(فَصْلٌ) في النذر
النذر لغة: الإيجاب، يقال: نَذَرَ دَمَ فلان، أي: أوجب قتله.
وشرعًا: إلزامُ مكلفٍ مختارٍ نفسَه لله تعالى، شيئًا غير لازم بأصل الشرع، بكل قول يدل عليه.
وأجمعوا على صحة النذر ولزوم الوفاء به في الجملة؛ لقوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾ [الإنسان: ٧]، ولقوله: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩]، ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» [البخاري: ٦٦٩٦].
- مسألة: (النَّذْرُ مَكْرُوهٌ) ولو كان عبادةً؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: نهى النبي ﷺ عن النذر، وقال: «إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ» [البخاري: ٦٦٠٨، ومسلم: ١٦٣٩]، والنهي عنه لكراهته؛ لأنه لو كان حرامًا لما مدح المُوفِين به؛ لأن ذمهم بارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه، ولو كان مستحبًا؛ لفعله النبي ﷺ وأصحابه.
وتوقف شيخ الإسلام ﵀ في تحريمه.
стр. 1647
وقال بعض أهل العلم (١): النذر لا يخلو من حالين:
الحالة الأولى: نذر مطلق؛ كقوله: لله عليه أن أصوم يومًا، وهو الذي ورد الثناء على فاعله في قوله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) [البقرة: ٢٧٠]، وقوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾ [الإنسان: ٧]، قال قتادة في تفسير الآية: «كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والزكاة، والحجّ والعمرة، وما افترض عليهم، فسماهم الله بذلك: الأبرار» [الطبري ٢٤/ ٩٥]، ولأن النذر وسيلة إلى التزام القربة، والوسيلة إلى الطاعة طاعة، وفائدته: أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوع.
الحالة الثانية: نذر مقيد؛ كقوله: إن شُفِي مريضي فلله علي أن أصوم يومًا، وهو على قسمين:
الأول: إن اعتقد أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر: فهو محرم؛ لما فيه من الاعتقاد الباطل، وإليه الإشارة بقوله في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللهُ قَدَّرَهُ لَهُ، وَلَكِنِ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ، فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ، مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ»
стр. 1648
[البخاري: ٦٦٠٩، ومسلم: ١٦٤٠].
الثاني: إن نذر نذرًا مقيدًا دون اعتقاد خاطئ: فهو مكروه؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق، ووجه الكراهة: أنه لما وقَّف فعل القربة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى، بل سلك فيها مسلك المعارضة؛ لأنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه، وهذه حالة البخيل، فإنه لا يخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبًا.
- مسألة: (وَلَا يَصِحُّ) النذر (إِلَّا مِنْ):
١ - (مُكَلَّفٍ) أي: بالغ عاقل؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد ٢٤٦٩٤، وأبو داود ٤٤٠٣، والنسائي ٣٤٣٢، وابن ماجه ٢٠٤١].
٢ - مختار، فلا يصح من مكرهٍ؛ لقوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان).
٣ - بقول، فلا ينعقد بغير قول؛ كالنكاح والطلاق، إلا من أخرسَ بإشارة مفهومة؛ كيمينه.
стр. 1649
- مسألة: (وَ) النذر (المُنْعَقِدُ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ):
الأول: النذر (المُطْلَقُ: كَـ) ـقوله: (لِلهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا)، ولم يسم شيئًا، كما لو قال: لله عليه نذر إن أكلت، (وَلَا نِيَّةَ) له بشيء؛ (فَـ) ـعليه (كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ) أي: فعل ما علق عليه نذره؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» [مسلم: ١٦٤٥]، وفي رواية: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» [الترمذي: ١٥٢٨، وابن ماجه: ٢١٢٧].
(الثَّانِي: نَذْرُ لَجَاجٍ وَغَضَبٍ: وَهُوَ تَعْلِيقُهُ) أي: النذر (بِشَرْطٍ يَقْصِدُ المَنْعَ مِنْهُ) أي: من المعلَّق عليه، (أَوْ) يقصد (الحَمْلَ عَلَيْهِ)، أو التصديق إذا كان خبرًا، فالأول (كَـ) قوله: (إنْ كَلَّمْتُكَ فَعَلَيَّ كَذَا)، والثاني كقوله: إن لم أخبرك بكذا فعلي الحج، أو إن لم يكن هذا الخبر صدقًا فعلي صوم يوم؛ (فَيُخَيَّرُ) حينئذ (بَيْنَ فِعْلِهِ) أي: فعل ما التزمه، (وَ) بين (كَفَّارَةِ يَمِينٍ)؛ لحديث عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي
стр. 1650
غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» [أحمد: ١٩٨٨٨، والنسائي: ٣٨٤٢]، ولأنها يمين فيُخير فيها بين الأمرين؛ كاليمين بالله تعالى.
(الثَّالِثُ: نَذْرُ) فعل (مُبَاحٍ، كَـ) ـقوله: (لِلهِ عَلَيَّ أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي)، أو: لله علي أن أركب دابتي: (فَيُخَيَّرُ أَيْضاً) بين فعله وكفارة يمين؛ كما لو حلف عليه؛ لما ورد عن ابن عباس ﵄ قال: بينا النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» [البخاري: ٦٧٠٤]، ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، قال: «أَوْفِي بِنَذْرِكِ» [أبو داود: ٣٣١٢]، ولحديث عقبة بن عامر ﵁ السابق: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».
(الرَّابِعُ: نَذْرُ) فعل (مَكْرُوهٍ؛ كَـ) ـنذر (طَلَاقٍ)؛ إذ الأصل في الطلاق الكراهة كما تقدم، (وَنَحْوِهِ)؛ كنذر أكل ثوم وبصل: (فَالتَّكْفِيرُ) عن يمينه (أَوْلَى) من فعل المكروه، وقال في المنتهى: (فيسن أن يكفر ولا يفعله)؛ لأنَّ ترك المكروه أولى من فعله، وإن فعله فلا كفارة؛ لأنه وفَّى بنذره.
(الخَامِسُ: نَذْرُ) فعل (مَعْصِيَةٍ؛ كَـ) نذر (شُرْبِ خَمْرٍ)، وصوم يوم عيد،
стр. 1651
وترك واجب؛ (فَيَحْرُمُ الوَفَاءُ بِهِ)؛ لحديث عائشة ﵂ السابق، وفيه: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ»، ولأن المعصية لا تباح في حال من الأحوال، (وَيَجِبُ التَّكْفِيرُ) إن لم يفعله، واختاره ابن عثيمين؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» [أحمد: ٢٦٠٩٨، وأبو داود: ٣٢٩٠، والترمذي: ١٥٢٤، والنسائي: ٣٨٣٤، وابن ماجه: ٢١٢٥]، وروي نحوه عن ابن مسعود [عبد الرزاق: ١٥٨١٣]، وابن عباس [وعبد الرزاق: ١٥٩٠٣]، وعمران بن حصين وسمرة بن جندب ﵃ [البيهقي: ٢٠٠٧٦].
فإن وفَّى الناذر به أثم ولا كفارة عليه؛ كما لو حلف على فعل معصية.
