- مسألة: يشترط للجمع تقديمًا كان أو تأخيرًا ترتيبٌ مطلقًا، أي: سواء ذكره، أو نسيه، بخلاف قضاء الفوائت، فإنه يسقط بالنسيان (١).
وفي الإقناع: يسقط الترتيب بالنسيان؛ لأن إحداهما هنا تبع، لاستقرارهما، فكانت كالفوائت.
- مسألة: يشترط لجواز جمع التقديم أربعة شروط:
الأول: نية الجمع عند إحرام الأولى؛ لأنه عمل، فيدخل في عموم حديث عمر ﵁: «إِنَّما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
واختار شيخ الإسلام: أنه لا تشترط نية الجمع عند إحرام الأولى؛ لعدم الدليل على اشتراطه، وأما الحديث فهو دليل على اشتراط نية الصلاة عند الإحرام، لا نية الجمع.
(وَ) الثاني: الموالاة، فـ (يَبْطُلُ جَمْعُ تَقْدِيمٍ) بتخلف الموالاة؛ لأن معنى
стр. 352
الجمع المتابعةُ والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل، بخلاف اليسير فإنه معفو عنه، ومن ذلك التفريق:
١ - تخلف الموالاة (بِرَاتِبَةٍ) أو غيرها يصليها (بَيْنَهُمَا) أي: بين المجموعتين؛ لأنه فرَّق بينهما بصلاة، فتبطل؛ كما لو قضى فائتة.
وعنه: لا تبطل بالصلاة بينهما؛ لأنه فصل يسير.
٢ - (وَ) تخلف الموالاة بالـ (تَفْرِيقِ) بين المجموعتين (بِأَكْثَرَ مِنْ) مقدار (وُضُوءٍ خَفِيفٍ وَإِقَامَةِ) صلاة؛ لأن معنى الجمع المتابعةُ والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل، بخلاف اليسير فإنه معفو عنه.
واختار ابن قدامة: أن التفريق المبطل راجع إلى العرف دون تحديد بزمن.
واختار شيخ الإسلام: عدم اشتراط الموالاة بينهما ولو صلى بينهما راتبة أو غيرها؛ لأنه لو اعتبرت الموالاة لورد تحديدها في الشرع، ولأن الجمع يُقصد منه التسهيل والتخفيف، واشتراط الموالاة يخالف ذلك ويسقط مفهوم الرخصة.
الثالث: أن يكون العذر المبيح موجوداً عند افتتاح الصلاتين وسلام الأولى؛ لأن افتتاح الأولى موضع النية، وفراغَها وافتتاحَ الثانية موضع الجمع.
стр. 353
وقيل: يشترط فقط كون العذر موجوداً وقت افتتاح الثانية؛ لأنه موضع الجمع، فلابد أن يكون العذر موجوداً، ولا يشترط وجوده عند افتتاح الأولى بناء على القول بعدم اشتراط نية الجمع، وتقدم.
الرابع: استمرار العذر إلى فراغ الثانية، فهذا شرط في نحو سفر ومرض، لا في جمع مطر ونحوه كبَرَد، فإنه لا يشترط استمرار العذر إلى فراغ الثانية من المجموعتين.
والفرق: أنه لا يتحقق انقطاع المطر؛ لاحتمال عوده في أثناء الصلاة، وقد يخلفه عذر مبيح كالوحل، بخلاف المريض والمسافر.
وقيل: لا يبطل الجمع بذلك في السفر والمرض كانقطاع المطر.
فلو أحرَم بالأُولى منهما ناويًا الجمع لمطرٍ، ثمَّ انقطع المطر ولم يعد، فلا يخلو:
أإن حصل وَحَلٌ: لم يبطل الجمع؛ لأن الوحل ينشأ عن المطر وهو من الأعذار المبيحة أشبه ما لو لم ينقطع المطر.
ب إن لم يحصل وحل: بطَل الجمع؛ لزوال مبيحه، فيؤخر الصلاة الثانية حتى يدخل وقتها.
وإن انقطع العذر من مطر ونحوه في أثناء الصلاة الثانية؛ صح الجمع.
وإن انقطع سفر فلا يخلو من ثلاث حالات:
стр. 354
١ - أن ينقطع السفر بأولى الصلاتين المجموعتين، بأن نوى الإقامة، أو أرست به السفينة على وطنه: بطل الجمع والقصر؛ لانقطاع السفر، فيتمّ الأولى، وتصح فرضًا؛ لأنها في وقتها ويؤخر الثانية حتى يدخل وقتها.
٢ - أن ينقطع السفر بصلاة ثانية؛ كمن أحرم بها ثم زال العذر؛ بطل الجمع والقصر؛ لزوال العذر المبيح للجمع، ويُتمّ الثانية نفلًا؛ كمن أحرم بها ظانًّا دخول وقتها فبان عدمه، والأولى وقعت في موقعها.
٣ - أن ينقطع السفر بعدهما: فلا إعادة؛ لوقوع العبادة على وجه صحيح.
- مسألة: يشترط لجواز جمع التأخير شرطان:
الأول: نية الجمع في وقت الأولى؛ لأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاءً، لا جمعاً.
الثاني: استمرار العذر المبيح إلى دخول وقت الثانية، فإن زال العذر قبله لم يجز الجمع؛ لزوال مُقْتضِيهِ، كالمريض يبرأ، والمسافرِ يَقْدَمُ، والمطرِ ينقطع.
ولا تشترط الموالاة في جمع التأخير؛ لفعله ﷺ في مزدلفة، حيث صلى المغرب، ثم أناخ كل واحد بعيره، ثم أقيمت العشاء [البخاري: ١٣٩، ومسلم: ١٢٨٠].
стр. 355
فصل في صلاة الخوف
- مسألة: (وَتَجُوزُ صَلَاةُ الخَوْفِ) عند وجود سببها اتفاقاً، لقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ الآية [النساء: ١٠٢]، وما ثبت في حقِّه ثبت في حق أمته، ما لم يقم دليل على اختصاصه.
- فرع: يشترط لصلاة الخوف كون العدو مباح القتال؛ كقتال الكفار والبغاة والمحاربين؛ لقوله تعالى: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]، وقيس عليهم باقي من يجوز قتاله، بخلاف القتال المحرم؛ لأنها رخصة فلا تباح بمعصية.
- مسألة: تجوز صلاة الخوف (بِأَيِّ صِفَةٍ صَحَّتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اتفاقاً، (وَصَحَّتْ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ) وقيل: سبعة، كلها جائزة، والصفة المختارة عند الإمام أحمد ما ورد في حديث سهل بن أبي حَثْمَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ: فطَائِفَةٌ صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» [البخاري: ٤١٢٩، ومسلم: ٨٤٢]، واختاره أحمد؛ لأنها أشبه بكتاب الله، وأحوط
стр. 356
للصلاة والحرب، وأنكى للعدو، وأقل في الأفعال.
وقيل: الأفضل فعل الأصلح لحال الحرب؛ وعليه تحمل الصفات الواردة في صلاة الخوف.
