← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

١ - إمامته بصبي مثله، فتصح: لأنه متنفِّل يؤم متنفِّلًا. ٢ - إمامته للبالغ في نفل: فتصح؛ للتعليل السابق. ٣ - (وَلَا) تصح إمامة (مُمَيِّزٍ لِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ)؛ لحديث علي ﵁ مرفوعًا: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيانَكُم فِيِ صَلَاتِكُمْ» [قال ابن عبدالهادي: لا يعرف له إسناد صحيح]، ولقول ابن عباس ﵄: " لَا يَؤُمُّ الْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ " [عبد الرزاق ٣٨٤٧]. وعنه: تصح؛ لحديث عمرِو بن سَلِمَة ﵄: أن النبي ﷺ قال لهم: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآناً»، فنظروا فلم يكن أحدٌ أكثرَ قرآنًا، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ستِّ سنينَ أو سبعِ سنين [البخاري ٤٣٠٢]، وأما أثر ابن عباس فمِنْ رواية داودَ بن الحُصين عن عكرمة، وأحاديثه عن عكرمة منكرة. سادسًا: إمامة المرأة، ولا تخلو من أحوال: ١ - إمامة المرأة لنساء: فتصح؛ لما ورد عن أم ورقة ﵂: " أَنَّ رَسُولَ اللَّه أَمَرَها أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا " [أحمد ٢٧٢٨٣، وأبو داود ٥٩٢]. ٢ - (وَلَا) تصح إمامة (امْرَأَةٍ لِرِجَالٍ)؛ لحديث أبي بَكْرَةَ ﵁ مرفوعاً: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» [البخاري ٧٠٩٩]، ولحديث جابر السابق: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً».

стр. 317

٣ - (وَ) لا تصح إمامة امرأة لـ (خَنَاثَى)؛ لاحتمال كونهم رجالاً. سابعاً: إمامة المُحْدِث، ولا تخلو من أقسام: الأول: ألا يعلم الإمام والمأموم بالحدث إلا بعد فراغ الصلاة: فتصح صلاة المأمومين دون الإمام؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»، وورد ذلك عن عمر وعلي ﵄ [ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤]. إلا في الجمعة إذا كانوا أربعين بالإمام، فإنها لا تصح إذا كان الإمام محدثاً، وكذا لو كان أحد المأمومين محدثاً؛ فيعيد الكل؛ لأن المحدث وجوده كعدمه. الثاني: أن يعلم الإمام في أثناء الصلاة بالحدث دون المأمومين: فتبطل صلاة الإمام والمأمومين، ولا استخلاف، لارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، واستثني القسم الأول للأدلة السابقة. وعنه: أن صلاة الإمام تبطل دون صلاة المأمومين، فيستخلفون، أو يُتِمُّونها فرادى؛ لحديث أبي هريرة السابق، ولأن عمر ﵁ لما طعن استخلف عبد الرحمن بن عوف ﵁ فصلى بهم صلاة خفيفة [البخاري: ٣٧٠٠]، وتقدمت المسألة في شروط الصلاة. الثالث: أن يعلم بعض المأمومين بحدث الإمام في أثناء الصلاة: فتبطل

стр. 318

صلاة الجميع، الإمامِ وكلِّ المأمومين؛ لأن الحدث منافٍ للصلاة, فلا تصح مع وجوده. واختار ابن قدامة: أنه لا تبطل إلا صلاة من يعلم بحدث الإمام؛ لحديث أبي هريرة السابق: «فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»؛ ولأن المأموم لم يحصل منه حدث, فلا تبطل صلاته, وحدث الإمام ليس حدثاً للمأموم. الرابع: أن يعلم الإمام أو بعض المأمومين بالحدث قبل الصلاة، وينسون ذلك، ثم يتذكرونه بعد الصلاة: أعاد الكل (١). واختار ابن قدامة: أنه يعيد العالم فقط؛ لحديث أبي هريرة السابق. وأشار المصنف إلى الأقسام الثلاثة الأخيرة بقوله: (وَلَا) تصح الصلاة (خَلْفَ) إمام (مُحْدِثٍ) حدثاً أكبرَ أو أصغرَ.

стр. 319

ثامناً: إمامة المتنجِّس، وأشار إليه بقوله: (أَوْ نَجِسٍ)، ولا تخلو إمامته من أقسام: الأول: ألا يعلم الإمام والمأمومون بنجاسة الإمام إلا بعد الصلاة، فتصح صلاة مأموم؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁، ولا تصح صلاة الإمام؛ لأنه ترك شرطًا من شروط الصلاة، ولذلك قال: (فَإِنْ جَهِلَا) أي: جهل الإمام حدث نفسه، كما سبق في القسم الأول من إمامة المُحْدِث، أو جهل نجاسته كما هنا، مع جهل المأموم، (حَتَّى انْقَضَتِ) الصلاة، (صَحَّتِ) الصلاة (لِمَأْمُومٍ) فقط دون الإمام، إلا في الجمعة إن كانوا أربعين بالإمام، فيعيد الكل؛ لفقد شرط العدد، ويأتي في صلاة الجمعة. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تصح صلاة الإمام والمأموم إذا لم يعلما بنجاسة الإمام إلا بعد الصلاة؛ لحديث أبي سعيد ﵁: «لما صلى النبي ﷺ بنعليه وفيهما أذًى، فأخبره جبريل، فخلعهما وبنى على صلاته» [أحمد ١١٨٧٧، وأبو داود ٦٥٠]، ولأن اجتناب النجاسة من باب النواهي، فيعذر فيها بالجهل والنسيان. الثاني: أن يعلم الإمام بالنجاسة في أثناء الصلاة وحده، دون بقية المأمومين: فتبطل صلاة الإمام والمأمومين، ولا استخلاف. ويمكن أن يقال: إن صلاة المأمومين صحيحة، أما صلاة الإمام: فإن أمكن إزالة النجاسة دون الإخلال بشيء من شروط الصلاة أو واجباتها؛

стр. 320

أزالها وبنى، لفعل النبي ﷺ في حديث أبي سعيد، وإن لم يمكنه: استخلف، أو أتم المأمومون فرادى، كما سبق. الثالث: أن يعلم بعض المأمومين في الصلاة بنجاسة الإمام، فتبطل صلاة الجميع، الإمامِ وكلِّ المأمومين؛ لأن النجاسة منافية للصلاة, فلا تصح الصلاة مع وجودها. ويمكن أن يقال: يجب على من علم نجاسة الإمام إعلامُه بإشارة أو نحوها، فإن لم يستطع صحت صلاة الجميع، الإمامِ لكونه معذورًا بالجهالة، والمأمومين لاقتدائهم بإمام يعتقدون صحة صلاته. الرابع: أن يعلم الإمام أو بعض المأمومين بالنجاسة قبل الصلاة وينسون ذلك، ثم يتذكرونها بعد الصلاة: فيعيد الكل، وتقدمت المسألة في الحدث. - ضابط على الراجح: (كل من صحت صلاته صحت إمامته، إلا: الأميَّ والمرأةَ، فلا تصح إمامتُهما إلا بمثلهما). - مسألة: (وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ لَحَّانٍ) أي: كثير اللحن، ولا يخلو اللحن من أمرين: الأول: ألا يُحِيلَ المعنى، مثل: «الحمد لله»، بفتح الدال، فتصح إمامته؛ لأنه أتى بفرض القراءة، ولكن تكره؛ لحديث أبي مسعود البدري ﵁: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله». الثاني: أن يُحِيلَ المعنى، وهو على قسمين:

стр. 321

١ - أن يكون في الفاتحة: فلا تصح إمامته إلا بمثله؛ لأنه أمِّيٌّ كما تقدم، كما لو ضم تاء: «أنعمت». ٢ - أن يكون في غير الفاتحة: فتصح إمامته؛ لأنه لو ترك قراءة غير الفاتحة بالكلية لصحت إمامته، فكذا إذا لحن فيها، لكن تكره إمامته، لحديث أبي مسعود البدري. إلا إن تعمد اللحن فتبطل الصلاة اتفاقاً؛ لأنه متلاعب في صلاته. - مسألة: (وَ) تكره إمامة (فَأْفَاءٍ): وهو الذي يكرر الفاء، (وَنَحْوِهِ)، كالتمتام: وهو من يكرر التاء، ومن لا يُفْصِحُ ببعض الحروف، كالقاف والضاد، أما صحة إمامتهم فلإتيانهم بفرض القراءة، وأما كراهة تقديمهم فلزيادتهم بعض الحروف المكررة. فصلٌ في موقف الإمام والمأمومين - مسألة: موقف المأموم من الإمام ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون الإمام ذكراً، فلا يخلو من أحوال:

стр. 322

الحالة الأولى: أن يكون المأموم ذكراً، اثنين فأكثر: فقال ﵀: (وَسُنَّ وُقُوفُ المَأْمُومِينَ) اثنين فأكثرَ (خَلْفَ الإِمَامِ)؛ لحديث أنس ﵁، وفيه: «فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ وَاليَتِيمُ مَعِي وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ» [البخاري ٨٦٠، ومسلم ٦٥٨]. - فرع: يستثنى من ذلك: إمام العراة، فيقف بينهم وجوباً؛ لأنه أستر من أن يتقدم عليهم، ما لم يكونوا عُمْيًا أو في ظلمة. - فرع: إن خالفوا في موقفهم من الإمام، فلا يخلو من أقسام: ١ - أن يقفوا عن يمين الإمام: صحَّت صلاتهم؛ لأنه موقف الواحد مع الإمام، فصح أن يكون موقفَ أكثرَ مِن واحد أيضاً. ٢ - أن يقفوا عن جانبي الإمام: صحت كذلك؛ لأن «ابن مسعود ﵁ صلى بين علقمة والأسود، فجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله» [مسلم ٥٣٤]. ٣ - أن يقفوا عن يسار الإمام مع خلو يمينه: فلا تصح إن صلى الإمام ركعة فأكثر؛ لإدارة النبي ﷺ جابراً [مسلم ٣٠١٠]، وابنَ عباس ﵃ [البخاري: ١١٧، ومسلم: ٧٦٣]، وهو من المفردات. وعنه وفاقاً للثلاثة: تصح، قال في الفروع: (وهو الأظهر)؛ كما لو كان عن يمينه، وكون النبي ﷺ أدار جابراً وابن عباس ﵃ لا يدل على عدم الصحة؛ لأنه مجرد فعل، بدليل ردِّه جابرًا وجَبَّارًا إلى ورائه [مسلم: ٣٠١٠]،

стр. 323

مع صحة صلاتهما عن جانبيه. الحالة الثانية: أن يكون المأموم ذكراً واحداً فقط، فقال ﵀: (وَ) المأمومُ (الوَاحِدُ) يقف (عَنْ يَمِينِهِ) أي: الإمام (وُجُوباً)، لإدارة النبي ﷺ ابن عباس وجابراً إلى يمينه لمَّا وقفا عن يساره. فإن وقف عن يساره، ففيه الخلاف السابق فيما إذا وقفوا عن يساره، خلافاً ومذهباً. الحالة الثالثة: أن يكون المأموم أنثى فأكثر، فقال ﵀: (وَالمَرْأَةُ) تقف (خَلْفَهُ) أي: خلف الإمام (نَدْباً)؛ لحديث أنس ﵁ السابق، وفيه: «وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا»، فلو وقفت عن يمينه صحت، وإن وقفت عن يساره مع خلو يمينه، ففيه الخلاف السابق. - مسألة: (وَمَنْ صَلَّى) مأمومًا (عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ)، لم تصح صلاته، وسبق. القسم الثاني: أن يكون الإمام أنثى، فلا تخلو من أحوال: الحالة الأولى: أن تكون أنثى مع أنثى واحدة: فحكمها كذَكَرٍ مع ذكر، وقد سبق. الحالة الثانية: أن تكون أنثى مع إناث، ، فحكمها: كذكر مع ذكور،

стр. 324

لكن تقف إمامة النساء وسطهن استحبابا، ورد عن عائشة وأم سلمة ﵄ [عبد الرزاق ٣/ ١٤٠ - ١٤١]. - مسألة: إذا وقف المأموم قُدَّام الإمام -ولو بقدر تكبيرة الإحرام- لم تصح صلاة المأموم؛ لقوله ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِه» [البخاري ٣٧٨، ومسلم ٤١١]، والمخالفة في الأفعال مبطِلة؛ لكونه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات خلفه؛ ولأنه لم يُنقل عنه ﷺ ولا هو في معنى المنقول. - فرع: الاعتبار بالتقدم والتأخر بمؤخر القدم، فلو تقدم عَقِبُ المأموم على عقب الإمام؛ لم تصح صلاة المأموم. وقال في الفروع: ويتوجه العرف. ص ٣٢٢ مطبوع ملف ١ بي دي اف. - فرع: يستثنى من ذلك: ١ - داخلَ الكعبة في نفل، بأن كان وجه الإمام إلى وجه المأموم، أو كان ظهر المأموم إلى ظهر الإمام؛ لأنه لا يعتقد خطأه، ولا تصح إن جعل المأمومُ ظهره إلى وجه الإمام؛ لتقدمه على إمامه. ٢ - إذا استدار الصف حول الكعبة، فلا بأس بتقدم المأموم إذا كان في غير جهة الإمام؛ لأنه لا يتحقق تقدمه عليه، قال المجد: (لا أعلم فيه خلافاً)، دون جهة الإمام، فلا تصح إن تقدم عليه فيها. ٣ - في شدة الخوف إذا أمكن المتابعة؛ لدعاء الحاجة إليه، فإن لم

стр. 325

تمكن المتابعةُ لم يصح الاقتداء. وفي وجه، واختاره شيخ الإسلام: أنه تصح الصلاة قُدام الإمام مع العذر، كما في شدة الزحام إذا لم يمكنه أن يصليَ الجمعة أو الجنازة إلا قُدام الإمام؛ لأن تَرْكَ التَقدُّمِ غايتُه أن يكون واجباً من واجبات الصلاة في الجماعة، والواجبات كلها تسقط بالعذر. - مسألة: (أَوْ) صلى مأمومٌ خلف الإمام، أو خلف الصف (فَذًّا) أي: منفرداً (رَكْعَةً) كاملة؛ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)، عامدًا أو ناسيًا، عالمًا أو جاهلاً، وهو من المفردات؛ لحديث وابِصَةَ بن مَعْبَدٍ ﵁ قال: «صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ» [أحمد ١٨٠٠٢، وأبو داود ٦٨٢، والترمذي ٢٣١، وابن ماجه ١٠٠٤]، ولأنه خالف الموقف، أشبه ما لو وقف قدام الإمام. ويستثنى من ذلك: ١ - أن يكون الفذ الذي خلف الإمام أو الصف امرأةً خلف رجل، فتصح صلاتها؛ لحديث أنس السابق، وفيه: «وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا»، فإن صلت المرأة منفردة في جماعة النساء لم تصح صلاتها؛ كالرجل. ٢ - أن تزول فَذِّيَّتُه، ولا يخلو من حالين: أ) أن يركع فذًّا لعذر- وهو خوف فوت الركعة- ثم يدخل الصف أو يقف معه آخر قبل سجود الإمام: صحت صلاته؛ لحديث

