← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

٦ - ولا بسرقة مسلم من بيت المال، ؛ لقول عمر ﵁ فيمن سرق من بيت المال: «لَا تَقْطَعْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا» [عبد الرزاق ١٨٨٧٤]. ولو كان السارق قنًّا إن كان سيده مسلمًا، كما في الإقناع والغاية، وصححه في التنقيح؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن عبداً سرق من الخمس، فلم يقطعه النبي ﷺ ، وقال: «مَالُ الله ، سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا» [ابن ماجه ٢٥٩٠، وضعفه الألباني]، ولأن قن المسلم له شبهة، وهو أن سيده لو افتقر عن نفقته، ولم يكن للقن كسب في نفسه؛ كانت نفقته في بيت المال. وقدم في المنتهى: أن القن يقطع إذا سرق من بيت المال. ٧ - ولا بسرقة من غنيمة لم تُخمَّس؛ لوروده عن علي ﵁ [عبد الرزاق ١٨٨٧١]، ولأن لبيت المال فيها حقًّا، وهو خمس الخمس، وذلك شبهة فيدرأ بها الحد. فإن كان بعد إخراج الخمس: فيقطع؛ لعدم الشبهة. ٨ - ولا بالسرقة من مال له فيه شرك؛ كالمال المشترك بينه وبين شريكه؛ لقيام الشبهة فيه؛ لأنه إذا لم يقطع الأب بسرقة مال ابنه لأن له فيه شبهة؛ فألا يقطع بالسرقة من مال شريكه من باب أولى. - فرع: يقطع باقي الأقارب بالسرقة من مال أقاربهم؛ كالإخوة، والأخوات، والأعمام، والأخوال؛ لأن القرابة هنا لا تمنع قبول الشهادة من

стр. 1577

أحدهما على الآخر، فلا تمنع القطع، ولأن الآية والأخبار تعم كل سارق، خرج منه عمودا النسب بالدليل، فبقي ما عداهما على الأصل. (وَ) الشرط السابع: (ثُبُوتُهَا) أي: السرقة؛ لأن الله تعالى أوجب القطع على السارق، ولا يتحقق ذلك إلا بثبوته، وتثبت السرقة بأحد أمرين: ١ - (بِشَهَادَةِ) رجلين (عَدْلَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والأصل عمومه؛ لكن خولف فيما فيه دليل خاص، فيبقى ما عداه على عمومه، وتقدم في حد الزنى. (يَصِفَانِهَا) أي: السرقة في شهادتهما، ويصفان الحرز، وجنس النصاب، وقدره؛ لاختلاف العلماء في ذلك، فربما ظن الشاهد القطع بما لا يراه الحاكم. ٢ - (أَوْ) بـ (إِقْرَارِ) السارق (مَرَّتَيْنِ)؛ لحديث أبي أمية المخزومي ﵁: أن النبي ﷺ ، أتي بلص قد اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ﷺ : «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ»، قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع [أحمد ٢٢٥٠٨، وأبو داود ٤٣٨٠، والنسائي ٤٨٧٧، وابن ماجه ٢٥٩٧]، وعن علي ﵁: أنه جيء برجل، فقال: إني سرقت، فرده، فقال: إني سرقت، فقال: «شَهِدْتَ عَلَى نَفْسِكَ مَرَّتَيْنِ» فقطعه [عبد الرزاق ١٨٧٨٣]، ولأنه يتضمن إتلافًا، فكان من شرطه التكرار؛ كحد الزنى.

стр. 1578

واختار ابن عثيمين: يكفي إقراره مرة واحدة؛ لأنه حق يثبت بالإقرار، فلم يعتبر فيه التكرار؛ كحق الآدمي. - فرع: يكون الإقرار (مَعَ وَصْفِ) السرقة في اعترافه في كل مرة، فيذكر فيه النصاب والحرز وغير ذلك؛ لاحتمال ظنه وجوب القطع عليه مع فوات شرط من شروطه. (وَ) لا بد من (دَوَامٍ عَلَيْهِ) أي: على إقراره؛ بألا يرجع عن إقراره حتى يُقطع، فإن رجع عن إقراره؛ قُبِل رجوعه، ولا قطع عليه؛ لحديث أبي أمية السابق: «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ» عرَّض له ليرجع، ولو لم يسقط الحد برجوعه لم يكن في ذلك فائدة، ولأن حجة القطع زالت قبل استيفائه، فسقط كما لو رجع الشهود. بخلاف ما لو ثبت القطع ببينة شهدت على فعله، فإن إنكاره لا يقبل منه، بل يقطع. واختار ابن عثيمين: لا يشترط عدم الرجوع، بل إذا أقر بالسرقة أقيم عليه الحد؛ لأن العادة تمنع أن يدعي أحد على نفسه بالسرقة ثم ينفيه. (وَ) الشرط الثامن: (مُطَالَبَةُ مَسْرُوقٍ مِنْهُ) بماله، (أَوْ) مطالبة (وَكِيلِهِ) بماله، (أَوْ) مطالبة (وَلِيِّهِ) إن كان محجوراً عليه؛ لحديث صفوان بن أمية ﵁: أن رجلًا سرق بردة له، فرفعه إلى النبي ﷺ ، فأمر بقطعه، فقال: يا رسول الله، قد تجاوزت عنه، فقال: «أَبَا وَهْبٍ، أَفَلَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنَا بِهِ»،

стр. 1579

فقطعه رسول الله ﷺ [أحمد ١٥٣٠٣، والنسائي ٤٨٧٨، وابن ماجه ٢٥٩٥]، ولأن المال يباح بالبذل والإباحة، فيحتمل أن يكون مالكه أباحه إياه، أو وقفه على جماعة المسلمين، أو أذن له في دخول حرزه، فاعتبرت المطالبة؛ لتزول الشبهة. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا تشترط مطالبة المسروق بماله إذا بلغت السلطان؛ لعموم الآية، ولأن موجب القطع ثبت، فوجب من غير مطالبة؛ كحد الزنى. - مسألة: (فَإِذَا وَجَبَ) القطع؛ لاجتماع شروطه: ١ - (قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنَى)، قال في المغني: (بلا خلاف)؛ لقراءةِ ابنِ مسعودٍ ﵁: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما» [البيهقي ١٧٢٤٧]، ولأن السرقة جناية اليمنى غالباً، (مِنْ مَفْصِلِ كَفِّهِ)، لقول عمر ﵁: «أَنَّهُ قَطَعَ الْيَدَ مِنَ المَفْصِلِ» [ابن أبي شيبة ٢٨٦٠١]، ولأنها آلة السرقة غالبًا، فناسب عقوبته بإعدام آلتها. (وَحُسِمَتْ) وجوبًا، والحسم: أن يغمس موضع القطع من مفصل الذراع في زيت مغلي؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ , ثُمَّ احْسِمُوهُ , ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ» [الدارقطني ٣١٦٣، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم]، والحكمة في الحسم: أن العضو إذا قُطع فغمس في الزيت المغلي انسدت أفواه العروق، فينقطع الدم، إذ لو ترك بلا حسم؛ لنزف الدم، فأدى إلى موته.

