- مسألة: يسن سجود التلاوة (لِقَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ) وهو الذي يَقْصِدُ الاستماعَ؛ لقول ابن عمر ﵄: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ، فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعاً لجَبْهَتِهِ»، ولمسلم: «فِي غَيْرِ صَلَاةٍ» [البخاري ١٠٧٩، ومسلم ٥٧٥].
- فرع: إن لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع؛ لما روى سليمان بن حنظلة قال: قرأت عند ابن مسعود ﵁ السجدة، فنظرت إليه، فقال: «مَا تَنْظُرُ؟ أَنْتَ قَرَأْتَهَا، فَإِنْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا» [عبدالرزاق ٥٩٠٧].
- فرع: لا يسن السجود للسامع، وهو من لم يقصد الاستماع، وهو من المفردات؛ لما ثبت عن عثمان ﵁: «إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ»، ونحوه عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين ﵃ [عبد الرزاق ٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥]، ولم يُعْلَمْ لهم مخالف في عصرهم، ولأن السامع لا يشارك التالي في الأجر، فلم يشاركه في السجود كغيره.
- مسألة: سجود التلاوة والشكر صلاة؛ لقول ابن عمر ﵄: «لا يَسْجُدُ الرَّجُلُ إِلاَّ وَهُوَ طَاهِرٌ» [البيهقي ٤٢٧]، ولأنه سجود يقصد به التقرب إلى الله تعالى، فكان صلاة كسجود الصلاة، فيشترط لهما ما يشترط لصلاة نافلة، من الطهارة واستقبال القبلة وستر العورة وغيرها.
واختار شيخ الاسلام: أنه ليس صلاة؛ لحديث عبادة ﵁ مرفوعاً: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» [البخاري ٧٥٦، ومسلم ٣٩٤]، ولحديث علي
стр. 282
رضي الله عنه مرفوعاً: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الْوُضُوءُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» [أحمد ١٠٧٢، وأبو داود ٦١، والترمذي ٣، وابن ماجه ٢٧٥]، وسجود التلاوة والشكر لم يثبت لهما قراءة الفاتحة، ولا تكبير، ولا تسليم، ولما ورد عن ابن عمر ﵄: «أنه يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ» [البخاري تعليقًا مجزومًا ٢/ ٤١، ووصله ابن أبي شيبة ٤٣٥٤]، لكن قال شيخ الإسلام: (هي بشروط الصلاة أفضل، ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر)، وعليه يحمل أثر ابن عمر السابق.
- ضابط: الصلاة عند شيخ الإسلام: ما كانت مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم، ويقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
- مسألة: صفة سجود التلاوة:
١ - التكبير له، ولا يخلو سجود التلاوة من أمرين:
الأول: أن يكون داخل الصلاة: فيكبِّر عند الهَوِيِّ والرفع باتفاق الأئمة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : «كان يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ، وَرَفَعَ» [البخاري ٧٨٥، ومسلم ٣٩٢].
(وَ) الثاني: أن يكون خارجَ الصلاة: فـ (يُكَبِّرُ) تكبيرتين، اتفاقاً، تكبيرة (إِذَا سَجَدَ)، بلا تكبيرة إحرام، لحديث ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ، وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» [أبو داود ١٤١٣]، (وَ) تكبيرةً (إِذَا رَفَعَ) من السجود؛ لأنه سجود مفرد، فشرع التكبير
стр. 283
في ابتدائه وفي الرفع منه، كسجود السهو وصلب الصلاة.
واختار شيخ الاسلام: أنه لا يسن التكبير للهوي ولا للرفع منه، لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ، وليس هو بصلاة، وأما حديث ابن عمر ﵄ في التكبير في أوله، فضعفه النووي والحافظ.
- فرع: يرفع يديه عند تكبيرة السجود، سواء سجد في الصلاة أم خارجها؛ لعموم حديث وائل بن حُجْرٍ ﵁: " أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَكَانَ يُكَبِّرُ إِذَا خَفَضَ، وَإِذَا رَفَعَ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ " [أحمد ١٨٨٥٣]، ولأنها تكبيرة افتتاح.
وعنه: لا يرفعهما في الصلاة، قال في الشرح: (إنه قياس المذهب)؛ لقول ابن عمر ﵄: «وَكَانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ» [البخاري ٧٣٥، ومسلم ٣٩٠]، وهو مقدم على حديث وائل ﵁؛ لأنه أخص منه.
وأما خارجَها: فتَقَدَّم أنه لا يكبر عند شيخ الإسلام.
٢ - (وَيَجْلِسُ) بعد الرفع منه إذا كان في غير الصلاة؛ ليكون سلامه في حال جلوسه.
ولا يتشهد اتفاقاً؛ لأنه لم ينقل.
٣ - (وَيُسَلِّمُ) وجوباً، وتجزئ واحدة؛ لحديث علي ﵁ قال: قال ﷺ : «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»، قال النووي: (لما رواه ابن أبي داود بإسناده الصحيح
стр. 284
عن عبد الله بن مسعود ﵁: «أنه كان إذا قرأ السجدة سجد ثم سلم» [التبيان في آداب حملة القرآن ١٥٢).
وقال شيخ الاسلام: لا يسلم؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، قال أحمد: (أما التسليم فلا أدري ما هو).
- فرع: أركان سجود التلاوة ثلاثة: السجود على الأعضاء السبعة، والرفع من السجود، والتسليمة.
وواجباته ثلاثة: تكبيرة السجود، وتكبيرة الرفع، وقول سبحان ربي الأعلى مرة واحدة.
وعلى الصحيح: ركنها السجود على الأعضاء السبعة، وواجبها التسبيح مرة.
- مسألة: (وَكُرِهَ لِإِمَامٍ قِرَاءَتُهَا) أي: آية السجدة (فِي) صلاة (سِرِّيَّة، وَ) كره أيضاً (سُجُودُهُ لَهَا) في السرية؛ لأنه إن لم يسجد لها كان تاركاً للسنة، وإن سجد لها أوجب الإيهام والتخليط على المأموم.
واختار ابن قدامة: أنه لا يكره؛ لما روى ابن عمر ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ، فَرَأَيْنَا أَنَّهُ قَرَأَ تَنْزِيلَ السَّجْدَةِ» [أحمد ٥٥٥٦، وأبو داود ٨٠٧، وفيه ضعف]، ولما ورد عن ابن عمر وابن الزبير ﵃: أنهما صلَّيَا بأصحابهما الظهر، فسجدا فيها [ابن أبي شيبة: ٤٣٨٧، ٤٣٨٨].
стр. 285
- فرع: متابعة المأموم لإمامه في سجود التلاوة لا تخلو من أمرين:
الأول: في الصلاة الجهرية: فتجب متابعته، وأشار إليه بقوله: (وَعَلَى مَأْمُومٍ مُتَابَعَتُهُ فِي غَيْرِهَا)، أي: في غير الصلاة السرية؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» [البخاري ٧٢٢، ومسلم ٤١٤].
الثاني: في الصلاة السرية: فيخير المأموم بين المتابعة وتركها، وهو من المفردات؛ لأنه ليس بمسنون، ولأن المأموم ليس بتال ولا مستمع، لكن الأفضل المتابعة.
