← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

واختار شيخ الإسلام: أن المضطر له الأكل من الميتة وإن كان عاصياً في سفره، وتقدم حكم الترخص في سفر المعصية في فصل قصر الصلاة. - فرع: لا يزيد في الأكل على ما يسد رمقه، وليس له الشبع؛ لأن الله حرم الميتة واستثنى ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم تحل؛ كحالة الابتداء. وقيل، وذكره الموفق احتمالاً: إن كانت الضرورة مستمرة جاز الشبع؛ لأنه إذا اقتصر على سد الرمق عادت إليه الضرورة عن قرب، وأما إن كانت الحاجة مرجوة الزوال فلا يشبع؛ لعدم الحاجة. - مسألة: (وَيَلْزَمُ مُسْلِماً ضِيَافَةُ) الغير؛ لحديث المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [أحمد ١٧١٧٢، وأبو داود ٣٧٥، وابن ماجه ٣٦٧٧]. فتجب الضيافة بشروط: ١ - أن تكون الضيافة لـ (مُسْلِمٍ)، لا ذميًّا؛ لأن الذمي لا يساوي المسلم في وجوب الإكرام. وعنه، واختاره ابن عثيمين: يعم المسلم وغير المسلم؛ لحديث أبي شريح ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ» [البخاري ٦٠١٩، ومسلم بعد حديث ١٧٢٦].

стр. 1612

٢ - أن تكون الضياف لـ (مُسَافِرٍ)، لا مقيمٍ؛ لأن المقيم له ما يكفيه غالباً. ٣ - أن يكون الضيف (فِي قَرْيَةٍ لَا مِصْرٍ)؛ لأنه يكون في الأمصار السوق والمساجد، فلا يحتاج مع ذلك إلى الضيافة، بخلاف القرى فإنه يبعد فيها البيع والشراء، فوجبت ضيافة المجتاز إذا نزل بها؛ لوجوب حفظ الناس. وعنه، واختاره ابن عثيمين: تجب الضيافة في القرى والأمصار؛ لعموم الحديث. وإذا تحققت هذه الشروط: وجبت ضيافته مجانًّا، فلا يلزم الضيف عوض الضيافة، (يَوْماً وَلَيْلَةً)؛ لحديث أبي شريح العدوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ»، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ» [البخاري ٦٠١٩، ومسلم بعد حديث ١٧٢٦]. - فرع: الضيافة تكون (قَدْرَ كِفَايَتِهِ) مع أُدْم. واختار شيخ الإسلام: أن الواجب المعروف عادة، كزوجة وقريب ورقيق؛ لإطلاق الأدلة، والقاعدة: (أن ما لم يرد تحديده في اللغة ولا الشرع فيرجع فيه إلى العرف).

стр. 1613

- فرع: (وَتُسَنُّ) الضيافة (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)؛ لحديث أبي شريح الخزاعي السابق، والمراد يومان مع اليوم الأول، فما زاد على الثلاثة فهو صدقة. (فَصْلٌ) في الذكاة وهي تمام الشيء، ومنه الذكاة في السن، أي: تمامه، سمي الذبح ذكاة؛ لأنه إتمام الزهوق. وأصله: قوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣]. والذكاة شرعًا: ذبح أو نحر حيوان مقدور عليه، مباح أكله، يعيش في البر، لا جراد ونحوه، بقطع حلقوم ومريء، أو عقر ممتنع. - مسألة: (لَا يُبَاحُ حَيَوَانٌ يَعِيشُ فِي البَرِّ) مباح أكله، مقدور عليه، - (غَيْرَ جَرَادٍ وَنَحْوِهِ) ويأتي الكلام عليه- (إِلَّا بِذَكَاتِهِ)؛ لقوله تعالى ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣]، ولأن الله تعالى حرم الميتة وهي ما زَهَقَت نفسُه بسبب غير مباح، أو ليس بمقصود، وما لم يذكَّ فهو ميتة، فيحرم لذلك. ويستثنى من ذلك: ١ - الجراد، وشبهه مما لا نفس له سائلة مما يباح أكله؛ فيحل؛ لحديث

стр. 1614

ابن عمر مرفوعاً: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ. فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» [أحمد ٥٧٢٣، وابن ماجه ٣٢١٨]. ٢ - حيوانات البحر مما لا يعيش إلا في الماء، فيباح بغير ذكاة مطلقاً؛ لعموم حديث ابن عمر السابق. - مسألة: (وَشُرُوطُهَا) أي: شروط صحة الذكاة (أَرْبَعَةٌ): الشرط الأول: أهلية الذابح أو الناحر أو العاقر، وهي: (كَوْنُ ذَابِحٍ) أو ناحر أو عاقر: (عَاقِلاً، مُمَيِّزاً)؛ ليصح منه قصد التذكية؛ فلا يباح ما ذكاه مجنون، أو سكرانُ، أو طفل لم يميز؛ لأنهم لا قصد لهم. فتصح ولو كان المذكي عبداً، أو أنثى، أو فاسقاً؛ لعموم الأدلة، ولحديث كعب بن مالك ﵁: أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع، فأبصرت جارية لهم بشاة من الغنم موتًا، فكسرت حجرًا فذبحتها به، فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل النبي ﷺ ، وأنه سأل النبي ﷺ عن ذاك، «فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا» [البخاري ٢٣٠٤]. وتصح الذكاة (وَلَوْ) كان المذكي (كِتَابِيًّا) حربياً؛ لقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]، قال ابن عباس ﵄: «طَعَامُهُمْ: ذَبَائِحُهُمْ» [علقه البخاري مجزوماً ٧/ ٩٢، ووصله البيهقي ١٩١٥٢]، ونحوه عن ابن مسعود ﵁: «إِنَّكُمْ نَزَلْتُمْ أَرْضًا لَا يَقْصِبُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّمَا هُمُ النَّبَطُ وَفَارِسُ، فَإِذَا شَرَيْتُمْ لَحْمًا فَسَلُوا، فَإِنْ كَانَ ذَبِيحَةَ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَكُلُوهُ؛

стр. 1615

فَإِنَّ طَعَامَهُمْ حِلٌّ لَكُمْ» [عبد الرزاق ٨٥٧٨]. فأما الوثني، والمجوسي، والزنديق، والمرتد؛ فلا تحل ذبائحهم؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]، ولأثر ابن عباس السابق، وإنما أخذت من المجوس الجزية؛ لأن لهم شبهة كتاب تقتضي تحريم دمائهم، فلما غُلِّب التحريم في دمائهم غلب عدم الكتاب في تحريم ذبائحهم ونسائهم؛ احتياطًا للتحريم في الموضعين. - فرع: يشترط في الكتابي كون أبويه كتابيين، فلا تحل ذبيحة من أحد أبويه غير كتابي؛ تغليبًا للتحريم. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يشترط كون أبويه كتابيين، ولا أحدهما؛ لإطلاق الأدلة، ولأن العبرة بدين الشخص لا بنسبه، وذكر شيخ الإسلام: (أن جماعة من اليهود الذين كانوا بالمدينة وحولها كانوا عربًا، ودخلوا في دين اليهود، ومع هذا فلم يفصل النبي ﷺ في أكل طعامهم وحل نسائهم وإقرارهم بالذمة: بين من دخل أبواه بعد مبعث عيسى ﵇ ومن دخل قبل ذلك). (وَ) الشرط الثاني: (الآلَةُ، وَهِيَ: كُلُّ مُحَدَّدٍ) ينهر الدم بحدِّه، حتى الحجر، والخشب، والذهب والفضة؛ لحديث كعب بن مالك السابق، ولو كان المحدد مغصوباً؛ لأن النهي يعود لأمر خارج. ويصح بالعظم لما تقدم، (غَيْرَ سِنٍّ وَظُفُرٍ)، فلا يصح الذكاة بهما،