стр. 326

أبي بَكْرَةَ ﵁: أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «زَادَكَ الله حِرْصاً وَلا تَعُدْ» [البخاري ٧٨٣]. ب أن يركع فذًّا لغير عذر، بأن كان لا يخاف فوت الركعة: فإن دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل رفع الإمام رأسه من الركوع صحت صلاته، وإلا لم تصح؛ لأن الرخصة وردت في المعذور. وعنه، واختاره شيخ الإسلام وابن القيم: صحة صلاة المنفرد خلف الصف للعذر، كما لو لم يجد موقفاً في الصف؛ لحديث أنس ﵁، وفيه: «وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا»، ولأن غاية المصافَّة أن تكون واجبة، فتسقط للعذر. فصلٌ في أحكام الاقتداء - مسألة: اقتداء المأموم بالإمام لا يخلو من قسمين: القسم الأول: أن يكون المأموم داخل المسجد: وأشار إليه بقوله: (وَإِذَا جَمَعَهُمَا) أي: الإمامَ والمأمومَ (مَسْجِدٌ؛ صَحَّتِ القُدْوَةُ) أي: الاقتداء (مُطْلَقاً)، سواء رأى المأمومُ الإمامَ أو من وراءه أم لم يرهم، وسواء اتصلت الصفوف أم لا، حكاه النووي والمجد إجماعاً؛ لأن المسجد بُني للجماعة

стр. 327

فكل من حصل فيه حصل في محل الجماعة، (بِشَرْطِ): ١ - (العِلْمِ بِانْتِقَالَاتِ الإِمَام) بسماع التكبير، أو بمشاهدة الإمام أو من خلفه، لتمكنه من الاقتداء. ٢ - زوالِ الفَذِّيَّة؛ لما سبق. القسم الثاني: (وَإِنْ لَمْ يَجْمَعْهُما) أي: الإمامَ والمأمومَ مسجدٌ، بأن كانا خارجًا عنه، أو المأمومُ وحده خارجاً عنه، (شُرِطَ) لصحة الاقتداء: ١ - (رُؤْيَةُ الإِمَامِ، أَوْ) رؤية (مَنْ وَرَاءَهُ أَيْضاً)، ولو لم تتصل الصفوف، فإن لم ير أحدَهما لم يصح اقتداؤه به، ولو سمع التكبير؛ لما ورد عن الشافعي أنه قال: (قد صلى نسوة مع عائشة زوج النبي ﷺ في حجرتها فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام، فإنكن دونه في حجاب) [البيهقي معلقاً ٥٠٢٨]، ولأنه لا يمكن الاقتداء به في الغالب. وعنه: يصح إن سمع التكبير، ولو لم يره؛ لإمكان الاقتداء. وتكفي الرؤية (وَلَوْ فِي بَعْضِهَا)، أي: في بعض الصلاة أو من شباك ونحوه، إن أمكن الاقتداء؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ

стр. 328

النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ» [البخاري ٣٧٨، ومسلم ٤١١]، والظاهر أنهم كانوا يرونه حال قيامه. ٢ - عدم الفاصل من نهر تجري فيه السفن أو طريق؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال في الرجل يصلي بصلاة الإمام: «إِذَا كَانَ بَيْنَهُما نَهْرٌ أَوْ طَرِيقٌ أَوْ جِدَارٌ فَلا يَأْتَمُّ بِهِ» [عبد الرزاق ٤٨٨٠]، إلا إذا اتصلت الصفوف في هذا الطريق حيث صحت فيه، كالجمعة والعيد ونحوهما؛ للحاجة، أما الصلوات الخمس فلا تصح؛ لما تقدم من عدم صحة الصلاة في قارعة الطريق. وعنه واختاره ابن قدامة: تصح ولو وجد فاصل من نهر تجري فيه السفن أو طريق، وقيده شيخ الاسلام بالحاجة؛ لأنه لا يمنع الاقتداء. ويمكن أن يقال: يجوز اقتداء المأموم بالإمام إن كان خارج المسجد بشرطين: ١ - اتصال الصفوف، قال شيخ الإسلام: (فإن كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة)، فإن لم تتصل الصفوف لم تصح الصلاة، واختاره شيخ الإسلام. ٢ - إمكان الاقتداء بالإمام برؤية أو سماع، لحديث عائشة السابق. - مسألة: (وَكُرِهَ): ١ - (عُلُوُّ إِمَامٍ عَلَى مَأْمُومٍ ذِرَاعاً فَأَكْثَرَ)؛ لأن عمار بن ياسر ﵄ صلى

стр. 329

بالمدائن على دكان والناسُ أسفلَ منه، فتقدم حذيفة ﵁ فأخذ على يديه، فاتَّبَعَه عمار، حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة ﵄: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ»، قال عمار: «لذلك اتَّبَعْتُك حين أخذتَ على يدي» [أبو داود ٥٩٨]، ولا تبطل؛ لأن عماراً أتم صلاته؛ ولو كانت فاسدة، لاستأنفها. ولا بأس بعلو يسير، كدرجة منبر ونحوها مما دون ذراع؛ جمعاً بين ما تقدم وبين حديث سهل ﵁ أنه ﷺ صلَّى على المنبر، ثم نزل القهقرى فسجد وسجد معه الناس، ثم عاد حتى فرغ، ثم قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» [البخاري ٩١٧، ومسلم ٥٤٤]، والظاهر أنه كان على الدرجة السفلى؛ لئلا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول، فيكون الارتفاع يسيراً. ٢ - (وَ) تكره (صَلَاتُهُ) أي: الإمامِ (فِي مِحْرَابٍ يَمْنَعُ مُشَاهَدَتَهُ)؛ لأنه يستتر عن بعض المأمومين أشبه ما لو كان بينه وبينهم حجاب، وعليه يحمل قول ابن مسعود ﵁: " اتَّقُوا هَذِهِ الْمَحَارِيبَ " [ابن أبي شيبة ٤٧٣٥]، إلا من حاجة: كضيق المسجد وكثرة الجمع، فلا يكره لدعاء الحاجة إليه. وعنه: لا تكره، كسجوده فيه؛ لجريان عمل المسلمين عليه، ولما روي عن أم عمرو المرادية، أنها قالت: " رأيت البراء بن عازب يصلي في الطاق " [ابن أبي شيبة ٤٧٤٢].

стр. 330

٣ - (وَ) يكره (تَطَوُّعُهُ) أي: الإمام (مَوْضِعَ المَكْتُوبَةِ)؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي مُقَامِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ المَكْتُوبَةَ حَتَّى يَتَنَحَّى عَنْهُ» [ابن ماجه ١٤٢٨]، ولقول علي ﵁: " إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ لَمْ يَتَطَوَّعْ حَتَّى يَتَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، أَوْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِكَلامٍ "، وورد أيضاً عن ابن عمر، وعبدالله بن عمرو ﵃ [ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٩]، ولأن في تحوله من مكانه إعلاماً لمن أتى المسجد أنه قد صلى، فلا ينتظره ويطلب جماعة أخرى، فإن احتاج إلى ذلك كضيق المسجد لم يكره. وأما المأموم فلا بأس أن يتطوع مكانه؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: أنه كره إذا صلى الإمام أن يتطوع في مكانه، ولم ير به لغير الإمام بأساً [ابن أبي شيبة ٦٠٢٢، وفيه ضعف]، وتركه أولى؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ، أَوْ يَتَأَخَّرَ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ» يعني: في السبحة [أحمد ٩٤٩٦، وأبو داود ١١٠٦، وابن ماجه ١٤٢٧]. ٤ - (وَ) كرهت (إِطَالَتُهُ) أي: الإمام (الاسْتِقْبَالَ) للقبلة (بَعْدَ السَّلَامِ)؛ لقول عائشة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللهمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» [مسلم ٥٩٢]، ولأنه خلاف السنة، وفيه حبس للمأمومين؛ لنهيهم عن الانصراف حتى ينصرف الإمام.