(السَّادِسُ: نَذْرُ تَبَرُّرٍ) أي: تقرُّب؛ (كَـ) نذر (صَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَاعْتِكَافٍ) وصدقة وعيادة مريض ونحوه، (بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ) إلى الله تعالى، سواء كان:
١ - نذرًا (مُطْلَقاً) أي: غير معلق بشرط؛ كقوله: لله علي صوم، أو صلاة، أو نحوه.
٢ - (أَوْ مُعَلَّقاً بِشَرْطِ) وجود نعمة يرجوها، أو دفع نقمة يخافها؛ (كَـ) ـقوله: (إنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي)، أو: إن سلَّم مالي؛ (فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا)، أو:
стр. 1652
تصدقت بكذا؛ (فَيَلْزَمُ الوَفَاءُ بِهِ) أي: بالنذر المطلق، وبالنذر المعلَّق إن وُجد ما شرطه؛ لعموم حديث عائشة ﵂ السابق: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ»، وقد ذم تعالى الذين ينذرون ولا يوفون، فقال: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن﴾ [التوبة: ٧٥].
- مسألة: (وَمَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ: أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ) يوم نذره، يتصدق به، ولا كفارة؛ لحديث أبي لبابة بن عبد المنذر ﵁: أنه لما تاب الله عليه، قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك، وإني أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله، فقال رسول الله ﷺ : «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ» [أحمد: ١٥٧٥٠]، فظاهره: أن أبا لبابة أتى بما يقتضي إيجاب الصدقة على نفسه؛ إذ الإجزاء غالبًا إنما يستعمل في الواجبات، ولو كان مخيرًا بإرادة الصدقة؛ لما لزمه شيء يجزئ عنه بعضه.
قال في الكشاف: (قال في الروضة: ليس لنا في نذر الطاعة ما يجزئ بعضه إلا هذا الموضع).
- فرع: (أَوْ) أي: من نذر (صَوْمَ) أيام، لم يخل من ثلاث حالات:
الأولى: إن نذر صوم (شَهْرٍ) مطلق لم يعينه، (وَنَحْوِهِ) كأسبوع مطلق ولم يعينه: (لَزِمَهُ التَّتَابُعُ) في صومه؛ لأنَّ إطلاق الشهر والأسبوع يقتضي التتابع،
стр. 1653
سواء صام شهرًا بالهلال، أو ثلاثين يومًا بالعدد.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أنه لا يلزمه التتابع إلا بشرط أو نية؛ لأنه لو كان الشهر عند الإطلاق يستلزم التتابع، لكان اشتراط التتابع في قوله تعالى: ﴿شهرين متتابعين﴾ لغوًا لا حاجة إليه.
الثانية: إن نذر صوم شهر معين؛ كشهر رجب: يلزمه التتابع؛ لأنه أوجبه على نفسه كذلك بتعبيره بالشهر.
فإن لم يصمه لعذر أو غيره؛ فعليه القضاء؛ لوجوبه بالنذر كرمضان، ويكون القضاء متتابعًا؛ لأنه القضاء يكون بصفة الأداء فيما يمكن، وعليه كفارة يمين؛ لفوات المحل.
الثالثة: إن نذر صوم أيام معدودة، وأشار إليه بقوله: (لَا) يلزمه التتابع (إِنْ نَذَرَ أَيَّاماً مَعْدُودَةً)؛ كعشرين يومًا؛ لأنَّ الأيام لا دلالة لها على التتابع، إلَّا في حالتين:
١ - إذا كان بشرط؛ بأن يقول: متتابعةً؛ لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١].
٢ - إذا كان بنيَّة التتابع؛ لحديث عمر ﵁ مرفوعاً: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧]، ولقيامها مقام التلفظ به.
стр. 1654
- مسألة: (وَسُنَّ الوَفَاءُ بِالوَعْدِ) ولا يلزم؛ لأن الاستثناء في الوعد واجب كما سيأتي، فإذا استثنى لم يجب عليه الوفاء حينئذ، ولأنه في معنى الهبة قبل القبض.
وفي وجه اختاره شيخ الإسلام: يلزم الوفاء بالوعد؛ لقوله تعالى: ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٣]، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [البخاري: ٣٣، ومسلم: ٥٩].
- فرع: (وَحَرُمَ) وعد (بِلَا اسْتِثْنَاءٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣] أي: لا تقولن ذلك إلا معلقًا بأن يشاء الله.
واختار ابن عثيمين: أنه لا يخلو من أمرين:
١ - الإخبار عن المستقبل بما في النفس بلا استثناء: فيجوز؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ» [البخاري: ٢٩٤٢، ومسلم: ٢٤٠٦]،
٢ - الجزم بالفعل في المستقبل: فهذا الذي وردت به الآية الكريمة.
стр. 1655
(كِتَابُ القَضَاءِ)
القضاء لغة: إحكام الشيء، والفراغ منه، ومنه قوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ [فصلت: ١٢].
واصطلاحًا: تبين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات.
والأصل فيه: قوله تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض)، وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» [البخاري: ٧٣٥٢، ومسلم: ١٧١٦]، وأجمع المسلمون على نصب القضاة للفصل بين الناس.
- مسألة: (وَهُوَ) أي: القضاء (فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه؛ (كَالإِمَامَةِ) العظمى والجهاد، قال شيخ الإسلام: (وقد أوجب النبي ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، فهو تنبيه على أنواع الاجتماع).
- مسألة: (فَـ) يجب أن (يَنْصِبَ الإِمَامُ بِكُلِّ إِقْلِيمٍ قَاضِياً)؛ لأن الإمام
стр. 1656
لا يمكنه تولي الخصومات والنظر فيها في جميع البلاد، ولئلا تضيع الحقوق بتوقف فصل الخصومات على الإمام مع اتساع الأرض، وقد بعث النبي ﷺ وأصحابه القضاةَ للأمصار، فبعث النبي ﷺ عليًّا إلى اليمن قاضيًا [أبو داود: ٣٥٨٢، والترمذي: ١٣٣١]، وبعث معاذًا قاضيًا أيضًا [البخاري: ١٤٥٨، ومسلم: ١٩]، وولَّى عمرُ شُريحًا قضاء الكوفة، وولى كعب بن سُور قضاء البصرة [ابن أبي شيبة: ٣٥٧٩٦].
- فرع: (وَ) يجب على الإمام أن (يَخْتَارَ لِذَلِكَ) أي: لمنصب القضاء (أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ عِلْماً وَوَرَعاً)؛ لأن الإمام ناظر للمسلمين، فوجب عليه اختيار الأصلح.
(وَيَأْمُرُهُ) الإمام إذا ولاه (بِالتَّقْوَى)؛ لأنها رأس الدين، (وَ) يأمره بـ (ـتَحَرِّي العَدْلِ) أي: إعطاء الحق لمستحقه من غير ميل؛ لأنه المقصود من القضاء.
- مسألة: (وَتُفِيدُ وِلَايَةُ حُكْمٍ عَامَّةٌ) أي: لم تُخَصَّ بحال دون أخرى، النظرَ في أشياء والإلزام بها، وهي:
стр. 1657
١ - (فَصْلُ الحُكُومَةِ، وَأَخْذَ الحَقِّ) ممن هي عليه (وَدَفْعُهُ إِلَى رَبِّهِ)؛ لأن المقصود من القضاء ذلك.
