← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»، إلا الوضوء ففي الغسلة الأولى فقط، ما لم يخرج شيء فيعيد الوضوء وجوباً. ١٠ - (وَ) سن (تَيَامُنٌ) اتفاقاً؛ لحديث أم عطية السابق، وفيه: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا»، فيغسل شقه الأيمن من نحو رأسه إلى نحو رجليه، ثم الأيسر كذلك، ويَقْلِبُه على جنبه مع غسل شقيه، فيرفع جانبه الأيمن ويغسل ظهره ووركه وفخذه، ويفعل بجانبه الأيسر كذلك، ولا يكبه على وجهه؛ إكراماً له، ثم يفيض الماء على جميع البدن، فيكون ذلك غسلة واحدة. ١١ - (وَ) سن (إِمْرَارُ) غاسل (يَدَهُ) في (كُلِّ مَرَّةٍ) من الثلاث (عَلَى بَطْنِهِ) أي: بطن الميت، برفق؛ ليخرج ما تخلف. ١٢ - (فَإِنْ لَمْ يَنْقَ) بثلاث غسلات (زَادَ حَتَى يَنْقَى)، ولو جاوز سبع غسلات، وسن قطعه على وتر، اتفاقاً؛ لحديث أم عطية السابق، وفيه: «اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا: ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِك». - مسألة: (وَكُرِهَ اقْتِصَارٌ) في غسل ميت (عَلَى مَرَّةٍ)؛ لحديث أم عطية ﵂: «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِك، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»، ويجزئ مرة؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقَصته راحلته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [البخاري ١٢٦٥، ومسلم ١٢٠٦]، وهذا يصدق بمرة واحدة.

стр. 422

وهذا إِن لم يَخْرُج شيء من الميت بعد المرة، فإِن خَرَجَ شيء وجب إِعادة الغسل إلى سبع غسلات؛ لأن الظاهر أن الشارع إنما كرر الأمر بغسلها من أجل توقع النجاسة، فإن خرج من الميت بعد الغسلة السابعة، فلا يعاد غسله؛ لأنه ﵇ لم يزد عليها، كما في حديث أم عطية في رواية: «ثَلاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا»، ولم يزد على السبع [البخاري ١٢٥٤، ومسلم ٩٣٩]. وقال جماعة: إنه يعاد غسله؛ لأن الزيادة على الثلاث لأجل الإنقاء، فكذا ما بعد السبع؛ ولحديث أم عطية السابق: : «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ». - مسألة: (وَ) يكره في غسل الميت: ١ - غَسله بـ (مَاءٍ حَارٍّ) بلا حاجة؛ لأن السنة لم ترد به، ولأنه يرخيه، فإن احتيج إليه لشدة برد أو وسخ لا يزول إلا به لم يكره. ٢ - (وَ) كره استخدام (خِلالٍ)، بأن يخلل أسنان الميت بعود ونحوه بلا حاجة؛ لأن السنة لم ترد به، ومع عدم الحاجة يكون كالعبث، فإن احتيج إليه لإزالة وسخ لم يكره. ٣ - (وَ) كره استعمال (أُشْنانٍ) أو نحوه كصابون (بِلَا حَاجَةٍ)؛ لأن السنة لم ترد به، ومع عدم الحاجة يكون كالعبث، فإن احتيج إليه لكثرة وسخ لم يكره.

стр. 423

٤ - (وَ) كره (تَسْرِيحُ شَعْرِهِ) أي: الميت، رأساً كان أو لحية؛ لما فيه من تقطيع الشعر بلا حاجة، وفي حديث أم عطية: «فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا» [البخاري ١٢٦٣]، وأما رواية: «مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ» [البخاري ١٢٥٤، ومسلم ٩٣٩]، فقال ابن قدامة: (قال أحمد: إنما ضفرن، وأنكر المَشْط، فكأنه تأول قولها: «مَشَطْنَاهَا» على أنها أرادت ضفرناها)، وعن عائشة ﵂: أنه مرت بقوم يسرحون شعر ميت، فنهتهم عن ذلك وقالت: «عَلَامَ تَنُصُّونَ مَيِّتَكُمْ» [مصنف عبد الرزاق ٦٢٣٢، وفيه انقطاع]. - مسألة: (وَ) سن في غسل الميت: ١ - جعل (كَافُورٍ وَسِدْرٍ فِي) الغسلة (الأَخِيرَةِ)؛ لحديث أم عطية ﵂: «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِك، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»، ولأنه يصلب الجسم، ويبرده، ويطيبه، ويطرد عنه الهوام. ٢ - (وَخِضَابُ شَعْرِ) الميت، أي: لحية رجل، ورأس امرأة، بحناء وغيره؛ كما هي عادة الحي. ٣ - (وَ) أما ما يتعلق بفعل سنن الفطرة للميت، فعلى أقسام: أ- (قَصُّ شَارِبٍ، وَتَقْلِيمُ أَظْفَارٍ) لميت: فيسن أخذهما (إِنْ طَالَا)، وهو

стр. 424

من المفردات؛ لأن ذلك تنظيف لا يتعلق بقطع عضو؛ أشبه إزالة الأوساخ والأدران، ويعضد ذلك العمومات في سنن الفطرة. ب أخذ شعر إبْطه: يسن أخذه؛ للتعليل السابق. وقيل: تؤخذ إن فحشت، وإلا فلا؛ لعدم وروده عن النبي ﷺ . ت أخذ عانته: يحرم؛ لما فيه من لمس عورته، وربما احتاج إلى نظرها وهو محرم، فلا يرتكب من أجل مندوب. ث ختانه إن كان أقلف: يحرم؛ لأنه قطع لبعض عضو من الميت، ولأن المقصود من الختان التطهير من النجاسة وقد زال ذلك بموته. - فرع: ما أخذ من الشارب والظفر والإبْط يجعل مع الميت في كفنه بعد غسله ندباً؛ كعضو ساقط؛ لحديث أم سُليم ﵂ مرفوعاً: «وَمَا يَسْقُطُ مِنْ شَعْرِهَا، فَاغْسِلِيهِ، ثُمَّ اغْرِزِيهِ فِي شَعْرِ رَأْسِهَا» [سنن البيهقي ٦٧٦٥، وهو ضعيف]، ولأنه يستحب دفن ذلك من الحي؛ لوروده عن ابن عمر ﵄ [كتاب الترجل من جامع الخلال ١٥٢]، فالميت أولى. ٤ - (وَ) سن (تَنْشِيفُ) ميت بثوب، اتفاقاً؛ لحديث ابن عباس ﵄ في غسل النبي ﷺ : «حَتَّى إِذَا فَرَغُوا مِنْ غَسْلِ رَسُولِ الله ﷺ وَكَانَ يُغَسَّلُ بِالمَاءِ وَالسِّدْرِ- جَفَّفُوهُ» [أحمد ٢٣٥٧، وفيه ضعف]، ولئلا يبتل كفنه فيفسد.

стр. 425

- مسألة: (وَيُجَنَّبُ مُحْرِمٌ) بحج وعمرة (مَاتَ مَا يُجَنَّبُ فِي حَيَاتِهِ)؛ لبقاء الإحرام عليه، فيغسل بماء وسدر لا كافور، ولا يُقَّرب طيبًا مطلقًا، ولا يلبس ذَكَر مخيطاً من قميص ونحوه، ولا يغطى رأسه، ولا يؤخذ من شعرهما أو ظفرهما؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال في محرم مات: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا» [البخاري ١٢٦٥، ومسلم ١٢٠٦]. - مسألة: (وَسقْطٌ) بتثليث السين، وهو المولود قبل تمامه، لا يخلو من أمرين: الأول: أن يولد (لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فأكثر: فـ (كَمَوْلُودٍ حَيًّا) في الأحكام، فيغسل ويصلى عليه وإن لم يستهل، أي: يصوت عند الولادة؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» [أحمد ١٨١٤٧، وأبو داود ٣١٨٠، والترمذي ١٠٣١، والنسائي ١٩٤١]، ولأنه نسمة نفخ فيها الروح. الثاني: إن لم يبلغ أربعة أشهر: فلا يغسل ولا يصلى عليه اتفاقاً، ويُلَف في خرقة ويدفن؛ لأنه ليس بآدمي؛ لعدم نفخ الروح فيه. - مسألة: (وَإِذَا تَعَذَّرَ غَسْلُ مَيِّتٍ) أو بعضه لعدم الماء، أو للخوف عليه

стр. 426

من التقطع كالمحترق ونحوه، فلا يخلو من أمرين: الأول: أن يتمكن من صب الماء عليه بحيث يعم بدنه بلا تقطع: فإنه يصب عليه الماء بلا حراك؛ لتعذره. الثاني: ألا يمكنَ صب الماء عليه إلا بتقطع: فيُـ (يَمَّمُ) لما تعذر غسله؛ كالجنب إذا تعذر عليه الغسل. وعنه: لا ييمم، بل يكفن ويصلى عليه بلا غسل؛ لأن المقصود بغسل الميت التنظيف، والتيمم لا يحصل به التنظيف. فصل في الكفن - مسألة: عدد الأثواب التي يكفن فيها الميت تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: العدد المستحب: فلا يخلو من أربعة أمور: الأمر الأول: الذكر البالغ، وأشار إليه بقوله: (وَسُنَّ تَكْفِينُ رَجُلٍ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ) من قطن؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ» [البخاري ١٣٤٣، ومسلم ٩٤٢].

стр. 427

- فرع: صفة التكفين: ١ - تبسط اللفائف الثلاث بعضُها فوق بعض؛ ليوضع الميت عليها مرة واحدة. ٢ - ويجعل أوسعها وأحسنها أعلاها؛ لأن عادة الحي جعل الظاهر أفخر ثيابه. ٣ - ويكون ذلك (بَعْدَ تَبْخِيرِهَا) بعود ونحوه، ما لم يكن مُحْرِماً؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «إِذَا أَجْمَرْتُمُ المَيِّتَ، فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا» [أحمد ١٤٥٤٠]، وقالت أسماء ﵂: «أَجْمِرُوا ثِيَابِي إِذَا أَنَا مِتُّ، ثُمَّ كَفِّنُونِي، ثُمَّ حَنِّطُونِي، وَلَا تَذُرُّوا عَلَى كَفَنِي حِنَاطًا»، ونحوه عن أبي سعيد ﵁[مصنف عبدالرزاق ٦١٥٢، ٦٢٠٥]، ولأن هذه عادة الحي، ويكون ذلك بعد رشها بماء ورد أو غيره؛ ليعلق به رائحة البخور. ٤ - (وَيُجْعَلُ الحَنُوطُ) وهو: أخلاط من طيب يُعدُّ للميت خاصة (١)، لحديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال في مُحرِمٍ مات: «وَلا تُحَنِّطُوهُ»، فدل على أن غير المُحْرم يحنّط، ولقول أسماء: «ثُمَّ حَنِّطُونِي». ويكون الحنوط في ستة مواضع:

стр. 428

الأول: (فِيمَا بَيْنَهَا)، أي: يذرُّ بين اللفائف؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ» [مسلم ٩٤٣]، ولأن عادة الحي تطييب بدنه وثوبه. ولا يجعل من الحنوط على ظهر اللفافة العليا؛ لكراهة ابن عمر ﵄ [مصنف ابن أبي شيبة ١١١٥٨]، ولقول أسماء ﵂: «وَلَا تَذُرُّوا عَلَى كَفَنِي حِنَاطًا». (وَ) الثاني: يُجعل (مِنْهُ) أي: من الحنوط (بِقُطْنٍ بَيْنَ أَلْيَيْهِ) أي: الميت؛ ليرد ما يخرج عند تحريكه، ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتُّبان، وهو: السراويل بلا أكمام، تجمع أَلْيَيه ومثانَته. والثالث: يجعل من القطن المحنط في الجراح النافذة؛ ليرد ذلك ما يخرج، ويخفي ما ظهر من الروائح. (وَ) الرابع: يجعل (البَاقِي) من القطن المحنط (عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ): عينيه، ومنخريه، وأذنيه، وفمه؛ لأن في جعلها على المنافذ منعًا من دخول الهوام. (وَ) الخامس: يجعل من القطن المحنط على (مَوَاضِعِ سُجُودِهِ): ركبتيه، ويديه، وجبهته، وأَنفه، وأَطراف قدميه؛ تشريفًا لها، ولقول ابن مسعود ﵁: «يُوضَعُ الْكَافُورُ عَلَى مَوَاضِعِ سُجُودِ المَيِّتِ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٠٩١٦، وفيه ضعف].

стр. 429

والسادس: على مغابنه، كطيِّ ركبتيه، وتحت إبطه، وكذا سرته؛ لأن ابن عمر ﵄ «كان يَتَّبِعُ مَغَابِنَ المَيِّتِ وَمَرَافِقَهُ بِالْمِسْكِ» [مصنف عبد الرزاق ٦١٤١]. وإن طُيِّب الميت كله فحسن؛ لأن ابن عمر ﵄ «كَانَ يُطَيِّبُ المَيِّتَ بِالْمِسْكِ، يَذُرُّ عَلَيْهِ ذَرُورًا» [مصنف عبد الرزاق ٦١٤٠]، ويستثنى داخل عينيه فيكره؛ لأنه يفسدهما. ٥ - (ثُمَّ يَرُدَّ طَرَفَ العُلْيَا مِنْ الجَانِبِ الأَيْسَرِ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ) يرد طرفها (الأَيْمَنَ عَلَى) شقه (الأَيْسَرِ)؛ لأنه عادة الحي في لبس قَبَاءٍ ورداءٍ ونحوهما. ٦ - (ثُمَّ) يرد (الثَّانِيَةَ) من اللفائف كذلك، (وَ) يرد (الثَّالِثَةَ كَذَلِكَ)، كالأُولى؛ لأنهما في معناها. ٧ - (وَيَجْعَلُ أَكْثَرَ الفَاضِلِ) من الكفن (عِنْدَ رَأْسِهِ)؛ لشرفه، ولأنه أحق بالستر من رجليه، ويعيد الفاضل على وجهه ورجليه بعد جمعه؛ ليصير الكفن كالكيس فلا ينتشر. الأمر الثاني: الذكر غير البالغ، فيكفن في ثوب واحد، ويجوز بثلاثة إلا أن يرثه غير مكلف من صغير ومجنون، فلا تجوز الزيادة على ثوب؛ لأنه تبرع.

стр. 430

وقيل: بثلاثة أثواب؛ كالذكر الكبير؛ لما تقدم من حديث عائشة ﵂. الأمر الثالث: أن تكون أنثى بالغة، وأشار إليه بقوله: (وَسُنَّ لِامْرَأَةٍ) أن تكفن في (خَمْسَةِ أَثْوَابٍ) بيض من قطن: (إِزَارٌ، وَخِمَارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ)؛ لحديث ليلى الثقفية ﵂ قالت: «كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ الله ﷺ عِنْدَ وَفَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ الله ﷺ الْحِقَاءَ، ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ، وَرَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا يُنَاوِلُنَاهَا ثَوْبًا ثَوْبًا» [أحمد ٢٧١٣٥، وأبو داود ٣١٥٧]، وقال الحافظ: (وروى الجوزقي من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، عن هشام عن حفصة، عن أم عطية قالت: «فَكَفَّنَّاهَا فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، وَخَمَّرْنَاهَا كَمَا يُخَمَّرُ الحَيُّ»، وهذه الزيادة صحيحة الإسناد). (وَ) الأمر الرابع: وسنَّ ثلاثةُ أثوابٍ (لِـ) أنثى (صَغِيرَةٍ) دون البلوغ: (قَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ)؛ لعدم حاجتها إلى خمار في حياتها، فكذا في موتها. وقيل: كالبالغة؛ لعدم الدليل على التفريق. (وَ) القسم الثاني: العدد (الوَاجِبُ): يجب للميت مطلقاً، ذكراً كان أو أنثى، صغيراً كان أو كبيراً (ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَمِيعَ المَيِّتِ)؛ لحديث خبَّاب بن

стр. 431

الأرتِّ ﵁ في قصة مقتل مصعب بن عمير ﵁ يوم أُحُد: فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه، خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه، خرج رأسه، فقال رسول الله ﷺ : «ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرَ» [البخاري ١٢٧٦، ومسلم ٩٤٠]، ولأن العورة المغلظة يجزئ في سترها ثوب واحد، فكفن الميت أَولى. (فَصْلٌ) في الصلاة على الميت - مسألة: (وَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ) أي: على الميت، (بِـ) صلاة (مُكَلَّفٍ) واحد، رجلاً كان أو امرأة؛ لأن الصلاة على الميت فرضٌ على الكفاية، فسقطت بالواحد، كغسله وتكفينه. قال البهوتي في شرح المنتهى: (وظاهره: لا تسقط بالمميز؛ لأنه ليس من أهل الوجوب، وقدم في المحرر: تسقط؛ كما لو غسله). - مسألة: (وَتُسَنُّ) الصلاة على الميت في (جَمَاعَةٍ) إجماعاً، ولو

стр. 432

لنساء؛ لأن النبي ﷺ كان يفعلها هو وأصحابه جماعة؛ ففي حديث جابررضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ، فَصَفَّنَا وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ» [البخاري: ٣٨٧٨، ومسلم: ٩٥٢]، إلا النبيَّ ﷺ فلم يصلوا عليه بإمام، احتراماً له وتعظيماً لقدره. - مسألة: (وَ) يسن (قِيَامُ إِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ) في الصلاة (عِنْدَ صَدْرِ رَجُلٍ)؛ رواه إبراهيم النخعي من فعل ابن مسعود ﵁ [رواه سحنون في المدونة، وفيه راو مبهم ١/ ٢٥٢]، ولما رواه أبو غالب قال: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ حِيَالَ رَأْسِهِ، فَجِيءَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى، بِامْرَأَةٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ العَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَكَذَا رَأَيْتَ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ مِنَ الجِنَازَةِ مَقَامَكَ مِنَ الرَّجُلِ، وَقَامَ مِنَ المَرْأَةِ مَقَامَكَ مِنَ المَرْأَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» [أحمد: ١٣١١٤، وأبو داود: ٣١٩٤، والترمذي: ١٠٣٤، وابن ماجه: ١٤٩٤]، والواقف عند الرأس واقف عند الصدر؛ لتقاربهما. وعنه: يقوم عند رأس الرجل؛ لظاهر حديث أنس المتقدم. قال ابن قدامة: (قول من قال: يقف عند رأس الرجل غير مخالف لقول من قال بالوقوف عند الصدر؛ لأنهما متقاربان، فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخر). - مسألة: (وَ) يسن قيام الإمام والمنفرد عند (وَسَطِ امْرَأَةٍ)؛ لما روى

стр. 433

سمرة بن جندب ﵁ قال: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا» [البخاري: ١٣٣١، ومسلم: ٩٦٤]. - فرع: فإن وقف في غير هذين الموضعين خالف السنة، وصحت صلاته. - مسألة: صفة الصلاة على الميت: أن يقف الإمام أو المنفرد الموقف المتقدم من الميت (ثُمَّ) يأتي بما يلي: ١ - القيام في الفرض، وهو من واجباتها اتفاقاً؛ لعموم قوله ﷺ في حديث عمران بن حصين ﵁: «صَلِّ قَائِمًا» [البخاري: ١١١٧]. ٢ - (يُكَبِّرُ أَرْبَعاً) إجماعاً، وهو من واجباتها؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» [البخاري: ١٣٣٣، ومسلم: ٩٥١]، وقد قال ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [البخاري: ٦٣١]، فدل على وجوب التكبيرات الأربع. ٣ - (يَقْرَأُ بَعْدَ) التكبيرة (الأُولَى وَ) بعد (التَّعَوُّذِ) والبسملة -؛ لأنهما مشروعان للقراءة - سورةَ (الفَاتِحَةِ) سرًّا ولو ليلاً؛ لما روى أبو أمامة ﵁ قال: «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الجنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ مُخَافَتَةً، ثُمَّ يُكَبِّرَ ثَلَاثًا، وَالتَّسْلِيمُ عِنْدَ الْآخِرَةِ» [النسائي: ١٩٨٩].

стр. 434

- فرع: قراءة الفاتحة من واجبات صلاة الجنازة؛ لعموم حديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعاً: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» [البخاري: ٧٥٦، ومسلم: ٣٩٤]، وقال طلحة بن عبد الله بن عوف: صلَّيت خلف ابن عبَّاس ﵄ على جنازةٍ، فقرأ بفاتِحَة الكتاب ثم قال: «لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ» [البخاري: ١٣٣٥]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه تستحب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ولا تجب؛ لأن المقصود الأعظم هو الدعاء للميت، وما ورد من الأمر بقراءة الفاتحة في الصلاة فالمراد به الصلاة المطلقة المشتملة على ركوع وسجود، أما هذه فتقيد، ويقال: صلاة الجنازة. - فرع: تكون الصلاة (بِلَا) دعاء (اسْتِفْتَاح)؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولأن الصلاة على الجنازة مبنية على التخفيف، ولذلك ليس فيها ركوع ولا سجود. ٤ - (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ) التكبيرة (الثَّانِيَةِ) باتفاق الأئمة، (كَـ) ما يصلي (فِي) الـ (تَّشَهُّد)؛ لما روى أبو أمامة بن سهل، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : «أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الجنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْجنَازَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ، لَا يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ، ثُمَّ يُسَلِّمُ سِرًّا فِي نَفْسِهِ» [مسند الشافعي ١/ ٣٥٩]، وصفته كالتشهد الأخير في الصلاة؛ لأنه

стр. 435

صلى الله عليه وسلم لما سألوه: (كيف نصلي عليك)؟ علمهم ذلك. [البخاري: ٣٣٦٩، ومسلم: ٤٠٧]. - فرع: الصلاة على النبي ﷺ من واجبات صلاة الجنازة، وهو من المفردات؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ مرفوعاً: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ» [ابن ماجه: ٤٠٠]. وعند الثلاثة: لا تجب الصلاة على النبي ﷺ ؛ لعدم الدليل على وجوبها، وتقدم أنها لا تجب في الصلاة المعهودة، فهنا أولى. ٥ - (وَيَدْعُو) للميت (بَعْدَ) التكبيرة (الثَّالِثَةِ)؛ لحديث أبي أمامة بن سهل السابق، وفيه: «وَيَخْلُصُ الدُّعَاءَ لِلْجنَازَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ»، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ، فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» [أبو داود: ٣١٩٩، وابن ماجه: ١٤٩٧]، وهو من واجبات الصلاة على الجنازة؛ لأنه هو المقصود، فلا يجوز الإخلال به. - فرع: (وَالأَفْضَلُ) أن يكون الدعاء (بِشَيْءٍ مِمَّا وَرَدَ) عن النبي ﷺ أو صحابته، (وَمِنْهُ): أ) (اللهمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا)؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁، وتمامه: «اللهمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ»، [أحمد: ٨٨٠٩،

стр. 436

وأبو داود: ٣٢٠١، والترمذي: ١٠٢٤، والنسائي: ١٩٨٦، وابن ماجه: ١٤٩٨]، زاد أبو داود وابن ماجه: «اللهمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ». - فرع: قول المؤلف: (إِنَّكَ تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا)، لم يرد في حديث. ب) (اللهمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، ونَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ)، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، (وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ) كما في حديث عوف بن مالك ﵁ [مسلم: ٩٦٣]، ولفظ: «مِنَ الذُّنَوبِ» عند ابن ماجه [١٥٠٠]. ت) (وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ)؛ كما في حديث أم سلمة رضي الله عنها

стр. 437

[مسلم: ٩٢٠]. - فرع: وإن كان الميت أنثى أنث الضمير، وإن جهله أنَّث باعتبار الجنازة أو ذكَّر باعتبار الشخص. - فرع: (وَإِنْ كَانَ) الميت (صَغِيراً) ذكراً أو أنثى، (أَوْ مَجْنُوناً، قَالَ) بعد: (ومن توفيته منا فتوفه عليهما) مكان الاستغفار: (اللهمَّ اجْعَلْهُ ذُخْراً لِوَالِدَيْهِ، وَفَرَطاً) أي: سابقاً مهيِّئاً لمصالح أبويه في الآخرة، (وَأَجْراً، وَشَفِيعاً مُجَاباً، اللهمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ المُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ، وقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الجَحِيمِ)؛ ولم يرد هذا الدعاء بلفظه، وإنما هو لائق بالمحل، مناسب لما هو فيه، فشرع فيه؛ كالاستغفار للبالغ، لكن ورد عن المغيرة بن شعبة ﵁ مرفوعاً: «وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» [أحمد: ١٨١٨١، وأبو داود: ٣١٨٠]، وجاء عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يصلي على الصغير ويقول: «اللهمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرَطًا وَذُخْرًا» [البيهقي: ٦٧٩٤، وفيه ضعف]. - فرع: لا يستغفر للصغير؛ لأنه شافع غير مشفوع فيه، ولا جرى عليه قلم.

стр. 438

٦ - ثم يكبر (وَيَقِفُ بَعْدَ) التكبيرة (الرَّابِعَةِ قَلِيلاً) ولا يدعو؛ لما روى زيد بن أرقم ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَقِفُ مَا شَاءَ الله»، قال في المبدع: (رواه الجوزجاني) [لم نقف عليه]. وعنه: يقف ويدعو بعد الرابعة؛ لما روى إبراهيم الهَجَري عن عبد الله بن أبي أَوْفى ﵁ قال: «ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَكَبَّرَ أَرْبَعًا، فَقَامَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ، يَسْتَغْفِرُ لَهَا وَيَدْعُو، ثُمَّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصْنَعُ هَكَذَا» [ابن ماجه: ١٥٠٣، وحسنه الألباني]، ولأنه قيام في جنازة، أشبه الذي قبله. ٧ - (وَيُسَلِّمُ) بعد التكبيرة الرابعة؛ تسليمة واحدة عن يمينه؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً» [الحاكم: ١٣٣٢، والبيهقي: ٦٩٨٢]، وعليه عمل الصحابة: علي، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وابن أبي أَوْفى، وواثلة بن الأسقع، وأبي أمامة ﵃. [البيهقي: ٦٩٨٣، وما بعده]. وقيل: يسلم تسليمتين؛ لما ورد عن ابن مسعود أنه قال: «ثَلَاثُ خِلَالٍ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَفْعَلُهُنَّ، تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، إِحْدَاهُنَّ: التَّسْلِيمُ عَلَى الْجِنَازَةِ مِثْلُ التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ» [البيهقي: ٦٩٨٩]. ولكن حديث ابن مسعود يحتمل أن المراد به الجهر، ويحتمل أن المراد أصل التسليم، ويحتمل أن المراد تسليمتان، فيقال: بأنه من السنن المتنوعة،

стр. 439

فتارة يسلم تسليمة واحدة، وتارة يسلم تسليمتين. - فرع: التسليم من واجبات الصلاة على الجنازة؛ لفعله ﷺ ، وقد قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». ٨ - (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) ندباً (مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ)؛ لما صحَّ عن ابن عمر ﵄ أنه: «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ» [ابن أبي شيبة: ١١٣٨٠]. - فرع: واجبات صلاة الجنازة ستة: القيام في الفرض، وأربع تكبيرات، والفاتحة، والصلاة على النبي ﷺ ، ودعوة للميت، والسلام. فصل في حمل الميت ودفنه - مسألة: (وَسُنَّ) في حمل الميت: ١ - (تَرْبِيعٌ فِي حَمْلِهَا)؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «مَنِ اتَّبَعَ جِنَازَةً فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهَا؛ فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ فَلْيَتَطَوَّعْ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَدَعْ» [ابن ماجه: ١٤٧٨، وهو منقطع]، وصح عن ابن عمر ﵄ من فعله [ابن أبي شيبة: ١١٢٧٧]، وكيف حملها جاز، بشرط عدم الإزراء بالميت. - فرع: صفة التربيع في الحمل: أن يضع قائمة السرير اليسرى المقدمة

стр. 440

على كتفه اليمنى، ثم ينتقل إلى المؤخرة، ثم يضع قائمته اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى، ثم ينتقل إلى المؤخرة. ٢ - (وَ) يسن (إِسْرَاعٌ) بالجنازة عند حملها، قال الشارح: (لا نعلم خلافاً بين الأئمة)، ما لم يخف عليها من الإسراع، ولم يشق على التابعين؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» [البخاري: ١٣١٥، ومسلم: ٩٤٤]. ٣ - (وَ) يسن (كَوْنُ مَاشٍ أَمَامَهَا) أي: أمام الجنازة؛ لقول عبد الله بن عمر ﵄: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» [أحمد: ٦٠٤٢، وأبو داود: ٣١٧٩، والترمذي: ١٠٠٧، والنسائي: ١٩٤٤، وابن ماجه: ١٤٨٢]. وقيل: يمشي حيث شاء؛ لما ورد في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ مرفوعاً: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الجنَازَةِ، وَالمَاشِي مِنْهَا حَيْثُ شَاءَ» [أحمد: ١٨٢٠٧، والترمذي: ١٠٣١، والنسائي: ١٩٤٢، وابن ماجه: ١٤٨١]. - مسألة: (وَ) يكره اتباع الجنازة وهو (رَاِكبٌ)؛ لما روى ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ ، أُتي بدابة وهو مع الجنازة، فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له، فقال: «إِنَّ المَلَائِكَةَ كَانَتْ تَمْشِي، فَلَمْ أَكُنْ لِأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ، فَلَمَّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ» [أبو داود: ٣١٧٧، وصححه الألباني].

стр. 441

- فرع: يجوز الركوب عند اتباع الجنازة في حالتين: الأولى: (لِحَاجَةٍ) كمرض؛ لأن الحاجة تزول معها الكراهة. الثانية: عند العود من الجنازة؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁ قال: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرىً (١)، فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ، وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ» [مسلم: ٩٦٥]. ٤ - يسن سير راكب (خَلْفَهَا) أي: خلف الجنازة، قال الخطابي: (لا أعلم اختلفوا في أنه يكون خلفه)؛ لحديث المغيرة بن شعبة السابق، وفيه: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الجنَازَةِ». ٥ - (وَ) سن كون متبع الجنازة على (قُرْبٍ مِنْهَا)، وهو أفضل من كونه بعيداً؛ لأنها متبوعة فهي كالإمام. أحكام دفن الميت - مسألة: (وَ) يسن في الدفن: ١ - (كَوْنُ قَبْرٍ لَحْداً) اتفاقاً، وهو أن يحفر إذا بلغ قرار القبر في حائط القبر مكاناً يسع الميت؛ لقول سعد بن أبي وقاص ﵁: «الحَدُوا لِي لحدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ الله ﷺ » [مسلم: ٩٦٦].

стр. 442

والشق جائز اتفاقاً، وهو أن يُحْفَر وسط القبر كالنهر ويُبنى جانباه؛ لحديث أنس بن مالك، قَالَ: «لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلٌ يَلْحَدُ، وَآخَرُ يَضْرَحُ، فَقَالُوا: نَسْتَخِيرُ رَبَّنَا، وَنَبْعَثُ إِلَيْهِمَا، فَأَيُّهُمَا سُبِقَ تَرَكْنَاهُ، فَأُرْسِلَ إِلَيْهِمَا، فَسَبَقَ صَاحِبُ اللَّحْدِ، فَلَحَدُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ » [أحمد ١٢٤٥١، وابن ماجه ١٥٥]. لكن يكره الشق بلا عذر؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» [أبو داود: ٣٢٠٨، والترمذي: ١٠٤٥، والنسائي: ٢٠٠٩، وابن ماجه: ١٥٥٤]. ٢ - (وَ) يسن (قَوْلُ مُدْخِلٍ) الميت للقبر: (بِاسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله ﷺ ؛ لحديث ابن عمر ﵄: كان النبي ﷺ إذا أدخل الميت القبر قال: «بِاسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله» [أبو داود: ٣٢١٣، والترمذي: ١٠٤٦، وابن ماجه: ١٥٥٠]، وفي لفظ الترمذي: «بِاسْمِ الله وَبِالله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله». ٣ - (وَ) يسن (لَحْدُهُ) أي: الميت (عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ)؛ لأنه يشبه النائم، وهذه سنته، ففي حديث البراء بن عازب ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ» [البخاري: ٦٣١٥]. - مسألة: (وَيَجِبُ اسْتِقْبَالُهُ) أي: الميت (القِبْلَةَ) عند دفنه؛ لحديث

стр. 443

عبيد بن عمير عن أبيه مرفوعاً -وكانت له صحبة-: «البَيْتُ الحَرَامُ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» [أبو داود: ٢٨٧٥]، وعمل المسلمين على ذلك. - مسألة: (وَكُرِهَ) في الدفن: ١ - (بِلَا حَاجَةٍ جُلُوسُ تَابِعِهَا) أي: تابع الجنازة (قَبْلَ وَضْعِهَا) بالأرض للدفن؛ لحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: «إِذَا اتَّبَعْتُمْ جنَازَةً، فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ» [البخاري: ١٣١٠، ومسلم: ٩٥٩]، فإن احتاج الجلوس لم يكره؛ لما فيه من المشقة حينئذ. ٢ - (وَ) كره (تَجْصِيصُ قَبْرٍ) أي: تبييضه بالجص، وتزيينه؛ لحديث جابر ﵁: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» [مسلم: ٩٧٠]. ٣ - (وَ) كره (بِنَاءُ) شيء على القبر؛ لحديث جابر ﵁ السابق. وقيل: يحرم تجصيص القبر وتزيينه والبناء عليه؛ لظاهر النهي في حديث جابر ﵁ السابق، والنهي يقتضي التحريم، ولأنه وسيلة إلى تعظيم القبور والافتتان بها. قال ابن القيم: (يجب هدم القباب التي على القبور؛ لأنها أسست على معصية الرسول).

стр. 444

٤ - (وَ) كره (كِتَابَةٌ) على القبر؛ لحديث جابر السابق، وفي رواية الترمذي (١٠٥٢): " وأن يكتب عليها ". وقيل: تحرم الكتابة على القبر؛ لظاهر النهي في حديث جابر، والنهي يقتضي التحريم. - فرع: لا بأس بوضع علامة غير الكتابة على القبر، كخشبة ونحوها؛ لحديث المطَّلِب قال: لما مات عثمان بن مظعون، أخرج بجنازته فدفن، فأمر النبي ﷺ رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله ﷺ ، وحسر عن ذراعيه، ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: «أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» [أبو داود: ٣٢٠٦]. ٥ - (وَ) كره (مَشْيٌ) على قبر، (وَ) كره (جُلُوسٌ عَلَيْهِ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» [مسلم: ٩٧١]. وقيل: يحرم؛ لظاهر حديث أبي هريرة السابق؛ ولأن حرمة المسلم ميتًا كحرمته حيًا. ٦ - (وَ) كره (إِدْخَالُهُ) أي: القبر (شَيْئاً مَسَّتْهُ النَّارُ) كآجُرٍّ، اتفاقاً؛ تفاؤلاً بألَّا تمسه النار، قال إبراهيم النخعي: «كانوا يكرهون الآجر في قبورهم» [مصنف ابن أبي شيبة: ١١٧٦٩]. ٧ - (وَ) كره (تَبَسُّمٌ)، والضحك أشد، (وَ) كره (حَدِيثٌ بِأَمْرِ الدُّنْيَا عِنْدَه)

стр. 445

أي: عند القبر؛ لأنه غير لائق بالحال. - مسألة: (وَحَرُمَ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ) معاً، أو واحداً بعد آخَرَ قبل بِلى السابق (فِي قَبْرٍ) واحد؛ لأنه ﷺ كان يدفن كل ميت في قبر، وعلى هذا استمر فعل الصحابة ومن بعدهم. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يكره؛ لعدم الدليل على التحريم، وإنما الوارد فعل، والفعل لا يدل على إيجاب ولا تحريم. - فرع: لا يدفن اثنان في قبر واحد (إِلَّا) في حالتين: ١ - (لِضَرُورَةٍ) ككثرة الموتى، وقلة من يدفنهم، وخوف الفساد عليهم؛ لحديث هشام بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم أُحُد: «ادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» [أحمد: ١٦٢٦١، وأبو داود: ٣٢١٥، والترمذي: ١٧١٣، والنسائي: ٢٠١٠]. ٢ - إذا بَلِيَ الأولُ وصار رميماً، ويُرجع في ذلك إلى أهل الخبرة، فلا ينبش قبر ميت لميت آخر؛ لما فيه من هتك حرمته. - مسألة: إهداء القرب للميت، وهي على قسمين: القسم الأول: قُرب يجوز إهداؤها للميت اتفاقاً، وهي: ١ - الدعاء والاستغفار؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) [الحشر: ١٠]، ولحديث أبي

стр. 446

هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [مسلم: ١٦٣١]. ٢ - العبادات المالية، كالصدقة والعتق؛ لحديث عائشة ﵂: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي افْتُلِتَت نفسُها ولم تُوصِ، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نَعَمْ» [مسلم: ١٠٠٤]. القسم الثاني: قُرب تُنُوزع في جواز إهدائها للميت، وهي باقي العبادات؛ كالصلاة والصوم والحج وغيرها، والمذهب الجواز، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث بُريدة ﵁ قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ ، إذ أتته امرأة، فقالت: يا رسول الله، إنَّهُ كان عليها - أي: أمها - صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: «صُومِي عَنْهَا»، قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: «حُجِّي عَنْهَا» [مسلم: ١١٤٩]، ويقاس باقي العبادات على ما تقدم من النصوص، سواء كانت تدخلها النيابة كصوم وحج، أو لا تدخلها النيابة كالصلاة ونحوها، وإلى ذلك أشار المؤلف بقوله: (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فُعِلَتْ) من مسلم (وَجُعِلَ ثَوَابُهَا لِمُسْلِمٍ) غيره (حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ نَفَعَهُ) ذلك، قال أحمد: (الميت يَصِل إليه كل شيء من الخير). وأما قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)، فالمعنى: أنه لا يملك سعي غيره، لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره كما ينتفع الرجل بكسب غيره، وحديث: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ»، دل

стр. 447

على انقطاع عمل الإنسان نفسه، لا على عدم انتفاعه بعمل غيره. - فرع: يستحب إهداء القرب للميت؛ لما تقدم. وقال شيخ الإسلام: (لم يكن من عادة السلف إهداء ذلك إلى موتى المسلمين، بل كانوا يدعون لهم، فلا ينبغي الخروج عنهم). فصل في زيارة القبور، وأحكام المصاب والتعزية - مسألة: (وَسُنَّ لِرِجَالٍ) لا نساء (زِيَارَةُ قَبْرِ مُسْلِمٍ)، وحكاه النووي إجماعاً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا» [مسلم: ٩٧٧]، وفي رواية: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» [أبو داود: ٣٢٣٥، والترمذي: ١٠٥٤، وابن ماجه: ١٥٧١]. - فرع: لا يسن للنساء زيارة القبور، بل يكره؛ لحديث أم عطية ﵂: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» [البخاري: ١٢٧٨، ومسلم: ٩٣٨]، فإن علم أنه يقع منهن محرم؛ حرمت، وعليه يحمل حديث أبي هريرة ﵁: «لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ زَوَّارَاتِ القُبُورِ» [الترمذي: ١٠٥٦، وابن ماجه: ١٥٧٥]، غيرَ قبر النبي ﷺ وصاحبيه فيسن. وعنه واختارها شيخ الإسلام: يحرم مطلقاً؛ لظاهر الحديث السابق،

стр. 448

وجاء في حديث ابن عباس ﵄ أيضاً: «لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ زَائِرَاتِ القُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» [أحمد: ٢٠٣٠، وأبو داود: ٣٢٣٦، والترمذي: ٣٢٠، والنسائي: ٢٠٤٣]، وأما قول أم عطية ﵂: «وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» فهذا فهمها للنهي، والحجة فيما روى الراوي لا فيما رأى. - فرع: تباح زيارة قبر الكافر، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي» [مسلم: ٩٧٦]. - مسألة: (وَ) سُن (القِرَاءَةُ عِنْدَهُ) أي: عند القبر، لما ورد عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللَّجْلاج، عن أبيه قال: «إِذَا أَدْخَلْتُمُونِي قَبْرِي اقْرَؤُوا عِنْدَ رَأْسِي أَوَّلَ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتَهَا، فَإِنِّي رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ» [البيهقي: ٧٠٦٨، واحتج به أحمد]. وعنه، واختارها شيخ الإسلام: أن القراءة عند الدفن لا بأس بها؛ لأثر ابن عمر السابق، وأما بعد الدفن - مثل الذين ينتابون القبر للقراءة عنده - فذلك بدعة؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك (١). - مسألة: (وَ) سُن لزائرِ ميت فعلُ (مَا يُخَفِّفُ عَنْهُ) أي: عن الميت بعد

стр. 449

وضعه في القبر (وَلَوْ بِجَعْلِ جَرِيدَةٍ رَطْبَةٍ) ونحوها (فِي القَبْرِ)؛ لحديث ابن عباس ﵄: مر النبي ﷺ بقبرين، وفيه: ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» [البخاري: ٢١٨، ومسلم: ٢٩٢]. واختار ابن باز وابن عثيمين: أنه لا يشرع ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يغرز الجريدة إلا على قبور عَلِمَ تعذيب أهلها، ولم يفعل ذلك لسائر القبور، ولو كان سنةً لفعله بالجميع، ولأن الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة لم يفعلوا ذلك. - مسألة: (وَ) سُن (قَوْلُ زَائِرٍ) القبرَ (وَمَارٍّ بِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بِكُمْ لَاحِقُونَ)، كما في حديث أبي هريرة ﵁ [مسلم: ٢٤٩]، والاستثناء المذكور إما للتبرك، أو لِلُّحوق على صفة الإيمان، أو إلى البقاع، ويقول: (يَرْحَمُ الله المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ)، كما في

стр. 450

حديث عائشة ﵂ [مسلم: ٩٧٤]، وفيه بدل (مِنْكُمْ): (مِنَّا)، ويقول: (نَسْأَلُ الله لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ)، كما في حديث بريدة ﵁ [مسلم: ٩٧٥]، ويقول: (اللهمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ) كما في حديث عائشة ﵂ [أحمد: ٢٤٤٢٥، وابن ماجه: ١٥٤٦]، ويقول: (وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ) كما في حديث عائشة مرفوعاً، وفيه: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللهمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ» [مسلم: ٩٧٤]. - مسألة: (وَتَعْزِيَةُ) المسلم (المُصَابِ بِالمَيِّتِ) ولو كان المعزى صغيراً أو جاراً أو صديقاً؛ (سُنَّةٌ) اتفاقاً، قبل الدفن وبعده، وسواء كان الميت مسلماً أو كافراً؛ لحديث عمرو بن حزم ﵁ مرفوعاً: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ، إِلَّا كَسَاهُ الله سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [ابن ماجه: ١٦٠١]، ولفعل النبي ﷺ حين عزَّى ابنته بفقد ابنها، فقال لها: «إِنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ» [البخاري: ١٢٨٤، ومسلم: ٩٢٣]. - فرع: تحرم تعزية الكافر بالمصاب؛ لأن الدعاء والاستغفار له منهي عنه. واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز تعزية الذمي للمصلحة الراجحة؛ كرجاء

стр. 451

الإسلام، وتقدَّم حكم عيادتهم أولَ كتاب الجنائز. - مسألة: (وَيَجُوزُ البُكَاءُ عَلَيْهِ) أي: على الميت؛ لحديث ابن عمر ﵁: أنَّ النَّبِيُّ ﷺ أتَى سعد بن عبادة يوم مات، فبكى، وقال: «إِنَّ الله لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ» [البخاري: ١٣٠٤، ومسلم: ٩٢٤]. واختار شيخ الإسلام: استحباب البكاء على الميت رحمة له؛ لفعل النبي ﷺ ، وحاله أكمل الأحوال، حيث جمع بين الرضا بالقدر، والرحمة بالميت. قال ﵀: (البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب، وذلك لا ينافي الرضا، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه). ويمكن أن يقال: البكاء على الميت ينقسم إلى قسمين: الأول: بكاء محمود: وهو البكاء الطبيعي الذي تمليه الطبيعة، وهو على الخلاف السابق. الثاني: بكاء مذموم: وهو البكاء المتكلَّف الذي يتضمن محظورًا شرعيًّا من التسخط أو النياحة ونحو ذلك.

стр. 452

- مسألة: (وَحَرُمَ نَدْبٌ)، وهو البكاء مع تعداد محاسن الميت بلفظ النداء، كقوله: واسَيِّداهْ؛ لأنه من النياحة المنهي عنها. وعنه واختاره المجد: يباح يسير الندب الصدق؛ لحديث أنس ﵁ قال: «لَمَّا مَاتَ - أي: النبي ﷺ قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَبَتَاهْ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ، إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ» [البخاري: ٤٤٦٢]. - مسألة: (وَ) حرم (نِيَاحَةٌ) وهي رفع الصوت بالندب؛ لحديث أم عطية ﵂ قالت: «أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ البَيْعَةِ أَلَّا نَنُوحَ» [البخاري: ١٣٠٦، ومسلم: ٩٣٦]. - مسألة: (وَ) حرم (شَقُّ ثَوْبٍ، وَلَطْمُ خَدٍّ، وَنَحْوُهُ)؛ كصراخ ونتف شعر؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعاً: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» [البخاري: ١٢٩٤، ومسلم: ١٠٣].

стр. 453

(كِتَابُ الزَّكَاةِ) الزكاة لغة: النماء والزيادة، يقال: زكا الزرع: إذا نما وزاد، وتطلق على المدح والتطهير والصلاح، وسمي المُخْرَج زكاة؛ لأنه يزيد في المُخْرَج منه ويقيه الآفات. وفي الشرع: حق واجب في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص. - مسألة: (تَجِبُ) الزكاة (فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ): في سائمة (بَهِيمَةِ أَنْعَامٍ) وهي: الإبل والبقر والغنم، (وَ) في (نَقْدٍ، وَ) في (عَرْضِ تِجَارَةٍ، وَ) في (خَارِجٍ مِنَ الأَرْضِ) من المعادن وما في حكمها كالعسل، (وَ) في (ثِمَارٍ) وحبوب، ويأتي تفصيلها في أبوابها إن شاء الله تعالى.

стр. 454

- مسألة: تجب الزكاة فيما تقدم من الأموال (بِـ) ستة شروط: الـ (شَّرْطُ) الأول: (إِسْلَامٌ)، فلا تجب على كافر وجوبَ أداء بلا خلاف؛ لقول الله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَبِرَسُولِهِ) [التوبة: ٥٤]، ولحديث معاذ ﵁ لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن قال له: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، .... فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» [البخاري ١٣٩٥، ومسلم ٢٩]، فأمرهم بأداء الزكاة بعد الإسلام، لا قبله. لكن الكافر يتوجه إليه خطابُ وجوب التكليف؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. (وَ) الشرط الثاني: (حُرِّيَّةٌ)، فلا تجب على عبد؛ لأنه لا مال له، وزكاة ما في يده على سيده؛ لأنه مِلك السيد؛ لحديث ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» [البخاري ٢٣٧٩، ومسلم ١٥٤٣]. (وَ) الشرط الثالث: (مِلْكُ نِصَابٍ)؛ إجماعاً في الجملة، ويأتي ذكر الأدلة عليه عند بيان الأصناف الزكوية، إلا الرِّكاز فلا يشترط فيه مِلك النصاب، ويأتي. - فرع: النصاب تقريب في النقدين والعُروض، فلا يضر النقص اليسير كالحبة والحبتين؛ لأنه لا ينضبط غالبًا، وتحديدٌ في ثمر وزرع وماشية.

стр. 455

وعنه، واختاره الشارح: أنه تحديد في الكل؛ لظاهر الأخبار الدالة على تحديده. (وَ) الشرط الرابع: (اسْتِقْرَارُهُ)، أي: تمام المِلك في الجملة، اتفاقًا؛ لأن المِلك الناقص ليس نعمة كاملة، والزكاة إنما تجب في مقابلة النعمة الكاملة. والمِلك التام: عبارة عما كان بيده لم يتعلق به حق غيره، يتصرف فيه على حسب اختياره، وفوائده حاصلة له. مثال الملك غير التام: ١ - دَيْن الكتابة: فلا زكاة فيه؛ لعدم استقراره؛ لأن المكاتَب يملك تعجيز نفسه، ويمتنع من الأداء، ولهذا لا يصح ضمانها. ٢ - حصة المضارَب -أي: العامل- من الربح قبل القسمة: فلا زكاة فيها بالظهور؛ لعدم استقرارها؛ لأن الربح وقاية لرأس المال، فإذا تلف رأس المال أو تلف بعضه قبل القسمة جُبر من الربح. بخلاف المضارِب -أي: رب المال-، فيزكي حصته من الربح كرأس المال، لمِلكه الربح بظهوره، وتبعيته لماله. ٣ - الأموال الموقوفة على غير معين، كالمساكين، أو طلاب العلم: لا زكاة فيه؛ لعدم مِلكهم لها.

стр. 456

بخلاف الموقوف على معين، كزيد، فتجب فيه الزكاة؛ للعموم، وكسائر أمواله. ٤ - أموال بيت مال المسلمين: فلا زكاة فيها؛ لأنه لا مالك لها معين، ومثلها أموال الجمعيات الخيرية. (وَ) الشرط الخامس: (سَلَامَةٌ مِنْ دَيْنٍ) حالٍّ أو مؤجل (يَنْقُصُ النِّصَابَ)، فالدَّين وإن لم يكن من جنس المال مانع من وجوب الزكاة في قدره، ولو كان المال ظاهراً، كالمواشي والحبوب والثمار، فيُسقط من المال بقدر الدين، كأنه غير مالك له، ثم يزكي ما بقي؛ لقول عثمان ﵁: «إِنَّ هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ، ثُمَّ ليُؤَدِّ زَكَاةَ مَا فَضَلَ» [مصنف ابن أبي شيبة ٧٠٨٦، وصححه الحافظ]، واحتج به أحمد، وعن ابن عباس وابن عمر ﵃: في الرجل يستقرض فينفق على ثمرته وعلى أهله: «يَبْدَأُ بِمَا اسْتَقْرَضَ فَيَقْضِيهِ، وَيُزَكِّي مَا بَقِيَ» [سنن البيهقي ٧٦٠٨]، ولأن الزكاة وجبت مواساة للفقير، والمَدِين محتاج لقضاء دَيْنه كحاجة الفقير أو أشد. وعنه، واختاره ابن باز وابن عثيمين: أن الدَّين لا يمنع الدين الزكاة مطلقاً؛ لإطلاق الأدلة، فلم تفرق بين من عليه دين أو لا، وكان ﷺ يبعث السعاة، ولم يستفصل هل عليهم دين أو لا، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزَّل منزلة العموم من المقال، ولأن الزكاة تجب في عين المال والدَّين في الذمة، فاختلف محلهما، فلم يؤثر أحدهما على الآخر، وأما أثر عثمان ﵁ -

стр. 457

فإننا نسلم أنه إذا كان عليه دين مال وأداه فليس عليه زكاة؛ لأن الدين لسبقه أحق بالتقديم. - فرع: حكم دَيْن الله تعالى؛ من كفارة وزكاة ونذر مطلق ودين حج ونحوه؛ كدَين آدمي في منعه وجوب الزكاة في قدره؛ لوجوب قضائه. (وَ) الشرط السادس: (مُضِيُّ حَوْلٍ) في الجملة، اتفاقاً؛ لحديث علي ﵁ مرفوعاً: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» [أبو داود ١٥٧٣]، ولوروده عن أبي بكر وعلي وابن عمر ﵃ [مصنف عبد الرزاق ٤/ ٧٥]، ورفقاً بالمالك، وليتكامل النماء فيواسيَ منه. - فرع: يعفى في الحول عن نقص نحو نصف يوم؛ لأنه لا ينضبط غالبًا، ولا يسمى في العرف نقصًا. - مسألة: يشترط مضي الحول (إِلَّا فِي): ١ - (مُعَشَّرٍ): من خارج من الأرض؛ كالحبوب والثمار، وما في حكمه: وهو العسل؛ لقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) [الأنعام: ١٤١]، وذلك ينفي اعتباره في الثمار والحبوب، وقيس العسل عليه. ٢ - والرِّكاز: قياساً على الخارج من الأرض، ولأنه نماء في نفسه، يؤخذ الخمس منه عند وجوده. ٣ - والمعدن: لما سبق في الركاز. ٤ - (وَنِتَاجِ سَائِمَةٍ): فإن حوله حولُ أصله إن كان أصله نصابًا، وإن لم

стр. 458

يكن نصاباً فحوله من حين كَمَل النصاب؛ لحديث علي ﵁ مرفوعاً في حديث الزكاة الطويل: «وَيَعُدُّ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا» [صحيح ابن خزيمة ٢٢٦٢، وصححه الألباني]، ولما صح عن عمر ﵁: «وَيُحْسَبُ صِغَارُهَا وَكِبَارُهَا» [مصنف عبد الرزاق ٦٧٩٨]، ولأن السائمة تختلف في وقت ولادتها، فإفراد كل واحدة يشق، فجعلت تبعاً لأمهاتها. ٥ - (وَرِبْحِ تِجَارَةٍ): فإن حوله حولُ أصله إن كان أصله نصابًا؛ لأنه تابع له في المِلك، فتبعه في الحول، ولأنه في معنى نتاج السائمة، فوجب أن يكون مثله في الحكم. وإن لم يكن نصاباً فحوله من حين كمل النصاب؛ لأنه حينئذ يتحقق فيه التبعية، فلذا وجبت فيه الزكاة، وقبل ذلك لا يجب فيه الزكاة؛ لنقصانه عن النصاب. - فرع: الأجرة لا بد لها من مضي الحول، ويبدأ الحول من حين العقد؛ لأنه يملك الأجرة بالعقد. واختار شيخ الإسلام: أنها تزكى مباشرة، ولا يشترط لها مضي الحول؛ قياساً على الثمرة. - فرع: المستفاد في أثناء الحول على ثلاثة أقسام: ١ - أن يكون من غير جنسه: فلا يضم إلى ما عنده اتفاقًا.

стр. 459

مثاله: أن يكون عنده إبل، فيستفيد بقراً، فلا يضم إلى ما عنده. ٢ - أن يكون من جنسه غيرَ متولِّد منه: فيضم إليه في تكميل النصاب دون الحول؛ لأدلة اعتبار الحول. مثاله: أن يكون عنده أربع من الإبل، فيشتري ستًّا، فيضم في تكميل النصاب دون الحول، فيبتدأ حولًا جديداً. ٣ - أن يكون من جنسه متولداً منه: كربح تجارة ونتاج سائمة، فيضم إليه في تكميل النصاب وفي الحول على ما سبق، قال الموفق: (لا نعلم فيه خلافاً). - مسألة: (وَإِنْ نَقَصَ) النصاب (فِي بَعْضِ الحَوْلِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ)، كإتلافٍ، فلا يخلو من أمرين: ١ - أن (لَا) يكون ذلك (فِرَاراً) من الزكاة: (انْقَطَعَ) الحول؛ لأن وجود النصاب في جميع الحول شرطٌ للوجوب ولم يوجد، ويستأنف حولاً آخر. فمن عنده خمس من الإبل، ثم نحر واحدة للأكل، لا بقصد الفرار؛ لم تجب فيها الزكاة. ٢ - أن يكون ذلك بقصد الفرار من الزكاة: حرُم ذلك، ولم تسقط الزكاة؛ لقوله تعالى: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) الآيات [القلم: ١٧]، فعاقبهم الله تعالى لفرارهم من الزكاة، ولأنه قصد به إسقاط حق غيره فلم

стр. 460

يسقط، كالمُطَلِّق في مرض موته. - مسألة: (وَإِنْ أَبْدَلَهُ) أي: النصابَ بمال آخر، فلا يخلو من أمرين: الأول: أن يكون ذلك بقصد الفرار من الزكاة: حرُم ذلك، ولم تسقط الزكاة؛ لما سبق. الثاني: أن يكون ذلك لا بقصد الفرار من الزكاة، فلا يخلو من أقسام: القسم الأول: أن يبدل النصاب (بِجِنْسِهِ)، كغنم بغنم، وعُروض تجارة بمثلها، أو عُروض تجارة بنقد، (فَلَا) تسقط الزكاة، ويبني على حوله؛ لأنه نصاب يضم إليه نماؤه في الحول، فبُني حولُ بدله من جنسه على حوله؛ كالعُروض. - فرع: لو أبدل النصاب بجنسه، فلا يخلو مقدار الزكاة حينئذ من أربع حالات: ١ - أن يبدله بمثله في العدد، كما لو أبدل مائة شاةٍ بمثلها، فعليه زكاة مائة شاة؛ لما تقدم من البناء على الحول. ٢ - أن يبدله بأكثرَ، كما لو أبدل مائة شاة بمائتين: فالزائد يكون تبعًا للأصل، كنتاج سائمة، فيلزمه شاتان إذا حال حول المائة؛ لأن الزائد من نماء الأصل، فكان كنتاج السائمة. ٣ - أن يبدله بأقلَّ، كما لو أبدل مائتي شاة بمائة: فعليه زكاة مائة؛ لأن
следующие страницы →