← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٢ - الخف المخرَّق وإن صَغُر الخَرْق؛ لأن حكم ما استُتر المسح، وما ظهر الغسل، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، فوجب الغسل؛ لأنه الأصل. واختار شيخ الإسلام: جواز المسح على الخف المخرَّق ما دام اسم الخف باقياً والمشي فيه ممكنًا. (وَ) الشرط الثالث: (ثُبُوتُهُ) أي: الخف ونحوه (بِنفْسِهِ)، فإن لم يثبت إلا بشدِّه لم يجز المسح عليه؛ إذ الرخصة وردت في الخف المعتاد، وما لا يثبت بنفسه ليس في معناه، فلا يصح المسح عليه. واختار شيخ الإسلام: جواز المسح عليه وإن لم يثبت بنفسه بل بخيوط ونحوها، ما دام اسم الخف باقياً عليه. (وَ) الشرط الرابع: (إِمْكَانُ مَشْيٍ بِهِ) أي: الممسوح من خف ونحوه (عُرْفاً) ولو لم يكن معتاداً، فدخل في ذلك الجلود والخشب والحديد ونحوها؛ لأنه خف ساتر يمكن المشي فيه أشبه الجلود. (وَ) الشرط الخامس: (طَهَارَتُهُ)، أي: طهارة عينه، فلا يمسح على نجسٍ؛ وحكاه النووي إجماعاً. وأما إن كان طاهر العين لكن عليه نجاسة: فيجوز المسح عليه لوجود

стр. 72

شرطه، ولا يصلي فيه، بل يستبيح به نحو مس المصحف. (وَ) الشرط السادس: (إِبَاحَتُهُ)، فلا يصح المسح على مغصوب، ولا على حريرٍ لرَجُلٍ؛ لأن لُبْسَه معصية، فلا تستباح به الرخصة. وعنه: يصح المسح عليه؛ لعموم أدلة المسح، ولأن النهي يعود إلى شرط العبادة على وجه لا يختص. والشرط السابع: عدمُ وصف الخفين ونحوهما البشرة لصفائه أو خفته، فإن وصف القدم لصفائه؛ كزجاج رقيق، أو خفته؛ كجورب خفيف؛ لم يصح المسح عليه؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض أشبه النعل. واختار ابن عثيمين: جواز المسح عليهما مادام الاسم باقياً عليهما. والشرط الثامن: ألا يكون الخف واسعًا بحيث يُرى منه بعض محل فرض؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض، أشبه المخرق الذي لا تنضم بلبسه. - مسألة: (وَيَجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِ دَوَائِرِ عِمَامَةٍ)؛ لأنها ممسوحة على وجه البدل، فأجزأ فيها ذلك كالخف، واختص ذلك بدوائرها دون وسطها؛ لأنه يشبه أسفل الخف. - مسألة: (وَ) يجب مسح (أَكْثَرِ ظَاهِرِ قَدَمِ خُفٍّ) ونحوه كجورب، دون أسفله وعقبه فلا يشرع مسحهما؛ لقول علي ﵁: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ

стр. 73

لَكَانَ أَسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَى بِالمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» [أحمد ٧٣٧، وأبو داود ١٦٢]، قال ابن القيم: (ولم يصح عنه مسح أسفلهما إلا في حديث منقطع، والأحاديث الصحيحة على خلافه). - مسألة: (وَ) يجب مسح (جَمِيعِ جَبِيرَةٍ)؛ لما تقدم من حديث صاحب الشجة، ولأنه لا ضرر في تعميمها به، بخلاف الخف، فإنه يشق تعميم جميعه ويُتلِفُه المسح. - مسألة: (وَ) يبطل المسح على الخف ونحوه بأمور، منها: ١ - (إِنْ ظَهَرَ بَعْضُ مَحَلِّ فَرْضٍ) ممن مسح بعد الحدث، بخرق الخف، أو خروج بعض القدم إلى ساق الخف، أو ظهر بعض رأس وفحش، أو زالت جبيرة؛ استأنف الطهارة؛ لأن المسح أقيم مقام الغسل، فإذا ظهر بعض محل الفرض؛ بطلت الطهارة في الممسوح، فتبطل في جميعها؛ لكونها لا تتبعض. ٢ - (أَوْ تَمَّتِ المُدَّةُ) أي: مدة المسح (اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ)؛ لأن المسح أُقيم مُقامَ الغسل، فإذا انقضت مدته بطلت الطهارة في الممسوح، فتبطل في جميعها؛ لكونها لا تتبعض. واختار شيخ الإسلام: أن الطهارة لا تبطل في الصورتين؛ لأن طهارته حصلت بمقتضى دليل شرعي، ولا دليل على بطلانها.

стр. 74

٣ - بما يوجب الغسل كالجنابة، فيبطل المسح على الخف ونحوه؛ لحديث صفوانَ بن عَسَّالٍ السابق، إلا في المسح على الجبيرة؛ لحديث صاحب الشجة، ولأن المسح عليها عزيمة. (فَصْلٌ) في نواقض الوضوء أي: مفسداته، وهي (ثَمَانِيَةٌ) بالاستقراء: الناقض الأول: (خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ) أي: مخرج بول أو غائط، ولا يخلو من أمرين: الأول: أن يكون الخارج معتاداً؛ كالبول والغائط والمَذْيِ والريح؛ فينقض إجماعاً، قليلاً كان أو كثيراً، طاهراً كان أو نجساً؛ لحديث صفوانَ بن عَسَّالٍ ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ» الحديث [أحمد ١٨٠٩١، والترمذي ٩٦، والنسائي ١٢٧، وابن ماجه ٤٧٨]، ولحديث علي ﵁: قال رسول ﷺ في المذي: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» [البخاري ٢٦٩، ومسلم ٣٠٣]، ولحديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً» [البخاري ١٣٧، ومسلم ٣٦١]. الثاني: أن يكون غير معتاد؛ كالدم والدود والحصى، وأشار إليه بقوله:

стр. 75

(مُطْلَقاً)، أي: نادراً كان أو معتاداً، قليلاً كان أو كثيراً، طاهراً كان أو نجساً؛ لحديث فاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ أَنها قالت: يا رسول الله إني امرأة أُستحاضُ فلا أطهُرُ أفأَدَعُ الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكِ الوَقْتُ» [البخاري ٢٢٨]، فأمرها بالوضوء لكل صلاة، ودمها غير معتاد، فيقاس عليه ما سواه، وللإجماع على النقض بالوَدْيِ، وهو غير معتاد. وعند الإمام مالك: أنه لا ينقض؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر المستحاضة بالوضوء، وأما الأمر بالوضوء في حديث فاطمة بنت أبي حُبيش ﵂ فقال ابن رجب: (الصواب: أن هذا من قول عروة). (وَ) الناقض الثاني: (خَارِجٌ مِنْ بَقِيَّةِ البَدَنِ مِنْ) غير السبيلين، ولا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون (بَوْلـ) ـاً (وَغَائِطـ) ـاً، فينقض قليلاً كان أو كثيراً، من تحت المعدة أو فوقها؛ لعموم قوله تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط) [النساء: ٤٣]، وقوله ﷺ : «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ»، فجعل الاعتبار بالغائط، أي: بالخارج، لا بالمَخْرَج. (وَ) الأمر الثاني: أن يكون (كَثِير) اً (نَجِسـ) ـاً (غَيْرَهُمَا) أي: غير البول

стр. 76

والغائط، كالقيء والدم، فينقض بهذين الشرطين؛ لحديث أبي الدرداء ﵁: «اسْتَقَاءَ رَسُولُ الله ﷺ فَأَفْطَرَ، فَأُتِيَ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ» [أحمد ٢٧٥٣٧، والترمذي ٨٧]، ولقول ابن عباس ﵄ في الدم: " إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة " [الأوسط لابن المنذر ٦٤]، وأما اليسير فلا ينقض، قال أحمد: (عدة من الصحابة تكلموا فيه، وابن عمر عصر بَثْرَة، فخرج الدم، فصلَّى ولم يتوضأ [الأوسط لابن المنذر ٦٥]، وابن أبي أوفى عصر دُمَّلاً)، قال ابن قدامة: (ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، فكان إجماعاً). واختار شيخ الإسلام: أنه لا ينقض الوضوء، بل يستحب؛ لحديث جابر ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ»، وقال الحسن: «مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ» [البخاري تعليقًا ١/ ٤٦]، ولعدم الدليل على النقض، والأصل بقاء الطهارة، وتحمل آثار الصحابة على الاستحباب. - فرع: قال الخلال: (والذي استقرت عليه الروايات عن أحمد: أن حد الفاحش: ما استفحشه كل إنسان في نفسه). وعنه، واختاره ابن عقيل: الفاحش: ما فحش في نفس أوساط الناس. (وَ) الناقض الثالث: (زَوَالُ عَقْلٍ) بجنون، أو تغطيتُهُ بإغماء أو نوم، ولا يخلو من أمرين: الأول: غير النوم، وهو الإغماء والجنون والسكر، فينقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعاً.

стр. 77

الثاني: النوم، فينقض الوضوء مطلقاً، قليلاً كان أو كثيراً، على أي هيئة كان؛ لقوله ﷺ : «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ ونَومٍ»، (إِلَّا): ١ - نومَ النبي ﷺ ، فلا ينقض؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» [أحمد ١٩١١، وأبو داود ٢٠٢]. ٢ - (يَسِيرَ نَوْمٍ) عرفاً (مِنْ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ)، غير مُحْتَبٍ أو مُتَّكِئٍ أو مُستنِدٍ، فلا ينقض؛ لقول ابن عباس ﵄ في قصة تهجده ﷺ : «فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي» [مسلم ٧٦٣]، ولقول أنس ﵁: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ الآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ» [أبو داود ٢٠٠، وأصله في مسلم ٢٧٦]. واختار شيخ الإسلام: أن النوم لا ينقض الوضوء مطلقاً إن ظن بقاء الطهارة؛ جمعاً بين الأدلة، ويؤيده حديث معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العَيْنَيْنِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ العَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الوِكَاءُ» [أحمد ١٦٨٧٩]. (وَ) الناقض الرابع: (غُسْلُ مَيِّتٍ)، مسلماً كان أو كافراً، ذكراً كان أو أنثى، صغيراً كان أو كبيراً، وهو من المفردات؛ لأن ابن عمر وابن عباس ﵃: «كَانَا يأْمُرَانِ غَاسِلَ الميِّتِ بِالوُضُوءِ» [عبدالرزاق ٦١٠١، ٦١٠٧]، ولأن الغاسل لا يَسْلَمُ من مس عورة الميت غالباً، فأقيم مقامه؛ كالنوم مع الحدث.

стр. 78

وعنه وفاقاً للثلاثة، واختاره ابن قدامة وشيخ الإسلام: لا ينقض؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ, وَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجَسٍ، حَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» [الدارقطني ١٨٣٩، وحسنه الحافظ]، قال الشارح: (وكلام أحمد يدل على أنه مستحب غير واجب، فإنه قال: أحب إليَّ أن يتوضأ)، وقال شيخ الإسلام: (وأما الاستحباب: فمتوجه ظاهر). - فرع: الغاسل من يَقْلِبُه ويباشره ولو مرة، لا من يصب عليه الماء، ولا من ييممه. (وَ) الناقض الخامس: (أَكْلُ لَحْمِ إِبِلٍ)، نيًّا كان أو مطبوخاً، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام (١)؛ لحديث جابر بن سَمُرَةَ ﵁: أن رجلاً سأل رسولَ الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ» قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» [مسلم ٣٦٠]، قال أحمد: (فيه حديثان صحيحان، حديث البراء،

стр. 79

وجابر بن سَمُرَة). وأما حديث جابر ﵁: «كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ تَرْكَ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» [أبوداود ١٩٢]، فهو حديث عام، وحديث جابر والبراء خاصَّانِ، والخاص يقدم على العام، وظاهر حديث البراء أنه كان بعد نسخ الوضوء مما مست النار لا قبله، قال شيخ الإسلام: (بيَّن فيه أنه لا يجب الوضوء من لحوم الغنم، وقد أمر فيه بالوضوء من لحوم الإبل، فعلم أن الأمر بذلك بعد النسخ). - فرع: ينقض لحم الإبل خاصة دون بقية أجزائه، كالكبد والطِّحال والسَّنام ونحوها، وكذا شرب لبنها ومرق لحمها؛ لأنه تعبدي لا يعقل معناه، فلا يتعدى إلى غيره، والنص لم يتناوله. واختار شيخ الإسلام وابن القيم: أن العلة معقولة المعنى، وهي لما في لحم الإبل من القوة الشيطانية، لحديث أبي لاسٍ الخزاعي مرفوعاً: «مَا مِنْ بَعِيرِ إِلَّا عَلَى ذُرْوَتِهِ شَيْطَانٌ» [أحمد ١٧٩٣٨]، قال شيخ الإسلام: (فيها من القوة الشيطانية ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «فَإِنَّهَا جِنٌّ مِنْ جِنٍّ خُلِقَتْ» [مسند الشافعي ١/ ٢١]، وقد قال ﷺ فيما رواه أبو داود [٤٧٨٤]: «إِنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ»، فأمر بالتوضؤ من الأمر العارض من الشيطان، فأكل لحمها يورث قوة شيطانية تزول بما أمر به النبي ﷺ من الوضوء من لحمها).

стр. 80

ويمكن أن يقال: إن أجزاء الإبل بالنسبة للنقض لا تخلو من أربعة أقسام: ١ - اللحم: فينقض؛ لما تقدم من حديث جابر بن سمرة والبراء. ٢ - الهبر غير اللحم: كالكبد والكرش والشحم، ينقض، وهي رواية اختارها السعدي؛ لأنه داخل في حكمها، ولهذا أجمع العلماء أن شحم الخنزير محرم، مع أن الله تعالى لم يذكر في القرآن إلا اللحم، والتفريق بين أجزائها ليس عليه دليل ولا تعليل. ٣ - اللبن: لا ينقض بل يستحب؛ لحديث أنس ﵁ في قصة العُرَنِيِّينَ، فقد أمرهم النبي ﷺ بالشرب من أبوالها وألبانها. [البخاري ٢٣٣، ومسلم ١٦٧١]، ولم يأمرهم بالوضوء منها مع كونهم حديثي عهد بجاهلية، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإنما يستحب؛ لحديث أسيد بن الحضير ﵁ مرفوعاً: «لَا تَتَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الغَنَمِ، وَتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الإِبِلِ» [أحمد: ١٩٠٩٧، وابن ماجه: ٤٩٦، وفيه ضعف]، ورواه الشالنجي من حديث البراء بن عازب، قال شيخ الإسلام: (إسناده جيد). ٤ - ما خالط لحم الإبل، كمرق لحمها: فقال ابن عثيمين: الأحوط: الوضوء إن ظهر طعمه، وإلا فلا يضر. - فائدة: بقية اللحوم في النقض وعدمه على قسمين: ١ - اللحوم المباحة: مثل لحم الضأن والطير؛ ليست ناقضة بالإجماع،

стр. 81

ولا يستحب الوضوء منها. واختار شيخ الإسلام: استحباب الوضوء منها؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» [مسلم: ٣٥٢]. ٢ - اللحوم المحرمة: كلحم الميتة ولحم السباع، ففيها روايتان مبنيتان على العلة في النقض من لحم الإبل: هل هو تعبدي فلا يتعدى إلى غيره، وهو المذهب، أم هو معقول المعنى لما فيها من القوة الشيطانية وأولى، واختاره شيخ الإسلام. (وَ) الناقض السادس: (الرِّدَّةُ) عن الإسلام، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام، فيبطل بها الوضوء؛ لحديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» [مسلم ٢٢٣]، فإذا بَطَل الإيمان بالكلية فشطره أولى، ولأن ما منع ابتداء الوضوء منع استدامته. - مسألة: (وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ غُسْلاً)، كإسلام، وانتقال مني، وغيرهما، أوجب وضوءاً؛ لأنه إذا قام الحدث الأكبر في البدن فقد قام الحدث الأصغر من باب أولى، فلا يكفي رفع الحدث الأكبر، (غَيْرَ مَوْتٍ)، فيوجب الغسل دون الوضوء؛ لأن تغسيل الميت ليس عن حدث. واختار شيخ الإسلام: أنه لا يوجب الوضوء، بناء على دخول الحدث الأصغر في الأكبر، ويأتي في باب الغسل.

стр. 82

- تنبيه: جعل المصنف الردة وما أوجب غسلاً ناقضاً واحداً، وهي طريقة لبعض الأصحاب؛ لأن المرتد إذا عاد إلى الإسلام وجب الغسل، وإذا وجب الغسل وجب الوضوء. (وَ) الناقض السابع: (مَسُّ فَرْجٍ)، لا العانةِ ولا الأُنثيين، فينقض بشروط خمسة: ١ - أن يكون المس لفرج أصلي لا زائد، سواء من نفسه أم من غيره. ٢ - أن يكون الفرج الممسوس من (آدَمِيٍّ)، صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، فلا ينقض مسه من بهيمة اتفاقاً. ٣ - أن يكون المس لفرجٍ (مُتَّصِلٍ) لا بائنٍ؛ لذهاب حرمته، ولو من ميت، تعمده أم لا. (أَوْ) مسُّ (حَلْقَةِ دُبُرِهِ) أي: الأدمي، فينقض؛ لأنه فرج. ٤ - أن يكون المس (بِيَدٍ) أي: بالكف، لا بالذراع أو غيره، ولا فرق في ذلك بين بطن الكف وظهرها وحرفها، زائدةً كانت أم أصلية. ٥ - أن يكون المس بلا حائل. والدليل على ذلك: حديث بُسرَةَ بنتِ صَفوانَ ﵂: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» [أحمد ٢٧٢٩٣، وأبو داود ١٨١، والترمذي ٨٣، والنسائي ١٦٣، وابن ماجه ٤٧٩]، وفي رواية للنسائي [٤٤٥]: «إِذَا

стр. 83

أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ»، قال البخاري: (هو أصح شيء في هذا الباب)، وقال شيخ الإسلام: (وقد روي النقض به عن بضعةَ عشَرَ من الصحابة عن النبي ﷺ ، وجاء النقض بمسه عن: عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وزيد بن خالد، والبراء بن عازب، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك ﵃، وهو شيء لا يدرك بالرأي والقياس، فعُلِم أنهم قالوا عن توقيف). وأما حديث قيسِ بن طَلْقِ بن عَلي، عن أبيه ﵁ قال: سأل رجل رسولَ الله ﷺ أيتوضأ أحدنا إذا مس ذكره؟ قال: «إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ أَوْ جَسَدِكَ» [أحمد ١٦٢٨٦، وأبو داود ١٨٢، والترمذي ٨٥، والنسائي ١١٩، وابن ماجه ٤٨٣]، فقد ضعفه أحمد ويحيى، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: (قَيْسٌ لا تقوم به حجة)، ويمكن أن يكون المراد بحديث ترك الوضوء: ما إذا لمسه من وراء حائل؛ لأن في رواية النسائي [١٦٠]: ما تقول في رجل مس ذكره في الصلاة، فقال: «وَهَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ؟ » والمصلي في الغالب إنما يمسه من فوق ثيابه، ولو قدرنا التعارض، فأحاديث الوضوء أكثر رواة، وأصح إسناداً، وأقرب إلى الاحتياط فتُرجَّح. وعنه، واختاره شيخ الإسلام (١): يستحب الوضوء ولا يجب، جمعاً بين الأدلة.

стр. 84

(وَ) الناقض الثامن: (لَمْسُ ذَكَرٍ) أنثى لشهوة، وسواء كان اللمس باليد أم غيرها، ولو بزائد؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]، قال ابن مسعود ﵁: (القبلة من اللمس، ومنها الوضوء) [مصنف عبدالرزاق ٥٠٠]، والأنثى تشمَلُ: الأجنبيةَ، وذاتَ المَحْرَمِ، والميتةَ، والكبيرةَ، والصغيرةَ المميِّزةَ، وهي بنت سبع فأكثرَ. (أَوْ) لمسُ (أُنْثَى الآخَرَ) أي: الذَّكَرَ (لِشَهْوَةٍ)؛ لأنها ملامسة تنقض الوضوء، فاستوى فيها الذَّكَر والأنثى؛ كالجماع. فيشترط للنقض شرطان: ١ - أن يكون بشهوة، جمعاً بين الآية وبين حديث عائشة ﵂ قال: " فَقَدْتُ رَسُولَ الله ﷺ لَيْلَةً مِنَ الفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ" [مسلم ٤٨٦]، ولأن الشهوة هي التي تدعو للحدث. ٢ - أن يكون اللمس (بِلَا حَائِلٍ فِيهِمَا) أي: في لمس الذكر والأنثى؛ لأنه لم يَلْمَسِ البشرة. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا ينقض لمس المرأة مطلقاً؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» [أحمد ٢٥٧٦٦، أبوداود ١٧٩، الترمذي ٨٦، ابن ماجه ٥٠٢]، والملامسة في الآية المراد بها: الجماع، كذلك فسرها علي، وابن عباس ﵃ [ابن أبي شيبة ١٧٧١، ١٧٦٨].

стр. 85

- مسألة: (لَا) ينقض مسٌّ (لِشَعْرٍ، وَسِنٍّ، وَظُفُرٍ) منه أو منها، (وَلَا) المسُّ (بِهَا) أي: بشعر وسنٍّ وظفر، منه أو منها؛ لأنه في حكم المنفصل. (وَلَا) ينقض كذلك مسُّ (مَنْ دُونَ سَبْعِ) سنينَ من طفل أو طفلة ولو لشهوة؛ لأنه ليس محلًّا لها. - مسألة: (وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ مَلْمُوسٍ) بدنُهُ (مُطْلَقاً) ولو وُجد منه شهوة، ذكراً كان أو أنثى؛ لأنه لا نص فيه، وقياسه على اللامس لا يصح؛ لفرط شهوة اللامس. وعنه: ينتقض إن وجدت منه شهوة؛ لأن ما ينتقض بالتقاء البشرتين يستوي فيه اللامس والملموس؛ كالجماع. - تنبيه: محل الخلاف في الملموس إذا قلنا: ينتقض وضوء اللامس، أما إذا قلنا: لا ينتقض، فالملموس لا ينتقض وضوؤه بطريقٍ أولى. - مسألة: (وَمَنْ شَكَّ فِي طَهَارَةٍ) وتيقن الحدث، بنى على اليقين وهو الحدث، (أَوْ) شك في (حَدَثٍ) وتيقن الطهارة (بَنَى عَلَى يَقِينِهِ) وهو الطهارة، سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، تساوى عنده الأمران أم غلب على ظنه أحدهما؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي

стр. 86

بَطْنِهِ شَيْئاً، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً» [مسلم ٣٦٢]. وقال شيخ الاسلام: يُعمَل بالظن في عامة أمور الشرع. - مسألة: (وَحَرُمَ عَلَى مُحْدِثٍ) حدثاً أصغر ثلاثة أمور: ١ - (مَسُّ مُصْحَفٍ)، أو بعضِه، حتى جلدِه وحواشيه، بيد أو غيرها، بلا حائل، باتفاق الأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ الواقعة: ٧٩، والصحيح: أن المراد به اللوح المحفوظ الذي بأيدي الملائكة، لكن قال شيخ الإسلام: (فإذا كان مِن حُكْمِ الكتاب الذي في السماء ألَّا يمسه إلا المطهرون، وجب أن يكون الكتاب الذي في الأرض كذلك؛ لأن حرمته كحرمته)، ولحديث عمرِو بن حزمٍ ﵁ مرفوعاً: «أَلَّا يَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» [النسائي ٤٨٦٨، والدارقطني ١/ ١٢٢]، وثبت ذلك: عن سعد بن أبي وقاص [الموطأ ١/ ٨٥]، وابن عمر [عبد الرزاق ٧٥٠٦]، وسلمان [الدارقطني ١/ ١٢٣] ﵃، قال شيخ الإسلام: (من غير خلاف يعرف عن الصحابة والتابعين). ٢ - (وَ) حرم عليه الـ (صَلَاةُ)، بالإجماع؛ لما روى ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ» [مسلم ٢٢٤]. - فرع: ضابط الصلاة التي يشترط لها الطهارة: صلاة الفرض والنفل، حتى صلاة جنازة، وسجود تلاوة، وشكر.

стр. 87

وعند شيخ الإسلام وابن القيم: ما كان تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فسجود التلاوة والشكر ليسا بصلاة، ويأتي. ٣ - (وَ) حرم عليه الـ (طَوَافُ) ولو نفلاً؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلاَّ بِخَيْرٍ» [الترمذي ٩٦٠]، ولحديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال لها: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» [مسلم ١٢١١]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يستحب ولا يجب؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، أنه أمر بالوضوء للطواف، مع الحاجة إلى البيان، وأما حديث عائشة ﵂: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ» [البخاري ١٦١٤، ومسلم ١٢٣٥] فمجرد فعل لا يدل على الوجوب، وإنما ي دل على الاستحباب، وحديثُ ابن عباس ﵄ لا يصح مرفوعاً، ولو صح فلا يلزم منه التشبيه من كل وجه، لعدم اشتراط استقبال القبلة ولا قراءة الفاتحة للطواف، وأما الحائض: فإنما منعت من الطواف لأجل المسجد، لا لأجل الطواف. - مسألة: (وَ) يحرم (عَلَى جُنُبٍ وَنَحْوِهِ) ممن لزمه الغسلُ خمسةُ أمور: (ذَلِك) أي: ما سبق من: ١ - مس المصحف. ٢ - الصلاة. ٣ - الطواف، لأنه لما حرم ذلك في حق المحدث حدثاً أصغرَ، فالمحدث

стр. 88

حدثًا أكبرَ أولى. ٤ - (وَ) يحرم على من لزمه الغسل (قِرَاءَةُ آيَةِ قُرْآنٍ) فصاعداً، ولا يخلو من حالين: أأن يكون جنباً: فيحرم عليه قراءة القرآن باتفاق الأئمة؛ لحديث علي ﵁ مرفوعاً: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَا يَحْجُبُهُ - وَرُبَّمَا قَالَ: لَا يَحْجُزُهُ - عَنِ القُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا الجَنَابَةُ» [أحمد ١٠١١، وأبوداود ٢٢٩، وابن ماجه ٥٩٤]، وورد ذلك عن عمر [البيهقي ١/ ٨٩]، وعلي [ابن أبي شيبة ١٠٩٢] وابن عباس ﵃[الأوسط لابن المنذر ٢/ ٩٨]. ب أن تكون حائضاً: فيحرم عليها قراءة القرآن؛ لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقْرَأُ الحَائِضُ وَلا الجُنُبُ شَيْئاً مِنَ القُرْآنِ» [الترمذي ١٣١، وابن ماجه ٥٩٥]، وقياساً على الجنب. واختار شيخ الإسلام: أنه لا تُمنَع الحائض من قراءة القرآن مطلقاً، وإن خَشِيَتْ نسيانَه وجب؛ لعدم الدليل على المنع، وأما حديث ابن عمر ﵄ فلا يصح، وقياسها على الجنب قياس مع الفارق؛ لأن الحائض تطول مدتها غالباً، ولا يمكنها رفع الحدث، بخلاف الجنب. ٥ - (وَ) يحرم على من لزمه الغسل (لُبْثٌ فِي مَسْجِدٍ بِغَيْرِ وُضُوءٍ)، باتفاق الأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا ... عَابِرِي ... سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، قال ابن عباس ﵃: " تمر به مرًّا ولا تجلس " [تفسير ابن كثير ٢/ ٣١١]،

стр. 89

ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال ﷺ : «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» [أبو داود ٢٣٢]، ولحديث أم عطية ﵂ قالت: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى المُسْلِمِينَ» [البخاري ٣٢٤، ومسلم ٨٩٠]. فإن توضأ الجنب، وتوضأت الحائض بعد انقطاع الدم إن أمنت التلويث: جاز لهما المكث في المسجد، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول عطاء بن يسار: «رأيت رجالاً من أصحاب النبي ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا وضوء الصلاة» [سعيد بن منصور ٦٤٦، وصححه في المبدع]، وحكم الحائض بعد انقطاع الدم حكم الجنب. - فرع: يجوز عبور المسجد للمحدث حدثاً أكبر، ولو لغير حاجة؛ لقوله تعالى: (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا)، قال جابر ﵁: (كَانَ الجُنُبُ يَمُرُّ فِي المَسْجِدِ مُجْتَازاً) [ابن أبي شيبة ١٥٥٠]. (فَصْلٌ) في الغسل مناسبة هذا الباب لما قبله: أن المؤلف رحمه الله تعالى لما ذكر الحدث الأصغر وكيفية رفعه؛ ذكر الحدث الأكبر ومُوجِبَه وكيفية رفعه. والغسل، بضم الغين: الاغتسال، وبالفتح: الماء أو الفعل، وبالكسر: ما يُغسل به الرأس.

стр. 90

والغُسل في الاصطلاح: التعبد لله باستعمال الماء في جميع البدن على وجه مخصوص. - مسألة: (مُوجِبَاتُ الغُسْلِ) أي: الأشياء التي توجبه (سَبْعَةٌ): الأول: (خُرُوجُ المَنِيِّ مِنْ مَخْرَجِهِ)، ولا يخلو من حالين: ١ - أن يكون من نائم ونحوه؛ كسكرانَ ومغمًى عليه: فيجب الغسل بالاتفاق، ولو بدون لذة؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: جاءت أم سُليم تسأل النبي ﷺ : هل على المَرْأَةِ من غُسْلٍ إذا هي احْتَلَمَتْ؟ فقال رسول الله ﷺ : «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ المَاءَ» [البخاري: ٢٨٢، ومسلم: ٣١٣]، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ» [مسلم: ٣٤٣]، فعلَّق النبي ﷺ الأمر برؤية الماء. ٢ - أن يكون من يقظانَ: فيجب الغسل إن خرج (بِلَذَّةٍ)، لا بدونها؛ لحديث علي ﵁ مرفوعاً: «إِذَا فَضَخْتَ المَاءَ فَاغْتَسِلْ» [أحمد: ٨٦٨، وأبو داود: ٢٠٦، والنسائي: ١٩٣]، والفضخ: هو خروجه بالغلبة، يعني: باللذة والدفع، فدل على أنه إذا خرج بدون لذة وإنما بسبب برد أو مرض؛ لم يجب الغسل. (وَ) الثاني: (انْتِقَالُهُ) أي: انتقال المني من مكانه دون خروجه، فيجب له الغسل؛ لأن الماء قد باعد محله، فصدق عليه اسم الجنب، وهو من المفردات.

стр. 91

وعنه، واختاره ابن قدامة وفاقاً للثلاثة: لا يجب الغسل حتى يخرج؛ لحديث أم سليم السابق: «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ المَاءَ»، ولحديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ» [مسلم: ٣٤٣]، فعلَّق الغسل بوجود الماء. (وَ) الثالث: (تَغْيِيبُ) جميع الـ (حَشَفَةِ) وهي رأس الذَّكَر، (فِي فَرْجٍ) وإن لم ينزل؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ»، وفي رواية لمسلم: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» [البخاري: ٢٩١، ومسلم: ٣٤٩]، (أَوْ) كان تغييب الحشفة في (دُبُرٍ)؛ لأنه فرج. ولا غسل إذا مس الختانُ الختانَ من غير إيلاج، ولا بإيلاج بعض الحشفة. - فرع: يجب الغسل بتغييب الحشفة (وَلَوْ) كان الفرج (لِبَهِيمَةٍ)؛ لأنه إيلاج في فرج أصلي، أشبه فرج الآدمية. وقيل: لا يجب الغسل بوطء البهيمة؛ لأن هذا الفرج غير منصوص عليه. - فرع: يجب الغسل بتغييب الحشفة، سواء كان الفرج لحي (أَوْ) كان الفرج لـ (مَيِّتٍ)؛ لعموم حديث أبي هريرة السابق: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا؛ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ». - فرع: يشترط لوجوب الغسل أن يكون التغييب (بِلَا حَائِلٍ)، فإن وُجِد

стр. 92

حائل كما لو لف عليه خرقة، لم يجب الغسل؛ لانتفاء التقاء الختانين مع الحائل، لأنه هو الملاقي للختان إذن. (وَ) الرابع: (إِسْلَامُ كَافِرٍ)، أصليًّا كان أو مرتدًّا، ولو مميزاً أو لم يوجد في كفره ما يوجبه، وهو من المفردات واختاره ابن القيم؛ لما روى قيس بن عاصم ﵁: «أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [أحمد: ٢٠٦١١، وأبو داود: ٣٥٥، والترمذي: ٦٠٥، والنسائي: ١٨٨]، وأمرُه للواحد أمرٌ لجميع الأمة. واختار شيخ الإسلام: لو اغتسل الكافر حال كفره بسبب يوجب الغسل، ثم أسلم، لا يلزمه إعادته إن اعتقد وجوبه؛ بناء على أنه يثاب على طاعته في الكفر إذا أسلم. (وَ) الخامس: (مَوْتٌ)، فإذا مات المسلم وجب تغسيله؛ لحديث أم عطية ﵂ في تغسيل بنت النبي ﷺ أنه قال لهن: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ» [البخاري: ١٢٥٣، ومسلم: ٩٣٩]، ولحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته ناقته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦]. - فرع: يستثنى من تغسيل الميت: ١ - شهيد المعركة: وهو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فيحرم تغسيله؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ في شهداء أحد: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ

стр. 93

بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ» [البخاري: ١٣٤٧]. ٢ - المقتول ظلماً: يحرم تغسيله، وهو من المفردات؛ لحديث سعيد بن زيد ﵁ مرفوعاً: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [أحمد: ١٦٥٢، وأبو داود: ٤٧٧٢، والترمذي: ١٤٢١، والنسائي: ٤٠٩٥]، فسمى النبي ﷺ هؤلاء شهداءَ، والشهيد لا يغسَّل. وعنه، واختاره الموفق وفاقاً للثلاثة: يغسَّل المقتول ظلماً؛ لأن عمر وعثمان وعلي ﵃ قُتلوا ظلماً، وقد اتفق الصحابة ﵃ على تغسيلهم. (وَ) السادس: (حَيْضٌ)؛ لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبيشٍ ﵂: «وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» [البخاري: ٣٢٠، ومسلم: ٣٣٣]. (وَ) السابع: (نِفَاسٌ)؛ لأن النبي ﷺ سمى الحيض نفاساً، فقال لعائشة ﵂ لما حاضت: «لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟ » [البخاري: ٣٠٥، ومسلم: ١٢١١]، ولا خلاف في وجوب الغسل عليهما، قاله في المغني. - مسألة: (وَسُنَّ) الغسل في ستةَ عشَرَ موطناً: الأول: وهو آكدها: الغسل (لِـ) صلاة (جُمُعَةٍ)، وهو مستحب (بغير خلاف) قاله في الشرح؛ لحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: «الغُسْلُ يَوْمَ

стр. 94

الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» [البخاري: ٨٥٨، ومسلم: ٨٤٦]، والخلاف إنما هو في وجوبه، ويدل لعدم وجوبه حديث أبي هريرة مرفوعاً: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الحَصَى فَقَدْ لَغَا» [مسلم: ٨٥٧]، فاقتصر على الوضوء ولم يوجب الغسل. وعنه، واختاره ابن عثيمين: غسل الجمعة واجب؛ لظاهر حديث أبي سعيد السابق. واختار شيخ الإسلام: وجوبه على من كانت له رائحة يتأذى بها الناس؛ لقول عائشة ﵂: «كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الجُمُعَةِ، رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ» [البخاري: ٩٠٣]. (وَ) الثاني: الغسل لصلاة (عِيدٍ)؛ لحديث ابن عباس ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى» [ابن ماجه: ١٣١٥]، ونحوه عن الفاكه بن سعد [أحمد: ١٦٧٢٠، وابن ماجه: ١٣١٦]، وفيهما ضعف، ولكن صح ذلك عن ابن عمر ﵄ [مصنف عبد الرزاق: ٥٧٥٣]. (وَ) الثالث: الغسل لصلاة (كُسُوفٍ، وَ) الرابع: لصلاة (اسْتِسْقَاءٍ)؛ قياساً على الجمعة والعيد، بجامع الاجتماع لهما. وقيل: لا يستحب الغسل لهما؛ لعدم الدليل، وما ورد سببه في عهد النبي صلى الله عليه سلم ولم يفعله فتركه هو السنة.

стр. 95

(وَ) الخامس: الغسل لـ (جُنُونٍ، وَ) السادس: الغسل لـ (إِغْمَاءٍ)؛ لأن النبي ﷺ اغتسل من الإغماء في مرض موته كما في حديث عائشة ﵂ [البخاري: ٦٨٧، ومسلم: ٤١٨]، والجنون في معناه بل أبلغ، ولا يجب الغسل لذلك، حكاه ابن المنذر إجماعاً، (لَا احْتِلَامَ فِيهِمَا) أي: في الجنون والإغماء، فإن أنزل حال الجنون أو الإغماء وجب الغسل حينئذ؛ لأنه من جملة موجبات الغسل. (وَ) السابع: الغسل لـ (اسْتِحَاضَةٍ)، فيسن للمستحاضة أن تغتسل (لِكُلِّ صَلَاةٍ)؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَقَالَ: هَذَا عِرْقٌ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاةٍ» [البخاري: ٣٢٧، ومسلم: ٣٣٤]. (وَ) الثامن: الغسل لـ (إِحْرَامٍ) بحج أو عمرة؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلالِهِ وَاغْتَسَلَ» [الترمذي: ٨٣٠]، ولو مع حيض ونفاس؛ لقول عائشة ﵂: «نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ أَبَا بَكْرٍ يَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» [مسلم: ١٢٠٩]. (وَ) التاسع: الغسل لـ (دُخُولِ مَكَّةَ)؛ لما جاء عن ابن عمر ﵄: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طوى، حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ

стр. 96

نَهَاراً، وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ» [البخاري: ١٥٥٣، ومسلم: ١٢٥٩]. واختار شيخ الإسلام: أنه لا يسن الغسل عند دخول مكة؛ لأن التنظف الذي هو المقصود من الغسل قد حصل عند الإحرام، وإنما اغتسل النبي ﷺ مرة أخرى عند دخول مكة؛ لأن ميقات المدينة بعيد عن مكة، فاحتاج إلى أن يغتسل مرة أخرى ليحصل التنظيف. (وَ) العاشر: الغسل لدخول (حَرَمِهَا) أي: حرم مكة، نص عليه أحمد. ولم يَعُدَّه الموفق والشارح من الأغسال المستحبة. (وَ) الحادي عشَرَ: الغسل لـ (وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ)؛ لما صح عن عمر وابن عمر ﵄ من الغسل يوم عرفة [ابن أبي شيبة: ١٥٥٥٨، ١٥٥٦٠]. واختار شيخ الإسلام: عدم استحبابه؛ لعدم نقله عن النبي ﷺ (١). (وَ) الثاني عشَرَ: الغسل لـ (طَوَافِ زِيَارَةٍ) وهو طواف الإفاضة، (وَ) الثالث عشَرَ: الغسل لطواف (وَدَاعٍ، وَ) الرابع عشَرَ: الغسل لـ (مَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ، وَ) الخامس عشَرَ: الغسل لـ (رَمْيِ جمارٍ)؛ لأن هذه كلها أنساك

стр. 97

يجتمع لها الناس، فاستحب لها الغسل؛ كالإحرام ودخول مكة. قال شيخ الإسلام: (الغسل لرمي الجمار وللطواف والمبيت بمزدلفة لا أصل له، لا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، بل هو بدعة، إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب، مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس بها، فيغتسل لإزالتها). والسادس عشَرَ: الغسل عند غَسل الميت، كبيراً كان الميت أم صغيراً، ذكراً أم أنثى، حرًّا أم عبداً، مسلماً أم كافراً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتاً فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» [أحمد: ٧٧٧٠، وأبو داود: ٣١٦١، والترمذي: ٩٩٣، وابن ماجه: ١٤٦٣]، وحُمِلَ الأمر على الاستحباب؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غَسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، فَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجَسٍ، فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» [الحاكم: ١٤٢٦، وحسن إسناده شيخ الإسلام وابن حجر]. - مسألة: (وَ) يجب أن (تَنْقُضَ المَرْأَةُ شَعْرَهَا لِـ) غسل (حَيْضٍ وَنِفَاسٍ)، وهو من المفردات؛ لقول النبي ﷺ لعائشة لما حاضت في الحج: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي» [البخاري: ٣١٦، ومسلم: ١٢١١]، ولا يكون المشط إلا في شعرٍ غير مضفور. وحكى ابن الزاغوني رواية، واختارها ابن قدامة وفاقاً للثلاثة (١): لا

стр. 98

يجب النقض؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أشد ضَفْرَ رأسي، فأنقُضُه لغسل الجنابة؟ قال: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ المَاءَ فَتَطْهُرِينَ» [مسلم: ٣٣٠]، وفي رواية: فأنْقُضُه للحيضةِ والجنابة، فقال: «لَا»، وأما حديث عائشة ﵂ فهو في غسل الإحرام، لا في الغسل من الحيض. - مسألة: و (لَا) يجب النقض لغسل (جَنَابَةٍ إِذَا رَوَّتْ أُصُولَهُ) أي: أصول شعرها، اتفاقاً؛ لحديث أم سلمة رضى الله عنها السابق، والفرق بين الجنابة وبين الحيض والنفاس: أن الجنابة تكثر فيشق ذلك فيها، بخلاف الحيض والنفاس. - مسألة: (وَسُنَّ تَوَضُّؤٌ بِمُدٍّ، وَاغْتِسَالٌ بِصَاعٍ) وهو أربعة أمداد؛ لحديث أنس ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» [البخاري: ٢٠١، ومسلم: ٣٢٥]، فإن أسبغ بأقلَّ أجزأه ولم يكره. - فرع: المد = رطل وثُلُث عراقي، والرطل العراقي = ٩٠ مثقالاً، فرطل وثلث = ١٢٠ مثقالاً، والمثقال بالغرامات = ٤.٢٥، وعلى هذا فالمد: ١٢٠× ٤.٢٥ = ٥١٠ غرامات، والصاع: ٥١٠ × ٤ = ٢٠٤٠ غراماً. - فرع: بيان قدر المد والصاع بالوزن يفيد في خمسة مواطن: ١ - مقدار الوضوء والغسل.

стр. 99

٢ - مقدار زكاة الفطر. ٣ - مقدار فدية الطعام لمرتكب المحظور في الحج وفي العمرة. ٤ - الكفارات، مثل كفارة ظهار ويمين ونحوهما. ٥ - النذر، كمن نذر الصدقة بمد أو صاع. - مسألة: (وَكُرِهَ إِسْرَافٌ) في وضوء وغسل؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: «مَا هَذَا السَّرَفُ؟ »، فقال: أفي الوضوء إسراف؟ ، قال: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ» [ابن ماجه: ٤٢٥]. - مسألة: النية في الغسل على أقسام: الأول: أن يغتسل بنية رفع الحدث الأكبر، ويتوضأ بنية رفع الحدث الأصغر: فيرتفع الحدثان. (وَ) الثاني: (إنْ نَوَى بالغُسْلِ رَفْعَ الحَدَثَيْنِ) الأكبرِ والأصغرِ ولم يتوضأ: أجزأ عنهما؛ لأن الله أمر الجنب بالغسل، ولم يأمره معه بالوضوء. والثالث: (أَوْ) نوى بغسله رفع (الحَدَثِ، وَأَطْلَقَ)، فلم يقيده بالأكبر ولا بالأصغر: (ارْتَفَعَا)؛ لشمول الحدث لهما. والرابع: أن يغتسلَ وينويَ رفع الحدث الأكبر، ولا ينويَ رفع الحدث

стр. 100

الأصغر: فلا يرتفع الأصغر؛ لقوله ﷺ : «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧]. واختار شيخ الإسلام: أنه يرتفع الأصغر أيضاً؛ لقوله تعالى: (وإن كنتم جنباً فاطهروا) [المائدة: ٦]، فدل على أن الإنسان إذا طهر بدنه حصلت له الطهارة، وفي حديث عمرانَ ﵁ في قصة الرجل الذي كان معتزلاً لم يصل في القوم، فقال ﷺ : «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» [البخاري: ٣٤٤]، ولم يأمره بالوضوء. - مسألة: (وَسُنَّ) لحائض ونفساء انقطع دمهما، و (لِجُنُبٍ: غَسْلُ فَرْجِهِـ) ـم (وَالوُضُوءُ) في ثلاثة مواطن: الأول: (لَأَكْلٍ وَشُرْبٍ)؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ» تعني: وهو جنب [أبو داود: ٢٢٤]، والحائض والنفساء بعد انقطاع دمهما في معناه. (وَ) الثاني: لـ (نَوْمٍ)؛ لما جاء عن عمر ﵁: أنه سأل رسول الله ﷺ : أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ» [البخاري: ٢٨٧، ومسلم: ٣٠٦]، ولم يجب؛ لأنه جواب سؤال، والأمر إذا ورد جواب سؤال لم يدل على الوجوب اتفاقاً. (وَ) الثالث: لـ (مُعَاوَدَةِ وَطْءٍ)؛ لحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» [مسلم: ٣٠٨]، وزاد الحاكم: «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» [المستدرك: ٥٤٢].

стр. 101

(وَالغُسْلُ لَهَا) أي: لمعاودة الوطء (أَفْضَلُ) من الوضوء؛ لحديث أبي رافع ﵁: أن النبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه، فقلت له: يا رسول الله، ألا تجعله غسلاً واحداً، قال: «هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ» [أحمد: ٢٣٨٦٢، وأبو داود: ٢١٩، وابن ماجه: ٥٩٠]. - فرع: (وَكُرِهَ نَومٌ) فقط لـ (جُنُبٍ بِلَا وُضُوءٍ)؛ لظاهر حديث عمر ﵁ السابق، ولا يكره للجنب أكل وشرب ومعاودة وطء بلا وضوء. (فَصْلٌ) في التيمم وهو لغة: القصد. وشرعاً: التعبد لله تعالى بمسح الوجه واليدين بصعيد على وجه مخصوص. وهو ثابت بالإجماع، وهو من خصائص هذه الأمة؛ توسعة عليها وإحساناً. - مسألة: (يَصِحُّ التَّيَمُّمُ) بستة شروط زائدة على شروط مبدله وهو الوضوء:

стр. 102

الشرط الأول: أن يكون التيمم (بِتُرَابٍ)، لا بغيره من رمل وجص ومحترق؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلي ... وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُوراً»، ولمسلم: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُوراً» [البخاري ٣٣٥، ومسلم ٥٢١]، فعمّ الأرض بحكم المسجد، وخص ترابها بحكم الطهارة، وذلك يقتضي نفيَ الحكم عما عداها. وعنه واختاره شيخ الإسلام: يجوز التيمم بغير التراب من أجزاء الأرض إذا لم يجد تراباً. وذهب أبو حنيفة ومالك واختاره ابن عثيمين: إلى جواز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض؛ كالجص والصخرة الملساء، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ النساء: ٤٣، والصعيد: هو الصاعد على وجه الأرض، وهذا يعم كل صاعد، والجواب عن الاستدلال برواية مسلم: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا»: أن التربة فرد من أفراد الصعيد، وذكرُ بعض أفراد العام بحكمٍ يوافق حكم العام لا يكون تخصيصاً. الشرط الثاني: أن يكون بتراب (طَهُورٍ)، فلا يجوز بتراب تُيمم به؛ لزوال طهوريته باستعماله، أشبه الماء المستعمل في الطهارة. والوجه الثاني: يجوز، بناء على أن الماء قسمين فقط كما سبق. الشرط الثالث: أن يكون بتراب (مُبَاحٍ)، فلا يصح بمغصوب، وهو من

стр. 103

المفردات؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [مسلم ١٧١٨]. وعنه، وفاقاً للثلاثة: يصح بمغصوب مع الإثم؛ لأن النهي يعود إلى شرط العبادة على وجه لا يختص، فلا يفسدها. الشرط الرابع: أن يكون التراب (لَهُ غُبَارٌ)؛ لقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) [المائدة: ٦]، و (مِنْ) في الآية تبعيضية، وما لا غبار له كالصخر لا يمسح بشيء منه. وذهب أبو حنيفة ومالك واختاره ابن عثيمين: إلى جواز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض وإن لم يعلق بيده، كالجص والصخرة الملساء؛ لقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا)، و (مِنْ) في الآية لابتداء الغاية، وفي الآية إشارة لذلك، قال تعالى في آخرها: (مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ)، فدلت على نفي جميع أنواع الحرج، والتكليف بخصوص ما فيه غبار يعلق باليد لا يخلو من حرج في الجملة. - ضابط: ما يُتيمم عليه ينقسم إلى قسمين على المختار: ١ - أن يكون من جنس الأرض؛ كالصخرة الملساء: فيصح التيمم عليه مطلقاً، سواء كان عليه غبار أم لا. ٢ - أن يكون من غير جنس الأرض؛ كالسِّجَّادِ ونحوه: فلا يصح التيمم عليه إلا بشرط أن يكون عليه غبار، لكي يكون التيمم على الغبار الذي من

стр. 104

جنس الأرض. الشرط الخامس: تعذر الماء، وذلك في حالين: الأولى: (إِذَا عَدِمَ المَاء)، حضراً كان أو سفراً، مباحاً كان السفر أو غير مباح، فإنه يشرع له التيمم؛ لقوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا)، وسواء كان العدم (لِحَبْسِ) الماء عنه أو حبسه عن الماء، (أَوْ غَيْرِهِ) أي: غير الحبس، كقطع عدوٍّ ماء بلده، أو عجزه عن تناوله من بئر؛ لعموم حديث أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ المسلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، وَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ خَيْرٌ» [أحمد ٢١٣٧١، وأبوداود ٣٣٢، والنسائي ٣٢١، والترمذي ١٢٤]. الثانية: إذا كان يلحقه باستعمال الماء ضرر أو مشقة ظاهرة، وأشار إليه بقوله: (أَوْ خِيفَ بِاسْتِعْمَالِهِ) أي: الماء، (أَوْ) خيف بـ (طَلَبِهِ) أي: طلب الماء (ضَرَرٌ بِبَدَنٍ، أَوْ) ضرر بـ (ـمَالٍ، أَوْ) ضرر بـ (ـغَيْرِهِمَا)، كضرر آدمي أو بهيمة محترمين، بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه، شُرع له التيمم. - ضابط: (وَيُفْعَلُ) أي: التيمم (عَنْ كُلِّ مَا يُفْعَلُ بِالمَاءِ)، فيقوم التيمم مقام استعمال الماء في ثلاثة أمور:

стр. 105

١ - رفع الحدث الأكبر. ٢ - رفع الحدث الأصغر. ودل عليهما قوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا). ٣ - لإزالة نجاسة على بدنه فقط تضرُّه إزالتُها، أو عَدِم ما يُزيلها، بعد تخفيفها ما أمكن، وهو من المفردات؛ لعموم حديث: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ المسلِمِ»، وهذا يعم طهارتي الحدث والخبث المتعلقة بالبدن دون الثوب؛ لقوله «فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ»، ولأنه محل من البدن يجب تطهيره بالماء مع القدرة عليه؛ فوجب بالتراب عند العجز كمواضع الحدث وبدن الميت. - فرع: التيمم بدل طهارة الماء في كل ما يفعل بالماء (سِوَى): ١ - (نَجَاسَةٍ عَلَى غَيْرِ بَدَنٍ)، فلا يتيمم لنجاسة على ثوبه أو بقعته؛ لأن البدن له مدخل في التيمم لأجل الحدث، فدخل فيه التيمم لأجل النجس، وذلك معدوم في الثوب والمكان. وعنه وفاقاً للثلاثة، واختاره شيخ الإسلام: لا يجوز التيمم عن النجاسة مطلقاً؛ لأن الشرع إنما ورد بالتيمم للحدث، وغسل النجاسة ليس في معناه؛ لأن المقصود إزالة النجاسة، ولا يحصل ذلك بالتيمم. ٢ - وسوى لبث بمسجد للجنب إن كان لحاجةٍ مع تعذر الماء، فإنه يجوز

стр. 106

له اللبث بلا تيمم، والأولى أن يتيمم. واختار ابن قدامة: يتيمم ويمكث في المسجد؛ لأن البدل يقوم مقام المبدل منه. الشرط السادس: دخول الوقت لما يتيمم له، وأشار إليه بقوله: (إِذَا دَخَلَ وَقْتُ فَرْضٍ، وَأُبِيحَ غَيْرُهُ) أي: غير الفرض وهو النفل، فلا يصح التيمم لفرض قبل وقته، ولا لنفل في وقت نهي؛ لأن القائم إلى الصلاة أُمر بالوضوء؛ فإن لم يجده تيمم، وهذا يقتضي ألَّا يفعله إلا بعد قيامه إليها وإعوازه الماء، والوضوء إنما جاز قبل الوقت لكونه رافعاً للحدث، بخلاف التيمم فإنه طهارة ضرورة، فلم يجز قبل الوقت، كطهارة المستحاضة. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يشترط دخول الوقت؛ كالوضوء، بناء على أنه رافع للحدث، ويأتي (١). - مسألة: (وَإِنْ وَجَدَ مَاءً) يكفي لبعض طهره، من حدثٍ أكبرَ أو

стр. 107

أصغرَ، و (لَا يَكْفِي طَهَارَتَهُ) كاملة، (اسْتَعْمَلَهُ) فيما يقدر عليه (ثُمَّ تَيَمَّمَ) للباقي؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [البخاري ٧٢٨٨، ومسلم ١٣٣٠]، ويكون التيمم بعد استعمال الماء، ليتحقق الشرط الذي هو عدمُ الماء. - مسألة: من به جرح على بدنه وأراد الطهارة، فلا يخلو من أربعة أقسام: ١ - أن يتمكن من غَسْل الجرح بالماء: فيجب عليه أن يغسله. ٢ - أن لا يتمكن من غَسْله بالماء، لكن يتمكن من مسحه: فيمسحه بالماء ويجزئه ذلك؛ لأن الغسل مأمور به، والمسح بعضه فوجب، كمن عَجَزَ عن الركوع والسجود وقَدَرَ على الإيماء، ولأن المسح خيرٌ من التيمم. ٣ - أن يكون الجرح مغطًّى بجبيرة ونحوها: فإنه يمسح الجبيرة بالماء، ويجزئه ذلك؛ لما تقدم من جواز المسح على الجبيرة. ٤ - أن يكون الجرح مكشوفاً، ولا يتمكن من غسله ولا مسحه: فيغسل الصحيح، ويتيمم عن الجرح وما قرب منه مما يتضرر بغسله. - فرع: التيمم للجرح لا يخلو من أمرين: ١ - أن يكون ذلك في الوضوء، ويكون الجرح في بعض أعضاء وضوئه: فيلزمه مراعاة الترتيب والموالاة، لأن البدل له حكم المبدل منه، وأشار إلى

стр. 108

ذلك بقوله: (وَيَتَيَمَّمُ لِلْجُرْحِ عِنْدَ غَسْلِهِ) لو كان صحيحاً (إِنْ لَمْ يُمْكِنْ مَسْحُهُ بِالمَاءِ، وَيَغْسِلُ الصَّحِيحَ)، وهذا هو المذهب عند المتأخرين، كما في المنتهى والإقناع. والوجه الثاني، واختاره الموفق والمجد وشيخ الإسلام: لا يلزمه مراعاة الترتيب، فيصح أن يتيمم بعد كمال الوضوء، قال شيخ الإسلام: (هذا هو السنة، والفصل بين أبعاض الوضوء بتيممٍ بدعة)، قال في تصحيح الفروع: (وهذا المذهب على ما اصطلحناه، والصواب) (١). ٢ - أن يكون ذلك في الغسل: فلا يلزمه مراعاة الترتيب والموالاة، لأنه لا يلزمه ذلك في الغسل، والبدل له حكم المبدل منه. وعنه: تشترط المولاة في الغسل؛ لأن الغسل المنقول عن النبي ﷺ كان متوالياً, ولم ينقل عنه ﷺ أنه فرَّق غسله, وهذا الفعل كان بياناً لقوله تعالى: (وإن كنتم جنبًا فاطهروا)، فتلزمه الموالاة هنا، والقاعدة: (أن كل عبادة مركبة من أجزاء؛ يشترط فيها الترتيب والموالاة إلا لدليل).

стр. 109

- مسألة: (وَطَلَبُ المَاءِ فَرْضٌ)؛ لقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء)، ولا يقال لم يجد إلا لمن طلب، فيلزمه طلبه في رحله وما قرب منه عرفاً. - مسألة: (فَإِنْ) كان قادراً على الماء، لكن (نَسِيَ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ وَتَيَمَّمَ) وصلى، (أَعَادَ)؛ لأن الأوامر لا يعذر فيها بالنسيان، فلا يخرجه النسيان عن كونه واجداً. - مسألة: (وَفُرُوضُهُ) أي: فروض التيمم أربعة: الفرض الأول: (مَسْحُ) جميع (وَجْهِهِ)؛ لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) [المائدة: ٦]، ومنه اللحية؛ لأنها من الوجه، سوى ما تحت الشعر ولو خفيفاً، وسوى داخل فم وأنف. (وَ) الفرض الثاني: مسح (يَدَيْهِ إِلَى كُوعَيهِ)، والكوع: مَفْصِلُ الكف؛ لقوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ) [المائدة: ٦]، وإذا علق حكم بمطلق اليد لم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق ومس الفرج، ولحديث عمار ﵁: أن النبي ﷺ قال له: «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا»، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. [البخاري ٣٤٧، ومسلم ٣٦٨]، قال ابن القيم: (ولم يصح عنه أنه تيمم إلى المرفقين). (وَ) الفرض الثالث (فِي) الحدث الـ (أَصْغَرِ) خاصة: الـ (تَرْتِيبُ)، فيبدأ

стр. 110

بمسح الوجه ثم اليدين؛ لأن الترتيب فرض في الوضوء، والتيمم بدل عنه. والوجه الثاني، واختاره شيخ الإسلام: لا يجب الترتيب؛ لرواية البخاري في حديث عمار ﵁ [٣٤٧]: «ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ»، فعطف الوجه على الكفين بـ (ثم) الدالة على الترتيب، وسائر الروايات مجملة، وفيها عطف الكفين على الوجه بـ (الواو)، فدل على عدم وجوب الترتيب. (وَ) الفرض الرابع: (مُوَالَاةٌ أَيْضاً) في الحدث الأصغر خاصة، دون الحدث الأكبر، بأن لا يؤخر مسح اليدين بحيث يجف الوجه لو كان مغسولاً؛ لأن الموالاة فرض في الوضوء دون الغسل، والتيمم بدل عنهما. والقول الثاني في المذهب: اشتراط الموالاة في الحدث الأكبر كذلك؛ بناء على الرواية الثانية في المذهب من اشتراط الموالاة في الغسل، فتشترط هنا؛ لأن البدل له حكم المبدل منه. - مسألة: (وَنِيَّةُ الاسْتِبَاحَةِ شَرْطٌ لِمَا يَتَيَمَّمُ لَهُ) من حدثٍ أصغرَ أو أكبرَ أو نجاسةٍ على بدنه -على المذهب -، فإن نوى أحدها لم يجزئه عن الآخر؛ لأنها أسباب مختلفة، وإن نوى جميعها ارتفعت، ولا يخلو ذلك من أحوال: ١ - إن نوى بتيممه رفع جميعها، فنوى رفع الحدث الأكبر والأصغر
следующие страницы →