← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

صلى بهم عيداً إلا في مسجدهم، وأحسب ذلك والله تعالى أعلم؛ لأن المسجد الحرام خير بقاع الدنيا، فلم يحبوا أن يكون لهم صلاة إلا فيه ما أمكنهم). ب) لعذر، كمطر ونحوه؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّهُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ» [أبو داود: ١١٦٠، وابن ماجه: ١٣١٣]، ولأثر علي أنه استخلف أبا مسعود البدري ﵄ يصلي بالناس. [النسائي: ١٥٦١]. ٢ - (وَ) يسن (تَأْخِيرُ صَلَاةِ) عيد (فِطْرٍ) قال في الشرح: (لا أعلم فيه خلافاً)؛ لما روى الشافعي مرسلًا: «أن النبي ﷺ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَهُوَ بِنَجْرَانَ: عَجِّلِ الْأَضْحَى، وَأَخِّرِ الْفِطْرَ، وَذَكِّرِ النَّاسَ» [البيهقي: ٦١٤٩، وهو ضعيف]، ولِيَتمكَّنَ مَن لم يُخرج زكاةَ الفطر من إخراجها قبل الصلاة. ٣ - (وَ) يسن (أَكْلٌ قَبْلَهَا) أي: قبل الخروج لصلاة عيد الفطر، قال ابن قدامة: (لا نعلم فيه خلافاً)؛ لحديث أنس ﵁: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» [البخاري: ٩٥٣]، ولحديث بريدة الأسلمي ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ» [أحمد: ٢٢٩٨٤، والترمذي: ٥٤٢، وابن ماجه: ١٧٥٤]. ٤ - (وَ) يسن (تَقْدِيمُ) صلاة عيد (أَضْحَى)؛ لما تقدم من حديث كتاب عمرو بن حزم ﵁، ولِيتَّسِعَ وقت الأضحية لأنها لا تجوز إلَّا بعد الصلاة.

стр. 387

٥ - (وَ) يسن (تَرْكُ أَكْلٍ قَبْلَهَا) أي: قبل صلاة الأضحى (لِمُضَحٍّ)؛ حتى يأكل من أضحيَّتِه بعد الصلاة؛ لما تقدم من حديث بُريدة، فإن لم يضحِّ فإنه يأكل قبل الصلاة. - مسألة: (وَ) صفة صلاة العيد: ١ - أن (يُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ) إجماعاً، لحديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» [البخاري: ٩٦٤، ومسلم: ٨٨٤]. ٢ - ويشترط أن تكون الصلاة (قَبْلَ الخُطْبَةِ)؛ لقول ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ» [البخاري: ٩٦٣، ومسلم: ٨٨٨]، فلو قدم الخطبة لم يعتد بها. ٣ - و (يُكَبِّرُ فِي الأُولَى بَعْدَ) تكبيرة الإحرام وبعد (الاسْتِفْتَاحِ)؛ لأن تكبيرة الإحرام والاستفتاح لأول الصلاة، (وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ وَالقِرَاءَةِ)؛ لأن الاستعاذة للقراءة وليست للصلاة, فتكون ملحقة بالقراءة، (سِتًّا) زوائدَ، (وَ) يكبر (فِي) الركعة (الثَّانِيَةِ قَبْلَ القِرَاءَةِ خَمْساً) زوائدَ؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً،

стр. 388

سَبْعاً فِي الْأُولَى، وَخَمْساً فِي الْآخِرَةِ، وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا» [أحمد: ٦٦٨٨، وأبو داود: ١١٥٢، وابن ماجه: ١٢٧٩]. وعنه: يكبر في الأولى خمساً، وفي الثانية أربعاً؛ لما صح عن عبد الله بن الحارث قال: «صلى بنا ابن عباس يوم عيد، فكبر تسع تكبيرات، خمساً في الأولى، وأربعاً في الآخرة، والى بين القراءتين» [ابن أبي شيبة: ٥٧٠٨]. قال أحمد: (اختلف أصحاب النبي ﷺ في التكبير وكله جائز). قال شيخ الإسلام: (وأكثر الصحابة والأئمة يكبرون سبعاً في الأولى، وخمساً في الثانية). - فرع: التكبيرات الزوائد سنة، قال في الشرح: (بغير خلاف بين العلماء). ٤ - (رَافِعاً يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ)؛ لقول وائل بن حُجْرٍ ﵁: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» [أحمد: ١٨٨٤٨] قال أحمد: (فأرى أن يدخل فيه هذا كلُّه)، وصح عن ابن عمر ﵄ موقوفاً: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ» [ابن أبي شيبة: ١١٣٨٠]، فتكون تكبيرات العيد مثل ذلك. ٥ - (وَيَقُولُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ: «الله أَكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ لِلهِ كَثِيراً،

стр. 389

وَسُبْحَانَ الله بُكْرَةً وَأَصِيلاً، وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً»، أَوْ) يقول (غَيْرَهُ) من الذِّكْر، فليس الذكر مخصوصاً بذكر معين؛ لما ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً تَفْتَتِحُ بِهَا الصَّلَاةَ، وَتَحْمَدُ رَبَّكَ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ , ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ» الحديث [البيهقي: ٦١٨٦]، واختاره شيخ الإسلام. واختار ابن القيم: أنه يسكت سكتةً يسيرة ولا يقول شيئاً؛ لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ . (١) ٦ - (ثُمَّ يَقْرَأُ) جهراً؛ لقول ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الِاسْتِسْقَاءِ» [الدارقطني: ١٨٠٣، وهو ضعيف]، ولأن الصحابة ﵃ نقلوا عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ بالأعلى والغاشية كما سيأتي، فالظاهر أنه كان يجهر بها. ٧ - فيقرأ استحباباً (بَعْدَ الفَاتِحَةِ فِي) الركعة (الأُولَى) سورة (سَبِّحْ) أي: سورة الأعلى، (وَ) في الركعة (الثَّانِيَةِ) يقرأ سورة (الغَاشِيَةِ)؛ لقول سمرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» [أحمد: ٢٠٠٨٠].

стр. 390

وورد في السنة أيضاً: أنه يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بسورة (ق) وفي الركعة الثانية بسورة (القمر)؛ فعن عمر بن الخطاب أنه سأل أبا واقدٍ اللَّيثِيَّ ﵄: مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ: «كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)، وَ (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)» [مسلم: ٨٩١]. ٨ - (ثُمَّ) بعد السلام من الصلاة (يَخْطُبُ) قائماً خطبتين اتفاقاً (كَخُطْبَتَيِ الجُمُعَةِ) في أحكامها؛ لقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الإِمَامُ فِي العِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» [مسند الشافعي ص ٧٧، وهو ضعيف لإرساله]، وقياساً على خطبة الجمعة. - فرع: الخطبتان سنة؛ لما روى عبد الله بن السائب ﵁ قال: شَهِدْتُ مع رسول الله ﷺ العيد، فلما قَضَى الصلاة قال: «إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» [أبو داود: ١١٥٥، وابن ماجه: ١٢٩٠]، ولو وجبت لوجب حضورها واستماعها. وقيل: واجبة على الإمام دون غيره؛ لأنه هدي النبي ﷺ ، ولئلا ينصرف الناس بلا تذكير ولا موعظة. - فرع: (لَكِنْ) تخالف خطبةَ الجمعة في أنه (يَسْتَفْتِحُ الأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ) نسقاً، (وَ) يستفتح الخطبة (الثَّانِيَةَ بِسَبْعِ) تكبيرات كذلك؛ لقول

стр. 391

عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «السُّنَّةُ التَّكْبِيرُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْعِيدِ، يَبْدَأُ خُطْبَتَهُ الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ، وَيَبْدَأُ الْآخِرَةَ بِسَبْعٍ» [عبد الرزاق: ٥٦٧٣، وهو ضعيف لإرساله]. واختار شيخ الإسلام وابن القيم: أنه يفتتح كل الخطب بالحمد، العيدَ وغيرَها؛ لأن كل من وصف خطب النبي ﷺ يذكر أنه ابتدأها بالحمد لا غيره، والحديث المذكور ضعيف. - فرع: (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ فِي) خطبة عيد (الفِطْرِ مَا يُخْرِجُونَ) جنساً، وقدراً، والوجوبَ، والوقتَ؛ لأن وقت زكاة الفطر باقٍ إلى انتهاء يوم العيد، على ما يأتي في زكاة الفطر. وسيأتي أن آخر وقتها: إلى صلاة العيد؛ لقول ابن عباس ﵄: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» [أبو داود: ١٦٠٩]، وعليه فلا حاجة إلى أن يبين لهم ما يخرجون في زكاة الفطر؛ لخروج وقتها. - فرع: (وَ) يبين لهم (فِي) خطبة عيد (الأَضْحَى مَا يُضَحُّونَ) به، وأحكامَ الأضحية؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ ذكر في خطبة الأضحى كثيراً من أحكامها؛ كما في حديث البراء بن عازب [البخاري: ٩٥٥، ومسلم: ١٩٦١]، وغيره ﵃.

стр. 392

- مسألة: (وَسُنَّ التَّكْبِيرُ) في العيدين، وهو على قسمين: القسم الأول: التكبير (المُطْلَقُ) أي: الذي لم يُقَيَّدْ بأدبار الصلوات، وذلك في مواطن: ١ - في (لَيْلَتَيِ العِيدَيْنِ) في البيوت والأسواق والمساجد وغيرها، ويبدأ من غروب شمس ليلة العيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا الله﴾ [البقرة: ١٨٥]، فرتب التكبير على إكمال العدة أي: انتهاء شهر رمضان، إلى فراغ الإمام من خطبته؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: أنه يكبر حتى يبلغ الإمام. [ابن أبي شيبة: ٥٦١٩]، واختاره شيخ الإسلام. - فرع: (وَ) التكبير في عيد (الفِطْرِ آكَدُ) من التكبير المطلق في عيد الأضحى؛ لثبوته بالنص، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا الله﴾ [البقرة: ١٨٥]. واختار شيخ الإسلام (١): أن التكبير في الفطر أوكد لكونه أمر الله به، وفي النحر أوكد من جهة أنه يشرع أدبار الصلوات، ومتَّفق عليه، ويجتمع فيه الزمان والمكان.

стр. 393

٢ - (وَ) الثاني: (مِنْ) فجر (أَوَّلِ) يوم من (ذِي الحِجَّةِ)؛ لقوله تعالى: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)، والأيام المعلومات هي أيام عشر ذي الحجة، ولما ورد عن ابن عمر وأبي هريرة ﵃: «أَنَّهُمَا كَانَا يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا» [البخاري معلقًا بصيغة الجزم ٢/ ٢٠، قال ابن حجر: لم أره موصولًا]. وآخر وقت التكبير: (إِلَى فَرَاغِ الخُطْبَةِ) من يوم العيد؛ لما تقدم. واختار ابن عثيمين: أن آخر وقتها إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق؛ لقوله تعالى ﴿وَاذْكُرُوا الله فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾، والأيام المعدودات هي أيام التشريق , ولحديث نُبيشة الهُذَلي ﵁ مرفوعاً: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ» [مسلم: ١١٤١]، ولأن ابن عمر ﵄: «كان يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ، وَفِي فُسْطَاطِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَمَمْشَاهُ، تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعاً». [علقه البخاري بصيغة الجزم ٢/ ٢٠، ووصله الفاكهي في أخبار مكة: ٤/ ٢٢٨]. (وَ) القسم الثاني: التكبير (المُقَيَّدُ) وهو الذي يكون (عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ)؛ لحديث جابر ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حِينَ يُسَلِّمُ مِنَ الْمَكْتُوبَاتِ» [الدارقطني: ١٧٣٥، والبيهقي: ٢٤٩٤، وفيه ضعف]، قال الحافظ: (ولم يثبت فيه شيء عن

стр. 394

النبي ﷺ ، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة، علي وابن مسعود ﵄ [ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٥]. - فرع: يشرع التكبير إذا صلى (فِي جَمَاعَةٍ) من عيد الأضحى، لا الفطر، أما إن صلى وحده فلا يكبر؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَمْ يُكَبِّرْ» [الأوسط: ٢٢١٢]، وقال ابن مسعود ﵁: «إِنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ» [الأوسط: ٢٢١٣]. - فرع: وقت التكبير المقيد: - أوله: (مِنْ فَجْرِ عَرَفَةَ لِمُحِلٍّ)؛ وقيل لأحمد: (بأي حديث تذهب في ذلك قال: بإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود) [ابن أبي شيبة: ٥٦٣١، فما بعده، وأثر ابن عباس أخرجه الحاكم: ١١١٤]، واختاره شيخ الإسلام. (وَ) أول التكبير المقيد (لِمُحْرِمٍ: مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ)؛ لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية. وقيل: لا فرق بين المُحِلِّ والمُحْرِمِ، فالمحرم يخلط بين التلبية والتكبير؛ لحديث أنس ﵁: «كَانَ يُلَبِّي المُلَبِّي، لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ» [البخاري: ٩٧٠، ومسلم: ١٢٨٥]. - آخره: (إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)، سواء كان محلاً أم محرماً؛ لما

стр. 395

تقدم من الآثار في أنهم كانوا يكبرون إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق. - فرع: صفة التكبير: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد)؛ لوروده عن علي وابن مسعود ﵄ [ابن أبي شيبة: ٥٦٥٣]. وقيل: يكبر وتراً: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد)؛ لوروده عن ابن مسعود ﵁ [ابن أبي شيبة: ٥٦٣٣]. واختار شيخ الإسلام: أنه من الصفات المتنوعة، فيفعل هذا تارة، وهذا تارة. (فَصْلٌ) في صلاة الكسوف يقال: كَسَفَتْ بفتح الكاف وضمها، ومثله خَسَفَتْ: وهو ذهاب ضوء الشمس أو القمر أو بعضه. - مسألة: كسوف الشمس والقمر له سببان:

стр. 396

١ - سبب شرعي: وهو تخويف العباد ليرجعوا إلى الله. ٢ - سبب كوني: توسط القمر بين الأرض والشمس في كسوف الشمس، وتوسط الأرض بين الشمس والقمر في خسوف القمر. - مسألة: (وَتُسَنُّ صَلَاةُ كُسُوفٍ) عند وجود سببها؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كَسَفَتِ الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كَسَفَتِ الشمسُ لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا، وَادْعُوا الله» [البخاري: ١٠٤٣]، وصارف الأمر إلى الاستحباب حديث طلحة بن عبيد الله ﵁، لما جاء رجل يسأل عن الإسلام قال ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» [البخاري: ٤٦، ومسلم: ١١]، وحكاه النووي إجماعاً. واختار أبو عوانة، وقواه ابن القيم وابن عثيمين: أنها واجبة على الكفاية؛ للأمر الوارد في الحديث، وأما حديث طلحة فالمراد به الصلوات التي تجب يوميًّا، أما التي تجب عند وجود سبب فلا تدخل في الحديث، بدليل الصلاة المنذورة والجنازة. - فرع: يسن أن ينادى لها: (الصلاةَ جامعةً)؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ» [البخاري: ١٠٤٥، ومسلم: ٩١٠].

стр. 397

- فرع: وقت صلاة الكسوف: من ابتداء الكسوف إلى حين التجلي؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ مرفوعاً: «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا الله وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ» [البخاري: ١٠٦٠]، فإن تجلى الكسوف وهو في الصلاة أتمها خفيفة، على صفتها؛ لحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ مرفوعاً: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا الله حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ» [البخاري: ١٠٤١، ومسلم: ٩١١]، ولا يقطعها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]، وشرع تخفيفها؛ لزوال السبب، والحكم يدور مع علته. - مسألة: صفة صلاة الكسوف: أن يصلي (رَكْعَتَيْنِ)، على أن تكون (كُلُّ رَكْعَةٍ بِقِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ) وصفة ذلك: أن يقرأ في الأولى بعد الاستفتاح والتعوذ والبسملة الفاتحةَ، ثم سورةً طويلة من غير تعيين، ثم يركعَ ركوعاً طويلاً من غير تقدير، ثم يرفعَ رأسه ويسمِّعَ ويَحْمَدَ، ثم يقرأَ الفاتحة وسورةً طويلةً دون الأولى، ثم يركعَ فيطيلَ الركوعَ، وهو دون الركوع الأول، ثم يرفعَ فيسمِّعَ ويحمدَ ولا يُطيلَ، ثم يسجدَ سجدتين طويلتين، ولا يُطيلَ الجلوسَ بين السجدتين، ثم يصلي الركعة الثانية كالركعة الأولى، لكن دونها في كل ما يفعلُ فيها، ثم يتشهَّدَ ويسلِّمَ؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً نَحْواً مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ

стр. 398

رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ» [البخاري: ١٠٥٢، ومسلم: ٩٠٧]. - فرع: لا يُطيلُ القيامَ بعد الرفع من الركوع الثاني، ولا الجلوسَ بين السجدتين؛ لعدم وروده. وقيل: يسن تطويلهما كباقي الأركان؛ لوروده في حديث جابر ﵁، وفيه: «فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ» [مسلم: ٩٠٤]. - فرع: الأفضل أن يصلي في كل ركعة ركوعين، وإن أتى مصلي الكسوف في كل ركعة بثلاثِ ركوعات أو أربعٍ أو خمسٍ جاز؛ لحديث جابر ﵁، وفيه: «فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» [مسلم: ٩٠٤]، وحديث ابن عباس ﵄: «صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، ثَمَانَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» [مسلم: ٩٠٨]، وعن أبي بن كعب ﵁: «فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ، وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ، فَقَرَأَ سُورَةً مِنَ الطُّوَلِ، وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ» [أبو داود: ١١٨٢]. واختار شيخ الإسلام: أنه لا يزيد على ركوعين في كل ركعة؛ لضعف الصفات الواردة غير هذه، وذلك أن الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهم

стр. 399

رجحوا رواية الركوعين على باقي الروايات، ولأن جميع الروايات الواردة تشير إلى موت إبراهيم بن النبي ﷺ ، مما يدل على أنه صلاها مرة واحدة، قال شيخ الإسلام: (وهذا أصح الروايتين عن أحمد، وروي عنه أنه كان يجوز ذلك قبل أن يتبين له ضعف هذه الأحاديث). - مسألة: (وَ) يسن (تَطْوِيلُ) قراءة الـ (سُورَةِ) في كل الركعات من غير تقدير؛ لحديث ابن عباس السابق، وفيه: «فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ». - مسألة: يسن أن يقرأ في صلاة الكسوف جهراً ولو نهاراً، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث عائشة ﵂ قال: «جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ» [البخاري: ١٠٦٥، ومسلم: ٩٠١]. - مسألة: (وَ) يسن تطويل الـ (تسْبِيحِ) في الركوع والسجود؛ لما تقدم في الحديث. - مسألة: (وَ) يسن (كَوْنُ أَوَّلِ كُلِّ) ركوع من الركوعين (أَطْوَلَ) من الركوع الذي بعده، وسبق بيانه. - مسألة: لا يشرع لصلاة الكسوف خطبة؛ لأن النبي ﷺ أمر بها دون الخطبة، وإنما خطب بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به. وقيل: يخطب خطبة واحدة من غير جلوس؛ لفعل النبي ﷺ كما تقدم في الأحاديث، حيث خطب خطبة واحدة، ولم يَرِدْ أنه خطب كخطبتي الجمعة.

стр. 400

- مسألة: لا يصلي لغير الكسوف من الآيات؛ لعدم نقله عنه وعن أصحابه ﷺ ، مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر وهبوب الرياح والصواعق، إلا الزلزلةَ فيصلى لها إن دامت؛ لثبوته عن ابن عباس [عبد الرزاق: ٤٩٢٩]، وعن علي ﵃ [البيهقي: ٦٣٨٢]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يُصلى لكل آية؛ لحديث أبي بَكْرَةَ ﵁ مرفوعاً: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ الله تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ» [البخاري: ١٠٤٨]، فدل على أن كل آيةِ تخويفٍ يصلى لها، وأما ما حصل في عهد النبي ﷺ من رياح وصواعق فقد تكون معتادة. فصل في صلاة الاستسقاء الاستسقاء: الدعاء بطلب السقيا على صفة مخصوصة. - مسألة: (وَ) تسن صلاة (اسْتِسْقَاءٍ)، والاستسقاء على ثلاثة أنواع: ١ - الاستسقاء بالصلاة، وهو أكملها، وهو سنة مؤكدة؛ لقول عبد الله بن زيد ﵁: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ» [البخاري: ١٠٢٤، ومسلم: ٨٩٤].

стр. 401

٢ - استسقاء الإمام يوم الجمعة في خطبتها، كما فعل النبي ﷺ في حديث أنس ﵁ [البخاري: ٩٣٣، ومسلم: ٨٩٧]. ٣ - الاستسقاء بالدعاء المجرد دون صلاة؛ لما روى عُمير مولى آبِي اللحمِ ﵁: " أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ الله ﷺ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيباً مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِماً، يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعاً كَفَّيْهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ، مُقْبِلٌ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ إِلَى وَجْهِهِ " [أحمد: ٢١٩٤٤، وأبو داود: ١١٦٨، والترمذي: ٥٥٧، والنسائي: ١٥١٤]. - مسألة: تشرع صلاة الاستسقاء (إِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ) أي: أمحلت، والجدب نقيض الخصب، (وَقُحِطَ المَطَرُ) أي: احتبس فلم ينزل وضر ذلك، أو غار ماء الأنهار، أو نَقَصَ ماء العيون، وهي سنة مؤكدة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأَمر بمنبر، فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، ثم قال: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ» الحديث. [أبو داود: ١١٧٣]. - مسألة: (وَصِفَتُهَا) أي: صلاة الاستسقاء (وَأَحْكَامُهَا)، وموضعها ووقتها (كَـ) صلاة وأحكام وموضع صلاة (عِيدٍ)؛ قال ابن عباس ﵄: «سُنَّةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ» [الحاكم: ١٢١٧، والدارقطني: ١٨٠٠، والبيهقي: ٦٤٠٥، وفيه ضعف]، وقال ابن عباس ﵄ أيضاً: «صَلَّى رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 402

رَكْعَتَيْنِ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ» [أحمد: ٢٠٣٩، وأبو داود: ١١٦٥، والترمذي: ٥٥٨، والنسائي: ١٥٠٨، وابن ماجه: ١٢٦٦]. - فرع: ليس لصلاة الاستسقاء وقت محدد، إلا أنها لا تفعل أوقاتَ النهي، والأفضل فعلها في وقت صلاة العيد؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ» [أبو داود: ١١٧٣]. - مسألة: (وَهِيَ) أي: صلاة الاستسقاء، كونها تصلى في جماعة أفضل؛ لظاهر حديث عبد الله بن زيد السابق، (وَ) كذا (الَّتِي قَبْلَهَا) أي: صلاة الكسوف، كونها تصلى في (جَمَاعَةٍ أَفْضَلُ)؛ لقول عائشة ﵂: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ» [البخاري: ١٠٤٦، ومسلم: ٩٠١]، وتصح فرادى؛ كسائر النوافل. - مسألة: (وَإِذَا أَرَادَ الإِمَامُ الخُرُوجَ لَهَا) أي: صلاة الاستسقاء: ١ - (وَعَظَ النَّاسَ) أي: ذَكَّرَهُم بما يُلَيِّنُ قلوبهم من الثواب والعقاب. ٢ - (وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ وَالخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ) وذلك بِرَدِّها إلى مُستحِقِّيها؛ لأن المعاصيَ سبب القحط، والتقوى سبب البركات، قال تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض).

стр. 403

٣ - (وَ) أمرهم بـ (تَرْكِ التَّشَاحُنِ)، من الشحناء، وهي العداوة، لأنها تحمل على المعصية، وتمنع نزول الخير؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعاً: «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ» [البخاري: ٢٠٢٣]. ٤ - (وَ) أمرهم بـ (الصِّيَامِ)؛ لأنه وسيلة إلى نزول الغيث، لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «ثَلَاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ» الحديث. [أحمد: ٨٠٤٣، والترمذي: ٣٥٩٨، وابن ماجه: ١٧٥٢]. قال ابن عثيمين: (فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله، لكن لو اختار يوم الاثنين ولم يجعله سنة راتبة؛ ليصادف صيام بعض الناس، لم يكن به بأس). ٥ - (وَ) أمرهم بـ (الصَّدَقَةِ)؛ لأنها متضمنة للرحمة، وفي حديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ» [ابن ماجه: ٤٠١٩]. ٦ - (وَيَعِدُهُمْ) أي: يُعيِّن لهم (يَوْماً يَخْرُجُونَ فِيهِ)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْماً يَخْرُجُونَ فِيهِ» [أبو داود: ١١٧٣]، وليتهيؤوا للخروج على الصفة المسنونة. ٧ - (وَيَخْرُجُ) الإمام وغيره (مُتَوَاضِعاً) أي: متقصداً التواضع، وهو ضد الكبر، (مُتَخَشِّعاً) أي: خاضعاً، بسكون الأعضاء، ورمي البصر إلى

стр. 404

الأرض، وخفض الصوت، (مُتَذَلِّلاً) من الذل وهو الهوان، استكانةً وتعظيماً لله، (مُتَضَرِّعاً) أي: مستكيناً لله تعالى؛ لقول ابن عباس ﵄: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ مُتَوَاضِعاً مُتَبَذِّلاً، مُتَخَشِّعاً، مُتَضَرِّعاً» [أحمد: ٢٠٣٩، والترمذي: ٥٥٨، والنسائي: ١٥٢١، وابن ماجه: ١٢٦٦]، ٨ - ويخرج الإمام وغيره (مُتَنَظِّفاً) لها؛ لئلا يؤذي، والمراد بالتنظف ثلاثة أمور: أ) إزالة ما ينبغي إزالته شرعاً؛ كتقليم الأظفار، ونتف الإبْط، وحلق العانة، وقص الشارب. ب) إزالة ما ينبغي إزالته طبعاً؛ كقطع العرق، والرائحة الكريهة. ت) الغسل، وسبق في باب الغسل. ٩ - و (لَا) يخرج (مُطَيَّباً)؛ لأنه يوم استكانة وخضوع. وقيل: لا يمنع من الطيب؛ لعدم ورود المانع، والطيب مسنون كل وقت؛ وفي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ، خَفِيفُ الْمَحْمَلِ» [أحمد: ٨٢٦٤، وأبو داود: ٤١٧٢، والنسائي: ٥٢٥٩]، ولا منافاة بين الطيب وبين الخضوع والاستكانة. ١٠ - ويخرج الإمام (وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ، وَالشُّيُوخُ)؛ لأن عمر

стр. 405

استسقى بدعاء العباس ﵄ [البخاري: ١٠١٠]، ولأنه أسرع لإجابتهم، (وَ) يخرج معه (مُمَيّزُ الصِّبْيَانِ)؛ لأنهم لا ذنوب لهم، فترجى إجابتهم. ١١ - (فَيُصَلِّي) بهم ركعتين كالعيد؛ لما تقدم من حديث ابن عباس ﵄. ١٢ - (ثُمَّ يَخْطُبُ) خطبة (وَاحِدَةً)؛ لأنه لم ينقل أن النبي ﷺ خطب بأكثر منهما. ١٣ - وتكون الخطبة بعد الصلاة؛ كما في خطبة العيد؛ لقول ابن عباس السابق: «وَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ». وعنه: يخطب قبل الصلاة كالجمعة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ ، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ ﷺ ، وَحَمِدَ الله ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ» الحديث، «ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» [أبو داود: ١١٧٣]. والأقرب أن يقال: هذا من السنن المتنوعة، فيخطب قبل الصلاة أحياناً، ويخطب بعدها أحياناً. ١٤ - و (يَفْتَتِحُهَا) أي: الخطبة (بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ عِيدٍ)، وهو من المفردات؛ لقول ابن عباس ﵄: «فَصَنَعَ فِيهِ كَمَا يَصْنَعُ فِي الفِطْرِ وَالْأَضْحَى» [الحاكم: ١٢١٨، والدارقطني: ١٨٠٦، والبيهقي: ٦٤٠٤].

стр. 406

وعنه، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام: يفتتحها بالحمد، كما تقدم في خطبة العيد. ١٥ - (وَيُكْثِرُ فِيهَا) أي: في الخطبة من (الاسْتِغْفَارِ، وَقِرَاءَةِ الآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِهِ)؛ لأن الاستغفار سبب نزول الغيث، لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ [نوح: ١٠]. ١٦ - (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) استحباباً في الدعاء؛ لقول أنس ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» [البخاري: ١٠٣١، ومسلم: ٨٩٥]. ١٧ - (وَ) تكون (ظُهُورُهُمَا) أي: يديه (نَحْوَ السَّمَاءِ)؛ لما روى أنس بن مالك ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى، فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ» [مسلم: ٨٩٥]. وفي وجه اختاره شيخ الإسلام: أن دعاء الاستسقاء كغيره، فتكون بطون أصابعه نحو السماء، وإنما صار كفهما نحو السماء لشدة الرفع. ١٨ - (فَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ تأسياً به، (وَمِنْهُ): أ) (اللهمَّ اسْقِنَا غَيْثًا) والغيث: المطر، (مُغِيثاً) أي: منقذاً من الشدة،

стр. 407

(إِلَى آخِرِهِ) أي: آخر الدعاء: «مَرِيئاً مَرِيعاً، نَافِعاً غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ» [أبو داود: ١١٦٩]. مريئاً: هو السهل النافع المحمود العاقبة، ومريعاً: مخصبًا كثير النبات. ب) «اللهمَّ اسْقِ عِبَادَكَ، وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ» [أبو داود: ١١٧٦]. ت) «اللهمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، وَلَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ» [البيهقي: ٦٤٤٣]. ١٩ - ويسن أن يحوِّل الإمام رداءه، فيجعلَ الأيمنَ على الأيسر، والأيسرَ على الأيمن؛ لحديث عبد الله بن زيد السابق: «وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ»، وفي رواية البخاري: «جَعَلَ اليَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ»، ويفعل الناس كذلك؛ لأن الأصل التأسي، ويتركونه حتى يَنْزِعُوه مع ثيابهم؛ لعدم نقل إعادته. - مسألة: (وَإِنْ كَثُرَ المَطَرُ حَتَّى خِيفَ) منه (سُنَّ قَوْلُ: اللهمَّ حَوَالَيْنَا) أي: أنزله حوالَيِ المدينة في مواضع النبات، (وَلَا عَلَيْنَا) في المدينة ولا في غيرها من المباني، (اللهمَّ عَلَى الظِّرَابِ) أي: الروابي الصغار، (وَالآكَامِ) على وزن آصال وجبال، قال مالك: هي الجبال الصغار، (وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ) أي: الأمكنة المنخفضة، (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) أي: أصولها؛ لأنه أنفع لها؛ لما

стр. 408

روى أنس ﵁ أنه ﷺ كان يقول ذلك [البخاري: ١٠١٤، ومسلم: ٨٩٧]، (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي: لا تُكلِّفْنا من الأعمال ما لا نُطيق، (الآيَةَ) أي: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قال ابن عثيمين: (لو قالها على سبيل الدعاء فلا بأس، أما على سبيل السنية فلا؛ لعدم وروده). - فرع: لا يصلي إذا كثر المطر حتى خيف منه؛ لعدم وروده، ويدعو؛ لأنه أحد الضررين، فاستحب الدعاء لانقطاعه.

стр. 409

(كِتَابُ الجَنَائِزِ) بفتح الجيم: جَمْعُ جِنازة، -بالكسر، والفتح لغةٌ-، وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش عليه ميت، فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال: نَعْش ولا جنازة، وإنما يقال: سرير، وذَكَره هنا -وكان حقه أن يُذكر بين الوصايا والفرائض- لأن أهم ما يُفعل بالميت الصلاة. - مسألة: (تَرْكُ الدَّوَاءِ) للمريض (أَفْضَلُ) من التداوي؛ لأنه أقرب إلى التوكُّل، ويجوز اتفاقاً؛ لحديث أسامة بن شَريك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ» [أحمد ١٨٤٥٥، وأبو داود ٣٨٥٥، وابن ماجه ٣٤٣٦]. ولا يجب ولو ظُنَّ نفعُه؛ لحديث ابن عباس ﵄ في المرأة التي تُصْرَع وتتكشف، فطلبت من النبي ﷺ أن يدعو لها، فقال: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ الله أَنْ يُعَافِيَكِ»، قالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها. [البخاري ٥٦٥٢، ومسلم ٢٥٧٦].

стр. 410

وقال ابن عثيمين: التداوي لا يخلو من أحوال: ١ - ما عُلِم أو غَلَب على الظنِّ نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه؛ فهذا واجب، كالسرطان الموضعي، فإنه إذا قُطِعَ شُفِي المريض بإذن الله؛ لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم). ٢ - ما عُلم أو غَلب على الظن نفعه، وليس هناك هلاك محقق بتركه؛ فالتداوي أفضل؛ للأمر به في حديث أسامة بن شريك السابق. ٣ - أن يحتمل نفعه وعدمه؛ فتركه أفضل؛ لأنه أقرب إلى التوكل. - مسألة: (وَسُنَّ اسْتِعَدَادٌ للْمَوْتِ) بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، لقوله تعالى: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) [الكهف: ١١٠]. - مسألة: (وَ) سن (إِكْثَارٌ مِنْ ذِكْرِهِ) أي: الموت؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ»، يعْنِي: المَوْتَ، وفي رواية: «هَاذمِ اللَّذَّاتِ» [أحمد ٤٢٥٨، والترمذي ٢٣٠٧، وابن ماجه ٤٢٥٨]. - مسألة: (وَ) تسن (عِيَادَةُ) كلِّ مريض (مُسْلِمٍ)، ولو من وجع ضرس ونحوه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ» [البخاري ١٢٤٠، ومسلم ٢١٦٢].

стр. 411

واختار شيخ الإسلام: أن عيادة المريض فرض كفاية؛ لظاهر حديث أبي هريرة ﵁ السابق، فإنه لا يكون حقًّا إلا إذا كان واجباً. - فرع: تسن عيادة كل مريض مسلم (غَيْرِ): ١ - (مُبْتَدِعٍ)، داعية أو لا، فتحرم عيادته؛ لوجوب هجره؛ ليرتدع ويتوب. ٢ - مجاهرٍ بالمعصية، فيسن عدم عيادته؛ لأنه يُسن هجره أيضاً. واختار شيخ الإسلام: أن الهجر يرجع فيه للمصلحة؛ لأن الحكمة مِن الهجر الزجر واتِّعاظ العامة، فإن تحققت المصلحة هُجِر وإلا فلا. - فرع: تحرم عيادة الذِّمي؛ لما فيه من تعظيمه (١). وعنه واختاره شيخ الإسلام: تجوز عيادة الذمي إن رُجِي إسلامه؛ لحديث أنس ﵁ قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ ، فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: «أَسْلِمْ»، فأسلم. [البخاري ٥٦٥٧]. - مسألة: (وَ) سُنَّ (تَذْكِيرُهُ) أي: المريض، - سواء كان مرضه مخوفًا أم لا - بأمور:

стр. 412

١ - (التَّوْبَةِ)؛ لأنها واجبة على كل حال، وهو أحوج إليها من غيره؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله لَيَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» [أحمد ٦١٦٠، والترمذي ٣٥٣٧، وابن ماجه ٤٢٥٣]، ولحديث أنس السابق. ٢ - (وَالوَصِيَّةِ)؛ لحديث ابن عمر ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» [البخاري ٢٧٣٨، ومسلم ١٦٢٧]. - مسألة: آداب المحتضر، وأشار إليها بقوله: (فَإِذَا نُزِلَ بِهِ)، أي: نَزَل المَلك بالمريض لقبض روحه، (سُنَّ تَعَاهُدُ) أرفقِ أهله وأتقاهم لربه: ١ - بـ (بَلِّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَ) سُنَّ (تَنْدِيَةُ شَفَتَيْهِ) بقطنة؛ لأن ذلك يُسهِّل عليه النطق بالشهادة، ويُطفئ ما نزل به من الشدة، كما في حديث عائشة ﵂ في مرض النبي ﷺ : فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه، يقول: «لا إِلَهَ إِلَّا الله، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ»، ثم نصب يده، فجعل يقول: «فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى» حتى قُبض ومالت يده [البخاري ٤٤٤٩]. ٢ - (وَ) سن (تَلْقِينُهُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله»)؛ لحديث أبي سعيد ﵁ قال:

стр. 413

قال رسول الله ﷺ : «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله» [مسلم ٩١٦]، ويلقنه (مَرَّةً (١) نص عليه، فإن لم يُجِب كرر التلقين، (وَلَا يُزَادُ عَلَى ثَلَاثِ) مرات؛ لئلا يضجره، (إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ) بعد لا إله إلا الله، (فَيُعَادُ) عليه التلقين (بِرِفْقٍ)؛ ليكون آخر كلامه ذلك، وذكره النووي إجماعاً. ٣ - (وَ) يسن (قِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ) عند المحتضر؛ لفضلها. والأقرب: أنه لا يشرع؛ إذ العبادات توقيفية، ولم يرد ما يدل على ذلك. ٤ - (وَ) يسن أيضا قراءة سورة («يس» عِنْدَهُ)، أي: المحتضر؛ لحديث معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقْرَؤوا ﴿يس﴾ عَلَى مَوْتَاكُمْ» [أحمد ٢٠٣٠١، وأبو داود ٣١٢١، وابن ماجه ١٤٤٨، وضعفه الدارقطني]، والمراد بالحديث: من كان في سياق الموت، وسُمي ميتاً باعتبار ما يؤول إليه، قال شيخ الإسلام: (والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضَر، فإنها تستحب بـ «يس»). واختار ابن باز: عدم مشروعية ذلك؛ لضعف حديث معقل السابق.

стр. 414

٥ - (وَ) سن (تَوْجِيهُهُ إِلَى القِبْلَةِ)، نقله النووي إجماعاً (١)؛ لحديث أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور ﵁، فقالوا: توفي، وأوصى بثلثه لك يا رسول الله، وأوصى أن يوجَّه إلى القبلة لما احتُضِر، فقال رسول الله ﷺ : «أَصَابَ الفِطْرَةَ، وَقَدْ رَدَدْتُ ثُلُثَهُ عَلَى وَلَدِهِ» [الحاكم ١٣٠٥، والبيهقي ٦٦٠٤]. - مسألة: (وَ) يسن (إِذَا مَاتَ) المحتضر سننٌ، منها: ١ - (تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) اتفاقاً؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة ﵁ وقد شَقَّ بصرُه، فأغمضه، ثم قال: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» [مسلم ٩٢٠]، ولئلا يقبح منظره ويُساء به الظن. ٢ - (وَ) يسن (شَدُّ لَحْيَيْهِ) (٢) بعصابة ونحوها تربط فوق رأسه، اتفاقاً؛ لئلا يدخله الهوام، أو الماء في وقت غسله، وروي أن عمر ﵁ قال لابنه حين حضرته الوفاة: " اُدْنُ مِنِّي، فَإِذَا رَأَيْت رُوحِي قَدْ بَلَغَتْ لَهَاتِي، فَضَعْ

стр. 415

كَفَّك الْيُمْنَى عَلَى جَبْهَتِي، وَالْيُسْرَى تَحْتَ ذَقَنِي، وَأَغْمِضْنِي " [ذكره ابن قدامة في المغني ولم يسنده ٣/ ٣٦٥]. ٣ - (وَ) سن (تَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ) اتفاقاً؛ ليسهل تغسيله، فيرد ذراعيه إلى عضديه، ثم يردهما إلى جنبه، ثم يردهما، ويرد ساقيه إلى فخذيه، وهما إلى بطنه، ثم يردهما، ويكون ذلك عقب موته قبل قسوتهما، فإن شق ذلك تركه. ٤ - (وَ) سن (خَلْعُ ثِيَابِهِ) اتفاقاً؛ لئلا يُحمى جسده فيَسرع إليه الفساد، وربما خرجت منه نجاسة فلوثتها. ٥ - (وَ) سن (سَتْرُهُ) كله (بِثَوْبٍ) اتفاقاً؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ» [البخاري ٥٨١٤، ومسلم ٩٤٢]. ٦ - (وَ) سن (وَضْعُ حَدِيدَةٍ أَوْ نَحْوِهَا) كمِرآة أو طين، (عَلَى بَطْنِهِ) اتفاقاً؛ لقول أنس ﵁ لما مات مولًى له: «ضَعُوا عَلَى بَطْنِهِ حَدِيدَةً» [البيهقي ٦٦١٠]، ولئلا ينتفخ بطنه. ٧ - (وَ) سن (جَعْلُهُ عَلَى سَرِيرِ غَسْلِهِ) اتفاقاً؛ ليبعد عن الهوام، ويرتفع عن نداوة الأرض. ٨ - وسن كونه (مُتَوَجِّهاً) إلى القبلة؛ لعموم حديث عبيد بن عمير عن أبيه مرفوعاً: «البَيْتُ الحَرَامُ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» [أبو داود ٢٨٧٥]، ولقول عمر

стр. 416

لابنه ﵄ حين حضرته الوفاة: «إِذَا حَضَرَتِ الوَفَاةُ، فَاصْرِفْنِي» [مصنف ابن أبي شيبة ١٠٨٧٠]. ٩ - وسن كونه (مُنْحَدِراً نَحْوَ رِجْلَيْهِ)، بأن يكون رأسه أعلى من رجليه؛ لينحدر عنه الماء وما يخرج منه. ١٠ - (وَ) سن (إِسْرَاعُ تَجْهِيزِهِ) اتفاقاً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» [البخاري ١٣١٥، ومسلم ٩٤٤]، ولأنه أصون له، وأحفظ من التغيير. - فرع: يستثنى من الإسراع في تجهيزه: ١ - إن مات فجأة، أو شُكَّ في موته، حتى يُتيقن موته؛ لاحتمال عدمه. ٢ - إن كان لانتظار من يحضره من ولي أو غيره، أو كثرة جَمع إن كان قريباً، ما لم يُخش عليه أو يَشق على الحاضرين؛ لما يؤمل من الدعاء له إذا صُلي عليه. - مسألة: (وَيَجِبُ) الإسراع (فِي نَحْوِ): ١ - (تَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ)؛ لما فيه من تعجيل الأجر، والمذهب: يسن، كما في الإقناع والمنتهى.

стр. 417

٢ - (وَقَضَاءِ دَيْنِهِ)، سواء كان حقًّا لله تعالى كالزكاة، أو حقًّا لآدمي كرد أمانة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» [أحمد ٩٦٧٩، والترمذي ١٠٧٨، وابن ماجه ٢٤١٣]. (فَصْلٌ) في غُسْلِ الميت غسل الميت وتكفينه فرض كفاية، وحكاه ابن حزم اتفاقاً في الجملة؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وَقَصَته دابته فمات: قال ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» [البخاري ١٢٦٥، ومسلم ١٢٠٦]. - مسألة: في صفة غسل الميت، قال رحمه لله: (وَإِذَا أَخَذَ) أي: شرع الغاسل (فِي غَسْلِهِ) فعل أموراً: ١ - (سَتَرَ عَوْرَتَهُ) وجوباً؛ قال ابن قدامة: (بغير خلاف)، ولأن حرمته ميتًا كحرمته حيًّا، إلا من دون سبع، فلا بأس بغسله مجرداً؛ لأن ليس لعورته حكم، (وَسُنَّ سَتْرُ) الميت (كُلِّه عَنِ العُيُونِ)؛ لأنه ربما كان به عيب يستره في حياته، أو تظهر عورته.

стр. 418

- فرع: (وَكُرِهَ حُضُورُ غَيْرِ مُعِينٍ) في غسله، وهو من يحتاج إليه لصب الماء ونحوه؛ لأنه ربما حدث ما يكره الحي أن يطلع منه على مثله، وربما ظهر منه شيء هو في الظاهر منكر فيتحدث به فيكون فضيحة، والحاجة غير داعية إلى حضوره، إلا وليَّه فله الدخول كيف شاء، قاله القاضي وابن عقيل. ٢ - (ثُمَّ نَوَى) الغاسل تغسيل الميت؛ لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧]، (وَسَمَّى) في غسله عن الميت؛ لتعذر النية والتسمية منه، (وَهُمَا) أي: النية والتسمية في الحكم (كَـ) حكمهما (فِي غُسْلِ حَيٍّ)، فالنية شرط لا يصح الغسل إلا بها، والتسمية واجبة مع الذكر، وتسقط سهواً، على ما تقدم في الغسل؛ لأن غسل الميت طهارة تعبدية، فاشترط له النية والتسمية؛ كغسل الجنابة. ٣ - (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَ) الميت (غَيْرَ) أنثى (حَامِلٍ)؛ لأنه يؤذي الحمل، (إِلَى قُرْبِ جُلُوسٍ)، بحيث يكون كالمحتَضَن في صدر غيره، (وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ)؛ ليخرج ما في بطنه من نجاسة، (بِرِفْقٍ)؛ لأن الميت في محل الشفقة والرحمة، (وَيُكْثِرُ) صب (المَاءِ حِينَئِذٍ)؛ ليذهب ما خرج بالعصر، ولا تظهر رائحته.

стр. 419

٤ - (ثُمَّ يَلُفُّ) الغاسل (عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً) أو نحوها من قفاز، أو كيس، (فَيُنَجِّيهِ) أي: الميت (بِهَا) اتفاقاً؛ لإزالة النجاسة، وتطهير الميت من غير تعدي النجاسة إلى الغاسل؛ لما روي عن علي ﵁: «أَنَّهُ غَسَّلَ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَمِيصٌ، وَبِيَدِ عَلِيٍّ ﵁ خِرْقَةٌ يُتْبِعُ بِهَا تَحْتَ الْقَمِيصِ» [الطبراني في الكبير ٦٢٩، والبيهقي، ٦٢٢٥، وضعفه ابن كثير]. ٥ - (وَحَرُمَ مَسُّ عَوْرَةِ مَنْ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ) فأكثر بغير حائل؛ لأن التطهير يمكن بدون ذلك، وحرمته ميتًا كحرمته حيًّا؛ لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» [أحمد ٢٤٦٨٦، وأبو داود ٣٢٠٧، وابن ماجه ١٦١٦]. - فرع: يستحب ألا يمس سائر بدن الميت إلا بخرقة؛ لفعل علي ﵁ مع النبي ﷺ ، وليأمن مس العورة المحرَّم مسَّها، فحينئذ يعد الغاسل خرقتين: إحداهما للسبيلين، والأخرى لبقية بدنه. ٦ - ثم يغسل كفَّي الميت، ندباً؛ كغسل الحي، (ثُمَّ يُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ) السبابة والإبهام (وَعَلَيْهِمَا خِرْقَةٌ مَبْلُولَةٌ)؛ صيانة لليد وإكراماً للميت، (فِي فَمِهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ، وَ) يدخلهما (فِي مَنْخِرَيْهِ فَيُنَظِّفُهُمَا) بها؛ لإزالة ما على

стр. 420

تلك الأعضاء من الأذى، (بِلَا إِدْخَالِ مَاءٍ) في فمه وأنفه، فيقوم المسح فيهما مقام المضمضة والاستنشاق؛ خشية تحريك النجاسة بدخول الماء إلى جوفه. ٧ - (ثُمَّ يُوَضِّئُهُ) ندباً؛ لحديث أم عطية ﵂: أن النبي ﷺ قال لهن في غسل ابنته: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا» [البخاري ١٦٧، ومسلم ٩٣٩]، ما عدا المضمضة والاستنشاق فعلى ما سبق بيانه. ٨ - (وَيَغْسِلُ رَأْسَهُ) أي: رأس الميت (وَلِحْيَتَهُ)؛ لأن الرأس أشرف الأعضاء، (بِرَغْوَةِ السِّدْرِ) المضروب؛ لأن الرغوة لا تَعْلق بالشعر فناسب أن يغسل بها الرأس واللحية؛ لتزول الرغوة بمجرد جري الماء عليها، (وَ) يغسل (بَدَنَهُ بِثُفْلِهِ) أي: بثُفل السدر، ويكون السدر في كل غسلة؛ لحديث أم عطية ﵂: «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [البخاري ١٢٥٣، ومسلم ٩٣٩]. واختار ابن قدامة: أن رغوة السدر يغسل بها الرأس واللحية وسائر البدن. ٩ - (ثُمَّ يُفِيضُ عَلَيْهِ المَاءَ)؛ ليعمه بالغسل، (وَسُنَّ تَثْلِيثٌ) أي: تكرير غسل بدنه ثلاثاً؛ لحديث أم عطية السابق: «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ

стр. 421

أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»، إلا الوضوء ففي الغسلة الأولى فقط، ما لم يخرج شيء فيعيد الوضوء وجوباً. ١٠ - (وَ) سن (تَيَامُنٌ) اتفاقاً؛ لحديث أم عطية السابق، وفيه: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا»، فيغسل شقه الأيمن من نحو رأسه إلى نحو رجليه، ثم الأيسر كذلك، ويَقْلِبُه على جنبه مع غسل شقيه، فيرفع جانبه الأيمن ويغسل ظهره ووركه وفخذه، ويفعل بجانبه الأيسر كذلك، ولا يكبه على وجهه؛ إكراماً له، ثم يفيض الماء على جميع البدن، فيكون ذلك غسلة واحدة. ١١ - (وَ) سن (إِمْرَارُ) غاسل (يَدَهُ) في (كُلِّ مَرَّةٍ) من الثلاث (عَلَى بَطْنِهِ) أي: بطن الميت، برفق؛ ليخرج ما تخلف. ١٢ - (فَإِنْ لَمْ يَنْقَ) بثلاث غسلات (زَادَ حَتَى يَنْقَى)، ولو جاوز سبع غسلات، وسن قطعه على وتر، اتفاقاً؛ لحديث أم عطية السابق، وفيه: «اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا: ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِك». - مسألة: (وَكُرِهَ اقْتِصَارٌ) في غسل ميت (عَلَى مَرَّةٍ)؛ لحديث أم عطية ﵂: «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِك، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»، ويجزئ مرة؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقَصته راحلته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [البخاري ١٢٦٥، ومسلم ١٢٠٦]، وهذا يصدق بمرة واحدة.

стр. 422

وهذا إِن لم يَخْرُج شيء من الميت بعد المرة، فإِن خَرَجَ شيء وجب إِعادة الغسل إلى سبع غسلات؛ لأن الظاهر أن الشارع إنما كرر الأمر بغسلها من أجل توقع النجاسة، فإن خرج من الميت بعد الغسلة السابعة، فلا يعاد غسله؛ لأنه ﵇ لم يزد عليها، كما في حديث أم عطية في رواية: «ثَلاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا»، ولم يزد على السبع [البخاري ١٢٥٤، ومسلم ٩٣٩]. وقال جماعة: إنه يعاد غسله؛ لأن الزيادة على الثلاث لأجل الإنقاء، فكذا ما بعد السبع؛ ولحديث أم عطية السابق: : «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ». - مسألة: (وَ) يكره في غسل الميت: ١ - غَسله بـ (مَاءٍ حَارٍّ) بلا حاجة؛ لأن السنة لم ترد به، ولأنه يرخيه، فإن احتيج إليه لشدة برد أو وسخ لا يزول إلا به لم يكره. ٢ - (وَ) كره استخدام (خِلالٍ)، بأن يخلل أسنان الميت بعود ونحوه بلا حاجة؛ لأن السنة لم ترد به، ومع عدم الحاجة يكون كالعبث، فإن احتيج إليه لإزالة وسخ لم يكره. ٣ - (وَ) كره استعمال (أُشْنانٍ) أو نحوه كصابون (بِلَا حَاجَةٍ)؛ لأن السنة لم ترد به، ومع عدم الحاجة يكون كالعبث، فإن احتيج إليه لكثرة وسخ لم يكره.

стр. 423

٤ - (وَ) كره (تَسْرِيحُ شَعْرِهِ) أي: الميت، رأساً كان أو لحية؛ لما فيه من تقطيع الشعر بلا حاجة، وفي حديث أم عطية: «فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا» [البخاري ١٢٦٣]، وأما رواية: «مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ» [البخاري ١٢٥٤، ومسلم ٩٣٩]، فقال ابن قدامة: (قال أحمد: إنما ضفرن، وأنكر المَشْط، فكأنه تأول قولها: «مَشَطْنَاهَا» على أنها أرادت ضفرناها)، وعن عائشة ﵂: أنه مرت بقوم يسرحون شعر ميت، فنهتهم عن ذلك وقالت: «عَلَامَ تَنُصُّونَ مَيِّتَكُمْ» [مصنف عبد الرزاق ٦٢٣٢، وفيه انقطاع]. - مسألة: (وَ) سن في غسل الميت: ١ - جعل (كَافُورٍ وَسِدْرٍ فِي) الغسلة (الأَخِيرَةِ)؛ لحديث أم عطية ﵂: «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِك، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»، ولأنه يصلب الجسم، ويبرده، ويطيبه، ويطرد عنه الهوام. ٢ - (وَخِضَابُ شَعْرِ) الميت، أي: لحية رجل، ورأس امرأة، بحناء وغيره؛ كما هي عادة الحي. ٣ - (وَ) أما ما يتعلق بفعل سنن الفطرة للميت، فعلى أقسام: أ- (قَصُّ شَارِبٍ، وَتَقْلِيمُ أَظْفَارٍ) لميت: فيسن أخذهما (إِنْ طَالَا)، وهو

стр. 424

من المفردات؛ لأن ذلك تنظيف لا يتعلق بقطع عضو؛ أشبه إزالة الأوساخ والأدران، ويعضد ذلك العمومات في سنن الفطرة. ب أخذ شعر إبْطه: يسن أخذه؛ للتعليل السابق. وقيل: تؤخذ إن فحشت، وإلا فلا؛ لعدم وروده عن النبي ﷺ . ت أخذ عانته: يحرم؛ لما فيه من لمس عورته، وربما احتاج إلى نظرها وهو محرم، فلا يرتكب من أجل مندوب. ث ختانه إن كان أقلف: يحرم؛ لأنه قطع لبعض عضو من الميت، ولأن المقصود من الختان التطهير من النجاسة وقد زال ذلك بموته. - فرع: ما أخذ من الشارب والظفر والإبْط يجعل مع الميت في كفنه بعد غسله ندباً؛ كعضو ساقط؛ لحديث أم سُليم ﵂ مرفوعاً: «وَمَا يَسْقُطُ مِنْ شَعْرِهَا، فَاغْسِلِيهِ، ثُمَّ اغْرِزِيهِ فِي شَعْرِ رَأْسِهَا» [سنن البيهقي ٦٧٦٥، وهو ضعيف]، ولأنه يستحب دفن ذلك من الحي؛ لوروده عن ابن عمر ﵄ [كتاب الترجل من جامع الخلال ١٥٢]، فالميت أولى. ٤ - (وَ) سن (تَنْشِيفُ) ميت بثوب، اتفاقاً؛ لحديث ابن عباس ﵄ في غسل النبي ﷺ : «حَتَّى إِذَا فَرَغُوا مِنْ غَسْلِ رَسُولِ الله ﷺ وَكَانَ يُغَسَّلُ بِالمَاءِ وَالسِّدْرِ- جَفَّفُوهُ» [أحمد ٢٣٥٧، وفيه ضعف]، ولئلا يبتل كفنه فيفسد.

стр. 425

- مسألة: (وَيُجَنَّبُ مُحْرِمٌ) بحج وعمرة (مَاتَ مَا يُجَنَّبُ فِي حَيَاتِهِ)؛ لبقاء الإحرام عليه، فيغسل بماء وسدر لا كافور، ولا يُقَّرب طيبًا مطلقًا، ولا يلبس ذَكَر مخيطاً من قميص ونحوه، ولا يغطى رأسه، ولا يؤخذ من شعرهما أو ظفرهما؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال في محرم مات: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا» [البخاري ١٢٦٥، ومسلم ١٢٠٦]. - مسألة: (وَسقْطٌ) بتثليث السين، وهو المولود قبل تمامه، لا يخلو من أمرين: الأول: أن يولد (لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فأكثر: فـ (كَمَوْلُودٍ حَيًّا) في الأحكام، فيغسل ويصلى عليه وإن لم يستهل، أي: يصوت عند الولادة؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» [أحمد ١٨١٤٧، وأبو داود ٣١٨٠، والترمذي ١٠٣١، والنسائي ١٩٤١]، ولأنه نسمة نفخ فيها الروح. الثاني: إن لم يبلغ أربعة أشهر: فلا يغسل ولا يصلى عليه اتفاقاً، ويُلَف في خرقة ويدفن؛ لأنه ليس بآدمي؛ لعدم نفخ الروح فيه. - مسألة: (وَإِذَا تَعَذَّرَ غَسْلُ مَيِّتٍ) أو بعضه لعدم الماء، أو للخوف عليه
следующие страницы →