٢ - (وَالنَّظَرُ فِي مَالِ يَتِيمٍ، وَ) مال (مَجْنُونٍ، وَ) مال (سَفِيهٍ) لا ولي لهم غيره، (وَ) مال (غَائِبٍ)؛ لأن ترك ذلك يؤدي إلى ضياع أموالهم.
٣ - والحجر لسفه، والحجر لفلس؛ لأن الحجر يفتقر إلى نظر واجتهاد، فلذلك كان مختصًّا به.
٤ - (وَ) النظرُ في (وَقْفِ عَمَلِهِ) أي: الأوقاف التي في ولايته؛ (لِيُجْرَى عَلَى شَرْطِهِ) أي: شرط الواقف؛ لأن الضرورة تدعو إلى إجرائها على شروطه.
٥ - (وَغَيْرُ ذَلِكَ) من نحو تنفيذ الوصايا، وتزويج من لا ولي لها من النساء، وتصفح حال شهوده وأمنائه.
قال ابن عثيمين: (موجَب ولاية القضاء ليس أمراً شرعيًّا متلقًّى من الشرع، بحيث نُلزم القاضي به، لكنه أمر عرفي حسب ما تقتضيه الولاية في العرف، فالنظر في وقوف عمله ليس له، فالآن هناك وزارة الأوقاف هي التي تتولى هذا، وإقامة الحدود الآن ليس له، فهو يحكم ويقيم غيره، وإمامة الجمعة والعيد ليس له الآن).
стр. 1658
- مسألة: (وَيَجُوزُ) للإمام (أَنْ يُوَلِّيَهُ) أي: القاضيَ:
١ - (عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ العَمَلِ)، بأن يوليَه القضاء في سائر الأحكام بسائر البلاد.
٢ - (وَ) يجوز أن يوليَه (خَاصًّا فِي أَحَدِهِمَا) أي: في النظر أو في العمل، فيوليه عموم النظر بمكان خاصٍّ، أو يوليه خاصًّا؛ كعقود الأنكحة في سائر البلاد.
٣ - (وَفِيهِمَا) أي: يوليه خاصًّا بمكان خاص، فينفذ حكمه في تلك المنطقة.
- مسألة: (وَشُرِطَ) في القاضي عشر صفات، وهي (كَوْنُ قَاضٍ):
١ - (بَالِغاً)؛ لأن غير البالغ تحت ولاية غيره، فلا يكون واليًا على غيره.
٢ - (عَاقِلاً)؛ لما تقدم.
٣ - (ذَكَراً)؛ لحديث أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» [البخاري: ٤٤٢٥]، ولأنها ضعيفة الرأي، ناقصة العقل، ليست أهلًا للحضور في محافل الرجال، ولم يولِّ ﷺ ولا أحد من خلفائه
стр. 1659
امرأةً قضاءً.
٤ - (حُرًّا) كله؛ لأن غيره منقوص بالرق، مشغول بحقوق سيده.
وقيل، واختاره شيخ الإسلام وابن عثيمين: لا تشترط الحرية، فيجوز أن يكون عبدًا؛ لعدم الدليل على اشتراط الحرية، وأما كونه مشغول بحقوق سيده، فإن السيد إذا أذن له في تولي القضاء فقد زال المانع.
٥ - (مُسْلِماً)؛ لأن الكفر يقتضي إذلال صاحبه، والقضاء يقتضي احترامه، وبينهما منافاة، ولأنه يشترط في الشهادة، ففي القضاء أولى.
قال ابن عثيمين: (وظاهر كلام المؤلف: أنه لا يجوز أن يولى القضاء ولو على أمَّة كافرة، فمثلًا: إذا كان أهل الذمة تحت ولاية المسلمين، فإنه لا يجوز لولي الأمر أن ينصب فيهم قاضيًا منهم، بل ينصب قاضيًا من المسلمين، أما إذا تحاكموا هم إلى واحد منهم، ونصبوا حَكَمًا بينهم فإننا لا نتعرض لهم).
٦ - (عَدْلاً)، فلا تجوز تولية فاسق، ولا من فيه نقص يمنع قبول الشهادة؛ لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]، ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله ويجب التبيين عند حكمه، وقياسًا على الشهادة.
٧ - (سَمِيعاً)؛ لأن الأصم لا يسمع كلام الخصمين.
стр. 1660
واختار ابن عثيمين: إذا أمكن أن تصل حجة الخصمين إلى القاضي بأي وسيلة؛ زالت العلة، وإذا زالت العلة زال الحكم، ولعموم الأدلة.
٨ - (بَصِيراً)؛ لأن الأعمى لا يميز المدَّعي من المدَّعى عليه، ولا المقِرَّ من المقَرِّ له.
واختار ابن عثيمين: أنه لا يشترط أن يكون بصيرًا، وأن الأعمى يصح أن يكون قاضيًا؛ لأن النبي ﷺ ولّى ابن أم مكتوم على المدينة، وكان رجلًا أعمى [عبد الرزاق: ٣٨٢٩]، ولأن الواقع يشهد بقوة إدراك الأعمى وصلاحيته للقضاء.
وقال شيخ الإسلام في كون الأعمى قاضيًا: (ويتوجه: أن يصح مطلقًا، ويعرف بأعيان الشهود والخصوم، كما يعرف بمعاني كلامهم في الترجمة، إذ معرفة كلامه وعينه سواء).
٩ - (مُتَكَلِّماً)؛ لأن الأخرس لا يُمكِنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته.
واختار ابن عثيمين: أنه يجوز أن يُولَّى الأخرس، بشرط أن تكون إشارته معلومة، أو كتابته مقروءة؛ لعدم الدليل على اشتراط كونه متكلمًا.
١٠ - (مُجْتَهِداً)، ذكره ابن حزم إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ [النساء: ١٠٥]، ولأن المفتي لا يجوز أن يكون عامِّيًّا مقلِّدًا، فالحاكم أولى، (وَلَوْ) كان اجتهاده (فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ) إذا لم يوجد
стр. 1661
غيره؛ للضرورة.
وقيل: يصح أن يكون القاضي مقلِّدًا؛ للضرورة، قال في الإنصاف: (وعليه العمل من مدة طويلة، وإلا لتعطلت أحكام الناس).
قال شيخ الإسلام: (هذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، وتجب تولية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولَّى لعدمٍ أنفعُ الفاسقَيْنِ وأقلهما شرًّا، وأعدلُ المقلدَيْن وأعرفهما بالتقليد)؛ وإلا لتعطلت الأحكام واختل النظام، والله تعالى يقول: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦].
وقال شيخ الإسلام: (الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، فالقوة في الحكم ترجع إلى العلم بالعدل وتنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله)؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
- مسألة: (وَإِنْ حَكَّمَ اثْنَانِ) فأكثرُ (بَيْنَهُمَا رَجُلاً يَصْلُحُ للْقَضَاءِ)، بأن اتصف بما تقدم من شروط القاضي، - وقال شيخ الإسلام: الصفات العشر لا تشترط فيمن يحكمه الخصمان (١) -؛ فيحكم بينهما؛ (نَفَذَ حُكْمُهُ) أي:
стр. 1662
الحَكَم (فِي كُلِّ مَا يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُ مَنْ وَلَّاهُ إِمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ)، في المال، والقصاص، والحد، والنكاح، واللعان وغيرها، حتى مع وجود قاضٍ فهو كحاكم الإمام؛ لحديث شريح بن هانئ، عن أبيه هانئ ﵁: أنه لما وَفَد إلى رسول الله ﷺ سمعه وهم يكنون هانئًا أبا الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ فقال له: «إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الحَكَمِ؟ » فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، قال: «مَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟ » قال: لي شريح، وعبد الله، ومسلم، قال: «فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ » قال: شريح، قال: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» فدعا له ولولده [أبو داود: ٤٩٥٥، والنسائي: ٥٣٨٧]، وتحاكم عمر وأُبَيٌّ إلى زيد بن ثابت ﵃ [البيهقي: ٢٠٤٦٣]، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم ﵃ [البيهقي: ١٠٤٢٤]، ولم يكن أحد منهم قاضيًا.
