إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)» [أحمد ٢٠٢٦٦، وأبو داود ٧٧٩].
والمنصوص عن أحمد، واختاره شيخ الاسلام: عدم استحباب هذه السكتة، للرواية الأخرى في حديث سمرة ﵁، وهي أصح من الأولى: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَسْكُتُ سَكْتَتَيْنِ: إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ» [أحمد ٢٠٢٤٣، وأبو داود ٧٧٨، والنسائي ٨٤٥]، ولأن النبي ﷺ لو كان يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم يَنقُل هذا أحدٌ عُلم أنه لم يكن.
٣ - بعد القراءة وقبل الركوع؛ لحديث سمرة السابق، وتأتي المسألة.
- مسألة: (ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا) أي: بعد الفاتحة (سُورَةً) ندباً، كاملة؛ لأنه غالب فعل النبي ﷺ ، ويكره الاقتصار على الفاتحة؛ لأنه خلاف السنة، وتكون السورة:
١ - (فِي) صلاة (الصُّبْحِ: مِنْ طِوَالِ المُفَصَّل)، وأولُه (ق) إلى النبأ؛ لما روى أوس بن حذيفة ﵁ قال: «سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ الله ﷺ : كَيْفَ تُحَزِّبُونَ القُرْآنَ؟ قَالُوا: ثَلَاثٌ، وَخَمْسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَحِزْبُ المُفَصَّلِ» [أحمد: ١٦١٦٦، وابن ماجه: ١٣٤٥]، وهذا يقتضي أن المفصل السورة التاسعة والأربعون من سورة البقرة، وهي سورة (ق).
стр. 212
وكره بقصاره لغير عذر كسفر أو مرض؛ لأنه خلاف السنة.
واختار الشارح: عدم الكراهة؛ لقول عمرو بن حريث ﵁: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ الفَجْرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ)» أي: سورة التكوير [مسلم ٤٧٥]، وثبت أنه ﷺ «قرَأُ فِي الصُّبْحِ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ ... (١)﴾ " فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا " [أبو داود ٨١٦].
٢ - (وَ) تكون في صلاة (المَغْرِبِ: مِنْ قِصَارِهِ)، وأوله الضحى إلى الناس، ولا يكره بطواله؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁: " أنه ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف، فرَّقها في ركعتين " [النسائي ٩٩٠].
٣ - (وَ) تكون في (البَاقِي) أي: في صلاة الظهر والعصر والعشاء، (مِنْ أَوْسَاطِهِ)، وأوله النبأ إلى الضحى.
والدليل على ما سبق: ما روى سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «مَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ الله ﷺ مِنْ فُلَانٍ»، لإمام كان بالمدينة، قال سليمان بن يسار: «فَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ، فَكَانَ يُطِيلُ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الْأُخْرَيَيْنِ، وَيُخَفِّفُ العَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنَ المَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْعِشَاءِ مِنْ وَسَطِ المُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الْغَدَاةِ بِطِوَالِ المُفَصَّلِ» [أحمد ٨٣٦٦، والنسائي ٩٨١]، وعن جابر بن سمرة ﵁، أن رسول الله ﷺ : «كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ السُّوَرِ» [أبو داود ٨٠٥، الترمذي ٣٠٧، والنسائي ٩٧٩].
стр. 213
- مسألة: بعد فراغه من قراءة السورة يسكت بقدر ما يرجع إليه النَّفَس؛ لحديث سمرة السابق: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَسْكُتُ سَكْتَتَيْنِ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ» [أحمد ٢٠٢٤٣، وأبو داود ٧٧٨، والنسائي ٨٤٥]، واختاره شيخ الإسلام.
- مسألة: (ثمَّ يَرْكَعُ مُكَبِّراً)؛ لقول أبي هريرة ﵁: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ» [البخاري ٧٨٩، ومسلم ٣٩٢]، (رَافِعاً يَدَيْهِ) مع ابتداء الركوع، إلى حذو مَنْكِبَيه أو إلى فروع أذنيه، كرفعه الأول، وهذا هو الموضع الثاني من مواضع رفع اليدين؛ لقول ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوع» [البخاري ٧٨٩، ومسلم ٣٩٢].
- مسألة: الركوع له صفتان:
الأولى: صفة مجزئة، وهي: أن ينحنيَ بحيث يمكنه مسُّ ركبتيه إن كان وسطاً في الخِلْقَة، أو قَدْرُه من غيره.
وقال المجد: أن يكون انحناؤه إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدل.
وقيل: هما بمعنًى واحد، والخلاف لفظي.
الثانية: صفة مستحبة، وأشار إليها بقوله:
стр. 214
١ - (ثُمَّ يَضَعُهُمَا) أي: اليدين (عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُفَرَّجَتَيِ الأَصَابِعِ)؛ لحديث عقبة بن عمرٍو ﵁: «أنه رَكَعَ، فَجَافَى يَدَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ مِنْ وَرَاءِ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي» [أحمد ١٧٠٨١، والنسائي ١٠٣٧].
٢ - (وَيُسَوِّي ظَهْرَهُ)؛ لحديث أبي حُميدٍ الساعدي ﵁، أن رسول الله ﷺ : «كان إِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ» [البخاري ٨٢٨].
٣ - ويجعل رأسه حياله، فلا يرفعه ولا يخفضه؛ لقول عائشة ﵂: «وَكَانَ ﷺ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ» [مسلم ٤٩٨].
٤ - ويجافي مِرْفَقَيْهِ عن جنبيه؛ لحديث عقبة بن عمرٍو السابق.
- مسألة: (وَيَقُولُ) في ركوعه: (سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيمِ) وجوبًا، وهو من المفردات؛ لما روى حذيفة ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ فكان يقول في ركوعه: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» [مسلم ٧٧٢]، وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: لما نزلت: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [الواقعة: ٧٤]، قال رسول الله ﷺ : «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» [أحمد ١٧٤١٤، وأبو داواد ٨٦٩، وابن ماجه ٨٨٧]، والواجب مرة، والسنة أن يقول ذلك (ثَلَاثاً، وَهُوَ أَدْنَى الكَمَالِ)، لحديث ابن
стр. 215
مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثاً، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» [أبو داود ٨٨٦، والترمذي ٢٦١، وابن ماجه ٨٩٠]، قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم، يستحبون أن لا يَنْقُصَ الرجلُ في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات).
- فرع: الكمال في عدد تسبيح الركوع والسجود:
١ - بالنسبة للإمام: عشر تسبيحات في ركوعه، وعشر في سجوده؛ لقول أنس ﵁: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ الله ﷺ ، أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ الله ﷺ مِنْ هَذَا الْفَتَى» - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - قال سعيد بن جبير: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات [أحمد ١٢٦٦١، وأبو داود ٨٨٨، والنسائي ١١٣٤].
٢ - بالنسبة للمنفرد: يرجع فيه إلى العرف، وقيل: لا حد لغايته، ما لم يخف سهواً، قاله في الإنصاف؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» [البخاري ٧٠٣، ومسلم ٤٦٧].