- مسألة: (وَسُنَّ فِيهَا) أي: في صلاة الخوف (حَمْلُ سِلَاحٍ) يدفع به عن نفسه كسيف وسكين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، ولا يجب؛ لأنه لو قيل بوجوبه لكان شرطًا، كالسترة، وهو خلاف الإجماع، ولأن الأمر به للرفق بهم والصيانة لهم فلم يكن للإيجاب، كالنهي عن الوصال، لما كان للرفق لم يكن للتحريم، إذا كان السلاح (غَيْرَ مُثْقِلٍ) كالدرع، أو كان يؤذي غيره كرمح وقوس، فإنه يكره حينئذ، إلا إن احتاج إليه أو كان في طرف الناس فلا كراهة؛ لعدم الإيذاء إذن.
وفي وجه اختاره الشارح وابن عثيمين: أن حمل السلاح في صلاة الخوف واجب؛ لأن الله أمر به فقال: ﴿فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم﴾ [النساء: ١٠٢]، ولأن ترك حمل السلاح خطر على المسلمين، وما كان خطراً على المسلمين فالواجب تلافيه.
стр. 357
(فَصْلٌ) في صلاة الجمعة
سميت بذلك: لجمعها الخلقَ الكثير، وقيل غير ذلك، قال شيخ الإسلام: (يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام).
- مسألة: صلاة الجمعة فرض عين بالإجماع؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله) [الجمعة: ٩]، ولحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» [مسلم ٦٥٢].
- مسألة: (تَلْزَمُ) صلاةُ (الجُمُعَةِ كُلَّ):
١ - (مُسْلِمٍ)، فلا تجب على كافر وجوبَ أداء بلا خلاف؛ لحديث ابن عباس ﵄: لما بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن قال له: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» [البخاري ١٣٩٥، ومسلم ٢٩]، فأمرهم بأداء الصلاة بعد الإسلام، لا قبله.
لكن الكافر يتوجه إليه خطاب وجوب التكليف؛ لأن الكفار مخاطبون
стр. 358
بفروع الشريعة.
٢ - (مُكَلَّفٍ)، وهو البالغ العاقل؛ فلا تجب على مجنون، ولا على صبي؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد ٢٤٦٩٤، وأبو داود ٤٤٠٣، والنسائي ٣٤٣٢، وابن ماجه ٢٠٤١].
٣ - (ذَكَرٍ)، فلا تجب على المرأة؛ لحديث طارق بن شهاب ﵁ مرفوعاً: «الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» [أبو داود ١٠٦٧]، وذكره ابن المنذر إجماعاً، ولأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال.
٤ - (حُرٍّ)، فلا تجب على العبد، وفاقاً للثلاثة؛ لحديث طارق بن شهاب السابق، ولأن العبد مملوكُ المنفعة، محبوس على سيده، أشبه المحبوس بالدَّين.
٥ - (مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ) معتاد، من حجر أو قصب ونحوه، لا يرتحل عنه شتاء ولا صيفاً، سواء بعد أم قرب، سمع النداء أم لم يسمع؛ لأن المدينة كانت محالًّا متباعدة، لكل بطن من الأنصار محل، ومع ذلك وجبت عليهم الجمعة.
فلا تجب الجمعة على من فقد هذا الشرط، وهم:
стр. 359
الأول: غيرُ المستوطن، وهو المسافر، وهو على ثلاثة أقسام:
١ - تجب عليه بنفسه -وهو من تنعقد به، ويؤم فيها-، وذلك إذا نوى الاستيطان.
٢ - تجب عليه بغيره -وهو من لا تنعقد به، ولا يصح أن يؤم فيها-، وذلك في ثلاث حالات: أن ينوي إقامة تمنعه القصر، أو كان سفره سفر معصية؛ لئلا تكون معصيته سببًا للتخفيف عنه، أو كان سفره فوق فرسخ ودون المسافة؛ لعموم الأخبار في وجوب الجمعة.
٣ - ألا تجب عليه بنفسه ولا بغيره، وهو المسافر سفر قصر مباح، ولم ينو الإقامة ولا الاستيطان؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصلِّ أحد منهم الجمعة في السفر مع اجتماع الخلق الكثير.
الثاني: المستوطن بغير بناء، كأهل الخيام وبيوت الشعر؛ لأن الأعراب كانوا حول المدينة، وكانوا لا يصلون الجمعة، ولا أمرهم النبي ﷺ بها.
واختار شيخ الإسلام: (أنه تجب عليهم إذا كان مبنيًّا بما جرت به عادتهم؛ من مدر، أو خشب، أو قصب، أو جريد، أو سعف، أو غير ذلك؛ لأن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك) (١)، ويدل لذلك: أن
стр. 360
أبا هريرة كتب إلى عمر ﵄ يسأله عن الجمعة وهو بالبحرين؟ فكتب إليهم: «أَنِ اجْمَعُوا حَيْثُمَا كُنْتُمْ» [معرفة السنن للبيهقي ٦٣٣٤]، ولم يشترط بناءً مخصوصاً، قال الشافعي: (معناه: في أي قرية كنتم؛ لأن مقامهم في البحرين إنما يكون في القرى).
الثالث: المستوطن ببناء خارج المصر، ولا يخلو ذلك من أمرين:
١ - أن يكون بينه وبين منارة مسجد المصر فوق الفرسخ: فلا تجب عليه؛ لأنه ليس من أهلها، ولا يسمع النداء.
٢ - أن يكون بينه وبين منارة مسجد المصر فرسخٍ فما دون: فتجب عليه بغيره؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعاً: «الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» [أبو داود ١٠٥٦]، ومَظِنَّة سماع النداء تكون من فرسخٍ فأقلَّ، و «كان أنسٌ ﵁، في قصْره أحياناً يُجَمِّع، وأحياناً لا يُجَمِّعُ، وهو بالزَّاوِيَة على فَرسخين» [البخاري معلقًا مجزوماً ٢/ ٦، ووصله ابن أبي شيبة ٥٠٧٦].
وعنه: المعتبر لمن كان خارج البلد إمكانُ سماع النداء؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله) [الجمعة: ٩]، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ » قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ» [مسلم ٦٥٣]، ولحديث عبد الله بن عمرو السابق.
- فرع: الفرسخ = ثلاثة أميال، والميل = ما يقرب من ألف وستمائة
стр. 361
متر، فيكون الفرسخ قريباً من خمسة كيلو.
- مسألة: (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ) قبل صلاة الإمام الجمعة فلا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون (مِمَّنْ) يجب (عَلَيْهِ) حضور (الجُمُعَةِ): فإن صلى (قَبْلَ) صلاة (الإِمَامِ) أي: قبل أن تقام الجمعة، أو قبل فراغ ما تدرك به الجمعة، (لَمْ تَصِحَّ) صلاته؛ لأنه صلى ما لم يخاطب به، وترك ما خوطب به، كما لو صلى العصر بدل الظهر، فإن صلى بعد فراغ الإمام من الصلاة، أو مما تدرك به الجمعة صَحَّتْ صلاته ظهراً.
- فرع: يستثنى من ذلك ما لو أخَّر الإمام الجمعة تأخيراً منكراً، فلغيره أن يصلي ظهراً وتجزئه عن فرضه؛ لحديث أبي ذر ﵁ مرفوعاً: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ » قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ، فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» [مسلم ٦٤٨].
