(وَ) الثالث: (خَطَأٌ)؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا).
(فَـ) الضرب الأول: القتل (العَمْدُ، يَخْتَصُّ القَوَدُ بِهِ)، فلا يثبت في غيره إجماعاً، والقود: قتل القاتل بمن قتله، مأخوذ من قَوَدِ الدابة؛ لأنه يُقاد إلى القتل بمن قتله.
- فرع: (وَهُوَ) أي: القتل العمد: (أَنْ يَقْصِدَ مَنْ يَعْلَمُهُ آدَمِيًّا مَعْصُوماً، فَيَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ)، فلا قصاص فيما يلي:
- إن لم يقصد قتله؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٠٤٥].
- أو قصد غير معصوم؛ لأن القصاص شرع لحفظ الدماء المعصومة، وهذا معدوم في غير المعصومة.
- ولا بما لا يقتل غالبًا؛ لأن حصول القتل بما لا يغلب على الظن موته به يكون وقوع الموت عنده اتفاقاً لسبب أوجب الموت غيره.
- فرع: العمد الذي يختص به القود له تسع صور بالاستقراء، أشار إلى بعضها بقوله: (كَجَرْحِهِ بِمَا لَهُ نُفُوذٌ فِي البَدَنِ)؛ من حديد؛ كسكين وحربة وسيف، أو من غير الحديد؛ كشوكة وخشب وقصب، فلو جرحه جرحاً
стр. 1472
كبيراً؛ فمات، فهو عمد، بغير خلاف نعلمه، قاله في المبدع.
(وَ) كـ (ضَرْبِهِ بِـ) بمثَقَّل كبير؛ كـ (حَجَرٍ كَبِيرٍ)؛ لحديث أنس ﵁: «أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، قِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ، أَفُلانٌ، أَفُلانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» [البخاري ٢٤١٣، ومسلم ١٦٧٢]، ولو كان ذلك في غير مقتل؛ لأنه يقتل غالبًا، فيتناوله عموم قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨].
فإن كان الحجر صغيرًا فليس بعمد؛ لأنه لا يقتل غالباً، وفيه الدية؛ لأنه قتلٌ شبه عمد، إلا إن كان في مقتل، أو في حال ضعف قوةٍ؛ من مرض، أو صغر، أو كبر، أو حر مفرط، أو برد شديد ونحوه، فمات فعليه القود؛ لأن ذلك الفعل يقتل غالبًا.
(وَ) الضرب الثاني: القتل (شِبْهُ العَمْدِ)، ويسمى: خطأ العمد، وعمد الخطأ؛ لاجتماعهما فيه، وهو: (أَنْ يَقْصِدَ جِنَايَةً لَا تَقْتُلُ غَالِباً، وَلَمْ يَجْرَحْهُ بِهَا) أي: بالجناية؛ (كَضَرْبٍ بِسَوْطٍ، أَوْ عَصاً)، أو حجر صغير، ونحوه، ويترتب عليه أمور:
стр. 1473
١ - أنه لا قصاص فيه إجماعاً؛ لحديث عبدالله بن عمرو ﵄ مرفوعاً: «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ» [أحمد ٦٧١٨، وأبو داود ٤٥٦٥].
٢ - أن فيه الكفارة من مال الجاني؛ لقوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطا فتحرير رقبة) الآية، والخطأ موجود في هذه الصور؛ أنه لم يقصد قتله بذلك الفعل.
٣ - أن فيه الدية المغلظة، ويأتي بيانها.
(وَ) الضرب الثالث: القتل (الخَطَأُ)، وهو نوعان:
النوع الأول: خطأ في الفعل: بـ (أَنْ يَفْعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ؛ كَرَمْيِ صَيْدٍ وَنَحْوِهِ)؛ كغرض، أو ينقلب وهو نائم على إنسان فيموت، (فَيُصِيبَ آدَمِيًّا) معصوماً لم يقصده.
والنوع الثاني: خطأ في القصد، وهو قسمان:
١ - أن يرمي ما يظنه صيدًا، أو هدفًا، أو مباح الدم؛ فيصيب آدميًّا لم يقصده.
٢ - أن يقتل في دار الحرب من يظنه حربيًّا فيتبين أنه مسلم، أو يرمي إلى صف الكفار فيصيب مسلمًا لم يقصده، أو يتترس الكفار بمسلم، ويخاف على المسلمين إن لم يرمهم، فيرميهم فيقتل المسلم؛ لوروده عن
стр. 1474
ابن عباس ﵄ [ابن أبي شيبة ٢٨٠٠٣]، وقال شيخ الإسلام: (إن كان معذورًا كأسير، أو من لا يمكنه الخروج من صفهم، فإن وقف باختياره؛ لم يضمن بحال)؛ لأنه هو الذي عرض نفسه للتلف بلا عذر.
ويترتب على القتل الخطأ ثلاثة أمور:
١ - أنه لا قود فيه.
٢ - أن فيه الكفارة.
٣ - أن فيه الدية المخففة على عاقلته، ويأتي، إلا في مسألة التترس فليس فيها الدية؛ لقوله تعالى: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة).
- مسألة: (وَعَمْدُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ؛ خَطَأٌ)؛ لا قصاص فيه، إجماعاً؛ لأنه عقوبة، وغير المكلف ليس من أهلها؛ ولأنه لا قصد لهما، فعمدهما كخطأ المكلف.
فصل
- مسألة: (وَيُقْتَلُ عَدَدٌ) أي: ما فوق الواحد (بِـ) شخص (وَاحِدٍ) قتلوه، إذا كان فعل كل واحد منهم صالحًا للقتل به لو انفرد؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم
стр. 1475
في القصاص حياة﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ ولأنه إذا علم أنه متى قَتَل قُتِل به؛ انكف به، فلو لم يشرع القصاص في الجماعة بالواحد؛ لبطلت الحكمة في مشروعية القصاص، ولإجماع الصحابة ﵃، فعن سعيد بن المسيب أنه قال: رُفِع إلى عمر ﵁ سبعة نفر قتلوا رجلًا بصنعاء، فقتلهم به، وقال: «لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ قَتَلْتُهُمْ بِهِ» [عبدالرزاق ١٨٠٧٥]، وعن علي وابن عباس معناه [عبدالرزاق ١٨٠٧٧، ١٨٠٨٢]، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف، والفرق بين قتل الجماعة والدية: أن الدم لا يتبعض بخلاف الدية.
وإن لم يصلح فعل كل واحد من الجماعة للقتل؛ كما لو ضربه كل واحد منهم بحجر صغير فمات؛ فلا قصاص عليهم؛ لأنه لم يحصل من أحد منهم ما يوجب القود، ما لم يتواطؤوا على ذلك الفعل ليقتلوه به، فعليهم القصاص؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى درء القصاص.
- فرع: (وَمَعَ عَفْوِ) الولي عن القود عن القاتلين؛ (تَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) فقط، لا أكثر؛ لأن القتيل واحد، فلا يلزمهم أكثر من ديته؛ كما لو قتلوه خطأ.
- مسألة: (وَمَنْ أَكْرَهَ مُكَلَّفاً عَلَى قَتْلِ) شخص (مُعَيَّنٍ)، فقتله؛ فالقصاص عليهما؛ لأن المكرِه تسبب إلى قتله بما يفضي إليه غالبًا، أشبه ما لو أنهشه حية، والمكرَه قتله ظلمًا لاستبقاء نفسه، كما لو قتله في المجاعة
стр. 1476
لأكله، فعلى هذا إن صار الأمر إلى الدية فهي عليهما؛ كالشريكين.
وإن كان الذي أُكره على قتله غير معين؛ كقوله: اقتل زيدًا أو عمرًا، أو اقتل أحد هذين؛ فليس إكراهًا، فإن قتل أحدهما قُتِل القاتل وحده.