стр. 1580

واختار ابن قدامة: أن الحسم مستحب؛ لضعف الحديث، ولأن عليه القطع لا مداواة المحدود. ٢ - (فَإِنْ عَادَ) فسرق: (قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرَى)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ, وَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ, فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ, فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» [الدارقطني ٣٣٩٢، قال ابن الملقن: بإسناد واه]، ولأنه قول أبي بكر وعمر وعلي ﵃ [عبدالرزاق ١٠/ ١٨٦/١٨٧]، ولا مخالف لهم في الصحابة فكان كالإجماع، وإنما قطعت الرجل اليسرى؛ لقوله تعالى: ﴿أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف﴾ [المائدة: ٣٣]، وإذا ثبت ذلك في المحاربة ثبت في السرقة قياسًا عليها، ولأن قطع الرجل اليسرى أرفق به؛ لأن المشي على الرجل اليمنى أسهل وأمكن، ويبعد في العادة أن يتمكن من المشي على اليسرى، فوجب قطع اليسرى؛ لئلا تتعطل منه منفعة بلا ضرورة. وتُقطع رجله اليسرى (مِنْ مَفْصِلِ كَعْبِهِ) بترك عقبه؛ لما روي: «أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَقْطَعُ الْقَدَمَ مِنْ مَفْصِلِهَا» [عبد الرزاق ١٨٧٥٩]، (وَحُسِمَتْ) وجوباً؛ لما سبق. ٣ - (فَإِنْ عَادَ) للسرقة ثالثاً: (حُبِسَ حَتَّى يَتُوبَ)، وحرم قطعه؛ لوروده

стр. 1581

عن علي ﵁، ورجع عمر لقول علي ﵄ (١) [عبدالرزاق ١٠/ ١٨٦]، ولأن قطع الكل يُفوِّت منفعة الجنس، فلم يشرع؛ كالقتل. وقال في الفروع: (وقياس قول شيخنا- يعني شيخ الإسلام-: أن السارق كالشارب في الرابعة، يقتل عنده إذا لم ينته بدونه)، قال المرداوي: (بل هذا أولى عنده، وضرره أعظم). ٤ - مسألة: (وَمَنْ سَرَقَ ثَمَراً)، أو طَلْعاً، أو جُمَّاراً، (أَوْ مَاشِيَةً) في المرعى (مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ)؛ كأخذه من رؤوس النخل والشجر من بستان ولو كان عليه حائط؛ (غُرِّمَ قِيمَتَهُ) أي: قيمة المسروق (مَرَّتَيْنِ)؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن الثمر المعلق؟ فقال: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ؛ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» [أحمد ٦٧٤٦، وأبو داود ٤٣٩٠، والنسائي ٤٩٥٨، ابن ماجه ٢٥٩٦]، وزاد في رواية أحمد وابن

стр. 1582

ماجه: الشاة الحريسة منهن يا رسول الله؟ قال: «ثَمَنُهَا وَمِثْلُهُ مَعَهُ وَالنَّكَالُ، وَمَا كَانَ فِي المُرَاحِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ، إِذَا كَانَ مَا يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ»، واحتج أحمد: «أَنَّ عُمَرَ غَرَّمَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ حِينَ نَحَرَ غِلْمَانُهُ نَاقَةَ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةُ مِثْلَيْ قِيمَتِهَا» [عبد الرزاق ١٨٩٧٧]، ولأن الثمار في العادة تسبق اليد إليها، فجاز أن تغلظ قيمتها على سارقها؛ ردعاً له. (وَلَا قَطْعَ) عليه؛ لحديث رافع بن خديج مرفوعًا: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» [أحمد ١٥٨٠٤، وأبو داود ٤٣٨٨، والترمذي ١٤٤٩، والنسائي ٤٩٦٠، وابن ماجه ٢٥٩٣]، ولفوات شرطه، وهو الحرز. فإن سرق من الثمر نصابًا بعد إيوائه الحرز؛ كجرين ونحوه، أو سرق نصابًا من ثمر من شجرة في دار محرزة؛ قُطع؛ للحديث السابق، وفيه: «وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ؛ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ». - فرع: لا تضعيف في غير الثمر والكثر والماشية، بل يضمن بقيمته مرة واحدة إن كان متقومًا، أو بمثله إن كان مثليًّا؛ لأن التضعيف فيها على خلاف القياس للنص، فلا يجاوز به محل النص. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن كل مسروق من غير حرز تضاعف على السارق العقوبة مرتين؛ لأن العلة هي عدم الحرز، فيقاس عليه غيره، ويؤيده أن عمر ﵁ كان إذا نهى الناس عن شيء جمع أهل بيته فقال: «إِنَّ النَّاسَ لَيَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ إِلَى اللَّحْمِ، وَايْمُ الله لا أَجِدُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَعَلَهُ إِلَّا

стр. 1583

أَضْعَفْتُ لَهُ الْعُقُوبَةَ ضِعْفَيْنِ» [ابن أبي شيبة ٣٠٦٤٣]، والقاعدة: (من سقطت عنه العقوبة لموجب ضوعف عليه الضَّمان). - مسألة: (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَشْتَرِيهِ، أَوْ) ما (يُشْتَرَى بِهِ زَمَنَ مَجَاعَةِ غَلَاءٍ)، أي: مجاعة سببها غلاء، قال جماعة: ما لم يبذل له ولو بثمن غالٍ؛ (لَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَةٍ)؛ لقول عمر ﵁: «لَا يُقْطَعُ فِي عَامِ السَّنَةِ» [عبد الرزاق ١٨٩٩٠]، ولما روى عبدالرحمن بن حاطب قال: توفي حاطب وترك أعبدًا، فأرسل إلي عمر ذات يوم ظهراً وهم عنده، فقال: «هَؤُلَاءِ أَعْبُدُكَ سَرَقُوا وَقَدَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ مَا وَجَبَ عَلَى السَّارِقِ، وَانْتَحَرُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ اعْتَرَفُوا بِهَا»، ومعهم المُزني، فأمر عمر أن تقطع أيديهم، ثم أرسل وراءه فرده، ثم قال لعبد الرحمن بن حاطب: «أَمَا وَاللهِ لَوْلَا أَنِّي أَظُنُّ أَنَّكُمْ تَسْتَعْمِلُونَهُمْ وَتُجِيعُونَهُمْ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَجِدُ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ لَأَكَلَهُ، لَقَطَعْتُ أَيْدِيَهُمْ، وَلَكِنْ وَاللهُ إِذْ تَرَكْتُهُمْ لَأُغَرِّمَنَّكَ غَرَامَةً تُوجِعُكَ»، ثم قال للمُزني: «كَمْ ثَمَنُهَا؟ » قال: كنت أمنعها من أربع مائة، قال: «أَعْطِهِ ثَمَانِ مِائَةٍ» [عبد الرزاق ١٨٩٧٧]، فدرأ عنهم القطع لمَّا ظنَّه يجيعهم.

стр. 1584

قال القاضي: يتضاعف الغرم فيها أيضاً من غير قطع؛ لأن أحمد احتج بحديث عمر في رقيق حاطب، وفيه تضعيف الغرم. (فَصْلٌ) في حد قطَّاع الطريق وهم: المكلفون المُلتزِمون من المسلمين وأهل الذمة، ولو كان أنثى، الذين يَعْرِضون للناس بسلاح، ولو كان سلاحهم عصًا أو حجرًا، في صحراء أو بنيان أو بحر، فيغصبون مالًا محترمًا مجاهرة، لا سرقة. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، ولأثر ابن عباس ﵄ أنه قال في قطاع الطريق: «إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَصُلِّبُوا، وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَلَمْ يُصَلَّبُوا، وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَإِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نُفُوا مِنَ الْأَرْضِ» [مسند الشافعي ١/ ٣٣٦]. - مسألة: (وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ) أربعة (أَنْوَاعٍ): (فَـ) النوع الأول: (مَنْ مِنْهُمْ قَتَلَ) قتيلاً لأخذ المال، سواء كان القتيل (مُكَافِئاً) للقاتل (أَوْ غَيْرَهُ) أي: غير مكافئ له، كما لو قتل من لا يقاد به لو