٣ - بالنسبة للمأموم: فإنه يتابع إمامه في ذلك.
- مسألة: (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ مَعَهُ) أي: مع رأسه، كرفعه الأول في افتتاح الصلاة، إلى حذو منكبيه، وهذا هو الموضع الثالث من مواضع رفع
стр. 216
اليدين؛ لحديث ابن عمر السابق وفيه: «وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوع»، (قَائِلاً) إمامٌ ومنفردٌ: (سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ) مرتَّباً وجوباً، (وَ) يقولان (بَعْدَ انْتِصَابِهـ) ـما: (رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ» [البخاري ٧٨٩، ومسلم ٣٩٢]، (مِلْءَ السَّمَاءِ (١) وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)؛ لقول عبد الله بن أبي أَوْفَى ﵁: كان النبي ﷺ إذا رفع ظهره من الركوع، قال: «اللهمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» [مسلم ٤٧٨]، وإن شاء زاد: «أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ»؛ لحديث ابن عباس ﵄ [مسلم ٤٧٨].
- فرع: التحميد ورد على وجوه متنوعة، والأفضل التنويع بينها، ومن ذلك:
١ - (اللهم ربنا ولك الحمد)، ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ [البخاري ٧٩٥].
٢ - (اللهم ربنا لك الحمد)، ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ [البخاري ٧٩٦، ومسلم ٤٠٩].
стр. 217
٣ - (ربنا ولك الحمد)، ثبت من حديث عائشة ﵂ [البخاري ٧٣٢، ومسلم ٤١١].
٤ - (ربنا لك الحمد)، ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ [البخاري ٧٨٩].
والقاعدة عند شيخ الإسلام: (أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة، الأفضل فيها أن يفعل بهذا تارة، وبهذا تارة).
- مسألة: (وَ) يقول (مَأْمُومٌ: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ» فَقَطْ فِي) حال (رَفْعِهِ)، ولا يزيد: (مِلْءَ السَّمَاءِ) وما بعده؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ» [البخاري ٧٦٩، ومسلم ٤٠٩].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يزيد (مِلْءَ السَّمَاءِ) وما بعده؛ لأنه ذِكْرٌ مشروع في الصلاة أشبه سائر الأذكار، ولما روى رِفاعة بن رافع ﵁ قال: كنا يوماً نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: «سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ»، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما انصرف قال: «مَنِ المُتَكَلِّمُ» قال: أنا، قال: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاثِينَ مَلَكاً يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ» [البخاري ٧٩٩].
- فرع: قال الإمام أحمد: إذا رفع رأسه من الركوع، إن شاء أرسل يديه، وإن شاء وضع يمينه على شماله؛ لعدم الدليل الصريح في الوضع أو عدمه.
стр. 218
وقيل، واختاره ابن باز: إنه يضع يمينه على شماله على صدره؛ لحديث سهل بن سعد قال: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ اليُسْرَى فِي الصَّلَاةِ» [البخاري ٧٤٠]، وهذا لا يكون إلا في حال القيام، فيشمل ما قبل الركوع وما بعده.
مسألة: (ثُمَّ يُكَبِّرُ) وهو خارٌّ إلى السجود؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «أَنَّهُ كان يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ، وَرَفَعَ» [البخاري ٧٨٥، ومسلم ٣٩٢]، ولا يرفع يديه؛ لحديث ابن عمر ﵄: " وَكَانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ" [البخاري ٧٣٥، ومسلم ٣٩٠]، (وَيَسْجُدُ عَلَى الأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ) ومنها الأنف، وجوباً، وهو من المفردات؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ، وَاليَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ» [البخاري ٨١٢، ومسلم ٤٩٠].
(فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ)؛ لحديث وائل بن حُجْرٍ ﵁: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» [أبو داود ٨٣٨، والترمذي ٢٦٨، والنسائي ٩٣، وابن ماجه ٨٨٢]، وورد وضع الركبتين قبل اليدين عن عمر وابنه [ابن أبي شيبة ٢٧١٩ - ٢٧٢٠]، وعن ابن مسعود ﵃ [معاني الآثار ١٥٢٩].
وعنه: أنه يقدم اليدين على الركبتين؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً:
стр. 219
«إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» [أحمد ٨٩٥٥، وأبو داود ٨٤٠، والنسائي ١٠٩٠]، ولوروده عن ابن عمر ﵄ [البخاري معلقًا مجزوماً ١/ ١٥٩].
(ثُمَّ) يضع (جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ)، قال في المبدع: (بغير خلاف).
- مسألة: السجود له صفتان:
الأولى: صفة مجزئة، وهي: أن يسجدَ على الأعضاء السبعة، ويجزئُ بعضُ كل عضو منها؛ لأنه لم يقيد في الحديث بوضعه كله.
الثانية: صفة مستحبة: وأشار إليها بقوله: (وَسُنَّ):
١ - (كَوْنُهُ) أي: السجود (عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ) أي: أصابع رجليه، ويوجهها إلى القبلة، باتفاق الأئمة؛ لحديث أبي حُميد ﵁: «وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ» [البخاري ٨٢٨].
٢ - (وَ) سن (مُجَافَاةُ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) باتفاق الأئمة؛ لحديث عبد الله ابن بُحَينةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ يَدَيْهِ عَنْ إِبْطَيْهِ، حَتَّى إِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ إِبْطَيْهِ» [البخاري ٣٩٠، ومسلم ٤٩٥].
٣ - (وَ) سن مجافاة (بَطْنِهِ عَنْ فَخِذَيْهِ)، ومجافاة فخذيه عن ساقيه، (وَتَفْرِقَةُ رُكْبَتَيْهِ) باتفاق الأئمة؛ لحديث أبي حُميد ﵁: «وَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ
стр. 220
فَخِذَيْهِ، غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ» [أبو داود ٧٣٥].
٤ - ويفرج رجليه، لما تقدم في حديث أبي حُميد ﵁، وفيه: «وَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ»، والقدمان تابعتان للركبتين والفخذين.
وذكر ابن تميم: أنه يجمع بين عَقِبَيْه ويضم قدميه، لحديث عائشة ﵂ حين فَقَدَتِ النبي ﷺ ، قالت: «وَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ» [مسلم ٤٨٦]، وعند ابن خزيمة [١٩٣٣]: «فَوَجَدْتُهُ سَاجِداً رَاصًّا عَقِبَيْهِ».
٥ - ويضم أصابع يديه، باتفاق الأئمة؛ لحديث وائل بن حُجْرٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ» [ابن خزيمة ٦٤٢]، وهو مروي عن ابن عمر ﵄ [الأوسط ٣/ ١٦٩].
٦ - ويضع يديه حذو مَنْكِبَيْه؛ لحديث أبي حُميد ﵁، وفيه: «وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» [أبو داود ٧٣٤، والترمذي ٢٧٠].
وورد أيضًا: وضع يديه حذو أُذُنيه، كما في حديث وائل بن حُجْر ﵁ في صفة صلاة النبي ﷺ : «فَلَمَّا سَجَدَ سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ» [مسلم ٤٠١].