- مسألة: (أَوْ) أكره مكلفًا (عَلَى أَنْ يُكْرِهَ عَلَيْهِ) أي: يُكره غيره على قتل شخص معين، كما لو أكره سعد زيدًا على أن يكره عمرًا على قتل بكر، (فَفَعَلَ)، وقتَل بكراً؛ (فَعَلَى كُلٍّ) أي: الثلاثة؛ سعد وزيد وعمرو (القَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ)؛ أما المباشر؛ فلمباشرته القتل ظلمًا، وأما الآخران؛ فلتسببهما إلى القتل بما يفضي إليه غالبًا.
- مسألة: (وَإِنْ أَمَرَ بِهِ) أي: بالقتل (غَيْرَ مُكَلَّفٍ) بالقتل فقَتَلَ، فالقصاص على الآمر؛ لأن القاتل هنا كالآلة، أشبه ما لو نهشته حية، ويؤدب المأمور بما يراه الإمام من حبس أو ضرب.
- مسألة: (أَوْ) أمر بالقتل مكلفاً، فلا يخلو من حالين:
١ - أن يكون مـ (ـمَّنْ يَجْهَلُ تَحْرِيمَهُ) أي: تحريم القتل؛ كمن نشأ في غير بلاد الإسلام فقتل؛ فالقصاص على الآمر؛ لأن المأمور غير العالم بحظر القتل، له شبهة تمنع القصاص؛ كما لو اعتقده صيدًا، ولأن حكمة القصاص الردع والزجر، ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة، وإذا لم يجب عليه القصاص وجب على الآمر؛ لأن المأمور إذن آلة لا يمكن إيجاب القصاص
стр. 1477
عليه، فوجب على المتسبب.
٢ - أن يكون مكلفًا، عالمًا بالتحريم: فالقصاص على القاتل؛ لمباشرته القتل، ولا مانع من وجوب القصاص، فانقطع حكم الآمر؛ كالدافع مع الحافر، ويؤدب الآمر؛ لأمره بالمعصية.
- مسألة: (أَوْ) أمر بالقتل (سُلْطَانٌ ظُلْماً)، فلا يخلو من أمرين:
١ - أن يأمر (مَنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ) أي: السلطان، (فِيهِ) أي: في القتل، فيقتل المأمور: (لَزِمَ) القصاص (الآمِرَ) بالقتل دون المأمور؛ لأن المأمور معذور؛ لوجوب طاعة الإمام في غير المعصية، والظاهر أن الإمام لا يأمر إلا بالحق.
وقال شيخ الإسلام: (هذا بناء على وجوب طاعة السلطان في القتل المجهول، وفيه نظر، بل لا يطاع حتى يعلم جواز قتله، وحينئذ فتكون الطاعة له معصية، لا سيما إذا كان معروفًا بالظلم، وهنا الجهل بعدم الحل كالعلم بالحرمة).
٢ - أن يأمر من يعلم ظلم السلطان في القتل، فيقتُلَ المأمورَ: فالقصاص على القاتل؛ لأنه غير معذور في فعله؛ لحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» [البخاري ٧٢٥٧]، ويعزر الآمر بالقتل ظلماً؛ لارتكابه معصية.
стр. 1478
(فَصْلٌ) في شروط وجوب القصاص
- مسألة: (وَلِلْقِصَاصِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ)، بالاستقراء، وزاد في الإقناع خامساً:
الشرط الأول: (تَكْلِيفُ قَاتِلٍ)؛ بأن يكون بالغًا عاقلًا قاصدًا؛ لأن القصاص عقوبة مغلظة، وغير المكلف ليس محلًّا لها، فلا تجب على صغير ومجنون ومعتوه، ولأنهم ليس لهم قصد صحيح؛ كقاتل خطأ.
(وَ) الشرط الثاني: (عِصْمَةُ مَقْتُولٍ)، بأن لا يكون مهدر الدم؛ لأن القصاص إنما شرع حفظًا للدماء المعصومة، وزجرًا عن إتلاف البنية المطلوب بقاؤها، وذلك معدوم في غير المعصوم، فلا يجب قصاص ولا دية ولا كفارة بقتل:
١ - حربي؛ لأنه مباح الدم على الإطلاق.
٢ - مرتد قبل توبة؛ لأنه مباح الدم أشبه الحربي.
وأما إن قتل المرتد بعد التوبة -إن قبلت توبته ظاهرًا-؛ فيقتل قاتله إذن؛ لأنه معصوم.
٣ - زان محصن، ولو قبل ثبوته عند حاكم؛ لأنه مباح الدم، متحتم
стр. 1479
قتله، فلم يضمن كالحربي.
وأما إن كان الزاني غير محصن؛ فيجب قتل قاتله؛ لأنه معصوم الدم.
٤ - قاطع طريق تحتم قتله؛ بأن قتل وأخذ المال قبل التوبة؛ لأنه مباح الدم، أشبه الحربي.
ويعزر قاتل غير معصوم؛ لافتئاته على ولي الأمر.
وأما قتل المحارب بعد التوبة: فإن كان من ولي المقتول؛ فقد استوفى حقه، وإن كان من غيره ولا شبهة؛ فإنه يقتل؛ لأنه معصوم بالنسبة إلى غير ولي المقتول؛ كالقاتل في غير المحاربة؛ لسقوط التحتم بالتوبة.
- فرع: القاتل معصوم الدم لغير مستحِق دمه؛ لأنه لا سبب فيه يباح به دمه لغير ولي مقتول.
(وَ) الشرط الثالث: (مُكَافَأَتُهُ) أي: المقتول (لِقَاتِلٍ)؛ لأن المجني عليه إذا لم يكافئ الجاني كان أخذه به أخذاً لأكثر من الحق.
وتعتبر المكافأة حال الجناية؛ لأنه وقت انعقاد السبب.
- فرع: المكافأة تكون بأمرين:
الأمر الأول: (بِدِينٍ)، وعلى هذا:
١ - يقتل المسلم بمثله، الحر بالحر، والعبد بالعبد، ولو تفاوتا في العلم والشرف، والغنى والفقر، والصحة والمرض ونحوها؛ لحديث عبد الله بن عمرو
стр. 1480
رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» [أحمد ٧٠٢١، وأبو داود ٢٧٥١، والنسائي ٤٧٤٦٦].
٢ - ويقتل الذمي بمثله، والمستأمن بمثله، والذمي بالمستأمن، والعكس، الحر بالحر، والعبد بالعبد، اتفقت أديانهم أو اختلفت؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر﴾ [البقرة: ١٧٨].
٣ - ويقتل الكافر بالمسلم، إجماعاً؛ لأنه ﷺ قتل يهوديًّا بجارية [البخاري ٢٤١٣، ومسلم ١٦٧٢]، ولأنه إذا قتل بمثله فمن فوقه أولى.
إلا أن يكون الكافر قتل المسلم وهو حربي، ثم أسلم، فلا يقتل؛ لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]، ولأنه ﷺ لم يقتل قاتل حمزة [البخاري ٤٠٧٢].
وإن كان القاتل للمسلم ذميًّا قُتل؛ لنقضه العهد، وعليه دية حر إن كان المسلم المقتول حرًّا، أو قيمة عبد إن كان المسلم المقتول عبدًا.
٤ - ولا يقتل مسلم -ولو عبدًا-، بكافر، كتابي أو مجوسي، ذمي أو معاهد؛ لحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» [البخاري ١١١]، وورد عن عمر، وزيد [عبد الرزاق ١٨٥٠٩]، وعثمان [عبد الرزاق ١٨٤٩٢]، وعلي ﵃ [ابن أبي شيبة ٢٧٤٧٧]، ولأن القصاص يقتضي المساواة، ولا مساواة بين الكافر والمسلم.