وعنه: لا ينفذ في قود وقذف ولعان ونكاح؛ لأنها مبنية على الاحتياط، فلابد من عرضها على القضاء للحكم (١).
стр. 1663
فصل في آداب القاضي
وهي أخلاقه التي ينبغي له ولغيره التخلق بها.
والمقصود من هذا الباب: بيان ما يجب على القاضي، أو يسن له أن يأخذ به نفسه وأعوانه، من الآداب والقوانين التي تنضبط بها أمور القضاء، وتحفظهم من الميل والزيغ.
- مسألة: (وَسُنَّ كَوْنُهُ) أي: القاضي:
١ - (قَوِيًّا بِلَا عُنْفٍ)؛ لئلا يطمع فيه الظالم، والعنف ضد الرفق.
٢ - (لَيِّنًا بِلَا ضُعْفٍ)؛ لئلا يهابه صاحب الحق.
٣ - (حَلِيماً)؛ لئلا يغضب من كلام الخصم، فيمنعه ذلك من الحكم بينهم.
٤ - (مُتَأَنِّياً)؛ من التأني، وهو ضد العجلة؛ لئلا تؤدي عجلته إلى ما لا ينبغي.
стр. 1664
٥ - (فَطِناً)؛ لئلا يخدع من بعض الخصوم على غرة.
٦ - (عَفِيفاً)؛ أي: كافًّا نفسه عن الحرام؛ لئلا يطمع في ميله بأطماعه.
وقد روي عن علي ﵁ أنه قال: «لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا حَتَّى تَجْتَمِعَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: عَفِيفٌ، حَلِيمٌ، عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ، مُسْتَشِيرٌ لِذَوِي الأَلْبَابِ، لَا يَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» [الاستذكار معلقًا: ٧/ ٢٩٩]
- مسألة: (وَ) يجب (عَلِيْهِ العَدْلُ بَيْنَ مُتَحَاكِمَيْنِ) ترافعا إليه (فِي لَفْظِهِ) أي: كلامه لهما، (وَ) في (لَحْظِهِ) أي: ملاحظته، (وَ) في (مَجْلِسِهِ، وَ) في (دُخُولٍ عَلَيْهِ)؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنِ ابْتُلِيَ بِالقَضَاءِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَحْظِهِ، وَإِشَارَتِهِ، وَمَقْعَدِهِ» [البيهقي: ٢٠٤٥٧، وضعفه]، ولأنه إذا ميَّز أحدهما حَصِرَ الآخر وانكسر، وربما لم تقم حجته، فيؤدي ذلك إلى ظلمه.
ويستثنى من ذلك ثلاث حالات:
١ - إذا سلَّم أحدهما عليه، فيرد عليه ولا ينتظر سلام الثاني؛ لوجوب الرد فورًا.
٢ - المسلم إذا ترافع إليه مع كافر؛ فيُقدَّم المسلم عليه في الدخول،
стр. 1665
ويرفعه في الجلوس؛ لحرمة الإسلام، قال تعالى: ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾ [السجدة: ١٨]، ولما ورد عن علي ﵁ أنه لما اختصم هو ورجل نصراني عند شريح؛ أجلس شريحٌ عليًّا ﵁ في مجلسه, وجلس شريح قدامه إلى جنب النصراني، فقال له علي ﵁: «أَمَا يَا شُرَيْحُ لَوْ كَانَ خَصْمِي مُسْلِمًا لَقَعَدْتُ مَعَهُ مَجْلِسَ الخَصْمِ» [البيهقي: ٢٠٤٦٥، وضعفه].
٣ - أن يأذن أحد المتخاصمين للقاضي في أن يرفع الخصم الآخر في المجلس؛ لأن الحق له وقد أسقطه.
- مسألة: (وَحَرُمَ القَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَانُ)، والغضب لا يخلو من حالين:
١ - أن يكون الغضب (كَثِيراً): فيحرم؛ لخبر أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» [البخاري: ٧١٥٨، ومسلم: ١٧١٧]، ولأنه ربما حمله الغضب على الجور في الحكم.
٢ - أن يكون الغضب يسيرًا لا يمنع فهم الحكم: فلا يحرم؛ لعدم تحقق علة المنع (١).
стр. 1666
- مسألة: (أَوْ) أي: ويحرم القضاء وهو (حَاقِنٌ، أَوْ فِي) حالة (شِدَّةِ جُوعٍ، أَوْ) في شدة (عَطَشٍ، أَوْ هَمٍّ، أَوْ مَلَلٍ، أَوْ كَسَلٍ، أَوْ نُعَاسٍ، أَوْ بَرْدٍ مُؤْلِمٍ، أَوْ حَرٍّ مُزْعِجِ)؛ لأن ذلك كله في معنى الغضب؛ لأنه يشغل الفكر الموصل إلى إصابة الحق غالبًا.
- فرع: إن خالف وحكم وهو غضبان ونحوه، فلا يخلو من حالين:
١ - إن أصاب الحق: نفذ حكمه؛ لانتفاء العلة التي من أجلها حرم، وهي الخوف من عدم إصابة الحق.
٢ - إن لم يصب الحق: لم ينفذ حكمه؛ لأنه على غير حكم الله ورسوله ﷺ .
- مسألة: (وَ) يحرم على القاضي (قَبُولُ رِشْوَةٍ) بتثليث الراء؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالمُرْتَشِيَ» [أحمد: ٦٥٣٢، وأبو داود: ٣٥٨٠، والترمذي: ١٣٣٧، وابن ماجه: ٢٣١٣]، ولأنه إنما يرتشي ليحكم بغير الحق، وهو من أعظم الظلم.
стр. 1667
- فرع: (وَ) يحرم على القاضي قبول (هَدِيَّةٍ)؛ لحديث أبي حُميد الساعدي ﵁ قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلًا على صدقات بني سليم، يُدعى ابن اللُّتْبِيَّة، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله ﷺ : «فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا» ثم خطبنا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ»، ثم رفع يده حتى رُئي بياضُ إبْطِه، يقول: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» [البخاري: ٦٩٧٩، ومسلم: ١٨٣٢]، ولأن القصد بها غالبًا استمالة الحاكم ليعتني به في الحكم، فتشبه الرشوة.
- فرع: تحرم الهدية للقاضي، إلا إذا توفر شرطان:
الشرط الأول: إذا كانت الهدية ممن يهادي القاضي قبل ولايته؛ لأنها لم تكن من أجل الولاية؛ لوجود سببها قبلها، بدليل وجودها قبل الولاية.