стр. 1616

متصلين أو منفصلين؛ لحديث أبي رافع مرفوعًا: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ، وَالظُّفُرَ» [البخاري ٢٤٨٨، ومسلم ١٩٦٨]. (وَ) الشرط الثالث: (قَطْعُ حُلْقُومٍ) - وهو مجرى النفَس، قال شيخ الإسلام: سواء كان القطع فوق الغلصمة -وهو الموضع الفاني من الحلق-، أو كان القطع دون الغلصمة-، (وَ) قطع (مَرِيءٍ) - وهو البلعوم، وهو مجرى الطعام والشراب-؛ لقول عمر ﵁: «الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ لِمَنْ قَدَرَ» [عبدالرزاق ٨٦١٤، واحتج به أحمد]، ولأنه مجمع العروق، فينسفح الدم بالذبح فيه، ويسرع زهوق النفس، فيكون أطيب للحم، وأخف على الحيوان. - فرع: (وَسُنَّ قَطْعُ الوَدَجَيْنِ)، وهما عِرقان محيطان بالحلقوم، ولا يشترط ذلك؛ لأنه قطَعَ في محل الذبح ما لا يبقى الحيوان معه، أشبه ما لو قطع الأربعة، والأولى قطع الودجين؛ خروجًا من الخلاف. وفي وجه، واختاره شيخ الإسلام: أن قطع ثلاثة من الأربع - وهي: الحلقوم والمريء والودجين- يبيح الذبيحة، سواء كان فيها الحلقوم أو لم يكن؛ لأن النبي ﷺ لم يشترط شيئاً من ذلك، وإنما اشترط إنهار الدم، فإذا جرى الدم من العنق ومات الحيوان؛ أبيح، فإنَّ قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم، وأبلغ في إنهار الدم.

стр. 1617

- مسألة: (وَ) ذكاة (مَا عُجِزَ عَنْهُ؛ كَوَاقِعٍ فِي بِئْرٍ، وَمُتَوَحِّشٍ، وَمُتَرَدٍّ) من مكان عالٍ: (يَكْفِي جَرْحُهُ حَيْثُ كَانَ) من بدنه كالصيد؛ لحديث رافع بن خديج ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة، فندَّ بعير، فطلبوه، فأعياهم وكان في القوم خيل يسيرة، فأهوى رجل منهم بسهم، فحبسه الله، ثم قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» [البخاري ٢٤٨٨، ومسلم ١٩٦٨]، وصح ذلك عن ابن مسعود وابن عباس ﵃ [ابن أبي شيبة ٤/ ٢٥١ - ٢٥٢]، وابن عمر [عبدالرزاق ٨٤٨١]. (فَإِنْ أَعَانَهُ) أي: الجارحَ على قتله (غَيْرُهُ؛ كَكَوْنِ رَأْسِهِ) أي: الواقع في نحو بئر (فِي المَاء، وَنَحْوِهِ) مما يقتله لو انفرد؛ (لَمْ يَحِلَّ) أكله، ولو كان جرحه قاتلاً؛ لحصول قتله بمبيح وحاظر، فغلِّب الحظر، فهو كما لو اشترك مسلم ومجوسي في ذبحه. (وَ) الشرط الرابع: (قَوْلُ: بِاسْمِ اللهِ عِنْدَ تَحْرِيكِ) الذابح (يَدِهِ) بالذبح أو النحر أو العقر؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١]، والفسق: الحرام، وكان النبي ﷺ إذا ذبح سمى؛ كما في حديث أنس ﵁ قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» [البخاري ٥٥٥٨، ومسلم ١٩٦٦].

стр. 1618

- فرع: يتعين عند الذبح قول: باسم الله، ولا يقوم غيرها مقامها؛ لأن إطلاق التسمية إنما ينصرف إليها. واختار ابن عثيمين: إذا قال: «باسم الرحمن»، أو «باسم رب العالمين»، أو ما أشبه ذلك؛ كان جائزًا، وكانت الذبيحة حلالًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾، المراد الاسم المختص بهذا المسمى، وهو الله . - فرع: (وَتَسْقُطُ) التسمية (سَهْواً)؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ وَلْيَذْكُرِ اسْمَ الله ثُمَّ لِيَأْكُلْ» [الدارقطني ٤٨٠٨، وقال الحافظ: صوب الحفاظ وقفه]، ولحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٠٤٥]. و(لَا) تسقط التسمية عمداً، ولا (جَهْلاً)؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾، وهي محمولة على العمد؛ جمعاً بين الأدلة. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن التسمية شرط مطلقاً، لا تسقط عمداً ولا جهلاً ولا نسياناً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾، لحديث أبي رافع مرفوعًا: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ؛ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ».

стр. 1619

- مسألة: (وَذَكَاةُ جَنِينٍ) مأكول (خَرَجَ) من بطن أمه المذكاة (مَيتاً وَنَحْوَهُ)؛ كمتحرك حركة مذبوح، سواء نبت شعره أم لا: (بِذَكَاةِ أَمِّهِ)؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعًا: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» [أبو داود ٢٨٢٨]، وروي عن ابن عمر وابن عباس ﵃ [البيهقي ٤/ ٦٩ - ٧٠]، ولاتصال الجنين بأمه اتصال خلقة يتغذى بغذائها؛ أشبه أعضاءها. ويستحب ذبح الجنين وإن كان ميتًا؛ ليخرج الدم الذي في جوفه. وإن كان في الجنين حياة مستقرة؛ لم يبح إلا بذبحه أو نحره؛ لأنه نفس أخرى، وهو مستقل بحياته. - مسألة: (وَكُرِهَتِ) الذكاة: ١ - (بِآلَةٍ كَالَّةٍ)؛ لحديث شداد بن أوس ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» [مسلم ١٩٥٥]، ولأن الذبح بالكالة تعذيب للحيوان. واختار ابن عثيمين: يحرم الذبح بآلة كالة؛ لظاهر النهي في حديث شداد السابق، ولكن لو ذبح بها فالذبيحة حلال؛ لعموم قوله ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ، فَكُلْ». ٢ - (وَ) كره (حَدُّهَا) أي: الآلة (بِحَضْرَةِ) حيوان (مُذَكًّى)؛ لحديث ابن

