدم أقارب الأب، في الميراث، والعقد، والنفقة، وولاية الموت والمال، وغير ذلك، ولم يقدم الشارع قرابة الأم في حكم من الأحكام، فمن قدمهن في الحضانة فقد خالف أصول الشريعة، ولكن قدم الأم لأنها امرأة؛ وجنس النساء في الحضانة مقدمات على الرجال، وهذا يقتضي تقديم الجدة أم الأب على الجد، كما قدم الأم على الأب، وتقديم أخواته على إخوته، وعماته على أعمامه، وخالاته على أخواله، هذا هو القياس والاعتبار الصحيح، وأما تقديم جنس نساء الأم على نساء الأب فمخالف للأصول والعقول). وإنما قدم الشارع خالة ابنة حمزة بن عبد المطلب ﵃ على عمتها صفية

стр. 1462

رضي الله عنها؛ لأن صفية لم تطلب، وجعفر ﵁ طلب نائبًا عن خالتها، فقضى الشارع بها لها في غيبتها. وعلى هذه الرواية: فأم الأب مقدمة على أم الأم، والأخت من الأب مقدمة على الأخت من الأم، والعمة مقدمة على الخالة، وأقارب الأب من الرجال مقدمون على أقارب الأم، والأخ للأب أولى من الأخ للأم، والعم أولى من الخال، وهكذا. فالضابط عند شيخ الإسلام: يقدم الأقرب مطلقًا، سواء من جهة الأب أو الأم. - فرع: خلاصة ما تقدم، أن الترتيب لا يخلو من أربعة أقسام: ١ - أن تتحد الجهة، والدرجة، والقوة: تُقدم الأنثى؛ فتُقدم الأخت على الأخ. ٢ - أن تختلف الجهة: تُقدم جهة الأمومة على الأبوة؛ فتُقدم الخالة على العمة. وعند شيخ الإسلام: تقدم جهة الأبوة، فتقدم العمة على الخالة، إلا إن كانت جهة الأم أقرب، فتُقدم؛ كأم الأم، وأم أب الأب، فتُقدم الأولى. ٣ - أن تتحد الجهة، وتختلف الدرجة: تُقدم الدرجة الأقرب؛ فتُقدم الأخت الشقيقة على بنت الأخت الشقيقة.

стр. 1463

٤ - أن تتحد الجهة، والدرجة، وتختلف القوة: تُقدم الأقوى؛ فتقدم الخالة الشقيقة على الخالة لأب. - فرع: (وَشُرِطَ كَوْنُهُ) أي: الحاضن العاصب (مَحْرَماً)، ولو برضاع أو مصاهرة، (لِأُنْثَى) محضونة، بلغت سبع سنين؛ لأنها محل الشهوة. واختار ابن القيم: أن له الحضانة مطلقًا، ويسلمها إلى ثقة يختارها هو، أو إلى محرمه؛ لأنه قريب من عصباتها، وهو أولى من الأجانب والحاكم. ١٤ - (ثُمَّ) الحاضنة (لِذِي رَحِمٍ)، ذكرًا وأنثى غير من تقدم; لأن لهم رحمًا وقرابة يرثون بها عند عدم من تقدم؛ أشبهوا البعيد من العصبات. ١٥ - (ثُمَّ) تنتقل الحاضنة (لِحَاكِمٍ)؛ لأن له ولاية على من لا أب له ولا وصي، والحضانة ولاية. - مسألة: (وَلَا تَثْبُتُ) الحضانة إلا بسبعة شروط: الأول: كمال الحرية؛ لعجزه عنها بخدمة مولاه، فلا تثبت الحضانة حتى (لِمَنْ فِيهِ رِقٌّ) وهو المبَعَّض؛ لأنها ولاية، وليس هو من أهلها. واختار ابن القيم: عدم اشتراط الحرية؛ لعدم الدليل. (وَ) الثاني: الإسلام، فـ (لَا) تثبت الحضانة (لِكَافِرٍ عَلَى) محضون (مُسْلِمٍ)؛ لأنه يفتنه عن دينه، ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتربيته

стр. 1464

عليه، وفي ذلك كله ضرر. قال ابن عثيمين: (وعلم منه: أن للكافر حضانة على الكافر)؛ لعدم الضرر. (وَ) الثالث: العدالة، فـ (لَا) تثبت الحضانة (لِفَاسِقٍ)؛ لأنه لا يُوَفِّي الحضانة حقها. واختار ابن القيم: أن له الحضانة؛ لأنه لا يُعرَف أن الشارع فرق لذلك، ولأن العادة شاهدة أن الفاسق يحتاط لولده ويشفق عليه. والرابع: التكليف، فلا تثبت الحضانة لمجنون - ولو غير مطبق -، ولا لمعتوه، ولا لطفل؛ لأنهم يحتاجون لمن يحضنهم. والخامس: الاستطاعة، فلا تثبت لعاجز عنها؛ كأعمى وزَمِنٍ ونحوه؛ لعدم حصول المقصود به. والسادس: ألا يكون به عيب متعدٍّ ضرره؛ كمرض معدٍ؛ لأنه يخشى على المحضون من ذلك. (وَ) السابع: أن تكون المرأة خالية من زوج أجنبي، فـ (لَا) تثبت الحضانة (لِمُزَوَّجَةٍ بِأَجْنَبِيٍّ مِنْ مَحْضُونٍ)، ولو رضي الزوج؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ السابق، وفيه: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي»، ولأنها تشتغل عن الحضانة بحقوق الزوج.

стр. 1465

واختار ابن القيم: أن الحضانة لا تسقط إذا رضي الزوج، لأن سقوطها إنما هو لمراعاة حق الزوج، وقد أسقطه. - فرع: إذا كانت المرأة مزوَّجة بغير أجنبي من المحضون؛ كعصبات المحضون؛ لم تسقط حضانتها؛ لحديث البراء بن عازب السابق، حيث قضى النبي ﷺ بابنة حمزة للخالة، وهي متزوجة، إلا أن زوجها - وهو جعفر - ابن عم ابنة حمزة، ولأن الزوج القريب يشاركها في القرابة والشفقة عليه، أشبه الأم لو كانت مزوجة بالأب. - فرع: تسقط حضانة المرأة المزوجة بأجنبي (مِنْ حِينِ عَقْدٍ)؛ لأنها بالعقد ملك منافعها، واستحق زوجها منعها من الحضانة. - مسألة: (وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ) أي: أبوي المحضون (نُقْلَةً إِلَى بَلَدٍ) آخر، فلا يخلو من حالين: الحالة الأولى: أن يكون السفر إلى بلد غير آمن: فالمقيم منهما أحقُّ بالحضانة؛ لأن في السفر به خطرًا. الحالة الثانية: أن يكون السفر إلى بلد (آمَنٍ)، فلا يخلو من قسمين: الأول: أن يكون السفر للسكنى، فلا يخلو من حالين: ١ - أن يكون السفر بعيدًا، وأشار إليه بقوله: (وَطَرِيقُهُ) أي: البلد،

стр. 1466

(مَسَافَةُ قَصْرٍ فَأَكْثِرُ) وسافر إليه، قال ابن القيم: (بغير قصد الضرار)، (لِيَسْكُنَهُ)، وكان الطريق أيضًا آمنًا: (فَأَبٌ أَحَقُّ) في الحضانة، سواء كان المسافر الأب أو الأم؛ لأنه الذي يقوم عادة بتأديبه وحفظ نسبه، فإذا لم يكن ببلد أبيه؛ ضاع نسبه. ٢ - أن يكون السفر قريبًا، وأشار إليه بقوله: (أَوْ) إن أراد أحد أبوي المحضون نقله (إِلَى) بلدٍ (قَرِيبٍ) دون المسافة من بلد الآخر، وكان سفره (لِلسُّكْنَى: فَأُمٌّ) أحقُّ بالحضانة من الأب؛ لأنها أتم شفقة؛ ولأن ذلك في حكم الإقامة في غير هذا الحكم، فكذلك في هذا، ومراعاة الأب له ممكنة. واختار ابن قدامة: أن المقيم أحق به؛ لأن البعد الذى يمنعه من رؤيته، يمنعه من تأديبه وتعليمه ومراعاة حاله، فأشبه مسافة القصر. (وَ) الثاني: أن يكون السفر لغير السكنى، بل (لِحَاجَةٍ) يقضيها ثم يعود، فلا يخلو من حالين أيضًا: ١ - أن يكون السفر (مَعَ بُعْدِ) البلد الذي أراده، مسافة قصر فأكثر: فالمقيم أولى بالحضانة؛ لأن في المسافرة بالطفل إضرارًا به. ٢ - أن يكون السفر قريبًا، دون مسافة قصر، وأشار إليه بقوله: (أَوْ لَا) أي: أو لم يكن البلد بعيدًا: (فَمُقِيمٌ) من أبويه أحق بالحضانة أيضًا؛ إزالة لضرر السفر.