واختار ابن قدامة: أنه يلزمه المتابعة؛ لحديث أبي هريرة السابق.
- مسألة: (وَ) يسن في غير صلاة (سُجُودُ شُكْرٍ) لله تعالى، (عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعَمٍ، وَانْدِفَاعِ نِقَمٍ)، مطلقاً سواء كانت النعمة عامة أم خاصة، دينية أم دنيوية؛ لحديث أبي بَكْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ بُشِّرَ بِهِ، خَرَّ سَاجِدًا، شُكْرًا لله ﵎» [أحمد ٢٠٤٥٥، وأبو داود ٢٧٧٤، والترمذي ١٥٧٨، وابن ماجه ١٣٩٤]، ولحديث كعب بن مالك ﵁ لمَّا بُشِّرَ بتوبة الله عليه قال: «فَخَرَرْتُ سَاجِداً» [البخاري ٤٤١٨، ومسلم ٢٧٦٩]، وعن علي ﵁: أنه «سجد حين وجد ذا الثُّدَيَّةِ في الخوارج» [أحمد ٨٤٨].
- فرع: لا يُشرع سجود الشكر للنعم الدائمة؛ لأنه يقتضي أن يكون
стр. 286
المسلم طيلة عمره ساجداً.
- مسألة: (وَتَبْطُلُ بِهِ) أي: بسجود الشكر في الصلاة (صَلَاةُ غَيْرِ جَاهِلٍ وَنَاسٍ)؛ لأنه لا تعلق به في الصلاة، بخلاف سجود التلاوة، فأما الجاهل والناسي فلا تبطل، كما لو زاد فيها سجودًا.
- مسألة: (وَهُوَ) أي: سجود الشكر في صفته وأحكامه (كَسُجُودِ تِلَاوَةٍ) على ما تقدم.
فصل
في أوقات النهي
- مسألة: (وَأَوْقَاتُ النَّهْيِ خَمْسَةٌ):
الأول: (مِنْ طُلُوعِ فَجْرٍ ثَانٍ)؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ» [أحمد ٤٧٥٦، والترمذي ٤١٩].
وعنه: أن النهي من بعد صلاة الفجر؛ لحديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» [البخاري ٥٨٦، ومسلم ٨٢٧]، وحديث ابن عمر ضعفه الترمذي.
стр. 287
قال شيخ الاسلام: ما بعد طلوع الفجر إنما سن للمسلمين السنة الراتبة وفرضها الفجر، وما سوى ذلك لم يسن، ولم يكن منهيًّا عنه إذا لم يُتخذ سنة، كما في الحديث الصحيح: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ» [البخاري ٦٢٤، ومسلم ٨٣٨].
ويمتد النهي (إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ)؛ لما تقدم من حديث أبي سعيد ﵁.
(وَ) الثاني: (مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ) ولو مجموعةً وقت الظهر، فيتعلق النهي في العصر بفعلها لا بالوقت، قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه.
ويمتد النهي (إِلَى الغُرُوبِ)؛ لحديث أبي سعيد السابق.
(وَ) الثالث: (عِنْدَ طُلُوعِهَا) أي: الشمس، (إِلَى ارْتِفَاعِهَا قَدْرَ رُمْحٍ) في رأي العين؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» [مسلم ٨٣١].
(وَ) الرابع: (عِنْدَ قِيَامِهَا) أي: الشمس (حَتَّى تَزُولَ)، حتى يوم الجمعة، لعموم النهي في حديث عقبة السابق.
واختار شيخ الإسلام: أنه يستثنى من هذا الوقت يوم الجمعة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ
стр. 288
أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» [مسلم ٨٥٧]، ولما ثبت عن ثعلبة بن أبي مالك القُرَظي قال: «كَانُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ يُصَلُّونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ» أي: لصلاة الجمعة [الموطأ ٣٤٣].
(وَ) الخامس: (عِنْدَ غُرُوبِهَا حَتَّى يَتِمَّ) الغروب، لحديث عقبة بن عامر السابق.
- مسألة: (فَيَحْرُمُ ابْتِدَاءُ) صلاة (نَفْلٍ فِيهَا) أي: في هذه الأوقات، ولا تنعقد، (مُطْلَقاً) أي: سواء كان عالماً أم ناسياً أم جاهلاً، حتى ما له سبب؛ كسنة راتبة وسنة وضوء، ويستثنى من ذلك ما أشار إليه بقوله: (لَا):
١ - (قَضَاءُ فَرْضٍ)؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» [البخاري ٥٩٧، ومسلم ٦٨٤ واللفظ له].
٢ - (وَفِعْلُ رَكْعَتَيْ طَوَافٍ)؛ لحديث جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَداً طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ» [أبو داود ١٨٩٤، والترمذي ٨٦٨، والنسائي ٥٨٤ وابن ماجه ١٢٥٤]، وعن عطاء قال: " رأيت ابن عمر، وابن الزُّبير طافَا بالبيت
стр. 289
بعْدَ صلاة الفجْر، ثمَّ صلَّيا ركعتين قبل طُلوع الشَّمس " [ابن أبي شيبة ١٣٤١٨].
٣ - (وَسُنَّةُ فَجْرٍ) بعد طلوع الفجر، فيجوز فعلها قبل الصلاة، وتكون (أَدَاءً) لا قضاء، إذا كانت (قَبْلَهَا) أي: قبل صلاة الفجر؛ لما تقدم من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ».
وتقدم: أن وقت النهي يبدأ من فعل صلاة الفجر، لا من دخول الوقت.
وأما فعلها بعد الصلاة فهي قضاء، ولا تقضى في وقت النهي، بل بعده؛ لحديث أبي سعيد السابق.
وعنه، واختاره ابن قدامة: يجوز قضاء سنة الفجر بعدها؛ لحديث قيس بن عمرو ﵁، قال: رأى النبي ﷺ رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : «أَصَلَاةُ الصُّبْحِ مَرَّتَيْنِ» فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن، قال: فسكت رسول الله ﷺ [أحمد ٢٣٧٦٠، والترمذي ٤٢٢].
٤ - (وَصَلَاةُ جِنَازَةٍ) في الوقتين الموسَّعَين فقط، وهما: (بَعْدَ) طلوع (فَجْرٍ، وَ) بعد صلاة (عَصْرٍ)؛ لطول مدتهما، فالانتظار فيهما يخاف منه على الجنازة، فأما في الأوقات الثلاثة المضيَّقة فلا تجوز فيها صلاة الجنازة؛ لحديث عقبة السابق، إلا أن يُخاف على الجنازة، فيجوز للضرورة.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يجوز فعلها في كل أوقات النهي
стр. 290
الخمسة؛ لما يأتي من جواز فعل ذات السبب وقت النهي.
- فرع: تحرم الصلاة على القبر وعلى الغائب في جميع أوقات النهي؛ لأن المبيح لصلاة الجنازة في وقت النهي خشيةُ الانفجار بالانتظار بها إلى خروج وقت النهي، وهذا المعنى مُنْتَفٍ في الصلاة على القبر.
٥ - سنة الظهر بعد العصر في الجمع، تقديماً كان أو تأخيراً؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم بعد العصر، فصلى ركعتين، فسألته عنهما فقال: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ» [البخاري ١٢٣٣، ومسلم ٨٣٤].