стр. 1481
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يقتل مسلم بذمي، إلا أن يقتله غيلة لأخذ ماله؛ لأن القتل فيه حدٌّ، فلا تتعين فيه المكافأة، ويأتي، ولما روي عن عبد الرحمن بن البيلماني، أن رجلاً من المسلمين قتل رجلًا من أهل الذمة، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «أَنَا أَحَقُّ مَنْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ»، ثم أمر به فقتل [سنن الدارقطني ١/ ٣٤٣، وفيه ضعف]، ولما روي عن عمر ﵁ أنه كتب في مسلم قتل معاهدًا: «إِنْ كَانَتْ طَيْرَةً فِي غَضَبٍ فَأَغْرِمْ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَإِنْ كَانَ لِصًّا عَادِيًا فَاقْتُلْهُ» [سنن البيهقي ١٥٩٢٩، وفيه ضعف].
(وَ) الأمر الثاني: بـ (حُرِّيَّةٍ)، وعلى هذا:
١ - يقتل العبد بالعبد: المسلم بالمسلم، والذمي بالذمي، وسواء تساوت القيمة أو لا؛ لحصول المكافأة بينهما.
٢ - ويقتل العبد بالحر؛ إجماعاً.
٣ - ولا يقتل حرٌّ -ولو ذميًّا -بعبد؛ لقوله تعالى: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ [البقرة: ١٧٨]، فدل على أنه لا يُقتل به الحر، وروي عن أبي بكر وعمر [عبد الرزاق ١٨١٣٩]، وعلي ﵃ [ابن أبي شيبة ٢٧٤٧٧]، ولأنه لا يقطع طرفه بطرفه مع التساوي في السلامة، فلا يقتل به؛ كالأب مع ابنه، والعمومات مخصِّصة بذلك.
стр. 1482
لكن إذا قتل الكافر الحر عبدًا مسلمًا؛ لم يقتل به قصاصًا؛ لأنه فضله بالحرية، وتؤخذ منه قيمته لسيده، ويقتل الكافر لنقضه العهد بقتل المسلم.
واختار شيخ الإسلام: أن الحر يقتل بالعبد؛ لعموم قوله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى)، ولحديث عبد الله بن عمرو ﵄ السابق: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ»، ولحديث سمرة ﵁ مرفوعاً: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ» [أحمد ٢٠١٠٤، وأبو داود ٤٥١٥، والترمذي ١٤١٤، والنسائي ٤٧٣٦، وابن ماجه ٢٦٦٣]، وعن علي وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: «إِذَا قَتَلَ الْحُرُّ الْعَبْدَ فَهُوَ بِهِ قَوَدُهُ» [ابن أبي شيبة ٢٧٥١٦].
وأما قوله تعالى: (الحر بالحر والعبد بالعبد)، فهو ذكر لبعض أفراد العام بحكم يوافق العام، فلا يقتضي التخصيص.
- فرع: يقتل ذكر بأنثى، وبخنثى، وتقتل الأنثى والخنثى بالذكر؛ لعموم قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)، ولأنه ﷺ قتل يهوديًّا بجارية، ولحديث عمرو بن حزم ﵁ مرفوعاً: «وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ» [النسائي ٤٨٥٣]، وللمساواة في النفس، والحرية، أو الرق.
(وَ) الشرط الرابع: (عَدَمُ الوِلَادَةِ (، بألا يكون المقتول ولدًا للقاتل وإن سَفَل، ولا ولداً لبنته وإن سفلت، فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُقْتَلُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ» [الترمذي ١٤٠١، وابن ماجه ٢٦٦١]، ولوروده عن عمر ﵁ أنه قضى
стр. 1483
على الأب بالدية المغلظة بقتل ابنه ولم يقتله به [عبدالرزاق ١٧٧٨٠]، ولأنه سبب إيجاده فلا ينبغي أن يسلط بسببه على إعدامه.
ويدخل في ذلك الجد؛ لأنه والد، فيدخل في عموم النص، ولأن ذلك حكم يتعلق بالولادة، فاستوى فيه القريب والبعيد؛ كالمحرمية.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن الجد يُقتل بقتل حفيده؛ لأن السنة إنما وردت في الأب، فيبقى ما عداه على الأصل من وجوب القصاص، قال شيخ الإسلام: (وإلحاق الجد بالأب بعيد).
واختار ابن عثيمين: يقتل الوالد بالولد؛ للعمومات، والأدلة التي استدلوا بها ضعيفة.
- فرع: يُقتل الولد بكل من الأبوين وإن علوا، إجماعاً؛ لعموم قوله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى)، وهو عام في كل قتيل، والمسألة السابقة مخصوصة بالنص، فبقي ما عداها.
الشرط الخامس، وهو مقتضى ما في الإقناع: أن تكون الجناية عمدًا محضًا، بخلاف شبه العمد والخطأ، فلا قصاص فيهما إجماعًا.
стр. 1484
فصل في استيفاء القصاص
وهو: فعل مجنيٍّ عليه إن كانت الجناية على ما دون النفس، أو فعل وليِّه إن كانت في النفس، بجانٍ عامدٍ مثلَ ما فعل الجاني أو شبهَ فعل الجاني.
- مسألة: (وَلِاسْتِيفَائِهِ) أي: القصاص (ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ):
الشرط الأول: (تَكْلِيفُ مُسْتَحِقٍّ لَهُ)؛ لأن غير المكلف ليس أهلًا للاستيفاء لعدم تكليفه، بدليل: أنه لا يصح إقراره ولا تصرفه.
فإن كان مستحِق القصاص أو بعض مستحقِيه صغيرًا أو مجنونًا؛ لم يستوفه لهما أب ولا وصي ولا حاكم؛ لأن القصد التشفي والانتقام، ولا يحصل ذلك لمستحِقِّه باستيفاء غيره، بخلاف الدية فإن الغرض يحصل باستيفائه.
ويحبس القاتل حتى يبلغ الصغير ويعقل المجنون؛ لأن فيه حظًّا للقاتل بتأخير قتله، وحظًّا للمستحِقِّ بإيصاله إلى حقه، إذ لا يؤمن هربه، وقد حبس معاوية هدبة بن خشرم في قَوَد حتى بلغ ابن القتيل، وكان ذلك في عصر الصحابة فلم ينكر ذلك [تاريخ دمشق ٣٤/ ٣٧٤].
(وَ) الشرط الثاني: (اتِّفَاقُهُمْ) أي: الأولياء المشتركين في القصاص (عَلَيْهِ) أي: على استيفائه، فليس لبعض الأولياء استيفاء القصاص دون البقية؛ لأن الاستيفاء حق مشترك لا يمكن تبعيضه، فلم يجز لأحد التصرف
стр. 1485
فيه بغير إذن شريكه.
وعنه: إن كان بعضهم صغيرًا أو مجنونًا؛ فللبالغ العاقل الاستيفاء؛ لأن الحسن بن علي قتل ابن مُلْجِم قاتل علي، وكان لعلي ﵁ أولاد صغار [ابن أبي شيبة ٢٧٧٧٧]، ولأن ولاية القصاص هي استحقاق استيفائه، وليس للصغير هذه الولاية.
- فرع: إن عفا بعض الورثة - ولو زوجة- عن القصاص، وكان ممن يصح عفوه؛ بأن كان مكلفًا، ولو كان العفو إلى الدية؛ سقط القصاص؛ لقوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف)، و (شيء) نكرة في سياق الشرط فتعم، فتشمل كل ولي، سواء كان رجلاً أو امرأة، ولما صح عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه رُفع إليه رجل قتل رجلًا، فأراد أولياء المقتول قتله، فقالت أخت المقتول، وهي امرأة القاتل: قد عفوت عن حصتي من زوجي، فقال عمر ﵁: «عَتَقَ الرَّجُلُ مِنَ الْقَتْلِ» [عبد الرزاق ١٨١٨٨]، ولأن القصاص حق مشترك بين الورثة لا يتبعض، مبناه على الدرء والإسقاط، فإذا أسقط بعضهم حقه؛ سرى إلى الباقي؛ كالعتق.
