يَعْلَمُ أَنَّهُ حَرَامٌ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، فَأَقِمْ عَلَيْهِ حَدَّ اللهِ، وَإِنْ قَالَ: لَا، فَأَعْلِمْهُ أَنَّهُ حَرَامٌ، فَإِنْ عَادَ فَاحْدُدْهُ» [عبد الرزاق: ١٣٦٤٢]، وبه قال عثمان وعلي ﵄ [عبد الرزاق ١٣٦٤٤، ١٣٦٤٨].
فلا حد على من جهله؛ كمن جهل تحريم الزنى، أو عينَ المرأة، كمن زُفَّت إليه غير امرأته، فوطئها ظنًّا أنها امرأته؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «ادْرَؤُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [الترمذي: ١٤٢٤، وهو ضعيف]، وصح ذلك عن عمر [عبد الرزاق: ١٣٦٤١]، وابن مسعود ﵄ [البيهقي: ١٧٠٦٤].
- مسألة: (وَ) يجب (عَلَى إِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ إِقَامَتُهَا) أي: الحدود، سواء كان الحد لله تعالى؛ كحد زنى، أو لآدمي؛ كحد قذف؛ لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو واجب.
- فرع: لا يجوز لغير الإمام أو نائبه أن يقيم الحدود؛ لأنه يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يؤمن فيه الحيف، فوجب تفويضه إلى نائب الله تعالى في خلقه، ولأنه ﷺ كان يقيم الحدود في حياته، وكذا خلفاؤه من بعده، ويقوم نائب الإمام فيه مقامه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» [البخاري: ٢٣١٤، ومسلم: ١٦٩٧].
واختار شيخ الإسلام: أن الإمام إذا عجز عن إقامة الحدود؛ كما لو
стр. 1542
طلبه الإمام ليقتله فلم يدركه، أو يكون الإمام تاركًا لها؛ فإنه يجوز إقامتها من غير الإمام؛ لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك بشرطين:
١ - أن يكون قادرًا عليه.
٢ - ألا يترتب على استيفاء الحدود من غير الإمام مفسدة أو فتنة تزيد على إضاعتها.
- فرع: يستثنى من ذلك: السيّد، فله إقامة الحد على عبده بشروط:
١ - أن يكون السيد حرًّا مكلفًا عالمًا بإقامة الحدِّ، يجوز له أن يقيمه على رقيقه بشروط الحد، ولو كان السيِّدُ فاسقاً أو امرأةً.
٢ - أن يكون الحد بجلدٍ؛ كحدِّ زنًى وحد شرب مسكر وحد القذف، وإقامةِ تعزيرٍ في حق الله تعالى، وفي حق السيد؛ لأنه يملك تأديب رقيقه وضربه على الذنب.
فلا يملك القتل في الردة، والقطع في السرقة؛ لأنه إنما ثبت في الجلد، فلا يثبت في غيره، ولأن القتل والقطع في السرقة إنما هو للإمام.
وعنه، ومال إليه شيخ الإسلام (١): للسيد إقامة جميع الحدود حتى ما فيه إتلاف؛ كقتل المرتد وقطع السارق؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن رجلًا أعمى
стр. 1543
كانت له جارية تشتم النبي ﷺ فقتلها، فلم يطلب منه النبي ﷺ بينة على سبه بل صَدَّقه، وقال: «أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ» [أبو داود: ٤٣٦١، والنسائي ٤٠٧٠]، وعن نافع: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَطَعَ يَدَ غُلَامٍ لَهُ سَرَقَ , وَجَلَدَ عَبْدًا لَهُ زَنَى، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَهُمَا» [عبد الرزاق: ١٨٩٧٩].
وقال شيخ الإسلام: (إن عصى الرقيق علانية؛ أقام السيد عليه الحد، وإن عصى سرًّا، فينبغي أن لا يجب عليه إقامته، بل يخير بين ستره واستتابته بحسب المصلحة في ذلك).
٣ - أن يكون العبد مختصًّا بالسيد، فلا يقيم الحد على عبد مشترك، ولا على مبعض؛ لأنه ليس له ولاية على كله.
وألا تكون الأمة مزوَّجةً؛ لأن منفعتها مملوكة لغيره ملكًا غير مقيد بوقت، أشبهت المشتركة.
٤ - أن يثبت مُوجِب الحد عند السيد بإقرار أو بينة أو بعلمه.
ويدل على ما سبق: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ» [البخاري: ٢٢٣٤، ومسلم: ١٧٠٣]، ولحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» [أحمد: ٧٣٦، وأبو داود: ٤٤٧٣].
стр. 1544
- مسألة: (وَيُضْرَبُ رَجُلٌ) في الحد:
١ - حال كون المضروب (قَائِماً)؛ لقول علي ﵁: «تُضْرَبُ المَرْأَةُ جَالِسَةً، وَالرَّجُلُ قَائِمًا فِي الحَدِّ» [عبد الرزاق: ١٣٥٣٢، وضعفه ابن حجر]، وليُعْطى كلُّ عضو حظَّه من الضرب.
٢ - أن يُضرب (بِسَوْطٍ) حجمه فوق القضيب ودون العصا، (لَا خَلَقٍ) بفتح اللام، وهو البالي؛ لأنه لا يؤلم، (وَلَا جَدِيدٍ)؛ لئلا يجرح، فعن زيد بن أسلم مرسلًا: أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله ﷺ ، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط، فأتي بسوط مكسور، فقال: «فَوْقَ هَذَا»، فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: «دُونَ هَذَا»، فأُتِيَ بسوط قد رُكِب به ولَانَ، فأمر به رسول الله ﷺ فَجُلِد [مالك ٢/ ٨٢٥]، وعن حنظلة السدوسي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان يؤمر بالسوط، فتقطع ثمرته، ثم يدق بين حجرين حتى يلين، ثم يضرب به، فقلت لأنس: في زمان من كان هذا؟ قال: «فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ» [ابن أبي شيبة: ٢٨٦٨٣].
٣ - لا يجرد من ثيابه؛ لقول ابن مسعود ﵁: «لَا يَحِلُّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ التَّجْرِيدُ، وَلَا مَدٌّ، وَلَا غَلٌّ، وَلَا صَفْدٌ» [عبد الرزاق: ١٣٥٢٢]، (وَيَكُونُ عَلَيْهِ) أي: على المجلود (قَمِيصٌ وَقَمِيصَانِ)؛ صيانةً له عن التجريد، مع أن ذلك لا يَرُدُّ ألم الضرب، ولا يضر بقاؤهما عليه، وينزع عنه فرو وجبة محشوة؛
стр. 1545
لأنه لو ترك عليه ذلك لم يُبالِ بالضرب.
٤ - (وَلَا يُبْدِي ضَارِبٌ إِبْطَهُ) في رفع يد للضرب؛ لأن ذلك مبالغة في الضرب.
٥ - (وَيُسَنُّ تَفْرِيقُهُ) أي: تفريق الضرب (عَلَى الأَعْضَاءِ) أي: أعضاء المحدود؛ ليأخذ منه كل عضو حظه، وتوالي الضرب على عضو واحد يؤدي إلى قتله، وهو مأمور بعدمه، ويكثر منه في مواضع اللحم؛ كالأليتين والفخذين؛ لأنها أشد تحملًا.