٦ - فعل المنذورة، ولو نذرها في أوقات النهي؛ لأنها صلاة واجبة أشبهت الفرائض.
٧ - إعادة الجماعة، ولا تخلو من أمرين:
الأول: إذا أقيمت وهو في المسجد؛ فإنه يعيدها ولو كان وقت نهي؛ لحديث يزيد بن الأسود ﵁ قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخَيْف، فلما قضى صلاته انحرف، فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: «عَلَيَّ بِهِمَا»، فجيء بهما تُرْعَدُ فرائصُهما، فقال: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا»، فقالا: يا رسول الله، إنا كنَّا قد صلينا في رحالنا، قال: «فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا
стр. 291
مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ؛ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» [أبو داود ٥٧٥، والترمذي ٢١٩، والنسائي ٨٥٧].
الثاني: أن تقام جماعة وهو خارج المسجد، ثم يأتي المسجد، فليس له أن يعيد في أوقات النهي، لمفهوم حديث أبي ذر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ، فَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَأَنْتَ فِي المَسْجِدِ فَصَلِّ» [مسلم ٦٤٨].
واختار الشارح وابن القيم: أن الجماعة تعاد سواء أقيمت وهو في المسجد، أم وهو خارج المسجد ثم دخل وهم في الصلاة؛ لعموم حديث يزيد بن الأسود السابق، ولأنها ذات سبب, لكن يشترط: أن لا يقصد المسجد لإعادة الصلاة، لأنه ليس من هدي السلف.
٨ - تحية المسجد في حال خطبة الجمعة، ولو كان وقت قيام الشمس قبل الزوال؛ لحديث جابر ﵁ قال: جاء سُلَيْكٌ الغَطَفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له: «يَا سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا»، ثم قال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» [البخاري ٩٣٠، ومسلم ٨٧٥].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يجوز فعل كل ما له سبب في وقت النهي؛ لعموم حديث أبي قَتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» [البخاري ١١٧١، ومسلم
стр. 292
٧١٤]، ولسائر أدلة ما استثني في المذهب، فيُخصَّص عمومُ النهي الوارد في حديث أبي سعيد السابق بهذه الأحاديث، وهذا وإن كان بينهما عموم وخصوص وجهي، إلا أنه يُقدَّم عموم حديث أبي قتادة ﵁ وغيره على عموم أحاديث النهي؛ لأن عمومه أقوى، إذ لم يستثن منه شيء، بخلاف عموم النهي فقد اسثني منه: الفريضة، وسنة الفجر، وصلاة الجنازة وغيرها، كما تقدم.
- فرع: ضابط ما له سبب: ما وجد فيه سبب الصلاة، وتفوت المصلحة في تأخيرها عنه.
قال شيخ الإسلام: (مثل: سجود التلاوة، وتحية المسجد، وصلاة الكسوف، والصلاة عقب الطهارة، وصلاة الاستخارة فيما يفوت، وصلاة التوبة؛ لأن التوبة واجبة على الفور، وقضاء السنن الرواتب؛ لأن مصلحة المبادرة إلى القضاء تفوت، فإن القضاء مأمور به على الفور، في الواجب واجب، وفي المستحب مستحب).
стр. 293
(فَصْلٌ)
في صلاة الجماعة
شرعت لأجل التواصل والتَّوَادِّ وعدم التقاطع.
- مسألة: (تَجِبُ الجَمَاعَةُ لِلـ) ـصلوات الـ (ـخَمْسِ) المكتوبة وجوباً عينَّياً، سواء في حضر أم في سفر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]، فأمر بالجماعة حال الخوف ففي غيره أولى، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» [البخاري: ٦٤٤، ومسلم: ٦٥١].
- فرع: لا تشترط الجماعة لصحة الصلاة، فتصح بدونها بلا عذر مع الإثم؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» [البخاري: ٦٤٥، ومسلم: ٦٥٠]، فدلت المفاضلة على صحة صلاة المنفرد.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة،
стр. 294
وهي من المفردات (١)؛ لخبر ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» [أبو داود: ٥٥١، وابن ماجه: ٧٩٣، ولا يصح مرفوعاً]، وورد عن علي ﵁ قال: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إِلَّا فِي المَسْجِدِ» [عبد الرزاق: ١٩١٥]، ولأنها إذا كانت واجبة فمن ترك واجباً في الصلاة لم تصح صلاته.
- فرع: يستثنى على المذهب: صلاة الجمعة وصلاة العيد، فالجماعة شرط فيهما على ما يأتي.
- مسألة: فعل الجماعة في المسجد سنة؛ لما فيه من إظهار الشعائر، وكثرة الجماعة، وله فعلها في بيته؛ لعموم حديث جابر ﵁ مرفوعاً: «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً» [البخاري: ٤٣٨، ومسلم: ٥٢١].
وعنه، واختاره ابن القيم وابن عثيمين: يجب فعلها في المسجد؛ لظاهر حديث أبي هريرة المتقدم، وأما حديث: «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً
стр. 295
وَطَهُوراً» فالمراد بيان أن الأرض كلها مكان للصلاة، لا أن الجماعة تجوز في كل مكان.
- فرع: يشترط لوجوب الجماعة شروط:
١ - أن تكون الصلاة من الفروض الخمس، فلا تجب للمنذورة والكسوف والوتر وغيرها.
٢ - أن تكون الجماعة للصلاة (المُؤَدَّاةِ): فلا تجب الجماعة للصلاة المقضية؛ لأن من فاتته الحاضرة لا يجب أن يطلبها في مسجد آخر، ففي الفائتة من باب أولى.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: تجب للمقضية؛ لعموم الأدلة، ولأن النبي ﷺ لما نام عن الصلاة في حديث أبي قَتادة ﵁ قضاها جماعة [البخاري: ٣٤٤، ومسلم: ٤٧٢].
٣ - تجب صلاة الجماعة (عَلَى الرِّجَالِ): فلا تجب على المميزين، لعدم تكليفهم، ولا على النساء؛ لأنهن لسن من أهل الاجتماع، كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» [أحمد: ٥٤٦٨، وأبو داود: ٥٦٧].
- فرع: تسن الجماعة للنساء منفردات عن الرجال؛ لحديث أم ورقة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا،
стр. 296
وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا» [أحمد: ٢٧٢٨٣، وأبو داود: ٥٩٢]، ولفعل عائشة [عبد الرزاق: ٥٠٨٦]، وأم سلمة ﵄ [عبد الرزاق: ٥٠٨٢].
٤ - أن يكون الرجال من (الأَحْرَارِ): فلا تجب على العبيد؛ لأن العبد مشغول بخدمة سيده.
وعنه: تجب على العبيد؛ لعموم الأدلة، وللقاعدة: (أن العبادات البدنية المحضة يستوي فيها الأحرار والأرقاء إلا لدليل).
واختار ابن عثيمين: أنها تجب بإذن سيده.