٧ - ويُمْكِنُ جبهته؛ لحديث أبي حُميد ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ أَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ» [الترمذي: ٢٧٠].
- فرع: تسن المجافاة المتقدمة ما لم يُؤْذِ جاره فيحرم؛ لقوله تعالى:
стр. 221
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
- مسألة: (وَيَقُولُ) في سجوده: (سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى) وجوباً، وهو من المفردات؛ لما روى حذيفة ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ، فكان يقول في سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» [مسلم ٧٧٢]، وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: لما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]، قال رسول الله ﷺ : «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» [أحمد ١٧٤١٤، أبو داود ٨٦٩، وابن ماجه ٨٨٧]، والواجب مرة، والسنة أن يقول ذلك (ثَلَاثاً، وَهُوَ أَدْنَى الكَمَالِ)، على ما سبق في الركوع.
- مسألة: (ثُمَّ يَرْفَعُ) رأسه (مُكَبِّراً)؛ لحديث أبي هريرة المتقدم، ولا يرفع يديه؛ لحديث ابن عمر السابق، (وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشاً) استحبابًا، فيفرُشُ رِجْلَه اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويستقبل بأطراف أصابع اليمنى القبلة؛ لحديث عائشة ﵂: «وَكَانَ يَفْرُشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى» [مسلم ٤٩٨]، وعن ابن عمر ﵄ قال: «مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ القَدَمَ اليُمْنَى، وَاسْتِقْبَالُهُ بِأَصَابِعِهَا القِبْلَةَ، وَالْجُلُوسُ عَلَى الْيُسْرَى» [النسائي ١١٥٨]، ويكون باسطاً يديه على فخذيه، مضمومة الأصابع؛ قياساً على جلوس التشهد، ولأن هذا مما توارثه الخلف عن السلف.
стр. 222
- مسألة: (وَيَقُولُ) بين السجدتين: (رَبِّ اغْفِرْ لِي)، والواجب مرة، ووجوبه من المفردات؛ لما روى حذيفة ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي» [أبو داود ١٥١، والنسائي ١١٤٤، وابن ماجه ٨٩٧]، والسنة أن يقول ذلك (ثَلَاثاً، وَهُوَ أَكْمَلُهُ)، على ما سبق في الركوع، لرواية النسائي في الكبرى [٦٦٠] قال حذيفة: (وَكَانَ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَسُجُودُهُ، وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ).
- مسألة: (وَيَسْجُدُ) السجدة (الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ)، أي: كالأولى فيما تقدم من التكبير والتسبيح والهيئة والدعاء بالوارد؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.
- مسألة: (ثُمَّ يَنْهَضُ) من السجود (مُكَبِّراً)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في صفة صلاة النبي ﷺ : «ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يرفع رأسه» [البخاري ٧٨٩، ومسلم ٣٩٢].
(مُعْتَمِداً) في قيامه (عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ)؛ لما روى وائل بن حُجْرٍ ﵁ أن النبي ﷺ : «إِذَا نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذِهِ» [أبوداود ٧٣٦]، وروي ذلك عن ابن عمر ﵁ [مصنف ابن أبي شيبة ٤٠١٩ - ٤٠٢٠]، (فَإِنْ شَقَّ) الاعتماد على ركبتيه، لِكِبَرٍ، أو ضعف، أو مرض، أو نحوه، (فَبِالأَرْضِ)؛
стр. 223
لحديث مالك بن الحُويرث الآتي، فإنه يحمل على المشقة، ولما روي عن علي ﵁: «مِنْ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ إذَا نَهَضَ أَلَّا يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ» [ابن أبي شيبة ٤٠١٩ - ٤٠٢٠].
واختار الآجري من الأصحاب: أنه يعتمد على الأرض؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁: «وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ» [البخاري ٨٢٤].
- فرع: ظاهر كلام المصنف أنه لا يجلس للاستراحة، وهو المذهب؛ لأن أكثر الذين وصفوا صلاته ﷺ لم يذكروا هذه الجلسة، وهو الوارد عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر [ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٤] وابن عباس ﵃ [عبد الرزاق ٢٩٦٨]، قال أحمد: (أكثر الأحاديث على هذا).
وعنه: أنه يجلس للاستراحة، قال الخلال: رجع إليها أحمد؛ لحديث مالك بن الحويرث السابق: «وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ»، وفي حديث أبي حُميد ﵁: «ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ وَقَعَدَ وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ نَهَضَ» وقد حدَّث به في محضرِ عَشَرةٍ من أصحاب النبي ﷺ [أبو داود ٧٣٠، والترمذي ٣٠٤، وابن ماجه ١٠٦١].
واختار ابن قدامة: أنه يجلس للاستراحة عند الحاجة، كمرض وكِبَرٍ، جمعاً بين الأخبار.
стр. 224
- مسألة: إذا قام من الركعة الأولى (فَـ) ـإنه (يَأْتِي بِـ) ـركعة ثانية (مِثْلِهَا) أي: مثل الركعة الأولى؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» [البخاري ٧٥٧، ومسلم ٣٩٧]، (غَيْرَ):
١ - تجديد (النِّيَّةِ)؛ للاكتفاء باستصحابها، ولم يستثنه أكثرهم، لأنها شرط لا ركن.
٢ - (وَ) غير (التَّحْرِيمَةِ) أي: تكبيرة الإحرام، فلا تعاد؛ لأنها وضعت للدخول في الصلاة.
٣ - (وَ) غير دعاء (الاسْتِفْتَاحِ) ولو لم يأت به في الركعة الأولى؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا نَهَضَ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِالحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَمْ يَسْكُتْ» [مسلم ٥٩٩ معلقًا]، ولفوات محله.
٤ - (وَ) غير (التَّعَوُّذِ) فلا يأتي به (إِنْ كَانَ تَعَوَّذَ) في الركعة الأولى؛ لظاهر حديث أبي هريرة السابق، ولأن الصلاة جملة واحدة، فاكتُفي بالاستعاذة في أولها، فإن لم يكن استعاذ في الأولى استعاذ في الثانية؛ لقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [النحل: ٩٨].
وعنه واختاره شيخ الإسلام: أنه يستعيذ في كل ركعة؛ لأنها مشروعة للقراءة، فتتكرر بتكريرها، كما لو كانت في صلاتين.
стр. 225
- مسألة: (ثُمَّ) بعد فراغه من الركعة الثانية (يَجْلِسُ مُفْتَرِشاً) كجلوسه بين السجدتين؛ لحديث أبي حُميد ﵁ في صفة صلاة النبي ﷺ : «فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى» [البخاري ٨٢٨]
- مسألة: (وَسُنَّ) في هذا الجلوس:
١ - (وَضْعُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ)، اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى؛ لحديث ابن عمر ﵄: «كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى» [مسلم ٥٨٠].
والأقرب: أن ذلك من السنن المتنوعة، فمن الصفات الواردة أيضاً:
أأن يضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، فَدَعَا بِهَا وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ بَاسِطَهَا عَلَيْهَا» [مسلم ٥٨٠].