٦ - (وَيَجِبُ) في الضرب (اتِّقَاءُ وَجْهٍ، وَ) اتقاء (رَأْسٍ، وَ) اتقاء (فَرْجٍ، وَ) اتقاء (مَقْتَلٍ)؛ كفؤاد وخصيتين؛ لما روي عن علي ﵁ أنه قال: «اضْرِبْ، وَأَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ، وَاجْتَنِبْ وَجْهَهُ وَمَذَاكِيرَهُ» [عبد الرزاق: ١٣٥١٧]، ولئلا يؤدي ضربه في شيء من هذه المواضع إلى قتله وإذهاب منفعته، والقصد أدبه فقط.
- فرع: (وَامْرَأَةٌ) فيما تقدم (كَرَجُلٍ، لَكِنْ) تفارقه في أمور:
الأول: أنها (تُضْرَبُ جَالِسَةً)؛ لقول علي ﵁ السابق: «تُضْرَبُ المَرْأَةُ جَالِسَةً، وَالرَّجُلُ قَائِمًا فِي الحَدِّ»، ولأن المرأة عورة وهذا أستر لها.
стр. 1546
(وَ) الثاني: أنها (تُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا)؛ لئلا تتكشف.
- مسألة: (وَلَا يُحْفَرُ لِمَرْجُومٍ) في الزنى، رجلًا كان أو امرأة؛ لأنه لم يرد أن النبي ﷺ حفر للجُهنية [مسلم: ١٦٩٦]، ولا لليهودي [البخاري: ٣٦٣٥، مسلم: ١٦٩٩].
وعنه، واختاره ابن عثيمين: يرجع في الحفر إلى اجتهاد الإمام إن رأى المصلحة؛ لثبوت الحفر في قصة ماعز والغامدية [مسلم: ١٦٩٥].
- مسألة: (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدٌّ) لله أو لآدمي؛ (سَقَطَ) بموته؛ لفوات محله كما يسقط القصاص بالموت.
فصل في حد الزنى
بالقصر في لغة الحجاز، والمد عند تميم.
وشرعًا: فعل الفاحشة في قُبُل أو في دُبُر.
وهو من أكبر الكبائر، وأجمعوا على تحريمه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ [الإسراء: ٣٢].
стр. 1547
- مسألة: لا يخلو الزاني من قسمين:
الأول: أن يكون محصنًا، وأشار إليه بقوله: (فَيُرْجَمُ) بحجارة متوسطة؛ كالكفِّ، (زَانٍ مُحْصَنٌ حَتَّى يَمُوتَ)، حكاه ابن حزم إجماعًا، وقد ثبت أنه ﷺ رجم بقوله وفعله، في أخبار تشبه التواتر؛ ولقول عمر بن الخطاب ﵁: «إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ» [البخاري: ٦٨٣٠، ومسلم: ١٦٩١].
(وَ) الثاني: (غَيْرُهُ) أي: غير المحصن، فلا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون حرًّا: فإذا زنى الحر فإنه:
- (يُجْلَدُ مِائَةً) بلا خلاف؛ لقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢]، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ» [مسلم: ١٦٩٠].
стр. 1548
- (وَيُغَرَّبُ) ولو أنثى؛ للعموم، إلى ما يراه الإمام، (عَاماً) إلى مسافة قصر في بلد معين؛ لحديث عبادة السابق، وعن ابن عمر ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ» [الترمذي: ١٤٣٨].
(وَ) الحالة الثانية: أن يكون رقيقًا: فإذا زنى (رَقِيقٌ)، ذكر أو أنثى، فإنه يجلد (خَمْسِينَ) جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥]، والعذاب المذكور في القرآن: مائة جلدة، فينصرف التنصيف إليه دون غيره، والرجم لا يتأتى تنصيفه.
- فرع: (وَلَا يُغَرَّبُ) قن زنى؛ لأنه عقوبة لسيده دونه، إذ العبد لا ضرر عليه في تغريبه؛ لأنه غريب في موضعه، ويترفه فيه بترك الخدمة، ويتضرر سيده بذلك.
(وَ) الحالة الثالثة: أن يكون مبعضًا: فإذا زنى (مُبَعَّضٌ) فإنه يجلد ويغرب (بِحِسَابِهِ فِيهِمَا) أي: في الجلد والتغريب، فمن نصفه حرٌّ ونصفه رقيق يجلد خمسًا وسبعين جلدة، ويغرَّب نصف عام، ويحسب زمن التغريب عليه من نصيبه الحر، [ولا يرجم؛ لما سبق في القن.] [*]
стр. 1549
- مسألة: (وَالمُحْصَنُ)، هو من اجتمعت فيه شروط:
الشرط الأول: الوطء، بتغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها، ولا خلاف في اعتباره، وأشار إليه بقوله: (مَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ)، ولو كتابية، فلا إحصان بمجرد العقد، ولا بالخلوة؛ لحديث عبادة بن الصامت السابق، وفيه: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ»، والثيوبة تحصل بالوطء في القبل، فوجب اعتباره.
ولا خلاف في أن النكاح الخالي عن الوطء لا يحصل به إحصان، سواء حصلت فيه خلوة أو وطءٌ فيما دون الفرج أو في الدبر، أو لم يحصل شيء من ذلك؛ لأن هذا لا تصير به المرأة ثيباً، ولا تخرج به عن حد الابكار.
الشرط الثاني: أن يكون الوطء (بِنِكَاحٍ)؛ لأن النكاح يسمى إحصانًا، لقوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء﴾ [النساء: ٢٤] يعني: المزوجات، ولا خلاف أن التسري، ووطء الزنى، ووطء الشبهة لا يصير به الواطئ محصنًا، قاله في الشرح.
الشرط الثالث: أن يكون الوطء في نكاح (صَحِيحٍ)، فلا يحصل الإحصان بوطء في نكاح فاسد؛ كوطء نكاح بلا ولي، أو نكاح باطل؛ كوطء في نكاح متعة؛ لأنه وطءٌ في غير ملك، فلم يحصل به الإحصان؛ كوطء الشبهة.
الشرط الرابع: أن يكون الوط (فِي قُبُلِهَا) أي: قُبل الزوجة، ولو في
стр. 1550
حيض، أو إحرام، أو صوم، فلا إحصان بوطء في الدبر، ولا بالوطء بما دون الفرج؛ لما تقدم في الشرط الأول.
الشرط الخامس: التكليف؛ فلا إحصان مع صغر أحدهما، أو جنونه؛ لأن النبي ﷺ اعتبر الثيوبة خاصة، ولو كانت تحصل قبل ذلك لكان يجب عليه الرجم قبل بلوغه وعقله، وهو خلاف الاجماع.
الشرط السادس: الحرية، فلا إحصان مع رقِّ أحدهما؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥]، والرجم لا يتنصف، وإيجابه كله يخالف النص.
الشرط السابع: أن يوجد الكمال فيهما جميعًا حال الوطء، فيطأ الرجلُ العاقلُ الحرُّ امرأةً عاقلةً حرةً، فإن اختل شرط من هذه الشروط التي ذكرت في أحد الزوجين، فلا إحصان لواحد منهما؛ لأنه وطء لم يحصن أحد الموطوءين، فلم يحصن الآخر كالتسري، ولأنه متى كان أحدهما ناقصًا لم يكمل الوطء، فلا يحصل به الإحصان.
- فرع: يكون محصنًا بالوطء بشروطه السابقة (وَلَوْ) وَطِئ (مَرَّةً) واحدة؛ لأنه يصدق عليه أنه محصن.