стр. 1585

قتله في غير المحاربة؛ (كَوَلَدٍ) يقتله أبوه، أو ذمي يقتله مسلم، (وَأَخَذَ المَالَ): ١ - (قُتِلَ) وجوباً، إجماعاً؛ لآية الحرابة السابقة، ولو عفا عنه ولي المقتول؛ لأنه لحق الله تعالى، فلا يسقط بعفو الولي؛ كالسرقة، ولا تعتبر المكافأة في القتل؛ لأنه أجري مجرى الحدود، فلم يدخله العفو كبقيتها. ٢ - (ثُمَّ صُلِبَ مُكَافِئٌ) يقاد به لو قتله في غير المحاربة- دون غير المكافئ فلا يصلب-، ويكون الصلب (حَتَّى يَشْتَهِرَ)؛ ليرتدع غيره؛ لأن المقصود زجر غيره، ولا يحصل إلا به، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أن يقتلوا أو يصلبوا﴾ [المائدة: ٣٣]. واختار ابن عثيمين في حاشيته على الروض: يصلب مطلقاً، ولو كان غير مكافئ؛ لعموم الآية، ولأنه إذا ثبت القتل في غير المكافئ فالصلب أولى، وقال: (وظاهر عبارة الفروع والإنصاف والمحرر الصلب مطلقاً). - فرع: لا يقطع مع القتل والصلب؛ لأنه لم يذكر معهما في أثر ابن عباس ﵄ السابق، ولأن القتل والقطع عقوبتان تتضمن إحداهما الأخرى، لأن إتلاف البدن يتضمن إتلاف اليد وغيرها، فاكتفي بقتله. (وَ) النوع الثاني: (مَنْ قَتَلَ) لقصد المال (فَقَطْ)، أي: ولم يأخذ المال: (قُتِلَ حَتْماً) أي: وجوباً، ولا أثر لعفو الولي، (وَلَا صَلْبَ)؛ لأثر ابن عباس

стр. 1586

السابق، ولأن جنايتهم بالقتل، وأخذ المال تزيد على جنايتهم بالقتل وحده، فوجب اختلاف العقوبتين. (وَ) النوع الثالث: (مَنْ أَخَذَ المَالَ فَقَطْ) ولم يَقْتُل: (قُطِعَتْ يَدُهُ) أي: يد كل واحد من المحاربين (اليُمْنَى، ثُمَّ رِجْلُهُ اليُسْرَى)؛ لقوله تعالى: (أو تقطع أيديهم وأرجاهم من خلاف)، ورفقاً به في إمكان مشيه، على الترتيب وجوباً؛ لظاهر الآية والخبر، (فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ)، فلا ينظر بقطع إحداهما اندمال الأخرى؛ لأنه تعالى أمر بقطعهما بلا تعرض للتأخير، والأمر للفور، فتقطع يمنى يديه وتحسم، ثم رجله اليسرى وتحسم، (وَحُسِمَتَا) وجوباً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ -في السرقة- مرفوعاً: «اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ , ثُمَّ احْسِمُوهُ , ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ» [الدارقطني ٣١٦٣، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم]، (وَخُلِّيَ) سبيله؛ لاستيفاء ما لزمه؛ كالمدين يوفي دينه. (وَ) النوع الرابع: (إِنْ أَخَافَ السَّبِيلَ) أي: الطريق (فَقَطْ)، فلم يقتل أحداً، ولم يأخذ مالاً؛ (نُفِيَ وَشُرِّدَ)، أي: طُرِد، ولو عبدًا، فلا يُترك يأوي إلى بلد حتى تظهر توبته عن قطع الطريق؛ لقوله تعالى: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: ٣٣]، ولأن المناسب أن يكون الأخف بإزاء الأخف.

стр. 1587

وقال ابن عثيمين: ولو قال قائل: بأنه إذا لم يمكن اتقاء شرهم إلا بحبسهم حبسوا، وإن أمكن اتقاء شرهم بتشريدهم شردوا، لو قال قائل بهذا لكان له وجه. - فرع: حد الحرابة يكون على حسب الجناية، على ما سبق تفصيله؛ لأثر ابن عباس السابق، ولأن القرآن بدأ في عقوبات الحرابة بالأغلظ، والمعهود البداءة بالأغلظ فيما أريد به الترتيب؛ ككفارة الظهار والقتل؛ والبداءة بالأخف فيما أريد به التخيير؛ ككفارة اليمين، و (أو) في الآية للتنويع لا للتخيير، واختاره ابن عثيمين. - مسألة: (وَشُرِطَ) لوجوب حد المحارب ثلاثة شروط: الأول: (ثُبُوتُ ذَلِكَ) أي: قطع الطريق (بِبَيِّنَةٍ، أَوْ) بـ (إِقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ)؛ كالسرقة. (وَ) الثاني: (حِرْزٌ)، بأن يأخذه من يد مستحِقِّه وهو بالقافلة، فلو وجده مطروحًا، أو أخذه من سارقه أو غاصبه، أو منفردًا عن قافلة؛ لم يكن محاربًا. (وَ) الثالث: (نِصَابٌ) يقطع به السارق؛ لعموم حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» [مسلم ١٦٨٤]. ولا يشترط أن يبلغ نصيب كل واحد من المحاربين نصابًا كاملًا، بل إذا

стр. 1588

أخذوا جميعا نصابًا كاملًا فعليهم الحد؛ لأن النصاب أحد شرطي القطع، فإذا اشترك الجماعة فيه كانوا كالواحد، قياسًا على هتك الحرز. واختار ابن عثيمين: لا يشترط الحرز والنصاب، بل يقطع مطلقاً؛ لأنه محارب لله ورسوله، ساعٍ في الأرض بالفساد، فيدخل في عموم الآية. - مسألة: (وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ) أي: من قطاع الطريق (قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ سَقَطَ عَنْهُ حَقُّ اللهِ تَعَالَى) من نفي، وقطع يد ورجل، وصلب، وتحَتُّم قتل، قال في المبدع: (بغير خلاف نعلمه)؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٣٤]، (وَأُخِذَ بِحَقِّ آدَمِيٍّ) من الأنفس والأموال والجراح، إلا أن يُعفى لهم عنها؛ لأنها حقوق عليهم لم يعف عنها، فلم تسقط؛ كغير المحارب، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٣٤]، فإنه يشعر بسقوط حقه دون حق غيره المبني على المشاحة. وأما من تاب منهم بعد القدرة عليه؛ فلا يسقط عنه شيء مما وجب عليه؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿من قبل أن تقدروا عليهم﴾ [المائدة: ٣٤]، ولأن ظاهر حال من تاب قبل القدرة أن توبته توبة إخلاص، وأما بعدها فالظاهر أنها توبة تقية من إقامة الحد عليه.

стр. 1589

- مسألة: (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ) فلا يخلو من أمرين: الأول: أن يكون حدًّا (لِلهِ) تعالى؛ من حد سرقة أو زنىً أو شرب، (فَـ) إن (تَابَ) منه (قَبْلَ ثُبُوتِهِ) عند الحاكم؛ (سَقَطَ) عنه بمجرد توبته قبل إصلاح عمل؛ لقوله تعالى: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ [النساء: ١٦]، وقوله بعد ذكر حد السارق: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح، فإن الله يتوب عليه﴾ [المائدة: ٣٩]، ولحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» [ابن ماجه ٤٢٥٠]، ولأنه خالص حق الله تعالى فيسقط بالتوبة؛ كحد المحارب. وإن ثبت عند الحاكم لم يسقط بالتوبة؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» [أبو داود ٤٣٧٦، والنسائي ٤٨٨٥]. الثاني: أن يكون الحد لآدمي؛ كحد القذف: فلا يسقط؛ لعموم الأدلة. فصل في دفع الصائل - مسألة: (وَمَنْ أُرِيدَ) أخْذ (مَالِهِ) ولو قل، (أَوْ) أريدت (نَفْسُهُ)، أي: قُصِدت لقتل أو يُفعل بها الفاحشة، (أَوْ) أريدت (حُرْمَتُهُ)؛ كأمه وأخته