ب- عن عبدالله بن الزبير ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى إِصْبَعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ» [مسلم ٥٧٩].
стр. 226
٢ - (وَ) سن (قَبْضُ الخِنْصِرِ وَالبِنْصِرِ مِنْ يُمْنَاهُ، وَتَحْلِيقُ إِبْهَامِهَا مَعَ الوُسْطَى)؛ لحديث ابن عمر ﵄ في صفة التشهد: «وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ» [مسلم ٥٨٠]، وصفتها عند أهل الحساب قديمًا ما ذكره المصنف.
وعنه: يقبض الخِنْصِرَ والبِنْصِرَ والوسطى ويضع الإبهام على الوسطى؛ لظاهر حديث ابن الزبير السابق.
والقاعدة عند شيخ الإسلام: (أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة الأفضل أن يأتي بهذا تارة، وبهذا تارة).
٣ - (وَ) سن (إِشَارَتُهُ بِسَبَّابَتِهَا) أي: سبابة اليمنى دون تحريك، فيشير (فِي: تَشَهُّدٍ وَدُعَاءٍ عِنْدَ ذِكْرِ) لفظ (الله) فقط، (مُطْلَقًا) في صلاة وغيرها؛ لحديث عبد الله بن الزبير السابق: «وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ»، وفي رواية: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُشِيرُ بِإِصْبُعِهِ إِذَا دَعَا، وَلَا يُحَرِّكُهَا» [أبو داود ٩٨٩، والنسائي ١٢٦٩].
وعنه: يشير بها في جميع تشهده؛ لحديث ابن الزبير السابق.
٤ - (وَ) سن (بَسْطُ) يده (اليُسْرَى) قال ابن قدامة: أو يُلْقِمُها ركبتَه. وقد سبق.
стр. 227
- مسألة: (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ) التشهد الأول وجوباً، وهو من المفردات؛ (فَيَقُولُ) ما ورد في حديث ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: (التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ والطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)» [مسلم ٥٨٠].
وعلى قاعدة شيخ الإسلام: فإن التشهد قد ورد على صيغ متنوعة، فالأفضل أن يأتي بهذا تارة، وبهذا تارة، ومما ورد من صيغ التشهد:
- تشهد ابن عباس ﵄ مرفوعًا: (التحياتُ المباركاتُ الصلواتُ الطيباتُ للهِ، السلامُ عليك ... ) [مسلم ٤٠٣].
- وتشهد عمر بن الخطاب ﵁: " التَّحِيَّاتُ لِلهِ, الزَّاكِيَاتُ لِلهِ, الصَّلَوَاتُ لِلهِ, السَّلَامُ عَلَيْكَ ... " [الموطأ ٣١، والبيهقي ٢٨٣١].
- مسألة: (ثُمَّ) إن كانت الصلاة أكثرَ من ركعتين، فإنه (يَنْهَضُ) قائمًا (فِي) صلاة (مَغْرِبٍ وَرُبَاعِيَّةٍ) كظهر وعصر وعشاء، (مُكَبِّراً)، كنهوضه من السجود على ما تقدم، ولا يرفع يديه للتكبير؛ لأنه لم يذكر في حديث ابن عمر السابق المتفق عليه.
стр. 228
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يرفع يديه؛ لحديث ابن عمر ﵄: «وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ» [البخاري ٧٣٩].
(وَيُصَلِّي البَاقِيَ) من صلاته، (كَذَلِكَ)، أي: كالركعتين الأُولَيَيْنِ؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا»، ويختلفان في أمور:
١ - أن قراءته هنا تكون (سِرًّا)، قال في المبدع: (بغير خلاف نعلمه).
٢ - أنه هنا يكون (مُقْتَصِراً عَلَى الفَاتِحَةِ)، فلا يقرأ شيئًا بعدها؛ لحديث أبي قتادة ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَاناً، وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» [البخاري ٧٧٦، ومسلم ٤٥١]، وثبت ذلك عن عمر وعلي وعائشة ﵃ [ابن أبي شيبة ١/ ٣٧٠].
إلا الإمامَ في صلاة الخوف إذا قلنا: ينتظر الطائفة الثانية في الركعة الثالثة، فإنه يقرأ سورة معها.
وعنه: يسن أن يقرأ في الثالثة والرابعة؛ لحديث أبي سعيد ﵁: " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِكَ، وَفِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ قِرَاءَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِكَ" [مسلم ٤٥٢]، وهذا يقتضي أنه يقرأ في الأخريين من الظهر بفاتحة الكتاب
стр. 229
وثمان آيات، وثبت عن أبي بكر ﵁ أنه قرأ في الثالثة من المغرب بعد الفاتحة قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية " آل عمران: ٨ " [الموطأ ٢٥]، وعن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄: «كان إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ، يَقْرَأُ فِي الْأَرْبَعِ جَمِيعاً، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ» [الموطأ ١/ ٧٩].
وعلى قاعدة شيخ الإسلام في العبادات الواردة على وجوه متنوعة: فإن الأفضل أن يقرأ فيهما أحيانًا؛ جمعاً بين الأدلة.
- مسألة: (ثُمَّ يَجْلِسُ) في تشهده الثاني (مُتَوَرِّكاً) بأن يفرُشَ رِجْلَه اليسرى وينصِبَ اليمنى، ويُخْرِجَهما عن يمينه، ويجعَلَ أَلْيَتَيْه على الأرض؛ لحديث أبي حُميد ﵁: «وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ» [البخاري ٨٢٨].
وقال الخرقي: ينصب رجله اليمنى، ويجعل باطن رجله اليسرى تحت فخذه اليمنى، ويجعل أَلْيَتَيْه على الأرض؛ لحديث ابن الزبير ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ، جَعَلَ قَدَمَهُ اليُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى» [مسلم ٥٧٩]، وفي رواية لأبي داود: «جَعَلَ قَدَمَهُ اليُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَسَاقِهِ» (١) [أبو داود ٩٨٨]، وهي بمعنى رواية مسلم، لأن مَخْرَجَ الحديث متحد.
стр. 230
وعلى قاعدة شيخ الإسلام في العبادات الواردة على وجوه متنوعة: فإن الأفضل أن يأتي بهذا تارة، وبهذا تارة؛ جمعاً بين الأدلة.
- مسألة: (فَيَأْتِي بِالتَّشَهُّدِ الأَوَّلِ) كما تقدم، (ثُمَّ يَقُولُ) في التشهد الذي يَعقُبُه سلامٌ ما ثبت في حديث كعب بن عُجْرَةَ ﵁: أنهم قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا كيف نُسلِّم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: «قُولُوا: (اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)» [البخاري ٤٧٩٧، ومسلم ٤٠٦]، أو بغيرها من الصيغ الواردة.
والصلاة على النبي ﷺ ركن في التشهد الثاني؛ للأمر بها في الحديث،
стр. 231
ولقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) [الأحزاب: ٥٦] والأمر للوجوب، ولا موضع تجب فيه الصلاة أولى من الصلاة.