- فرع: (وَشُرُوطُهُ) أي: شروط حد الزنى (ثَلَاثَةٌ) (١):
стр. 1551
الشرط الأول: (تَغْيِيبُ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ) ولو من خصي، أو قدر الحشفة عند عدمها؛ لأن أحكام الوطء تتعلق به، (فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ لِآدَمِيٍّ) حي، (وَلَوْ دُبُراً) لذكر أو أنثى؛ لحديث ابن مسعود ﵁: «أن رجلًا أصاب من امرأة قُبلة، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره فأنزل الله : ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فقال الرجل: يا رسول الله، ألي هذا؟ قال: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ» [البخاري: ٥٢٦]، وفي رواية الترمذي [٣١١٣]: «فليس يأتي الرجل شيئًا إلى امرأته إلا قد أتى هو إليها، إلا أنه لم يجامعها».
وعليه، فلا حد:
١ - بتغييب بعض الحشفة؛ لعدم الإيلاج.
٢ - ولا بالقبلة والمباشرة دون الفرج.
٣ - ولا بإتيان المرأة المرأة.
٤ - ولا بوطء بهيمة؛ لأنه لا يقصد، فلا حاجة إلى الزجر عنه.
٥ - ولا بوطء بهيمة؛ لأنه لم يصح فيه نص ولا يمكن قياسه على وطء الآدمي، لأنه لا حرمة له وتعافه النفوس.
стр. 1552
ويعزر في ذلك كله، وأما الرجل المذكور في حديث ابن مسعود، فقد جاء تائبًا كما يدل عليه ظاهر حاله، على أن للإمام ترك التعزير إذا رآه.
- فرع: حد اللوطي - الفاعل والمفعول فيه - كزانٍ؛ لحديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ» [البيهقي: ١٧٠٣٣، وهو ضعيف]، ولأنه فرج مقصود بالاستمتاع، فوجب فيه الحد، كفرج المرأة.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يقتل الفاعل والمفعول به، سواء كانَا محصنين أو غير محصنين، وقال: (هو الذي اتفقت عليه الصحابة)، وقال: (يجب قتلهما رجمًا بالحجارة)؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» [أحمد: ٢٧٢٧، وأبو داود: ٤٤٦٢، والترمذي: ١٤٥٦، وابن ماجه: ٢٥٦١]، ولما روي عن علي ﵁: «أَنَّهُ رَجَمَ لُوطِيًّا»، ونحوه عن ابن عباس ﵄ [البيهقي: ١٧٠٢٧].
(وَ) الشرط الثاني: (انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ)؛ لحديث عائشة السابق: «ادْرَؤُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
فلا حد على من وطئ أمته المزوَّجة، أو وطئ في نكاح مختلف فيه؛ كنكاح بلا ولي، أو وطئ امرأة وجدها على فراشه أو في منزله ظنَّها زوجته أو أمته، أو جهل تحريم الزنى لقرب إسلامه أو نشأته ببادية بعيدة عن القرى، أو جهل تحريم نكاح باطل إجماعًا ومثله يجهله؛ للشبهة في الكل.
стр. 1553
(وَ) الشرط الثالث: (ثُبُوتُهُ) أي: الزنى، ولا يثبت إلا بأحد أمرين:
الأول: (بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ عُدُولٍ)، ولو متفرقين واحدًا بعد واحدٍ، (فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ) يشهدون (بِزِنًى وَاحِدٍ، مَعَ وَصْفِهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ الآية [النور: ٤]، وقوله: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: ١٥].
وعُلِم من كلامه: أنه يشترط لثبوت الزنى بالشهود شروط:
١ - العدد، فلابد أن يكونوا أربعة؛ وهو محل إجماع؛ لظاهر الآية السابقة، فإن امتنع بعضهم، أو لم يكملها؛ لم يُحدَّ.
٢ - أن يكونوا رجالًا؛ لأن الأربعة اسم لعدد الذكور، ولأن في شهادة النساء شبهة؛ لتطرق الاحتمال إليهن.
٣ - أن يكونوا عدولًا؛ كسائر الشهادات.
٤ - أن تكون الشهادة منهم في مجلس واحد، سواء كانوا متفرقين أو مجتمعين؛ لقول ابن المسيب ﵀: «شَهِدَ عَلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ ثَلَاثَةٌ بِالزِّنَى، وَنَكَلَ زِيَادٌ، فَحَدَّ عُمَرُ الثَّلَاثَةَ» [عبد الرزاق: ١٣٥٦٤، وعلقه البخاري بصيغة الجزم ٣/ ١٧٠]، ولولا اعتبار اتحاد المجلس لم يحدهم؛ لاحتمال أن يكملوا برابع في مجلس آخر، ولا ينافيه كون المجلس لم يذكر في الآية؛ لأن العدالة أيضًا لم تذكر، ووصف الزنى لم يذكر فيها، مع اعتبارهما بدليل آخر.
стр. 1554
فإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم من مجلسه؛ فهم قَذَفَةٌ، لأن شهادته غير مقبولة ولا صحيحة، أشبه ما لو لم يشهد أصلًا، وعليهم الحد.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: لا يشترط أن تكون الشهادة في مجلس واحد؛ لعموم الآية، حيث لم يذكر فيها هذا الشرط.
٥ - أن يشهدوا على زنًى واحد؛ فإن عَيَّن اثنان يومًا أو بلدًا، وآخران آخر، فلا يقام الحد؛ لأن كل اثنين منهم شهدا بزنىً غير الذي شهد به الآخران، ويحدون للقذف؛ لعدم إكمال الشهادة.
٦ - أن يصفوا الزنى، بأن يقولوا: رأيناه غيَّب ذكره في فرجها؛ لأن اسم الزنى يطلق على ما لا يوجب الحد، وقد يعتقد الشاهد ما ليس بزنىً زنىً، فاعتبر ذكر صفته؛ ليزول الاحتمال، ولأنه إذا اعتبر التصريح في الإقرار كان اعتباره في الشهادة أولى (١).
الثاني: (أَوْ) يثبت بـ (إقْرَارِهِ)، ولابد في الإقرار من أربعة أمور:
стр. 1555
١ - العدد: بأن يقر (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) في مجلس واحد أو مجالس؛ لحديث جابر ﵁: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَ، وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ» [البخاري: ٦٨١٤، ومسلم: ١٦٩١]، وكذا لو أقر في مجالس؛ لحديث بُريدة في قصة ماعز ﵄، وفيها أن النبي ﷺ قال لماعز: «وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ»، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء، فقال: يا رسول الله، طهرني، الحديث [مسلم: ١٦٩٥].
وقال ابن عثيمين: (القول بأن تكرار الإقرار أربعاً ليس بشرط أرجح) ثم قال: (ولو قال قائل بقول وسط بأنه إذا اشتهر الأمر واتضح فإنه يُكتفى فيه بالإقرار مرة واحدة، بخلاف ما لم يشتهر فإنه لا بد فيه من تكرار الإقرار أربعاً)؛ لقصة العسيف والغامدية، فإنه لم يرد فيهما تكرار الإقرار، وقصة ماعز تحمل على الاشتباه على الإمام.
٢ - أن يكون من مكلف مختار؛ لأن القلم مرفوع عن الصغير والمجنون، وللعفو عن المكره.
فلا يصح إقرار الصبي والمجنون ومن زال عقله بنوم أو إغماء؛ لأن قولهم غير معتبر.
