← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الصلاة الفائتة فلا تفوت بالتأخير أكثر. والمذهب: لا يسقط الترتيب لخشية فوت الجماعة؛ لأن الجماعة تسقط حينئذ للعذر. ٥ - أن يخشى فوت صلاة الجمعة إن التزم الترتيب: فيسقط الترتيب؛ لأنه لا يمكن تداركها، بخلاف غيرها من الصلوات، قال في المنتهى: (وتترك فجر فائتة لخوف فوت الجمعة). وفي رواية: لا يسقط الترتيب لخشية فوت الجمعة، لكن يصلي الجمعة ثم يصلي الفائتة ثم يقضي الجمعة ظهراً. ٦ - إذا اعتقد حال قضائها أن لا صلاة عليه، ثم بان بخلاف اعتقاده؛ فلا يلزمه إعادتها، فلو صلى الظهر، ثم صلى الفجر جاهلًا وجوب الترتيب، ثم صلى العصر في وقتها؛ صحت عصره مع عدم صحة ظهره؛ لاعتقاده حال صلاة العصر ألاّ صلاة عليه، كمن صلى العصر ثم تبين أنه صلى الظهر بلا وضوء، أو أنه كان ترك منه ركنا أو شرطًا آخر؛ لأنه في معنى الناسي. والشرط (الثَّالِثُ) من شروط الصلاة: (سَتْرُ العَوْرَةِ)؛ لقوله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]، ولحديث عائشة ﵂ مرفوعاً: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» [أحمد: ٢٥١٦٧، وأبو داود: ٦٤١، والترمذي: ٣٧٧، وابن ماجه: ٦٥٥]. قال ابن عبد البر: (أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه، وهو قادر على الاستتار به وصلى عريانًا)، والسَّتر:

стр. 177

التغطية، والعورة هنا: ما يجب ستره في الصلاة، وتطلق أيضاً على ما يحرم النظر إليه وموضعه في كتاب النكاح. - مسألة: (وَيَجِبُ) ستر العورة في الصلاة ولو صلى في خلوة أو ظلمة، ويجب سترها (حَتَّى خَارِجَهَا) أي: خارج الصلاة، لحديث بَهْزِ بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جده، قال: قلت يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا» قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: «الله أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» [أحمد: ٢٠٠٣٤، وأبو داود: ٤٠١٧، والترمذي: ٢٧٦٩، وابن ماجه: ١٩٢٠]. - مسألة: كشف العورة خارج الصلاة لا يخلو من أحوال: ١ - إن كان مع زوجته أو سريته: جاز له ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون: ٦]. ٢ - إن كان مع غير زوجته وسريته: فيحرم كشفها إلا لضرورة، كالتداوي والختان ونحو ذلك؛ لحديث بهز السابق. ٣ - (وَ) إن كان (فِي خَلْوَةٍ وَ) كان في (ظُلْمَةٍ): فلا يخلو من حالين: أ) إن كان ثَمَّ حاجة؛ كالتخلي ونحوه: جاز.

стр. 178

ب) إن لم تكن حاجة: فيحرم؛ لحديث بهز السابق. وعنه، واختاره القاضي: يكره؛ لأن هذا من باب المروءات، والمقصود حفظ العورة عن الناظرين. - مسألة: يشترط في الساتر أربعة شروط: الأول: أن يستر عورته (بِمَا لَا يَصِفُ البَشَرَةَ) أي: لون بشرة العورة من بياض أو سواد؛ لأن الستر إنما يحصل بذلك، ففي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا» ثم قال: «وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ» [مسلم: ٢١٢٨]، ومن معاني الكاسيات العاريات: أن تَلْبَسَ ثوباً تكتسي به لكنه يصف البشرة. فإن ستر اللون ووصف حجم الأعضاء فلا بأس، لأن البشرة مستورة وهذا لا يمكن التحرز منه. الثاني: أن يكون الساتر مباحاً: فإن ستر عورته بمحرم، كمغصوب أو حرير لرجل؛ لم تصح الصلاة، ويأتي. الثالث: أن يكون الساتر طاهراً: فإن كان نجساً لم تصح، ويأتي. الرابع: أن يكون الساتر غير مضر: فإن كان مضرًّا صح الستر به ولم يجب؛ دفعاً للحرج والضرر. - مسألة: العورة في الصلاة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

стр. 179

القسم الأول: العورة المتوسطة: وهي ما بين السرة والركبة، وليستا من العورة؛ لحديث عمرِو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: «مَا أَسْفَلَ مِنْ سُرَّتِهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ عَوْرَتِهِ» [أحمد: ٦٧٥٦، وأبو داود: ٤٩٦]، (وَ) يدخل فيها: ١ - (عَوْرَةُ) الـ (رَجُلِ) البالغ، حرًّا كان أم عبدًا، اتفاقًا؛ لحديث عمرِو بن شعيب السابق. ٢ - من بلغ عشر سنين. ٣ - (وَ) عورة الحرة المميِّزة، والـ (حُرَّةِ) الـ (مُرَاهِقَةِ)، وهي التي قاربت البلوغ ولمّا تبلغ؛ لمفهوم حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ». وقال بعض الأصحاب: عورتها كالحرة إلا في كشف الرأس؛ لعدم الفرق بين عورة البالغة وغير البالغة إلا في ستر الرأس بالخمار، كما في حديث عائشة المذكور. ٤ - (وَ) عورة (أَمَةٍ مُطْلَقاً) أي: سواء كانت مدبرة، أم مكاتبة، أَمْ أُمَّ ولد، أَمْ مبعّضة، أَمْ معلقاً عتقها على صفة: (مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ)؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: «إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إِلَى عَوْرَتِهَا» [أبو داود: ٤١١٣]، وفي رواية: «فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ» [الدارقطني: ٨٨٧]، فيشمل الصلاة وخارجها، ولأن عمر ﵁ كان يأمر الإماء بكشف رؤوسهن [عبد الرزاق: ٥٠٦٤].

стр. 180

واختار ابن حزم وابن عثيمين: أن عورة الأمة كعورة الحرة على ما يأتي؛ للعمومات للقاعدة: (الأصل تَساوي الأرقاء والأحرار في العبادات البدنية المحضة إلا لدليل)، وأما الحديث فهو خاص بالسيد إذا زوج جاريته فقط، وليس الحكم بالنسبة إلى عورتها مطلقاً، مع أن الرواية الأرجح جاءت بلفظ: «إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ أَوْ أَجِيرَهُ، فَلَا تَنْظُرِ الْأَمَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ، فَإِنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إِلَى رُكْبَتِهِ مِنَ الْعَوْرَةِ» [البيهقي: ١٣٥٣٧]، وأما ما ورد عن عمر ﵁ فهو في الرأس خاصة، ويحمل على خارج الصلاة. - فرع: أم الولد والمكاتبة والمُعتَقُ بعضُها في حكم الأمة؛ لبقاء الرق عليهن. وعنه: أنها كالحرة؛ لما فيها من الحرية. (وَ) القسم الثاني: العورة المخففة: وهي عورة (ابْنِ سَبْعِ) سنين (إِلَى عَشْرِ) سنين من الذكور، وهي (الفَرْجَانِ) فقط؛ لأنه دون البالغ، ومَنْ دون سبع سنين لا تصح صلاته لعدم التمييز. وقيل: عورة المميِّز كعورة الرجل، من السرة إلى الركبة، لعدم الدليل على التفريق. - ضابط: يشترط لصحة صلاة الصغير ما يشترط لصحة صلاة الكبير إلا في سترة العورة.