وعنه: أن الصلاة على النبي ﷺ سنة، لحديث فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو في صلاته، لم يُمَجِّدِ الله تعالى، ولم يُصَلِّ على النبي ﷺ ، فقال النبي: «عَجِلَ هَذَا»، ثم دعاه فقال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ» [أحمد ٢٣٩٣٧، وأبو داود ١٤٨١، والترمذي ٣٤٧٧، والنسائي ١٢٨٤] ولو كانت ركناً لأمره بالإعادة، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِالله مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ... » [مسلم ٥٨٨]، فلم يذكر الصلاة على النبي ﷺ ، وأما حديث كعب بن عجرة، فهو جواب سؤال، فلا يدل على الوجوب، وأما الآية فعلى الاستحباب؛ للأدلة السابقة.
- مسألة: (وَسُنَّ أَنْ يَتَعَوَّذَ) بعد ذلك (فَيَقُولُ: «أَعُوذُ بِالله مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ)؛ لثبوت ذلك في حديث عائشة ﵂ [البخاري ٨٣٢، ومسلم ٥٨٩]، وغيرَه مما ورد.
стр. 232
- فرع: (وَتَبْطُلُ) الصلاة (بِدُعَاءٍ بِأَمْرِ الدُّنْيَا)، نحو: اللهم إني أسألك داراً واسعة، وطعاماً طيباً؛ لأنه من كلام الآدميين، وفي حديث معاوية بن الحَكَم ﵁ مرفوعاً: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» [مسلم ٥٣٧].
وعنه، واختاره ابن قدامة: يجوز الدعاء بحوائج الدنيا وملذاتها؛ لحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو» [البخاري ٥٣٨، ومسلم ٤٠٢].
- مسألة: (ثُمَّ يَقُولُ) وهو جالس (عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ عَنْ يَسَارِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله») فقط، والأولى ألَّا يزيد «وَبَرَكَاتُهُ»؛ لحديث ابن مسعود ﵁: " رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ، وَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ" [أحمد ٣٣٦٠، والنسائي ١٣١٩].
وقال ابن قدامة: إن زاد: (وبركاته) فحسن؛ لوروده في حديث وائل بن حُجْرٍ ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ، فكان يسلم عن يمينه: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ»، وعن شماله: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله» [أبو داود ٩٩٧]، وفي بعض نسخ أبي داود زيادة: «وَبَرَكَاتُهُ» في التسليمتين.
стр. 233
ومما ورد في صيغ السلام: حديث ابن عمر ﵄، وفيه: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله عَنْ يَمِينِهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ عَنْ يَسَارِهِ» [أحمد ٥٤٠٢، والنسائي ١٣٢١].
وعلى قاعدة شيخ الإسلام: فإن هذا من السنن المتنوعة، فيأتي بهذا تارة، وبهذا تارة.
- فرع: لا يجزئ إن لم يقل: (ورحمةُ الله) في غير صلاة الجنازة؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁ مرفوعاً: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [البخاري ٦٣١]، وهو من المفردات.
وعنه: يجزئه، كالجنازة، ويأتي في الجنائز.
- فرع: يجب أن يكون السلام (مُرَتَّباً) فلا يجزئ: عليكم السلام، و (مُعَرَّفاً) بـ (أل) (وُجُوباً)، فلا يجزئ: سلام عليكم، اقتصاراً على الوارد.
- مسألة: (وَامْرَأَةٌ كَرَجُلٍ) في جميع ما تقدم؛ لدخولها في قوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، والقاعدة: أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا لدليل، (لَكِنْ) تفارق الرجلَ في ثلاثة أمور:
١ - (تَجْمَعُ نَفْسَهَا) في الركوع والسجود وجميع أحوال الصلاة، فتُلْصِقُ مِرْفَقَيها بجنبيها، وبطنَها بفخذيها؛ لحديث يزيدَ بن أبي حبيبٍ ﵁، أن رسول الله ﷺ مر على امرأتين تصليان فقال: «إِذَا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بَعْضَ
стр. 234
اللَّحْمِ إِلَى الْأَرْضِ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ» [البيهقي ٣٣٢٥، وقال: منقطع]، وروي عن علي وابن عباس ﵃: " إذَا سَجَدَتِ الْمَرْأَةُ فَلْتَحْتَفِز، وَلْتَضُمَّ فَخِذَيْهَا" [ابن أبي شيبة ٢٧٩٣، ٢٧٩٤]، ولأنها عورة، فكان الأليقُ بها الانضمامَ.
٢ - (وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً)؛ لأن ابن عمر ﵄: " كَانَ يَأْمر نِسَاءَهُ يتربعن فِي الصَّلَاة " [مسائل أحمد برواية ابنه عبدالله ٢٨٢، وفيه عبد الله بن عمر العُمَري، وهو ضعيف]، وعن صفية ﵂: أنها كانت تجلس متربعة [ابن أبي شيبة ٢٨٠٠]، (أَوْ) تجلس (مُسْدِلَةً رِجْلَيْهَا عَنْ يَمِينِهَا، وَهُوَ أَفْضَلُ) من تربعها؛ لوروده عن عائشة ﵂ [ذكره في المبدع، ولم نقف عليه]، ولأنه أبلغ في الانضمام.
وقيل: تجلس كجِلْسة الرجل، لما روي عن أم الدرداء الصغرى: «كانت تَجْلِسُ فِي صَلاتِهَا جِلْسَةَ الرَّجُلِ»، قال البخاري: وكانت فقيهةً [البخاري معلقاً بصيغة الجزم ١/ ١٦٥]، ولأن الأصل التساوي بين الرجل والمرأة في الأحكام إلا لدليل.
٣ - وتُسِرُّ المرأة بالقراءة وجوباً إن سمعها أجنبي؛ خشية الفتنة بها، ولا بأس بجهرها في الجهرية إذا لم يسمعها أجنبي، بأن كانت تصلي وحدها، أو مع مَحْرَمِها، أو مع نساء.
стр. 235
فصل في مكروهات الصلاة
- مسألة: (وَكُرِهَ فِيهَا) أي: في الصلاة:
أولاً: (الْتِفَاتٌ) برأس (وَنَحْوِهِ) كعينه، والالتفات أقسام:
١ - الالتفات بالقلب: ويكون بترك الخشوع في الصلاة، وهو مكروه، ولا يبطل الصلاة ولو طال؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ كَذَا، وَاذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى» [البخاري ٦٠٨، ومسلم ٣٨٩].
واختار شيخ الإسلام: وجوب الخشوع في الصلاة؛ لقول الله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) [البقرة: ٤٥]، وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين، والذم لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محرم.
٢ - الالتفات بالرأس أو بالعين: يكره (بِلَا حَاجَةٍ)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: «هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ العَبْدِ» [البخاري ٧٥١].
ويجوز للحاجة، لحديث سهل بن الحَنْظَلية ﵁: «ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ - يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ -، فَجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ»، قال
стр. 236
أبو داود: «وكان أرسل فارساً إلى الشِّعب من الليل يحرس» [أبو داود ٩١٦].