٣ - أن يكون (مَعَ) الإقرار (ذِكْرُ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ)؛ لتزول التهمة، ولحديث ابن عباس ﵄ قال: لما أتى ماعز بن مالك ﵁ النبي ﷺ قال له: «لَعَلَّكَ
стр. 1556
قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ» قال: لا يا رسول الله، قال: «أَنِكْتَهَا؟ »، لا يكني، قال: فعند ذلك أمر برجمه [البخاري: ٦٨٢٤].
٤ - أن يكون إقراره (بِلَا رُجُوعٍ) عنه حتى يتم الحد، فإن رجع عن إقراره، أو هرب؛ كُفَّ عنه؛ لحديث نعيم بن هزَّال ﵁ في قصة ماعز ﵁، وفيه: فلما رُجِم فوجد مسَّ الحجارة، جزع فخرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس ﵁ وقد عجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير فرماه به فقتله، ثم أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ، فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ» [أحمد: ٢١٨٩٠، وأبو داود: ٤٤١٩].
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يخلو من أمرين:
الأول: أن يثبت زناه ببينة: فيقام عليه الحد ولو أظهر التوبة؛ لأنه لا يوثق بها، ولو دُرِئ الحد بإظهار التوبة هنا لم يُقم حد.
الثاني: أن يثبت بإقراره: فإن كان تائبًا ورجع سقط عنه الحد، وإن أقر ولم يكن تائبًا، فلا يسقط عنه الحد. ظظ
- مسألة: لا يثبت حد الزنى إلا بالشهادة والإقرار، ولا يثبت بالقرينة.
وعنه، واختار شيخ الإسلام: يثبت حد الزنى أيضاً بالقرائن؛ كالحمل من امرأة لا زوج لها ولا سيد، فتحد ما لم تدَّع شبهة، قال شيخ الإسلام: (وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين)؛ لقول عمر ﵁: «وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ
стр. 1557
كَانَ الحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ» [البخاري: ٦٨٣٠، ومسلم: ١٦٩١]، وعن علي ﵁ نحوه [ابن أبي شيبة: ٢٨٨١٨].
فصل في حد القذف
القذف لغة: الرمي بقوة، ثم غلب على الرمي بزنىً، أو لواط، أو شهادة بأحدهما ولم تكمل البينة.
وهو محرم إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ الآية [النور: ٤]، وقوله: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات﴾ الآية [النور: ٢٣]، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاتِ» [البخاري: ٢٧٦٦، ومسلم: ٨٩].
- فرع: القذف محرم إلا في موطنين:
١ - أن يرى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه، أو تقر بالزنى فيصدقها؛ فيعتزلها ثم تلد ما يمكن أنه من الزاني: فيجب عليه قذفها؛ لأن نفي الولد واجب، لأنه إذا لم ينفه لحقه، وورثه وورث أقاربه وورثوا منه، ونظر إلى بناته وأخواته، ولا يمكن نفيه إلا بالقذف، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
стр. 1558
وكذا إن وطئها زوجها في طهر زنت فيه، وقوي في ظنه أن الولد من الزاني لشبهه بالزاني، أو لكون الزوج عقيمًا؛ لأن ذلك مع تحقق الزنى دليل على أن الولد من الزاني.
٢ - أن يراها تزني ولم تلد ما يلزم نفيه، أو يستفيضَ زناها في الناس، أو أخبره بزناها ثقة، أو يرى الزوج رجلًا يُعرف بالفجور يدخل إليها: فيباح قذفها؛ لأنه يغلب على ظنه فجورها.
- مسألة: (وَالْقَاذِفُ) إذا قذف (مُحْصَنًا) -ويأتي تعريفه- فإنه (يُجْلَدُ)، ولا يخلو القاذف من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قاذف (حُرٌّ): فإنه يجلد (ثَمَانِينَ) جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: ٤].
(وَ) القسم الثاني: قاذف (رَقِيقٌ): فإنه يجلد (نِصْفَهَا) أي: أربعين جلدة، ولو عتق بعد القذف؛ اعتبارًا بوقت الوجوب؛ لإجماع الصحابة على ذلك، قال عبد الله بن عامر بن ربيعة: «كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لَا يَجْلِدُونَ الْعَبْدَ فِي الْقَذْفِ إِلَّا أَرْبَعِينَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ» [ابن أبي شيبة: ٢٨٨١٨]، فيكون ذلك مخصصًا للآية.
واختار ابن عثيمين: أن العبد كالحر يجلد ثمانين؛ لعموم الآية.
(وَ) القسم الثالث: قاذف (مُبَعَّضٌ): فإنه يجلد (بِحِسَابِهِ) كما تقدم في
стр. 1559
حد الزنى.
- فرع: يستثنى من ذلك: أبَوَا المقذوف وإن علوا، فلا يحدان بقذف ولد وإن سفل؛ كما لا يجب قود لولد.
- مسألة: (وَالمُحْصَنُ هُنَا) أي: في باب القذف يختلف عنه في باب الزنى، فهو هنا:
١ - (الحُرُّ)؛ لأن العبد حريته لا تنهض لإيجاب الحد، والآية الكريمة وردت في الحرة المسلمة، وغيرها ليس في معناها، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ، جُلِدَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» [البخاري ٦٨٥٨، ومسلم ١٦٦٠]، فدل على أنه لا يقام عليه الحد في الدنيا.
واختار ابن عقيل: يحد بقذف العبد؛ لعموم الأدلة، ولما روى نافع: أن أميرًا من الأمراء سأل ابن عمر ﵄ عن رجل قذف أم ولد لرجل قال: «يُضْرَبُ الحَدَّ صَاغِرًا» [عبد الرزاق: ١٣٧٩٩، وصححه الحافظ].
٢ - (المُسْلِمُ)؛ لما تقدم في الحرية.
٣ - (العَاقِلُ)؛ لأن المجنون لا يُعيَّر بالزنى؛ لعدم تكليفه.
٤ - (العَفِيفُ) عن الزنى ظاهرًا؛ لأن غير العفيف لا يشينه القذف، والحد إنما وجب لأجل ذلك، وقد أسقط الله الحد عن القاذف إذا كان له
стр. 1560
بينة بما قال.
- فرع: من قذف غير المحصن عُزِّر؛ ردعًا له عن أعراض المعصومين، وكفًّا له عن إيذائهم.
- مسألة: (وَشُرِطَ) في إقامة الحد على المحصن (كَوْنُ مِثْلِهِ) أي: مثل المقذوف (يَطَأُ أَوْ يُوطَأُ)، وهو ابن عشر فأكثر، وبنت تسع فأكثر؛ للحوق العار بهما، بخلاف من هو دون ذلك، فلا يُعيَّر بالقذف؛ لتحقق كذب القاذف، ويعزَّر القاذف؛ ردعًا له عن الأعراض.
- فرع: (لَا) يشترط (بُلُوغُهُ) أي: المقذوف؛ لأنه يلحقهما الشَّين بإضافة الزنى إليهما ويُعيَّران بذلك.
وعنه: يشترط بلوغه؛ لأنه أحد شرطي التكليف، فأشبه العقل، ولأن زنى الصبي لا يوجب حدًّا، فلا يوجب الحد بالقذف به؛ كزنى المجنون.
- مسألة: (وَيُعَزَّرُ بِنَحْوِ) قوله لغيره: (يَا كَافِرُ، يَا مَلْعُونُ، يَا أَعْوَرُ، يَا أَعْرَجُ) ونحو ذلك من كل ما فيه إيذاء، وليس بصريح في الزنى؛ فيعزر به؛ لارتكابه معصية، وكفًّا له عن إيذاء المعصومين.