أما إذا كانت (مِنْ غَيْرِ مَنْ كَانَ يُهَادِيهِ) أي: القاضي (قَبْلَ وِلَايَتِهِ)؛ لم يجز له أخذها؛ لأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها من أجلها؛ ليتوسل بها إلى ميل الحاكم معه على خصمه، فلم يجز قبولها؛ كالرشوة.
стр. 1668
(وَ) الشرط الثاني: أن (لَا) تكون ثَمَّ (حُكُومَةٌ لَهُ) أي: للمهدي؛ لأن التُّهمة حينئذ منتفية.
فأما إن كان للمُهْدي حكومة عند القاضي، أو أحسَّ أنه يقدمها بين يدي خصومة؛ لم يجز للقاضي أخذ الهدية، ولو كان ممن يهاديه قبل الولاية؛ لما فيها من استمالة القاضي في الحكم.
واختار ابن عثيمين: أن الهدية تحرم إذا كانت ممن له حكومة، فإن لم تكن له حكومة فهي جائزة وإن كانت ممن لم يهاده من قبل؛ لأن الأصل الجواز، ولانتفاء التُّهمة.
- فرع: حكم القاضي في إجابة دعوات الولائم كغيره؛ لأنه ﷺ كان يحضرها ويأمر بحضورها.
- مسألة: (وَلَا) يصح ولا (يَنْفُذُ حُكْمُهُ) في مواطن:
١ - (عَلَى عَدُوِّهِ)؛ كالشهادة عليه.
٢ - (وَلَا) يصح ولا ينفذ حكمه (لِنَفْسِهِ)؛ لأنه لا يجوز له أن يشهد لها.
٣ - (وَلَا) يصح ولا ينفذ حكمه (لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ)؛ كزوجته
стр. 1669
وعمودي نسبه؛ كشهادته لهم، وحكاه القاضي عياض إجماعًا، وله الحكم عليه؛ لزوال التهمة.
ويأتي في الشهادات حكم الشهادة على عدوه، ومن لا تقبل شهادته لهم.
- مسألة: (وَمَنِ اسْتَعْدَاهُ) أي: القاضيَ أحدٌ (عَلَى خَصْمٍ فِي البَلَدِ) الذي به القاضي، أي: طلب من القاضي أن يُحضره له، (بِمَا تَتْبَعُهُ الهِمَّةُ؛ لَزِمَهُ) أي: القاضي (إِحْضَارُهُ) أي: الخصم، ولو لم يُحرِّر المستعدي الدعوى؛ لأن ضرر فوات الحق أعظم من حضور مجلس الحكم، وقد حضر عمر وأُبَيٌّ عند زيد بن ثابت ﵃ كما تقدم، فأما ما لا تتبعه الهمة؛ فلا يستعدى الحاكم في مثل هذا؛ لما فيه من ضرر الحضور إلى مجلس الحكم بالشيء التافه.
(إِلَّا) في حالتين لا يحضر القاضي الخصم:
١ - (غَيْرَ بَرْزَةٍ)، وهي: المرأة المخدَّرة التي لا تبرز لقضاء حوائجها، إذا استعدي عليها؛ (فَتُوَكِّلُ)؛ لأن الوكيل يقوم مقامها، ولا يُحضرها؛ لما فيه من المشقة والضرر.
فإن كانت برزة أُحضرتْ؛ لعدم العذر.
٢ - المعذور عن حضور مجلس القاضي؛ (كَمَرِيضٍ وَنَحْوِهِ) ممن له عذر؛ فلا يحضره ويؤمر بالتوكيل؛ لما فيه من المشقة.
стр. 1670
- فرع: (وَإِنْ وَجَبَتْ) على غير البرزة، والمريض (يَمِينٌ؛ أَرْسَلَ) القاضي (مَنْ) أي: أمينًا معه شاهدان، (يُحَلِّفُهُمَا) بحضرتهما؛ لأن إحضارهما غير مشروع، واليمين لا بد منها، وهذا طريقه.
وإن أقرت بشيء شهدا عليها به؛ ليقضي الحاكم عليها بشهادتهما بطلب المدعي.
(فَصْلٌ) في طريق الحكم وصفته
طريق كل شيء: ما يُتوصَّل إليه.
والحكم: فصل الخصومات.
- مسألة: (وَشُرِطَ) لصحة الدعوى شروط:
الشرط الأول: (كَوْنُ مُدَّعٍ وَمُنْكِرٍ جَائِزَيِ التَّصَرُّفِ) وهو المكلف الرشيد؛ لأن قول غير جائز التصرف غير معتبر.
لكن تصح الدعوى على سفيه بما يؤخذ به حال سفهه، وبعد فك حجره؛ كطلاق، وقذف، ونحوه؛ لأن إقراره به معتبر؛ لعدم التُّهمة.
(وَ) الشرط الثاني: (تَحْرِيرُ الدَّعْوَى)؛ لترتب الحكم عليها، ولذلك قال
стр. 1671
رسول الله ﷺ في حديث أم سلمة ﵂: «وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ» [البخاري: ٦٩٦٧، ومسلم: ١٧١٣]، ولا يُمكِن الحكم عليها مع عدم تحريرها، فلو كانت الدعوى بدَيْن على ميت مثلًا؛ ذكر موته، وحرَّر الدَّيْن، فإن كان أثمانًا؛ ذكر جنسه، ونوعه، وقدره، وهكذا.
واختار شيخ الإسلام وابن عثيمين: عدم اشتراط كون الدعوى محررة؛ لحديث وائل بن حُجْرٍ ﵁ قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ ، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ » قال: لا، قال: «فَلَكَ يَمِينُهُ»، قال: يا رسول الله، إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، فقال: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ»، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله ﷺ لما أدبر: «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ» [مسلم: ١٣٩]، قال شيخ الإسلام: (ومسألة تحرير الدعوى وفروعها ضعيفة؛ لحديث الحضرمي في دعواه على الآخر أرضًا غير موصوفة)، وقال أيضًا: (إذا قيل: لا تسمع إلا محررة، فالواجب أن من ادعى مجملًا استفصله الحاكم).
(وَ) الشرط الثالث: (عِلْمُ مُدَّعىً بِهِ) أي: أن تكون الدعوى بشيء معلوم؛ ليتمكن الحاكم من الإلزام به إذا ثبت، (إِلَّا) أن تكون الدعوى (فِيمَا نُصَحِّحُهُ مَجْهُولاً؛ كَـ) ـأن تكون:
стр. 1672
١ - (وَصِيَّةً) بمجهول؛ بأن ادعى أنه وصى له بدابة، أو شيء، ونحو ذلك.
٢ - أو تكون إقرارًا بمجهول، بأن ادعى أنه أقر له بمجمل؛ فتصح، وإذا ثبت طولب مدعىً عليه بالبيان.
٣ - أو تكون في خلع أو طلاق على مجهول؛ كأن سألَتْه الخلع أو الطلاق على إحدى دوابها، فأجابها وتنازعا.
٤ - أو تكون جُعْلًا من مال حربي، إذا سُمي مجهولًا؛ كثُلُث مال فلان الحربي لمن يدل على قلعة؛ لصحته كما سبق في فصل الجعالة.
والشرط الرابع: كون الدعوى مصرحًا بها، فلا يكفي قول مدع: لي عنده كذا، حتى يقول: وأنا مطالِب به.