- فرع: يكره رفع البصر إلى السماء في الصلاة، إلا إذا تجشأ فيرفع رأسه لئلا يؤذي غيره؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاتِهِمْ»، فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» [البخاري ٧٥٠، ومسلم ٤٢٨].
واختار ابن حزم: يَحرم؛ لظاهر النهي في حديث أنس ﵁.
٣ - أن يلتفت بجميع بدنه: وهذا أشد كراهة، وإذا انحرف عن القبلة بطلت صلاته، إلا في شدة الخوف، أو من يصلي في الكعبة فلا تبطل.
٤ - أن يلتفت بوجهه وصدره فقط: فيكره ولا تبطل صلاته؛ لأنه لم يستدر بجملته.
ثانياً: (وَ) كره في الصلاة (إِقْعَاءٌ) في الجلوس؛ لقول عائشة ﵂: «وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ» [مسلم ٤٩٨]، فسره أبو عبيدة وغيره بالإقعاء المنهي عنه، ويدخل في معنى الإقعاء:
١ - أن يفرش قدميه، ويجلس على عقبيه، هكذا فسره الإمام أحمد، وهو قول أهل الحديث.
٢ - قيل: الإقعاء جلوس الرجل على أَلْيتيه، ناصباً فخذيه، مثل إقعاء الكلب، وهو تفسير أهل اللغة، قال ابن قدامة: ولا أعلم أحدًا قال
стр. 237
باستحباب الإقعاء على هذه الصفة.
قال في شرح المنتهى: (وكل من الجلوسين مكروه).
٣ - قال في المحرر: هو أن ينصب قدميه، ويجلس على عقبيه.
وقيل: لا تكره هذه الصفة بل تستحب بين السجدتين؛ لقول ابن عباس ﵄: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَضَعَ أَلْيَتَيْك عَلَى عَقِبَيْك فِي الصَّلاةِ» [ابن أبي شيبة ٢٩٥٧، وأصله في مسلم ٥٣٦]، وورد أيضاً عن جابر وأبي سعيد وابن عمر وابن الزبير ﵃ [ابن أبي شيبة ١/ ٢٨٥].
ثالثاً: (وَ) كره فيها (افْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ سَاجِداً)، بأن يمدهما على الأرض مُلْصِقاً لهما بها؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ» [البخاري ٨٢٢، ومسلم ٤٩٣].
رابعاً: (وَ) كره في الصلاة (عَبَثٌ)؛ لأنه ينافي الخشوعَ في الصلاة.
- ضابط: (كل ما يَشْغَلُ المصليَ عن كمال الصلاة كره فعله)؛ لحديث عائشة ﵂ في قصة الأنبجانية، قال ﷺ : «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَائتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلهَتْنِي آنِفاً عَنْ صَلاتِي» [البخاري ٣٧٣، ومسلم ٥٥٦].
خامساً: (وَ) كره في الصلاة (تَخَصُّرٌ)، بأن يضع يده على خاصرته؛
стр. 238
لحديث أبي هريرة ﵁: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِراً» [البخاري ١٢٢٠، ومسلم ٥٤٥]، وعن عائشة ﵂: " أنه من فعل اليهود " [البخاري ٣٤٥٨].
سادساً: (وَ) كره في الصلاة (فَرْقَعَةُ أَصَابِعَ)؛ لحديث علي ﵁ مرفوعاً: «لَا تُفَقِّعْ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ» [ابن ماجه ٩٦٥، وهو ضعيف]، وعن شعبة مولى ابن عباس ﵄، قال: صليت إلى جنب ابن عباس ففقعت أصابعي، فلما قضيت الصلاة، قال: «لَا أُمَّ لَكَ! أَتَفْقَع أَصَابِعَك وَأَنْتَ فِي الصَّلاة؟ ! » [ابن أبي شيبة ٧٣٥٨].
سابعاً: (وَ) كره في الصلاة (تَشْبِيكُهَا) أي: أصابعه، ولا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام:
١ - أن يُشَبِّكَها من خروجه من البيت إلى الصلاة، فهذا مكروه، لحديث كعب بن عُجْرَةَ ﵁ قال: قال ﷺ : «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِداً إِلَى المَسْجِدِ، فَلا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلاةٍ» [أبو داود ٥٦٢، والترمذي ٣٨٦].
٢ - أن يُشَبِّكَها حال انتظار الصلاة، فهذا مكروه أيضاً؛ لما روى أبو ثُمامة القماح، قال: لَقِيتُ كعباً وأنا بالبلاط قد أدخلت بعض أصابعي في بعض، فضرب يدي ضرباً شديداً، وقال: «نُهينا أن نشبك بين أصابعنا في الصلاة»، قال: قلت له: يرحمك الله تراني في صلاة؟ فقال: «من توضأ فعمد إلى المسجد، فهو في صلاة» [ابن أبي شيبة ٤٨٦١].
стр. 239
٣ - أن يُشَبِّكَها في الصلاة, فيكره باتفاق الأئمة، لحديث كعب السابق، فإذا كان في أثناء خروجه منهيًّا عن تشبيكها ففي الصلاة من باب أولى، وقال ابن عمر ﵄ في التشبيك في الصلاة: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» [أبو داود ٩٩٣].
٤ - أن يُشَبِّكَها بعد نهاية الصلاة: فلا بأس به، لأن النبي ﷺ شَبَّك بين أصابعه، كما في حديث أبي هريرة ﵁ في قصة ذي اليدين [البخاري ٤٨٢].
ثامناً: (وَ) تكره صلاته مع (كَوْنِهِ حَاقِناً) أي: محتبِسَ البول، باتفاق الأئمة، (وَنَحْوَهُ) ككونه حاقباً، أي: محتبِسَ الغائط، أو حازقاً، وهو محتبِسُ الريح؛ لحديث عائشة ﵂: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» [مسلم ٥٦٠]، ولأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها.
تاسعاً: كره صلاته بحضرة طعام، بشروط ثلاثة:
١ - أن يكون الطعام حاضراً.
٢ - أن يكون قادرًا على تناوله حسًّا وشرعاً.
٣ - (وَ) أن يكون (تَائِقاً لِطَعَامٍ وَنَحْوِهِ) من شراب وجماع، ولو خاف فوات الجماعة، ما لم يَضِقِ الوقت فلا يكره؛ لحديث عائشة السابق، ولأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها.
стр. 240
- مسألة: (وَإِذَا نَابَه) أي: عَرَضَ للمصلي (شَيْءٌ)، كسهوِ إمامه، أو استئذانِ إنسان عليه، (سَبَّحَ رَجُلٌ)، ولا تبطل وإن كثر؛ لأنه قول من جنس الصلاة، (وَصَفَّقَتِ امْرَأَةٌ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الأُخْرَى)، وتبطل إن كثر؛ لأنه عمل من غير جنس الصلاة، ويدل لذلك: حديث أبي هريرة ﵁: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» [البخاري ١٢٠٣، ومسلم ٤٢٢]، زاد النسائي [١٢٠٧]: «فِي الصَّلَاةِ».