стр. 181

(وَ) القسم الثالث: العورة المغلظة: فـ (كُلُّ الحُرَّةِ) البالغة (عَوْرَةٌ)، حتى كفيها وقدميها؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: «المرْأَةُ عَوْرَةٌ» [الترمذي: ١١٧٣] وهذا عام إلا ما خصه الدليل، ولذلك قال: (إِلَّا وَجْهَهَا) ليس بعورة (فِي الصَّلَاةِ) بلا خلاف في المذهب على جواز كشفه في الصلاة؛ لما في تغطيته من المشقة. واختار شيخ الإسلام: أن المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين، وهي رواية عن أحمد في الكفين؛ لأن النساء في عهد النبي ﷺ كُن يُصلين في أثوابهن كما في حديث أسماء ﵂ قالت: جاءت امرأةٌ النبيَّ ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع؟ قال: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالماءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ» [البخاري: ٢٢٧، ومسلم: ٢٩١]، فدل على أنهن يصلين في أثوابهن المعتادة في البيوت، وهي ثياب لا تغطي الكفين والقدمين والوجه، كما دلت على ذلك الآثار، وإنما جاء الأمر بستر الرأس فقط كما في حديث عائشة ﵂، وأما حديث: «المرْأَةُ عَوْرَةٌ» فهذا في النظر؛ لتمام الحديث: «فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ». فعلى هذا يمكن أن يقال: إن العورة في الصلاة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - عورة الذكر -البالغ وغير البالغ-: من السرة إلى الركبة، وليستا من العورة. ٢ - عورة الأنثى البالغة -حرة أو أمة-: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين.

стр. 182

٣ - عورة الأنثى غير البالغة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين والرأس. - مسألة: (وَمَنِ انْكَشَفَ بَعْضُ عَوْرَتِهِ) في الصلاة فلا يخلو من قسمين: القسم الأول: أن يكون عن عمد: فتبطل الصلاة به مطلقًا، سواء كان الذي ظهر قليلًا أم كان كثيراً، وسواء كان الزمن طويلاً أم قصيراً؛ لأن التحرز منه ممكن من غير مشقة؛ أشبه سائر العورة. القسم الثاني: أن يكون عن غير عمد: فلا تبطل إلا إذا كان فاحشاً وطال عرفاً، وعليه فلا يخلو من أربع حالات: الحالة الأولى: إن طال زمن الانكشاف (وَفَحُشَ) المنكشف عرفاً: بطلت الصلاة؛ لأن التحرز ممكن من غير مشقة، أشبه سائر العورة. الحالة الثانية: إن طال الزمن ولم يفحش المنكشف: لا تبطل الصلاة؛ لحديث عمرِو بن سَلِمةَ ﵄ في ذكر صلاته بقومه إماماً، وفيه: «وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ، كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الحَيِّ: أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ؟ » [البخاري: ٤٣٠٢]. الحالة الثالثة: إن قصر الزمن وفحش المنكشف: لا تبطل الصلاة؛ لأن قصر المدة أشبه اليسير في الزمن الطويل. الحالة الرابعة: إن قصر الزمن ولم يفحش المنكشف: لم تبطل من باب أولى.

стр. 183

- فرع: يعتبر الفحش في كل عضو بحسبه، إذ يفحش من المغلظة ما لا يفحش من غيرها. - مسألة: حكم الصلاة في الثوب النجس: وأشار إليه بقوله: (أَوْ صَلَّى فِي) ثوب (نَجِسٍ) فلا يخلو من ثلاث حالات: ١ - أن يكون عن عمد وعنده غيره: فلا يصلي فيه فإن صلى فيه أعاد الصلاة؛ لأن الطهارة من النجاسة شرط، وقد فات. ٢ - أن يكون عن عمد وليس عنده غيره: فيصلي فيه وجوباً؛ لأن ستر العورة آكد من إزالة النجاسة لوجوب الستر في الصلاة وغيرها، ويعيد الصلاة؛ لاستدراك ما حصل من الخلل. وقيل: لا يعيد، اختاره الموفق وشيخ الإسلام، وذكره بعضهم رواية، لأن التحرز من النجاسة شرط عجز عنه فسقط. ٣ - أن يكون ناسياً أو جاهلاً: لم تصح صلاته ويعيد؛ لأنه ترك شرطاً من شروط الصلاة، وهي لا تسقط بالجهل والنسيان. وعنه وفاقاً للثلاثة واختاره ابن قدامة وشيخ الإسلام: لا يعيد؛ لحديث أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ صلَّى وفي نعليه أذىً، فأخبره جبريل، فخلعهما النبي ﷺ وبنى على ما سلف من صلاته. [أحمد: ١١١٥٣، وأبو داود: ٦٥٠] - مسألة: حكم الصلاة في المغصوب: لا يخلو من ثلاث حالات:

стр. 184

١ - أن يكون عن عمد وعنده غيره، وأشار إليه بقوله: (أَوْ) صلى في (غَصْبٍ) أي: مغصوب؛ (ثَوْباً) كان المغصوب (أَوْ بُقْعَةً) فصلى فيه؛ (أَعَادَ) الصلاة، وهو من المفردات؛ لأن قيامه وقعوده ولُبْثه فيه محرم منهي عنه، فلم يقع عبادة؛ كالصلاة في زمن الحيض. وعنه، وفاقاً للثلاثة، واختاره الخلال وابن عقيل: تصح مع التحريم؛ لأن النهي عاد إلى شرط غير مختص بالعبادة فلم يقتض فسادها. ٢ - أن يكون عن عمد وليس عنده غيره: فيصلي عريانًا؛ لأنه يحرم استعماله بكل حال، لعدم إذن الشارع في التصرف في المطلق، ولو صلى فيه لم تصح؛ لارتكاب النهي. ٣ - أن يكون عن جهل بكونه مغصوباً أو نسيان: فصلاته صحيحة؛ لأنه غير آثم. - مسألة: (لَا) يعيد الصلاة (مَنْ حُبِسَ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ أَوْ) حبس في محل (غَصْبٍ) بشرط أن (لَا يُمْكِنَهُ الخُرُوجُ مِنْهُ)، ذكره المجد إجماعاً؛ لأنه عاجز عن الانتقال عن الحالة التي هو عليها من كل وجه، كمن عدم السترة بكل حال. - فرع: الفرق بين إعادة الصلاة على من صلى في الثوب النجس لعدم غيره، وبين إعادتها على من حبس في محل نجس: أن الأول كان قادراً

стр. 185

على ترك الصلاة في الثوب النجس وذلك بالصلاة عريانًا، لكن لما تزاحم ستر العورة بالثوب النجس وترك النجاسة والصلاة عريانًا؛ قُدّمت الصلاة بالثوب النجس لستر العورة؛ لأنها آكد من إزالة النجاسة، فهو قادر على الشرط من وجه، بخلاف من جلس بالمكان النجس؛ لأنه عاجز عن الانتقال عن الحالة التي هو فيها من كل وجه. الشرط (الرَّابِعُ) من شروط الصلاة: (اجْتِنَابُ نَجَاسَةٍ) كبول وغائط ونحوهما، وتقدم بيان أفرادها، (غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا)، فإن كان معفوًّا عنها صحت صلاته، وسبق بيانها. فإذا كانت النجاسة غيرَ معفو عنها وكانت (فِي بَدَنٍ وَثَوْبٍ وَبُقْعَةٍ مَعَ القُدْرَةِ) على اجتنابها؛ لم تصح صلاته؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قال الطبري: (اغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة)، ولحديث أنس ﵁ مرفوعاً: «تَنَزَّهُوا مِنَ البَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» [الدارقطني: ٤٥٩]، ولا يجب ذلك في غير الصلاة، فتعين أن يكون شرطاً فيها، والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي إذا عاد إلى شرط العبادة على وجه يختص؛ يقتضي الفساد. - فرع: إن لم يقدر على اجتناب النجاسة في بدنه أو ثوبه أو بقعته، فإنه يصلي فيه لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وتقدم