(وَ) الشرط الثالث: (أَنْ يُؤْمَنَ فِي اسْتِيفَائِهِ) أي: القصاص (تَعَدِّيِهِ) أي: الاستيفاء (إِلَى غَيْرِ جَانٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿فلا يسرف في القتل﴾ [الإسراء: ٣٣]، وإذا أفضى إلى التعدي ففيه إسراف، فلو وجب القود أو الرجم على حامل، أو على حائل وحملت بعد وجوبه؛ لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه
стр. 1486
اللبأ، قال في المبدع: (بغير خلاف)؛ وقد أخر النبي ﷺ إقامة الرجم على الغامدية حتى وضعت الحمل وفطمته [مسلم ١٦٩٥].
- مسألة: (وَ) إذا قُتل وله وليان أو أكثر وأحدهم غائب؛ فإنه (يُحْبَسُ) الجاني (لِقُدُومِ غَائِبٍ) من الورثة، وجوباً؛ لأنه حق مشترك، أشبه ما لو كان المقتول عبدًا مشتركًا، قال ابن قدامة: (بغير خلاف علمناه).
(وَ) إن كان أحد الأولياء غير بالغ أو مجنون؛ فإنه يحبس جانٍ إلى (بُلُوغِ) الصبي، (وَإِفَاقَةِ) المجنون، وتقدم.
- مسألة: (وَيَجِبُ اسْتِيفَاؤُهُ) أي: القصاص (بِحَضْرَةِ سُلْطَانٍ أَوْ نَائِبِهِ)؛ لما روي أن عمر ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد: «أَلَّا تُقْتَلَ نَفْسٌ دُونِي» [ابن أبي شيبة ٢٧٩١٠]، ولأنه يفتقر إلى اجتهاده، ولا يؤمن فيه الحَيْف مع قصد التشفي، فلو خالف الولي واقتص بغير حضرة السلطان أو نائبه؛ وقع فعله الموقعَ؛ لأنه استوفى حقه، وللإمام أو نائبه تعزيره؛ لافتئاته على السلطان.
واختار شيخ الإسلام: جواز الاستيفاء بغير حضور السلطان إذا كان القصاص في النفس؛ لحديث وائل بن حجر ﵁: أن رجلاً أتى النبي ﷺ برجل يقوده، فقال: يا رسول الله إن هذا قتل أخي، فاعترف الرجل، فقال النبي ﷺ : «دُونَكَ صَاحِبَكَ» [مسلم ١٦٨٠].
стр. 1487
- مسألة: (وَ) يجب استيفاء القصاص (بِآلَةٍ مَاضِيَةٍ)؛ لحديث شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» [مسلم ١٩٥٥].
- مسألة: (وَ) يجب استيفاء القصاص (فِي النَّفْسِ بِضَرْبِ العُنُقِ بِسَيْفٍ)، ولو كان الجاني قتله بغير السيف؛ لحديث النعمان بن بشير ﵄ مرفوعاً: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ» [ابن ماجه ٢٦٦٧، قال أحمد: ليس إسناده بجيد]، ولأن القصد من القود إتلاف جملته، وقد أمكن بضرب عنقه فلا يجوز تعذيبه بإتلاف أطرافه؛ كقتله بسيف كالٍّ.
ولا يفعل بالمقتص منه كما فعل، إذا كان القتل بغير السيف؛ للنهي عن المثلة، ولأن فيه زيادة تعذيب.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يفعل به كما فعل، إلا إذا كان القتل بشيء محرم؛ كاللواط أو تشريبه الخمر، فيقتل بالسيف رواية واحدة؛ لأن قتله بنفس فعله لا يجوز، لكونه محرماً في نفسه، فإن قتله بحجر، أو أغرقه، أو غير ذلك؛ فعل به مثل فعله؛ لقوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)، ولحديث أنس ﵁: «أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، قِيلَ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ، أَفُلانٌ، أَفُلانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ
стр. 1488
رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» [البخاري ٢٤١٣، ومسلم ١٦٧٢]، وأما حديث: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ»؛ فقال البيهقي: (وأحاديث هذا الباب كلها ضعيفة).
(فَصْلٌ) في العفو عن القصاص
العفو: المحو، والتجاوز، والإسقاط.
أجمعوا على جواز العفو عن القصاص، وأنه أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ [البقرة: ١٧٨]، ولأن القصاص حق له، فجاز تركه؛ كسائر الحقوق.
- مسألة: (وَيَجِبُ بِعَمْدٍ) أحد شيئين: (القَوَدُ، أَوِ الدِّيَةُ)؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ [البقرة: ١٧٨]، أوجب الاتباع بمجرد العفو، ولو وجب بالعمد القصاص عينًا؛ لم تجب الدية عند العفو المطلق.
(فَيُخَيَّرُ) بينهما (وَلِيٌّ)، فإن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية ولو لم يرض الجاني؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ» [البخاري ١١٢، ومسلم ١٣٥٥].
стр. 1489
وذكر شيخ الإسلام مواضع لا يجوز العفو فيه، وهي:
١ - قاتل الإمام؛ فيتحتم قتله حدًّا؛ لأن فساده عام أعظم من المحارب، وهو وجه في المذهب، واختاره القاضي.
٢ - ألا يحصل بالعفو ضرر، فإذا حصل منه ضرر كان ظلمًا من العافي إما لنفسه وإما لغيره، فلا يشرع العفو؛ لقوله تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله)، فإن كان القاتل ممن عرف بالشر والفساد؛ فإن القصاص منه أفضل (١).
٣ - إذا كان القتل غيلة -والغيلة: القتل سرًّا لأخذ المال-؛ لأنه في معنى الحرابة، والمحارب إذا قتل وجب قتله، ولا يجوز العفو عنه؛ لحديث أنس ﵁: «أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، قِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ، أَفُلانٌ، أَفُلانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» [البخاري ٢٤١٣، ومسلم
стр. 1490
١٦٧٢]، قال ابن القيم: (ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه، وإن شئتم فاعفوا عنه، بل قتله حتمًا، وهذا مذهب مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن قال: إنه فعل ذلك لنقض العهد؛ لم يصح، فإن ناقض العهد لا ترضخ رأسه بالحجارة، بل يقتل بالسيف).
٤ - إذا طالب المجني عليه قبل موته بالقود؛ فإنه يتحتم قتله، فلا يُمكَّن الورثة بعد ذلك من العفو؛ لقول علي ﵁ لما طعنه ابن ملجم: «النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، إِنْ هَلَكْتُ فَاقْتُلُوهُ كَمَا قَتَلَنِي، وَإِنْ بَقِيتُ رَأَيْتُ فِيهِ رَأْيِي» [المعجم الكبير للطبراني ١٦٨]، فلما مات علي ﵁ قتله الحسن ﵁، ولأن الحق في الأصل للمقتول، والورثة نواب عنه، فإذا طالب به تعين.
- فرع: (وَالعَفْوُ مَجَّاناً أَفْضَلُ)؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠].
ويستثنى من جواز العفو مجاناً:
١ - المفلس، والسفيه، ووارث المفلس، والمكاتب، والمريض فيما زاد على الثلث، يصح عفوهم عن القصاص؛ لأنه ليس بمال، لا العفو مجاناً؛ لأن المال واجب، وليس لهم إسقاطه، كذا في الإقناع.
والمذهب كما في المنتهى: صحة العفو من هؤلاء مجانًا؛ لأن الدية لم تتعين.