٥ - أن يكونوا من (القَادِرِينَ): فلا تجب على غير القادر؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
- مسألة: (وَحَرُمَ أَنْ يَؤُمَّ) في مسجد (قَبْلَ) إمامِه الـ (ـرَّاتِبِ) أي: المعيَّنِ من الجهة المسؤولة أو مَنِ اتفق عليه جماعة المسجد؛ لقوله ﷺ : «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» [مسلم: ٦٧٣]، وإمام المسجد سلطان في مسجده، وثبت عن ابن عمر ﵄: أنه أتى أرضاً وعندها مسجد يصلي فيه مولًى لابن عمر، فقال له المولى صاحب المسجد: تقدَّمْ فصَلِّ، فقال ابن عمر ﵄: «أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِكَ» فصلى المولى [عبد الرزاق: ٣٨٥٠]، ولأنه يؤدي إلى التنفير عنه.
стр. 297
- فرع: إن صلت الجماعة قبل إمامهم الراتب لم تصح صلاتهم؛ لأن النهي في الحديث السابق يقتضي الفساد.
وقيل: تصح الصلاة؛ لأن النهي يعود إلى أمر خارج، وهو الافتئات على الإمام.
- فرع: يحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب (إِلَّا) في ثلاث حالات:
١ - (بِإِذْنِهِ) أي: إذن الإمام الراتب؛ لما تقدم من الحديث، وفيه: «إلا بإذنه»، ولقوله ﷺ في مرض موته في حديث عائشة ﵂: «مُروا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاس» [البخاري: ٦٦٤، ومسلم: ٤١٨].
٢ - (أَوْ عُذْرِهِ) أي: عذر الإمام الراتب في التأخر؛ ولا يخلو ذلك من ثلاث حالات:
أ) أن يضيق وقت الصلاة: فيصلون؛ لوجوب فعل الصلاة في وقتها.
ب) أن لا يضيق الوقت ولكن يتأخر عن وقته المعتاد: فيُراسل مع قرب محله وعدم المشقة؛ لأن الائتمام به سنة وفضيلة، فلا تترك مع الإمكان، فإن بَعُدَ محله أو كان هناك مشقة في مراسلته فلهم أن يصلوا.
ت) إذا ظُنَّ أنه لا يحضر، أو ظُنَّ أنه يحضر ولكن تأخر عن الوقت المعتاد وهو لا يكره ذلك: فإنهم يصلون؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁: أن
стр. 298
النبي ﷺ لما غاب قدّم الصحابة ﵃ عبد الرحمن بن عوف ﵁ فصلى بالناس، فقال ﷺ : «أَحْسَنْتُمْ» [مسلم: ٢٧٤].
٣ - (أَوْ عَدَمِ كَرَاهَتِهِ) لإمامة غيره مكانه؛ لأن الحق له فاعتبر رضاه.
- مسألة: (وَمَنْ كَبَّرَ) مأموماً (قَبْلَ تَسْلِيمَةِ الإِمَامِ) التسليمةَ (الأُولَى؛ أَدْرَكَ الجَمَاعَةَ) ولو لم يجلس؛ لحديث عائشة ﵂ مرفوعاً: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ سَجْدَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَوْ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا» [مسلم: ٦٠٨]، ولأنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام، فأشبه ما لو أدرك ركعة.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تدرك الجماعة بإدراك ركعة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» [البخاري: ٥٨٠، ومسلم: ٦٠٧].
- مسألة: (وَمَنْ أَدْرَكَهُ) أي: أدرك الإمامَ حال كونه (رَاكِعاً) فقد (أَدْرَكَ الرَكْعَةً) اتفاقاً؛ لحديث أبي بَكْرَةَ ﵁: أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «زَادَكَ الله حِرْصاً وَلَا تَعُدْ» [البخاري: ٧٨٣]، وإنما فعل ذلك ليدرك الركعة، ولم يأمره النبي ﷺ بقضاء الركعة، ولثبوته عن ابن مسعود [البيهقي: ٢٥٧٨]، وابن عمر [ابن أبي
стр. 299
شيبة: ٢٥٢٠]، وزيد بن ثابت [البيهقي: ٢٥٨٢]، وابن الزبير ﵃ [ابن أبي شيبة: ٢٦٣١].
- فرع: يكون مدركاً لركوع إمامه (بِشَرْطِ):
١ - (إِدْرَاكِهِ) الإمامَ حال كونه (رَاكِعاً)، بحيث يأتي المأموم بالقدر المجزئ من الركوع قبل أن يزول الإمام عنه، ولو لم يدرك الطمأنينة مع الإمام، فيطمئن ويتابع إمامه؛ لما ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «إِذَا جِئْتَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ , فَوَضَعْتَ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ؛ فَقَدْ أَدْرَكْتَ» [ابن أبي شيبة: ٢٥٢٠].
٢ - (وَ) بشرط (عَدَمِ شَكِّهِ فِيه) أي: شكه في إدراكه الركوعَ المجزئَ مع الإمام، فإن شك لم يعتد بها؛ لأن الأصل عدم الإدراك.
٣ - (وَ) بشرط (تَحْرِيمَتِهِ) أي: المأمومِ حال كونه (قَائِماً) إن كانت الصلاة فريضةً؛ لأن تكبيرة الإحرام يشترط أن تكون حال القيام في الفرض، فإن أتم التكبيرة في انحنائه انقلبت نفلاً إن اتسع الوقت؛ لصحة النافلة من القاعد بغير عذر.
- فرع: تكبير المسبوق إذا أدرك إمامه راكعاً لا يخلو من أربع حالات:
١ - أن يكبر تكبيرتين، وأشار إليه بقوله: (وَتُسَنُّ) تكبيرة (ثَانِيَةٌ)، وهي تكبيرة الانتقال (لِلرُّكُوعِ) بعد تكبيرة الإحرام، فيأتي بتكبيرة الإحرام قائماً، ثم
стр. 300
يأتي بتكبيرة الانتقال حال انتقاله؛ خروجاً من خلاف من أوجبه.
٢ - أن يأتي بتكبيرة واحدة ينوي بها تكبيرةَ الإحرام فقط: فتجزئه اتفاقاً، وتسقط عنه تكبيرة الانتقال؛ لفعل زيد بن ثابت وابن عمر ﵃ [البيهقي: ٢٥٨٨، واحتج به أحمد]، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد، فأجزأ الركن عن الواجب، كطواف الزيارة والوداع.
٣ - أن يأتي بتكبيرة واحدة ينوي بها تكبيرةَ الانتقال دون تكبيرة الإحرام: فلا تنعقد صلاته؛ لأن تكبيرة الإحرام ركن، ولم يأت بها.
٤ - أن يأتي بتكبيرة واحدة ينوي بها التكبيرتين معاً: لم تنعقد صلاته؛ لأنه شرَّك بين الواجب وغيره في النية، أشبه ما لو عطس عند رفع رأسه، فقال: (ربنا ولك الحمد) عنهما.
وعنه، واختاره الموفق والشارح: أنها تنعقد؛ لأن نية الركوع لا تنافي نية الافتتاح؛ لأنهما من جملة العبادة.