الثاني: أن يكون ممن لا يجب عليه حضور الجمعة: وأشار إليه بقوله: (وإِلاّ) يجب عليه حضور الجمعة، كالعبد والمسافر والمرأة: فإن صَلَّوْا قبل تجميع الإمام (صَحّتْ) ظُهرهم؛ لأنهم أدَّوْا فرض الوقت، (وَالْأَفْضَلُ) لهم تأخير الصلاة (بَعْدَهُ) أي: بعد تجميع الإمام؛ خروجاً من الخلاف، ولأنه
стр. 362
ربما زال عذره فتلزمه الجمعة.
- فرع: يستثنى من أفضلية التأخير: من دام عذره؛ كامرأة ومريض لا يرجى برؤه، فالتقديم في حقهما أفضل؛ إدراكاً لفضيلة أول الوقت، إلا في شدة الحر، على ما سبق في مواقيت الصلاة.
- مسألة: سفر من تلزمه الجمعة في يومها لا يخلو من حالين:
١ - أن يكون السفر بعد الزوال: وأشار إليه بقوله: (وَحَرُمَ سَفَرُ مَنْ تَلْزَمُهُ) أي: الجمعةُ (بَعْدَ الزَّوَالِ) حتى يصلِّيَها؛ لتركها بعد وجوبها عليه، إلا في حالتين:
أأن يأتي بها في طريقه.
ب إذا كان له عذر يبيح له ترك الجمعة، كخوف فوت رفقته بسفر مباح.
٢ - أن يكون السفر قبل الزوال، وأشار إليه بقوله: (وَكُرِهَ قَبْلَهُ) أي: قبل الزوال؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إقَامَةٍ يَوْمَ الجُمُعَةِ دَعَتْ عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ، لَا يُصْحَبُ فِي سَفَرِهِ، وَلَا يُعَانُ عَلَى حَاجَتِهِ» [عزاه الحافظ للدارقطني في الأفراد، وفيه ابن لهيعة]، وخروجاً من الخلاف، (مَا لَمْ يَأْتِ بِهَا) أي: الجمعة (فِي طَرِيقِهِ، أَوْ يَخَفْ فَوْتَ رُفْقَةٍ)؛ كما تقدم.
стр. 363
وقال في الفروع: (وظاهر كلام جماعة: لا يكره)؛ لقول عمر ﵁: «إِنَّ الجُمُعَةَ لَا تَمْنَعُكَ السَّفَرَ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُهَا» [عبد الرزاق ٥٥٣٦].
فصل
- مسألة: (وَشُرِطَ لِصِحَّتِهَا) أي: الجمعة أربعة شروط:
الشرط الأول: (الوَقْتُ) (١)؛ لأنها صلاة مفروضة، فاشترط لها الوقت كبقية الصلوات، فلا تصح قبل الوقت، ولا بعده إجماعًا، قاله في المبدع.
- فرع: (وَهُوَ) أي: وقت الجمعة:
بدايته: على قسمين:
١ - وقت الجواز: يبدأ من (أَوَّلِ وَقْتِ) صلاة (العِيدِ)، وهو من المفردات؛ لقول عبد الله بن سِيدان: " شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْنَا مَعَ عُمَرَ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ: انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ شَهِدْنَا مَعَ عُثْمَانَ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ: زَالَ النَّهَارُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَداً عَابَ ذَلِكَ، وَلا أَنْكَرَهُ "
стр. 364
[الدارقطني ١٦٢٣]، ولحديث سهل بن سعد ﵁: «مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ» [البخاري ٢٣٤٩، ومسلم ٨٥٩]، واحتج بهما أحمد، وعن عبد الله بن مسعود ومعاوية ﵄: (أَنَّهُمْ صَلَّوُا الجُمُعَةَ ضُحًى) [ابن أبي شيبة ٢/ ١٠٧].
وعنه، واختاره ابن قدامة: يجوز فعلها في الساعة السادسة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» [البخاري ٨٨١، ومسلم ٨٥٠]، وعليه تحمل الأحاديث والآثار السابقة، قال ابن قدامة: (ما ثبت عن النبي ﷺ ولا خلفائه أنهم صَلَّوْا أولَ النهار)، وأما حديث عبد الله بن سيدان فقال عنه البخاري: (لا يتابع على حديثه، بل عارضه ما هو أقوى منه).
٢ - وقت الاستحباب: بعد الزوال، وفاقاً؛ لما روى سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ» [مسلم ٨٦٠]، وروي ذلك عن علي والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث ﵃ [ابن أبي شيبة ٢/ ١٠٧ - ١٠٨]، وخروجاً من الخلاف.
وآخر وقت الجمعة: يمتد (إِلَى آخِرِ وَقْتِ) صلاة (الظُّهْرِ) بلا خلاف.
стр. 365
قاله في المبدع، ولأنها بدل منه أو واقعةٌ موقعَه، فوجب الإلحاق؛ لما بينهما من المشابهة.
- مسألة: تدرك صلاة الجمعة بإدراك تكبيرة الإحرام في الوقت، (فَإِنْ خَرَجَ) وقت الجمعة (قَبْلَ التَّحْرِيمَةِ) أي: قبل أن يكبروا للإحرام بالجمعة، (صَلَّوْا ظُهْراً)؛ لأنها لا تقضى، قال في الشرح: (لا نعلم فيه خلافاً).
(وَإِلَّا)، بأن أحرموا بها في الوقت، فيصلونها (جُمُعَةً)، وهو من المفردات؛ لأنها تدرك بإدراك تكبيرة الإحرام، قياسًا على بقية الصلوات، على ما تقدم.
وعنه، واختاره ابن قدامة وشيخ الإسلام: إن أدركوا منها ركعة أتموها جمعة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» [البخاري ٥٨٠، ومسلم ٦٠٧]، وفي رواية: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى» [ابن ماجه ١١٢١].
فإن خرج الوقت قبل إدراك ركعة لم يتموها جمعة، وهل يتمونها ظهراً أو يستأنفونها؟ المذهب: يتمونها ظهراً؛ لأنهما صلاتا وقت، فجاز بناء إحداهما على الأخرى، كصلاة السفر والحضر.
(وَ) الشرط الثاني: (حُضُورُ أَرْبَعِينَ بِالإِمَامِ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا) أي: وجوب صلاة الجمعة؛ لقول كعب بن مالك ﵁: «أسْعَدُ بْن زُرَارَةَ أَوَّلُ مَنْ
стр. 366
جَمَّعَ بِنَا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ فِي نَقِيعٍ، يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الخَضَمَاتِ، قيل: كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: أَرْبَعُونَ» [أبو داود ١٠٦]، واحتج به أحمد.
وعنه واختاره شيخ الاسلام: تنعقد بثلاثة؛ لأن الخطاب ورد بصيغة الجمع في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله) [الجمعة: ٩]، ولا بد من جماعة تستمع إلى الخطيب، وأقل الجماعة اثنان، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» [مسلم ٦٧٢]، وأما تجميع أسعدَ بن زرارة فهذا وقع اتفاقاً، لا قصداً.