стр. 1620

عمر ﵄ قال: «أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِحَدِّ الشِّفَارِ، وَأَنْ تُوَارَى عَنِ الْبَهَائِمِ» [أحمد ٥٨٦٤، وابن ماجه ٣١٧٢]. ٣ - (وَ) كره (سَلْخُ) حيوان مذبوح، (وَكَسْرُ عُنُقٍ)، وقطع عضو منه، ونتف ريشه (قَبْلَ زُهُوقِ) نفسه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ بُديل بن ورقاءَ الخزاعي على جمل أورقَ يصيح في فجاج منى بكلمات، منها: «لَا تَعْجَلُوا الْأَنْفُسَ أَنْ تَزْهَقَ , وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» [الدارقطني ٤٧٥٤]، وكسر العنق إعجال لزهوق الروح، وفي معناه السلخ ونحوه. فإن كَسَر عنقه، أو قطَع عضوًا منه ونحوه قبل زهوق نفسه؛ أساء، وأُكلت؛ لأن الذكاة تمت بالذبح، فما كان بعدها فهو غير معتبر. واختار ابن عثيمين: أن كسر العنق والسلخ قبل الموت حرام؛ لأنه إيلام بلا حاجة، قال شيخ الإسلام: (الإحسان واجب على كل حال، حتى في حال إزهاق النفوس؛ ناطقها وبهيمها، فعليه أن يحسن القتلة للآدميين والذبحة للبهائم). ٤ - (وَ) كره (نَفْخُ لَحْمٍ لِبَيْعٍ)؛ لأنه غش، بخلاف ما يذبحه لنفسه وينفخه لسهولة السلخ. - مسألة: (وَسُنَّ) في التذكية:

стр. 1621

١ - (تَوْجِيهُهُ) أي: المذكى بجعل وجهه (إِلَى القِبْلَةِ)؛ لحديث جابر ﵁ قال: ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوءين، فلما وجههما قال: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ بِاسْمِ الله، والله أَكْبَرُ» ثم ذبح [أبو داود ٢٧٩٥]. ويكره توجيه الذبيحة إلى غير القبلة؛ كالأذان؛ لأن الذبح قد يكون قربة؛ كالأضحية. وقال ابن عثيمين: القول بالكراهة يحتاج إلى دليل، ولا أعلم للفقهاء ﵏ في هذه المسألة دليلاً. ٢ - ويسن كون مذبوح (عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ)؛ ليتمكن من الذبح بيمناه، ويمسك رأسه بيسراه. وقال ابن عثيمين: يفعل الأسهل له، فالذي يذبح بيده اليمنى، الأيسر أن تكون الذبيحة على الشق الأيسر، والذي يذبح بيده اليسرى، الأيسر أن تكون الذبيحة على الشق الأيمن. ٣ - (وَ) سن (رِفْقٌ بِهِ) أي: بالمذكى؛ لحديث شداد بن أوس ﵁ السابق: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».

стр. 1622

٤ - (وَ) سن (تَكْبِيرٌ) مع التسمية، أي: قول باسم الله والله أكبر؛ لحديث أنس ﵁ قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» [البخاري ٥٥٥٨، ومسلم ١٩٦٦]. (فَصْلٌ) في الصيد وهو مصدر صاد يصيد، وشرعًا: اقتناص حيوان، حلال، مستوحش طبعًا، غير مقدور عليه ولا مملوك. - مسألة: (الصَّيْدِ مُبَاحٌ) إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة: ٤]، ولحديث أبي ثعلبة الخُشني ﵁، وفيه: قال رسول الله ﷺ : «وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ: فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ؛ فَكُلْ» [البخاري: ٥٤٨٨، ومسلم: ١٩٣٠]. ويخرج الصيد عن حكم الإباحة إلى:

стр. 1623

١ - الكراهة: إذا كان لهوًا؛ لأنه عبث. وقال ابن عثيمين: (ولو قيل بتحريمه لكان له وجه). ٢ - التحريم: إن كان فيه ظلم الناس بالعدوان على زروعهم وأموالهم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. - مسألة: (وَشُرُوطُهُ) أي: شروط إباحة الصيد (أَرْبَعَةُ) شروط: الشرط الأول: (كَوْنُ صَائِدٍ مِنْ أَهْلِ ذَكَاةٍ) أي: ممن تحل ذبيحته؛ لحديث عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ، فَإِنَّ أَخْذَ الكَلْبِ ذَكَاةٌ» [البخاري: ٥٤٧٥، ومسلم: ١٩٢٩]، والصائد بمنزلة المذكي، فلا يحل صيد مجوسي، أو وثني، وكذا ما شارك فيه؛ لأنه اجتمع في قتله سبب إباحة وسبب تحريم، فغلب التحريم. إلا ما لا يفتقر إلى ذكاة؛ كسمك وجراد؛ فيباح إذا صاده من لا تباح ذبيحته من مجوسي ونحوه؛ لأنه لا ذكاة فيه أشبه ما لو وجده ميتًا. (وَ) الشرط الثاني: (الآلَةُ، وَهِيَ) نوعان: ١ - (آلَةُ ذَكَاةٍ) أي: مُحدَّد، يشترط فيه ما يشترط في آلة الذبح؛ لأن جرحه قائم مقام ذكاته، فاعتبر ما يعتبر في آلة الذكاة، ويشترط فيه أيضًا جَرْح الصيد به؛ لمفهوم حديث رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» [البخاري: ٢٤٨٨، ومسلم: ١٩٦٨].

стр. 1624

فإن قتله بثقله؛ كالعصا والحصى ولم يجرحه؛ لم يبح؛ لحديث عدي بن حاتم ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إنا نرمي بالمِعْراض؟ قال: «كُلْ مَا خَزَقَ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ» [البخاري: ٥٤٧٧، ومسلم: ١٩٢٩]. ٢ - (أَوْ جَارِحٌ)، فيباح ما قتله جارح (مُعَلَّمٌ)؛ مما يصيد بنابه كالفهود والكلاب، أو بمخلبه من الطير؛ لقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ الآية [المائدة: ٤]، قال ابن عباس ﵄: «مِنَ الكِلَابِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُعَلَّمُ مِنَ الصُّقُورِ، وَالبُزَاةِ، وَالفُهُودِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ» [عبد الرزاق: ٨٤٩٧]. - فرع: يستثنى الكلب الأسود البهيم - وهو ما لا بياض فيه -؛ فيحرم صيده؛ لحديث جابر ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، وقال: «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ البَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» [مسلم: ١٥٧٢]، والحل لا يستفاد من المحرم؛ لأنه علل بكونه شيطانًا، وما قتله الشيطان لا يباح أكله، كالمنخنقة. - فرع: (وَهُوَ) أي: الجارح نوعان: النوع الأول: ما يصيد بنابه؛ كفهد، وكلب، وكل ما يمكن الاصطياد به، وتعليمه يكون بثلاثة أمور: الأول: (أَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ)؛ لأن العادة في الجوارح المعلمة ذلك، فإذا لم يكن كذلك لم يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وما علّمتم من الجوارح﴾ [المائدة: ٤].