стр. 331

ويستثنى من الكراهة: أ) إن كان هناك نساء، فإنه يلبث قليلاً لينصرفن؛ لما روت أم سلمة ﵂: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ» قال الزهري: (نُرَى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء، قبل أن يدركهن أحد من الرجال) [البخاري ٨٧٠]. ب) أن يكون ذلك لحاجة؛ لأن الحاجة ترفع الكراهة. ت) القعود اليسير؛ لظاهر حديث عائشة السابق. ٥ - (وَ) كره (وُقُوفُ مَأْمُومٍ) لا إمام (بَيْنَ سَوَارٍ تَقْطَعُ الصُّفُوفَ عُرْفاً)؛ لقول أنس ﵁: «كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ » [أحمد ١٢٣٣٩، وأبو داود ٦٧٣، والترمذي ٢٢٩، والنسائي ٨٢٠]، (إِلَّا لِحَاجَةٍ) كضيق مسجد، وكثرة جماعة، فلا يكره. وكذا تزول الكراهة للحاجة (فِي الكُلِّ) أي: في كل ما سبق ذِكْرُه من علوِّ إمام، وصلاتِه في محراب، وتطوعِه موضعَ مكتوبة، وإطالتِه الاستقبالَ بعد الإمام، والقاعدة: (أن الكراهة تزول عند الحاجة). ٦ - (وَ) كره (حُضُورُ مَسْجِدٍ، وَ) حضورُ (جَمَاعَةٍ) ولو بغير مسجد (لِمَنْ رَائِحَتُهُ كَرِيهَةٌ)، كآكل (مِنْ بَصَلٍ أَوْ غَيْرِه)، كثوم أو كراث، أو من له صُنانٌ

стр. 332

أو بَخَرٌ، حتى يذهب ريحه، ولو لم يكن بالمسجد أحد؛ لتأذي الملائكة؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» [مسلم ٥٩٢]. فصلٌ في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة - مسألة: (وَيُعْذَرُ) المصلي (بِتَرْكِ جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ) بأحد الأعذار الآتية: ١ - (مَرِيضٌ)، أو خائفٌ حدوثَ مرض، أو زيادتَه أو تأخُّرَ بُرْءٍ؛ لأنه ﷺ : لما مرض تخلف عن المسجد وقال: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» [البخاري ٦٦٤، ومسلم ٤١٨]. ٢ - (وَمُدَافِعُ أَحَدِ الأَخْبَثَيْنِ)، البول والغائط؛ لحديث عائشة ﵂: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» [مسلم ٥٦٠]، ولأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها. ٣ - (وَمَنْ) كان (بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ)، وكان الطعام حاضراً، وكان قادراً على تناوله حسًّا وشرعاً، على ما سبق؛ لحديث عائشة السابق.

стр. 333

٤ - (وَخَائِفٌ ضَيَاعَ مَالِهِ)، كدوابَّ لا حافظَ لها غيره، أو خائفٌ من تلفه، كخبز في تنور، أو في معيشة يحتاجها؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» [ابن ماجه ٧٩٣]، ولأن المشقة اللاحقة بذلك أعظم من بل الثياب بالمطر بالاتفاق. ٥ - (أَوْ) خائفٌ (مَوْتَ قَرِيبِهِ)، أو رفيقه، أو كان يتولى تمريضهما، إن لم يكن عنده من يقوم مقامه؛ لأن ابن عمر دعي إلى سعيد بن زيد ﵁ وهو يموت، وابن عمر يستجمر قائماً للجمعة، فذهب إليه وترك الجمعة [عبد الرزاق ٥٤٩٤]، قال في الشرح: (لا نعلم في ذلك خلافًا). ٦ - (أَوْ) خائف على نفسه (ضَرَراً مِنْ) سَبُعٍ، و (سُلْطَانٍ) ظالم؛ لحديث ابن عباس السابق. ٧ - (أَوْ) خائف من (مَطَرٍ وَنَحْوِهِ)، كوَحَلٍ أو ثلج أو جليد أو ريح شديدة؛ لقول ابن عمر ﵄: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلةٌ باردةٌ، أو ذات مطر في السفر، أن يقول: «أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» [البخاري ٦٣٢، ومسلم ٦٩٧]، وعن ابن عباس ﵄، أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: «إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ»، قال: فكأن الناس استنكروا ذاك، فقال: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا، قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمُعَةَ

стр. 334

عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ» [البخاري ٩٠١، ومسلم ٦٩٩]. ٨ - (أَوْ) خائف من (مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ، وَلَا وَفَاءَ لَهُ)؛ لأن حبس المعسر ظلم، فإن كان حالًّا، وقَدَر على وفائه لم يعذر؛ لأنه ظالم. ٩ - (أَوْ) خائف من (فَوْتِ رُفْقَتِهِ) بسفر مباح، أنشأه أو استدامه؛ لأن عليه في ذلك ضرراً. (وَنَحْوِهِمْ) أي: ونحو ذلك من الأعذار، كمن له ضائع يرجو وجوده، وخاف إن لم يمض إليه سريعًا انتقل إلى غيره، أو غلبه نعاس يخاف به فوت الصلاة في الوقت إذا انتظر الجماعة، وغيرها من الأعذار، والأصل في ذلك: حديث ابن عباس السابق. (فَصْلٌ) في صلاة أهل الأعذار أولاً: المريض. - مسألة: مراتب صلاة المريض ستة: المرتبة الأولى: يجب أن (يُصَلِّيَ المَرِيضُ) الصلاة المكتوبة (قَائِماً)

стр. 335

إجماعاً؛ لحديث عمران بن حصين ﵁ مرفوعاً: «صَلِّ قَائِماً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» [البخاري ١١١٧]، ولو كان كراكع، أو معتمداً أو مستنداً على حائط ونحوه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [البخاري ٧٢٨٨، ومسلم ١٣٣٧]. المرتبة الثانية: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ) القيام، بأن كان عاجزاً عنه، أو شق عليه القيام لضرر يلحق به، أو زيادة مرض أو تأخر برء، (فَقَاعِداً)؛ لحديث عمران السابق، ويكون متربعاً حال القعود استحباباً؛ لقول عائشة ﵂: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعاً» [النسائي ١٦٦١، والدارقطني ١٤٨١]، ويَثْني رجليه في ركوع وسجود، وكيف قعد جاز. وقال ابن عثيمين: يجوز أن يصلي قاعداً إذا شق عليه مشقة يزول معها الخشوع؛ لقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، ولأن الخشوع لب الصلاة، تُترك له الجمعة والجماعة، فترك القيام كذلك. المرتبة الثالثة: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ) القعود أو شق عليه، كما تقدم في القيام، (فَـ) ـإنه يصلي (عَلَى جَنْبٍ)؛ لحديث عمران السابق. - فرع: (وَ) صلاته على الجنب (الأَيْمَنِ أَفْضَلُ) من الصلاة على الجنب الأيسر؛ لعموم حديث عائشة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ،