- مسألة: (وَمَا أَدْرَكَ) المسبوقُ (مَعَهُ) أي: مع إمامه فهو (آخِرُهَا) أي: آخر صلاته، (وَمَا يَقْضِيهِ) بعد سلام إمامه هو (أَوَّلُهَا) أي: أول صلاته، فلو أدرك ركعة من الصبح مثلاً، فيطيل القراءة في الركعة التي يصليها لنفسه على التي أدركها مع الإمام، وراعى ترتيب السور؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» [أحمد: ٧٦٦٤]،
стр. 301
والمقضي هو الفائت، فيكون على صفته.
لكن لو أدرك من رباعية أو مغرب ركعة؛ تشهد التشهد الأول عقب قضاء ركعة أخرى - كالرواية الأخرى، أن ما أدرك أول صلاته، وما يقضيه آخرها -، وإنما قلنا: يتشهد من أدرك ركعة عقب أخرى؛ لئلا يلزم تغيير هيئة الصلاة؛ لأنه لو تشهد عقب ركعتين لزم عليه قطع الرباعية على وتر والثلاثية شفعًا، ومراعاة هيئة الصلاة ممكنة، ولا ضرورة إلى تركها، فلزم الإتيان بها.
وعنه: أن ما أدركه المسبوق أولُ صلاته، وما يقضيه آخِرُها؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «مَا أَدْرَكْتُمْ، فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» [البخاري: ٦٣٦، ومسلم: ٦٠٢]، وإتمام الشيء لا يكون إلا بعد انقضاء أوله، وأما القضاء الوارد في الأحاديث السابقة فالمراد به الإتمام كقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله﴾ [فصلت: ١٢]، ولإجماعهم أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى.
- مسألة: (وَيَتَحَمَّلُ) إمام (عَنْ مَأْمُومٍ) ثمانية أشياء، بحيث تسقط عن المأموم لاتيان الإمام بها:
١ - (قِرَاءَةَ) الفاتحة، فلا تجب قراءة الفاتحة على المأموم في سرية ولا جهرية؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قال أحمد في رواية أبي داود: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة،
стр. 302
ولحديث جابر ﵁ قال: قال ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ» [أحمد: ١٤٦٤٣، وابن ماجه: ٨٥٠]، وصح عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ خَلْفَ الْإِمَامَ فَحَسْبُهُ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيَقْرَأْ». [الموطأ: ٢٨٣]، وهو اختيار شيخ الإسلام (١).
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أنها تجب على المأموم في السرية والجهرية؛ لعموم حديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعاً: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» [البخاري: ٧٥٦، ومسلم: ٣٩٤]، وفي لفظ: «إِنِّي أَرَاكُمْ تَقْرَؤُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، إِي وَالله، قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ القُرْآنِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» [أحمد: ٢٢٧٤٥، والترمذي: ٣١١]، وهذا نص صريح في الصلاة الجهرية.
وعنه: تجب في السرية دون الجهرية، جمعاً بين الأحاديث السابقة.
٢ - (وَسُجُودَ سَهْوٍ) إذا دخل معه أول الصلاة؛ لحديث ابن عمر ﵄
стр. 303
يرفعه: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ , فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ السَّهْوُ» [الدارقطني: ١٤١٣ وفيه ضعف]، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» [البخاري: ٣٧٨، ومسلم: ٤١١].
أما المسبوق فلا يتحمل عنه الإمام سجود السهو، فيسجد آخر صلاته، سواء سهى مع إمامه أو فيما انفرد به.
- فرع: إذا سهى الإمام سهواً يجب السجود له، ولم يسجد؛ سجد مسبوق بعد قضاء ما فاته، وسجد مأموم بعد إياسه من سجود إمامه؛ لأنه ربما ذَكَر إمامُه قريباً فسجد، وربما يكون ممن يرى السجود بعد السلام، فلا يسقط السجود للسهو عن المأموم بترك إمامه له؛ لأن صلاته نقصت بنقصان صلاة إمامه فلزمه جبرها.
٣ - (وَ) سجودَ (تِلَاوَةٍ)، إذا لم يسجد الإمام؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه
стр. 304
مرفوعاً: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ».
٤ - (وَسُتْرَةً)؛ لأن سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ» [البخاري: ٧٦، ومسلم: ٥٠٤].
٥ - (وَدُعَاءَ قُنُوتٍ)، حيث يسمعه مأموم، فيؤمِّنُ فقط، قال في المغني: (لا نعلم فيه خلافاً)، فإن لم يسمع قنت مأموم؛ لعدم سماعه.
٦ - (وَتَشَهُّداً أَوَّلَ إِذَا سُبِقَ) المأموم (بِرَكْعَةٍ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ».
٧ - وقولُ (سمع الله لمن حمده) وتقدم في صفة الصلاة.
٨ - وقولُ: (مِلْءَ السماوات، ومِلْءَ الأرض، وملء ما شئتَ من شيء بعدُ)، وتقدم في صفة الصلاة.
- فرع: لا تجب الفاتحة على المأموم في سرية ولا جهرية، و (لَكِنْ يُسَنُّ) للمأموم (أَنْ يَقْرَأَ فِي) مواضع:
١ - في (سَكَتَاتِهِ) أي: سَكَتاتِ إمامه، وتقدم بيانها في صفة الصلاة.
стр. 305
٢ - (وَ) في صلاةٍ (سِرِّيَّةٍ) كظهر وعصر؛ لما روى جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كُنَّا نَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ خَلْفَ الإِمَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» [ابن ماجه: ٨٤٣].
٣ - (وَ) يسن للمأموم أن يقرأ (إِذَا لَمْ يَسْمَعْهُ) أي: لم يسمع الإمام (لِبُعْدٍ)؛ لأنه غير سامع لقراءته؛ أشبه حال سكتاته، (لَا) إذا لم يسمع إمامه لـ (ـطَرَشٍ)؛ حتى لا يَشْغَلَ غيرَه، فإن لم يَشْغَلْ أحداً قرأ؛ لأنه لا يحصل له مقصود القراءة؛ أشبه البعيد.
- مسألة: (وَسُنَّ لَهُ) أي: الإمام (التَّخْفِيفُ) في الصلاة (مَعَ الإِتْمَامِ)، لحديث أنس ﵁ مرفوعاً: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ» [مسلم: ٤٦٩]، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» [البخاري: ٧٠٣، ومسلم: ٤٦٧]، قال في المبدع: (ومعناه: أن يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة، إلا أن يُؤْثِرَ المأموم التطويل وعددهم ينحصر).
- فرع: التخفيف على قسمين:
١ - تخفيف لازم -واجب-: بأن لا يتجاوزَ سنة النبي ﷺ والصحابة في القيام والقراءة والركوع وغير ذلك؛ لغضب النبي ﷺ لما أطال معاذ
стр. 306
صلاته في قومه [البخاري: ٧٠٥، ومسلم: ٤٦٥]، ولأن الإنسان إذا اختار لغيره فإن خياره خيار مصلحة.
٢ - تخفيف عارض: وهو أن يخفف تخفيفاً زائداً عن سنَّة النبي ﷺ لأمر يطرأ عليه أو على بعض المأمومين؛ لحديث أبي قَتادة ﵁ مرفوعاً: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» [البخاري: ٧٠٧].
- فرع: إسراع الإمام في الصلاة على ثلاثة أقسام:
١ - مكروه: إن كان يمنع المأموم من فعل المستحبات.