стр. 1625

(وَ) الثاني: أن (يَنْزَجِزَ إِذَا زُجِرَ)؛ لما تقدم. (وَ) الثالث: أنه (إِذَا أَمْسَكَ) الصيد (لَمْ يَأْكُلْ) منه؛ لحديث عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت النبي ﷺ فقال: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ» [البخاري: ١٧٥، ومسلم: ١٩٢٩]، ولأن عادة المعلَّم أن ينتظر صاحبَه ليطعمه. فإن أكل منه لم يُبَحْ؛ للخبر السابق، ولقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤]، وهذا إنما أمسكه على نفسه. وقال ابن قدامة: (لا أحسب هذه الخصال تعتبر في غير الكلب، فإنه الذي يجيب صاحبه إذا دعاه وينزجر إذا زجر، والفهد لا يكاد يجيب داعيًا وإن عُدَّ متعلمًا، فيكون التعليم في حقه بترك الأكل خاصة، أو بما يعده أهل العرف متعلمًا). قال شيخ الإسلام: (والتحقيق أن المرجع في تعليم الفهد إلى أهل الخبرة، فإن قالوا: إنه من جنس تعليم الصقر بالأكل؛ ألحق به، وإن قالوا: إنه يتعلم بترك الأكل كالكلب؛ ألحق به). النوع الثاني: ما يصيد بمِخلبه؛ كباز، وصقر، فيكون معلمًا بالأمرين الأولين، ولا يشترط أن يترك الأكل؛ لقول ابن عباس ﵄: «إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ المُعَلَّمُ، فَلَا تَأْكُلْ، وَأَمَّا الصَّقْرُ وَالبَازِيُّ فَإِنَّهُ إِذَا أَكَلَ أُكِلَ» [عبد الرزاق: ٨٥١٤]، ولأن تعليمه بالأكل، ويتعذر تعليمه بدونه، بخلاف ما يصيد بنابه.

стр. 1626

- فرع: يعتبر لحلِّ صَيْدِ ذي ناب، أو صيد ذي مخلب؛ جرحه للصيد؛ لأنه آلة القتل، كالمحدد، فلو قتل الجارح الصيد بصدم أو خنق لم يُبَح؛ لعدم جرحه، كالمعراض إذا قتل بثقله. (وَ) الشرط الثالث من شروط إباحة الصيد: قصد الفعل، وذلك بـ (ـإِرْسَالِهَا) أي: الآلة (قَاصِداً) الصيد، (فَلَوِ اسْتَرْسَلَ جَارِحٌ بِنَفْسِهِ فَقَتَلَ صَيْداً)، أو سقط السهم من يده فعقره؛ (لَمْ يَحِلَّ) الصيد؛ لحديث عدي السابق، وفيه: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ فَقَتَلَ؛ فَكُلْ»، ولأن إرسال الجارحة جُعِل بمنزلة الذبح، ولذلك اعتبرت التسمية معه، ولأن قتل الصيد أمر يُعتبر له الدين، فاعتبر له القصد؛ كطهارة الحدث. - فرع: يستثنى من ذلك: ١ - إذا استرسل الجارح دون إرسال، فزجره صاحبه، فزاد في عدوه في طلب الصيد؛ حل الصيد حيث سمى؛ لأن زجره أثَّر في عدوه، فصار كما لو أرسله، ولأن فعل الآدمي إذا انضاف إلى فعل البهيمة كان الاعتبار لفعل الآدمي. فإن زجره ولم يَزِد عَدْوُه؛ لم يحل الصيد؛ لأن الزجر لم يزد شيئًا عند استرسال الجارح بنفسه.

стр. 1627

٢ - إذا زجره صاحبه فوقف، ثم أرسله وسمَّى عند إرساله؛ حلَّ صيده؛ لتحقق الشرط حينئذ. (وَ) الشرط الرابع: (التَّسْمِيَةُ عِنْدَ رَمْيِ) السهم، (أَوْ) عند (إِرْسَالِ) الجارحة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]، ولحديث عدي السابق، وفيه: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ؛ فَكُلْ»، ولأن الإرسال هو الفعل الموجود من المُرْسِل، فاعتبرت التسمية عنده، كما تعتبر عند الذبح. - فرع: (وَلَا تَسْقُطُ) التسمية هنا (بِحَالٍ) أي: سواء تركها عمدًا أو سهوًا، واختاره ابن عثيمين؛ للآية السابقة والحديث، والفرق بين الصيد والذبيحة: أن الذبح وقع في محله، فجاز أن يسامح فيه، بخلاف الصيد، ولأن في الصيد نصوصًا خاصة، ولأن الذبيحة تكثر ويكثر النسيان فيها. - فرع: (وَسُنَّ تَكْبِيرٌ مَعَهَا) أي: مع التسمية، فيقول: باسم الله والله أكبر؛ قياسًا على الذكاة. - مسألة: (وَمَنْ أَعْتَقَ صَيْداً) بأن أرسل صيدًا، وقال: أعتقتك، (أَوْ أَرْسَلَ بَعِيراً، أَوْ) أرسل (غَيْرَهُ) كبقرة؛ (لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ)، ولا يملكه آخذه بإعراضه عنه؛ لأن الإرسال والاعتاق لا يوجب زوال ذلك.

стр. 1628

(بَابُ الأَيْمَانِ) جمع يمين، وهي: الحَلِف والقَسَم، وأصل اليمين: اليد المعروفة، سُمي بها الحلف؛ لإعطاء الحالف يمينه فيه؛ كالعهد والمعاقدة. وشرعًا: توكيد محلوف عليه، بذكر معظَّم، على وجه مخصوص. وهي مشروعة في الجملة إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩]، ولحديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» [البخاري: ٦٦٢٢، ومسلم: ١٦٥٢]. - مسألة: (تَحْرُمُ) اليمين ولا تنعقد إذا كانت: أولاً: (بِغَيْرِ اللهِ) تعالى، فيجب الحلف بالله تعالى، نحو: والله، وبالله، وتالله، أو باسم من أسمائه، نحو: والرحمن، والخالق، ونحوها، والحلف بأسماء الله تعالى لا يخلو من أربعة أقسام: القسم الأول: أن يكون مما لا يُسمى به غيره؛ مثل: الله، والرحمن، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، ونحوها: فتكون يمينًا بكل حال، نوى به

стр. 1629

اليمين أو لا؛ لأن ذلك صريح في مقصوده، فلم يفتقر إلى نية، كصريح الطلاق ونحوه. القسم الثاني: أن يكون مما يُسمى به الله ويسمى به غيره تعالى، وإطلاقه ينصرف إلى الله تعالى؛ كالعظيم، والرحيم، والرازق: فلا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن ينوي به الله تعالى: فينعقد يمينًا؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله، فكان يمينًا. والثانية: ألا ينوي شيئًا: فينعقد يمينًا؛ لأنه بإطلاقه ينصرف إليه تعالى. والثالثة: أن ينوي به غيره تعالى: فليس بيمين؛ لأنه يستعمل في غيره، كما في قوله تعالى: ﴿ارجع إلى ربك﴾ [يوسف: ٥٠] ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾. القسم الثالث: أن يكون مما يسمى به الله ويُسمى به غيره، ولا يغلب إطلاقه على الله، مثل: الحي والعزيز والمؤمن ونحوه، فلا يخلو من ثلاث حالات أيضًا: الأولى: أن ينوي به الله: فينعقد به الحلف؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله، فكان يمينًا. والثانية: أن ينوي به غير الله: فليس بيمين؛ لأن الحلف الذي تجب به

стр. 1630

الكفارة لم يُقصد، ولا اللفظ ظاهر في إرادته، فوجب ألا يترتب عليه على الحالف بالله تعالى. والثالثة: ألا ينوي به شيئًا: فليس بيمين؛ لما تقدم. وقيل: ينعقد به الحلف؛ لأن الأصل بالمسلم أنه لا يحلف إلا بالله. القسم الرابع: أن يكون مما لا يُعد من أسماء الله تعالى؛ كالشيء والموجود ونحوه ذلك: فحكمه كالقسم السابق. ثانيًا: (أَوْ) أي: تنعقد اليمين إذا كانت بـ (صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ) تعالى؛ سواء كانت صفة ذاتية؛ كعزة الله، ووجه الله، وسمع الله، أو صفة فعلية؛ ككلام الله، ونحو ذلك؛ فينعقد الحلف بذلك؛ لقوله تعالى: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص: ٨٢]، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: «أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ» [البخاري: ٦٦٢٨]، ولما روى أبو جحيفة ﵁، قال: قلت لعلي ﵁: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: «لَا وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَعْلَمُهُ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلًا فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ» [مسلم: ٣٠٤٧]. ثالثاً: (أَوِ) أي: تنعقد اليمين إذا كانت بـ (القُرْآنِ)، أو بسورة منه، أو بآية من آياته؛ فينعقد الحلف بها؛ لأنه حلف بصفة من صفاته تعالى. ومثله: لو حلف بالمصحف؛ لأن الحالف إنما قصد المكتوب فيه، وهو القرآن.