стр. 1467

واختار صاحب الزاد، وابن عثيمين: أن أمه أحقُّ بحضانته في الصورتين؛ لعدم الضرر في السفر القريب. وقال ابن القيم في مسألة الأحق بالحضانة عند سفر أحد الأبوين: (فالصواب: النظر والاحتياط للطفل في الأصلح له والأنفع، من الإقامة أو النقلة، فأيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ رُوعي، ولا تأثير لإقامة ولا نقلة، هذا كله ما لم يرد أحدهما بالنقلة مضارة الآخر وانتزاع الولد منه، فإن أراد ذلك لم يُجَب إليه). فصل في تخيير المحضون بين أبويه - مسألة: (وَإِذَا بَلَغَ صَبِيٌّ) محضون تمام (سَبْعِ سِنِينَ)، حال كونه (عَاقِلاً؛ خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني، فقال رسول الله ﷺ : «اسْتَهِمَا عَلَيْهِ»، فقال زوجها: من يُحاقُّني - أي: ينازعني - في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : «هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ»، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به [أحمد: ، وأبو داود: ٢٢٧٧، والترمذي: ١٣٥٧، والنسائي: ٣٤٩٦، وابن ماجه: ٢٣٥١]، ولأنه وارد عن عمر، وعلي ﵄ [عبد الرزاق ٧/ ١٥٦]، ولأنه إذا مال إلى أحد أبويه دل على أنه أرفق به وأشفق عليه، وقيد بالسبع؛ لأنها أول حال أمر الشرع

стр. 1468

فيها بمخاطبته بالصلاة، بخلاف الأم، فإنها قُدِّمت في حال الصغر؛ لحاجته إلى حمله ومباشرة خدمته؛ لأنها أعرف بذلك. وقال ابن القيم: (لا يُتوقف على سبع سنين، بل متى مَيَّز بين أبيه وأمه خُيِّر بينهما). - مسألة: (وَلَا يُقَرُّ مَحْضُونٌ) كصغير ومجنون ومعتوه (بِيَدِ مَنْ لَا يَصُونُهُ وَيُصْلِحُهُ)؛ لأن وجود ذلك كعدمه، فتنتقل عنه إلى من يليه. - فرع: (وَتَكُونُ بِنْتُ سَبْعِ) سنين تامَّةٍ فأكثرَ (عِنْدَ أَبٍ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ إِلَى زِفَافٍ) وجوبًا؛ لأن الغرض من الحضانة الحفظ، والأب أحفظ لها، وإنما تُخطَب منه، فوجب أن تكون تحت نظره؛ لكونها معرضة للآفات لا يؤمن عليها؛ للانخداع لِغِرَّتها، ولا يصار إلى تخييرها؛ لأن الشرع لم يرد به فيها، ولا يصح قياسها على الغلام؛ لأنه لا يحتاج إلى ما تحتاج إليه البنت، وأما حديث رافع بن سنان، أنه أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي ﷺ ، فقالت: ابنتي وهي فطيم، وقال رافع: ابنتي، قال له النبي ﷺ : «اقْعُدْ نَاحِيَةً»، وقال لها: «اقْعُدِي نَاحِيَةً»، وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: «ادْعُوَاهَا»، فمالت الصبية إلى أمها، فقال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ اهْدِهَا»، فمالت الصبية إلى أبيها، فأخذها [أحمد: ٢٣٧٥٧، وأبو داود: ٢٢٤٤]، فقد ضعفه يحيى بن سعيد القطان وابن المنذر وغيرهما.

стр. 1469

وعنه، واختاره ابن القيم وابن عثيمين: تكون الجارية عند الأم؛ لأن العادة جرت بأن الأب يتصرف في المعاش، والخروج، ولقاء الناس، والأم في خدرها مقصورة في بيتها، فالبنت عندها أصون وأحفظ، وعينها عليها دائمًا بخلاف الأب، فإنه في غالب الأوقات غائب عن البنت، أو في مظنة ذلك، ولأنها محتاجة إلى تعلم ما يصلح للنساء من الغزل والقيام بمصالح البيت.