- مسألة: (فَإِنْ نَقَصُوا) عن العدد المشترط (قَبْلَ إِتْمَامِهَا) لم يتموها جمعة؛ لفقد شرطها، و (اسْتَأْنَفُوا جُمُعَةً إِنْ أَمْكَنَ) إعادتُها جمعةً بشروطها؛ لأنها فرض الوقت، (وَإِلَّا)، بأن لم يمكن استئنافها لفقد بعض شروطها، استأنفوا (ظُهْراً).
واختار الموفق: أنهم إن صَلَّوْا ركعة أتموها جمعة، وإلا فلا؛ لحديث أبي هريرة السابق: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
- مسألة: (وَمَنْ) أحرم بالجمعة في الوقت و (أَدْرَكَ مَعَ الإِمَامِ) منها (رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً)؛ لحديث أبي هريرة السابق: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
стр. 367
وإن أدرك أقل من ركعة أتمها ظهراً بشرطين:
١ - أن يدخل وقت الظهر بالزوال.
٢ - إذا نوى الظهر عند الدخول؛ لحديث عمر ﵁: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
واختار ابن عثيمين: أنه يدخل مع الإمام، فإن تبين أنه لم يدرك ركعة، فإنه يتمها ظهراً؛ لأن الظهر فرع عن الجمعة، فإذا انتقل من الجمعة إلى الظهر، فقد انتقل من أصل إلى بدل، وكلاهما فرض الوقت.
الشرط الثالث: أن يكونوا بقرية مستوطنين بها، بما جرت به العادة، وقد سبق إيضاحه.
(وَ) الشرط الرابع: (تَقْدِيمُ خُطْبَتَيْنِ)؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله)، والذِّكر: هو الخطبة، فأمر بالسعي إليها، فيكون واجباً؛ إذ لا يجب السعي لغير واجب، ولمواظبة النبي ﷺ عليهما، قال ابن عمر ﵄: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا» [البخاري ٩٢٨، ومسلم ٨٦١].
- مسألة: و (مِنْ شَرْطِهِمَا) أي: من شرط صحة الخطبتين، والمراد بالشرط هنا: ما تتوقف عليه الصحة، أعم من أن يكون داخلاً أو خارجاً، فيعم الأركان والشروط (١):
стр. 368
١ - (الوَقْتُ) أي: وقت الجمعة، فلا تصح واحدة منهما قبله؛ لأنهما بدل ركعتين، والصلاة لا تصح قبل وقتها.
٢ - (وَحَمْدُ الله) تعالى بلفظ: (الحمد لله)؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ، يَحْمَدُ الله، وَيُثْنِي عَلَيْهِ» [مسلم ٨٦٧]، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدِ لِلهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» [أبو داود ٤٨٤٠].
ولا يجزئ غير لفظ (الحمد لله)؛ لما روى ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهد قال: «الحَمْدُ لِلهِ نَسْتَعِينُهُ ... » [أبو داود ١٠٩٧].
٣ - (وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ عَلَيْهِ) الصلاة (السَّلَامُ)؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله ﷺ ، كالأذان، ويتعين لفظ الصلاة، ولا يجب السلام عليه مع الصلاة عملًا بالأصل.
стр. 369
واختار شيخ الإسلام: وجوب الشهادتين، لا الصلاة عليه (١)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ، فَهِيَ كَاليَدِ الجَذْمَاءِ» [أبو داود ٤٨٤١، والترمذي ١١٠٦]، ولأن الشهادة إيمان به، وما عللوا به ينتقض بالذبح، فإنه يفتقر إلى ذكر الله تعالى، ولا يفتقر إلى ذكر رسول الله ﷺ .
٤ - (وَقِرَاءَةُ آيَةٍ) كاملة، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف: ٢٠٤]، نزلت في الصلاة والخطبة، ووجه الدلالة: أنَّ (إذا) إنّما تقولها العرب فيما لا بد من وقوعه، لا فيما يحتمل الوقوع وعدمه، ولقول جابر بن سمرة ﵁: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ» [مسلم ٨٦٢].
٥ - (وَحُضُورُ العَدَدِ المُعْتَبَرِ) للجمعة، لسماع القدر الواجب؛ لأنه ذكر اشترط للصلاة، فاشترط له العدد؛ كتكبيرة الإحرام.
٦ - (وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِقَدْرِ إِسْمَاعِهِ) أي: العددِ المعتبر للقدر الواجب من الخطبة، إن لم يعرض مانع من السماع، كنوم أو صمم بعضهم، فإن لم يسمعوا الخطبة لخفض صوته أو بعده عنهم لم تصح؛ لعدم حصول المقصود بها.
стр. 370
٧ - (وَالنِّيَّةُ)؛ لحديث عمر ﵁ مرفوعاً: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري ١، ومسلم ١٩٠٧].
٨ - (وَالوَصِيَّةُ بِتَقْوَى الله) ؛ لأنه المقصود، (وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا)، أي: الوصية، وأقله: اتقوا الله، وأطيعوا الله، ونحوه.
وقال شيخ الإسلام: (ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لا بد من مسمى الخطبة عرفاً، ولا تحصل باختصار يفوت به المقصود).
٩ - (وَأَنْ تَكُونَا) أي: الخطبتين (مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا) أي: في الجمعة، وهو من تجب عليه بنفسه، بأن يكون مكلفًا ذكراً حرًّا مستوطناً، فلا تصح من أنثى وعبد ومسافر ونحوهم؛ لأن الجمعة تصح منهم تبعًا، فلو كانوا أئمة صار التابع متبوعاً.
ويمكن أن يقال: أما إمامة المرأة والمجنون وغير المميز، فلا تصح اتفاقاً، وأما إمامة الصبي المميز، والعبد، والمسافر، فتصح إمامتهم فيها، وهي رواية في المذهب، ؛ لعموم الأدلة، ولما تقدم في أحكام الإمامة أن من صحت صلاته صحت إمامته، إلا لدليل.
١٠ - الموالاة بينهما وبين الصلاة، والموالاة بين أجزاء الخطبتين؛ للقاعدة: أن كل عبادة مركبة من أجزاء يشترط فيها الموالاة إلا لدليل.
١١ - وقوعهما حضراً، أي: أن الاستيطان شرط لصحة الخطبتين؛
стр. 371
لاشتراطه في صحة صلاة الجمعة، والخطبتان في مقام الركعتين.
- فرع: (لَا) يشترط لمن يتولى الخطبتين أن يكون (مِمَّنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ)، بل يستحب، ؛ لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة، أشبها الصلاتين.
- مسألة: (وَتُسَنُّ) في (الخُطْبَةِ) سنن، منها:
١ - أن تكون (عَلَى مِنْبَرٍ)؛ لحديث سهل ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ إلى امرأة: «مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَاداً، أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» [البخاري ٩١٧، ومسلم ٥٤٤]، وحكاه النووي إجماعاً، (أَوْ) يجلس على (مَوْضِعٍ عَالٍ) إن لم يكن منبر؛ لأنه في معناه؛ لاشتراكهما في المبالغة في الإعلام.