стр. 186

الكلام عن الصلاة في الثوب النجس. - مسألة: (وَمَنْ جَبَرَ عَظْمَهَ) بعظم نجس (أَوْ خَاطَهُ) أي: خيَّط جرحه (بِـ) خيط (نَجِسٍ)، فصح العظم أو الجرح بسببه، فلا يخلو من حالين: الأولى: إن لم يَخَف الضرر بقلع العظم النجس أو الخيط النجس: وجب القلع؛ لأنه قادر على إزالة النجاسة من غير ضرر، فلو صلى معه لم تصح؛ لحمله النجاسة. (وَ) الثانية: إذا (تَضَرَّر بِقَلْعِهِ) أي: بقلع العظم النجس أو الخيط النجس، وذلك بفوات نَفْس أو عضو أو مرض: (لَمْ يَجِبْ) قلعه؛ لأن حراسة النفس وأطرافها من الضرر واجب، وهو أهم من رعاية شرط الصلاة. - مسألة: التيمم عن العظم النجس أو الخيط النجس حيث لم تجب إزالته لا يخلو من حالين: ١ - إن غطى اللحمُ العظمَ أو الخيطَ: فلا يتيمم؛ لإمكان غسل المحل بالماء. ٢ - (وَتَيَمَّمَ) عن العظم النجس أو الخيط النجس (إِنْ لَمْ يُغَطِّهِ اللَّحْمُ)؛ لعدم إمكان غسله، وهذا مبني على مشروعية التيمم للنجاسة على البدن، وسبق في باب التيمم عدم مشروعيته، فلا يشرع هنا.

стр. 187

- مسألة: (وَلَا تَصِحُّ) الصلاة، فرضاً كانت أم نفلاً، (بِلَا عُذْرٍ فِي) مواضع، وهي من المفردات: الموضع الأول: في (مَقْبَرَةٍ) قديمة أو حديثة، وهي مدفن الموتى؛ لحديث جندب ﵁ مرفوعاً: «أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» [مسلم: ٥٣٢]، ولحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ» [أحمد: ١١٧٨٨، وأبو داود: ٤٩٢، والترمذي: ٣١٧، وابن ماجه: ٧٤٥]. - فرع: ضابط المقبرة: ما كان فيها ثلاثة قبور فأكثرُ، وعليه فلا يضر قبر ولا قبران؛ لأنه لا يتناولها اسم المقبرة. واختار شيخ الإسلام: أنه لا تصح الصلاة ولو فيها قبر واحد، وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق؛ لأن المقبرة اسم لكل ما قُبر فيه لا أنه جمع قبر، ولأن العلة الموجبة للمنع موجودة في القبر الواحد، وهي كونها ذريعة إلى الشرك. - فرع: يستثنى من ذلك صلاة الجنازة؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن رجلًا أسودَ - أو امرأةً سوداء - كان يَقُمُّ المسجد فمات، فسأل النبي ﷺ عنه، فقالوا: مات، قال: «أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ! دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ - أَوْ قَالَ قَبْرِهَا - فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا» [البخاري: ٤٥٨، ومسلم: ٩٥٦]. (وَ) الموضع الثاني: في (خَلَاءٍ)، وهو ما أُعد لقضاء الحاجة، ولو مع

стр. 188

طهارته؛ لحديث أبي سعيد السابق، والنهي عن الصلاة فيها أولى من النهي عن الصلاة في الحمام؛ لأنها مأوىً للشيطان، كما في حديث زيد بن أرقمَ ﵁ مرفوعاً: «إِنَّ هَذِهِ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ» [أحمد: ١٩٣٣١، وأبو داود: ٦، وابن ماجه: ٢٩٦]. (وَ) الموضع الثالث: في (حَمَّامٍ)، وهو المغتَسَل، فلا تصح الصلاة فيه؛ لحديث أبي سعيد السابق، ويدخل في ذلك جميع ما يتبع الحمام في البيع؛ لتناوله اسمَه، فلا فرق بين مكان نزع الثياب ومَوْقِدِ النار، وكل ما يغلق عليه باب الحمام. (وَ) الموضع الرابع: في (أَعْطَانِ إِبِلٍ) واحدها عَطَن، والمعاطن جمع مَعْطِن: هي ما تقيم فيها وتأوي إليها؛ لحديث جابر بن سَمُرَةَ ﵁: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نَعَمْ» قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لَا» [مسلم: ٣٦٠]. واختار شيخ الإسلام: أن أعطان الإبل تشمل أيضاً المواضع التي تصدر إليها بعد أن تَرِدَ الماء؛ لأن معنى العطن في اللغة ذلك، وإن كان المكان الذي تأوي إليه أولى بالمنع. (وَ) الموضع الخامس: في (مَجْزَرَةٍ): وهو ما أعد للذبح فيه. (و) الموضع السادس: في (مَزْبَلَةٍ): وهو مرمى الزبالة. (وَ) الموضع السابع: في (قَارِعَةِ طَرِيقٍ): وهو ما كثر سلوكه، سواء كان فيه سالك أم لا؛

стр. 189

لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : «نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: فِي المَزْبَلَةِ، وَالمَجْزَرَةِ، وَالمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الحَمَّامِ، وَفِي مَعَاطِنِ الإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ الله» [الترمذي: ٣٤٦، وابن ماجه: ٧٤٦]، ولأن هذه المواطن الثلاث مأوى للشياطين، فهي كالحمام وأولى، واختاره شيخ الإسلام. وعنه، وفاقاً للثلاثة، واختاره ابن قدامة: تصح الصلاة في هذه المواضع الثلاثة إذا لم يكن فيها نجاسة؛ لضعف الحديث المذكور، قال الترمذي: (إسناده ليس بذاك القوي)، والأصل صحة الصلاة في كل أرض، كما في حديث أبي سعيد السابق. والموضع الثامن: المكان المغصوب؛ لأنها عبادة أُتِي بها على الوجه المنهي عنه فلم تصح، كصلاة الحائض. وعنه وفاقاً واختاره ابن عقيل: تصح؛ لعموم حديث أبي سعيد السابق، ولأن النهي عن الغصب عائد إلى شرط العبادة على وجه لا يختص؛ فلم يقتض الفساد. والموضع التاسع: أسطحة المواضع السبعة السابقة، وأشار إليه بقوله: (وَلَا فِي أَسْطِحَتِهَا)؛ لأن الهواء تابع للقرار، فأخذ حكمه. وعنه، واختاره ابن قدامة: تصح على أسطحتها وإن لم تصح فيها؛ لأن النهي يقتصر على ما تناوله النص فقط، والنص تناول النهي عن الصلاة فيها

стр. 190

لا في أسطحتها. ولكن يستثنى من ذلك: سطح المقبرة، فلا تصح الصلاة فيه؛ لأن علة النهي كونها ذريعة إلى الشرك، وهذا موجود في الصلاة على سطحها، بل هو أبلغ. - فرع: من تعذر عليه فعل الصلاة في غير هذه الأمكنة، كمن حبس في حمام أو حُشٍّ: صلى فيها ولا يعيد؛ لصحة صلاته إذن، وأشار إليه المؤلف قبلُ بقوله: (بلا عذر). (١) - ضابط على المختار: تصح الصلاة في كل موضع إلا في سبعة مواضع: المكان النجس، والمقبرة، والحمام، والحش، وأعطان الإبل، وسطح المقبرة، وإلىها. الشرط (الخَامِسُ) من شروط الصلاة: (اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ) أي: الكعبة أو جهتِها لمن بَعُدَ؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وفي حديث أبي هريرة ﵁، في حديث المسيء في صلاته قال ﷺ : «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ» [البخاري: ٦٢٥١، ومسلم: ٣٩٧]، وحكى ابن حزم وغيره الإجماع عليه.