стр. 1631

- فرع: الحلف بغير الله محرم؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» [البخاري: ٦٦٤٦، ومسلم: ١٦٤٦]. وهو شرك بالله تعالى؛ لما روى سعد بن عبيدة، قال: سمع ابن عمر رجلًا يحلف: لا والكعبة، فقال له ابن عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» [أحمد: ٦٠٧٢، وأبو داود: ٣٢٥١، والترمذي: ١٥٣٥]. وأما حديث طلحة بن عبيد الله ﵁: أن النبي ﷺ قال في قصة الأعرابي: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» [مسلم: ١١]، فقال ابن عبد البر: (هذه لفظة غير محفوظة في هذا الحديث)، ثم حكم عليها بالنكارة، وعلى القول بثبوته يقال: هو قبل النهي؛ للأحاديث الكثيرة في تحريم الحلف بغير الله تعالى. - فرع: لا تجب الكفارة بالحلف بغير الله؛ لأنها إنما وجبت في الحلف بالله، صيانة لأسمائه تعالى، وغيره لا يساويه في ذلك. - فرع: يكره الحلف بالطلاق والعتق؛ لحديث ابن عمر السابق: «أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» [أبو داود: ٣٢٤٨، والنسائي: ٣٧٦٩]، قيل لأحمد: يكره الحلف بعتق

стр. 1632

أو طلاق أو شيء؟ قال: (سبحان الله! لِمَ لا يكره؛ لا يحلف إلا بالله تعالى). قال في الفروع: (واختار شيخنا - يعني: شيخ الإسلام - التحريم وتعزيره، وفاقًا لمالك، واختار في موضع: لا يكره, وأنه قول غير واحد من أصحابنا؛ لأنه لم يحلف بمخلوق, ولم يلتزم لغير الله شيئًا, وإنما التزم لله كما يلتزم بالنذر, والالتزام لله أبلغ من الالتزام به, بدليل النذر له واليمين به, ولهذا لم ينكر الصحابة على من حلف بذلك, كما أنكروا على من حلف بالكعبة). وسبق في كتاب الطلاق حكم وقوع الطلاق أو عدمه. - مسألة: (فَمَنْ حَلَفَ) يمينًا بالله، أو بصفة من صفاته، أو بالقرآن، (وَحَنِثَ) بها، - ويأتي معنى الحنث -؛ (وَجَبَتْ عَلَيْهِ) أي: على الحالف (الكَفَّارَةُ)؛ لحديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ السابق، وفيه: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». - مسألة: (وَ) يشترط (لِوُجُوبِهَا) أي: الكفارة باليمين (أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ) (١):

стр. 1633

الشرط الأول: (قَصْدُ عَقْدِ اليَمِينِ)؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩]، فلا تنعقد اليمين: ١ - إذا كانت لغوًا؛ بأن سبقت اليمين على لسان الحالف بلا قصد؛ كقوله: لا والله، وبلى والله، في عرض حديثه، ولا كفارة فيها؛ لقول عائشة ﵂: «أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لا وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ» [البخاري: ٤٦١٣]. ٢ - إذا كانت من نائم، وصغير، ومجنون، ومغمىً عليه، ونحوهم؛ لأنه لا قصد لهم. (وَ) الشرط الثاني: (كَوْنُهَا) أي: اليمين منعقدة، وهي التي يُمكِن فيها البر والحنث، وذلك بأن يكون الحلف مشتملًا على وصفين: الوصف الأول: أن يكون الحلف (عَلَى مُسْتَقْبَلٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩]، فأوجب الكفارة في الأيمان المنعقدة، فظاهره إرادة المستقبل من الزمان؛ لأن العقد إنما يكون في المستقبل دون الماضي. - فرع: وعلى هذا: (فَلَا تَنْعَقِدُ) اليمين بحلف (عَلَى مَاضٍ)؛ لأن شرط الانعقاد إمكان البر والحنث، وذلك متعذر في الماضي. واليمين على الماضي نوعان:

стр. 1634

الأول: أن يكون الحالف (كَاذِباً عَالِماً بِهِ) أي: بكذبه، (وَهِيَ) التي تُسمى: اليمينَ (الغَمُوسَ)؛ لأنها تغمس الحالف بها في الإثم، ثم في النار، ولا كفارة فيها، لقول ابن مسعود ﵁: «كُنَّا نَعُدُّ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ: اليَمِينَ الغَمُوسَ» [البيهقي: ١٩٨٨٣]. واليمين الغموس من الكبائر؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ» [البخاري: ٦٦٧٥]. (وَ) النوع الثاني: (لَا) تنعقد اليمين بحلف على ماضٍ (ظَانًّا صِدْقَ نَفْسِهِ، فَيَبِينُ بِخِلَافِهِ) أي: خلاف ظنه، كمن حلف: ما فعلت كذا، يظن أنه لم يفعله فبان أنه فعله؛ فلا يحنث، ولا كفارة عليه، وحكاه ابن عبد البر إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [المائدة: ٨٩] وهذا منه؛ لأنه يكثر، فلو وجبت به كفارة؛ لشق وحصل الضرر، وهو منتف شرعًا. - فرع: فأما إن حلف على أمر مستقبل ظانًّا صدق نفسه، فبان بخلافه؛ كمن حلف على غيره يظن أنه سوف يعطيه، فلم يفعل؛ فإنه يحنث؛ لعدم وجود المحلوف عليه. واختار شيخ الإسلام: أنه لا يحنث لو حلف على أمر في المستقبل ظانًّا