٢ - محرم: إن كان يمنع المأموم من فعل الواجبات، وحينئذ يفارقه المأموم ويصلي منفرداً؛ ليأتيَ بالواجب، وإنما جاز له أن يفارق الإمام؛ لقصة الرجل الذي صلى مع معاذ ﵁ فقرأ بهم البقرة، قال جابر ﵁ في الحديث: «فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً» [البخاري: ٧٠٥، ومسلم: ٤٦٥].
٣ - مستحب: إذا كان لعارض؛ كما سبق.
- مسألة: (وَ) سن للإمام (تَطْوِيلُ) الركعة (الأُولَى عَلَى) الركعة (الثَّانِيَةِ)؛ لقول أبي قَتادة ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ» [البخاري: ٧٥٩، ومسلم: ٤٥١]، ويستثنى من ذلك:
стр. 307
١ - صلاة الخوف في بعض صورها؛ حين ينتظر الإمام في الركعة الثانية فراغَ الطائفة الأولى ودخولَ الطائفة الثانية [البخاري: ٤١٢٩، ومسلم: ٨٤٢].
٢ - أن تكون الثانية أطولَ بمقدار يسير، كما في حديث النعمان بن بشير ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ بِـ"سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى"، وَ"هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ"» [مسلم: ٨٧٨].
- مسألة: (وَ) سن للإمام (انْتِظَارُ دَاخِلٍ) في ركوع وغيره؛ لأن الانتظار ثبت عن النبي ﷺ في صلاة الخوف لإدراك الجماعة [البخاري: ٤١٢٩، ومسلم: ٨٤٢]، وذلك موجود هنا، ولأن في ذلك تحصيلَ مصلحة بلا مضرة؛ فكان مستحبًّا، كرفع الصوت بتكبيرة الإحرام، (مَا لَمْ يَشُقَّ) على المأمومين فيكره، ولو كان من ذوي الهيئات؛ لأن حرمة الذي معه أعظم من حرمة الذي لم يدخل معه.
стр. 308
(فَصْلٌ)
في الأولى بالإمامة، ومن لا تصح إمامته
- مسألة: الأولى بالإمامة لا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون له ولاية: كساكن البيت، وإمام المسجد، فهو أحق من غيره إذا كان ممن تصح إمامته، وإن كان غيرُهما أفضلَ منهما، قال في المبدع: (بغير خلاف نعلمه)؛ لحديث أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» [مسلم ٦٧٣]، إلا من ذي سلطان، فإنه يُقَدَّمُ عليهما؛ لأن النبي ﷺ أمَّ عِتْبانَ بنَ مالك ﵁ في بيته [البخاري ٤٢٥، ومسلم ٣٣]، ولعموم ولايته.
٢ - ألا يكون لأحدهما ولاية، وذلك على تسع مراتب:
المرتبة الأولى: يقدم الأجود قراءة؛ لحديث أبي مسعود البدري ﵁ مرفوعًا: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْماً» [مسلم ٦٧٣]، ويقدم الأجود قراءةً على الأكثر قرآناً؛ لأنه أعظم أجراً.
المرتبة الثانية: إن استووا في الجودة: يقدم الأكثر قرآناً، ويُقدَّم قارئ لا
стр. 309
يعلم فقه صلاته بل يأتي بها عادةً على فقيه أُمِّيٍّ؛ للحديث السابق، ويأتي تعريف الأمي.
وقيل: يقدم الأكثر قرآناً على الأجود قراءة؛ لحديث عمرِو بن سَلِمةَ ﵄: أن النبي ﷺ قال: «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآناً» [البخاري ٤٣٠٢].
المرتبة الثالثة: إن استووا في القراءة وعدمها: يُقدَّم الأفقه والأعلم بأحكام الصلاة؛ لمزية الفقه.
فـ (الأَقْرَأُ العَالِمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ أَوْلَى مِنَ الأَفْقَهِ)؛ فإن لم يكن الأقرأ عالمًا فقه صلاته؛ لأنه لا يُؤْمَنُ أن يُخِلَّ بشيء مما يعتبر فيها.
المرتبة الرابعة: إن استووا في القراءة والفقه: يقدم الأسن، أي: الأكبر سنًّا؛ لحديث مالك بن الحويرث مرفوعًا: «وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» [البخاري ٢٨٤٨، ومسلم ٦٧٤].
وعنه واختاره ابن قدامة: يقدم الأقدم هجرة على الأسن؛ لحديث أبي مسعود البدري ﵁ السابق، وأما حديث مالك بن الحويرث فإن النبي ﷺ قدَّم الأكبر؛ لأنهما متساويان في الهجرة والإسلام، ففي رواية أبي داود [٥٨٩]: «وَكُنَّا يَوْمَئِذٍ مُتَقَارِبَيْنِ فِي العِلْمِ».
المرتبة الخامسة: إن استووا في السن: يقدم الأَشْرفُ، وهو القرشي؛ إلحاقًا للإمامة الصغرى بالكبرى؛ لحديث أنس ﵁ مرفوعاً: «الأَئِمَّةُ مِنْ
стр. 310
قُرَيْشٍ» [أحمد ١٢٣٠٧].
المرتبة السادسة: إن استووا في الشرف: يقدم الأقدم هجرة بنفسه لا بآبائه؛ لحديث أبي مسعود السابق.
المرتبة السابعة: إن استووا في الهجرة: يقدم الأسبق في الإسلام؛ لأن في بعض ألفاظ حديث أبي مسعود ﵁: «فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» [مسلم ٦٧٣].
وفي وجه واختاره شيخ الاسلام: يقدم الأقدم هجرة، على الأشرف؛ لحديث أبي مسعود البدري ﵁ السابق.
المرتبة الثامنة: إن استووا فيما سبق: يقدم الأَتقى والأَورع؛ لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣].
واختار شيخ الإسلام: تقديم الأتقى على الأشرف؛ لأن شرف الدين خير من شرف الدنيا، وقد قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.
المرتبة التاسعة: إن استووا في كل ما تقدم وتشاحوا: يقدم من قَرَع صاحبَه (١)؛ قياسًا على الأذان؛ لأن سعد ﵁ أقرع بين الناس في القادسية [البيهقي ٢٠١٣].
стр. 311
وعنه: يقدم من يختاره الجيران ثم يقرع؛ لما يحصل من الائتلاف والاجتماع على الإمام.
- مسألة: فيمن لا تصح إمامته:
أولاً: إمامة الفاسق: وهو من فعل كبيرة، أو داوم على صغيرة، سواء كان فسقه بفعل كالزنى، أم باعتقاد كالخوارج؛ وإمامة الفاسق على قسمين:
١ - إمامته في غير الجمعة والعيد: وأشار إلى ذلك بقوله: (وَلَا تَصِحُّ) الصلاة (خَلْفَ) إمام (فَاسِقٍ)؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً، وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِراً، وَلَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِناً، إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ» [ابن ماجه ١٠٨١]، ولأن الفاسق لا يُؤْمَنُ على شرائط الصلاة.
وعند شيخ الإسلام: أنها لا تصح خلف أهل الأهواء والبدع والفسقة مع القدرة؛ لما في ذلك من النهي عن المنكر، لا لأجل فساد صلاتهم.