وقيل، واستظهره المرداوي: أنه يكفي الظاهر؛ لدلالة الحال عليه.
والشرط الخامس: أن تكون الدعوى متعلقة بالحال، فلا تصح الدعوى بدَيْن مؤجل لإثباته; لأنه لا يملك الطلب به قبل أجله.
إلا في دعوى تدبير وكتابة وإيلاد؛ لصحة الحكم به إذن وإن تأخر أثره.
والشرط السادس: أن تكون الدعوى مُنفكَّة عما يكذبها، فلا تصح الدعوى على شخص بأنه قتل أو سرق من عشرين سنة، وسِنُّهُ دونها؛ لأن الحس يكذبه.
стр. 1673
- فرع: (فَإِنِ ادَّعَى) شخص (عَقْداً)، من نكاح، أو بيع، أو إجارة أو غيرها؛ (ذَكَرَ شُرُوطَهُ)؛ للاختلاف في الشروط، وقد لا يكون صحيحًا عند القاضي، فلا يتأتى له الحكم بصحته مع جهله بها.
وفي وجه، واختاره ابن عثيمين: لا يشترط ذلك، فتصح الدعوى بدون ذكر الشروط؛ لأن الأصل في عقود المسلمين الصحة.
- فرع: (أَوْ) أي: إن ادعى شخص على آخر (إرْثاً؛ ذَكَرَ سَبَبَهُ) وجوبًا؛ لاختلاف أسباب الإرث، فلا بد من تعيينه.
- فرع: (أَوِ) ادعى (مُحَلًّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ؛ قَوَّمَهُ بِـ) ـالنقد (الآخَرِ)، فإن ادعى محلًّى بذهب قومه بفضة وإن ادعى محلى بفضة قَومَّه بذهب؛ لئلا يفضي تقويمه بجنسه إلى الربا، (أَوِ) ادعى محلًّى (بِهِمَا) أي: مَصُوغًا منهما مباحًا، تزيد قيمته عن وزنه؛ (فَبِأَيِّهِمَا) أي: النقدين (شَاءَ) يُقوَّم؛ لحاجة انحصار الثمنية فيهما، فإذا ثبت ما ادعاه أعطى عُروضًا.
- مسألة: (وَإِذَا حَرَّرَهَا) أي: حرر المدعي الدعوى، (فَـ) ـلا يخلو حال المدعى عليه من أمرين:
الأولى: (إِنْ أَقَرَّ الخَصْمُ) أي: المدَّعى عليه بالدعوى: (حُكِمَ عَلَيْهِ) أي:
стр. 1674
على المدعى عليه، ولا يُحكم عليه إلا (بِسُؤَالِ مُدَّعٍ)؛ لأن الحق له، فلا يستوفيه الحاكم إلا بسؤاله.
(وَ) الثانية: (إِنْ أَنْكَرَ) المدعى عليه الدعوى؛ كما لو قال مدعًى عليه لمدعٍ قرضًا: ما أقرضني، فلا يخلو ذلك من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون للمدعي بينة: فإن شهدت البينة عند القاضي سمعها، ويستحب له أن يقول لمدعىً عليه: ألك فيها دافعٌ أو مطعنٌ؟ فإن لم يأت بقادح، واتضح للقاضي الحكم، وسأله المدعي الحكم بها؛ لزم القاضيَ الحكم بها فورًا؛ لما فيه من تأخير الحق عن موضعه.
(وَ) الأمر الثاني: أن (لَا) يكون للمدعي (بَيِّنَةٌ: فَقَوْلُهُ) أي: قول منكِر (بِيَمِينِهِ)؛ لأن الأصل براءة ذمته، ولحديث وائل بن حجر ﵁ السابق، وفيه: فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ » قال: لا، قال: «فَلَكَ يَمِينُهُ»، إلا النبي ﷺ إذا ادعى أو ادُّعي عليه؛ فقوله بلا يمين؛ لعصمته.
- فرع: (فَإِنْ نَكَلَ) المدَّعى عليه عن اليمين فلم يحلف، قال له القاضي: إن حلفتَ وإلا قضيتُ عليك بالنكول؛ لأن النكول ضعيف، فوجب اعتضاده بذلك، فإن لم يحلف (حُكِمَ عَلَيْهِ) بالنكول؛ لما روى سالم بن عبد الله بن عمر قال: باع ابن عمر ﵄ عبدًا له بالبراءة، فوجد الذي اشتراه به عيبًا، فقال لابن عمر: لم تُسمِّه لي، فاختصما إلى عثمان بن عفان ﵁، فقال الرجل: باعني عبدًا به داء لم يُسمِّه لي، فقال
стр. 1675
ابن عمر: «بِعْتُ بِالْبَرَاءَةِ»، فقضى عثمان: أن يحلف ابن عمر بالله: لقد باعه وما به داء علمه، فأبى ابن عمر أن يحلف، وقَبِل العبد [عبد الرزاق: ١٤٧٢١]، ولأنه نكوله عن اليمين قرينة ظاهرة دالة على صدق المدعي، فتُقدَّم على أصل براءة الذمة.
وإنما يحكم عليه القاضي بالنكول (بِـ) ـشرط (سُؤَالِ مُدَّعٍ) الحكمَ عليه؛ لما تقدم من أن الحق له، فلا يستوفيه الحاكم إلا بسؤاله.
- فرع: لا ترد اليمين على المدعي إذا نكل المدعى عليه؛ بل يُحكَم على المدعى عليه بنكوله؛ لما تقدم، ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي, وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» [البيهقي: ٢١٢٠١]، فحصرها في جانب المدعى عليه، فلم تشرع لغيره.
واختار أبو الخطاب، وحكاه بعضهم رواية عن أحمد: أنه ترد اليمين على المدعي؛ لما روى ابن عمر ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الحَقِّ» [الدارقطني: ٤٤٩٠، وضعفه ابن حجر والألباني]، ولما روى الشعبي: أن المقداد استقرض من عثمان بن عفان ﵄ سبعة آلاف درهم , فلما تقاضاه قال: «إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ» , فخاصمه إلى عمر ﵁ , فقال: «إِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُ الْمِقْدَادَ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ» , فقال المقداد: «إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ» , فقال المقداد: «أَحْلِفْهُ أَنَّهَا سَبْعَةُ آلَافٍ» , فقال عمر ﵁: «أَنْصَفَكَ» , فأبى أن يحلف , فقال عمر: «خُذْ مَا أَعْطَاكَ» [البيهقي: ٢٠٧٤٠].
стр. 1676
واختار شيخ الإسلام: أن المسألة لا تخلو من ثلاث حالات:
١ - أن يكون المدَّعى به مما يعلمه المدعى عليه فقط؛ مثل أن يدعي ورثة ميت على غريم له: فإنه يقضى عليه بالنكول، ولا ترد اليمين على المدعي؛ وعليه يحمل أثر عثمان وابن عمر ﵃ المتقدم.
٢ - أن يكون المدعى به مما يعلمه المدعي فقط؛ كالدعوى على ورثة ميت حقًّا على الميت يتعلق بتركته: فترد اليمين على المدعي؛ وعليه يحمل أثر عمر المتقدم.
٣ - أن يكون المدعى به كل منهما يدعي العلم به: فالقول بالرد أرجح (١)؛
لظاهر أثر ابن عمر ﵄ السابق.