стр. 1470

(كِتَابُ الجِنَايَاتِ) جمع جناية، وهي لغة: التعدي على بدن أو مال أو عرض. واصطلاحًا: التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا أو كفارة. وأجمعوا على تحريم القتل بغير حق، وهو ذنب كبير؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾ الآية [النساء: ٩٣]. - مسألة: (القَتْلُ)، وهو فعل ما يكون سببًا لزهوق النفس، وهو مفارقة الروح البدن، ثلاثة أضرب: الأول: (عَمْدٌ)؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ). (وَ) الثاني: (شِبْهُ عَمْدٍ)؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال: «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ: مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» [أبوداود ٤٥٨٨، والنسائي ٤٨٠٠، وابن ماجه ٢٦٢٧]، وورد عن عمر وعلي ﵄ [أبوداود ٤٥٥٠ - ٤٥٥١].

стр. 1471

(وَ) الثالث: (خَطَأٌ)؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا). (فَـ) الضرب الأول: القتل (العَمْدُ، يَخْتَصُّ القَوَدُ بِهِ)، فلا يثبت في غيره إجماعاً، والقود: قتل القاتل بمن قتله، مأخوذ من قَوَدِ الدابة؛ لأنه يُقاد إلى القتل بمن قتله. - فرع: (وَهُوَ) أي: القتل العمد: (أَنْ يَقْصِدَ مَنْ يَعْلَمُهُ آدَمِيًّا مَعْصُوماً، فَيَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ)، فلا قصاص فيما يلي: - إن لم يقصد قتله؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٠٤٥]. - أو قصد غير معصوم؛ لأن القصاص شرع لحفظ الدماء المعصومة، وهذا معدوم في غير المعصومة. - ولا بما لا يقتل غالبًا؛ لأن حصول القتل بما لا يغلب على الظن موته به يكون وقوع الموت عنده اتفاقاً لسبب أوجب الموت غيره. - فرع: العمد الذي يختص به القود له تسع صور بالاستقراء، أشار إلى بعضها بقوله: (كَجَرْحِهِ بِمَا لَهُ نُفُوذٌ فِي البَدَنِ)؛ من حديد؛ كسكين وحربة وسيف، أو من غير الحديد؛ كشوكة وخشب وقصب، فلو جرحه جرحاً

стр. 1472

كبيراً؛ فمات، فهو عمد، بغير خلاف نعلمه، قاله في المبدع. (وَ) كـ (ضَرْبِهِ بِـ) بمثَقَّل كبير؛ كـ (حَجَرٍ كَبِيرٍ)؛ لحديث أنس ﵁: «أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، قِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ، أَفُلانٌ، أَفُلانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» [البخاري ٢٤١٣، ومسلم ١٦٧٢]، ولو كان ذلك في غير مقتل؛ لأنه يقتل غالبًا، فيتناوله عموم قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨]. فإن كان الحجر صغيرًا فليس بعمد؛ لأنه لا يقتل غالباً، وفيه الدية؛ لأنه قتلٌ شبه عمد، إلا إن كان في مقتل، أو في حال ضعف قوةٍ؛ من مرض، أو صغر، أو كبر، أو حر مفرط، أو برد شديد ونحوه، فمات فعليه القود؛ لأن ذلك الفعل يقتل غالبًا. (وَ) الضرب الثاني: القتل (شِبْهُ العَمْدِ)، ويسمى: خطأ العمد، وعمد الخطأ؛ لاجتماعهما فيه، وهو: (أَنْ يَقْصِدَ جِنَايَةً لَا تَقْتُلُ غَالِباً، وَلَمْ يَجْرَحْهُ بِهَا) أي: بالجناية؛ (كَضَرْبٍ بِسَوْطٍ، أَوْ عَصاً)، أو حجر صغير، ونحوه، ويترتب عليه أمور:

стр. 1473

١ - أنه لا قصاص فيه إجماعاً؛ لحديث عبدالله بن عمرو ﵄ مرفوعاً: «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ» [أحمد ٦٧١٨، وأبو داود ٤٥٦٥]. ٢ - أن فيه الكفارة من مال الجاني؛ لقوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطا فتحرير رقبة) الآية، والخطأ موجود في هذه الصور؛ أنه لم يقصد قتله بذلك الفعل. ٣ - أن فيه الدية المغلظة، ويأتي بيانها. (وَ) الضرب الثالث: القتل (الخَطَأُ)، وهو نوعان: النوع الأول: خطأ في الفعل: بـ (أَنْ يَفْعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ؛ كَرَمْيِ صَيْدٍ وَنَحْوِهِ)؛ كغرض، أو ينقلب وهو نائم على إنسان فيموت، (فَيُصِيبَ آدَمِيًّا) معصوماً لم يقصده. والنوع الثاني: خطأ في القصد، وهو قسمان: ١ - أن يرمي ما يظنه صيدًا، أو هدفًا، أو مباح الدم؛ فيصيب آدميًّا لم يقصده. ٢ - أن يقتل في دار الحرب من يظنه حربيًّا فيتبين أنه مسلم، أو يرمي إلى صف الكفار فيصيب مسلمًا لم يقصده، أو يتترس الكفار بمسلم، ويخاف على المسلمين إن لم يرمهم، فيرميهم فيقتل المسلم؛ لوروده عن

стр. 1474

ابن عباس ﵄ [ابن أبي شيبة ٢٨٠٠٣]، وقال شيخ الإسلام: (إن كان معذورًا كأسير، أو من لا يمكنه الخروج من صفهم، فإن وقف باختياره؛ لم يضمن بحال)؛ لأنه هو الذي عرض نفسه للتلف بلا عذر. ويترتب على القتل الخطأ ثلاثة أمور: ١ - أنه لا قود فيه. ٢ - أن فيه الكفارة. ٣ - أن فيه الدية المخففة على عاقلته، ويأتي، إلا في مسألة التترس فليس فيها الدية؛ لقوله تعالى: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة). - مسألة: (وَعَمْدُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ؛ خَطَأٌ)؛ لا قصاص فيه، إجماعاً؛ لأنه عقوبة، وغير المكلف ليس من أهلها؛ ولأنه لا قصد لهما، فعمدهما كخطأ المكلف. فصل - مسألة: (وَيُقْتَلُ عَدَدٌ) أي: ما فوق الواحد (بِـ) شخص (وَاحِدٍ) قتلوه، إذا كان فعل كل واحد منهم صالحًا للقتل به لو انفرد؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم

стр. 1475

في القصاص حياة﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ ولأنه إذا علم أنه متى قَتَل قُتِل به؛ انكف به، فلو لم يشرع القصاص في الجماعة بالواحد؛ لبطلت الحكمة في مشروعية القصاص، ولإجماع الصحابة ﵃، فعن سعيد بن المسيب أنه قال: رُفِع إلى عمر ﵁ سبعة نفر قتلوا رجلًا بصنعاء، فقتلهم به، وقال: «لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ قَتَلْتُهُمْ بِهِ» [عبدالرزاق ١٨٠٧٥]، وعن علي وابن عباس معناه [عبدالرزاق ١٨٠٧٧، ١٨٠٨٢]، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف، والفرق بين قتل الجماعة والدية: أن الدم لا يتبعض بخلاف الدية. وإن لم يصلح فعل كل واحد من الجماعة للقتل؛ كما لو ضربه كل واحد منهم بحجر صغير فمات؛ فلا قصاص عليهم؛ لأنه لم يحصل من أحد منهم ما يوجب القود، ما لم يتواطؤوا على ذلك الفعل ليقتلوه به، فعليهم القصاص؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى درء القصاص. - فرع: (وَمَعَ عَفْوِ) الولي عن القود عن القاتلين؛ (تَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) فقط، لا أكثر؛ لأن القتيل واحد، فلا يلزمهم أكثر من ديته؛ كما لو قتلوه خطأ. - مسألة: (وَمَنْ أَكْرَهَ مُكَلَّفاً عَلَى قَتْلِ) شخص (مُعَيَّنٍ)، فقتله؛ فالقصاص عليهما؛ لأن المكرِه تسبب إلى قتله بما يفضي إليه غالبًا، أشبه ما لو أنهشه حية، والمكرَه قتله ظلمًا لاستبقاء نفسه، كما لو قتله في المجاعة
следующие страницы →