стр. 191

- مسألة: (وَلَا تَصِحُّ) الصلاة (بِدُونِهِ) أي: بدون الاستقبال، (إِلَّا) في أحوال يسقط فيها استقبال القبلة، وهي: ١ - (لِعَاجِزٍ) عن الاستقبال، كالمربوط لغير القبلة؛ لأنه شرط عجز عنه فسقط، كستر العورة؛ وللقاعدة: «لا واجب مع العجز». ٢ - للمعذور، كالخوف في الحرب، والهروب من سيل أو سَبُع؛ لقول ابن عمر ﵄ ورفعه: «فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ، صَلَّوْا رِجَالاً قِيَاماً عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَاناً، مُسْتَقْبِلي القِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا» [البخاري: ٤٥٣٥]. ٣ - (وَمُتَنَفِّلٍ) ويسقط عنه شرط استقبال القبلة بشروط أربعة: الشرط الأول: أن يكون (فِي سَفَرٍ)، طويلاً كان أم قصيراً، قال ابن عبد البر: (أجمعوا على أنه جائز لكل من سافر سفراً تقصر فيه الصلاة)؛ لحديث ابن عمر ﵄: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِئُ إِيمَاءً، صَلَاةَ اللَّيْلِ، إِلَّا الفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ» [البخاري: ١٠٠٠، ومسلم: ٧٠٠]. فإن كان في الحضر وجب الاستقبال؛ لأنه لم ينقل عنه ﷺ ، ولقول ابن عمر ﵄: «إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ أَنْ تُصَلِّيَ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِكَ رَاحِلَتُكَ فِي السَّفَرِ تَطَوُّعاً» [تفسير الطبري ٢/ ٤٥٣]. الشرط الثاني: أن يكون سائراً، فإن كان نازلاً وجب الاستقبال؛ لأنه انتقل إلى حالة إقامة كالخائف إذا أمن.

стр. 192

ولا فرق بين الراكب والماشي؛ إلحاقاً للماشي بالراكب، لأنه يجوز أن يصلي ماشياً طالباً للعدو في المكتوبة، كما فعل عبد الله بن أُنيس ﵁[أبو داود: ١٢٤٩]، فكذلك في النافلة في السفر، ولأن الصلاة أبيحت للراكب، لئلا ينقطع عن النافلة في السفر، وهو موجود في الماشي. الشرط الثالث: أن يكون السفر (مُبَاحـ) ـاً، فإن كان سفر معصية أو كان مكروهاً؛ لم يسقط الاستقبال؛ لأن الرخص لا تستباح بالمحرم ولا المكروه. واختار شيخ الإسلام: أنه يترخص في السفر المحرم والمكروه؛ لأن الشارع علق هذه الرخص بجنس السفر، ولم يخص سفراً دون سفر. الشرط الرابع: أن يفتتح الصلاة إلى القبلة؛ لحديث أنس ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ» [أبو داود: ١٢٢٥]. وعنه، واختاره ابن القيم: لا يلزمه الافتتاح إليها؛ لأن أكثر من وصف صلاة النبي ﷺ لم يذكره، كعامر بن ربيعة، وابن عمر، وجابر ﵃، وحديثهم أصح، ثم هو مجرد فعل فلا يدل على الوجوب. - فرع: يلزم الماشيَ افتتاحُ الصلاة إلى القبلة؛ لما تقدم في الراكب، ويلزمه الركوع والسجود إليها أيضاً؛ لأنه يمكنه ذلك فلزمه.

стр. 193

وفي وجه اختاره شيخ الإسلام: له الركوع والسجود بالإيماء إلى جهته؛ قياساً على الراكب، ولأنه يتكرر، ففي الوقوف له قطع لسيره. - مسألة: (وَفرْضُ قَرِيبٍ مِنْهَا) أي: من الكعبة، وهو من أمكنه معاينتُها أو الخبرُ بيقين: (إِصَابَةُ عَيْنِهَا) باتفاق الأئمة، ببدنه كله، بحيث لا يخرج شيء منه عن الكعبة، فلو خرج ببعض بدنه عن مسامتتها لم تصح؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: لما دخل النبي ﷺ البيت، دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال: «هَذِهِ القِبْلَةُ» [البخاري: ٣٩٨، ومسلم: ١٣٣٠]. - مسألة: (وَ) فرض مصلٍّ (بَعِيدٍ) عن الكعبة، وهو من لم يقدر على معاينة الكعبة، ولا على من يخبره عن علم: التوجه إلى (جِهَتِهَا)، فلا يضر التيامن والتياسر اليسيران عُرفاً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» [الترمذي: ٣٤٢، وابن ماجه: ١٠١١]، وصح ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس ﵃ [ابن أبي شيبة: ٧٤٣١ وما بعده]. - مسألة: (وَيَعْمَلُ) في معرفة اتجاه القبلة (وُجُوباً) بالطرق الآتية: ١ - (بِخَبَرِ) غيره له، رجلاً كان أم امرأة، حرًّا كان أم عبداً، إذا توفر في المخبِر ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون المخبر مكلفاً؛ لأن غير المكلف لا يقبل خبره.

стр. 194

الشرط الثاني: أن يكون المخبر (ثِقَةً) أي: عدلًا باطناً وظاهراً، فلا يعمل بخبر: ١) - الكافر؛ لأنه ليس بعدل في الباطن والظاهر. ٢) - الفاسق؛ لأنه ليس بعدل في الباطن والظاهر. ٣) - مستور الحال؛ لأنه لا تُعرف عدالته في الباطن. وقال بعض أهل العلم: لا تشترط العدالة، وإنما تشترط القوة والأمانة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ... (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦]، فإذا كان قويًّا فيما يتعلق بمعرفته بالقبلة، أمينًا لا يكذب وليس عنده تساهل وتسرع قُبِل قوله. الشرط الثالث: أن يكون خبر الثقة (بِيَقِينٍ)، فإن أخبره عن اجتهاد فلا يخلو المخبَرُ من حالين: أ) أن يكون عارفاً بأدلة القبلة: فلا يعمل بقوله وفاقاً؛ لأنه يقدر على الصلاة باجتهاد نفسه، وتحصيل مثل ظنه، فلم يجُز له تقليد غيره؛ أشبه حال اشتباه القبلة. واختار شيخ الإسلام: أنه يعمل بقوله مع ضيق الوقت. ب) أن يكون جاهلاً بأدلة القبلة ولا يمكنه تعلمها في الوقت: فيجوز له تقليد المخبِر عن اجتهاد؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾

стр. 195

[البقرة: ٢٨٦]. ٢ - (وَ) يعمل (بِمَحَارِيبِ المُسْلِمِينَ) إجماعاً؛ لأن اتفاقهم عليها مع تكرار الأعصار إجماع عليها، فلا تجوز مخالفتها. وعلم منه: أنه لا يعمل بمحاريب غير المسلمين ولو علم جهة قبلتهم؛ لأن قولهم لا يرجع إليه، فمحاريبهم أولى. واختار ابن قدامة: أنه إذا علم قبلتهم كالنصارى، وأنها تتجه إلى الشرق، فإنه يستدل بها على القبلة؛ وتقدم أنه لا يشترط عدالة المخبِر على قول. ٣ - بالعلامات العلوية؛ كالنجوم ومنازل الشمس والقمر؛ لقوله تعالى: ﴿وعلمات وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل: ١٦]. ٤ - بالآلات الحديثة. - مسألة: (وَإِنِ اشْتَبَهَتِ) القبلة على المصلي، لم يَخْلُ من حالين: ١ - أن يكون في الحضر: فلا يجوز له الاجتهاد، لأن الحضر ليس بمحل للاجتهاد، لقدرةِ مَن فيه على الاستدلال بالمحاريب ونحوها، ولوجود المخبِر عن يقين غالباً، فإن اجتهد وصلى أعاد ولو أصاب؛ لأنه مفرط. وفي رواية اختارها ابن عثيمين: يجتهد ولو في الحضر ولا إعادة عليه؛

стр. 196

لأنه أتى بما أُمر به، فخرج عن العهدة كالمصيب. ٢ - أن يكون (فِي السَّفَرِ): قال المؤلف: (اجْتَهَدَ) في التعرف على القبلة مصلٍّ (عَارِفٌ بِأَدِلَّتِهَا) أي: أدلة القبلة؛ لأن ما وجب اتباعه عند وجوده؛ وجب الاستدلال عليه عند خفائه، كالحكم في الحادثة. (وَقلَّدَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ العارف بأدلة القبلة، كالجاهل ومن تعذر عليه معرفة القبلة لعذر، فإنه يقلد غيره في اجتهاده كما تقدم. - مسألة: (وإِنْ صَلَّى) من اشتبهت عليه القبلة (بِلَا أَحَدِهِمَا) أي: بلا اجتهاد إن كان من أهل الاجتهاد، ولا تقليد إن لم يحسن الاجتهاد، (مَعَ القُدْرَةِ) على الاجتهاد أو التقليد، (قَضَى) تلك الصلاة (مُطْلَقاً) سواء أصاب أم أخطأ أم لم يعلم أنه أصاب أو أخطأ؛ لتفريطه بترك ما وجب عليه. وقيل: إن أصاب القبلة صحت صلاته؛ لأن ميله إلى هذه الجهة يوجب غلبة الظن، والظن معمول به في العبادات. - فرع: خلاصة ما سبق على المختار: أن المصلي إلى القبلة لا يخلو من أمرين: ١ - أن يصلي باجتهاد أو تقليد: فلا إعادة عليه مطلقاً ولو أخطأ حتى في الحضر.

стр. 197

٢ - أن يصلي بغير اجتهاد ولا تقليد: فيعيد إلا إن أصاب الجهة. الشرط (السَّادِسُ) من شروط الصلاة: (النِّيَّةُ) وهي لغةً: القصد، وهو عزم القلب على الشيء. وشرعاً: العزم على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى، ومحلها القلب. فلا تصح الصلاة بدون النية لحديث عمر ﵁ مرفوعاً: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧]. - مسألة: (فَيَجِبُ) في النية (تَعْيِينُ) صلاة (مُعَيَّنَةٍ)، فرضاً كانت كالظهر والعصر أم نفلاً كالوتر والسنة الراتبة؛ لحديث عمر ﵁ مرفوعاً: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، ولتتميز تلك الصلاة عن غيرها. وعنه: لا تشترط نية التعيين، قال بعض الأصحاب: ينوي فرض الوقت ويكفيه؛ لما في نية تعيين الصلاة من المشقة. - فرع: لا يشترط تعيين نية الأداء والقضاء، والفرض والنفل، والإعادة؛ لأن نية التعيين تغني عنها. - مسألة: وقت النية على أقسام: القسم الأول: أن تقارن التكبير، وأشار إليه بقوله: (وَسُنَّ مُقَارَنَتُهَا) أي: النية (لِتَكْبِيرَةِ إِحْرَامٍ) بأن يأتي بالتكبير عقب النية؛ لتكون النية مقارِنَةً للعبادة،

стр. 198

وخروجاً من خلاف من أوجبه. القسم الثاني: أن تتقدم النية على تكبيرة الإحرام بزمن يسير في الوقت: فقال المؤلف: (وَلَا يَضُرُّ تَقْدِيمُهَا) أي: النية (عَلَيْهَا) أي: على الصلاة، (بِـ) زمن (يَسِيرٍ) عرفاً في الوقت (١)؛ لأن تقدم النية على التكبير بالزمن اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها منوية، ولأن في اعتبار المقارنة حَرَجًا ومشقة فوجب سقوطه. وقيل: يُعتد بالنية ولو قبل الوقت؛ لأن النية شرط، والشرط يجوز تقديمه على الوقت كالطهارة. القسم الثالث: أن تتقدم بزمن طويل عرفاً: لم تصح الصلاة؛ لأنه يُخرِج الصلاة عن كونها منوية. وفي وجه اختاره شيخ الإسلام: أنه يجوز بزمن طويل ما لم يفسخها؛ قياساً على الصوم، فإن النية تصح من غروب الشمس. - مسألة: (وَشُرِطَ) في صلاة الجماعة (نِيَّةُ إِمَامَةٍ) للإمام، وهو من

стр. 199

المفردات، (وَ) شُرط نية (ائْتِمَامٍ) للمأموم؛ لأن الجماعة تتعلق بها أحكام، كوجوب الاتباع، وسقوط السهو عن المأموم، وغير ذلك، وإنما يتميز الإمام عن المأموم بالنية، فكانت شرطًا لصحة انعقاد الجماعة. وعنه، وفاقاً للثلاثة: لا تشترط نية الإمامة؛ فلو نوى الانفراد، ونوى من خلفه الائتمام؛ صح وحصلت فضيلة الجماعة للمأموم فقط؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاتِهِ» [البخاري: ٩٢٤، ومسلم: ٧٦١]. ولم يَعْلَمْ بهم. وعلى هذا فالمسألة لا تخلو من خمسة أقسام: ١ - أن ينويَ الإمامُ الإمامةَ، وينويَ المأموم الائتمام: فتصح الصلاة والجماعة. ٢ - أن ينويَ كلٌّ منهما أنه إمام للآخر: فسدت صلاتهما؛ لأن كلًّا منهما أمَّ مَن لم يأتم به، لأنه لا يمكن أن يكون الإمام في نفس الوقت مأموماً. ٣ - أن ينويَ كلٌّ منهما أنه مأموم للآخر: فسدت صلاتهما؛ لأن كلًّا منهما ائتم بمن ليس بإمام، ولأنه إذا نوى كل منهما أنه مأموم للآخر فأين الإمام! وفي قول: تصح فرادى في المسألتين، وهو من المفردات.