٢ - (وَ) يسن (سَلَامُ خَطِيبٍ إِذَا خَرَجَ) على المأمومين، لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» وذكر منها: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ ... » [البخاري ١٢٤٠، ومسلم ٢١٦٢، واللفظ له].
٣ - (وَ) يسن أيضًا سلامه على المأمومين (إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ)؛ لما روى جابر بن عبد الله ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ إِذَا صَعِدَ المِنْبَرَ سَلَّمَ» [ابن ماجه ١١٠٩]، وصح ذلك عن عثمان ﵁ [ابن أبي شيبة ٥١٩٦].
стр. 372
٤ - (وَ) يسن (جُلُوسُهُ) أي: الخطيب على المنبر (إِلَى فَرَاغِ الأذَانِ)؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ المِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ» [أبو داود ١٠٩٢].
٥ - (وَ) يسن جلوسه (بَيْنَهُمَا) أي: بين الخطبتين (قَلِيلاً)؛ لقول ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِماً، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ» [البخاري ٩٢٨، ومسلم ٨٦١]، ولا يجب الجلوس، ولكن الواجب الفصل بين الخطبتين بسكتة يحصل بها التمييز؛ لأن جماعة من الصحابة منهم علي ﵃ [عبد الرزاق ٥٢٦٧] سردوا الخطبتين من غير جلوس، ولأنه ليس في الجلسة ذكر مشروع.
٦ - (وَ) تسن (الخُطْبَةُ قَائِماً)؛ لقوله تعالى: (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) [الجمعة: ١١]، ولحديث ابن عمر السابق، فإن خطب جالساً جاز؛ لأنه ذكر، ولأنه ورد عن ابن الزبير ﵄: «أنه كان يجلس فيخطب جالساً، ثم يقوم فيخطب أيضاً، وكان جلوسه أكثر ذلك» [عبد الرزاق ٥٢٦٨].
٧ - ويسن أن يكون الخطيب (مُعْتَمِداً) بإحدى يديه (عَلَى سَيْفٍ، أَوْ عَصاً) أو قوس؛ لحديث الحَكَمِ بن حَزْنٍ ﵁ قال: «شَهِدْنَا الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصاً، أَوْ قَوْسٍ» [أحمد ١٧٨٥٦، وأبو داود ١٠٩٦].
стр. 373
وقال ابن القيم: (ولم يكن يأخذ بيده سيفاً ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصًا قبل أن يتخذ المنبر)، وعليه: فإن كان على منبر لم يسن، وإلا سن أن يعتمد على قوس أو عصًا.
٨ - وأن يكون (قَاصِداً تِلْقَاءَهُ) أي: تلقاء وجهه؛ قال الموفق: (لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك)، لأنه أبلغ في سماع الناس، وأعدل بينهم، فلا يلتفت يميناً ولا شمالاً، قال النووي: (واتفق العلماء على كراهة هذا الالتفات, وهو معدود من البدع المنكرة).
٩ - (وَ) يسن (تَقْصِيرُهُمَا) أي: الخطبتين؛ لحديث عمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ» [مسلم ٧٦٩]، (وَ) يسن أن تكون الخطبة (الثَّانِيَةُ أَكْثَرَ) تقصيراً من الأولى؛ قياساً على الصلاة، وكالإقامة مع الأذان.
وقال ابن القيم: (وكان يقصر خطبته أحياناً، ويطيلها أحياناً، بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطولَ من خطبته الراتبة).
١٠ - (وَ) يسن (الدُّعَاءُ لِلمُسْلِمِينَ)؛ لما ورد عن عمارة بن رؤيبة ﵁: أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه، فقال: «قَبَّحَ الله هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ» [مسلم ٨٧٤]، زاد البيهقي [٥٧٧٥]: «يَوْمَ الجُمُعَةِ»، ولحديث أنس ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ،
стр. 374
وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» [البخاري ١٠٣١، ومسلم ٨٩٥]، فدل على أنه كان يدعو في خطبته، ولأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة، ففيها من بابِ أولى، ولأن ساعة الإجابة ترجى في هذا الوقت.
- فرع: (وَأُبِيحَ) دعاء الخطيب (لِمُعَيَّنٍ؛ كَالسُّلْطَانِ)؛ لأن الدعاء له مستحب في الجملة.
فصل
- مسألة: (وَهِيَ) أي: صلاة الجمعة (رَكْعَتَانِ) إجماعاً؛ قال عمر ﵁: «صَلاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ » [أحمد ٢٥٧، والنسائي ١٤١٩، وابن ماجه ١٠٦٣].
- مسألة: يسن أن (يَقْرَأُ) جهراً (فِي) الركعة (الأُولَى بَعْدَ الفَاتِحَةِ: الجُمُعَةَ، وَ) في الركعة (الثَّانِيَةِ: المُنَافِقِينَ)؛ لأنه ﵊ كان يقرأ بهما؛ كما في حديث ابن عباس ﵄ [مسلم ٨٧٩]، أو يقرأ بالأعلى في الأولى، وفي الثانية بالغاشية؛ لفعله ﵊ أيضًا؛ كما في حديث النعمان بن بشير ﵄ [مسلم ٨٧٨].
стр. 375
- مسألة: (وَحَرُمَ إِقَامَتُهَا) أي: صلاة جمعة، (وَ) كذا صلاة (عِيدٍ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ) واحد (بِبَلَدٍ) واحد؛ لأنه ﷺ وأصحابه لم يقيموها في أكثر من موضع واحد، قال في المبدع: (لا نعلم فيه خلافًا إلا عن عطاء)، (إِلَّا لِحَاجَةٍ)؛ كسَعَةِ البلد وتباعد أقطاره، أو بُعْدِ الجامع أو ضيقه، فيجوز التعدد بحسبها فقط؛ لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في مواضع من غير نكير، فكان إجماعًا.
- مسألة: سنة الجمعة:
أولًا: السنة البعدية، وأشار إليها بقوله: (وَأَقَلُّ السُّنَّةِ) الراتبة (بَعْدَهَا) أي: بعد صلاة الجمعة: (رَكْعَتَانِ)؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ» [البخاري ٩٣٧، ومسلم ٨٨٢]، (وَأَكْثَرُهَا: سِتُّ) ركعات؛ لما ثبت عن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة، تقدم فصلى ركعتين، ثم تقدم فصلى أربعاً، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين، ولم يصل في المسجد، فقيل له، فقال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ» [أبو داود ١١٣٠].
وقال شيخ الإسلام: (إن صلى في المسجد صلى أربعاً، وإن صلى في بيته صلى ركعتين)؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ» [البخاري ٩٣٧ ومسلم ٨٨٢]،
стр. 376
وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعاً» [مسلم ٨٨١].
ثانيًا: السنة القبلية: لا سنة راتبة قبلها؛ لعدم ثبوته، (وَسُنَّ قَبْلَهَا أَرْبَعٌ غَيْرُ رَاتِبَةٍ)؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْكَعُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعاً، لَا يَفْصِلُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ» [ابن ماجه ١١٢٩، قال النووي: حديث باطل]، ولأن ابن مسعود ﵁: " كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات، وبعدها أربع ركعات " [عبدالرزاق ٥٥٢٤].