стр. 1635

صدقه؛ لأنه بارٌّ بيمينه، حيث أخبر عن اعتقاده، إلا أنه تبين أنه على خلاف اعتقاده، والاعتبار بما قصده في قلبه. الوصف الثاني في اليمين المنعقدة: أن يكون الحلف على أمر ممكن، فإن حلف على أمر مستحيل، فلا يخلو من حالين: ١ - أن يكون الحلف على فعل المستحيل، كقوله: والله لأصعدن السماء، وقوله: والله لأقلِبَنَّ الحجر ذهبًا، ونحو ذلك؛ انعقدت يمينه؛ لأنها يمين على مستقبل، وعليه الكفارة في الحال؛ لأنه ميؤوس منه. ٢ - أن يكون الحلف على عدم فعل المستحيل، وأشار إليه بقوله: (وَلَا) تنعقد يمين عُلِّق الحنث فيها (عَلَى فِعْلِ مُسْتَحِيلٍ)؛ كقوله: والله لا صعدت السماء، أو يقول: والله لا رددت أمس، أو يقول: والله لا قلبت الحجر ذهبًا، ونحو ذلك؛ فهي يمين لغو لا كفارة فيها؛ لعدم وجود المحلوف عليه. - فرع: إن حلف على حاضر فقال: والله لتفعلن يا فلان كذا، أو قال: لا تفعلن كذا، فلم يطعه؛ حَنِثَ الحالف؛ لعدم وجود المحلوف عليه. واختار شيخ الإسلام: أنه لا حنث عليه إذا حلف على غيره ليفعلنه فخالفه، إذا قصد إكرامه لا إلزامه به؛ لأنه كالأمر إذا فُهم منه الإكرام؛ لأن النبي ﷺ أمر أبا بكر بالوقوف في الصف ولم يقف [البخاري: ٦٦٤، ومسلم: ٤٢١]. (وَ) الشرط الثالث: (كَوْنُ حَالِفٍ مُخْتَاراً) لليمين، فلا تنعقد من مكره

стр. 1636

عليها؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٠٤٥]. (وَ) الشرط الرابع: (حِنْثُهُ) في يمينه، وذلك (بِفِعْل مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ تَرْكِ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ)، فإن لم يحنث فلا كفارة؛ لأن من لم يحنث لم يهتك حرمة القسم. بشرط أن يكون الحنث من (غَيْرِ): ١ - (مُكْرَهٍ)، فمن حلف لا يدخل دارًا، فحُمِل مكرهًا، فأُدخِلها؛ لم يحنث؛ لأن فعل المكره لا ينسب إليه؛ للخبر السابق. ٢ - (أَوْ جَاهِلٍ)؛ كما لو دخل في المثال السابق جاهلًا أنها الدار المحلوف عليها؛ قياسًا على الناسي. ٣ - (أَوْ نَاسٍ)؛ كما لو دخل في المثال السابق ناسيًا ليمينه، أو أنها الدار المحلوف عليها، فلا كفارة؛ لحديث ابن عباس السابق. ٤ - أو مجنونٍ، فلا يحنث لو فعل المحلوف عليه حال كونه مجنونًا؛ لأنه لا قصد له. - مسألة: لا يخلو حكم الحنث من خمسة أقسام:

стр. 1637

القسم الأول: المسنون، وأشار إليه بقوله: (وَيُسَنُّ حِنْثٌ، وَيُكْرَهُ بِرٌّ: إِذَا كَانَتِ) اليمين (عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ)؛ كمن حلف أن يأكل ثومًا، (أَوْ) كانت اليمين على (تَرْكِ مَنْدُوبٍ)؛ كمن حلف على ترك صلاة الضحى، أو ترك إصلاح بين اثنين، ونحو ذلك، ويكره برُّه؛ لحديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ السابق، وفيه: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»، ولما يترتب عليه من الثواب بترك المكروه امتثالًا وفعل المندوب. القسم الثاني: المكروه: إذا كانت اليمين على فعل مندوب، أو ترك مكروه؛ فيكره الحنث في اليمين، ويستحب بره؛ لما يترتب على بِرِّهِ من الثواب الحاصل بفعل المندوب، وترك المكروه، وأشار إليه بقوله: (وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ). القسم الثالث: الواجب، وأشار إليه بقوله: (وَيَجِبُ) الحنث (إِنْ كَانَتْ) اليمين (عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ)؛ كمن حلف أن يشرب خمرًا، (أَوْ) كانت اليمين على (تَرْكِ وَاجِبٍ)؛ كمن حلف أن يقطع رحمه، ويحرم بره؛ لما في بِرِّهِ من الإثم بفعل المحرم، أو ترك الواجب. القسم الرابع: المحرم، وأشار إليه بقوله: (وَعَكْسُهُ) أي: عكس الوجوب، وهو التحريم، إذا كانت اليمين على فعل واجب، أو ترك محرم،

стр. 1638

(بِعَكْسِهِ) أي: فيحرم الحنث في اليمين؛ لما في الحنث من الإثم بفعل المحرم، أو ترك الواجب. القسم الخامس: المباح: إذا كانت اليمين على فعل مباح، أو تركه؛ فيخير بين حنثه وبره، وحفظ اليمين في المباح، أولى من الحنث؛ لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (فَصْلٌ) - مسألة: (وَإِنْ حَرَّمَ أَمَتَهُ أَوْ) حرم شيئًا (حَلَالاً) من طعام، أو لباس أو غير ذلك، أو قال: هو علي كالميتة، أو كالخنزير، أو غير ذلك، (غَيْرَ زَوْجَةٍ)؛ لأن تحريمها ظهار كما سبق؛ (لَمْ يَحْرُمْ) ما حرَّمه؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾، إلى قوله: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ١ - ٢]، واليمين على الشيء لا يحرمه، [ولأنه لو حَرُم بذلك؛ لتقدمت الكفارة عليه كالظهار.] [*]

стр. 1639

- فرع: (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ)؛ للآية السابقة، وسبب نزولها: ما ورد في قصة عائشة ﵂ لما تواطأت مع حفصة ﵂، وفيه أنه ﷺ قال: «بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ» [البخاري: ٦٦٩١، ومسلم: ١٤٧٤]، وعن ابن عباس ﵄، قال في الحرام: «يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا» وقال ابن عباس: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١]، [البخاري: ٤٩١١، ومسلم: ١٤٧٣]. فإن ترك ما حرم على نفسه؛ فلا شيء عليه. فصل في كفارة اليمين - مسألة: (وَتَجِبُ) أي: كفارة ونذر؛ لقوله تعالى: (واحفظوا أيمانكم)، ويجب إخراج كفارة، ونذر؛ (فَوْراً بِحِنْثٍ)؛ لأن الأصل في الأوامر الفورية. - فرع: وقت إخراج كفارة اليمين لا يخلو من ثلاثة أقسام: القسم الأول: إخراج الكفارة قبل الحلف: فلا تجزئ إجماعًا؛ لأنه تقديمٌ للحكم على سببه، كتقديم الزكاة على ملك النصاب. القسم الثاني: إخراج الكفارة بعد الحنث: تجزئ إتفاقًا، وتكون مكفِّرة لليمين.

стр. 1640

القسم الثالث: إخراج الكفارة بعد الحلف وقبل الحنث: تجزئ، وتكون محلِّلة لليمين؛ لحديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ السابق: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»، وصح عن عبد الله بن عمر ﵄: «أَنَّهُ كَانَ يَحْلِفُ فَيُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ الَّذِي حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ، فَيُكَفِّرُ مَرَّةً قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُهُ بَعْدُ، وَيَفْعَلُهُ مَرَّةً قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، ثُمَّ يُكَفِّرُ بَعْدَمَا يَفْعَلُ» [عبد الرزاق: ١٦١٠٨]، ونحوه عن سلمان ﵁ [عبدالرزاق: ١٦١٠٩]، ولأنه كفَّر بعد وجود السبب فأجزأه، كما لو كفَّر في القتل بعد الجرح وقبل الزهوق، والسبب هو اليمين؛ لإضافتها إليه، وتكررها بتكرره، والحنث شرط. - مسألة: تجب كفارة اليمين تخييرًا بين الإطعام والكسوة والعتق، ثم ترتيبًا بين الثلاثة وبين الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة: ٨٩] - فرع: (وَيُخَيَّرُ فِيهَا) أي: في كفارة اليمين (بَيْنَ) ثلاثة أشياء: ١ - (إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ)، لكل مسكين مدُّ برٍّ، أو نصف صاع من غيره، وتقدم الكلام عليه في الزكاة.