стр. 1491
٢ - إذا كان فيه حق لمجنون أو صغير؛ فلا يصح العفو إلى غير مال؛ لأنه لا يملك إسقاط حقهما.
- مسألة: (وَ) تتعين الدية في أحوال:
١ - (مَتَى اخْتَارَ) الولي (الدِّيَةَ)؛ تعينت وسقط القود، قال أحمد: (إذا أخذ الدية فقد عفا عن الدم)، ولا يملك طلب القود بعد اختيار الدية؛ لأنه إذا سقط لا يعود.
٢ - (أَوْ عَفَا) الولي (مُطْلَقاً)؛ بأن لم يقيِّده بقود ولا دية؛ فله الدية؛ لانصراف العفو إلى القود؛ لأنه في مقابلة الانتقام، والانتقام إنما يكون بالقتل.
٣ - (أَوْ هَلَكَ جَانٍ؛ تَعَيَّنَتِ الدِّيَةُ) في ماله؛ لتعذر استيفاء القود.
٤ - أو عفا عن القود مطلقًا، فقال: عفوت عن القود، ولم يقل على مال أو بلا مال؛ فله الدية؛ لانصراف العفو إلى القصاص دون الدية؛ لأن العفو عن القصاص هو المطلوب الأعظم في باب القود.
٥ - أو عفا على غير مال؛ بأن عفا على خمر ونحوه؛ فله الدية.
- فرع: إن اختار ولي الجناية القود، أو عفا عن الدية فقط دون القصاص؛ فله أخذ الدية؛ لأن القصاص أعلى، فإذا اختاره لم يمتنع عليه الانتقال إلى الأدنى.
стр. 1492
- مسألة: (وَمَنْ وَكَّلَ) في استيفاء قود، (ثُمَّ عَفَا) موكِّلٌ عن قود وكَّلَ فيه، (وَلَمْ يَعْلَمْ وَكِيلٌ) بعفوه (حَتَّى اقْتَصَّ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا)؛ أما الوكيل؛ فلأنه لا تفريط منه؛ لحصول العفو على وجه لا يمكن الوكيل استدراكه، أشبه ما لو عفا بعد ما رماه، وأما الموكل؛ فلأنه محسن بالعفو، وقال تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ [التوبة: ٩١].
فإن علم الوكيل بعفو الموكل؛ فعليه القود؛ لأنه قتله ظلماً؛ كما لو قتله ابتداء.
- مسألة: (وَإِنْ وَجَبَ لِقِنٍّ: قَوَدٌ، أَوْ) وجب له (تَعْزِيرُ قَذْفٍ) ونحوه؛ (فَطَلَبُهُ وَإِسْقَاطُهُ لَهُ) أي: للقن؛ لأنه مختص به، والقصد منه التشفي.
(وَإِنْ مَاتَ) القن؛ (فَـ) طلبه وإسقاطه (لِسَيِّدِهِ)؛ كالوارث؛ لأنه أحق به ممن ليس له فيه ملك.
فصل فيما يوجب القصاص فيما دون النفس
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ إلى قوله ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥]، ولحديث أنس في قصة عمته الرُّبَيِّع رضي الله عنهما
стр. 1493
لما كسرت ثَنِيَّة جارية، وطلبوا العفو فأبوا، وعرضوا الأرش فأبوا، فقال النبي ﷺ «كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ» [البخاري ٢٧٠٣، ومسلم ١٦٧٥]، وأجمعوا على وجوب القصاص فيما دون النفس إذا أمكن؛ لأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص، فكان كالنفس في وجوبه.
- مسألة: (وَالقَوَدُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ كَالقَوَدِ فِيهَا)، فكل من أُقِيد بغيره في النفس أُقيد به فيما دونها؛ من حر وعبد؛ لأن من أُقيد به في النفس إنما أُقيد به لحصول المساواة المعتبرة للقود، فوجب أن يُقاد به فيما دونها، فلو قطع مسلم يد مسلم قطعت يده؛ لأنه يقاد به في النفس.
ومن لا يجري القصاص بينهما في النفس؛ لا يجري بينهما في الطَّرَف والجراح؛ كالأب مع ابنه، والمسلم مع الكافر، فلا تقطع يد الأب بيد ابنه، ولا يد المسلم بيد الكافر؛ لأنه لا يقاد به في النفس.
ولا يجب القصاص فيما دون النفس إلا بما يوجب به في النفس، وهو العمد المحض، فلا قود في شبه عمد ولا في خطأ.
- مسألة: (وَهُوَ) أي: القصاص فيما دون النفس (نَوْعَانِ):
(أَحَدُهُمَا: فِي الطَّرَفِ)؛ للآية وحديث أنس السابقين، (فَيُؤْخَذُ كُلٌّ مِنْ عَيْنٍ) بمثلها؛ العين اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى، (وَ) يؤخذ (أَنْفٌ)
стр. 1494
بأنف، (وَأُذُنٌ) بأذن، (وَسِنٌّ) بسنٍّ، (وَنَحْوِهَا)؛ كيدٍ، ورجلٍ، ولسانٍ، وإصبعٍ، وكتفٍ، وذكرٍ، وخصيةٍ (بِمِثْلِهِ)؛ لأن المماثلة موجودة والقصاص ممكن فوجب؛ إلحاقًا لغير المنصوص عليه من ذلك بالمنصوص.
- مسألة: يجب القصاص في الأطراف (بِـ) ثلاثة شروط:
الـ (شَّرْطُ) الأول: (مُمَاثَلَةٌ) في أمرين:
١ - في الاسم؛ كالعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن؛ لقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ الآية، ولأن القصاص يقتضي المساواة، والاختلاف في الاسم دليل الاختلاف في المعنى.
٢ - في الموضع؛ فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا عكسه، ولا جراحة في الوجه بجراحة في الرأس، ونحوه؛ اعتبارًا للمماثلة، ولأنها جوارح مختلفة المنافع والأماكن، فلم يؤخذ بعضها من بعض؛ كالعين بالأنف.
ولا يؤخذ أصلي بزائد، ولا زائد بأصلي، ولو تراضيا عليه؛ لعدم التساوي في المكان والمنفعة، إذ الأصلي مخلوق في مكانه لمنفعة فيه، بخلاف الزائد.
(وَ) الشرط الثاني: إمكان الاستيفاء بلا حَيْف؛ لأن الحَيْف جَوْر وظلم، وإذا لم يمكن القصاص إلا به لم يجز فعله.
стр. 1495
وأما الـ (أَمْنُ مِنَ) الـ (حَيْفِ) فشَرْطٌ لجواز الاستيفاء؛ لوجوب القصاص حيث وجد شرطه وهو العدوان على مكافئه عمدًا مع المساواة في الاسم والصحة والكمال، لكن الاستيفاء غير ممكن؛ لخوف العدوان.
وأما المؤلف فتبع ابن قدامة في المقنع في أن الأمن من الحيف شرط لوجوب القصاص (١)، خلافاً لما في الإقناع والمنتهى.
- فرع: إمكان الاستيفاء بلا حيف: بأن يكون القطع من مَفْصل؛ كالكوع والمرفق والكعب.
فلا قصاص في جائفة، وهي الجرح الواصل إلى باطن الجوف، ولا في كسر عظم غير سن ونحوه، ولا إن قطع قصبة أنف، أو قطع بعض ساعد، أو بعض ساق، وإنما له الدية فقط؛ لحديث نِمران بن جارية، عن أبيه: أن رجلًا ضرب رجلًا على ساعده بالسيف، فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النبي ﷺ ، فأمر له بالدية فقال: يا رسول الله، إني أريد القصاص فقال: «خُذِ الدِّيَةَ بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا» ولم يقض له بالقصاص [ابن ماجه ٢٦٣٦، وضعفه
стр. 1496
الألباني]، ولأنه لا يمكن الاستيفاء منها بلا حيف، بل ربما أخذ أكثر من الفائت، أو يسري إلى عضو آخر، أو إلى النَّفْس؛ فيمنع منه.