وقال شيخ الإسلام: (الصلاة قبل الجمعة جائزة حسنة، وليست راتبة، فمن فعل لم ينكر عليه، ومن ترك لم ينكر عليه، وهذا أعدل الأقوال).
وقال ابن عثيمين: (ليس للجمعة سنة راتبة قبلها، فيصلي ما شاء بغير قصد عدد، لكن إذا دخل الإمام أمسك)؛ لحديث سلمان السابق: " ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ".
- مسألة: (وَ) من سنن يوم الجمعة:
١ - (قِرَاءَةُ) سورة (الكَهْفِ فِي يَوْمِهَا)، واقتصر عليه أكثر الأصحاب؛ لحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» [البيهقي ٣/ ٢٤٩]، وزاد أبو المعالي ابن المنجَّا: (وَ) في (لَيْلَتِهَا)؛ لما ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» [الدارمي ٣٤٥٠].
стр. 377
٢ - (وَ) سن (كَثْرَةُ دُعَاءٍ) في يومها؛ رجاء إصابة ساعة الإجابة، ففي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ، قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ الله خَيْرًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» [البخاري ٩٣٥، ومسلم ٨٥٢].
وأرجاها آخِرُ ساعة من النهار؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ الله شَيْئًا، إِلَّا آتَاهُ الله ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ» [أبو داود ١٠٤٨، والنسائي ١٣٨٨]، وروى سعيد بن منصور [عزاه إليه الحافظ في الفتح ٢/ ٤٢٠ وصحح إسناده] عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: " أن أناساً من الصحابة اجتمعوا، فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة".
٣ - (وَ) سن الإكثار من الـ (صَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يوم الجمعة؛ لحديث أوس بن أوس ﵁ مرفوعاً: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» [أبو داود ١٠٤٧، والنسائي ١٣٧٣، وابن ماجه ١٠٨٥]، قال الأصحاب: وليلتها؛ لحديث أنس ﵁ مرفوعاً: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيلَةَ الجُمُعَة» [البيهقي ٣/ ٢٤٩، وحسنه الألباني].
٤ - (وَ) سن (غُسْلٌ) لها في يومها، وتقدم في أحكام الغسل.
стр. 378
٥ - (وَ) سن (تَنَظُّفٌ)، بإزالة ما تنبغي إزالته، كقص شاربه، وتقليم أظافره، وقطع الروائح الكريهة، وتقدم في باب السواك، (وَتَطَيُّبٌ)؛ لحديث سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» [البخاري ٨٨٣].
٦ - (وَ) سن (لُبْسُ) أفضل ثياب؛ لوروده في بعض روايات حديث سلمان السابق: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ» [أبو داود ٨٨٣]، والأفضل أن تكون من (بَيَاضٍ)؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «اِلْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» [أحمد ٢٢١٩، أبوداود ٣٨٧٨، والترمذي ٩٩٤، والنسائي ١٨٩٦].
٧ - (وَ) سن (تَبْكِيرٌ إِلَيْهَا) أي: إلى الجمعة (مَاشِياً)؛ لحديث أوس بن أوس ﵁ مرفوعاً: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» [أبو داود ٣٤٥، والترمذي ٤٩٦، والنسائي ١٣٨٠].
- فرع: ثلاثة لا يسن لهم التبكير للجمعة:
أ-الإمام؛ لفعله ﷺ .
ب- المعتكف؛ اقتصاراً في خروجه على قدر الحاجة.
стр. 379
ونقل أبو داود عن أحمد: (التبكير أجود)؛ لعموم الأدلة على التبكير، ولأنه إذا جاز له الخروج للجمعة، جاز له التبكير تبعاً.
ث الأجير؛ لانشغاله فيما استؤجر عليه.
٨ - (وَ) سن (دُنُوُّ) المستمع (مِنَ الإِمَامِ)؛ لحديث أوس السابق.
- مسألة: (وَكُرِهَ لِغَيْرِهِ) أي: الإمام (تَخَطِّي الرِّقَابِ)؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄: أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجعل يتخطى الناس، فقال رسول الله ﷺ : «اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ» [أبو داود ١١١٨].
واختار شيخ الاسلام: تحريم تخطي رقاب الناس إذا لم يكن بين يديه فرجة، لا يومَ الجمعة، ولا غيرَه؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [الأحزاب: ٥٨]، وللحديث السابق.
- فرع: يستثنى من كراهة التخطي:
١ - الإمام، وأشار إليه بقوله: (لِغَيْرِهِ)، أي: لغير الإمام، فلا يكره له التخطي؛ لتعين مكانه، وألحق به في الغنية: المؤذن.
٢ - و (إِلَّا لِفُرْجَةٍ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا) غيرُ الإمام (إِلَّا بِهِ) أي: بالتخطي، فلا
стр. 380
يكره؛ لأنهم أسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم.
- مسألة: (وَ) كره (إِيثَارُ) غيره (بِمَكَانٍ أَفْضَلَ)، كالصف الأول، وتحوُّلُه إلى ما دونه؛ لما في ذلك من الرغبة عن المكان الأفضل.
- فرع: (لَا) يكره (قَبُولُ) المكان الأفضل.
وقيل: يكره؛ لأنه إعانة لصاحبه على مكروه وإقرارُه عليه، قال سندي - وهو من أصحاب الإمام أحمد -: رأيت الإمام أحمد قام له رجل من موضعه، فأبى أن يجلس فيه، وقال له: ارجع إلى موضعك، فرجع إليه.
- مسألة: (وَحَرُمَ أَنْ يُقِيمَ) شخصًا (غَيْرَ صَبِيٍّ مِنْ مَكَانِهِ) الذي سَبَقَ إليه (فَيَجْلِسَ فِيهِ)، ولو عبدَه أو ولَدَه الكبيرَ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ، وَيَجْلِسَ فِيهِ» [البخاري ٩١١، ومسلم ٢١٧٧]، ولأن المسجد بيت الله تعالى، والناس فيه سواء.
- فرع: يستثنى من التحريم:
١ - الصبي، وأشار إليه بقوله: (غَيْرَ صَبِيٍّ)، فإنه يؤخر؛ لحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ، أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» [مسلم ٤٣٢]، وعن قيس بن عباد قال: بينا أنا في المسجد في الصف المقدم، فجبذني رجل من خلفي جبذة فنحاني، وقام مقامي، فوالله ما عقلت صلاتي! فلما انصرف فإذا
стр. 381
هو أبي بن كعب ﵁، فقال: «يَا فَتَى، لَا يَسُؤْكَ الله، إِنَّ هَذَا عَهْدٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ» [أحمد ٢١٢٦٤، والنسائي ٨٠٨].
واختار المجد والمرداوي: لا يجوز تأخير الصبيان؛ لعموم حديث ابن عمر السابق.
٢ - إن جلس مكانَ الإمام أو في طريق المارة أُقيم؛ لتعديه.
٣ - من جلس بموضع يحفظه له، فله أن يقيمه من مكانه؛ لأنه قعد فيه لحفظه له، ولا يحصل ذلك إلا بإقامته.