стр. 1561
فصل في التعزير
التعزير لغة: المنع. واصطلاحًا: التأديب؛ لأنه يمنع مما لا يجوز فعله.
- مسألة: (وَيَجِبُ التَّعْزِيرُ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ)؛ كاستمتاع لا يوجب الحد، وسرقة لا قطع فيها، وجناية لا قود فيها؛ كصفع، وقذف بغير الزنى ونحوه، وغير ذلك من المحرمات التي لا حد فيها ولا كفارة، ومن ترك الواجبات؛ لأن المعصية تفتقر إلى ما يمنع من فعلها، فإذا لم يجب فيها حد ولا كفارة وجب أن يشرع فيها التعزير، وليتحقق المانع من فعلها.
فإن كان في المعصية حد؛ كالزنى والسرقة، أو كفارة؛ كالظهار والإيلاء؛ فلا تعزير.
- فرع: (وَمَرْجِعُهُ) أي: التعزير موكول (إِلَى اجْتِهَادِ الإِمَامِ) أو الحاكم فيما يراه، وما يقتضيه حال الشخص، ويكون بالحبس، والصفع، والتوبيخ، والعزل عن الولاية، وإقامته من المجلس، حسبما يراه الحاكم، وإن رأى الإمام العفو عنه جاز.
стр. 1562
(فَصْلٌ) في حد المسكر
السُّكْر: اختلاط العقل، قال الجوهري: السكران خلاف الصاحي.
وهو محرم بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب﴾ الآيات [المائدة: ٩٠]، ولحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» [البخاري: ٤٣٤٣، ومسلم: ١٧٣٣].
- مسألة: (وَكُلُّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ) كثيره، فإنه (يَحْرُمُ) قليله وكثيره؛ لما تقدم من الآية والحديث، ولحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» [أحمد: ١٤٧٠٣، وأبو داود: ٣٦٨١، والترمذي: ١٨٦٥، وابن ماجه: ٣٣٩٣].
- فرع: كل مسكر يحرم شربه (مُطْلَقاً) أي: سواء من العنب، أو من الشعير، أو غير ذلك؛ لحديث أبي موسى ﵁، قال: بعثني النبي ﷺ أنا ومعاذ بن جبل إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، إن شرابًا يصنع بأرضنا يقال له: المِزْر من الشعير، وشراب يقال له: البِتْع من العسل، فقال: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» [البخاري: ٤٣٤٣، ومسلم: ٢٠٠١]، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي
стр. 1563
الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ» [مسلم: ٢٠٠٣].
وسواء كان شَرِبَه لعطش؛ لأنه لا يحصل به رِيٌّ بل يزيد العطش، أو شربه للذة، أو لتداوٍ، أو لغير ذلك؛ لحديث وائل بن حجر ﵁: أن طارق بن سويد الجعفي، سأل النبي ﷺ عن الخمر، فنهاه أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» [مسلم: ١٩٨٤].
- فرع: كل شراب مسكر يسمى: خمرًا؛ لحديث ابن عمر السابق.
- فرع: يستثنى من تحريم شرب المسكر أمران:
الأول: دفع غصة، وأشار إليه بقوله: (إِلَّا) لمضطر خاف التلف (لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا مَعَ خَوْفِ تَلَفٍ) ولم يجد غيره؛ فيجوز؛ لأنه مضطر.
(وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ) أي: الخمر في دَفْع لقمةٍ غَصَّ بها، (بَوْلٌ)؛ لوجوب الحد باستعمال الخمر دون البول, ويُقدَّم عليهما ماء نجس؛ لأن أصله مطعوم، بخلاف البول.
والثاني: المكره، فيجوز له تناول ما أكره عليه فقط؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٠٤٥].
стр. 1564
- مسألة: (فَإِذَا شَرِبَهُ) أي: المسكر، أو استعطه، (أَوِ احْتَقَنَ بِهِ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ)، لا صغير أو مجنون، حال كونه (مُخْتَاراً) لشربه لا مكرهًا، (عَالِماً أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ):
- (حُدَّ حُرٌّ) وُجِد منه شيء مما تقدم: (ثَمَانِينَ) جلدة؛ لإجماع الصحابة ﵃، فعن أنس ﵁: أن نبي الله ﷺ جلد في الخمر بالجريد، والنعال، ثم جلد أبو بكر ﵁ أربعين، فلما كان عمر ﵁، ودنا الناس من الريف والقرى، قال: «مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الخَمْرِ؟ » فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الحُدُودِ»، قال: «فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ» [مسلم: ١٧٠٦].
- (وَ) حُد (قِنٌّ) وُجِد منه ذلك: (نِصْفَهَا) أي: أربعين جلدة، ذكرًا كان أو أنثى، ولو مكاتبًا أو مدبَّرًا أو أم ولد؛ كالزنى والقذف، فعن الزهري: «أَنَّ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵃ جَلَدُوا عَبِيدَهُمْ فِي الخَمْرِ نِصْفَ حَدِّ الحُرِّ» [عبد الرزاق: ١٣٥٥٩].
وعنه: أن حد الحر أربعون؛ لعموم حديث أنس السابق، ولما ورد عن علي ﵁ أنه جلد شارب خمر أربعين جلدة وقال: «جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ» [مسلم: ١٧٠٧].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن الأربعين واجبة، والزيادة يفعلها الإمام
стр. 1565
عند الحاجة، فإن احتاج إلى ذلك لكثرة شرب الناس أو إصرار الشارب ونحو ذلك؛ جلد ثمانين؛ لأنه ثبت عن عمر ﵁ أنه زاد فيه النفي وحلق الرأس مبالغة في الزجر عنه.
واختار شيخ الإسلام أيضًا (١): أنه يجوز قتل شارب الخمر في المرة الرابعة عند الحاجة إلى قتله، إذا لم ينته الناس بدونه؛ لحديث قُبيصة بن ذُؤيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ» [أحمد: ٧٧٦٢، وأبو داود: ٤٤٨٤، والنسائي: ٥٦٦٢].
واختار ابن عثيمين: أن جلد الخمر تعزير لا حد، لكن لا ينقص عن أقل تقدير وردت به السنة، وأما الزيادة فلا حرج للمصلحة؛ لحديث أنس
стр. 1566
السابق، وفيه: أن نبي الله ﷺ جلد في الخمر بالجريد، والنعال، ولو كان حدًّا لكان لابد من ضبطه.
- فرع: (وَيَثْبُتُ) شرب مسكر بأحد أمور:
١ - (بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً؛ كَقَذْفٍ)؛ لأن كلًّا منهما لا يتضمن إتلافًا، بخلاف زنىً وسرقة.
٢ - (أَوْ) بـ (ـشَهَادَةِ) رجلين (عَدْلَيْنِ) على الشرب أو الإقرار به.
٣ - أن يُرى وهو سكرانُ، أو يتقيؤها؛ لأنه لم يسكر أو يتقيأها إلا وقد شربها.