ولا أرش للباقي؛ لئلا يجمع في عضو واحد بين دية وحكومة.
واختار ابن عثيمين: إن أمكن القصاص بدون حيف؛ وجب، ولو لم يكن من مفصل، وإن لم يمكن فلنا طريقان:
١ - أن يُقتَص من المفصل الذي دونه، ويأخذ أرش الزائد، وهو وجه في المذهب.
٢ - أن يقتص من دون محل القطع، ويسقط المجني عليه الزائد.
(وَ) الشرط الثالث: (اسْتِوَاءُ) الطرفين؛ المجني عليه والمقتص منه (فِي صِحَّةٍ وَكَمَالٍ)؛ لأن القصاص يعتمد المماثلة، ولا يخلو ذلك من ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون طرف الجاني أكمل: فلا قصاص، فلا تؤخذ يد أو رجل صحيحة بيد أو رجل شلاء؛ لأنه لا نفع فيما سوى الجمال، فلا يؤخذ بما فيه نفع.
ولا تؤخذ يد أو رجل كاملة الأصابع أو الأظفار بناقصتهما، فلو قطع من له خمس أصابع يد من له أقل من ذلك؛ لم يجز القصاص؛ لأنها فوق حقه.
стр. 1497
ولا تؤخذ عين صحيحة بعين قائمة، وهي التي بياضها وسوادها صافيان، غير أن صاحبها لا يبصر بها، ولا لسان ناطق بأخرس ولو تراضيا؛ لنقص ذلك.
الثاني: أن يكون طرف المجني عليه أكمل: فيؤخذ معيب مما ذكر بصحيح، فتؤخذ الشلاء، وناقصة الأصابع باليد الصحيحة، والعين القائمة بالصحيحة؛ لأنه رضي بدون حقه، كما رضي المسلم بالقود من الذمي، والحر من العبد، ويكون القصاص بلا أرش؛ لأن الشلاء من ذلك كالصحيحة خلقة، وإنما نقصت صفة.
واختار أبو الخطاب: أن له الأرش مع القصاص على قياس قوله في عين الأعور إذا قلعت؛ لأنه أخذ الناقص بالزائد.
الثالث: أن يكون طرف الجاني وطرف المجني عليه سواء؛ صحيحين أو معيبين؛ فيؤخذ معيب بمثله؛ لحصول المساواة، فتؤخذ الشلاء من يد أو نحوها بالشلاء إذا أمن من قطع الشلاء التلف، بأن يسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: إنها إذا قطعت لم تفسد العروق، ولم يدخل الهواء؛ أجيب إلى ذلك، وإن قالوا: يدخل الهواء في البدن فيفسد؛ سقط القصاص. وتؤخذ الناقصة بالناقصة إذا تساوتا في النقص، بأن يكون المقطوع من يد الجاني كالمقطوع من يد المجني عليه؛ لحصول المماثلة.
وزاد في المنتهى شرطاً رابعاً: العمد المحض، فلا قصاص في الخطأ إجماعًا؛ لأنه لا يوجب القصاص في النفس وهي الأصل، ففيما دونها
стр. 1498
أولى، ولا في شبه العمد؛ قياسًا على النفس.
(وَ) النوع (الثَّانِي) من القصاص فيما دون النفس: القصاص (فِي الجُرُوحِ)؛ لقوله تعالى: (والجروح قصاص)، ولحديث عمرو بن حزم ﵁، ويأتي في الديات.
- مسألة: يقتص في الجروح بالشروط الأربعة السابقة، و (بِشَرْطٍ) زائد عليها، وهو: (انْتِهَاؤُهَا) أي: الجروح (إِلَى عَظْمٍ؛ كَمُوضِحَةٍ) في الرأس والوجه، (وَجُرْحِ عَضُدٍ، وَ) جرح (سَاقٍ، وَنَحْوِهِمَا)؛ كجرح ساعد وقدم؛ لإمكان الاستيفاء بلا حيف ولا زيادة؛ لانتهائه إلى عظم، فأشبه الموضحة المتفق على جواز القصاص فيها.
ولا يقتص في غير جُرْح ينتهي إلى عظم من الشجاج والجروح، فلا قصاص فيما يلي:
١ - فيما هو أعظم من الموضحة؛ كالهاشمة والمنقِّلة، قال ابن قدامة: (فأما ما فوق الموضحة؛ فلا نعلم أحدًا أوجب فيها القصاص، إلا ما روي عن ابن الزبير: أنه أقاد من المنقِّلة، وليس بثابت عنه، وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا خالف ذلك، ولأنهما جراحتان لا تؤمن الزيادة فيهما).
٢ - فيما دون الموضحة؛ كالباضعة، والبازلة، فلا قصاص فيها؛ لأنه ليس له حد ينتهي إليه، ولا يمكن الاستيفاء من غير حيف.
стр. 1499
واختار ابن عثيمين: أنه يقتص من كل جرح يمكن أن يقتص منه؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، ولحديث أنس في قصة عمته الرُّبَيِّع ﵄ لما كسرت ثنية جارية، قال النبي ﷺ «كَتَابُ اللهِ القِصَاصُ» [البخاري ٢٧٠٣، ومسلم ١٦٧٥]، وهذا ممكن في وقتنا الحاضر الذي تقدم فيه الطب وتطورت فيه الآلات.
- فرع: لا يقتص في غير جرح ينتهي إلى عظم كما تقدم، إلا أن يكون الجرح أعظم من الموضحة؛ كالهاشمة والمنقلة والمأمومة، فللمجني عليه أن يقتص موضحةً؛ لأنه يقتصر على بعض حقه، ويقتص من محل جنايته، وله أرش الزائد على الموضحة؛ لأنه تعذر فيه القصاص فوجب الأرش، فيأخذ بعد اقتصاصه من موضحة في هاشمة: خمسًا من الإبل، وفي منقِّلة: عشرًا، وفي مأمومة: ثمانية وعشرين وثلثًا.
- مسألة: لا يقتص في كسر عظم غير كسر سن؛ لحديث أنس السابق في قصة الرُّبَيِّع، ولإمكان الاستيفاء منه بغير حيف؛ كبَرْدٍ ونحوه، وأما ما عدا السنَّ فلا يقتص منه؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ» [قال ابن حجر في الدراية ٢/ ٢٦٩: لم أجده، وأخرجه ابن أبي شيبة [٢٧٣٠٢] بإسناد ضعيف منقطع عن عمر قال: «إنا لا نقيد من العظام»، وبإسناد ضعيف [٢٧٣٠٣] عن ابن عباس: «ليس في العظام قصاص»].
стр. 1500
واختار ابن عثيمين: أنه يقتص من كل ما يمكن أن يقتص منه؛ لقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾.
- مسألة: (وَتُضْمَنُ سِرَايَةُ جِنَايَةٍ) في النفس وما دونها، قال ابن قدامة: (بلا خلاف)؛ لأن السراية أثر الجناية، والجناية مضمونة، فكذا أثرها.
فلو قطع إصبعًا فتآكلت اليد وسقطت من الكوع أو المرفق؛ وجب القصاص في ذلك.
- فرع: (لَا) تضمن سراية (قَوَدٍ) في النفس أو فيما دونها، فلو قطع طرفًا قودًا، فسرى إلى النفس فما دونها؛ فلا شيء على قاطع؛ لما روى عُبيد بن عُمير، أن عمر، وعليًّا ﵄ قالا: «مَنْ قَتَلَهُ قِصَاصٌ فَلَا دِيَةَ لَهُ» [عبد الرزاق ٢٧٦٧٤]، ولأنه قطع مستحق، فلا تضمن سرايته؛ كقطع السارق؛ لأن ما ترتب على المأذون غير مضمون، ولا فرق بين سرايته إلى النفس أو ما دونها.