стр. 336

وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» [البخاري: ١٦٨، ومسلم ٢٦٨]، ولحديث علي ﵁ مرفوعاً: «يُصَلِّي المَرِيضُ قَائِماً إِنِ اسْتَطَاعَ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى قَاعِداً, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ أَوْمَأَ، وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِه, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِداً صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ صَلَّى مُسْتَلْقِياً وَرِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ»» [الدارقطني ١٧٠٦، قال الذهبي: حديث منكر]، فإن صلى على الأيسر صح؛ لظاهر حديث عمران السابق، ولأن المقصود استقبال القبلة، وهو حاصل بذلك. - مسألة: (وَكُرِهَ) صلاة المريض (مُسْتَلْقِياً) على ظهره ورجلاه إلى القبلة (مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى) الصلاة على (جَنْبٍ)؛ للاختلاف في صحة صلاته إذن، وتصح؛ لأنه نوع استقبال، ولهذا يوجه الميت كذلك عند الموت. وعنه، واختاره ابن قدامة وابن عثيمين: لا يصح؛ لأنها هيئة نص عليها الشارع، كما في حديث عمران السابق: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». المرتبة الرابعة: وأشار إليها بقوله: (وَإِلَّا) بأن لم يستطع الصلاة على جنب، (تَعَيَّنَ) أن يصلي مستلقياً على ظهره ورجلاه إلى القبلة، لما سبق. - مسألة: (وَيُومِئُ) العاجز عن الركوع والسجود (بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ) ما

стр. 337

أمكنه؛ لحديث أبي هريرة السابق: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، (وَيَجْعَلُهُ) أي: الإيماءَ بالسجود (أَخْفَضَ) من ركوعه، وجوباً؛ لحديث علي السابق، وليتميز أحدهما عن الآخر. - فرع: قال ابن عثيمين: (إذا صلى على جنبه: فإنه يومئ برأسه إلى صدره بالركوع والسجود، ولا يكون إيماؤه إلى الأرض؛ لأن الإيماء إلى الأرض فيه نوع التفات عن القبلة، بخلاف الإيماء إلى الصدر، فإن الاتجاه باق إلى القبلة). المرتبة الخامسة: (فَإِنْ عَجَزَ) عن الإيماء برأسه (أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ) أي: بعينه، (وَنَوَى بِقَلْبِهِ؛ كَأَسِيرٍ خَائِفٍ) أن يعلموا بصلاته؛ لما روى زكريا الساجي عن علي ﵁ مرفوعاً: «فَإنْ لَم يَسْتَطع أَوْمَأَ بطَرفِه» [لم نقف عليه مسنداً]. واختار شيخ الإسلام: لا يلزمه الإيماء بطرفه؛ لعدم ثبوته. المرتبة السادسة: (فَإِنْ عَجَزَ) عن الإيماء بطرفه، (فَـ) ـإنه يصلي (بِقَلْبِهِ مُسْتَحْضِرَ القَوْلِ) إن عَجَزَ عنه بلفظه، (وَ) مستحضرَ (الفِعْلِ) بقلبه؛ لأن الصلاة عبارة عن أقوال وأفعال ونية، فإن عَجَزَ عن بعضها لم يسقط بعضها الآخر، قال تعالى: (فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وفي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، (وَلَا يَسْقُطُ فِعْلُهَا) أي: الصلاة عن المكلف (مَا دَامَ العَقْلُ ثَابِتاً)؛ لقدرته على أن ينوي

стр. 338

بقلبه، ولعموم أدلة وجوب الصلاة. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن من عَجَزَ عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصلاة؛ لظاهر حديث عمران السابق؛ فإن النبي ﷺ لم يرشده إلى مرتبة بعدها. - مسألة: (فَإِنْ طَرَأَ عَجْزٌ) لقادر، (أَوْ قُدْرَةٌ) لعاجز (فِي أَثْنَائِهَا) أي: الصلاة، (انْتَقَلَ) إلى المرتبة التي يستطيعها؛ لتعينها عليه، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فينتقل إلى القيام من قَدَرَ عليه، وإلى الجلوس من عَجَزَ عن القيام، (وَبَنَى) الصلاة ولم يستأنف؛ لأن الأول وقع صحيحًا للعذر، وما ترتب على المأذون غير مضمون. (فَصْلٌ) في قصر الصلاة - مسألة: قصر الصلاة الرباعية في السفر جائز إجماعاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ ... خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، قال يعلى بن أمية: قلت لعمر بن الخطاب: فقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك،

стр. 339

فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» [مسلم: ٦٨٦]. - مسألة: (وَيُسَنُّ قَصْرُ) الصلاة (الرُّبَاعِيَّةِ) وهي الظهر والعصر والعشاء، بخلاف المغرب والصبح فلا يقصران إجماعًا، (فِي سَفَرٍ)؛ لأنه ﷺ داوم عليه، قال ابن عمر ﵄: «صَحِبْتُ رَسُولَ الله ﷺ فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، وَصَحِبْتُ عُمَرَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ الله» [مسلم: ٦٨٩]. - فرع: لو أتم المسافر صلاته جاز ولم يكره؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عليكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، ونفي الجناح يدل على الرخصة، ولحديث يعلى قال: قالت عائشة ﵂ «كَانَ ﷺ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ» [الدارقطني وصححه: ٢٢٩٨]، وصح عن عائشة ﵂: «أَنَّها كَانَتْ تُصَلِّي فِي السَّفَرِ الْمَكْتُوبَةَ أَرْبَعاً» [البيهقي: ٥٤٢٦]. واختار شيخ الإسلام: أنه يكره الإتمام في السفر؛ لأن القصر هدي النبي ﷺ في جميع أسفاره، وللأمر في حديث يعلى بن أمية السابق: «فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»، وأما حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يتم في السفر، فقد نقل ابن القيم عن شيخ الإسلام قوله: (هو كذب على رسول الله ﷺ ، وما ورد عن عائشة فيدل على الجواز ولا يدل على عدم كراهية الإتمام. - فرع: يشترط للقصر في السفر أربعة شروط:

стр. 340

الشرط الأول: أن يكون السفر (طَوِيلـ) ـاً: وهو ما بلغ أربعة برد تقريباً لا تحديداً؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ» [الدارقطني: ١٤٤٧، والبيهقي: ٥٤٠٤ قال في التلخيص: والصحيح عن ابن عباس من قوله]، وقد روي نحوه موقوفًا على ابن عباس وابن عمر ﵃ [البخاري معلقاً ٢/ ٤٣، ووصله البيهقي ٥٣٩٧]. واختار شيخ الإسلام: يترخص في طويل السفر وقصيره، ولا يحدد بمسافة بل بالعرف، فما عَدَّه العرف سفراً جاز القصر فيه؛ لأن السفر جاء في النصوص مطلقاً دون تحديد بمسافة، والقاعدة: (ما ورد مطلقاً ولم يحدده الشرع ولا اللغة، فإن المرجع في تحديده هو العرف)، وأما حديث ابن عباسٍ المرفوعُ فضعيف، وأما الآثار المذكورة فقد قال ابن قدامة: (أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف). - فرع: البريد الواحد يساوي أربعة فراسخ، والفرسخ يساوي ثلاثة أميال، فتكون المسافة بالأميال ٤٨ ميلاً، والميل يساوي ١.٦٠ كيلاً، وعليه فـ (٤٨) ميلاً تساوي (٧٦.٨) كيلومتر. الشرط الثاني: أن يكون السفر (مُبَاحـ) ـاً، فيدخل فيه السفر الواجب والمندوب والمباح ولو نزهة أو تجارة، فإن كان السفر محرماً، أو مكروهاً، لم يجز له القصر؛ ، لقول تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)، قال مجاهد: (لا قاطعاً للسبيل، ولا مفارقاً للأئمة، ولا