واختار السعدي وابن عثيمين: لا يجوز أن يقدم غيره ليجلس في مكان يحجزه له، لأن هذا النائب لم يتقدم لنفسه، فيظن أنه عمل صالحًا، ولأن فيه تحيَّلاً على حجز الأماكن الفاضلة، والفاضل أحق الناس به من سبق إليه.
- مسألة: (وَ) يحرم (الكَلَامُ حَالَ الخُطْبَةِ) والإمام يخطب، إذا كان منه بحيث يسمع الخطبة؛ لقوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) [الأعراف: ٢٠٤] , قال مجاهد وعطاء: (نزلت في شأن الخطبة) [تفسير الطبري ٩/ ١٦٥]، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» [مسلم ٨٥١].
- فرع: يستثنى من التحريم:
١ - الخطيب، وأشار إليه بقوله: (عَلَى غَيْرِ خَطِيبٍ).
стр. 382
٢ - (وَمَنْ كَلَّمَهُ) الخطيب (لِحَاجَةٍ)، فلا يحرم عليهما؛ لحديث جابر ﵁: بينا النبيُّ ﷺ يخطُبُ يومَ الجمعة، إذ جاء رجل، فقال له النبي ﷺ : «أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ» قال: لا، قال: «قُمْ فَارْكَعْ» [مسلم ٨٧٥].
- مسألة: (وَمَنْ دَخَلَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ: صَلَّى) ركعتي (التَّحِيَّةِ) أي: تحية المسجد، قبل أن يجلس، استحباباً، ولو كان وقتَ نهي، (فَقَطْ)، فلا تجوز الزيادة عليهما، (خَفِيفَةً)؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»، وزاد مسلم: «وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» [البخاري ١١٧٠، ومسلم ٨٧٥].
(فَصْلٌ) في صلاة العيدين
سمي يومُ العيد بذلك؛ لأنه يعود ويتكرر لأوقاته، وفي الاصطلاح: يوما الفطر والأضحى.
- مسألة: (وَصَلَاةُ العِيدَيْنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال قتادة: هي صلاة العيد [تفسير الطبري ٢٤/ ٦٥٤].
стр. 383
والأمر يقتضي الوجوب، وكونها على الكفاية؛ لحديث طلحة ﵁ مرفوعاً: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، فقال الأعرابي: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» [البخاري: ٤٦، ومسلم: ١١]، ولأنها من الشعائر الظاهرة فلا تتعين، كالأذان.
واختار شيخ الإسلام: أنها فرض عين؛ لحديث أم عطية ﵂: «أَمَرَنَا - تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ» [البخاري: ٩٧٤، ومسلم: ٨٩٠]، فإذا كانت المرأة مأمورة فالرجل من باب أولى، وحديث الأعرابي محمول على الصلوات اليومية التي تتكرر.
- مسألة: (وَ) أول (وَقْتِهَا) أي: صلاة العيد (كَـ) أول وقت (صَلَاةِ الضُّحَى)؛ لأنه ﷺ ومن بعده لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس، ذكره في المبدع، فعن عبد الله بن بُسْر ﵁: أنه خرج مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، فقال: «إِنَّا كُنَّا قَدْ فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هَذِهِ»، وذلك حين التَّسْبيح. [البخاري معلقاً بصيغة الجزم ٢/ ١٩، وأبو داود: ١١٣٥، وابن ماجه: ١٣١٧].
(وَآخِرُهُ) أي: آخر وقت صلاة العيد، عند (الزَّوَالِ) أي: زوال الشمس؛ لحديث أبي عمير الآتي.
стр. 384
- مسألة: (فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالعِيدِ إِلَّا بَعْدَهُ) أي: بعد زوال الشمس (صَلَّوْا مِنَ الغَدِ قَضَاءً)؛ لما روى أبو عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قالوا: «غُمَّ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ، فَأَصْبَحْنَا صِيَاماً، فَجَاءَ رَكْبٌ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ، فَشَهِدُوا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ الناسَ أَنْ يُفْطِرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ، وَأَنْ يَخْرُجُوا لِعِيدِهِمْ مِنَ الْغَدِ» [أحمد: ٢٠٥٨٤، وأبو داود: ١١٥٧، والنسائي: ١٥٥٧، وابن ماجه: ١٦٥٣].
- مسألة: (وَشُرِطَ لِوُجُوبِهَا) أي: وجوب صلاة العيد ما تقدم من (شُرُوطِ) وجوب صلاة (جُمُعَةٍ)؛ لأنها صلاة لها خطبة راتبة أشبهت الجمعة.
- مسألة: (وَ) شُرِط (لِصِحَّتِهَا) أي: صحة صلاة العيد: (اسْتِيطَانٌ، وَعَدَدُ الجُمُعَةِ)، فلا تقام إلا حيث تقام الجمعة؛ لأن النبي ﷺ وافق العيد في يوم حجته ولم يصل.
- مسألة: (لَكِنْ يُسَنُّ لِمَنْ فَاتَتْهُ) صلاة العيد (أَوْ) فاته (بَعْضُهَا أَنْ يَقْضِيَهَا) في يومها، قبل الزوال أو بعده؛ لما ورد عن أنس بن مالك ﵁: «أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ فِي مَنْزِلِهِ بِالزَّاوِيَةِ، فَإِذَا لَمْ يَشْهَدِ الْعِيدَ بِالْبَصْرَةِ جَمَعَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَوَالِيَهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ مَوْلَاهُ عَبْدَ الله بْنَ أَبِي عُتْبَةَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ»
стр. 385
[البخاري معلقاً بصيغة الجزم ٢/ ٢٣، ووصله ابن أبي شيبة: ٥٨٥٥].
- فرع: القضاء له صفتان:
١ - صفة مستحبة وأشار إليه بقوله: (وَ) قضاؤها (عَلَى صِفَتِهَا) الآتي ذكرُها (أَفْضَلُ)؛ لأن القضاء يحكي الأداء.
٢ - صفة مجزئة: أن يقضيها كسائر النوافل.
واختار شيخ الإسلام: لا يشرع قضاؤها؛ لأن إخراج ذوات الخدور إليها يدل على أنها صلاة لا تفعل إلا جماعة، وقياساً على صلاة الجمعة، وأما أثر أنس ففيه نعيم بن حماد وهو ضعيف.
- مسألة: في سنن صلاة العيد:
١ - (وَتُسَنُّ) صلاة العيد (فِي صَحْرَاءَ) قريبةٍ عرفاً؛ لقول أبي سعيد ﵁: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى» [البخاري: ٩٥٦، ومسلم: ٨٨٩].
وتكره صلاة العيد في الجامع، إلا:
أ) في مكة، فإن الأفضل أن تكون فيه؛ قال الشافعي: (بلغَنا أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة، وكذلك من كان بعده، وعامة أهل البلدان، إلا أهلَ مكة فإنه لم يبلغنا أن أحداً من السلف
стр. 386
صلى بهم عيداً إلا في مسجدهم، وأحسب ذلك والله تعالى أعلم؛ لأن المسجد الحرام خير بقاع الدنيا، فلم يحبوا أن يكون لهم صلاة إلا فيه ما أمكنهم).