وعنه: تصح مع الكراهة؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» [البخاري ٦٩٤].
٢ - إمامته في الجمعة والعيد: وأشار إلى ذلك بقوله: (إِلَّا فِي جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) فيصحان خلفه؛ لأنهما يختصان بإمام واحد، فالمنع منهما خلفه يؤدي
стр. 312
إلى تفويتها دون سائر الصلوات، قال شيخ الاسلام: (تفعل خلف كل بر وفاجر باتفاق أهل السنة والجماعة، وإنما تُدَع مثل هذه الصلوات خلف الأئمة أهل البدع كالرافضة ونحوهم ممن لا يرى الجمعة والجماعة)، إن (تَعَذَّرا) أي: الجمعة والعيد (خَلْفَ غَيْرِهِ)، فإن لم تتعذر الصلاة خلف غيره لم تصح، كغير الجمعة والعيد.
ثانياً: (وَلَا) تصح (إِمَامَةُ مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ)، كجرح لا يرقأ دمه، أو به سلس بول أو نجو ونحوه إلا بمثله؛ لأن في صلاته خللاً غيرَ مجبور ببدل، لكونه يصلي مع خروج النجاسة التي يحصل بها الحدث من غير طهارة، أشبه ما لو ائتم بمُحْدِثٍ يعلم حدثه، وإنما صحت صلاته في نفسه للضرورة.
واختار السعدي: صحة إمامته؛ لعموم حديث أبي مسعود السابق: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله»، فإنه يَشْمَلُ العاجز وغيره، ولأنه ترك شرطاً من شروط الصلاة وهو معذور.
ثالثاً: (وَ) لا تصح إمامة (أُمِّيٍّ) بقارئ؛ لحديث أبي مسعود السابق: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله»، ولأن القراءة ركن مقصود في الصلاة، فلم يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه؛ كالطهارة والسترة، ولأن الإمام يتحملها عن المأموم، وليس هو من أهل التحمل.
стр. 313
- مسألة: (وَ) الأمي: نسبة إلى الأم، كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها، وفي الاصطلاح: (هُوَ):
١ - (مَنْ لَا يُحْسِنُ الفَاتِحَةَ) أي: لا يحفظها، أو لا يحفظ بعضها.
٢ - (أَوْ يُدْغِمُ فِيهَا حَرْفاً لَا يُدْغَمُ)، بأن يدغم حرفاً فيما لا يماثله أو يقاربه، وهو الأرَتُّ، أو يبدل حرفًا بغيره كالألثغ، الذي يبدل الراء غينًا، إلا ضادَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾
(الفاتحة: ٧) لو قلبها ظاء؛ لأنه لا يصير أمّيًّا بهذا الإبدال؛ لتقارب مخرجهما.
٣ - (أَوْ يَلْحَنُ فِيهَا لَحْناً يُحِيلُ المَعْنَى)، كفتح همزة (اهدنا)؛ لأنه يصير بمعنى طلب الهَدِيَّة، لا الهِدَاية، وكسر كاف (إياك). فإن لم يُحِلِ المعنى، كفتح دال (نعبد)، ونونِ (نستعين) فليس أميًّا.
- فرع: لا تصح إمامة الأمِّي (إِلَّا بِمِثْلِهِ، وَكَذَا) لا تصح إمامة (مَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ) ونحوه ممن حدثه دائم إلا بمثله؛ لأنه يساويه، فصحت إمامته به، كالعاجز عن القيام.
رابعاً: إمامة العاجز عن ركن أو شرط من شروط الصلاة، ولا يخلو من أقسام:
стр. 314
الأول: أن يكون عاجزاً عن ركنٍ غيرِ القيام: وأشار إليه بقوله: (وَ) لا تصح إمامة (عَاجِزٍ عَنْ رُكُوعٍ، أوْ سُجُودٍ، أَوْ قُعُودٍ، وَنَحْوِهَا) كرفع من ركوع، إلا بمثله.
الثاني: (أَوْ) كان عاجزاً عن شرط من شروط الصلاة، كـ (اجْتِنَابِ نَجَاسَةٍ، أَوِ اسْتِقْبَالِ) قِبلةٍ، فلا تصح إلا بمثله.
فلا تصح إمامته في القسمين؛ لأنه أخل بركن أو شرط، فلم يجز؛ كائتمام القارئ بالأمي، ولا فرق بين إمام الحي أو غيره، وتصح إمامتهم بمثلهم؛ لحديث يَعْلَى بن مُرَّةَ ﵁: أنه ﷺ " صَلَّى بِأصحابه في المَطَر بالإِيمَاء، يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ" [الترمذي ٤١١].
الثالث: (وَلَا) تصح إمامة (عَاجِزٍ عَنْ قِيَامٍ بِـ) مأموم (قَادِرٍ) عليه؛ لأنه عَجَز عن ركن من أركان الصلاة، فلم يصح الاقتداء به، كالعاجز عن القراءة إلا في حالتين:
١ - بمثله؛ لحديث يعلى بن مرة السابق.
٢ - و (إِلَّا) أن يجتمع في الإمام شرطان، وهو من المفردات:
الشرط الأول: أن يكون إمامًا (رَاتِباً)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِساً، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَاماً،
стр. 315
فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فلما انصرف قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً» [البخاري ٦٨٨، ومسلم ٤١٢]، ولأن إمام الحي يحتاج إلى تقديمه، بخلاف غيره، والقيام أخف؛ بدليل سقوطه في النفل.
الشرط الثاني: إذا (رُجِيَ زَوَالُ عِلَّتِهِ) التي منعته القيامَ؛ لئلا يُفضيَ إلى ترك القيام على الدوام، والأصل فيه: فعله ﷺ ، وكان يرجى زوال علته.
واختار شيخ الإسلام: جواز إمامة العاجز عن شرط من شروط الصلاة، وعن ركن من أركانها، سواء كان قياماً أم غيرَه؛ لعموم حديث أبي مسعود البدري ﵁: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله»، فيشمل القادر والعاجز، ولحديث عائشة السابق، ولا فرق بين القيام أو غيره، ولا بين الإمام الراتب أو غيره، ولا بين من تُرجى زوال علته أو غيره.
- فرع: إن صلى الإمام الراتب المرجو زوال علته قاعدًا فإنهم يصلون وراءه قعوداً ندباً، وهو من المفردات، فلو صَلَّوْا خلفه قياماً صحت صلاتهم؛ لأنه ﷺ لم يأمر من صلى خلفه قائماً بالإعادة، ولأن القيام هو الأصل.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: لا تصح الصلاة خلفه قيامًا مع القدرة على الجلوس؛ للأمر الوارد في الحديث السابق.
خامساً: إمامة الصبي المميز، ولا تخلو من أحوال:
стр. 316
١ - إمامته بصبي مثله، فتصح: لأنه متنفِّل يؤم متنفِّلًا.
٢ - إمامته للبالغ في نفل: فتصح؛ للتعليل السابق.