٤ - وفي رواية، واختارها شيخ الإسلام: يحد بوجود الرائحة منه، أو رئي وهو يتقيؤها؛ لما ورد في قصة ماعز ﵁ من حديث بريدة ﵁، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : «أَشَرِبَ خَمْرًا؟ » فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر [مسلم: ١٦٩٥]، وعن السائب بن يزيد: أن عمر بن الخطاب ﵁، خرج عليهم فقال: «إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ، فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرَابُ الطِّلَاءِ وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ، فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ»، فجلده عمر الحد تامًّا [الموطأ ٢/ ٨٤٢، وعلقه البخاري بصيغة الجزم ٧/ ١٠٧]، وثبت نحوه عن عثمان [مسلم: ١٧٠٧].
والمذهب: لا يحد بوجود رائحة الخمر منه؛ لاحتمال أنه تمضمض بها، أو ظنَّها ماء فلما صارت في فيه مَجَّها، ونحو ذلك، والحد يدرأ بالشبهة.
стр. 1567
- مسألة: (وَحَرُمَ عَصِيرُ) عنب، أو قصب، أو غيره، (وَنَحْوُهُ) في حالتين:
١ - (إِذَا غَلَا) كغليان القِدْر، بأن قذف بزبده؛ لصحة إطلاق الخمر عليه، وظاهره: ولو لم يسكر؛ لأن علة التحريم الشدة الحادثة فيه، وهي توجد بوجود الغليان، وعن أبي هريرة ﵁ قال: علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم، فتحيَّنت فطره بنبيذ صنعته في دباء، ثم أتيته به، فإذا هو يَنِشُّ، فقال: «اضْرِبْ بِهَذَا الحَائِطَ، فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» [أبو داود: ٣٧١٦، والنسائي: ٥٧٠٤].
وعنه: يكره إلا أن يسكر؛ فيحرم.
٢ - (أَوْ) أي: ويحرم عصير (أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) بلياليهن، وإن لم يَغْلِ؛ لقول ابن عباس ﵄: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْتَبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ، وَالْغَدَ وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى، وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ» [مسلم: ٢٠٠٤]، وعن ابن عمر ﵄ أنه قال في العصير: «اشْرَبِ الْعَصِيرَ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ شَيْطَانُهُ» قال: «وَمَتَّى يَأْخُذُهُ شَيْطَانُهُ؟ » قال: «بَعْدَ ثَلَاثٍ» [عبد الرزاق: ١٦٩٩٠]، ولحصول الشدة في الثلاث غالبًا، وهي خفية تحتاج لضابط، والثلاث تصلح لذلك، فوجب اعتبارها بها.
واختار أبو الخطاب، وهو قول أكثر أهل العلم: أنه لا يحرم حتى يغلي
стр. 1568
ويسكر؛ لحديث بريدة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» [أحمد: ٢٣٠٠٥، وأبو داود: ٣٦٩٨]، ولأن علة تحريمه الشدة المطربة، وإنما ذلك في المسكر خاصة، ولأنه جاز سقيه بعد الثلاث للخادم، ولو كان مسكرًا لم يجز، فدل على أنه تركه تنزهًا واحتياطًا.
(فَصْلٌ) القطع في السرقة
وهو ثابت بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» [البخاري ٦٧٨٩، ومسلم ١٦٨٤].
- مسألة: (وَيُقْطَعُ السَّارِقُ بِثَمَانِيَةِ شُرُوطٍ):
الشرط الأول: (السَّرِقَةُ)؛ لأنه تعالى أوجب القطع على السارق، فإذا لم توجد السرقة لم يكن الفاعل سارقًا.
- فرع: (وَهِيَ) أي: السرقة: (أَخْذُ مَالٍ) محترمٍ لـ (مَعْصُومٍ)، من مالكه أو نائبه، (خُفْيَةً).
стр. 1569
فيُقطع الطرَّار، وهو من يشق جيبًا أو كمًّا أو غيرهما، ويأخذ منه نصابًا، أو يأخذه بعد سقوطه من نحو جيب؛ لأنه سرقة من حرز.
ويُقطع جاحدُ عاريّةٍ يمكن إخفاؤها إذا كانت قيمتها نصاب؛ لحديث عائشة ﵂: «كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا» [مسلم ١٦٨٨].
- فرع: إذا علم أن السرقة هي الأخذ على وجه الاختلاس، فلا قطع على:
١ - مُنْتَهِب، وهو الذي أخذ المال على وجه الغنيمة؛ لما روى جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» [أبو داود ٤٣٩٣، والترمذي ١٤٤٨، والنسائي ٤٩٧١، وابن ماجه ٢٥٩١].
٢ - ولا على مُختلِس، وهو الذي يخطَفُ الشيء ويمر به؛ لحديث جابر ﵁ السابق.
٣ - ولا على خائن يؤتمن على شيء فيخفيه أو بعضه؛ لحديث جابر ﵁ السابق؛ ولأن ذلك ليس بسرقة.
٤ - ولا على غاصب؛ لأن ذلك ليس بسرقة، ولأنه أولى من الخائن والمختلس.
٥ - ولا على جاحد وديعة أو غيرها من الأمانات؛ لعموم حديث جابر
стр. 1570
السابق: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ قَطْعٌ»، ولأنه ليس بسارق، إلا العارية؛ لما تقدم.
قال ابن القيم: (وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وترك قطع المختلس والمنتهب والغاصب؛ فمن تمام حكمة الشارع أيضًا، فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه يُنَقِّب الدُّور، ويهتك الحرز، ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضًا، وعظم الضرر، واشتدت المحنة بالسُّراق، بخلاف المنتهب والمختلس).
(وَ) الشرط الثاني: (كَوْنُ سَارِقٍ مُكَلَّفاً)؛ لأن غير المكلف مرفوع عنه القلم، (مُخْتَاراً)؛ لأن المكره معذور، وكون سارق (عَالِماً بِمَسْرُوقٍ، وَ) عالماً بـ (تَحْرِيمِهِ) أي: تحريم المسروق عليه؛ لأن عدم العلم بذلك شبهة، والحد يدرأ بها حسب الاستطاعة.
فلا قطع على صغير، ولا على مجنون، ولا على مكره على السرقة؛ لما تقدم، ولا قطع على جاهل تحريم سرقة، لكن لا تقبل دعوى جهل ذلك ممن نشأ بين المسلمين.
(وَ) الشرط الثالث: (كَوْنُ مَسْرُوقٍ مَالاً)؛ لأن غير المال ليس له حرمة المال، ولا يساويه، فلا يلحق به، وأن يكون المال (مُحْتَرَماً)؛ لأن غير المحترم -كمال الحربي- تجوز سرقته.
стр. 1571
وعلى هذا؛ فلا قطع:
١ - بسرقة آلة لهو؛ لعدم الاحترام.
٢ - ولا بسرقة محرم؛ كالخمر، والخنزير، والميتة؛ لأنها غير محترمة، وليست مالاً.
٣ - ولا بسرقة ماء؛ لأنه غير متمول عادة، قال ابن قدامة: (ولا أعلم في هذا خلافاً).
٤ - ولا بسرقة سرجين نجس؛ لأنه ليس بمال.
٥ - ولا إن سرقَ من سارقٍ أو غاصبٍ ما سرقَه السارقُ أو غصبه الغاصبُ؛ لأنه لم يسرقه من مالكه ولا نائبه.
(وَ) الشرط الرابع: (كَوْنُهُ) أي: المسروق (نِصَاباً، وَهُوَ) أي: نصاب السرقة:
١ - (ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فِضَّةً) خالصة، أو تخلص من فضة مغشوشة؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» [البخاري ٦٧٩٥، ومسلم ١٦٨٤].