ب) لعذر، كمطر ونحوه؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّهُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ» [أبو داود: ١١٦٠، وابن ماجه: ١٣١٣]، ولأثر علي أنه استخلف أبا مسعود البدري ﵄ يصلي بالناس. [النسائي: ١٥٦١].
٢ - (وَ) يسن (تَأْخِيرُ صَلَاةِ) عيد (فِطْرٍ) قال في الشرح: (لا أعلم فيه خلافاً)؛ لما روى الشافعي مرسلًا: «أن النبي ﷺ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَهُوَ بِنَجْرَانَ: عَجِّلِ الْأَضْحَى، وَأَخِّرِ الْفِطْرَ، وَذَكِّرِ النَّاسَ» [البيهقي: ٦١٤٩، وهو ضعيف]، ولِيَتمكَّنَ مَن لم يُخرج زكاةَ الفطر من إخراجها قبل الصلاة.
٣ - (وَ) يسن (أَكْلٌ قَبْلَهَا) أي: قبل الخروج لصلاة عيد الفطر، قال ابن قدامة: (لا نعلم فيه خلافاً)؛ لحديث أنس ﵁: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» [البخاري: ٩٥٣]، ولحديث بريدة الأسلمي ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ» [أحمد: ٢٢٩٨٤، والترمذي: ٥٤٢، وابن ماجه: ١٧٥٤].
٤ - (وَ) يسن (تَقْدِيمُ) صلاة عيد (أَضْحَى)؛ لما تقدم من حديث كتاب عمرو بن حزم ﵁، ولِيتَّسِعَ وقت الأضحية لأنها لا تجوز إلَّا بعد الصلاة.
стр. 387
٥ - (وَ) يسن (تَرْكُ أَكْلٍ قَبْلَهَا) أي: قبل صلاة الأضحى (لِمُضَحٍّ)؛ حتى يأكل من أضحيَّتِه بعد الصلاة؛ لما تقدم من حديث بُريدة، فإن لم يضحِّ فإنه يأكل قبل الصلاة.
- مسألة: (وَ) صفة صلاة العيد:
١ - أن (يُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ) إجماعاً، لحديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» [البخاري: ٩٦٤، ومسلم: ٨٨٤].
٢ - ويشترط أن تكون الصلاة (قَبْلَ الخُطْبَةِ)؛ لقول ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ» [البخاري: ٩٦٣، ومسلم: ٨٨٨]، فلو قدم الخطبة لم يعتد بها.
٣ - و (يُكَبِّرُ فِي الأُولَى بَعْدَ) تكبيرة الإحرام وبعد (الاسْتِفْتَاحِ)؛ لأن تكبيرة الإحرام والاستفتاح لأول الصلاة، (وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ وَالقِرَاءَةِ)؛ لأن الاستعاذة للقراءة وليست للصلاة, فتكون ملحقة بالقراءة، (سِتًّا) زوائدَ، (وَ) يكبر (فِي) الركعة (الثَّانِيَةِ قَبْلَ القِرَاءَةِ خَمْساً) زوائدَ؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً،
стр. 388
سَبْعاً فِي الْأُولَى، وَخَمْساً فِي الْآخِرَةِ، وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا» [أحمد: ٦٦٨٨، وأبو داود: ١١٥٢، وابن ماجه: ١٢٧٩].
وعنه: يكبر في الأولى خمساً، وفي الثانية أربعاً؛ لما صح عن عبد الله بن الحارث قال: «صلى بنا ابن عباس يوم عيد، فكبر تسع تكبيرات، خمساً في الأولى، وأربعاً في الآخرة، والى بين القراءتين» [ابن أبي شيبة: ٥٧٠٨].
قال أحمد: (اختلف أصحاب النبي ﷺ في التكبير وكله جائز).
قال شيخ الإسلام: (وأكثر الصحابة والأئمة يكبرون سبعاً في الأولى، وخمساً في الثانية).
- فرع: التكبيرات الزوائد سنة، قال في الشرح: (بغير خلاف بين العلماء).
٤ - (رَافِعاً يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ)؛ لقول وائل بن حُجْرٍ ﵁: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» [أحمد: ١٨٨٤٨] قال أحمد: (فأرى أن يدخل فيه هذا كلُّه)، وصح عن ابن عمر ﵄ موقوفاً: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ» [ابن أبي شيبة: ١١٣٨٠]، فتكون تكبيرات العيد مثل ذلك.
٥ - (وَيَقُولُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ: «الله أَكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ لِلهِ كَثِيراً،
стр. 389
وَسُبْحَانَ الله بُكْرَةً وَأَصِيلاً، وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً»، أَوْ) يقول (غَيْرَهُ) من الذِّكْر، فليس الذكر مخصوصاً بذكر معين؛ لما ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً تَفْتَتِحُ بِهَا الصَّلَاةَ، وَتَحْمَدُ رَبَّكَ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ , ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ» الحديث [البيهقي: ٦١٨٦]، واختاره شيخ الإسلام.
واختار ابن القيم: أنه يسكت سكتةً يسيرة ولا يقول شيئاً؛ لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ . (١)
٦ - (ثُمَّ يَقْرَأُ) جهراً؛ لقول ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الِاسْتِسْقَاءِ» [الدارقطني: ١٨٠٣، وهو ضعيف]، ولأن الصحابة ﵃ نقلوا عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ بالأعلى والغاشية كما سيأتي، فالظاهر أنه كان يجهر بها.
٧ - فيقرأ استحباباً (بَعْدَ الفَاتِحَةِ فِي) الركعة (الأُولَى) سورة (سَبِّحْ) أي: سورة الأعلى، (وَ) في الركعة (الثَّانِيَةِ) يقرأ سورة (الغَاشِيَةِ)؛ لقول سمرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» [أحمد: ٢٠٠٨٠].
стр. 390
وورد في السنة أيضاً: أنه يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بسورة (ق) وفي الركعة الثانية بسورة (القمر)؛ فعن عمر بن الخطاب أنه سأل أبا واقدٍ اللَّيثِيَّ ﵄: مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ: «كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)، وَ (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)» [مسلم: ٨٩١].
٨ - (ثُمَّ) بعد السلام من الصلاة (يَخْطُبُ) قائماً خطبتين اتفاقاً (كَخُطْبَتَيِ الجُمُعَةِ) في أحكامها؛ لقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الإِمَامُ فِي العِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» [مسند الشافعي ص ٧٧، وهو ضعيف لإرساله]، وقياساً على خطبة الجمعة.
- فرع: الخطبتان سنة؛ لما روى عبد الله بن السائب ﵁ قال: شَهِدْتُ مع رسول الله ﷺ العيد، فلما قَضَى الصلاة قال: «إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» [أبو داود: ١١٥٥، وابن ماجه: ١٢٩٠]، ولو وجبت لوجب حضورها واستماعها.
وقيل: واجبة على الإمام دون غيره؛ لأنه هدي النبي ﷺ ، ولئلا ينصرف الناس بلا تذكير ولا موعظة.
- فرع: (لَكِنْ) تخالف خطبةَ الجمعة في أنه (يَسْتَفْتِحُ الأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ) نسقاً، (وَ) يستفتح الخطبة (الثَّانِيَةَ بِسَبْعِ) تكبيرات كذلك؛ لقول