- مسألة: البصاق في الصلاة لا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون المصلي في المسجد، وأشار إليه بقوله: (وَيُزِيلُ بُصَاقاً وَنَحْوَهُ) كمخاط، (بِثَوْبِهِ) أي: في ثوبه، فيَبصُقُ فيه ويَحُكُّ بعضه ببعض، أو يبصُقُ بالمنديل ونحوه؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَلا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمهِ» ثم أخذ طرف ردائه، فبَصَقَ فيه، ثم رَدَّ بعضه على بعض، فقال: «أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا» [البخاري ٤٠٥]، ولحديث أنس ﵁ قال: قال ﷺ : «البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» [البخاري ٤١٥، ومسلم ٥٥٢].
والثاني: أن يكون المصلي خارجَ المسجد، وأشار إليه بقوله:
стр. 241
(وَيُبَاحُ) البصاق ونحوه، (فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ عَنْ يَسَارِهِ) وتحتَ قدمه اليسرى، (وَيُكْرَهُ أَمَامَهُ، وَيَمِينَهُ)؛ لحديث أنس السابق.
- فرع: في جهة البصاق خارج الصلاة، ولا يخلو من ثلاثة أمور:
١ - في اتجاه القبلة: فيكره باتفاق الأئمة؛ لحديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» [أبو داود ٣٨٢٤].
وقيل: يحرم، واختاره الشوكاني.
٢ - أن يبصُقَ عن يمينه: فيكره باتفاق الأئمة أيضاً، لحديث أنس السابق، ففي رواية: «لا يَتْفِلَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ»، ولم يذكر: (في الصلاة)، وذِكْرُ بعض أفراد العام بحكم يوافق حكم العام؛ لا يقتضي التخصيص، وعن معاذ: «مَا بَصَقْتُ عَنْ يَمِينِي مُنْذُ أَسْلَمْتُ» [عبد الرزاق ١٧٠٠].
٣ - أن يبصُقَ عن يساره، أو تحت قدمه: فيجوز، لما تقدم من حديث أنس ﵁.
стр. 242
(فَصْلٌ) في أركان الصلاة وواجباتها وسننها
تنقسم أقوال الصلاة وأفعالها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الركن: وهو ما لا يسقط عمداً ولا سهواً ولا جهلاً، وأطلقوا عليه: الركن، تشبيهاً له بركن البيت الذي لا يقوم إلا به؛ لأن الصلاة لا تتم إلا به، وبعضهم يسميه: فرضًا، والخلاف لفظي.
الثاني: الواجب: وهو ما تبطل الصلاة بتركه عمداً، لا سهواً أو جهلاً، ويجبر بسجود السهو.
الثالث: السنة: وهي ما لا تبطل بتركه ولو عمداً.
- مسألة: (وَجُمْلَةُ أَرْكَانِهَا) أي: أركانِ الصلاة (أَرْبَعَةَ عَشَرَ) بالاستقراء، وهي:
الركن الأول: (القِيَامُ) في فرض لقادر؛ لقوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: ٢٣٨]، ولحديث عمران ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صَلِّ قَائِماً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» [البخاري ١١١٧].
- فرع: يستثنى من وجوب القيام في الفرض:
١ - العُريان، فإنه يصلي جالساً استحباباً، لأن التستر آكد من القيام؛
стр. 243
لعدم سقوطه في الفرض والنفل.
٢ - المعذور لخوفٍ أو مداواةٍ أو عجزٍ، ونحو ذلك.
٣ - مأمومٌ خلفَ إمام الحي العاجز عن القيام المرجوِّ زَوالُ علتِه، ويأتي في أحكام الإمامة.
- فرع: ضابط القيام: ما لم يَصِرْ راكعاً، ولا يضر خفض الرأس على هيئة الإطراق؛ لأنه لا يُخرِجُه عن كونه يسمى قائمًا.
- فرع: مقدار القيام الواجب: الانتصاب بقدر تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة في الركعة الأولى، وفيما بعدها بقدر قراءة الفاتحة فقط.
(وَ) الركن الثاني: (التَّحْريمةُ)، أي: تكبيرة الإحرام؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ» [البخاري ٧٥٧، ومسلم ٣٩٧].
(وَ) الركن الثالث: قراءة (الفَاتِحَةِ)، وهي ركن في كل ركعة للإمام والمنفرد؛ لحديث عبادة ﵁ مرفوعاً: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» [البخاري ٧٥٦، ومسلم ٣٩٤]، ويتحملها الإمام عن المأموم، ويأتي في صلاة الجماعة.
(وَ) الركن الرابع: (الرُّكُوعُ) إجماعًا؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا) [الحج: ٧٧]، ولقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً» [البخاري ٧٥٧، ومسلم ٣٩٧].
стр. 244
إلا ما بعد الركوع الأول في صلاة الكسوف فسنة، وكذا الرفع منه والاعتدال بعده.
وتقدم المجزئ من الركوع في صفة الصلاة.
(وَ) الركن الخامس: (الاعْتِدَالُ عَنْهُ)، أي: عن الركوع؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا».
(وَ) الركن السادس: (السُّجُودُ) إجماعًا؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا»، على الأعضاء السبعة، وتقدم في صفة الصلاة.
(و) الركن السابع: (الاعْتِدَالُ عَنْهُ) أي: عن السجود؛ لما يأتي، ويغني عنه ما بعده.
(وَ) الركن الثامن: (الْجُلُوسُ بَينَ السَّجْدَتَيْنِ)؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا» [أبو داود ٨٥٦].
(وَ) الركن التاسع: (الطُّمَأْنِينَةُ) في كل الأفعال المذكورة؛ للأمر بها في حديث المسيء في صلاته، وقال شيخ الإسلام: (الركوع والسجود في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين انحنائه).
- فرع: ضابط الطمأنينة: حصول السكون وإن قل.
стр. 245
واختار المجد: أنها بقدر الذِكْر الواجب.
(وَ) الركن العاشر: (التَّشَهُّدُ الأَخِيرُ)؛ لحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ للهِ ... » الحديث [مسلم ٥٨٠]، وثبت عن عمر وابنه ﵄: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِتَشَهُّدٍ» [ابن أبي شيبة ٢/ ٥١٨].
- فرع: الركن من التشهد الأخير: هو ما يجزئ في التشهد الأول، وهو: التحيات لله، سلام عليك أيّها النبي، ورحمة الله، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، أو أن محمداً عبده ورسوله؛ لاتفاق جميع الروايات على ذلك، بخلاف ما عداه فإنه أثبت في بعضها، وترك في بعضها.
قال الشارح: (وفي هذا القول نظر، فإنه يجوز أن يجزئ بعضها عن بعض على سبيل البدل، كقولنا في القراءات، ولا يجوز أن يسقط ما في بعض الأحاديث إلا أن يأتي بما في غيره من الأحاديث).