стр. 341

خارجاً في معصية الله، فله الرخصة، ومن خرج باغياً، أو عادياً في معصية الله، فلا رخصة له وإن اضطر إليه) [تفسير ابن جرير ٣/ ٥٩]، فإذا ثبت أن الميتة لا تحل لهم فسائر الرخص من باب أولى، ولأن الرخص لا تناط بالمعاصي. (١) واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز الترخص في السفر المحرم والمكروه؛ لأن الكتاب والسنة أطلقا السفر، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه خص سفراً من سفر، مع علمه أن السفر يكون حراماً وحلالاً، وأما الآية فالصحيح - وهو قول الأكثر - أن معناها: غير باغ للميتة ولا عاد في أكله [تفسير ابن جرير ٣/ ٦١]. الشرط الثالث: أن يفارق عامِرَ قريته وما ينسب إليها عرفاً؛ كسكان قصور وبساتين ولو كان أهلها يسكنونها فصل النزهة فقط، فلا يقصر وهو داخل البلد حتى يفارق جميع ذلك؛ لحديث أنس ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ» [البخاري: ١١١١، ومسلم: ٧٠٤]، ولأن الله تعالى إنما أباح القصر لمن ضرب في الأرض، قال تعالى: (وإذا

стр. 342

ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة)، وقبل مفارقته ما ذُكِرَ لا يكون ضارباً فيها ولا مسافراً. الشرط الرابع: أن يكون قاصداً لمحلٍّ مُعيَّنٍ في ابتداء السفر، فلا قصر ولا فطر لتائه ضال الطريق، ولا لسائح لا يقصد مكانًا معينًا؛ لأن السفر إذن ليس بمباح، والسياحة لغير موضع معين مكروهة، قال شيخ الإسلام: (السياحة في البلاد لغير قصد شرعي، كما يفعله بعض النساك أمر منهي عنه). - مسألة: يستثنى من جواز القصر بعد وجود الشروط السابقة صورٌ، منها: ١ - (وَيَقْضِي صَلَاةَ سَفَرٍ) إذا ذكرها (فِي حَضَرٍ)، تامَّةً بلا قصر؛ لأن القصر من رخص السفر، فبَطَلَ بزواله. وقيل، واختاره ابن عثيمين: يصليها قصراً؛ لحديث أنس ﵁ مرفوعاً: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» [مسلم: ٦٨٤]، وهذا ذَكَرَ صلاةً مقصورة، فتلزمه مقصورة، لأن القضاء معتبر بالأداء، وقد وجب عليه أداؤها قصراً. ٢ - إذا ذكر صلاة حضر في سفر: وأشار إليه بقوله: (وَعَكْسِهِ) أي: عكس الصورة السابقة، فإنه يقضيها (تَامَّةً)؛ لأن القضاء معتبر بالأداء، فيصليها تامة.

стр. 343

٣ - (وَمَنْ نَوَى إِقَامَةً مُطْلَقَةً بِمَوْضِعٍ) معين، دون تحديد مدة: فإنه يتم؛ للدليل الآتي. ٤ - (أَوْ) نوى إقامةً (أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) وهي عشرون صلاة، بموقع معين: فإنه يتم؛ لحديث ابن عباس ﵄: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ» [البخاري: ١٥٦٤، ومسلم: ١٢٤٠]، فأقام النبي ﷺ بها الرابع من ذي الحجة، والخامسَ والسادس والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثم خرج إلى مِنًى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها. واختار شيخ الإسلام: جواز القصر في كل ما يُسمى سفراً، سواء قل أم كثر، ما لم ينو الإقامة المطلقة أو الاستيطان بالبلد؛ لأن الأدلة الدالة على جواز القصر مطلقة، فتقييدها بزمن معين يحتاج إلى دليل، وللقاعدة السابقة: (ما ورد مطلقاً ولم يحدده الشرع ولا اللغة، فإن المرجع في تحديده هو العرف)، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قصر في السفر في مدة أكثرَ مما ذُكر، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ»، قُلْتُ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: «عَشْراً» [البخاري: ١٠٨١، ومسلم: ٦٩٣]، وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «أَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْماً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» [أحمد: ١٤١٣٩، وأبو داود: ١٢٣٥]، وثبت عن ابن عمر ﵄ أنه أقام بأذربيجان ستة شهور يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول [البيهقي: ٥٤٧٦، وصححه ابن حجر]، وأقام

стр. 344

أنس ﵁ بالشام شهرين يقصر الصلاة [البيهقي: ٥٤٧٩]، وسئل ابن عباس ﵄: إنا نطيل القيام - أي: المكث والإقامة - بالغزو بخراسان، فكيف ترى؟ فقال: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ أَقَمْتَ عَشْرَ سِنِينَ» [ابن أبي شيبة: ٨٢٠٢]. ٥ - (أَوْ ائْتَمَّ) مسافر (بِمُقِيمٍ: أَتَمَّ)؛ لما روى موسى بن سلمة، قال: كنا مع ابن عباس ﵄ بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعاً، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: «تِلْكَ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ » [أحمد: ١٨٦٢]، ولحديث أنس ﵁ مرفوعاً: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ»، وقد ثبت من فعل ابن عمر ﵄ [مسلم: ٦٩٤]. وقيل: إذا ائتم مسافر بمقيم لم يخل من حالتين: أ) أن يصلي رباعية خلف من يصلي ثنائية، كمسافر يصلي الظهر خلف من يصلي الفجر: فإنه يقصر؛ لعدم مخالفة الإمام. ب) أن يصلي رباعية خلف من يصلي ثلاثية أو رباعية، كمسافر يصلي الظهر خلف من يصلي المغرب أو العشاء: لا يلزمه الإتمام إلا إذا أدرك معه ركعةً فأكثر، وهذه رواية عن أحمد؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» [البخاري: ٥٨٠، ومسلم: ٦٠٧]. - مسألة: (وَإِنْ حُبِسَ) المسافر في مكان (ظُلْماً) أو بسبب مرض أو

стр. 345

مطر، ولم ينو الإقامة، قَصَر أبداً؛ لما تقدم من الآثار عن ابن عمر وأنس ﵃. مسألة: (أَوْ) أقام المسافر بمكان لقضاء حاجة و (لَمْ يَنْوِ إِقَامَةً)، ولا يدري متى تنقضي، أقَبْلَ مدة القصر أم بعدها، (قَصَرَ أَبَداً) إجماعاً؛ لحديث جابر بن عبد الله المتقدم: «أَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» فيحمل الحديث على هذه الحالة. وإن ظن أن الحاجة لا تنقضي إلا بعد مضي مدة القصر فلا يجوز له القصر؛ جمعًا بين الأدلة. واختار ابن قدامة: أنَّ له القصرَ. فصل في الجمع - مسألة: (وَيُبَاحُ) الجمع بين صلاتي الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في ست حالات: ١ - المسافر الذي يجوز له القصر: فيباح (لَهُ الجَمْعُ: بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ) أي: الظهر والعصر بوقت إحداهما (والعِشَاءَيْنِ) أي: المغرب والعشاء (بِوَقْتِ إِحْدَاهُمَا)، سواء كان نازلاً أم جادًّا به السير؛ لما روى معاذ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ

стр. 346

صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَنْ يَجْمَعَهَا إِلَى العَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعاً، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ عَجَّلَ العَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ وَصَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعاً ثُمَّ سَارَ، وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ المَغْرِبِ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ العِشَاءِ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ العِشَاءَ فَصَلاَّهَا مَعَ المَغْرِبِ» [أبو داود: ١٢٢٠، والترمذي: ٥٥٣]، ولحديث أبي جحيفة ﵁: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ بِالهَاجِرَةِ إِلَى البَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ» [البخاري: ٣٥٥٣، ومسلم: ٥٠٣]. وقال شيخ الإسلام: الجمع بين الصلاتين في السفر يختص بمحل الحاجة، لا أنه من رخص السفر المطلقة كالقصر. ٢ - (وَلِمَرِيضٍ وَنَحْوِهِ) كمستحاضة ومن به سلس بول، إذا كان (يَلْحَقُهُ بِتَرْكِهِ) أي: بترك الجمع (مَشَقَّةٌ)؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «جَمَعَ رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا مَطَرٍ»، وفي رواية: «فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا سَفَرٍ» [مسلم: ٧٠٥]، ولا عذر بعد ذلك إلا المرض، وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة كما في حديث حَمْنَةَ ﵂ مرفوعاً: «فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعاً، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ المَغْرِبَ، وَتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ، وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، فَافْعَلِي» [أحمد: ٢٧٤٧٤، وأبو داود: ٢٨٧، والترمذي: ١٢٨]، وهي نوع مرض.

стр. 347

٣ - المرضع؛ لمشقة تطهير النجاسة لكل صلاة. ٤ - العاجز عن طهارة أو تيمم لكل صلاة؛ لأن الجمع أبيح للمسافر والمريض للمشقة، وهذا في معناهما. ٥ - العاجز عن معرفة وقت، كأعمى ونحوه؛ للمشقة. ٦ - من له شغل أو عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة كمن خاف على نفسه أو حرمته أو ماله لو ترك الجمع، أو تضرر في معيشة يحتاجها. واختار شيخ الإسلام: جواز الجمع للطباخ والخباز ونحوهما، ممن يخشى فساد ماله ومال غيره بترك الجمع. - مسألة: (وَ) يباح الجمع (بَيْنَ العِشَاءَيْنِ فَقَطْ) في ست حالات؛ وإنما اختصت هذه الحالات بالعشاءين؛ لأنه لم يَرِدِ الجمع إلا فيهما، ومشقتهما أكثر من حيث إنهما يفعلان في الظلمة: ١ - (لِمَطَرٍ)؛ لحديث ابن عباس السابق وفيه: «فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا مَطَرٍ»، فإنه يشعر أن الجمع للمطر كان معروفاً في عهده ﷺ ، ولما روى نافع: «أن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر، جمع معهم» [مالك: ٤٨١]. ٢ - الثلج؛ لأنه في حكم المطر. ٣ - البَرَد؛ لأنه في حكم المطر أيضًا.

стр. 348

٤ - (وَنَحْوِهِ) وهو الجليد؛ لأنها في حكم المطر أيضَا. - فرع: يباح الجمع في المطر بشرطين: الأول: إذا كان (يَبُلُّ الثَّوْبَ)، بحيث لو عصر الثوب تقاطر الماء، فلا يباح لأجل مطر خفيف لا يبل الثياب؛ لعدم المشقة. (وَ) الثاني: أن (تُوجَدَ مَعَهُ) أي: مع المطر ونحوه (مَشَقَّةٌ)؛ لأن علة الجمع في المطر وجود المشقة، لحديث ابن عباس السابق، وفيه: قال ابن عباس ﵄: «أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ»، فإذا لم تكن ثَم مشقة في المطر لم يجز الجمع. وفي وجه اختاره شيخ الإسلام: أنه يجوز الجمع بين الظهرين أيضاً في المطر؛ لوجود المشقة كذلك، ولأنه معنًى أباح الجمع بين العشاءين، فأباحه بين الظهرين كالسفر. ٥ - (وَلِوَحَلٍ) وهو الطين الرقيق؛ لأن الوَحَلَ أعظم مشقة من البلل، لأنه يلوث الثياب ويُعرِّض الإنسان للزَّلَق؛ فيكون أولى. ٦ - (وَ) لـ (رِيحٍ) بشرطين: أ) أن تكون الريح (شَدِيدَةً)، فإن كانت باردة غير شديدة فلا يباح الجمع؛ لإمكان التوقي من المشقة باللباس.

стр. 349

ب) أن تكون الريح (بَارِدَةً)، ولو لم تكن الليلة مظلمة، فلو كانت ريحٌ ليست باردةً لم يجز الجمع؛ لعدم المشقة؛ ذكر أحمد: أن ابن عمر ﵄ كان يجمع في الليلة الباردة، ولأن ذلك عذر في ترك الجمعة والجماعة، ويدل لذلك حديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ، إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ، أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ، أَنْ يَقُولَ: «أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» [البخاري: ٦٣٢، ومسلم: ٦٩٧]، و (لَا) يجمع في ريح (بَارِدَةٍ فَقَطْ) دون أن تكون شديدة (إِلَّا بِلَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ) فيجوز الجمع إذن؛ للمشقة. وفي قول اختاره ابن عثيمين: أنه يجوز بين الظهرين أيضاً في كل ما سبق عند وجود المشقة بترك الجمع، كما يفيده حديث ابن عباس ﵄. - فرع: لا يجوز الجمع لعذر من الأعذار سوى ما تقدم. وقيل، واختاره شيخ الإسلام: إن الجمع ليس معدوداً، وإنما ضابطه وجود المشقة، فمتى وجدت المشقة الظاهرة في ترك الجمع جاز الجمع حينئذ؛ لظاهر حديث ابن عباس السابق. واختار شيخ الإسلام: جواز الجمع لتحصيل الجماعة، وللصلاة في حمام مع جوازها فيه خوف فوت الوقت، ولخوف يُحرَج في ترك الجمع. - مسألة: (وَالأَفْضَلُ) لمن له الجمع ممن سبق (فِعْلُ الأَرْفَقِ) به (مِنْ) جمع (تَقْدِيمٍ)، بأن يقدم الثانية فيصليَها مع الأولى، (أَوْ) جمع (تَأْخِيرٍ)، بأن

стр. 350

يؤخر الأولى فيصليَها مع الثانية، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لحديث معاذ السابق، فإذا استويا فالتأخير أفضل؛ لأنه أحوط، وفيه خروج من الخلاف، وعملٌ بالأحاديث كلها. - فرع: يستثنى من ذلك: ١ - الجمع يوم عرفة، فإن الأفضل فيه التقديم ولو كان التأخير أرفق به؛ اتباعاً لفعله ﷺ ، ولاشتغاله وقت العصر بالدعاء. ٢ - الجمع في مزدلفة، فإن الأفضل أن يؤخر المغرب ليجمعها مع العشاء عند وصوله إليها؛ لاشتغاله بالسير إليها، إلا إذا وصل مزدلفة في وقت المغرب فإنه يجمع جمع تقديم، وتقدم. - مسألة: (وَكُرِهَ فِعْلُهُ) أي: الجمع (فِي بَيْتِهِ وَنَحْوِهِ) كقَيِّمِ المسجد، والمعتكف، وكمن طريقه إلى المسجد تحت ساباط - هي سقيفة بين دارين تحتهما طريق-، مع جواز الجمع؛ لأن الرخصة العامة يستوي فيها حال وجود المشقة وعدمها كالسفر، (بِلَا ضَرُورَةٍ) كالمريض والمرضع ونحوهم ممن له الجمع للعذر، ولم يلاحظ في الجمع تحصيل الجماعة، فإن وُجدت الضرورة والحاجة لم يكره. واختار المجد وابن عثيمين: إذا كان لا يلحقه بترك الجمع حرج ومشقة فلا يجوز له الجمع إلا إذا خشي فوت الجماعة؛ لأن الجمع حال المطر لم يشرع إلا لتحصيل الجماعة.