стр. 1677
- مسألة: إنما يقضى على المدعى عليه بالنكول (فِي مَالٍ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ)؛ كالبيع والأجل في البيع، والخيار، والرهن، والإجارة، والشركة، والمهر، والصلح، والهبة، ونحو ذلك؛ لما تقدم عن عثمان مع ابن عمر ﵃.
وأما غير ذلك من الدعاوى؛ فلا يقضى عليه بالنكول، بل يخلى سبيل المدعى عليه فيه حيث لا بينة عليه؛ لأن النكول ليس بحجة قوية، لأنه سكوت مجرد، يحتمل أن يكون للخوف من اليمين، ويحتمل أن يكون للجهل بحقيقة الحال، ويحتمل أن يكون لعلمه بصدق المدعي، ومع هذه الاحتمالات لا ينبغى أن يقضى به فيما يحتاط له.
ويستثنى من ذلك: إذا لاعن الرجل، ونكلت؛ فإنها تحبس حتى تُقِرَّ أربعًا أو تلاعن.
- مسألة: الدعاوى من حيث الاستحلاف لا تخلو من قسمين:
القسم الأول: الدعاوى في حقوق الآدميين، ولا تخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن تكون في غير الأمانات، وأشار إليه بقوله: (وَيُسْتَحْلَفُ) منكر توجهت إليه اليمين في دعوى صحيحة (فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ)؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى
стр. 1678
عَلَيْهِ» [البخاري: ٤٥٥٢، ومسلم: ١٧١١]، فجعل اليمين على المدعى عليه بعد ذكر الدماء، وذلك ظاهر في أن الدعوى بالدم تشرع فيها اليمين، وسائر الحقوق إما مثله أو دونه، فوجب مشروعية اليمين في ذلك كله؛ لعموم الأخبار؛ ولأنها دعوى صحيحة في حق آدمي كدعوى المال.
(سِوَى) عشر مسائل لا يستحلف فيها المنكر؛ لأن ذلك لا يثبت إلا بشاهدين فأشبه الحدود، وهذه العشرة هي:
١ - (نِكَاحٌ)؛ بأن ادعت امرأة على رجل بأنه زوجها، وهو ينكر، وكذا العكس.
٢ - (وَرَجْعَةٌ)؛ بأن تدعي المرأة أن زوجها راجعها، وهو ينكر.
٣ - وطلاق؛ بأن يدعي أحد الزوجين وقوع الطلاق، وينكره الآخر.
٤ - وإيلاء؛ بأن ادعت المرأة على زوجها أنه آلى منها، وينكر الزوج ذلك، فلا يستحلف، إلا إذا أنكر مُولٍ مضي الأشهر الأربعة؛ فإنه يستحلف.
٥ - (وَنَسَبٌ)؛ بأن ادعى رجل على آخر أنه ولده مثلًا، فأنكر، فلا يستحلف.
٦ - وقذف؛ بأن ادعى شخص على آخر أنه قذفه، فأنكر، فلا يستحلف.
٧ - وقصاص في غير قَسَامة؛ بأن ادعى شخص على آخر أنه له عليه قصاصًا، في النفس أوفيما دون النفس، فأنكر المدعى عليه، فلا يستحلف.
стр. 1679
وأما في القسامة، فتقدم في بابه.
٨ - (وَنَحْوُهَا)؛ كأصل رق؛ بأن يُدَّعى على لقيط ومجهول نسب بالرقِّ، فينكر، فلا يستحلف.
٩ - وولاء؛ كما لو ادعى شخص على إنسان حر، فقال: هذا ولاؤه لي، فأنكر الحر ذلك؛ فلا يستحلف على الإنكار.
١٠ - ودعوى الاستيلاد، وفسره القاضي: بأن يدعي استيلاد أمة فتنكره، وقال شيخ الإسلام: بل هي المدعية؛ لأنها تريد أن تكون أم ولد لتَعْتِق بعد موته.
وعنه: يستحلف المنكر في جميع حقوق الآدميين؛ لما تقدم من الأدلة.
الأمر الثاني: أن تكون في الأمانات؛ كالوديعة، والمال في يد الولي والوصي والشريك ونحو ذلك: فإنه يستحلف فيها أيضًا؛ لما تقدم من الأدلة.
وعنه: لا يمين عليه إلا أن يُتهم؛ لأنه صدقه بائتمانه، ولا يمين مع التصديق، وأما إذا قامت قرينة تنافي حال الائتمان، فقد اختل معنى الائتمان.
القسم الثاني: الدعاوى في حقوق الله تعالى؛ وأشار إليه بقوله: (لَا) يُسْتَحلف منكِر (فِي حَقِّ اللهِ) تعالى، ولا تخلو من ثلاثة أقسام:
стр. 1680
الأول: الحدود، وأشار إليه بقوله: (كَحَدِّ) زنىً، أو شرب، أو سرقة، أو محاربة، فلا تشرع فيها اليمين، قال في الشرح: (لا نعلم في هذا خلافًا)؛ لأنه لو أقرَّ بها ثم رجع؛ قُبِل منه وخُلِّي سبيله بلا يمين؛ فلأن لا يستحلف مع عدم الإقرار أولى، ولأنه يستحب ستره.
(وَ) الثاني: (عِبَادَةٌ) غير مالية؛ كصلاة ووضوء وغير ذلك؛ لأنه حق لله تعالى، كالحد.
والثالث: الحقوق المالية؛ كدعوى الساعي الزكاة على رب المال، وأن الحول قد كمل النصاب، أو ادعي عليه أن عليه كفارة يمين، أو ظهار، أو نذر، أو صدقة أو غيرها، فلا تسمع دعواه، ولا يستحلف في ذلك؛ لأنه حق لله تعالى أشبه الحد، ولأنه لا حق للمدعي فيه، ولا ولاية له عليه، فلا تسمع منه دعواه، كما لو ادعى حقًّا لغيره من غير إذنه ولا ولاية له عليه.
- مسألة: (وَاليَمِينُ المَشْرُوعَةُ) لا تنعقد إلا (بِاللهِ وَحْدَهُ، أَوْ) بـ (ـصِفَتِهِ) تعالى، وتقدم تفصيل ذلك في كتاب الأيمان.
стр. 1681
- مسألة: (وَ) لو سأل المدعي إحلاف المدعى عليه ولا يقيم البينة، فحلف المدعى عليه؛ كان للمدعي إقامتها، وعلى هذا: (يُحْكَمُ بِالبَيِّنَةِ) التي أقامها المدعي (بَعْدَ التَّحْلِيفِ) أي: تحليف المدعى عليه؛ لأن البينة لا تبطل بالاستحلاف، كما لو كانت غائبة عن البلد.
- مسألة: (وَشُرِطَ فِي بَيِّنَةٍ: عَدَالَةٌ) وهي: الصلاح في الدين والمروءة، وسيأتي تفصيلها في كتاب الشهادات؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] وقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]، والفاسق لا يؤمن كذبه.
- فرع: اشتراط العدالة في البينة على قسمين:
الأول: في عقد النكاح: فتكفي العدالة في البينة (ظَاهِراً) ولا تعتبر العدالة في الباطن، فلا يبطل عقد النكاح لو بانَا فاسقين؛ لما في اعتبارها من المشقة، وتقدم في كتاب النكاح.