لكن لو اقتص المجني عليه على الجاني قهرًا - بلا إذنه ولا إذن إمام أو نائبه- مع حال لا يؤمن فيه السراية؛ كحر، أو برد، أو بآلة كالَّة، ونحوه، فسرى فمات؛ لزمه بقية الدية، فيضمن دية النفس منقوصًا منها دية ذلك العضو الذي وجب له القصاص فيه.
فلو وجب له في يد؛ كان عليه نصف الدية، وإن كان في جفن كان عليه ثلاثة أرباعها، وهكذا، قال البهوتي: (ومقتضاه: أنه لو وجب في أنف أو
стр. 1501
ذَكَر ونحوه مما فيه دية؛ لا يلزمه شيء).
- مسألة: (وَلَا يُقْتَصُّ) أي: يحرم أن يقتص من جانٍ (عَنْ) جناية (طَرَفٍ وَجُرْحٍ) قبل برء؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلًا طعن رجلًا بقَرْن في ركبته، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني، فقال: «حَتَّى تَبْرَأَ»، ثم جاء إليه فقال: أقدني فأقاده، ثم جاء إليه فقال يا رسول الله عَرِجْت! فقال: «قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، فَأَبْعَدَكَ الله، وَبَطَلَ عَرَجُكَ»، ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ. [أحمد ٧٠٣٤، والدارقطني ٣١١٤]، ولأن الجرح لا يدرى أيؤدي إلى القتل أم لا؟ فوجب أن ينتظر ليعلم حكمه.
فإن فعل واقتص للطرف قبل برئه؛ سقط حقه من سرايته، فلو سرى الجرح بعد إلى نفسه؛ فهدر؛ للخبر.
(وَلَا يُطْلَبُ لَهُمَا) أي: لجناية الجرح والطرف (دِيَةٌ قَبْلَ البُرْءِ)؛ لاحتمال السراية.
- مسألة: لا قصاص في الضرب باليد أو بالعصا أو بالسوط، مثل أن يلطمه، أو يلكمه، أو يضربه بعصًا ونحو ذلك، بل فيه التعزير؛ لأنه لا تمكن المساواة فيه.
واختار شيخ الإسلام: أن فيها القصاص، وقال: (ثبت ذلك عن الخلفاء الراشدين)؛ لقول أبي فراس: «خَطَبَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ
стр. 1502
أَبْعَثْ عُمَّالِي لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ، وَلَا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ أُقِصُّهُ مِنْهُ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ أَتُقِصُّهُ مِنْهُ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أُقِصُّهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَصَّ مِنْ نَفْسِهِ» [أحمد ٢٨٦، وأبو داود ٤٥٣٧].
(فَصْلٌ) في الديات
جمع دية، يقال: وديت القتيل، إذا أعطيت ديته.
وشرعاً: هي المال المؤدَّى إلى مجني عليه أو وليه، بسبب جناية.
وهي ثابتة بالإجماع، وسنده قوله تعالى: ﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾ [النساء: ٩٢]، ولحديث عمرو بن حزم ﵁ الآتي.
- مسألة: كل من أتلف إنسانًا؛ ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو ذميًّا، مستأمنًا أو مهادنًا، بمباشرة لإتلافه، أو سبب؛ كشهادة عليه، أو إكراه على قتله، أو حفر بئر تعديًا، عمدًا، أو خطأ، أو شبه عمد؛ لزمته ديته؛ لكتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم ﵁: «أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِيَ جَدْعًا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا، وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ»، وفي
стр. 1503
رواية: «وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ» [مالك ٢/ ٨٤٩، والنسائي ٤٨٥٦]، قال ابن عبد البر: (هو كتاب مشهور عند أهل السير، ومعروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد، أشبه المتواتر).
- فرع: (وَ) الدية لا تخلو من أمرين:
الأول: (دِيَةُ العَمْدِ) المحض: وتكون (عَلَى الجَانِي) في ماله، ذكره ابن قدامة إجماعاً؛ لأن بدل المتلف وأرش الجناية على الجاني، وفي حديث عمرو بن الأحوص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ» [أحمد ١٦٠٦٤، والترمذي ٢١٥٩، وابن ماجه ٢٦٦٩]، وتكون حالَّة؛ قياساً على القصاص، ولأن القاتل غير معذور، بخلاف شبه العمد.
(وَ) الثاني: دية (غَيْرِهَا) أي: غير العمد، وهو الخطأ وشبه العمد: تكون (عَلَى عَاقِلَتِهِ)، مؤجلة على ثلاث سنين؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ، عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ الله ﷺ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا» [البخاري ٦٩٠٩، ومسلم ١٦٨١]، ولا خلاف في دية الخطأ، حكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم.
ولا يلزم القاتل شيء من الدية؛ للخبر السابق، فإنه يقتضي أنه حكم عليهم بجميع الدية.
стр. 1504
وأما كونها مؤجلة ثلاث سنوات؛ فلما ورد عن عمر ﵁ [عبدالرزاق ١٧٨٥٨]، وعن علي ﵁ [البيهقي ١٦٣٩١].
والحكمة فيه: أن جنايات الخطأ تكثر، ودية الآدمي كثيرة، فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل والإعانة له تخفيفًا؛ لأنه معذور.
- مسألة: (وَمَنْ قَيَّدَ حُرًّا مُكَلَّفاً، وَغَلَّهُ) في رقبته، فتلف بحية أو صاعقة: وجبت الدية؛ لأنه هلك في حال تعديه بحبسه عن الهرب من الصاعقة، والبطش بالحية أو دفعها عنه.
قال البهوتي في شرح المنتهى: (ومقتضاه: أنه إذا قيَّده فقط، أوغله فقط؛ لا ضمان عليه؛ لأنه يمكنه الفرار، أشبه ما لو ألقاه فيما يمكنه الخلاص منه).
وعبر في الفروع: (أو غله)، قال في حاشية الروض: (وهي أظهر، وأقرب إلى تعليلهم في القيد، فإنه يحبس عن الهرب، سواء كان مغلولًا، أولا).
- مسألة: (أَوْ غَصَبَ) أي: حبسه عن أهله، حرًّا، (صَغِيراً) أو مجنوناً، (فَتَلِفَ بِحَيَّةٍ، أَوْ) تلف بـ (صَاعِقَةٍ) وهي نار تنزل من السماء فيها
стр. 1505
رعد شديد، أو تلف بغير ذلك؛ (فَالدِّيَةُ)؛ لهلاكه في حال تعديه بحبسه، وإن لم يقيده ولم يغله؛ لضعفه عن الهرب من الصاعقة والبطش بالحية، أو دفعها عنه.
وإن كان المغصوب قنًّا، فنهشته حية، أو أصابته صاعقة، أو تلف بغير ذلك؛ فعلى الغاصب قيمة القن لمالكه؛ لأن القن تثبت عليه اليد.
قال شيخ الإسلام: (ومثل نهش الحية وإصابة الصاعقة: كل سبب يختص البقعة؛ كالوباء، وانهدام سقف عليه ونحوهما)؛ لأنه بحبسه منعه من الهرب.
- فرع: (لَا) يضمن الحرَّ المكلفَّ مَنْ قيَّده وغله، أو الصغير إن حبسه (إِنْ مَاتَ بِمَرَضٍ، أَوْ) مات (فُجَاءةً)؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد ولا جناية إذن، وأما القن فيضمنه غاصبه تلف أو أُتْلف؛ لأن القن تثبت عليه اليد كسائر الأموال.
واختار ابن عثيمين: إذا مات بمرض يختص بتلك البقعة؛ كما لو ذهب به إلى أرض موبوءة فمات بسبب الوباء؛ ضمن؛ لأنه تسبب في قتله.