стр. 1641

٢ - (أَوْ كِسْوَتِهِمْ) أي: العشرة المساكين، (كِسْوَةً تَصِحُّ بِهَا صَلَاةُ فَرْضٍ)، جديدًا أو لبيسًا، من قطن أو كتان أو غير ذلك؛ لأنه تعالى أطلق كسوتهم، فأي جنس كساهم خرج به عن العهدة، ما لم تذهب قوته، فلا يجزئ؛ لأنه صار معيبًا. واختار ابن عثيمين: يرجع فيه إلى العرف؛ لإطلاق الآية، وللقاعدة: (إذا ورد شيء في الشرع ولم يحدد، رُجع في تحديده إلى العرف). ٣ - (أَوْ عِتْقِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) سليمة مما يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا، وتقدم تفصيله في الظهار. (فَإِنْ عَجَزَ) من وجبت عليه كفارة يمين عن هذه الثلاثة، (كَـ) ـعجزٍ عن (فِطْرَةٍ) أي: عن زكاة الفطر، وتقدم تفصيله؛ (صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)؛ للآية السابقة، بشرط كونها (مُتَتَابِعَةً)؛ لقراءة أُبي بن كعب، وابن مسعود ﵄: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) [ابن أبي شيبة: ١٢٣٦٨، وعبد الرزاق: ١٦١٠٤]. فصل جامع الأيمان - مسألة: (وَمَبْنَى يَمِينٍ عَلَى العُرْفِ)؛ كالراوية: حقيقة في الجمل

стр. 1642

يستسقى عليه، وعرفًا: للمزادة، فتتعلق اليمين بالعرف دون الحقيقة؛ لأنها صارت مهجورة فلا يعرفها أكثر الناس، ويأتي تفصيل ذلك. - مسألة: (وَيُرْجَعُ فِيهَا) أي: في الأيمان إلى مراتب: المرتبة الأولى: يرجع في الأيمان (إِلَى نِيَّةِ حَالَفٍ)، ولا يرجع إلى نيته إلا بشرطين: الشرط الأول: أن يكون الحالف (لَيْسَ ظَالِماً) باليمين، فإن كان ظالمًا فإن يمينه على ما يصدقه صاحبها الذي استحلفه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ» [مسلم ١٦٥٣]، وتقدم تفصيل ذلك في كتاب الطلاق. الشرط الثاني: (إِنِ احْتَمَلَهَا) أي: النية (لَفْظُهُ) أي: الحالف، ولا تخلو نية الحالف من ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يحتمل لفظه نيته احتمالًا قريبًا أو متوسطًا؛ (كَنِيَّتِهِ بِبِنَاءٍ وَسَقْفٍ: السَّمَاءَ)، وكنيته بالفراش وبالبساط: الأرضَ؛ فتصرف اليمين إليه بالنية؛ لحديث عمر ﵁ مرفوعاً: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧]، ولأن كلام الشارع يحمل على ما دل دليل على إرادته به، فكذا كلام غيره.

стр. 1643

ويُقدَّم ما نواه على عموم لفظه؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله ويسوغ لغة التعبير به عنه، فانصرفت يمينه إليه، والعام قد يراد به الخاص؛ كقوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ [آل عمران: ١٧٣] فالناس الأول: أريد به نعيم بن مسعود الأشجعي، والناس الثاني: أبو سفيان وأصحابه، وكقوله: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ولم تدمر السماء ولا الأرض ولا مساكنهم، فحيث احتمله اللفظ، وجب صرف اليمين إليه بالنية. القسم الثاني: أن يحتمل لفظه نيته احتمالًا بعيدًا: لم تقبل دعوى إرادته حكمًا، ويدين؛ لمخالفته للظاهر. القسم الثالث: ألا يحتمله اللفظ أصلًا؛ كما لو حلف لا يأكل خبزًا، وقال: أردت لا أدخل بيتًا؛ لم تنصرف اليمين إلى المنوي؛ لأنها نية مجردة لا يحتملها لفظه، أشبه ما لو نواه بغير يمين. المرتبة الثانية: إن عُدمت النية: رُجِع فيها إلى سبب اليمين وما هيجها؛ لدلالتها على النية؛ فمن حلف ليقضين زيدًا حقه غدًا، فقضاه قبله؛ لم يحنث، إذا قَصَد عدم تجاوز الغد، ومن حلف لا يشرب لفلان الماء، - والسبب الدافع لذلك: قطع مِنَّتِه -: حنث بأكل خبزه، واستعارة دابته، وكل ما فيه منة. المرتبة الثالثة: إن عُدم سبب اليمين وما هيجها: رُجِع إلى التعيين، وهو الإشارة؛ لأنه أبلغ من دلالة الاسم على مسماه، لنفيه الإبهام بالكلية، فمن

стр. 1644

حلف لا يدخل دار فلان هذه، فدخلها وقد باعها، أو قال: لا لبست هذا القميص، فلبسه وهو عمامة أو سراويل، أو حلف: لا كلمتُ هذا الصبي، فصار شيخًا، ولا نية له ولا سبب: حنث؛ لبقاء عين المحلوف عليه. المرتبة الرابعة: إن عُدِم التعيين: رُجِع إلى ما يتناوله الاسم؛ لأنه دليل على إرادة المسمى، ولا معارض له هنا، فوجب أن يرجع إليه؛ عملًا به لسلامته عن المعارضة. والاسم يتناول: الشرعي، والعرفي، والحقيقي وهو اللغوي، ولا تخلو هذه الدلالات من حالين: الأولى: ألا تختلف الدلالات الثلاث، بأن لم يكن للاسم إلا مسمَّى واحد؛ كسماء، وأرض، ورجل، وإنسان، ونحوها: فينصرف الاسم إلى مسماه بلا خلاف. الثانية: إذا اختلفت الدلالات الثلاث: فيُقدَّم الاسم الشرعي عند الإطلاق؛ لأنه المتبادر للفهم عند الإطلاق، ولذلك حُمِل عليه كلام الشارع حيث لا صارف، ثم الاسم العرفي؛ لأنه الذي يريده بيمينه ويفهم من كلامه، أشبه الحقيقة في غيره، ثم اللغوي. - والاسم الشرعي: هو ما له موضوع شرعًا وموضوع لغةً؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والوضوء، والبيع، ونحوه: فاليمين المطلقة على فعل شيء من ذلك أو تركه تنصرف إلى الموضوع الشرعي؛ لأنه المتبادر