(وَ) الركن الحادي عَشَر: (جَلْسَتُهُ) أي: التشهدِ الأخير والتسليمتين؛ لمداومته ﷺ على الجلوس لذلك، وقولِه: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [البخاري ٦٣١]، وأما عدم ذكره في حديث المسيء في صلاته؛ فلأنه ﷺ علّمَه ما أساء فيه، ولأن عدم إيجابه فيه لا ينفي إيجابه في غيره من الأدلة.
(وَ) الركن الثاني عَشَر: (الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ) الصلاة و (السَّلَامُ)،
стр. 246
وسبق الكلام عليها في صفة الصلاة.
- فرع: الركن من الصلاة على النبي ﷺ قول: (اللهم صل على محمد)؛ لظاهر قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) [الأحزاب: ٥٦].
(وَ) الركن الثالث عشر: (التَّسْلِيمَتَانِ) وهو من المفردات، على الصفة التي تقدمت؛ لحديث علي ﵁: قال ﷺ : «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» [أحمد ١٠٧٢، وأبو داود ٦١، والترمذي ٣، وابن ماجه ٢٧٥]، قال القرافي: (فحصر التحليل بالتسليم، وهذا يدل على الوجوب)، ولحديث جابر بن سمرة ﵁ مرفوعاً، وفيه: «إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ، وَشِمَالِهِ» [مسلم ٤٣١]، وما دون الكفاية لا يكون مجزئاً.
وعنه، واختاره الموفق والشارح: أن التسليمة الأولى ركن، والثانية سنة؛ لحديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ : «كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ» [الترمذي ٢٩٦، وابن ماجه ٩١٨]، وفي رواية: أن ذلك في صلاة الوتر [أحمد ٢٥٩٨٧، وأبو داود ١٣٤٦]، والقاعدة: أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا لدليل، ورويت التسليمة الواحدة: عن ابن عمر وعائشة وأنس ﵃ [ابن أبي شيبة ١/ ٣٠١].
- فرع: التسليمتان ركن إلا في:
١ - الجنازة، فيخرج منها بتسليمة واحدة، ويأتي.
стр. 247
٢ - سجود تلاوة وشكر، فيخرج منهما بتسليمة واحدة، ويأتي.
٣ - النافلة، على ما اختاره المجد، قال في المغني والشرح: (لا خلاف أنه يخرج من النفل بتسليمة واحدة)، وقال القاضي: (سنة في الجنازة والنافلة رواية واحدة).
وظاهر ما قطع به في المنتهى، وصححه في تصحيح الفروع، أن التسليمتين ركن في النفل كالفرض.
(وَ) الركن الرابع عَشَر: (التَّرْتِيبُ) بين الأركان؛ لأنه ﷺ كان يصليها مرتبة، وعلمها للمسيء في صلاته مرتبة بـ (ثم).
- مسألة: (وَوَاجِبَاتُهَا) أي: الصلاة (ثَمَانِيَةٌ):
الأول: (التَّكْبِيرُ) للانتقال؛ لحديث أنس ﵁: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» [البخاري ٣٧٨، ومسلم ٤١١]، وفي بعض ألفاظ حديث المسيء: «ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِماً، ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِداً، ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» [أبو داود ٨٥٧].
стр. 248
- فرع: التكبير في الصلاة واجب (غَيْرَ):
١ - (التَّحْرِيمَةِ)، أي: تكبيرة الإحرام، فركن، لما سبق.
٢ - تكبيرةِ المسبوق لمن أدرك الإمام راكعاً، فسنة، ويأتي.
٣ - التكبيراتِ الزوائدِ في العيدين والاستسقاء، فسنة، ويأتي في موضعه.
٤ - تكبيراتِ الجنازة، فركن، ويأتي.
(وَ) الثاني: (التَّسْمِيعُ)، أي: قول: سمع الله لمن حمده، وهو من المفردات، لإمام ومنفرد دون مأموم، لحديث المسيء صلاته السابق: «ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِماً»، وتقدم في صفة الصلاة.
(وَ) الثالث: (التَّحْمِيدُ)، أي: قول: ربنا ولك الحمد، لإمام ومأموم ومنفرد، وهو من المفردات، لما تقدم من النصوص.
(وَ) الرابع: (تَسْبِيحُ رُكُوعٍ)، وتقدم.
(وَ) الخامس: تسبيح (سُجُودٍ)، وتقدم.
(وَ) السادس: (قَوْلُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي») بين السجدتين، (مَرَّةً مَرَّةً)، وتقدم.
(وَ) السابع: (التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ)؛ لأن النبي ﷺ سجد للسهو لما نسيه، كما
стр. 249
في حديث عبد الله ابن بُحينة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ» [البخاري ١٢٢٥، ومسلم ٥٧٠].
(وَ) الثامن: (جَلْسَتُهُ)، لما تقدم.
- فرع: يجب التشهد الأول وجلسته على غير مأموم قام إمامه عن الجلوس للتشهد سهواً.
- مسألة: (وَمَا عَدَا ذَلِكَ) أي: أركان الصلاة وواجباتها، (وَ) ما عدا (الشُّرُوطَ) التي سبقت، (سُنَّةٌ) قولية: كالاستفتاح، والاستعاذة، والتأمين، وقراءة سورة بعد الفاتحة في الأُولَيَيْنِ، وغيرِها، أو سنةٌ فعلية: كرفع اليدين في مواضعه، ووضعِ اليمنى على اليسرى، والنظرِ إلى موضع سجوده، وغيرها.
- مسألة: (فَالرُّكْنُ وَالشَّرْطُ: لَا يَسْقُطَانِ سَهْواً وَ) لا (جَهْلاً، وَيَسْقُطُ الوَاجِبُ بِهِمَا)، أي: بالسهو والجهل فقط، ولا يسقط بالعمد، وتقدم أولَ الفصل.
стр. 250
(فَصْلٌ)
في أحكام سجود السهو
السهو في الصلاة: النسيان فيها. والمراد: السجود الذي سببه السهو.
- مسألة: (وَيُشْرَعُ) أي: يجب تارة، ويسن أخرى، على ما يأتي تفصيله، (سُجُودُ السَّهْو لِـ) ثلاثة أسباب: (زِيَادَةٍ، وَنَقْصٍ، وَشَكٍّ).
- مسألة: (لَا) يشرع سجود السهو (فِي) ثمانية مواضع:
١ - في (عَمْدٍ) سواء كان في زيادة أم نقص؛ لحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: «فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» [مسلم: ٥٧٢]، فعلَّق السجود على النسيان.
٢ - في صلاة جنازة؛ لأنه لا سجود في صلبها، ففي جبرها أولى.
٣ - في سجود تلاوة وشكر؛ لئلا يلزم منه زيادة الجبر على الأصل.
٤ - في حديث النفس؛ لعدم إمكان الاحتراز منه، وهو معفو عنه.
٥ - في نظر إلى شيء ولو طال؛ لمشقة التحرز منه.
٦ - في سهو في سجدتي السهو، إجماعاً، حكاه إسحاق؛ لأنه يفضي