واختار شيخ الإسلام: أن كل ما سماه الناس درهماً، وتعاملوا به - سواء كان خالصاً أو مغشوشاً- تكون أحكامه أحكام الدراهم، في وجوب الزكاة، والقطع في السرقة، وغيرها، قل ما فيه من الفضة أو كثر؛ لعموم
стр. 1572
حديث ابن عمر السابق.
٢ - (أَوْ رُبُعُ مِثْقَالٍ) -أي: دينار- (ذَهَباً)، ويكفي الوزن من الفضة الخالصة أو التبر الخالص، ولو لم يُضْرَبا؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» [البخاري ٦٧٨٩، ومسلم ١٦٨٤]، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم.
وهذه الأحاديث تخصص عموم الآية، وأما حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لَعَنَ الله السَّارِقَ، يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» [البخاري ٦٧٨٣، ومسلم ١٦٨٧]؛ فيحمل على حبل وبيضة تساوي ذلك، ويحتمل أن يراد بالبيضة: بيضة السلاح، وهي تساوي ذلك؛ جمعًا بين الأخبار.
٣ - (أَوْ مَا) تبلغ (قِيمَتُهُ أَحَدَهُمَا)، أي: ثلاثة دراهم، أو ربع دينار؛ كثوب ونحوه يساوي ذلك؛ لحديث ابن عمر السابق، وعن عَمْرة بنت عبد الرحمن: «أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَنْ تُقَوَّمَ، فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ، فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ» [الموطأ ٢/ ٨٣٢].
واختار ابن عثيمين: أن التقويم يكون بالذهب، فإن بلغت قيمة العروض المسروقة ربع دينار؛ قطع، وإلا فلا، ولو بلغ ثلاثة دراهم؛ لحديث عائشة ﵂ السابق: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا»، فنفى النبي ﷺ القطع فيما دون ربع دينار، وأما حديث ابن عمر ﵄؛ فمحمول على أن
стр. 1573
ثلاثة الدراهم تساوي ربع دينار في ذلك الوقت، والدينار يساوي اثني عشر درهمًا من الفضة.
- فرع: تعتبر قيمته حال إخراجه من الحرز؛ لأنه وقت السرقة التي هي سبب القطع، فلو نقصت بعد إخراجه قطع.
(وَ) الشرط الخامس: (إِخْرَاجُهُ) أي: النصاب (مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ)؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ سئل عن الثمر المعلَّق، فقال: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ؛ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» [أبو داود ١٧١٠، وابن ماجه ٢٥٩٦]، وهو مخصص للآية.
فلو سرق من غير حرز؛ بأن وجد حرزًا مهتوكًا، أو بابًا مفتوحًا، فأخذ منه نصابًا؛ فلا قطع؛ لفوات شرطه.
- فرع: (وَحِرْزُ كُلِّ مَالٍ: مَا حُفِظَ بِهِ) ذلك المال (عَادَةً)؛ لأن معنى الحرز الحفظ، ويختلف باختلاف الأموال، والبلدان، وعدل السلطان وجوره، وقوته وضعفه؛ لأنه لما ثبت بالشرع اعتباره من غير تنصيص على بيانه؛ عُلم أنه رد ذلك إلى العرف؛ لأنه طريق إلى معرفته، فرُجع إليه كما رجعنا إلى معرفة القبض والفرقة في البيع، وأشباه ذلك إليه.
стр. 1574
فحرز الأثمان والجواهر والقماش في العمران: وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة.
وحرز البقل، وقدور الباقلاء، ونحوهما: وراء الشرائج، وهي ما يعمل من قصب ونحوه، يضم بعضه إلى بعض بحبل أو غيره، إذا كان في السوق حارس؛ لجريان العادة بذلك.
وحرز الحطب، والخشب: الحظائر، وهي ما يعمل للإبل والغنم من الشجر، تأوي إليه، فيصير بعضه في بعض ويربط، وحرز المواشي: حظيرة الغنم.
(وَ) الشرط السادس: (انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ)؛ لحديث: «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [قال ابن حجر: (لم يقع لي مرفوعاً بهذا اللفظ)، وروي مرفوعاً من حديث عائشة بلفظ: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم» أخرجه الترمذي ١٤٢٤، ونحوه عن عمر وعلي موقوفاً].
فلا يقطع سارق:
١ - بالسرقة من مال أبيه وإن علا؛ لأن نفقته تجب في مال الأب لابنه حفظًا له، فلا يجوز إتلافه حفظًا للمال.
٢ - ولا بالسرقة من مال ولده وإن سفل؛ لحديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» [أحمد ٦٩٠٢، وابن ماجه ٢٢٩٢]، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، وأعظم الشبهات أخذ الإنسان من مال جعله
стр. 1575
الشرع له، وأمره بأخذه وأكله.
والأب والأم في هذا سواء؛ لأن نفقة كل منهما تجب في مال الآخر.
٣ - ولا بسرقة العبد من مال سيده؛ لما روى السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ وجاءه عبد الله بن عمرو الحضرمي بغلام له، فقال له: إن غلامي هذا سرق فاقطع يده، فقال عمر: «مَا سَرَقَ؟ »، قال: مرآة امرأتي، قيمتها ستون درهمًا، فقال عمر: «أَرْسِلْهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ، وَلَكِنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِكُمْ قُطِعَ» [عبد الرزاق ١٨٨٦٦]، ونحوه عن ابن مسعود ﵁ [ابن أبي شيبة ٢٨٥٦٩].
وأم الولد والمدبر والمكاتب؛ كالقن في عدم القطع بسرقة مال السيد؛ لأنهم ملكه كالقن.
٤ - ولا بسرقة أحد الزوجين من مال الآخر، ولو كان محرزاً، لأثر عمر السابق؛ فإذا لم يقطع عبده بسرقة مالها؛ فهو أولى، ولأن كلًّا منهما يرث صاحبه بغير حجب ويتبسط بماله، أشبه الولد والوالد.
واختار ابن عثيمين: أن سرقة الزوج من مال زوجته المحرز؛ توجب القطع؛ للعمومات.
٥ - ولا بسرقة سيد من مال مكاتَبِه؛ للشبهة؛ لأنه يملك تعجيزه في الجملة.
стр. 1576
٦ - ولا بسرقة مسلم من بيت المال، ؛ لقول عمر ﵁ فيمن سرق من بيت المال: «لَا تَقْطَعْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا» [عبد الرزاق ١٨٨٧٤].
ولو كان السارق قنًّا إن كان سيده مسلمًا، كما في الإقناع والغاية، وصححه في التنقيح؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن عبداً سرق من الخمس، فلم يقطعه النبي ﷺ ، وقال: «مَالُ الله ، سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا» [ابن ماجه ٢٥٩٠، وضعفه الألباني]، ولأن قن المسلم له شبهة، وهو أن سيده لو افتقر عن نفقته، ولم يكن للقن كسب في نفسه؛ كانت نفقته في بيت المال.
وقدم في المنتهى: أن القن يقطع إذا سرق من بيت المال.
٧ - ولا بسرقة من غنيمة لم تُخمَّس؛ لوروده عن علي ﵁ [عبد الرزاق ١٨٨٧١]، ولأن لبيت المال فيها حقًّا، وهو خمس الخمس، وذلك شبهة فيدرأ بها الحد.
فإن كان بعد إخراج الخمس: فيقطع؛ لعدم الشبهة.
٨ - ولا بالسرقة من مال له فيه شرك؛ كالمال المشترك بينه وبين شريكه؛ لقيام الشبهة فيه؛ لأنه إذا لم يقطع الأب بسرقة مال ابنه لأن له فيه شبهة؛ فألا يقطع بالسرقة من مال شريكه من باب أولى.
- فرع: يقطع باقي الأقارب بالسرقة من مال أقاربهم؛ كالإخوة، والأخوات، والأعمام، والأخوال؛ لأن القرابة هنا لا تمنع قبول الشهادة من
стр. 1577
أحدهما على الآخر، فلا تمنع القطع، ولأن الآية والأخبار تعم كل سارق، خرج منه عمودا النسب بالدليل، فبقي ما عداهما على الأصل.
(وَ) الشرط السابع: (ثُبُوتُهَا) أي: السرقة؛ لأن الله تعالى أوجب القطع على السارق، ولا يتحقق ذلك إلا بثبوته، وتثبت السرقة بأحد أمرين:
١ - (بِشَهَادَةِ) رجلين (عَدْلَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والأصل عمومه؛ لكن خولف فيما فيه دليل خاص، فيبقى ما عداه على عمومه، وتقدم في حد الزنى.
(يَصِفَانِهَا) أي: السرقة في شهادتهما، ويصفان الحرز، وجنس النصاب، وقدره؛ لاختلاف العلماء في ذلك، فربما ظن الشاهد القطع بما لا يراه الحاكم.
٢ - (أَوْ) بـ (إِقْرَارِ) السارق (مَرَّتَيْنِ)؛ لحديث أبي أمية المخزومي ﵁: أن النبي ﷺ ، أتي بلص قد اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ﷺ : «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ»، قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع [أحمد ٢٢٥٠٨، وأبو داود ٤٣٨٠، والنسائي ٤٨٧٧، وابن ماجه ٢٥٩٧]، وعن علي ﵁: أنه جيء برجل، فقال: إني سرقت، فرده، فقال: إني سرقت، فقال: «شَهِدْتَ عَلَى نَفْسِكَ مَرَّتَيْنِ» فقطعه [عبد الرزاق ١٨٧٨٣]، ولأنه يتضمن إتلافًا، فكان من شرطه التكرار؛ كحد الزنى.
стр. 1578
واختار ابن عثيمين: يكفي إقراره مرة واحدة؛ لأنه حق يثبت بالإقرار، فلم يعتبر فيه التكرار؛ كحق الآدمي.
- فرع: يكون الإقرار (مَعَ وَصْفِ) السرقة في اعترافه في كل مرة، فيذكر فيه النصاب والحرز وغير ذلك؛ لاحتمال ظنه وجوب القطع عليه مع فوات شرط من شروطه.
(وَ) لا بد من (دَوَامٍ عَلَيْهِ) أي: على إقراره؛ بألا يرجع عن إقراره حتى يُقطع، فإن رجع عن إقراره؛ قُبِل رجوعه، ولا قطع عليه؛ لحديث أبي أمية السابق: «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ» عرَّض له ليرجع، ولو لم يسقط الحد برجوعه لم يكن في ذلك فائدة، ولأن حجة القطع زالت قبل استيفائه، فسقط كما لو رجع الشهود.
بخلاف ما لو ثبت القطع ببينة شهدت على فعله، فإن إنكاره لا يقبل منه، بل يقطع.
واختار ابن عثيمين: لا يشترط عدم الرجوع، بل إذا أقر بالسرقة أقيم عليه الحد؛ لأن العادة تمنع أن يدعي أحد على نفسه بالسرقة ثم ينفيه.
(وَ) الشرط الثامن: (مُطَالَبَةُ مَسْرُوقٍ مِنْهُ) بماله، (أَوْ) مطالبة (وَكِيلِهِ) بماله، (أَوْ) مطالبة (وَلِيِّهِ) إن كان محجوراً عليه؛ لحديث صفوان بن أمية ﵁: أن رجلًا سرق بردة له، فرفعه إلى النبي ﷺ ، فأمر بقطعه، فقال: يا رسول الله، قد تجاوزت عنه، فقال: «أَبَا وَهْبٍ، أَفَلَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنَا بِهِ»،
стр. 1579
فقطعه رسول الله ﷺ [أحمد ١٥٣٠٣، والنسائي ٤٨٧٨، وابن ماجه ٢٥٩٥]، ولأن المال يباح بالبذل والإباحة، فيحتمل أن يكون مالكه أباحه إياه، أو وقفه على جماعة المسلمين، أو أذن له في دخول حرزه، فاعتبرت المطالبة؛ لتزول الشبهة.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا تشترط مطالبة المسروق بماله إذا بلغت السلطان؛ لعموم الآية، ولأن موجب القطع ثبت، فوجب من غير مطالبة؛ كحد الزنى.
- مسألة: (فَإِذَا وَجَبَ) القطع؛ لاجتماع شروطه:
١ - (قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنَى)، قال في المغني: (بلا خلاف)؛ لقراءةِ ابنِ مسعودٍ ﵁: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما» [البيهقي ١٧٢٤٧]، ولأن السرقة جناية اليمنى غالباً، (مِنْ مَفْصِلِ كَفِّهِ)، لقول عمر ﵁: «أَنَّهُ قَطَعَ الْيَدَ مِنَ المَفْصِلِ» [ابن أبي شيبة ٢٨٦٠١]، ولأنها آلة السرقة غالبًا، فناسب عقوبته بإعدام آلتها.
(وَحُسِمَتْ) وجوبًا، والحسم: أن يغمس موضع القطع من مفصل الذراع في زيت مغلي؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ , ثُمَّ احْسِمُوهُ , ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ» [الدارقطني ٣١٦٣، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم]، والحكمة في الحسم: أن العضو إذا قُطع فغمس في الزيت المغلي انسدت أفواه العروق، فينقطع الدم، إذ لو ترك بلا حسم؛ لنزف الدم، فأدى إلى موته.
стр. 1580
واختار ابن قدامة: أن الحسم مستحب؛ لضعف الحديث، ولأن عليه القطع لا مداواة المحدود.
٢ - (فَإِنْ عَادَ) فسرق: (قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرَى)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ, وَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ, فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ, فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» [الدارقطني ٣٣٩٢، قال ابن الملقن: بإسناد واه]، ولأنه قول أبي بكر وعمر وعلي ﵃ [عبدالرزاق ١٠/ ١٨٦/١٨٧]، ولا مخالف لهم في الصحابة فكان كالإجماع، وإنما قطعت الرجل اليسرى؛ لقوله تعالى: ﴿أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف﴾ [المائدة: ٣٣]، وإذا ثبت ذلك في المحاربة ثبت في السرقة قياسًا عليها، ولأن قطع الرجل اليسرى أرفق به؛ لأن المشي على الرجل اليمنى أسهل وأمكن، ويبعد في العادة أن يتمكن من المشي على اليسرى، فوجب قطع اليسرى؛ لئلا تتعطل منه منفعة بلا ضرورة.
وتُقطع رجله اليسرى (مِنْ مَفْصِلِ كَعْبِهِ) بترك عقبه؛ لما روي: «أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَقْطَعُ الْقَدَمَ مِنْ مَفْصِلِهَا» [عبد الرزاق ١٨٧٥٩]، (وَحُسِمَتْ) وجوباً؛ لما سبق.
٣ - (فَإِنْ عَادَ) للسرقة ثالثاً: (حُبِسَ حَتَّى يَتُوبَ)، وحرم قطعه؛ لوروده