стр. 200

٤ - أن ينويَ الإمامُ الإمامة، ولا ينوي المأموم الائتمام: فسدت صلاة الإمام فقط؛ لأنه أمَّ من لم يأتم به. وقيل: تصح صلاة الإمام. (١) ٥ - أن ينويَ المأموم الائتمام، ولا ينوي الإمام الإمامة: فتفسد صلاة المأموم وحده؛ لأنه ائتم بمن ليس إماماً. وتقدم الخلاف فيه. - فرع: (وَ) يجوز (لِمُؤْتَمٍّ) نوى الانفراد (انْفِرَادٌ) عن الإمام (لِعُذْرٍ)؛ كمرض وتطويل إمام، واختاره شيخ الإسلام؛ لقصة الرجل الذي صلى مع معاذ ﵁، فقرأ بهم البقرة، قال جابر ﵁ في الحديث: «فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً» [البخاري: ٧٠٥، ومسلم: ٤٦٥]، ولم ينكر عليه النبي ﷺ انفراده. أما إذا انفرد عن الإمام لغير عذر فلا تصح صلاته؛ لتركه متابعة الإمام، وفي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» [البخاري: ٧٢٢، ومسلم: ٤١٤]. - تنبيه: محل جواز مفارقة الإمام: أن يستفيد من تلك المفارقة، فإن

стр. 201

كان الإمام يعجل ولا يتميز انفراده عنه بنوع تعجيل؛ لم يجُز له الانفراد؛ لعدم الفائدة فيه. - مسألة: (وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ) أي: المأموم (بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إِمَامِهِ)، لعذر أو لغير عذر؛ لارتباط صلاته بصلاة إمامه، وللقاعدة: (التابع تابع). وعنه: لا تبطل صلاة مأموم، ولهم الاستخلاف، أو يُتِمُّونها فرادى، لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» [البخاري: ٦٩٤]، وأثرِ عثمان ﵁: أنه صلى بالناس وهو جنب، فأعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا [الدارقطني: ١٣٧٢]، فإذا صحت كلها للمأموم صح بعضها من باب أولى. - ضابط على المختار: ليس هناك ما تبطل به صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه إلا فيما يقوم به الإمام مقام المأموم كالسترة. - مسألة: لا تبطل صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم؛ لأنها ليست منها ولا متعلقة بها، وأشار إليه بقوله: (لَا عَكْسُهُ إِنْ نَوَى إِمَامٌ الانْفِرَادَ)، قال البهوتي: (أو لم ينوه، ويتمها منفرداً)، (والله أَعْلَمُ).

стр. 202

(بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) - مسألة: (يُسَنُّ خُرُوجُهُ إِلَيْهَا) أي: الصلاة: ١ - (مُتَطَهِّراً)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ الله، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» [مسلم ٦٦٦]. ٢ - (بِسَكِينَةٍ) وهي التأني في الحركات، واجتناب العبث، (وَوَقَارٍ) وتكون في الهيئة كغض الطرف؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، وَلا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» [البخاري ٦٣٦، ومسلم ٦٦٦]. - فرع: استثنى شيخ الإسلام الإسراع اليسير في حالتين: الأولى: لإدراك تكبيرة الإحرام، فلا يكره، وذكره الإمام أحمد عن الصحابة ﵃. الثانية: لإدراك الجمعة أو الجماعة: فلا يكره؛ لأنه لا ينجبر إذا فات، وقد علل ﷺ الأمر بالسكينة بقوله: «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»،

стр. 203

فمن لا يرجو إدراك شيء إذا مشى وعليه السكينة؛ فلا يدخل في الحديث. ٣ - ويستحب (مَعَ) ما سبق (قَولُ مَا وَرَدَ) عند خروجه للصلاة، ومن ذلك: ما ثبت في حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ خرج إلى الصلاة، وهو يقول: «اللهمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوراً، وَفِي لِسَانِي نُوراً، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُوراً، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُوراً، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُوراً، وَمِنْ أَمَامِي نُوراً، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُوراً، وَمِنْ تَحْتِي نُوراً، اللهمَّ أَعْطِنِي نُوراً» [مسلم ٧٦٣]. - مسألة: وقت قيام الإمام والمأموم -غير المقيم- للصلاة، لا يخلو من حالين: الأولى: إن رأى المأمومُ الإمامَ، وأشار إليه بقوله: (وَ) يستحب (قِيَامُ إِمَامٍ، فَـ) قيام مأموم (غَيرِ مُقِيمٍ) الصلاةَ (إِلَيْهَا) أي: إلى الصلاة (عِنْدَ قَوْلِ مُقِيمٍ: «قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ»)، وهو من المفردات؛ لقول عبد الله بن أبي أوفى ﵁: «كَانَ إِذَا قَالَ بِلَالٌ: (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ)، نَهَضَ رَسُولُ الله ﷺ فَكَبَّرَ» [البيهقي ٢/ ٢٢، وضعفه]، وورد عن أنس بن مالك ﵁: «أنه إذا قيل: (قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ) وثب فقام» [الأوسط ١٩٥٨]. الثانية: إن لم ير المأموم الإمام: فإنه لا يقوم إلا عند رؤيته؛ لقول أبي قتادة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي» [البخاري ٦٣٧، ومسلم ٦٠٤]، ولأنه دعاء إلى الصلاة فاستحبت المبادرة إليها.

стр. 204

- فرع: يستثنى من ذلك المقيم للصلاة؛ لأنه يأتي بالإقامة كلها قائماً كالأذان. - مسألة: (فَيَقُولُ) الإمام ثم المأموم، والمنفرد: (اللهُ أَكْبَرْ)، وهي ركن من أركان الصلاة؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ» [البخاري ٧٥٧، ومسلم ٣٩٧]، ويجب أن يكون التكبير: ١ - بلفظ: الله أكبر، فلا يجزئ غيرها، واختاره شيخ الاسلام؛ لحديث أبي حُميد الساعدي ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: الله أَكْبَرُ» [أبو داود ٦١، وابن ماجه ٨٠٣]، ولم ينقل أنه كان يستفتحها بغير ذلك، فلا تنعقد بقول: الله الأكبر، أو الكبير، أو الجليل. ٢ - أن يقول ذلك (وَهُوَ قَائِمٌ فِي فَرْضٍ) مع القدرة على القيام وعدم ما يسقطه كما سيأتي، وإلا صحت نفلًا إن اتسع الوقت. - مسألة: يستحب للمصلي عند تكبيرة الإحرام: أن يكون (رَافِعاً يَدَيْهِ) باتفاق الأئمة، وهذا هو الموضع الأول من المواضع الثلاثة في رفع اليدين على المذهب، (إِلَى حَذْوِ) أي: مقابل (مَنْكِبَيْهِ)؛ لقول ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ» [البخاري ٧٣٥، ومسلم ٣٩٠].

стр. 205

وعنه: أنه مخير بين الرفع إلى حذو الأذنين أو حذو المنكبين؛ جمعاً بين حديث ابن عمر السابق، وحديث مالك بن الحُويرث ﵁ قال: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ» [مسلم ٣٩١]، والقاعدة: (أن العبادات الواردة على وجوه متعددة، الأفضل فيها أن يأتي بهذا تارةً، وبهذا تارةً). - مسألة: (ثُمَّ) إذا فرغ من التكبير (يَقْبِضُ بِـ) كف (يُمْنَاهُ كُوعَ يُسْرَاهُ) وهو مَفْصِلُ الكف من الذراع؛ لحديث وائل بن حُجْرٍ ﵁ في صفة صلاة النبي ﷺ : «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا كَانَ قَائِماً فِي الصَّلَاةِ قَبَضَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ» [النسائي ٨٨٧]. والصفة الثانية الواردة في السنة: وضع اليد اليمنى على ذراع اليسرى؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ قال: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ اليُسْرَى فِي الصَّلاةِ» [البخاري ٧٤٠]. والصفة الثالثة: وضع اليد اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد؛ لحديث وائل بن حُجْر ﵁ قال: «ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى، عَلَى كَفِّهِ اليُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ» [أحمد ١٨٨٧٠، وأبو داود ٧٢٧، والنسائي ٨٨٨]. والقاعدة: (أن العبادات الواردة على وجوه متعددة، الأفضل فيها أن يأتي بهذا تارة، وبهذا تارة). - مسألة: (وَيَجْعَلُهُمَا) أي: اليدين (تَحْتَ سُرَّتِهِ)؛ لقول علي ﵁:

стр. 206

«مِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ الْأَكُفِّ عَلَى الْأَكُفِّ تَحْتَ السُّرَّةِ» [أحمد ٨٥٧، وأبو داود ٧٥٦]. وقيل: يضعهما على صدره، واختاره ابن باز وابن عثيمين؛ لحديث وائل بن حُجْرٍ ﵁: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى يَدِهِ اليُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ» [ابن خزيمة ٤٧٩، ٧٥٣]، وأما حديث علي فقال النووي: (متفق على ضعفه). - مسألة: (وَيَنْظُرُ) المصلي (مَسْجِدَهُ) أي: موضع سجوده (فِي كُلِّ صَلَاتِهِ)؛ لقول عائشة ﵂: «دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ الْكَعْبَةَ، مَا خَلفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا» [ابن خزيمة ٣٠١٢، والحاكم ١٧٦١ وصححه ووافقه الذهبي]، ولأنه أخشع لقلبه، إلا في ثلاثة مواضع: الأول: في صلاة الخوف للحاجة؛ لما روى سهل بن الحنظلية ﵁: «ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ» [أبو داود ٩١٦]، وكان أرسل فارسًا إلى الشِّعب من الليل يحرس. الثاني: حال إشارته في التشهد، فإنه ينظر إلى سبابته، عند القاضي وجماعة؛ لحديث ابن الزبير ﵄ في صفة صلاة النبي ﷺ : «لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ» [أبو داود ٩٩٠]. الثالث: صلاته تجاه الكعبة، فإنه ينظر إليها، قاله في المبدع؛ لأنها قبلة المصلي.

стр. 207

واختار ابن عثيمين: أن الكعبة كغيرها؛ لحديث عائشة السابق. - مسألة: (ثُمَّ) يستفتح ندبًا فـ (يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»)، كما في حديث أبي سعيد ﵁ [أحمد ١١٦٥٧، وأبو داود ٧٧٥، والترمذي ٢٤٢، ابن ماجه ٨٠٤]، واختار الإمام أحمد هذا الاستفتاح؛ لعمل عمر ﵁ به بين يدي أصحاب النبي ﷺ [مسلم ٣٩٩]، وجوز غيرَه من الاستفتاحات. وقال شيخ الاسلام: الأفضل أن يأتي بكل نوع من الاستفتاحات أحياناً، لقاعدة: (العبادات الواردة على وجوه متنوعة الأفضل فيها أن يأتي بهذا تارةً وبهذا تارةً). - مسألة: (ثُمَّ يَسْتَعِيذُ) ندباً، سراً، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لقوله تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨] أي: إذا أردت القراءة، وكان النبي ﷺ يقولها قبل القراءة، كما في حديث جُبَيْر بن مُطْعِمٍ ﵁ [أبو داود ٧٦٤، وابن ماجه ٧٠٤]، وكيفما تعوذ به من الوارد فحسن. - مسألة: (ثُمَّ يُبَسْمِلُ) ندبًا فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم، لخبر نُعَيْمٍ المُجْمِرِ قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ثم قرأ بأم القرآن، وقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً

стр. 208

بِرَسُولِ الله ﷺ » [أحمد ١٠٤٤٩، والنسائي ٩٠٥]، (سِرًّا)؛ لحديث أنس ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُسِرُّ بِـ (بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي الصَّلَاةِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» [ابن خزيمة ٤٩٨]. واختار شيخ الإسلام: أنه يجهر بالبسملة والتعوذ أحياناً، لمصلحة التعليم أو التأليف؛ لحديث أبي هريرة السابق. - مسألة: (ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ) وهي ركن في كل ركعة للإمام والمنفرد؛ لحديث عبادة ﵁ مرفوعاً: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» [البخاري ٧٥٦، ومسلم ٣٩٤]، ويتحملها الإمام عن المأموم، ويأتي في صلاة الجماعة. ويشترط في قراءة الفاتحة أن تكون: ١ - (مُرَتَّبَةً)، فإن أخل بترتيبها، بأن قدم بعض الآيات على بعض؛ لزم إعادتها؛ لاختلال نظمها. ٢ - (مُتَوَالِيَةً)، فلو قطع المصلي الفاتحة لم يَخْلُ من أمرين: الأول: أن يقطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين: فيلزمه إعادتها إن كان ذلك: أ- عمدًا: فلو كان كثيرًا سهوًا لم يؤثر؛ لحديث أبي ذر ﵁ مرفوعاً: «إِنَّ الله قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه ٢٠٤٣].

стр. 209

ب وطال عرفاً؛ للإخلال بنظمها. الثاني: أن يقطعها بذكر أو سكوت مشروعين، كسؤال الرحمة عند تلاوة آية رحمة، وكسكوت المأموم للاستماع لقراءة إمامه: لم يبطل ما مضى من قراءتها ولو طال؛ لأن ذلك مشروع، فلا أثر للتقطيع، وما ترتب على المأذون غير مضمون. ٣ - أن يقرأها كاملة، فإن ترك منها حرفاً أو تشديدة، (وَفِيهَا إِحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً)؛ لزم إعادتها؛ لأنه لم يقرأها كاملة، والتشديدة بمنزلة حرف. - مسألة: (وَإِذَا فَرَغَ) من الفاتحة (قَالَ: «آمِينْ»)، ندباً، اتفاقاً، ومعناه: اللهم استجب، (يَجْهَرُ بِهَا: إِمَامٌ وَمَأْمُومٌ مَعاً) يتوافق تأمين الإمام وتأمين المأموم (فِي) صلاة (جَهْرِيَّةٍ)، ويكون التأمين معاً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَقُولُ: آمِينَ، وَإِنَّ الإِمَامَ يَقُولُ: آمِينَ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [أحمد ٧١٨٧، والنسائي ٩٢٧]، وجهراً في الجهرية؛ لحديث وائل بن حُجْرٍ ﵁: «أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَجَهَرَ بِآمِينَ» [أبو داود ٩٣٣، والترمذي ٢٤٩]. (وَغَيرُهمَا) أي: غير الإمام والمأموم، وهو المنفرد، فيؤمِّن (فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ) من الصلوات تبعاً لها.

стр. 210

- مسألة: الجهر والإسرار بالقراءة في الصلاة لا يخلو من ثلاثة أقسام: القسم الأول: بالنسبة للإمام، وأشار إليه بقوله: (وَيُسَنُّ جَهْرُ إِمَامٍ بِقِرَاءَةِ) صلاة (صُبْحٍ) إجماعاً، (وَجُمُعَةٍ، وَعِيدٍ، وَكُسُوفٍ، وَاسْتِسْقَاءٍ) ويأتي في بابه، (وَأُولَيَيْ مَغْرِبٍ)، إجماعاً، (وَ) أوليي (عِشَاءٍ) إجماعاً. القسم الثاني: بالنسبة للمأموم، وأشار إليه بقوله: (وَيُكْرَهُ) الجهر بالقراءة (لِمَأْمُومٍ)؛ لأنه مأمور بالإنصات، والأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، قال شيخ الإسلام: (وأما المأموم فالسنة المخافتة باتفاق المسلمين). القسم الثالث: بالنسبة للمنفرد، وأشار إليه بقوله: (وَيُخَيَّرُ مُنْفَرِدٌ وَنَحْوُهُ) كمسبوق، بين الجهر بالقراءة والإسرار بها؛ لقول عائشة ﵂، لما سئلت عن وتر النبي ﷺ : «كُلَّ ذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا أَسَرَّ، وَرُبَّمَا جَهَرَ» [أحمد ٢٤٤٥٣، وأبو داود ١٤٣٧، والترمذي ٢٩٢٤]، ولأنه لا يراد منه إسماع غيره ولا استماعه. - مسألة: يستحب سكوت الإمام في ثلاثة مواضع: ١ - قبل القراءة وبعد التكبير؛ للاستفتاح، وقد سبق. ٢ - بعد قراءة الفاتحة بقدر قراءة المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية؛ لحديث سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ ﵁: «أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ سَكْتَتَيْنِ: سَكْتَةً