(وَ) الثاني: (فِي غَيْرِ نِكَاحٍ): فتعتبر العدالة في البينة ظاهرًا و (بَاطِناً أَيْضاً)؛ لأن العدالة شرط، فيجب العلم بها؛ كالإسلام، ولأن الغالب الخروج عن العدالة، ولذا يقول شيخ الإسلام: (من قال: إن الأصل في الإنسان العدالة فقد أخطأ، وإنما الأصل الجهل والظلم؛ لقوله تعالى ﴿إنه كان ظلومًا جهولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢])، فاعتبر العلم بها باطنًا أيضًا.
стр. 1682
- فرع: (وَ) يشترط (فِي مُزَكٍّ) ثلاثة شروط:
١ - (مَعْرِفَةُ جَرْحٍ) أي: بم يكون الجرح، (وَ) معرفة (تَعْدِيلٍ) أي: بم يكون التعديل لمن يعدِّله. لأنه لا يتمكن من التزكية إلا بذلك.
٢ - خبرة المزكي الباطنة لمن يزكيه، بصحبة، أو معاملة، أو كونه جارًا له ونحو ذلك؛ لأن عادة الناس إظهار الطاعات وإسرار المعاصي، فإن لم يكن ذا خبرة باطنة؛ فربما اغتر بحسن ظاهره، وهو فاسق في الباطن.
٣ - أن يكون غير متهم بعصبية أو غيرها؛ لأنها كالشهادة يعتبر لها ما يعتبر فيها.
- فرع: (وَ) يشترط في قبول مُزكٍّ: (مَعْرِفَةُ حَاكِمٍ خِبْرَتَهُ) أي: خبرة المزكي (البَاطِنَةَ) بمن يزكيه، وذلك بألا يقبل تعديل المعدل حتى يعلم أو يظن أن له خبرة بالمعدل؛ لقول خَرَشَة بن الحُرِّ: شهد رجل عند عمر بن الخطاب ﵁ بشهادة فقال له: «لَسْتُ أَعْرِفُكَ, وَلَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا أَعْرِفَكَ, ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ»، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه , قال: «بِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟ » قال: بالعدالة والفضل , فقال: «فَهُوَ جَارُكَ الْأَدْنَى الَّذِي تَعْرِفُ لَيْلَهَ وَنَهَارَهَ , وَمَدْخَلَهُ وَمَخْرَجَهُ؟ » قال: لا، قال: «فَمُعَامِلُكَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الْوَرَعِ؟ » قال: لا، قال: «فَرَفيِقُكَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ؟ » قال: لا، قال: «لَسْتَ تَعْرِفُهُ» , ثم قال للرَّجل: «ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ» [البيهقي: ٢٠٤٠٠، وصححه الألباني].
стр. 1683
- فرع: (وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ جَرْحٍ) على بينة تعديل؛ لأن الجارح يخبر بأمر باطن خفي على العدل، وشاهد العدالة يخبر بأمر ظاهر، ولأن الجارح مثبت لجرح والمعدل نافٍ له، والمثبت مقدم على النافي.
- فرع: الشاهد لا يخلو من ثلاث حالات:
١ - أن يعلم القاضي عدالته: فيعمل بعلمه ولا يحتاج إلى تزكية بغير خلاف قاله في المغني؛ لأن التهمة لا تلحقه في ذلك، ولأنه لو لم يكتف بذلك لتسلسل، لأن الحاكم يحتاج إلى معرفة عدالتهما، فإذا لم يعمل بعلمه احتاج كل واحد منهما إلى مُزكِّين، ثم كل واحد ممن يزكيهما إلى مزكين، فيتسلسل.
٢ - أن يعلم القاضي فِسْقه: فيعمل بعلمه بغير خلاف أيضًا؛ لما تقدم، قاله في المغني.
٣ - أن يجهل القاضي حاله، وأشار إليه بالمؤلف بقوله: (فَمَتَى جَهِلَ حَاكِمٌ حَالَ بَيِّنَةٍ) أي: حال الشاهد؛ (طَلَبَ) من المدعي (التَّزْكِيَةَ)؛ لتثبت عدالتهم فيحكم له؛ لما تقدم عن عمر ﵁، ولأن العدالة شرط، فالشك في وجودها كعدمها؛ كشرط الصلاة، (مُطْلَقاً) أي: سواء طلب الخصم ذلك أو سكت؛ لأنها حق للشرع، فطلبها للحاكم.
- فرع: الجرح والتعديل والترجمة والتعريف والرسالة: شهادة، تفتقر
стр. 1684
إلى العدد والعدالة، ويعتبر فيها من الشروط ما يعتبر في الشهادة، (وَ) لذا (لَا يُقْبَلُ فِيهَا) أي: في تزكية الشاهد، (وَ) لا (فِي جَرْحِ) الشاهد، (وَ) لا في (نَحْوِهِمَا)؛ كترجمة، ومن يرسله الحاكم يبحث عن حال الشهود، وتعريف عند الحاكم (إِلَّا) العدد الذي يقبل في الشهادة على ما يأتي في كتاب الشهادات، وعليه:
- فإذا كان في حد زنىً ولواط: اشتُرط أربعة رجال عدول؛ كشهود الأصل.
- وإذا كان في مال: اشتُرط رجلان، أو رجل وامرأتان؛ لأنه نقل ما يخفى على الحاكم بما يستند الحاكم إليه، أشبه الشهادة.
- وإذا كان في غير مال؛ كنكاح ونسب وطلاق وقذف وقصاص: اشتُرط (رَجُلَانِ)؛ كشهود الأصل.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يقبل قول عدل واحد فيما تقدم؛ لما ورد عن زيد بن ثابت ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ اليَهُودِ حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كُتُبَهُ، وَأَقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ» [علقه البخاري: ٧١٩٥، ووصله في تاريخه: ١٢٧٨]، وقال أبو جمرة: «كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَبَيْنَ النَّاسِ» [البخاري: ٨٧]، ولأنه كالرواية وأخبار الديانات.
واختار شيخ الإسلام أيضًا: أنه يقبل التعديل والجرح بالاستفاضة؛ لأن المقصود فيها البيان والتعريف؛ فهي خبرٌ، وليست بشهادةٍ كما تقدم.
стр. 1685
- مسألة: (وَمَنِ ادَّعَى) على إنسانٍ لم يَخلُ المدعى عليه من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون المدعى عليه غائبًا عن البلد، ولا يخلو ذلك من أمرين:
١ - أن يدعي (عَلَى) إنسان (غَائِبٍ) عن البلد (مَسَافَةَ قَصْرٍ) فأكثرَ (١): حكم عليه القاضي إذا كانت له بينة بشرطه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قالت هند أمُّ معاوية ﵄ لرسول الله ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرًّا؟ قال: «خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالمَعْرُوفِ» [البخاري: ٢٢١١، ومسلم: ١٧١٤]، فقضى لها، ولم يكن أبو سفيان حاضرًا، ولأن المدعي هنا له بينة حاضرة، فجاز الحكم بها، كما لو كان الخصم حاضرًا، وأما التقييد بمسافة القصر؛ فلأن ما دونها في حكم الإقامة.
وقال شيخ الإسلام: إنْ أمكن القاضي أن يرسل إلى الغائب رسولًا، ويكتب إليه الكتاب والدعوى، ويجاب عن الدعوى بالكتاب والرسول؛ فهذا