فصل
- مسألة: (وَإِنْ أَدَّبَ) الرجلُ ولدَه، أو أدب (امْرَأَتَهُ بِنُشُوزٍ)، بلا
стр. 1506
إسراف، (أَوْ) أدب (مُعَلِّمٌ صَبِيَّهُ)، بلا إسراف، (أَوْ) أدب (سُلْطَانٌ رَعِيَّتَهُ بِلَا إِسْرَافٍ؛ فَلَا ضَمَانَ) عليهم (بِتَلَفِ) شيء (مِنْ ذَلِكَ)؛ لأنه مأذون فيه شرعًا، فلم يضمن ما تلف به؛ كالحد.
وإن أسرف في التأديب؛ بأن زاد فوق المعتاد، أو زاد على ما يحصل به المقصود، أو ضرب من لا عقل له، من صبي غير مميز ومجنون ومعتوه؛ ضمن؛ لأنه غير مأذون في ذلك شرعًا.
- مسألة: (وَمَنْ أَمَرَ مُكَلَّفاً أَنْ يَنْزِلَ بِئْراً، أَوْ) أمره أن (يَصْعَدَ شَجَرَةً)؛ ففعل، (فَهَلَكَ بِهِ) أي: بنزوله، أو صعوده؛ (لَمْ يَضْمَنِ) الآمر؛ لأنه لم يَجْنِ ولم يتعد عليه، فلم يلزمه ضمانه، أشبه ما لو أذن له ولم يأمره.
وإن كان الآمر السلطان؛ فهو كغيره؛ لعدم إكراهه له.
واختار ابن عثيمين: أنه إذا كان السلطان ممن يخشى شرُّه بحيث إذا أَبَيْت حبسك أو ضربك، فإن أمره مثل الإكراه، وعلى هذا فيكون ضامناً، وأما إذا كان السلطان من ذوي العدل والرحمة؛ فإنه لا ضمان عليه.
- فرع: وإن أمر غير مكلف: ضمن؛ لأنه تسبب في إتلافه.
стр. 1507
ووجه صاحب الفروع: أنه إذا كان الصغير مميزاً، وكان مما جرى به عرف وعادة؛ كقرابة وصحبة وتعليم ونحوه: أنه لا يضمن، وإلا ضمن؛ لأن النبي ﷺ بعث ابن عباس ﵄ إلى معاوية ﵁ [مسلم ٢٦٠٤]، وهذا قدر يسير ورد الشرع بالمسامحة به للحاجة، واطرد به العرف وعمل المسلمين.
- مسألة: (وَلَوْ مَاتَتْ حَامِلٌ، أَوْ) مات (حَمْلُهَا مِنْ رِيحِ طَعَامٍ، وَنَحْوِهِ)؛ كريح كبريت وعظم؛ (ضَمِنَ رَبُّهُ إِنْ عَلِمَ ذَلِكَ) أي: أنها تموت أو يموت حملها من ريح ذلك (عَادَةً) أي: بحسب المعتاد، وأن الحامل هناك؛ لتسببه فيما فيه إضرار بها.
وإن لم يعلم رب الطعام بذلك؛ فلا إثم ولا ضمان؛ كريح الدخان يتضرر به صاحب السعال وضيق النفس.
(فَصْلٌ) في مقادير ديات النفس
المقادير: جمع مقدار، وهو مبلغ الشيء وقدره.
- مسألة: (وَدِيَةُ الحُرِّ المُسْلِمِ: مِائَةُ بَعِيرٍ، أَوْ أَلْفُ مِثْقَالٍ ذَهَباً، أَوِ اثْنَا
стр. 1508
عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) إسلامي (فِضَّةً، أَوْ مِائَتَا بَقَرَةٍ، أَوْ أَلْفَا شَاةٍ)؛ لحديث جابر ﵁ قال: «فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ فِي الدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ: مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ: مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ: أَلْفَيْ شَاةٍ» [أبو داود ٤٥٤٣، وضعفه الألباني]، وعن ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ قُتِلَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» [أبو داود ٤٥٤٦، والترمذي ١٣٨٨، والنسائي ٤٨١٧، وابن ماجه ٢٦٢٩، وضعفه الألباني]، وفي كتاب عمرو بن حزم: «وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ» [النسائي ٤٨٥٦].
هذه الخمسة المذكورة هي أصول الدية دون غيرها، (فَيُخَيَّرُ مَنْ عَلَيْهِ دِيَةٌ بَيْنَهَا)، فإذا أحضر من عليه الدية شيئًا منها؛ لزم وَلِيُّ الجناية قبوله، سواء كان الجاني من أهل ذلك النوع أو لا؛ لأنها أصول في قضاء الواجب يجزئ واحد منها، فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه؛ كخصال الكفارة.
وعنه: أن أصل الدية الإبل خاصة (١)، وهذه أبدال عنها، فإن قدر على الإبل أخرجها، وإلا انتقل إلى الباقي، قال ابن عثيمين: (وهو الذي عليه العمل عندنا)؛ لحديث عمرو بن حزم: «فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ» [مالك ٢/ ٨٤٩، والنسائي ٤٨٥٦]، ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
стр. 1509
«كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : ثَمَانَ مِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ ﵀، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ، قَالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ» [أبو داود ٤٥٤٢]، ولأن الجناية على ما دون النفس من الأطراف والجروح وغيرها قدرت بالإبل.
- مسألة: (وَيَجِبُ فِي) قتل (عَمْدٍ وَشِبْهِهِ) أي: شبه العمد: دية مغلظة، (مِنْ إِبِلٍ) أرباع، وهي: (رُبُعٌ بِنْتُ مَخَاضٍ) أي: خمس وعشرون، (وَرُبُعٌ بِنْتُ لَبُونٍ، وَرُبُعٌ حِقَّةٌ، وَرُبُعٌ جَذَعَةٌ)، فهذه مائة من الإبل؛ روي ذلك عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «فِي شِبْهِ الْعَمْدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ» [أبو داود ٤٥٥٢].
وعنه: أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خَلِفة؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: «مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ، فَإِنْ شَاؤُوا قَتَلُوهُ، وَإِنْ شَاؤُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَذَلِكَ عَقْلُ الْعَمْدِ» [أحمد ٦٧١٧ والترمذي
стр. 1510
١٣٨٧ وابن ماجه ٢٦٢٦، وحسنه الألباني]، وفي رواية لأحمد [٦٧١٨]: «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ».
- فرع: لا تغليظ في غير إبل؛ لعدم وروده.
- مسألة: (وَ) يجب (فِي) قتل (خَطَإٍ): دية مخففة (أَخْمَاساً: ثَمَانُونَ مِنَ المَذْكُورَةِ)، أي: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، (وَعِشْرُونَ ابْنُ مَخَاضٍ)؛ لحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي دِيَةِ الْخَطأِ: عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرِينَ ابْنَ مَخَاضٍ ذَكَرًا، وعِشْرِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ، وَعِشْرِينَ حِقَّةً، وَعِشْرِينَ جَذَعَةً» [أحمد ٤٣٠٣، وأبو داود ٤٥٤٥، والترمذي ١٣٨٦، والنسائي ٤٨٠٢، وابن ماجه ٢٦٣٤، وصححه الدارقطني والبيهقي موقوفاً، وضعفوا المرفوع].
- فرع: التخفيف في الخطأ من ثلاثة أوجه:
١ - أن الدية على العاقلة، كما سيأتي.
٢ - التأجيل بثلاث سنوات، وتقدم.
٣ - وجوبها مخمسة.
والتخفيف في شبه العمد من وجهين:
١ - أن الدية على العاقلة.
٢ - التأجيل بثلاث سنوات كالخطأ.