стр. 1590

وزوجته ونحوهنّ لزنىً أو قتل: فله دفعه عن نفسه وحرمته وماله بأسهل شيء يظن اندفاعه به؛ لئلا يؤدي إلى تلفه وأذاه وتسلط الناس بعضهم على بعض، فيفضي إلى الهرج والمرج، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله؛ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قَاتِلْهُ»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ» [مسلم ١٤٠]، ولأن الغرض من ذلك الدفع، فإن اندفع بالأسهل حرم الأصعب؛ لعدم الحاجة إليه. (وَ) إن (لَمْ يَنْدَفِعِ المُرِيدُ إِلَّا بِالقَتْلِ؛ أُبِيحَ) قتله، (وَلَا ضَمَانَ) عليه؛ لظاهر الخبر السابق. - فرع: حكم دفع الصائل لا يخلو من أقسام: ١ - أن يكون الدفع عن نسائه: فهو واجب؛ فمن رأى مع امرأته أو بنته ونحوها رجلًا يزني بها، أو مع ولده ونحوه رجلًا يلوط به؛ وجب عليه قتله إن لم يندفع بدونه؛ لأنه يؤدي به حق الله تعالى من الكف عن الفاحشة، وحق نفسه بالمنع عن أهله، فلا يسعه إضاعة الحقين. ٢ - أن يكون الدفع عن نفسه أو عن غيره، فلا يخلو: أ-أن يكون الدفع في غير فتنة: فالدفع واجب؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا

стр. 1591

بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]، وكما يحرم عليه قتل نفسه يحرم عليه إباحة قتلها، ولأنه قدر على إحياء نفسه فوجب عليه فعل ما يتقي به؛ كالمضطر للميتة. وكذا الدفع عن نفس غيره إذا ظن سلامة نفسه فهو واجب؛ كإحياء نفس غيره ببذل طعامه له. ب أن يكون الدفع في فتنة: فلا يجب الدفع عن نفسه؛ لحديث خباب بن الأرت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في الفتنة: «فَإِنْ أَدْرَكْتَ ذَاكَ، فَكُنْ عَبْدَ اللهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللهِ الْقَاتِلَ» [أحمد ٢١٠٦٤]، ولأن عثمان ﵁ ترك القتال على من بغى عليه مع القدرة عليه، ومنع غيره قتالهم، وصبر على ذلك، ولو لم يجز؛ لأنكر الصحابة عليه بذلك. ٣ - أن يكون الدفع عن ماله: فلا يلزمه الدفع عن ماله، ولا حفظه من الضياع والهلاك؛ لأنه يجوز بذله. - مسألة: إن قتل رجلًا، وادعى أنه هجم عليه في منزله، وأنه لم يمكنه دفعه إلا بالقتل؛ لم يُقبل قوله بغير بينة؛ لأن البينة على المدعي. واختار شيخ الإسلام: أن المقتول إن كان معروفًا بالفجور، والقاتل معروفاً بالبر؛ فالقول قول القاتل مع يمينه، لا سيما إذا كان معروفاً بالتعرض له قبل ذلك؛ لأن وجود البينة في مثل هذه الأحوال متعذر أو متعسر، ولا يمكن إصلاح الخلق إلا بهذا، ووافقه ابن عثيمين، وقال: يعمل بالقرائن.

стр. 1592

فصل في قتال أهل البغي البغي: هو الجور، والظلم، والعدول عن الحق. والمراد هنا: الظلمة الخارجون عن طاعة الإمام، المعتدون عليه. والأصل في قتالهم: قوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩]، ولحديث عرفجة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ؛ فَاقْتُلُوهُ» [مسلم ١٨٥٢]. - مسألة: الخارجون عن طاعة الإمام أربعة أصناف: الأول: قوم امتنعوا من طاعته، وخرجوا عن قبضته بغير تأويل-أي: شبهة-، أو تأويل غير سائغ، فهؤلاء قطاع الطريق، وتقدم ذكرهم في الفصل قبله. الثاني: قوم لهم تأويل، إلا أنهم نفر يسير لا قوة لهم؛ كالعشرة ونحوهم، وحكمهم حكم قطاع الطريق، لأنا لو أثبتنا للعدد اليسير حكم البغاة في سقوط ضمان ما أتلفوا؛ أفضى إلى إتلاف أموال الناس. الثالث: الخوارج الذين يكفرون المسلم بالذنب، ويكفرون أهل الحق، وكثيرًا من الصحابة ﵃، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إلا من خرج

стр. 1593

معهم: فهم فسقة باعتقادهم الفاسد، قال في المبدع: (تتعين استتابتهم، فإن تابوا وإلا قتلوا على إفسادهم لا على كفرهم). وعنه، وصوبه المرداوي، واختاره ابن باز: أنهم كفار مرتدون، حكمهم حكم المرتدين؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: قال رسول الله ﷺ في الخوارج: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» [البخاري ٣٦١٠، ومسلم ١٠٦٤]، قال أحمد: (الخوارج كلاب النار، صح الحديث فيهم من عشرة أوجه). الرابع: قوم من أهل الحق، بايعوا الإمام، وأرادوا عزله أو مخالفته، بتأويل سائغ، صواب أو خطأ، ولهم منعة وشوكة بحيث يحتاج في كفهم إلى جمع جيش، وهم البغاة المقصودون هنا. فمن خرج على إمام ولو غير عدل، بأحد هذه الوجوه الأربعة باغياً: وجب قتاله؛ لما تقدم أول الفصل. - مسألة: (وَالبُغَاةُ: ذُوُوا شَوْكَةٍ يَخْرُجُونَ عَلَى الإِمَامِ) ولو غير عدل، (بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ)، ولو لم يكن فيهم مطاع، أو كانوا في طرف ولايته، أو في موضع متوسط تحيط به ولايته، أو لا؛ لعموم الأدلة، (فَيَلْزَمُهُ) أي: الإمام:

стр. 1594

١ - (مُرَاسَلَتُهُمْ)، ويسألهم ما ينقمون منه؛ لأن ذلك طريق إلى الصلح، ووسيلة إلى الرجوع إلى الحق، وقد روي أن عليًّا ﵁ راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل [الكامل لابن الأثير ٣/ ٢٣٦]، ولما اعتزلته الحرورية بعث إليهم ابن عباس ﵄ فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام، فرجع منهم عشرون ألفًا، وبقي منهم أربعة آلاف [عبدالرزاق ١٨٦٧٨]. ٢ - (وَ) يلزمه (إِزَالَةُ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ شُبْهَةٍ)؛ ليرجعوا إلى الحق، (وَ) إزالة ما يدعونه من (مَظْلَمَةٍ)؛ لأنه وسيلة إلى الصلح المأمور بقوله تعالى: ﴿فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات: ٩]، فإن نقموا ما لا يحل فعله؛ أزاله، وإن نقموا ما يحل فعله لالتباس الأمر فيه عليهم فاعتقدوا مخالفته للحق؛ بين لهم دليله، وأظهر لهم وجهه؛ لما تقدم من بعث علي ابن عباس ﵃ إلى الخوارج يناظرهم ليزيل شبهتهم. - فرع: لا يجوز قتالهم قبل ذلك؛ لأنه يفضي إلى القتل والهرج والمرج قبل دعاء الحاجة إليه، إلا أن يخاف شرهم؛ كالصائل إذا خاف أن يبدأه بالقتل. - فرع: إن أبوا الرجوع؛ وعَظَهم وخوفهم بالقتال؛ لأن المقصود دفع شرهم لا قتلهم، (فَإِنْ فَاؤُوا) أي: رجعوا عن البغي وطلب القتال؛ تَرَكَهم الإمام، (وَإِلَّا) يفيئوا: (قَاتَلَهُمْ) إمام (قَادِرٌ)، وجوباً؛ لإجماع الصحابة على