стр. 211

إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)» [أحمد ٢٠٢٦٦، وأبو داود ٧٧٩]. والمنصوص عن أحمد، واختاره شيخ الاسلام: عدم استحباب هذه السكتة، للرواية الأخرى في حديث سمرة ﵁، وهي أصح من الأولى: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَسْكُتُ سَكْتَتَيْنِ: إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ» [أحمد ٢٠٢٤٣، وأبو داود ٧٧٨، والنسائي ٨٤٥]، ولأن النبي ﷺ لو كان يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم يَنقُل هذا أحدٌ عُلم أنه لم يكن. ٣ - بعد القراءة وقبل الركوع؛ لحديث سمرة السابق، وتأتي المسألة. - مسألة: (ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا) أي: بعد الفاتحة (سُورَةً) ندباً، كاملة؛ لأنه غالب فعل النبي ﷺ ، ويكره الاقتصار على الفاتحة؛ لأنه خلاف السنة، وتكون السورة: ١ - (فِي) صلاة (الصُّبْحِ: مِنْ طِوَالِ المُفَصَّل)، وأولُه (ق) إلى النبأ؛ لما روى أوس بن حذيفة ﵁ قال: «سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ الله ﷺ : كَيْفَ تُحَزِّبُونَ القُرْآنَ؟ قَالُوا: ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَحِزْبُ المُفَصَّلِ» [أحمد: ١٦١٦٦، وابن ماجه: ١٣٤٥]، وهذا يقتضي أن المفصل السورة التاسعة والأربعون من سورة البقرة، وهي سورة (ق).

стр. 212

وكره بقصاره لغير عذر كسفر أو مرض؛ لأنه خلاف السنة. واختار الشارح: عدم الكراهة؛ لقول عمرو بن حريث ﵁: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ الفَجْرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ)» أي: سورة التكوير [مسلم ٤٧٥]، وثبت أنه ﷺ «قرَأُ فِي الصُّبْحِ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ ... (١)﴾ " فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا " [أبو داود ٨١٦]. ٢ - (وَ) تكون في صلاة (المَغْرِبِ: مِنْ قِصَارِهِ)، وأوله الضحى إلى الناس، ولا يكره بطواله؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁: " أنه ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف، فرَّقها في ركعتين " [النسائي ٩٩٠]. ٣ - (وَ) تكون في (البَاقِي) أي: في صلاة الظهر والعصر والعشاء، (مِنْ أَوْسَاطِهِ)، وأوله النبأ إلى الضحى. والدليل على ما سبق: ما روى سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «مَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ الله ﷺ مِنْ فُلَانٍ»، لإمام كان بالمدينة، قال سليمان بن يسار: «فَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ، فَكَانَ يُطِيلُ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الْأُخْرَيَيْنِ، وَيُخَفِّفُ العَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنَ المَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْعِشَاءِ مِنْ وَسَطِ المُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الْغَدَاةِ بِطِوَالِ المُفَصَّلِ» [أحمد ٨٣٦٦، والنسائي ٩٨١]، وعن جابر بن سمرة ﵁، أن رسول الله ﷺ : «كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ السُّوَرِ» [أبو داود ٨٠٥، الترمذي ٣٠٧، والنسائي ٩٧٩].

стр. 213

- مسألة: بعد فراغه من قراءة السورة يسكت بقدر ما يرجع إليه النَّفَس؛ لحديث سمرة السابق: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَسْكُتُ سَكْتَتَيْنِ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ» [أحمد ٢٠٢٤٣، وأبو داود ٧٧٨، والنسائي ٨٤٥]، واختاره شيخ الإسلام. - مسألة: (ثمَّ يَرْكَعُ مُكَبِّراً)؛ لقول أبي هريرة ﵁: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ» [البخاري ٧٨٩، ومسلم ٣٩٢]، (رَافِعاً يَدَيْهِ) مع ابتداء الركوع، إلى حذو مَنْكِبَيه أو إلى فروع أذنيه، كرفعه الأول، وهذا هو الموضع الثاني من مواضع رفع اليدين؛ لقول ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوع» [البخاري ٧٨٩، ومسلم ٣٩٢]. - مسألة: الركوع له صفتان: الأولى: صفة مجزئة، وهي: أن ينحنيَ بحيث يمكنه مسُّ ركبتيه إن كان وسطاً في الخِلْقَة، أو قَدْرُه من غيره. وقال المجد: أن يكون انحناؤه إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدل. وقيل: هما بمعنًى واحد، والخلاف لفظي. الثانية: صفة مستحبة، وأشار إليها بقوله:

стр. 214

١ - (ثُمَّ يَضَعُهُمَا) أي: اليدين (عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُفَرَّجَتَيِ الأَصَابِعِ)؛ لحديث عقبة بن عمرٍو ﵁: «أنه رَكَعَ، فَجَافَى يَدَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ مِنْ وَرَاءِ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي» [أحمد ١٧٠٨١، والنسائي ١٠٣٧]. ٢ - (وَيُسَوِّي ظَهْرَهُ)؛ لحديث أبي حُميدٍ الساعدي ﵁، أن رسول الله ﷺ : «كان إِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ» [البخاري ٨٢٨]. ٣ - ويجعل رأسه حياله، فلا يرفعه ولا يخفضه؛ لقول عائشة ﵂: «وَكَانَ ﷺ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ» [مسلم ٤٩٨]. ٤ - ويجافي مِرْفَقَيْهِ عن جنبيه؛ لحديث عقبة بن عمرٍو السابق. - مسألة: (وَيَقُولُ) في ركوعه: (سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيمِ) وجوبًا، وهو من المفردات؛ لما روى حذيفة ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ فكان يقول في ركوعه: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» [مسلم ٧٧٢]، وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: لما نزلت: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [الواقعة: ٧٤]، قال رسول الله ﷺ : «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» [أحمد ١٧٤١٤، وأبو داواد ٨٦٩، وابن ماجه ٨٨٧]، والواجب مرة، والسنة أن يقول ذلك (ثَلَاثاً، وَهُوَ أَدْنَى الكَمَالِ)، لحديث ابن

стр. 215

مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثاً، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» [أبو داود ٨٨٦، والترمذي ٢٦١، وابن ماجه ٨٩٠]، قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم، يستحبون أن لا يَنْقُصَ الرجلُ في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات). - فرع: الكمال في عدد تسبيح الركوع والسجود: ١ - بالنسبة للإمام: عشر تسبيحات في ركوعه، وعشر في سجوده؛ لقول أنس ﵁: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ الله ﷺ ، أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ الله ﷺ مِنْ هَذَا الْفَتَى» - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - قال سعيد بن جبير: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات [أحمد ١٢٦٦١، وأبو داود ٨٨٨، والنسائي ١١٣٤]. ٢ - بالنسبة للمنفرد: يرجع فيه إلى العرف، وقيل: لا حد لغايته، ما لم يخف سهواً، قاله في الإنصاف؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» [البخاري ٧٠٣، ومسلم ٤٦٧]. ٣ - بالنسبة للمأموم: فإنه يتابع إمامه في ذلك. - مسألة: (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ مَعَهُ) أي: مع رأسه، كرفعه الأول في افتتاح الصلاة، إلى حذو منكبيه، وهذا هو الموضع الثالث من مواضع رفع
следующие страницы →