стр. 1645

للفهم عند الإطلاق، ولذلك حُمِل عليه كلام الشارع حيث لا صارف. - والاسم العرفي: هو ما اشتَهَر مجازه حتى غلب على حقيقته؛ كالرَّاوِية، حقيقة: في الجمل يُستسقى عليه، وعُرفًا: للمزادة، وكالظعينة، حقيقة: الناقة يظعن عليها، وعُرفًا: المرأة في الهودج، وكالدابة، حقيقة: ما دَبَّ ودرج، وعُرفًا: الخيل والبغال والحمير: فتتعلق اليمين فيه بالعُرف دون الحقيقة؛ لأن الحقيقة صارت مهجورة، فلا يعرفها أكثر الناس. فمن حلف: لا يأكل عيشًا؛ حَنِث بأكل خبز؛ لأنه المعروف فيه، والعيش لغة: الحياة، ومن حلف: لا يطأ دارًا ولا يضع قدمه في دار؛ حنث بدخولها راكبًا وماشيًا وحافيًا ومنتعلًا، كما لو حلف لا يدخلها؛ لأن ظاهر الحال أن القصد امتناعه من دخولها. - والاسم الحقيقي وهو اللغوي: هو ما لم يغلب مجازه على حقيقته، فمن حلف: لا يأكل لحمًا؛ حنث بأكل لحم سمك، ولا يحنث بأكل مخ وكبد وكلية؛ لأن مطلق اللحم لا يتناول شيئًا من ذلك، وإن حلف: لا يَلْبَس شيئًا فلبس قَلَنْسوة؛ حنث؛ لأنه ملبوس حقيقة وعرفًا. وإن حلف لا يكلِّم إنساناً؛ حنث بكلام كل إنسان.

стр. 1646

(فَصْلٌ) في النذر النذر لغة: الإيجاب، يقال: نَذَرَ دَمَ فلان، أي: أوجب قتله. وشرعًا: إلزامُ مكلفٍ مختارٍ نفسَه لله تعالى، شيئًا غير لازم بأصل الشرع، بكل قول يدل عليه. وأجمعوا على صحة النذر ولزوم الوفاء به في الجملة؛ لقوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾ [الإنسان: ٧]، ولقوله: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩]، ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» [البخاري: ٦٦٩٦]. - مسألة: (النَّذْرُ مَكْرُوهٌ) ولو كان عبادةً؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: نهى النبي ﷺ عن النذر، وقال: «إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ» [البخاري: ٦٦٠٨، ومسلم: ١٦٣٩]، والنهي عنه لكراهته؛ لأنه لو كان حرامًا لما مدح المُوفِين به؛ لأن ذمهم بارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه، ولو كان مستحبًا؛ لفعله النبي ﷺ وأصحابه. وتوقف شيخ الإسلام ﵀ في تحريمه.

стр. 1647

وقال بعض أهل العلم (١): النذر لا يخلو من حالين: الحالة الأولى: نذر مطلق؛ كقوله: لله عليه أن أصوم يومًا، وهو الذي ورد الثناء على فاعله في قوله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) [البقرة: ٢٧٠]، وقوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾ [الإنسان: ٧]، قال قتادة في تفسير الآية: «كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والزكاة، والحجّ والعمرة، وما افترض عليهم، فسماهم الله بذلك: الأبرار» [الطبري ٢٤/ ٩٥]، ولأن النذر وسيلة إلى التزام القربة، والوسيلة إلى الطاعة طاعة، وفائدته: أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوع. الحالة الثانية: نذر مقيد؛ كقوله: إن شُفِي مريضي فلله علي أن أصوم يومًا، وهو على قسمين: الأول: إن اعتقد أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر: فهو محرم؛ لما فيه من الاعتقاد الباطل، وإليه الإشارة بقوله في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللهُ قَدَّرَهُ لَهُ، وَلَكِنِ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ، فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ، مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ»

стр. 1648

[البخاري: ٦٦٠٩، ومسلم: ١٦٤٠]. الثاني: إن نذر نذرًا مقيدًا دون اعتقاد خاطئ: فهو مكروه؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق، ووجه الكراهة: أنه لما وقَّف فعل القربة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى، بل سلك فيها مسلك المعارضة؛ لأنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه، وهذه حالة البخيل، فإنه لا يخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبًا. - مسألة: (وَلَا يَصِحُّ) النذر (إِلَّا مِنْ): ١ - (مُكَلَّفٍ) أي: بالغ عاقل؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد ٢٤٦٩٤، وأبو داود ٤٤٠٣، والنسائي ٣٤٣٢، وابن ماجه ٢٠٤١]. ٢ - مختار، فلا يصح من مكرهٍ؛ لقوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان). ٣ - بقول، فلا ينعقد بغير قول؛ كالنكاح والطلاق، إلا من أخرسَ بإشارة مفهومة؛ كيمينه.

стр. 1649

- مسألة: (وَ) النذر (المُنْعَقِدُ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ): الأول: النذر (المُطْلَقُ: كَـ) ـقوله: (لِلهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا)، ولم يسم شيئًا، كما لو قال: لله عليه نذر إن أكلت، (وَلَا نِيَّةَ) له بشيء؛ (فَـ) ـعليه (كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ) أي: فعل ما علق عليه نذره؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» [مسلم: ١٦٤٥]، وفي رواية: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» [الترمذي: ١٥٢٨، وابن ماجه: ٢١٢٧]. (الثَّانِي: نَذْرُ لَجَاجٍ وَغَضَبٍ: وَهُوَ تَعْلِيقُهُ) أي: النذر (بِشَرْطٍ يَقْصِدُ المَنْعَ مِنْهُ) أي: من المعلَّق عليه، (أَوْ) يقصد (الحَمْلَ عَلَيْهِ)، أو التصديق إذا كان خبرًا، فالأول (كَـ) قوله: (إنْ كَلَّمْتُكَ فَعَلَيَّ كَذَا)، والثاني كقوله: إن لم أخبرك بكذا فعلي الحج، أو إن لم يكن هذا الخبر صدقًا فعلي صوم يوم؛ (فَيُخَيَّرُ) حينئذ (بَيْنَ فِعْلِهِ) أي: فعل ما التزمه، (وَ) بين (كَفَّارَةِ يَمِينٍ)؛ لحديث عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي

стр. 1650

غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» [أحمد: ١٩٨٨٨، والنسائي: ٣٨٤٢]، ولأنها يمين فيُخير فيها بين الأمرين؛ كاليمين بالله تعالى. (الثَّالِثُ: نَذْرُ) فعل (مُبَاحٍ، كَـ) ـقوله: (لِلهِ عَلَيَّ أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي)، أو: لله علي أن أركب دابتي: (فَيُخَيَّرُ أَيْضاً) بين فعله وكفارة يمين؛ كما لو حلف عليه؛ لما ورد عن ابن عباس ﵄ قال: بينا النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» [البخاري: ٦٧٠٤]، ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، قال: «أَوْفِي بِنَذْرِكِ» [أبو داود: ٣٣١٢]، ولحديث عقبة بن عامر ﵁ السابق: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ». (الرَّابِعُ: نَذْرُ) فعل (مَكْرُوهٍ؛ كَـ) ـنذر (طَلَاقٍ)؛ إذ الأصل في الطلاق الكراهة كما تقدم، (وَنَحْوِهِ)؛ كنذر أكل ثوم وبصل: (فَالتَّكْفِيرُ) عن يمينه (أَوْلَى) من فعل المكروه، وقال في المنتهى: (فيسن أن يكفر ولا يفعله)؛ لأنَّ ترك المكروه أولى من فعله، وإن فعله فلا كفارة؛ لأنه وفَّى بنذره. (الخَامِسُ: نَذْرُ) فعل (مَعْصِيَةٍ؛ كَـ) نذر (شُرْبِ خَمْرٍ)، وصوم يوم عيد،
следующие страницы →