стр. 351

- مسألة: يشترط للجمع تقديمًا كان أو تأخيرًا ترتيبٌ مطلقًا، أي: سواء ذكره، أو نسيه، بخلاف قضاء الفوائت، فإنه يسقط بالنسيان (١). وفي الإقناع: يسقط الترتيب بالنسيان؛ لأن إحداهما هنا تبع، لاستقرارهما، فكانت كالفوائت. - مسألة: يشترط لجواز جمع التقديم أربعة شروط: الأول: نية الجمع عند إحرام الأولى؛ لأنه عمل، فيدخل في عموم حديث عمر ﵁: «إِنَّما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». واختار شيخ الإسلام: أنه لا تشترط نية الجمع عند إحرام الأولى؛ لعدم الدليل على اشتراطه، وأما الحديث فهو دليل على اشتراط نية الصلاة عند الإحرام، لا نية الجمع. (وَ) الثاني: الموالاة، فـ (يَبْطُلُ جَمْعُ تَقْدِيمٍ) بتخلف الموالاة؛ لأن معنى

стр. 352

الجمع المتابعةُ والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل، بخلاف اليسير فإنه معفو عنه، ومن ذلك التفريق: ١ - تخلف الموالاة (بِرَاتِبَةٍ) أو غيرها يصليها (بَيْنَهُمَا) أي: بين المجموعتين؛ لأنه فرَّق بينهما بصلاة، فتبطل؛ كما لو قضى فائتة. وعنه: لا تبطل بالصلاة بينهما؛ لأنه فصل يسير. ٢ - (وَ) تخلف الموالاة بالـ (تَفْرِيقِ) بين المجموعتين (بِأَكْثَرَ مِنْ) مقدار (وُضُوءٍ خَفِيفٍ وَإِقَامَةِ) صلاة؛ لأن معنى الجمع المتابعةُ والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل، بخلاف اليسير فإنه معفو عنه. واختار ابن قدامة: أن التفريق المبطل راجع إلى العرف دون تحديد بزمن. واختار شيخ الإسلام: عدم اشتراط الموالاة بينهما ولو صلى بينهما راتبة أو غيرها؛ لأنه لو اعتبرت الموالاة لورد تحديدها في الشرع، ولأن الجمع يُقصد منه التسهيل والتخفيف، واشتراط الموالاة يخالف ذلك ويسقط مفهوم الرخصة. الثالث: أن يكون العذر المبيح موجوداً عند افتتاح الصلاتين وسلام الأولى؛ لأن افتتاح الأولى موضع النية، وفراغَها وافتتاحَ الثانية موضع الجمع.

стр. 353

وقيل: يشترط فقط كون العذر موجوداً وقت افتتاح الثانية؛ لأنه موضع الجمع، فلابد أن يكون العذر موجوداً، ولا يشترط وجوده عند افتتاح الأولى بناء على القول بعدم اشتراط نية الجمع، وتقدم. الرابع: استمرار العذر إلى فراغ الثانية، فهذا شرط في نحو سفر ومرض، لا في جمع مطر ونحوه كبَرَد، فإنه لا يشترط استمرار العذر إلى فراغ الثانية من المجموعتين. والفرق: أنه لا يتحقق انقطاع المطر؛ لاحتمال عوده في أثناء الصلاة، وقد يخلفه عذر مبيح كالوحل، بخلاف المريض والمسافر. وقيل: لا يبطل الجمع بذلك في السفر والمرض كانقطاع المطر. فلو أحرَم بالأُولى منهما ناويًا الجمع لمطرٍ، ثمَّ انقطع المطر ولم يعد، فلا يخلو: أإن حصل وَحَلٌ: لم يبطل الجمع؛ لأن الوحل ينشأ عن المطر وهو من الأعذار المبيحة أشبه ما لو لم ينقطع المطر. ب إن لم يحصل وحل: بطَل الجمع؛ لزوال مبيحه، فيؤخر الصلاة الثانية حتى يدخل وقتها. وإن انقطع العذر من مطر ونحوه في أثناء الصلاة الثانية؛ صح الجمع. وإن انقطع سفر فلا يخلو من ثلاث حالات:

стр. 354

١ - أن ينقطع السفر بأولى الصلاتين المجموعتين، بأن نوى الإقامة، أو أرست به السفينة على وطنه: بطل الجمع والقصر؛ لانقطاع السفر، فيتمّ الأولى، وتصح فرضًا؛ لأنها في وقتها ويؤخر الثانية حتى يدخل وقتها. ٢ - أن ينقطع السفر بصلاة ثانية؛ كمن أحرم بها ثم زال العذر؛ بطل الجمع والقصر؛ لزوال العذر المبيح للجمع، ويُتمّ الثانية نفلًا؛ كمن أحرم بها ظانًّا دخول وقتها فبان عدمه، والأولى وقعت في موقعها. ٣ - أن ينقطع السفر بعدهما: فلا إعادة؛ لوقوع العبادة على وجه صحيح. - مسألة: يشترط لجواز جمع التأخير شرطان: الأول: نية الجمع في وقت الأولى؛ لأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاءً، لا جمعاً. الثاني: استمرار العذر المبيح إلى دخول وقت الثانية، فإن زال العذر قبله لم يجز الجمع؛ لزوال مُقْتضِيهِ، كالمريض يبرأ، والمسافرِ يَقْدَمُ، والمطرِ ينقطع. ولا تشترط الموالاة في جمع التأخير؛ لفعله ﷺ في مزدلفة، حيث صلى المغرب، ثم أناخ كل واحد بعيره، ثم أقيمت العشاء [البخاري: ١٣٩، ومسلم: ١٢٨٠].

стр. 355

فصل في صلاة الخوف - مسألة: (وَتَجُوزُ صَلَاةُ الخَوْفِ) عند وجود سببها اتفاقاً، لقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ الآية [النساء: ١٠٢]، وما ثبت في حقِّه ثبت في حق أمته، ما لم يقم دليل على اختصاصه. - فرع: يشترط لصلاة الخوف كون العدو مباح القتال؛ كقتال الكفار والبغاة والمحاربين؛ لقوله تعالى: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]، وقيس عليهم باقي من يجوز قتاله، بخلاف القتال المحرم؛ لأنها رخصة فلا تباح بمعصية. - مسألة: تجوز صلاة الخوف (بِأَيِّ صِفَةٍ صَحَّتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اتفاقاً، (وَصَحَّتْ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ) وقيل: سبعة، كلها جائزة، والصفة المختارة عند الإمام أحمد ما ورد في حديث سهل بن أبي حَثْمَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ: فطَائِفَةٌ صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» [البخاري: ٤١٢٩، ومسلم: ٨٤٢]، واختاره أحمد؛ لأنها أشبه بكتاب الله، وأحوط
следующие страницы →