стр. 1595

قتال الخارجين على أبي بكر ﵁ من مرتدين وبغاة؛ ولقوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩]، وقال شيخ الإسلام: (الأفضل تركه حتى يبدؤوه)؛ لقول علي ﵁ يوم الجمل: «لَا تَبْدَؤُوا الْقَوْمَ بِالْقِتَالِ» [البيهقي ١٦٧٤٣]. ويجب على رعيته معونتهم على حربهم؛ لقوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). فإن لم يكن الإمام قادرًا على قتالهم؛ أخره إلى القدرة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. (فَصْلٌ) في حكم المرتد وهو لغة: الراجع، يقال ارتد، فهو مرتد، إذا رجع. وشرعًا: الذي يكفر بعد إسلامه طوعاً. وأجمعوا على وجوب قتل المرتد إن لم يتب؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» [البخاري ٣٠١٧]. - مسألة: (وَالمُرْتَدُّ) شرعاً: (مَنْ كَفَرَ) بنطق، أو اعتقاد، أو فعل، أو شك، (طَوْعاً)، لا مكرهاً؛ لقوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن

стр. 1596

بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦]. ولو كان هازلاً؛ لقوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب﴾ الآية. (وَلَوْ) كان (مُمَيِّزاً)، فتصح ردته؛ كما يصح إسلامه. إذا كان كفره (بَعْدَ إِسْلَامِهِ)، ولو كان إسلامه كرهًا بحق؛ كمن لا تقبل منه الجزية إذا قوتل على الإسلام، فأسلم ثم ارتد. - فرع: (فَمَتَى): ١ - أشرك بالله تعالى: فقد كفر؛ لقوله تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة). ٢ - أو (ادَّعَى النُّبُوَّةَ)، أو صدَّق من ادعاها: كفر؛ لأنه مكذب لله تعالى في قوله: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ومكذب لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لَا نَبِيَّ بَعْدِي» [البخاري ٣٤٥٥، ومسلم ١٨٤٢]. ٣ - (أَوْ سَبَّ اللهَ، أَوْ) سب (رَسُولَهُ): كفر؛ لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد به. ٤ - (أَوْ جَحَدَهُ) أي: جحد ربوبية الله تعالى، أو جحد وحدانيته: كفر؛ لأن جاحد ذلك مشرك بالله تعالى.

стр. 1597

٥ - (أَوْ) جحد (صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ) الذاتية؛ كالعلم والحياة؛ كفر، قال ابن عقيل: شرطه أن تكون الصفة متفقًا على إثباتها. وقال ابن عثيمين: الإنكار نوعان: الأول: إنكار تكذيب، كمن أنكر اسمًا من أسماء الله، أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول: ليس لله يد، أو أن الله لم يستو على عرشه، أو ليس له عين، فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن تكذيب خبر الله ورسوله، وهو كفر مخرج عن الملة. الثاني: إنكار تأويل، بأن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها، وهذا نوعان: ١ - أن يكون للتأويل مسوِّغ في اللغة العربية: فهذا لا يوجب الكفر؛ لأن التأويل من موانع التكفير. إلا إذا تضمن هذا التأويل نقصًا لله فإنه يكفر؛ لأن إثباته ما يستلزم النقص هو سب لله ، وعيب له، وسب الله تعالى وعيبه كفر. ٢ - أن لا يكون له مسوِّغ في اللغة العربية: فهذا حكمه الكفر؛ لأنه في الحقيقة تكذيبًا، مثل أن يقول في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، المراد بيديه: السماوات والأرض، فهو كفر؛ لأنه لا مسوغ له في اللغة العربية، لكن إن قال: المراد باليد النعمة أو القوة؛ فلا يكفر؛ لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة.

стр. 1598

٦ - ) أَوْ) جحد (كِتَاباً) من كتب الله تعالى، أو شيئاً منها، (أَوْ) جحد (رَسُولاً) مجمعًا عليه، (أَوْ) جحد (مَلَكاً) لله تعالى: كفر؛ لأنه تكذيب لله تعالى. ٧ - (أَوْ) جحد (إِحْدَى العِبَادَاتِ الخَمْسِ) المشار إليها بحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» [البخاري ٨، ومسلم ١٦]: كفر، ومثلها: الطهارة، فيكفر من جحد وجوبها. ٨ - (أَوْ) جحد (حُكْماً ظَاهِراً) بين المسلمين، بخلاف فرض السدس لبنت الابن مع بنت الصلب، فإنه حكم مجمع عليه لكنه غير ظاهر، وكان الحكم (مُجْمَعاً عَلَيْهِ) إجماعًا قطعياً لا سكوتيًا؛ لأن في الإجماع السكوتي شبهة: (كَفَرَ)؛ كجحد تحريم زنىً، وجحد تحريم لحم خنزير، وجحد حل خبز ونحوه، أو شك في تحريم زنىً ولحم خنزير أو في حل خبز ونحوه، وكان مثله لا يجهله؛ لكونه نشأ بين المسلمين، أو كان يجهله مثله، وعرِّف حكمه، وأصر على الجحد أو الشك؛ لأنه مكذب لله تعالى ولرسوله ولسائر الأمة. أو وقع في غير ذلك من نواقض الإسلام، وهي مذكورة في المطولات. - مسألة: يشترط للحكم عليه بالردة شرطان:

стр. 1599

١ - أن يكون مكلفًا؛ لأن الطفل الذي لا يعقل، والمجنون، ومن زال عقله بنوم أو إغماء أو شرب مباح؛ لا تصح ردته، ولا حكم لكلامه، والمميز وإن صحت ردته؛ لا يقتل إلا بعد البلوغ والاستتابة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد ٢٤٦٩٤، وأبو داود ٤٤٠٣، والنسائي ٣٤٣٢، وابن ماجه ٢٠٤١]. ٢ - أن يكون مختارًا؛ لقوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦]. - فرع: يقتل المرتد سواء كان رجلاً أو أنثى؛ لعموم قوله ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، ولأنه فعل يوجب الحد، فاستوى فيه الرجل والمرأة؛ كالزنى. وأما نهيه ﷺ عن قتل المرأة [أحمد ٥٩٥٩]، فالمراد به: الكافرة الأصلية، بدليل أنه لا يقتل الشيوخ بالكفر الأصلي، بخلاف الردة. (فَـ) من توفرت فيه هذه الشروط: فإنه يدعى إلى الإسلام، و (يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) وجوبًا، ويضيق عليه مدة الاستتابة، ويحبس، فإن تاب؛ قُبل منه، ولم يعزر؛ لأن فيه تنفيراً عن الإسلام. (فَإِنْ لَمْ يَتُبْ: قُتِلَ)؛ لحديث جابر ﵁: «أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: أُمُّ مَرْوَانَ ارْتَدَّتْ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ، فَإِنْ رَجَعَتْ

стр. 1600

وَإِلَّا قُتِلَتْ» [الدارقطني ٣٢١٥]، ولقول عمر ﵁ فيمن ارتد فقتله أبو موسى ﵁: «أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللهِ» [الموطأ ٢/ ٧٣٧]. وعنه: لا تجب الاستتابة، بل تستحب؛ لعموم حديث ابن عباس ﵄ السابق: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، ولأن معاذًا قدم على أبي موسى، فوجد عنده رجلًا موثقًا، فقال: ما هذا؟ قال: رجل كان يهوديًّا فأسلم، ثم راجع دينه دين السوء فتهوَّد، فقال معاذ: «لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ»، ثلاث مرات، فأمر به فقُتل [البخاري ٦٩٢٣، ومسلم ١٧٣٣]. واختار ابن عثيمين: أنه يقتل فورًا، إلا إذا رأى الإمام المصلحة في تأجيله ثلاثة أيام، فإنه يستتاب، وما ورد عن عمر ﵁؛ فإنها تحمل على أنه رأى في ذلك مصلحة. - فرع: يستثنى من قتل المرتد: رسول كفار، فلا يقتل ولو مرتدًا بدليل رسول مسيلمة، قال ابن مسعود ﵁: جاء ابن النوَّاحة وابن أُثَال إلى النبي ﷺ ، رسولين لمسيلمة الكذاب، فقال لهما رسول الله ﷺ : «أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ » قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال: «لَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا، لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» قال: فَجَرت سُنَّة أن لا يقتل الرسول [أحمد ٣٧٠٨]. - مسألة: (وَلَا تُقْبَلُ) التوبة (ظَاهِراً) أي: في أحكام الدنيا؛ كترك قتلٍ، وثبوت أحكام توريث، ونحوها، (مِمَّنْ):

стр. 1601

١ - (سَبَّ اللهَ، أَوْ) سب (رَسُولَهُ)، أو ملكاً لله تعالى، صريحًا، أو تنقص واحد منهم؛ لأن ذنبه عظيم جدًّا، يدل منه على فساد عقيدته. وعنه، واختاره ابن عثيمين: أن توبته مقبولة؛ لقول الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾، ولأن من زعم أن لله ولدًا فقد سب الله تعالى، بدليل قول النبي ﷺ إخبارًا عن ربه تعالى أنه قال: «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ... ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا» [البخاري ٤٤٨٢]، وتوبته مقبولة بغير خلاف، وإذا قبلت توبة من سب الله تعالى، فمن سب نبيه ﷺ أولى أن تقبل توبته. لكن قال ابن عثيمين: تقبل توبة ساب الرسول، ولكن يجب قتله، فيغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين، ويرث ويورث؛ لأن قتله حق له ﷺ ، والرسول ﵊ لا نعلم هل عفا عن حقه، أو لم يعف؟ بخلاف من سب الله فإن قتله حق لله، والله تعالى أعلمنا بأنه يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب، فيسقط عمن سب الله القتل. ٢ - (أَوْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾ [النساء: ١٣٧]، وقوله: ﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم﴾ [آل عمران: ٩٠]، والازدياد يقتضي كفرًا متجددًا، وروى الأثرم

стр. 1602

بإسناده عن ظبيان بن عمارة: أن ابن مسعود ﵁ أُتي برجل فقال له: «قَدْ أُتِيتُ بِكَ مَرَّةً، فَزَعَمْتَ أَنَّكَ قَدْ تُبْتَ، وَأَرَاك قَدْ عُدْتَ»، فَقَتله [أورده ابن قدامة في المغني، ولم نقف عليه]، ولأن تكرار ردته يدل على فساد عقيدته، وقلة مبالاته بالإسلام. وعنه، واختاره ابن عثيمين: تقبل توبته؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾، وأما الآيات التي استدلوا بها: فإن الله رتب عدم المغفرة على ازدياد الكفر، وليس على التوبة. ٣ - (وَلَا) تقبل التوبة ظاهراً (مِنْ مُنَافِقٍ) أي: زنديق، وهو من يظهر الإسلام ويخفي الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا﴾ [البقرة: ١٦٠]، والزنديق لا يظهر منه على ما يتبين به رجوعه وتوبته؛ لأن الزنديق لا يظهر منه بالتوبة خلاف ما كان عليه، فإنه كان ينفي الكفر عن نفسه قبل ذلك، وقلبه لا يطلع عليه، فلا يكون لما قاله حكم؛ لأن الظاهر من حاله أنه إنما يستدفع القتل بإظهار التوبة في ذلك. وعنه: تقبل توبته؛ لقول الله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما﴾ [النساء: ١٤٦]

стр. 1603

٤ - (وَ) لا تقبل ظاهراً توبة (سَاحِرٍ) يكفر بسحره؛ لما روى جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» [الترمذي ١٤٦٠]، فسماه حدًّا، والحد بعد ثبوته لا يسقط بالتوبة، ولأنه لا طريق لنا إلى إخلاصه في توبته؛ لأنه يضمر السحر ولا يجهر به، فيكون إظهار الإسلام والتوبة خوفًا من القتل مع بقائه على تلك المفسدة. وعنه، واختاره ابن عثيمين: تقبل توبة الساحر؛ لعموم أدلة التوبة من الكتاب والسُّنة، ولأنه أخف من الشرك، والمشرك يستتاب، ولقبول توبة ساحر أهل الكتاب، فالمسلم من باب أولى. - فرع: كل من لا تقبل توبتهم ظاهراً فإنه يقتل بكل حال؛ لأن عليًّا ﵁ أتي بزنادقة، فسألهم، فجحدوا، فقامت عليهم البينة، فقتلهم ولم يستتبهم [أحكام أهل الملل للخلال ١٣٣٩]. وأما في الآخرة فمن صدق منهم في توبته؛ قبلت باطنًا، ونفعه ذلك، قال شيخ الإسلام: (ولم يقل أحد من الفقهاء إن الزنديق ونحوه إذا تاب بينه وبين الله توبة صحيحة لم يتقبلها الله تعالى). - مسألة: (وَتَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ)؛ لقوله تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون).

стр. 1604

- فرع: (وَهِيَ) أي: التوبة المعتبرة: ١ - (إِقْلَاعٌ)، بأن يترك فعل الذنب الذي تاب منه. ٢ - (وَنَدَمٌ) بقلبه على ما مضى من ذنبه. ٣ - (وَعَزْمٌ أَلَّا يَعُودَ) إلى ذلك الذنب لله تعالى لا لأجل نفع الدنيا أو أذى الناس. ٤ - (مَعَ رَدِّ مَظْلَمَةٍ) -كمغصوب ونحوها- إلى ربها إن كان حيًّا، أو إلى ورثته إن كان ميتًا، فإن عجز نوى رده متى قدر عليه، أو يستحل رب المظلمة؛ بأن يطلب أن يحلله، أو يطلب منه المهلة إن كان معسرًا. - والتوبة من البدعة: الاعتراف بها، والرجوع عنها، وعن اعتقاد ما كان يعتقدون من مخالفة أهل السنة؛ لقوله تعالى: (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا). - فرع: (لَا) يشترط لصحة التوبة: (اسْتِحْلَالٌ مِنْ نَحْوِ غِيْبَةٍ وَقَذْفٍ)؛ كنميمة وشتم، ولا إعلامه، قال أحمد: إذا قذفه ثم تاب لا ينبغي أن يقول له: قد قذفتك، بل يستغفر الله؛ لأن فيه إيذاء صريحًا، واختاره شيخ الإسلام (١).

стр. 1605

واختار ابن عثيمين: إن علم به المظلوم استحله، وإلا دعا له واستغفر ولم يعلمه. (فَصْلٌ) في الأطعمة واحدها طعام، وهو ما يؤكل ويشرب، كما قال تعالى: ﴿إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة: ٢٤٩]، فالشراب يطلق عليه طعام. - مسألة: (وَكُلُّ طَعَامٍ طَاهِرٍ) لا نجس ولا متنجس، (لَا مَضَرَّةَ فِيهِ)، بخلاف نحو: سموم: فهو (حَلَالٌ)، من حب وثمر وغيرهما من الطاهرات، حتى المسك والعنبر ونحوه مما لا يؤكل عادة. (وَأَصْلُهُ الحِلُّ)؛ لقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ [البقرة: ٢٩] وقوله: ﴿كلوا مما في الأرض حلالا طيبا﴾ [البقرة: ١٦٨]. وقال شيخ الإسلام: الأصل فيها الحل لمسلم عمل صالحًا؛ لقوله

стр. 1606

تعالى: (ليس على الذين آمنوا جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات)، قال ﵀: (وأما الكفار، فلم يأذن الله لهم في أكل شيء، ولا أحل لهم شيئًا، ولا عفا لهم عن شيء يأكلونه، بل قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً﴾ فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالاً، وهو المأذون فيه من جهة الله ورسوله، والله لم يأذن في الأكل إلا للمؤمن به؛ فلم يأذن لهم في أكل شيء إلا إذا آمنوا؛ ولهذا لم تكن أموالهم مملوكة لهم ملكاً شرعياً؛ لأن الملك الشرعي هو المقدرة على التصرف الذي أباحه الشارع ﷺ ، والشارع لم يبح لهم تصرفاً في الأموال، إلا بشرط الإيمان، فكانت أموالهم على الإباحة). - مسألة: (وَحَرُمَ) جملة من الأطعمة والأشربة، منها: ١ - كل (نَجِسٍ؛ كَدَمٍ، وَمَيْتَةٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ [المائدة: ٣]. ٢ - (وَ) حرم (مُضِرٌّ؛ كَسُمٍّ) ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] والسم مما يقتل غالبًا، ولذا عُدَّ مُطعِمُه لغيره قاتلًا. ٣ - (وَ) حرم (مِنْ حَيَوَانِ بَرٍّ: مَا يَفْتَرِسُ بِنَابِهِ) أي: ينهش؛ (كَأَسَدٍ، وَنَمِرٍ، وَفَهْدٍ، وَثَعْلَبٍ، وَابْنِ آوَى) وهو شبه الكلب ورائحته كريهة، وفيل وقرد وغيرها؛ لحديث أبي ثعلبة ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ

стр. 1607

ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» [البخاري ٥٥٣٠، ومسلم ١٩٣٢]. - فرع: (لَا) يحرم (ضَبُعٌ)، بل هو مباح، وإن كان له ناب؛ لقول جابر بن عبد الله ﵄: سألت رسول الله ﷺ عن الضَّبع، فقال: «هُوَ صَيْدٌ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إِذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» [أبوداود ٣٨٠١، وابن ماجه ٣٠٨٥]. قال ابن القيم: (فإنه إنما حُرم ما اشتمل على الوصفين: أن يكون له ناب، وأن يكون من السباع العادية بطبعها؛ كالأسد والذئب والنمر والفهد، وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية). ٤ - وحرم الحمر الأهلية، ولو توحشت، قال ابن عبد البر: (لا خلاف في تحريمها)، وسنده حديث جابر ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» [البخاري ٤٢١٩، ومسلم ١٩٤١]. ٥ - (وَ) حرم (مِنْ طَيْرٍ: مَا يَصِيدُ بِمِخْلَبٍ؛ كَعُقَابٍ، وَصَقْرٍ)، وبومة، وحِدَأة ونحوها؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» [مسلم ١٩٣٤]. ٦ - (وَ) حرم (مَا يَأْكُلُ الجِيَفَ؛ كَنَسْرٍ، وَرَخَمٍ) وهو طائر أبقعُ يشبه النَسْر في الخلقة، والغراب الأبقع، والغراب الأسود الكبير؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ:

стр. 1608

الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا» [البخاري ٣٣١٤، ومسلم ١١٩٨ واللفظ له]، فذكر منها الغراب، والباقي في معناه للمشاركة في أكل الجيف، ووجه الدلالة من الخبر: أنه ﷺ أباح قتلها في الحرم، ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم. ٧ - وحرم الخنزير؛ لقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير). ٨ - (وَ) حرم (مَا تَسْتَخْبِثُهُ العَرَبُ ذُوُوا اليَسَارِ؛ كَوَطْوَاطٍ، وَقُنْفُذٍ، ونِيصٍ) وهو القنفذ الضخم، والحشرات؛ لقول الله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾، والذين تعتبر استطابتهم واستخباثهم هم أهل الحجاز، من أهل القرى والأمصار؛ لأنهم هم الذين نزل عليهم الكتاب وخوطبوا به وبالسنة، فرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم دون غيرهم، ولا عبرة بأهل البوادي من الأعراب الجفاة؛ لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون كل ما وجدوه. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه لا أثر لاستخباث العرب في تحريم الأطعمة؛ لقوله تعالى: (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث)، فالآية جاءت مطلقة، ولم تقيد بما استخبثه العرب، ولحديث ابن عباس ﵄: أن النبي أتي بضب محنوذ فترك أكله، وقال: «لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» [البخاري ٥٣٩١، ومسلم ١٩٤٥]، فالنبي ﷺ كره

стр. 1609

أكل الضب ولم يحرمه، فدل على أن استخباث العرب لا أثر له، ولأن العرب كانت تأكل الميتة والدم، ولم تكن تستخبثها. ٩ - وحرم كل ما أمر الشرع بقتله؛ كالفواسق الخمس، أو نهى عن قتله، ومنه ما في حديث ابن عباس ﵄ قال: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ، وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ، وَالصُّرَدُ» [أحمد ٣٠٦٦، وأبو داود ٥٢٦٧، وابن ماجه ٣٢٢٤]. ١٠ - (وَ) حرم (مَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ؛ كَبَغْلٍ) متولد بين الخيل والحمر الأهلية، والسِّمْع ولد الضبع من الذئب؛ تغليبًا للتحريم، واختاره شيخ الإسلام. ١١ - وحرم الآدمي؛ لعموم قوله تعالى: (حرم عليكم الميتة). - مسألة: (وَيُبَاحُ حَيَوَانُ بَحْرٍ كُلُّهُ)، لقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ [المائدة: ٩٦] الآية، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لما سئل عن ماء البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ؛ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» [أحمد ٧٢٣٣، وأبوداود ٨٣، والترمذي ٦٩، والنسائي ٥٩، وابن ماجه ٣٨٦]، (سِوَى) أمور، وهي: ١ - (ضِفْدَعٌ)؛ لأن النبي ﷺ نهى عن قتله [أحمد ١٦٠٦٩، وأبو داود ٣٨٧١، والنسائي ٤٣٦٦]، ولاستخباثها، فتدخل في قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧].

стр. 1610

٢ - (وَتِمْسَاحٌ)؛ لأن له نابًا يفترس به. وعنه، واختاره ابن عثيمين: أنه يباح أكله؛ لعموم الآية. ٣ - (وَحَيَّةٌ)؛ لأنها من المستخبثات. وفي وجه، واختاره ابن عثيمين: أنها تباح؛ لعموم الآية، وليس ما يستخبث في البر يكون نظيره في البحر مستخبثًا. - فرع: أما ما يعيش في البر والبحر؛ ككلب الماء، وطيره، وسلحفاة، وسرطان ونحو ذلك؛ فلم يبح المقدور عليه منه إلا بالتذكية؛ لأنه لما كان يعيش في البر ألحق بحيوان البر احتياطًا. - مسألة: (وَمَنِ اضْطُرَّ)؛ بأن خاف التلف إن لم يأكل، حضراً كان أو سفراً، إذا لم يكن سفر معصية؛ (أَكَلَ وُجُوباً مِنْ مُحَرَّمٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]، - (غَيْرِ سُمٍّ) ونحوه مما يضر- (مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) أي: بقية روحه أو قوته، ويأمن معه الموت؛ لقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٧٣]. - فرع: إن كان في سفر معصية؛ كقاطع طريق وعبد آبق؛ فلا يحل له أكل ميتة ولا غيرها من المحرمات؛ لأن أكلها رخصة، والعاصي ليس من أهلها، ولقوله تعالى: ﴿غير باغ ولا عاد﴾ [البقرة: ١٧٣].

стр. 1611

واختار شيخ الإسلام: أن المضطر له الأكل من الميتة وإن كان عاصياً في سفره، وتقدم حكم الترخص في سفر المعصية في فصل قصر الصلاة. - فرع: لا يزيد في الأكل على ما يسد رمقه، وليس له الشبع؛ لأن الله حرم الميتة واستثنى ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم تحل؛ كحالة الابتداء. وقيل، وذكره الموفق احتمالاً: إن كانت الضرورة مستمرة جاز الشبع؛ لأنه إذا اقتصر على سد الرمق عادت إليه الضرورة عن قرب، وأما إن كانت الحاجة مرجوة الزوال فلا يشبع؛ لعدم الحاجة. - مسألة: (وَيَلْزَمُ مُسْلِماً ضِيَافَةُ) الغير؛ لحديث المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [أحمد ١٧١٧٢، وأبو داود ٣٧٥، وابن ماجه ٣٦٧٧]. فتجب الضيافة بشروط: ١ - أن تكون الضيافة لـ (مُسْلِمٍ)، لا ذميًّا؛ لأن الذمي لا يساوي المسلم في وجوب الإكرام. وعنه، واختاره ابن عثيمين: يعم المسلم وغير المسلم؛ لحديث أبي شريح ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ» [البخاري ٦٠١٩، ومسلم بعد حديث ١٧٢٦].

стр. 1612

٢ - أن تكون الضياف لـ (مُسَافِرٍ)، لا مقيمٍ؛ لأن المقيم له ما يكفيه غالباً. ٣ - أن يكون الضيف (فِي قَرْيَةٍ لَا مِصْرٍ)؛ لأنه يكون في الأمصار السوق والمساجد، فلا يحتاج مع ذلك إلى الضيافة، بخلاف القرى فإنه يبعد فيها البيع والشراء، فوجبت ضيافة المجتاز إذا نزل بها؛ لوجوب حفظ الناس. وعنه، واختاره ابن عثيمين: تجب الضيافة في القرى والأمصار؛ لعموم الحديث. وإذا تحققت هذه الشروط: وجبت ضيافته مجانًّا، فلا يلزم الضيف عوض الضيافة، (يَوْماً وَلَيْلَةً)؛ لحديث أبي شريح العدوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ»، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ» [البخاري ٦٠١٩، ومسلم بعد حديث ١٧٢٦]. - فرع: الضيافة تكون (قَدْرَ كِفَايَتِهِ) مع أُدْم. واختار شيخ الإسلام: أن الواجب المعروف عادة، كزوجة وقريب ورقيق؛ لإطلاق الأدلة، والقاعدة: (أن ما لم يرد تحديده في اللغة ولا الشرع فيرجع فيه إلى العرف).

стр. 1613

- فرع: (وَتُسَنُّ) الضيافة (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)؛ لحديث أبي شريح الخزاعي السابق، والمراد يومان مع اليوم الأول، فما زاد على الثلاثة فهو صدقة. (فَصْلٌ) في الذكاة وهي تمام الشيء، ومنه الذكاة في السن، أي: تمامه، سمي الذبح ذكاة؛ لأنه إتمام الزهوق. وأصله: قوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣]. والذكاة شرعًا: ذبح أو نحر حيوان مقدور عليه، مباح أكله، يعيش في البر، لا جراد ونحوه، بقطع حلقوم ومريء، أو عقر ممتنع. - مسألة: (لَا يُبَاحُ حَيَوَانٌ يَعِيشُ فِي البَرِّ) مباح أكله، مقدور عليه، - (غَيْرَ جَرَادٍ وَنَحْوِهِ) ويأتي الكلام عليه- (إِلَّا بِذَكَاتِهِ)؛ لقوله تعالى ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣]، ولأن الله تعالى حرم الميتة وهي ما زَهَقَت نفسُه بسبب غير مباح، أو ليس بمقصود، وما لم يذكَّ فهو ميتة، فيحرم لذلك. ويستثنى من ذلك: ١ - الجراد، وشبهه مما لا نفس له سائلة مما يباح أكله؛ فيحل؛ لحديث

стр. 1614

ابن عمر مرفوعاً: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ. فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» [أحمد ٥٧٢٣، وابن ماجه ٣٢١٨]. ٢ - حيوانات البحر مما لا يعيش إلا في الماء، فيباح بغير ذكاة مطلقاً؛ لعموم حديث ابن عمر السابق. - مسألة: (وَشُرُوطُهَا) أي: شروط صحة الذكاة (أَرْبَعَةٌ): الشرط الأول: أهلية الذابح أو الناحر أو العاقر، وهي: (كَوْنُ ذَابِحٍ) أو ناحر أو عاقر: (عَاقِلاً، مُمَيِّزاً)؛ ليصح منه قصد التذكية؛ فلا يباح ما ذكاه مجنون، أو سكرانُ، أو طفل لم يميز؛ لأنهم لا قصد لهم. فتصح ولو كان المذكي عبداً، أو أنثى، أو فاسقاً؛ لعموم الأدلة، ولحديث كعب بن مالك ﵁: أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع، فأبصرت جارية لهم بشاة من الغنم موتًا، فكسرت حجرًا فذبحتها به، فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل النبي ﷺ ، وأنه سأل النبي ﷺ عن ذاك، «فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا» [البخاري ٢٣٠٤]. وتصح الذكاة (وَلَوْ) كان المذكي (كِتَابِيًّا) حربياً؛ لقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]، قال ابن عباس ﵄: «طَعَامُهُمْ: ذَبَائِحُهُمْ» [علقه البخاري مجزوماً ٧/ ٩٢، ووصله البيهقي ١٩١٥٢]، ونحوه عن ابن مسعود ﵁: «إِنَّكُمْ نَزَلْتُمْ أَرْضًا لَا يَقْصِبُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّمَا هُمُ النَّبَطُ وَفَارِسُ، فَإِذَا شَرَيْتُمْ لَحْمًا فَسَلُوا، فَإِنْ كَانَ ذَبِيحَةَ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَكُلُوهُ؛

стр. 1615

فَإِنَّ طَعَامَهُمْ حِلٌّ لَكُمْ» [عبد الرزاق ٨٥٧٨]. فأما الوثني، والمجوسي، والزنديق، والمرتد؛ فلا تحل ذبائحهم؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]، ولأثر ابن عباس السابق، وإنما أخذت من المجوس الجزية؛ لأن لهم شبهة كتاب تقتضي تحريم دمائهم، فلما غُلِّب التحريم في دمائهم غلب عدم الكتاب في تحريم ذبائحهم ونسائهم؛ احتياطًا للتحريم في الموضعين. - فرع: يشترط في الكتابي كون أبويه كتابيين، فلا تحل ذبيحة من أحد أبويه غير كتابي؛ تغليبًا للتحريم. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يشترط كون أبويه كتابيين، ولا أحدهما؛ لإطلاق الأدلة، ولأن العبرة بدين الشخص لا بنسبه، وذكر شيخ الإسلام: (أن جماعة من اليهود الذين كانوا بالمدينة وحولها كانوا عربًا، ودخلوا في دين اليهود، ومع هذا فلم يفصل النبي ﷺ في أكل طعامهم وحل نسائهم وإقرارهم بالذمة: بين من دخل أبواه بعد مبعث عيسى ﵇ ومن دخل قبل ذلك). (وَ) الشرط الثاني: (الآلَةُ، وَهِيَ: كُلُّ مُحَدَّدٍ) ينهر الدم بحدِّه، حتى الحجر، والخشب، والذهب والفضة؛ لحديث كعب بن مالك السابق، ولو كان المحدد مغصوباً؛ لأن النهي يعود لأمر خارج. ويصح بالعظم لما تقدم، (غَيْرَ سِنٍّ وَظُفُرٍ)، فلا يصح الذكاة بهما،
следующие страницы →