٣ - (وَلَا) تصح إمامة (مُمَيِّزٍ لِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ)؛ لحديث علي ﵁ مرفوعًا: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيانَكُم فِيِ صَلَاتِكُمْ» [قال ابن عبدالهادي: لا يعرف له إسناد صحيح]، ولقول ابن عباس ﵄: " لَا يَؤُمُّ الْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ " [عبد الرزاق ٣٨٤٧].
وعنه: تصح؛ لحديث عمرِو بن سَلِمَة ﵄: أن النبي ﷺ قال لهم: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآناً»، فنظروا فلم يكن أحدٌ أكثرَ قرآنًا، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ستِّ سنينَ أو سبعِ سنين [البخاري ٤٣٠٢]، وأما أثر ابن عباس فمِنْ رواية داودَ بن الحُصين عن عكرمة، وأحاديثه عن عكرمة منكرة.
سادسًا: إمامة المرأة، ولا تخلو من أحوال:
١ - إمامة المرأة لنساء: فتصح؛ لما ورد عن أم ورقة ﵂: " أَنَّ رَسُولَ اللَّه أَمَرَها أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا " [أحمد ٢٧٢٨٣، وأبو داود ٥٩٢].
٢ - (وَلَا) تصح إمامة (امْرَأَةٍ لِرِجَالٍ)؛ لحديث أبي بَكْرَةَ ﵁ مرفوعاً: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» [البخاري ٧٠٩٩]، ولحديث جابر السابق: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً».
стр. 317
٣ - (وَ) لا تصح إمامة امرأة لـ (خَنَاثَى)؛ لاحتمال كونهم رجالاً.
سابعاً: إمامة المُحْدِث، ولا تخلو من أقسام:
الأول: ألا يعلم الإمام والمأموم بالحدث إلا بعد فراغ الصلاة: فتصح صلاة المأمومين دون الإمام؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»، وورد ذلك عن عمر وعلي ﵄ [ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤].
إلا في الجمعة إذا كانوا أربعين بالإمام، فإنها لا تصح إذا كان الإمام محدثاً، وكذا لو كان أحد المأمومين محدثاً؛ فيعيد الكل؛ لأن المحدث وجوده كعدمه.
الثاني: أن يعلم الإمام في أثناء الصلاة بالحدث دون المأمومين: فتبطل صلاة الإمام والمأمومين، ولا استخلاف، لارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، واستثني القسم الأول للأدلة السابقة.
وعنه: أن صلاة الإمام تبطل دون صلاة المأمومين، فيستخلفون، أو يُتِمُّونها فرادى؛ لحديث أبي هريرة السابق، ولأن عمر ﵁ لما طعن استخلف عبد الرحمن بن عوف ﵁ فصلى بهم صلاة خفيفة [البخاري: ٣٧٠٠]، وتقدمت المسألة في شروط الصلاة.
الثالث: أن يعلم بعض المأمومين بحدث الإمام في أثناء الصلاة: فتبطل
стр. 318
صلاة الجميع، الإمامِ وكلِّ المأمومين؛ لأن الحدث منافٍ للصلاة, فلا تصح مع وجوده.
واختار ابن قدامة: أنه لا تبطل إلا صلاة من يعلم بحدث الإمام؛ لحديث أبي هريرة السابق: «فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»؛ ولأن المأموم لم يحصل منه حدث, فلا تبطل صلاته, وحدث الإمام ليس حدثاً للمأموم.
الرابع: أن يعلم الإمام أو بعض المأمومين بالحدث قبل الصلاة، وينسون ذلك، ثم يتذكرونه بعد الصلاة: أعاد الكل (١).
واختار ابن قدامة: أنه يعيد العالم فقط؛ لحديث أبي هريرة السابق.
وأشار المصنف إلى الأقسام الثلاثة الأخيرة بقوله: (وَلَا) تصح الصلاة (خَلْفَ) إمام (مُحْدِثٍ) حدثاً أكبرَ أو أصغرَ.
стр. 319
ثامناً: إمامة المتنجِّس، وأشار إليه بقوله: (أَوْ نَجِسٍ)، ولا تخلو إمامته من أقسام:
الأول: ألا يعلم الإمام والمأمومون بنجاسة الإمام إلا بعد الصلاة، فتصح صلاة مأموم؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁، ولا تصح صلاة الإمام؛ لأنه ترك شرطًا من شروط الصلاة، ولذلك قال: (فَإِنْ جَهِلَا) أي: جهل الإمام حدث نفسه، كما سبق في القسم الأول من إمامة المُحْدِث، أو جهل نجاسته كما هنا، مع جهل المأموم، (حَتَّى انْقَضَتِ) الصلاة، (صَحَّتِ) الصلاة (لِمَأْمُومٍ) فقط دون الإمام، إلا في الجمعة إن كانوا أربعين بالإمام، فيعيد الكل؛ لفقد شرط العدد، ويأتي في صلاة الجمعة.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تصح صلاة الإمام والمأموم إذا لم يعلما بنجاسة الإمام إلا بعد الصلاة؛ لحديث أبي سعيد ﵁: «لما صلى النبي ﷺ بنعليه وفيهما أذًى، فأخبره جبريل، فخلعهما وبنى على صلاته» [أحمد ١١٨٧٧، وأبو داود ٦٥٠]، ولأن اجتناب النجاسة من باب النواهي، فيعذر فيها بالجهل والنسيان.
الثاني: أن يعلم الإمام بالنجاسة في أثناء الصلاة وحده، دون بقية المأمومين: فتبطل صلاة الإمام والمأمومين، ولا استخلاف.
ويمكن أن يقال: إن صلاة المأمومين صحيحة، أما صلاة الإمام: فإن أمكن إزالة النجاسة دون الإخلال بشيء من شروط الصلاة أو واجباتها؛
стр. 320
أزالها وبنى، لفعل النبي ﷺ في حديث أبي سعيد، وإن لم يمكنه: استخلف، أو أتم المأمومون فرادى، كما سبق.
الثالث: أن يعلم بعض المأمومين في الصلاة بنجاسة الإمام، فتبطل صلاة الجميع، الإمامِ وكلِّ المأمومين؛ لأن النجاسة منافية للصلاة, فلا تصح الصلاة مع وجودها.
ويمكن أن يقال: يجب على من علم نجاسة الإمام إعلامُه بإشارة أو نحوها، فإن لم يستطع صحت صلاة الجميع، الإمامِ لكونه معذورًا بالجهالة، والمأمومين لاقتدائهم بإمام يعتقدون صحة صلاته.
الرابع: أن يعلم الإمام أو بعض المأمومين بالنجاسة قبل الصلاة وينسون ذلك، ثم يتذكرونها بعد الصلاة: فيعيد الكل، وتقدمت المسألة في الحدث.
- ضابط على الراجح: (كل من صحت صلاته صحت إمامته، إلا: الأميَّ والمرأةَ، فلا تصح إمامتُهما إلا بمثلهما).
- مسألة: (وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ لَحَّانٍ) أي: كثير اللحن، ولا يخلو اللحن من أمرين:
الأول: ألا يُحِيلَ المعنى، مثل: «الحمد لله»، بفتح الدال، فتصح إمامته؛ لأنه أتى بفرض القراءة، ولكن تكره؛ لحديث أبي مسعود البدري ﵁: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله».
الثاني: أن يُحِيلَ المعنى، وهو على قسمين: