← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

واختار شيخ الإسلام: أنه يباح الذهب في السلاح مطلقاً؛ لأنه إذا جاز في السيف جاز في غيره من باب أولى. ٢ - (وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ؛ كَأَنْفٍ) ورباط أسنان؛ لما روى عَرْفَجَة بن أسعد ﵁: «أَنَّه قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ، فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» [أحمد: ١٩٠٠٦، وأبو داود: ٤٢٣٢، والترمذي: ١٧٧٠، والنسائي: ٥١٦١]. ٣ - وعند شيخ الإسلام خلافاً للمذهب: أنه يجوز من الذهب اليسير التابع؛ لحديث المِسْوَر بن مَخْرَمة ﵄: أنه ذهب هو وأبوه إلى النبي ﷺ لما جاءته أقبية، وفيه: «فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرٌ بِالذَّهَبِ» [البخاري: ٥٨٦٢]، ولحديث معاوية ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا» [أحمد: ١٦٩٠٩، وأبو داود: ٤٢٣٩، والنسائي: ٥١٤٩]. وعلى هذا: فيحرم: أ) الكثير مطلقاً؛ لأن الإباحة وردت في اليسير، فيبقى الكثير داخلًا في عموم أحاديث التحريم السابقة. ب) اليسير المنفرد؛ لأن الوارد استثناؤه في التابع دون المنفرد، ولحديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، وقال: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ» [مسلم: ٢٠٩٠].

стр. 492

(وَ) الأمر الثاني: أن يكون المتحلِّي أنثى: فيباح (لِنِسَاءٍ مِنْهُمَا) أي: من الذهب والفضة (مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ)، قلَّ أو كَثُرَ، محلَّقًا كان أو غيرَ محلَّق؛ لقوله تعالى: (أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين)، ولعموم حديث علي وأبي موسى السابق ذكرهما. - فرع: يستثنى من إباحة الذهب للنساء: ١ - ما لم تجر عادتهن بلبسه، كحُلي الرجل ونعال الذهب ونحوه، فيحرم؛ لانتفاء التجمل، ولأنه من لباس الشهرة. ٢ - ما وصل إلى حد الإسراف، فيكره؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعاً: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا, مَا لَمْ يُخَالِطْهُ إِسْرَافٌ، أَوْ مَخِيلَةٌ» [أحمد: ٦٦٩٥، والنسائي: ٢٥٥٩، وابن ماجه: ٣٦٠٥، وعلقه البخاري بصيغة الجزم ٧/ ١٤٠]. وعند شيخ الإسلام: يحرم الإسراف في المباح؛ لقوله تعالى: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). - مسألة: زكاة الحلي على أقسام: الأول: الحلي المباح، وأشار إليه بقوله: (وَلَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ) لرجل أو امرأة إذا (أُعِدَّ) الحلي (لِاسْتِعْمَالٍ) ولو لم يستعمل؛ لحديث جابر

стр. 493

رضي الله عنه مرفوعاً: «لَيْسَ فِي الحُلِيِّ زَكَاةٌ» [ابن الجوزي في التحقيق: ٩٨١، وقال البيهقي: باطل لا أصل له]، وقال أحمد: (هو قول خمسة من الصحابة)، ورد ذلك عن جابر وابن عمر وأنس وعائشة وأسماء ﵃، وقال الحسن: (لا نعلم أحداً من الخلفاء قال: «في الحلي زكاة» [ابن أبي شيبة: ١٠١٧٣، وما بعده])، ولأنه مرصد للاستعمال المباح، فلم يجب فيه الزكاة كثياب القُنْية. وعنه، واختاره ابن باز وابن عثيمين: تجب الزكاة في الحلي؛ لعمومات الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الذهب والفضة، ولحديث عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ، فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ »، فقلت: صنعتهن أتزيَّن لك يا رسول الله، قال: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟ »، قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: «هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ» [أبو داود: ١٥٦٥]، ولحديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مَسْكَتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ »، قالت: لا، قال: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ الله بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ » [أحمد: ٦٩٠١، وأبو داود: ١٥٦٣، والترمذي: ٦٣٧، والنسائي: ٢٤٧٩، قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء]. الثاني: الحلي المحرم، كآنية محرمة والذهب للرجل: تجب فيه الزكاة إن بلغ نصاباً وزناً اتفاقاً؛ لأنها إنما سقطت في المباح المعد للاستعمال لصرفه عن جهة النماء، فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل من وجوب الزكاة.

стр. 494

الثالث: الحلي المعد للعارية ولو لم يُعَر: لا تجب فيه الزكاة؛ لأن عاريته تقوم مقام استعماله، وأشار إليه بقوله (أَوْ عَارِيَةٍ). الرابع: الحلي المعد للكراء - وهو التأجير - والنفقة والادخار: ففيه الزكاة؛ لعموم أدلة وجوب الزكاة في الذهب والفضة، ولأنها إنما سقطت في المباح المعد للاستعمال لصرفه عن جهة النماء، فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل من وجوب الزكاة. - فرع: المعتبر في نصاب زكاة الحلي وقدر المخرَج منه على ثلاثة أقسام: ١ - أن يكون معدًّا للكراء والنفقة، أو يكون محرَّماً: فالمعتبر في النصاب والإخراج الوزن؛ لحديث أبي سعيد السابق: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ»، والصنعة المحرمة يجب إتلافها شرعاً. ٢ - أن يكون معدًّا للتجارة: فالمعتبر في النصاب والإخراج القيمة؛ كالعُروض. ٣ - أن يكون مباح الصناعة، ووجبت فيه الزكاة لعدم الاستعمال أو لعدم العارية، ولم يكن للتجارة: فالمعتبر في النصاب الوزن؛ لما تقدم، والمعتبر في الإخراج القيمة، كالعروض؛ لأنه لو اعتبر بالوزن عند الإخراج لفاتت الصنعة المتقوَّمة شرعاً على الفقراء.

стр. 495

- مسألة: تجب الزكاة فيما أُعد للبيع اتفاقاً، وقال المجد: (هو إجماع متقدم)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)﴾ ﴿المعارج: ٢٤﴾، ولحديث سمرة بن جندب ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ» [أبو داود: ١٥٦٢، وفيه ضعف]، ولما صح عن ابن عمر ﵄ أنه قال: " لَيسَ فِي العُرُوضِ زَكاةٌ إلَّا مَا كَانَ للتِّجَارَةِ " [البيهقي: ٧٦٠٥] ولا يعرف له مخالف، ولأن هذه العروضُ يشتريها الإنسان لقيمتها لا لذاتها، فتكون ملحقة بالذهب والفضة. - فرع: (وَيَجِبُ تَقْوِيمُ عَرْضِ التِّجَارَةِ) عند تمام الحول؛ لأنه وقت الوجوب، ولا يعتبر ما اشتريت به؛ لأن في تقويمها بما اشتريت به إبطالاً للتقويم بالأنفع، فيقومها (بِالأَحَظِّ لِلفُقَرَاءِ مِنْهُمَا) أي: من الذهب والفضة، فإذا بلغ العَرْض بأحدهما نصاباً وجبت فيه الزكاة؛ لأن التقويم لحظ أهل الزكاة، فتُقَوَّم بالأحظ لهم. - فرع: (وَتُخْرَجُ) زكاة عَرْض التجارة (مِنْ قِيمَتِهِ)؛ لأنها محل الوجوب لاعتبار النصاب بها، ولا يجزئ إخراج الزكاة من العرْض نفسه؛ لأنها ليست محل الوجوب، فإخراجها كالإخراج من غير الجنس. واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز إخراج زكاة العروض من القيمة أو من العروض؛ لأن الزكاة مواساة، فلا يكلفها من غير ماله، ولأنها مال تجب فيه

стр. 496

الزكاة فجاز إخراجها منه كسائر الأموال. - فرع: (وَإِنِ اشْتَرَى) إنسان (عَرْضًا) للتجارة (بِنِصَابٍ) من الذهب أو الفضة أو عروض أخرى، كمن اشترى أقلاماً للتجارة بذهب أو فضة، أو اشترى كتباً للتجارة بأثواب معدة للتجارة (غَيْرِ) نصاب (سَائِمَةٍ؛ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ)؛ لأنها كالجنس الواحد. وإن اشترى عرض تجارة بنصاب سائمة لم يَبْنِ على حوله؛ لاختلافهما في النصاب والواجب، وتقدمت المسألة في أول كتاب الزكاة عند قول الماتن: (وإن أبدله بجنسه فلا). (فَصْلٌ) في زكاة الفِطْر الفطر: اسمُ مصدرٍ مِنْ: أفطر الصائم إفطارًا، وأضيفت إلى الفطر؛ لأنه سبب وجوبها، فهو من إضافة الشيء إلى سببه، ويراد بها: الصدقة عن البدن والنفس. - مسألة: (وَتَجِبُ الفِطْرَةُ) أي: زكاة الفطر بشرطين: الشرط الأول: الإسلام، وأشار إليه بقوله: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)، ذكر

стр. 497

وأنثى، صغير وكبير، من أهل البوادي وغيرهم؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» [البخاري ١٥٠٣، ومسلم ٩٨٤]. الشرط الثاني: ألا يكون عليه دَيْن يُطَالب به؛ فإن كان عليه دين يطالب به صاحبه قدّمه؛ لأن الزكاة وجبت مواساة، وقضاء الدَّين أهم. وإن لم يكن يطالب به، أدى زكاة الفطر، واختاره شيخ الإسلام؛ لتأكدها، بدليل وجوبها على الفقير، وشمولها لكل مسلم قَدَر على إخراجها، فجرى مجرى النفقة. وهذا بخلاف زكاة المال، فإن الدَّين يمنعها مطلقاً، طالب به صاحبه أم لا، وقد سبق. الشرط الثالث: الغنى، وضابطه هنا ما أشار إليه بقوله: (إِذَا كَانَتِ) الفطرة (فَاضِلَةً عَنْ): ١ - (نَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ)، كنفقة زوجة وعيال؛ لأن ذلك أهم، فيجب تقديمه؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا» [مسلم ٩٩٧].

стр. 498

والمعتبر أن يكون صاع الفطرة فاضلاً عن النفقة الواجبة (يَوْمَ العِيدِ وَلَيْلَتَهُ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عمر السابق، حيث لم يشترط نصاباً، فاعتبر مِلك الصاع وقت الوجوب. ٢ - (وَ) أن تكون الفطرة فاضلة عن (حَوَائِجَ أَصْلِيَّةٍ) لنفسه، ولمن تلزمه مؤنته، من مسكن وخادم ودابة وثياب بِذْلة؛ لأن هذه الأشياء مما تتعلق به حاجته الأصلية، فهو كنفقته يوم العيد، والقاعدة: (أن الحوائج الأصلية لا تعد مالاً فاضلاً). - مسألة: (فَـ) إذا فضل له شيء عن ذلك وجب عليه أن (يُخْرِجَ) زكاة الفطر (عَنْ): ١ - (نَفْسِهِ)؛ لحديث جابر السابق: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ». ٢ - (وَ) عن كل (مُسْلِمٍ يَمُونُهُ)، وهو من المفردات، ويشمل ذلك: الزوجاتِ، والأقاربَ، والعبيدَ ونحوَهم؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونَ» [الدارقطني ٢٠٧٨، وقال: الصواب وقفه]، وعن نافع، عن ابن عمر ﵄: «أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ، صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ عَمَّنْ يَعُولُ، وَعَنْ رَقِيقِهِ، وَعَنْ رَقِيقِ نِسَائِهِ» [الدارقطني ٢٠٧٩]، وحكي إجماعاً في الأولاد الصغار والعبيد.

стр. 499

- فرع: لا تلزمه فطرة من يمونه من الكفار؛ لأنها طهرة للمُخْرَج عنه، ولا يطهِّره إلا الإسلام. - مسألة: (وَتُسَنُّ) زكاة الفطر (عَنْ جَنِينٍ)، وهو من المفردات؛ لوروده عن عثمان ﵁ [مصنف ابن أبي شيبة ١٠٧٣٧، وفيه انقطاع]، وقال أبو قِلابة: «كَانُوا يُعْطُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، حَتَّى يُعْطُونَ عَنِ الحَبَلِ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٠٧٣٨]. ولا تجب اتفاقاً؛ لأنها لو تعلقت به قبل ظهوره لتعلقت الزكاة بأجنة السوائم. - مسألة: أوقات إخراج زكاة الفطر: الوقت الأول: وقت الوجوب: وأشار إليه بقوله: (وَتَجِبُ) أي: زكاة الفطر (بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ) عيد (الفِطْرِ)؛ لحديث ابن عمر السابق: «فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ»، فأضاف الصدقة إلى الفطر، فكانت واجبة به، لأن الإضافة تقتضي الاختصاص، وأول فطر يقع من جميع رمضان يكون بمغيب الشمس من ليلة الفطر. - فرع: يترتب على وقت الوجوب: ما لو أسلم، أو أيسر، أو تزوج، أو وُلد له، أو مَلَك عبداً بعد غروب شمس ليلة عيد الفطر؛ لم تلزمه فطرته؛ لعدم وجود سبب الوجوب، وقبل الغروب تلزمه؛ لوجود السبب.

стр. 500

وعنه، واختاره شيخ الإسلام: إذا أيسر يوم العيد فتجب عليه (١). (وَ) الوقت الثاني: وقت الجواز، فـ (تَجُوزُ) الفطرة، أي: إخراجها (قَبْلَهُ) أي: قبل العيد بيوم، أو (بِيَوْمَيْنِ فَقَطْ)، ولا يجوز قبل ذلك، وهو من المفردات؛ لحديث ابن عمر السابق، وفي آخره: «وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ»، فلا تجزئ قبله بأكثر من يومين؛ لفوات الإغناء المأمور به في حديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ» [الدارقطني ٢١٣٣، وفيه أبو معشر وهو ضعيف]. وعنه: يجوز تقديمها بثلاثة أيام؛ لما ورد عن نافع: «أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ، قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ» [الموطأ ١/ ٢٨٥]. (وَ) الوقت الثالث: وقت الاستحباب، بأن يخرجها (يَوْمَهُ) أي: يوم العيد (قَبْلَ الصَّلَاةِ)، وهو (أَفْضَلُ) وقتٍ لإخراجها اتفاقاً؛ لحديث ابن عمر السابق، وفيه: «وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ». (وَ) الوقت الرابع: وقت الكراهة، فـ (تُكْرَهُ) الفطرة، أي: إخراجها (فِي بَاقِيهِ)، أي: باقي يوم العيد بعد الصلاة؛ لمخالفته الأمرَ بالإخراج قبل

стр. 501

الخروج إلى المصلى، وتجزئ؛ لحصول الإغناء في هذا اليوم. (وَ) الوقت الخامس: وقت التحريم، فـ (يَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ) أي: عن يوم العيد بعد الغروب، فإن أخَّرها متعمداً أثِمَ اتفاقاً؛ لتأخيره الواجب عن وقته، ولمخالفته الأمر، (وَتُقْضَى وُجُوباً) اتفاقاً؛ لأنها عبادة، فلم تسقط بخروج الوقت؛ كالصلاة. واختار شيخ الإسلام: أنه لا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد؛ لحديث ابن عمر السابق، وفيه: «وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ»، ولحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» [أبو داود ١٦٠٦، وابن ماجه ١٨٢٧]. واختار ابن عثيمين: أنه إن أخرها بعد صلاة العيد متعمداً أثم ولا يقضي؛ للقاعدة: (أن كل عبادة مؤقتة إذا تعمد المسلم إخراجها عن وقتها لم تقبل)، وإن أخرها لعذر لم يأثم، ويقضي؛ قياساً على الصلاة. - مسألة: (وَهِيَ) أي: الفطرة: (صَاعٌ مِنْ بُرٍّ، أَوْ) صاع من (شَعِيرٍ، أَوْ) صاع من (سَوِيقِهِمَا) أي: سويق البر أو الشعير، (أَوْ) صاع من (دَقِيقِهِمَا، أَوْ) صاع من (تَمْرٍ، أَوْ) صاع من (زَبِيبٍ، أَوْ) صاع من (أَقِطٍ)، ولا يجزئ

стр. 502

غيرها مع قدرته على تحصيلها، وهو من المفردات؛ لقول أبي سعيد ﵁: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ» [البخاري ١٥٠٦، ومسلم ٩٨٥]، فلما عدد الأصناف، دل على عدم جواز العدول عنها. وأما إجزاء السويق والدقيق؛ فلرواية أبي داود [١٦١٨]، والنسائي [٢٥٢١]: «أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ»، ولأنه أولى من الحب في الإجزاء؛ لأن الفقير كُفِي مؤنةَ الطحن، كتمر نُزع حبه. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يجزئ كلُّ ما كان من قوت أهل البلد كالأَرُز ونحوه، ولو قدر على الأصناف الخمسة؛ لأن الأصل في الصدقات أنها مواساة للفقراء، وقد قال تعالى: (من أوسط ما تطعمون به أهليكم) [المائدة: ٨٩]، ولحديث أبي سعيد السابق، وفيه: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ»، وقياسًا على الأصناف الخمسة المنصوصة. - فرع: الواجب صاع، سواء أخرجها من البُرِّ أو غيره؛ لحديث أبي سعيد السابق، وفيه: «فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ، قَالَ: أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ»، وفي رواية مسلم: قال أبو سعيد: «فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ، أَبَدًا مَا عِشْتُ». واختار شيخ الإسلام: أنه يجزى نصف صاع من البر، وقال: (هو قياس قول أحمد في الكفارات)؛ لقول الحسن: (خطب ابن عباس ﵄ في آخر

стр. 503

رمضان على منبر البصرة، فقال: «مَنْ هَهُنَا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ؟ قُومُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ»، فلما قدم علي ﵁ رأى رخص السعر، قال: «قَدْ أَوْسَعَ الله عَلَيْكُمْ، فَلَوْ جَعَلْتُمُوهُ صَاعًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» [أحمد ٣٢٩١، أبو داود ١٦٢٢، والنسائي ٢٥١٥]، قال الحافظ: (أسند ابن المنذر - أي: في إجزاء نصف صاع من البر- عن عثمان، وعلي، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأمه أسماء بنت أبي بكر ﵃ بأسانيد صحيحة) [فتح الباري ٣/ ٣٧٤، وينظر: مصنف عبد الرزاق ٣/ ٣١١ وما بعدها]. - فرع: على القول بجواز إخراج كل ما كان قوتاً لأهل البلد، فإن كان المُخْرَج موزوناً وتعذر كيله؛ رُجع فيه إلى الوزن. قاله ابن عثيمين. - فرع: (وَالأَفْضَلُ: تَمْرٌ)؛ لفعل ابن عمر ﵄ [البخاري ١٥١١]، ولأنه قوت وحلاوة، وأقرب تناولاً وأقل كلفة، (فَزَبِيبٌ)؛ لأنه في معنى التمر فيما تقدم، (فبُرٌّ)؛ لأنه أنفع في الاقتيات، وأبلغ في دفع حاجة الفقير، (فَأَنْفَعُ) للفقير، فشعير، فدقيق بُرٍّ، فدقيق شعير، فسَوِيق البُرِّ، فسويق الشعير، فأقط. وقيل: الأفضل أنفع الأجناس وأعلاها قيمة؛ لحديث أبي ذر ﵁: أيُّ الرقاب أفضل؟ ، فقال ﷺ : «أَعْلاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» [البخاري ٢٥١٨، ومسلم ٨٤].

стр. 504

- مسألة: (فَإِنْ عَدِمَتِ) الأصناف الخمسة: (أَجْزَأَ كُلُّ حَبٍّ يُقْتَاتُ)، وثمرٍ يقتات، إذا كان مكيلاً، كالذُّرة، والدُخْن، والأرز، والعدس، والتين اليابس؛ لأنه أشبه بالمنصوص عليه، فكان أولى. - مسألة: (وَيَجُوزُ إِعْطَاءُ جَمَاعَةٍ) ممن يستحقها (مَا يَلْزَمُ الوَاحِدَ) من الفطرة، قال في الشرح: (لا نعلم فيه خلافاً)؛ لأنه دفع الصدقة إلى مستحقها. (وَعَكْسُهُ)، بأن يعطيَ الواحد ما يلزم الجماعة، واختاره شيخ الإسلام؛ لأنها صدقة لغير معين، فجاز صرفها لواحد، كالزكاة. - فرع: مصرف زكاة الفطر مصرف زكاة الأموال، فتُعْطى للأصناف الثمانية فقط؛ لدخول صدقة الفطر في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ٠٠٠﴾ الآية التوبة: ٦٠. واختار شيخ الإسلام: أنه لا يجوز دفعها إلا لمن يستحق الكفارة، وهو ممن يأخذها لحاجته، فلا تصرف للمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب وغير ذلك؛ لأن صدقة الفطر سببها البدن، وليس المالَ، من حيث إنها طهرة للصائم، فكانت أشبه بالكفارات، ولذلك أوجبها الله طعاماً، كما أوجب للكفارة طعاماً.

стр. 505

(فَصْلٌ) في إخراج الزكاة، وما يتعلق به - مسألة: (وَيَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ) مال (عَلَى الفَوْرِ مَعَ إِمْكَانِهِ)؛ لقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) [الأنعام: ١٤١]، والأمر المطلق يقتضي الفورية، ولحديث عقبة بن الحارث ﵁، قال: صلَّى بنا النبي ﷺ العصر، فأسرع، ثم دخل البيت، فلم يلبث أن خرج، فقيل له، فقال: «كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ، فَقَسَمْتُهُ» [البخاري ١٤٣٠]، ولأن حاجة الفقير ناجزة والتأخير مخلٌّ بالمقصود، وربما أدى إلى الفوات. - فرع: يجوز تأخير إخراج الزكاة في أحوال: ١ - أن يخاف المُخرِج ضرراً؛ كخوف رجوعِ ساعٍ عليه إذا أخرجها بنفسه مع غيبة الساعي، أو لخوفه على نفسه أو على ماله ونحوه؛ لحديث: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أحمد ٢٨٦٥، وماجه ٢٣٤٠]، ولأنه إذا جاز تأخير دَين الآدمي لذلك، فهي أولى. ٢ - أن يؤخرَها ليعطيَها لمن حاجته أشد، أو لقريب وجار، وقيده في المبدع: (إذا لم يشتد ضرر الحاضر)، وقيده جماعة: (بالزمن اليسير للحاجة)؛ وإلا لم يجز ترك واجب لمندوب.

стр. 506

٣ - أن يؤخرها لتعذر إخراجها من المال لغيبة ونحوها؛ لعدم الإمكان إذاً، ولو قدر على الإخراج من غيره؛ لأن الأصل إخراج زكاة المال منه، وجواز الإخراج من غيره رخصة. ٤ - أن يؤخرها لغيبةِ المستحِقِّ؛ لتعذر الإخراج إذاً. ٥ - إذا كان المالك فقيراً محتاجاً لزكاته، بحيث تختل كفايته ومعيشته بإخراجها، وتوخذ منه الزكاة عند يساره؛ لزوال العارض. - مسألة: تجب الزكاة في مال الصغير والمجنون؛ لعموم أدلة الزكاة، ولقول عمر ﵁: «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الِيَتَامَى قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ»، ونحوه: عن علي، وابن عمر، وجابر، وعائشة ﵃ [مصنف عبدالرزاق ٤/ ٦٦ - ٦٩]. - فرع: (وَيُخْرِجُ) الزكاة (وَلِيُّ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ) في مالهما (عَنْهُمَا)، كصرف نفقة واجبة عليهما؛ لأن ذلك حق تدخله النيابة، ولذلك صح التوكيل فيه. - مسألة: (وَشُرِطَ لَهُ) أي: لإخراج الزكاة (نِيَّةٌ)؛ لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري ١، ومسلم ١٩٠٧]، من مكلفٍ، لا صغيرٍ أو مجنون؛ لعدم أهليته أداءَ الواجب، فينوي عنهما وليُّهما؛ لقيامه مَقامَه. - فرع: تشترط نية الزكاة، فينوي الزكاة، أو الصدقة الواجبة ونحو ذلك، وإن لم ينو، أو نوى صدقة مطلقة، لم يجزه ما أخرجه عما في ذمته؛ لعدم التعيين.

стр. 507

- مسألة: نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن ينقلها من بلد لا مستحِقَّ فيه إلى آخر: فيجوز اتفاقاً؛ لأن معاذاً ﵁ بعث إلى عمر ﵁ بثلث صدقة أهل اليمن، فأنكر ذلك عمر، وقال: «لَمْ أَبْعَثْكَ جَابِيًا وَلَا آخِذَ جِزْيَةٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ فَتَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ»، فقال معاذ: «مَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ وَأَنَا أَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهُ مِنِّي»، فلما كان العام الثاني بعث إليه شطر الصدقة، فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها، فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل، فقال معاذ: «مَا وَجَدْتُ أَحَدًا يَأْخُذُ مِنِّي شَيْئًا» [أبو عبيد في الأموال ١٩١٢، وضعفه الألباني]، وعليه حمل الإمام أحمد ما روي من نقل الزكاة إلى النبي ﷺ وخلفائه. ويفرقها في أقرب البلاد إليه؛ لأنهم أولى. الأمر الثاني: أن ينقلها من بلد فيه مستحق لها إلى آخر، فعلى قسمين: الأول: أن ينقلها لدون مسافة قصر: فيجوز؛ لأنه في حكم بلد واحد، بدليل أحكام السفر ورُخَصِه. الثاني: أن ينقلها إلى ما تُقصر فيه الصلاة، وأشار إليه بقوله: (وَحَرُمَ نَقْلُهَا) أي: الزكاة، ولو لرحم وشدة حاجة (إِلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ إِنْ وُجِدَ أَهْلُهَا)؛ لحديث معاذ ﵁ مرفوعاً: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» [البخاري ١٤٩٦،

стр. 508

ومسلم ١٩]؛ وعن أبي جحيفة ﵁ قال: «قَدِمَ عَلَيْنَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَجَعَلَهَا فِي فُقَرَائِنَا، وَكُنْتُ غُلامًا يَتِيمًا، فَأَعْطَانِي مِنْهَا قَلُوصًا» [الترمذي ٦٤٩]؛ ولأن في النقل ضياع فقراء تلك البلد، وهو عكس مشروعية الزكاة. - فرع: إن فعل ونقلها إلى مسافة قصر؛ أجزأت الزكاة مع الإثم؛ لأنه دفع الحق إلى مستحقِّه، فبرئ من عهدته، ولأن النهي لا يعود إلى ذات الزكاة، بل إلى النقل، فلم يقتض الفساد. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: جواز نقلها لمصلحة راجحة، كقريب محتاج ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، ولم يفرق سبحانه بين فقراء وفقراء، ولحديث قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» [مسلم ١٠٤٤]، قال أبو عبيد: (فرأى إعطاءه إياها من صدقات الحجاز، وهو من أهل نجد، ورأى حملها من أهل نجد إلى أهل الحجاز)، ولقول عمر ﵁ لساعيه عام الرمادة: «اعْقِلْ عَلَيْهِمْ عِقَالَيْنِ، فَاقْسِمْ فِيهِمْ عِقَالاً، وَائْتِنِي بِالْآخَرِ» [الأموال لأبي عبيد ص: ٤٦٤]. - مسألة: (فَإِنْ كَانَ) المزكي (فِي بَلَدٍ وَمَالُهُ فِي) بلد (آخَرَ) فلا يخلو من أمرين:

стр. 509

الأول: إن كانت زكاة مال: (أَخْرَجَ زَكَاةَ المَالِ فِي بَلَدِ المَالِ)؛ لئلا تُنقل الصدقة عن بلد المال، ولأن المال سبب الزكاة، فوجب إخراجها حيث وجد السبب. (وَ) الثاني: إن كانت زكاة فطر: أخرج (فِطْرَتَهُ وَفِطْرَةً لَزِمَتْهُ فِي بَلَدِ نَفْسِهِ)، لا في بلد ماله؛ لأن سبب الفطرة النفس، لا المال. - مسألة: (وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا) أي: الزكاة؛ لحديث علي ﵁: «أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ» [أحمد ٨٢٢، أبو داود ١٦٢٤، والترمذي ٦٧٨، وابن ماجه ١٧٩٥]، وذلك بشرطين: ١ - أن يبلغ المال نصاباً؛ لأن النصاب سبب لوجوب الزكاة، ولا يجوز تقديم العبادة على سببها، كالتكفير قبل الحلف، قال ابن قدامة: (بغير خلاف نعلمه)، والقاعدة: (العبادات كلها، سواء كانت بدنية أو مالية أو مركبة منهما، لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، ويجوز تقديمها بعد سبب الوجوب وقبل شرط الوجوب). فأما تعجيلها بعد النصاب؛ فجائز. ٢ - أن يكون التعجيل (لِحَوْلَيْنِ فَقَطْ) فأقل؛ اقتصاراً على ما ورد في حديث علي ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَجَّلَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ» [البيهقي

стр. 510

٧٣٦٧، الأموال لأبي عبيد ١٨٨٦]، ويؤيده رواية مسلم [٩٨٣]: «وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا»، ولقول عمر السابق: «اعْقِلْ عَلَيْهِمْ عِقَالَيْنِ». - فرع: ترك التعجيل أفضل، خروجًا من خلاف من منعه. وقال في الفروع: (ويتوجه احتمال يعتبر المصلحة). فصل في أهل الزكاة - مسألة: (وَلَا) يجوز أن (تُدْفَعَ) الزكاة (إِلَّا إِلَى الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ)؛ الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: (إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [سورة التوبة: ٦٠]، فدلت على حصر الزكاة في هؤلاء. فلا يجوز صرفها إلى غيرهم، من بناء المساجد، وإقامة الجسور، وتكفين الموتى، وغيرها من جهات الخير، قال في الشرح الكبير: (لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أنه لا يجوز دفع هذه الزكاة إلى غير هذه الأصناف، إلا ما روي عن أنس والحسن أنهما قالا: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة قاضية). - فرع: (وَ) هؤلاء الأصناف (هُمْ):

стр. 511

الصنف الأول: (الفُقَرَاءُ): وهم من لا يجدون شيئاً من الكفاية، أو يجدون أقل من نصفها. (وَ) الصنف الثاني: (المَساكِينُ): وهم الذين يجدون أكثر كفايتهم أو نصفها. - فرع: يعطى الفقير والمسكين تمام كفايته مع عائلته سنة؛ لأن النبي ﷺ لم يدخر أكثر من قوت سنة؛ لحديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ : «كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ الله» [مسلم: ١٧٥٧]، لأن وجوب الزكاة يتكرر كل حول فينبغي أن يأخذ ما يكفيه إلى مثله. واختار شيخ الإسلام: جواز إعطاء الفقير ما يصير به غنيًّا ولو كثر، بحيث يخرجه من الفقر إلى الغنى؛ لحديث قبيصة بن مخارق ﵁ مرفوعاً، وفيه: «وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ». [مسلم: ١٠٤٤]، فأباح له أن يأخذ من الزكاة حد القوام والسداد، وذلك لا يكون إلا بإعطاء المحتاج حتى يستغني. - فرع: اختار شيخ الإسلام: جواز دفع الزكاة لمن يَعْجِز عن شراء ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لابد منها لمصلحة دِينه ودنياه؛ لكون ذلك من سائر حاجاته، كمطعمه.

стр. 512

(وَ) الصنف الثالث: (العَامِلونَ عَلَيْهَا): وهم كل من يحتاج إليه في أمر الزكاة؛ كالجباة والحفاظ والرعاة ونحوهم. - فرع: يعطى العامل عليها قدر أجرته ولو كان غنياً؛ لحديث عمر ﵁ قال: عملت على عهد رسول الله ﷺ ، فعَمَّلَنِي، وقال لي: «إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ، فَكُلْ وَتَصَدَّقْ» [البخاري: ٧١٦٣، ومسلم: ١٠٤٥]، وعمر لم يكن فقيراً، ولأننا نعطيه من أجل عمله، لا من أجل حاجته. (وَ) الصنف الرابع: (المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ) جمع مؤلف، وهو السيد المطاع في عشيرته. - فرع: المؤلفة قلوبهم على قسمين: الأول: الكفار: وهم من يُرجى بعطيتهم أحد أمرين: ١ - إسلامُه؛ لأن النبي ﷺ أعطى صفوان بن أمية تأليفاً لقلبه، قال صفوان ﵁: «وَالله لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ الله ﷺ مَا أَعْطَانِي، وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ» [مسلم: ٢٣١٣]. ٢ - كفُّ شره وشر غيره؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: «هُمْ قَوْمٌ كَانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ أَسْلَمُوا، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَرْضَخُ لَهُمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ، فَإِذَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ فَأَصَابُوا مِنْهَا خَيْرًا قَالُوا: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، عَابُوهُ وَتَرَكُوهُ» [تفسير الطبري: ١٦٨٤٥]، ولما في

стр. 513

ذلك من المصلحة العامة للمسلمين. الثاني: المسلمون: وهم من يرجى بعطيتهم أحد أمور خمسة: ١ - قوة إيمانه؛ لما ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي ﵁ إلى النبي ﷺ بذهيبة فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كِلاب، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا! فقَالَ رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». [البخاري: ٣٣٤٤، ومسلم: ١٠٦٤]. ٢ - إسلام نظيره من المشركين؛ فإذا أُعطي هؤلاء رغب نظراؤهم في الإسلام؛ لأن أبا بكر أعطى الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، مع إسلامهما وحسن نيتهما. [أحمد في فضائل الصحابة: ٣٨٣]، ولما في ذلك من مصلحة عامة للمسلمين. ٣ - جباية الزكاة ممن لا يعطيها؛ لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين. ٤ - الدفع عن المسلمين، كمن هو في طرف بلاد الإسلام، إذا أُعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين؛ لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين. ٥ - كف شره، كالخوارج ونحوهم؛ لما سبق.

стр. 514

- فرع: يشترط في المؤلَّف قلبه أن يكون سيداً مطاعاً؛ لأن النبي ﷺ إنما أعطى السادة والكبراء في عشائرهم وقبائلهم، ولم يعط عامة الناس، ولأن مصلحة إعطاء عامة الناس ليست كمصلحة إعطاء السادة، فلا يقاسون عليهم. وقيل: لا يشترط أن يكون سيداً مطاعاً فيمن يرجى إسلامه من الكفار أو يرجى قوة إيمانه من المسلمين، أو إسلام نظيره؛ لأن مصلحة الإسلام وقوة الإيمان يستوي فيها السيد المطاع وغيره. - فرع: يعطى المؤلف قلبه مقدار ما يحصل به التأليف فقط؛ لأنه هو المقصود. (وَ) الصنف الخامس: (فِي الرِّقَابِ)؛ ويشمل هذا الصنف ثلاثة أنواع، وهو اختيار شيخ الإسلام: ١ - المكاتب؛ لدخوله لغةً في قوله تعالى: (وَفِي الرِّقَابِ)، ولقوله: (فكاتبوهم إن علمتهم فيهم خيراً وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) قال ابن جرير: (أي: إيتاؤهم سهمهم من الزكاة المفروضة)، وذكره عن الحسن وإبراهيم وزيد بن أسلم، فيعطى وفاء دينه؛ لعجزه عن وفاء ما عليه، ولو مع قدرته على التكسب. ٢ - شراءُ رقبة لا تعتق عليه فيعتقها؛ لعموم قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهو ظاهر في تناوله للقن، ولأنه الوارد عن ابن عباس ﵄ [الأموال لأبي عبيد: ١٩٦٦].

стр. 515

٣ - فِكَاك الأسير المسلم؛ لأنه فك رقبة من الأسر، أشبه المكاتَب، والحاجة داعية إليه؛ لأنه يخاف عليه القتل أو الردة لحبسه في أيدي العدو، فهو أشد من حبس القنِّ في الرق. - فرع: يُعْطَى الغارم وفاءَ دَينه؛ لاندفاع حاجته بذلك. - فرع: لا يجزئ في الزكاة أن يُعتق رقيقاً من رقيقه؛ لأن ذلك ليس فيه إيتاء للزكاة، ولأنه بمنزلة إخراج زكاة العُروض منها. (وَ) الصنف السادس: (الغَارِمُونَ)، والغرم في اللغة: اللزوم، وسُمي به للزوم الدَّين له، وهو نوعان: النوع الأول: الغارم لإصلاح ذات البين: وذلك بأن يقع بين جماعة عظيمة تشاجرٌ في أموال، ويحدث بسببها عداوة، ويتوقف الصلح على من يتحمل ذلك، فيلتزم رجل ذلك المال عوضاً عما بينهم؛ ليُطْفِئ الثائرة. - فرع: لا يخلو المتحمل لذلك المال من ثلاث حالات: ١ - أن يستقرض ويسدد لهؤلاء المتنازعين: فيُعْطى من الزكاة؛ لأنه غارم. ٢ - أن يتحمل ذلك المال في ذمته: فيُعْطى من الزكاة؛ لأنه غارم، ولحديث قبيصة السابق مرفوعاً، وفيه: «إِنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ».

стр. 516

٣ - أن يدفع من ماله: فلا يُعْطى من الزكاة ولو نوى الرجوع (١)؛ لأن الغرم قد سقط، فخرج عن كونه مدينًا بسبب الحمالة. واختار ابن عثيمين: أنه يرجع على الزكاة إن نوى الرجوع، وعليه فلا يخلو من ثلاث حالات: ١) أن ينوي الرجوع على الزكاة: فله أن يرجع؛ لئلا ينسد باب الإصلاح. ٢) أن ينوي التبرع: فلا يجوز له الرجوع؛ لأنه نوى التبرع، فلا يجوز أن يرجع في تبرعه؛ لحديث عمر ﵁ قال: حَمَلْتُ على فرسٍ عتيق في سبيل الله، فأضاعه صاحبُه، فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» [البخاري: ٢٩٧١، ومسلم: ١٦٢٠].

стр. 517

٣) ألا ينوي شيئاً: فلا يعطى من الزكاة؛ لأن الأصل عدم إعطائه من الزكاة؛ لعدم تحقق وصف الغرم فيه. - فرع: يُعطى المُصلِح بين ذات البين من الزكاة ولو كان غنيًّا؛ لأنه من المصالح العامة، فأشبه المؤلف والعاملَ. النوع الثاني: الغارم لنفسه: وهو المدين لحظ نفسه، ولا يخلو الدَّين من أربعة أقسام: ١ - أن يكون الدَّين في مباح: كمن تديَّن لنفقاته الشرعية أو حاجاته الأصلية، فيُعطى من الزكاة؛ لأنه غارم. ٢ - أن يكون الدَّين في معصية تاب منها: فيُعطى من الزكاة؛ لما فيه من الإعانة على التوبة، ولأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فيدخل في عموم قوله: ﴿والغارمين﴾. ٣ - أن يكون الدَّين في معصية لم يتب منها: فلا يُعطى من الزكاة؛ لما فيه من الإعانة على المحرم. ٤ - أن يكون الدين في مكروه: كمن تديَّن لسفر مباح، أو لتنزه، أو لأمور كمالية، فقياس قول المذهب: لا يُعطى من الزكاة؛ كابن السبيل إذا سافر سفراً مكروهاً، لا يعطى من الزكاة. - فرع: يعطى الغارم وفاء دينه؛ لاندفاع حاجته بذلك.

стр. 518

- فرع: إعطاء المدين من الزكاة لا يخلو من ستة أقسام: ١ - أن يُعطي مدِيناً غير مدِينِه ليقضي دينه: فيصح؛ لظاهر الآية. ٢ - أن يدفعها المزكي إلى مدينه: فيجوز؛ لأنه من جملة الغارمين، فإن رده إليه فله أخذه، ما لم يكن حيلة؛ ومعنى الحيلة: أن يُعْطِيَه بشرط أن يردَّها عليه من دينه؛ لأن من شرطها أن يتملكها تملكاً صحيحاً. ٣ - أن يدفعَ المزكي إلى الدائن من الزكاة دون إذن المدين: فيصح؛ لأن الله تعالى قال: (والغارمين) معطوفةً على (وَفِي الرِّقَابِ)، ولم يقل للغارمين، فلم يشترط فيه التمليك كباقي أهل الزكاة، ولأنه دفع الزكاة في قضاء دَين المدِين، أشبه ما لو دفعها إليه فقضى بها دينه. ٤ - أن يُبرئ ربُّ المال غريمَه من دينَه بنية الزكاة: فلا يصح؛ لأن الزكاة أخذٌ وإعطاء، كما قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣]، وهذا ليس فيه أخذ، ولأنه بمنزلة إخراج الخبيث من الطيب، لأنه سيخرج هذا الدَّين عن زكاة عين. ٥ - أن يسقط ربُّ المال عن المدِين مقدار ما على الدَّين من الزكاة: فلا يصح؛ لما تقدم. واختار شيخ الإسلام: يصح؛ لأن الزكاة مواساة، فإذا كان المال ديناً، جاز أن تكون زكاته ديناً، ولا يكلف غيره، ولم يتيمم الخبيث لينفق، بل زكاه من جنس ماله المزكى وهو الدين.

стр. 519

٦ - أن يدفع دَين الميت من الزكاة: فلا يجوز؛ لعدم أهليته، ولأن الزكاة تكون مدفوعة إلى الدائن لا إلى المدين. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يجوز؛ لأنه لا يشترط تمليكه، قال تعالى: (والغارمين)، ولم يقل: وللغارمين. (وَ) الصنف السابع: (فِي سَبِيلِ الله): وهم: ١ - الغزاة؛ لأن السبيل عند الإطلاق هو الغزو، قال تعالى: (قاتلوا في سبيل الله)، ولا يصح جعله في جميع وجوه الخير؛ لأن ذلك يلغي الحصر المذكور في الآية. ويُعطون من الزكاة بشرطين: الأول: أن تكون الزكاة للغزاة دون عُدَّتِهم، فلا يشترى بها ما يحتاج إليه الغازي ثم يصرفه إليه. واختار ابن عثيمين: أنها تعم الغزاة وأسلحتهم وكل ما يعين على الجهاد؛ لأنها معطوفة على قوله: (وَفِي الرِّقَابِ)، فلا يشترط تمليكهم. الثاني: أن يكون الغزاة متطوعة لا ديوان لهم، أو لهم دون ما يكفيهم؛ لأن من له راتب من الديوان يكفيه فهو مستغن به. - فرع: يُعطَى الغازي ثمنَ السلاح والفرس إن كان فارساً، وما يحمله

стр. 520

من بعير ونحوه، وثمن درعه، وسائر ما يحتاج إليه من آلات، ونفقةَ ذهاب، وإقامة بأرض العدو، ورجوع إلى بلده، ولو غنيًّا؛ لأنه مصلحة عامة. ٢ - حج فرض الفقير وعمرته؛ لحديث أم معقل ﵂ مرفوعاً: «فَإِنَّ الحَجَّ فِي سَبِيلِ الله» [أحمد: ٢٧١٠٧، وأبو داود: ١٩٨٩]، ولما صح عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «الحَجُّ فِي سَبِيلِ الله» [ابن أبي شيبة: ٣٠٨٣٧]، وصح نحوه عن ابن عباس ﵄ [أبو عبيد في الأموال: ١٩٦٦]. واختاره شيخ الإسلام في فرض الحج فقط؛ لعدم إيجابه العمرة. (وَ) الصنف الثامن: (ابْنُ السَّبِيلِ) أي: الطريق، وسمي بذلك لملازمته له، ولا يخلو هذا الصنف من أمرين: ١ - المسافر المنقطع به في سفره: فيُعطى من الزكاة بشرط أن يكون سفره مباحاً، فلا يعطى في السفر المحرم؛ لأنه إعانة على معصية، ولا في السفر المكروه؛ لأنه لا حاجة به إلى هذا السفر. ٢ - المنشئ للسفر من بلده إلى غيرها: لا يعطى من الزكاة؛ لأن اسم ابن السبيل لا يتناوله حقيقة، لكن إن كان محتاجاً للسفر فيُعطى لفقره، لا لكونه ابن سبيل، كالسفر لعلاج ونحوه. - فرع: يُعطى ابن السبيل من الزكاة ما يوصله إلى غرضه ثم يرجعه إلى بلده؛ لأن فيه إعانة على بلوغ الغرض الصحيح، ولو مع غناه ببلده؛ لأنه

стр. 521

عاجز عن الوصول لماله. - مسألة: (وَيَجُوزُ الاقْتِصَارُ) في الزكاة (عَلَى) صنف (وَاحِدٍ) من الأصناف الثمانية؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: ٢٧١]، ولحديث ابن عباس ﵄ حين بعث النبي ﷺ معاذاً ﵁ إلى اليمن قال: «فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» [البخاري: ١٤٩٦، ومسلم: ١٩]، فاقتصر في الآية والحديث على صنف واحد. - مسألة: يجوز الاقتصار على واحد (مِنْ صِنْفٍ) واحد من تلك الأصناف الثمانية؛ كأن تُعطى الزكاة لفقير واحد، أو غارم واحد؛ لحديث سلمة بن صخر ﵁ لمَّا ظاهر من امرأته وعجز عن الكفارة، قال له النبي ﷺ : «انْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ» [أحمد: ١٦٤٢١، وأبو داود: ٢٢١٣، والترمذي: ٣٢٩٩، وابن ماجه: ٢٠٦٢]، ولما فيه من العُسر، وهو منفي شرعاً، والآية إنما سيقت لبيان من تصرف إليه، لا لتعميمهم. - فرع: (وَالأَفْضَلُ) في دفع الزكاة (تَعْمِيمُهُمْ) أي: تعميم الأصناف الثمانية إن وُجدوا، (وَ) الأفضل (التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ) أي: بين تلك الأصناف بدون تفضيل؛ خروجاً من خلاف من أوجبه. واختار شيخ الإسلام: أنه لا يجب تعميم الأصناف الثمانية ولا

стр. 522

يستحب، وإنما ذلك راجع إلى الحاجة والمصلحة؛ والآية لا دلالة فيها على إعطاء الجميع ولا على التسوية بينهم، وقد دلت الأدلة على جواز الاقتصار على صنفٍ بل على واحدٍ. - مسألة: (وَتُسَنُّ) الزكاة، أي: دفعها، (إِلى مَنْ لَا تَلْزَمُهُ) أي: لا تجب عليه (مُؤْنَتُهُ) أي: نفقته (مِنْ أَقارِبِهِ)، كذوي رحمه، ومن لا يرثه؛ من نحو أخ وعم؛ لحديث سلمة بن عامر ﵁ مرفوعاً: «إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى المسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» [أحمد: ١٦٢٣٣، والترمذي: ٦٥٨، والنسائي: ٢٥٨٢، وابن ماجه: ١٨٤٤]. فإن كانت تلزمه النفقة كالأصول، والفروع، والحواشي الوارثين، فلا يجوز دفع الزكاة إليهم؛ لأنهم مستغنون بالنفقة حينئذ عن الزكاة، ويأتي في النفقات. فصل في موانع الزكاة - مسألة: (وَلَا) يجزئ أن (تُدْفَعَ) الزكاة لثمانية أصناف: الصنف الأول: (لِبَنِي هَاشِمٍ)، ولا نعلم فيه خلافاً، قاله ابن قدامة، وهم سلالة هاشم بن عبد مناف ذكوراً وإناثاً، وهم ستة فروع: آل عباس،

стр. 523

وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب، سواءٌ أُعطوا من الخمس أو لا؛ لعموم حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث مرفوعاً: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» [مسلم: ١٠٧٢]. - فرع: ظاهر كلام أحمد والأصحاب: أنه لا يحرم أخذ الزكاة على أزواجه ﷺ ؛ لدخولهن في عموم الآية، وعدم المخصص. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تحريم أخذ الصدقة على أزواج النبي ﷺ ؛ لما روى خالد بن سعيد: أنه بعث إلى عائشة ﵂ ببقرة من الصدقة، فردتها، وقالت: «إنَّا آل محمدٍ ﷺ لَا تَحِلُّ لنَا الصَّدَقة» [ابن أبي شيبة: ١٠٧٠٨]، ولأنهن من أهل بيته. - فرع: يجوز أخذ الهاشمي من الزكاة في ثلاثة مواضع: ١ - إذا كان غازياً، أو غارماً لإصلاح ذات البين، أو مؤلفاً؛ لجواز الأخذ مع الغنى، وعدم المنة فيه. ٢ - عند شيخ الإسلام خلافاً للمذهب: إذا مُنعوا خُمُس الخُمُس أُعطوا من الزكاة؛ لأنهم إنما منعوا من الزكاة لأجل أخذهم هذا السهم من الغنيمة واستغنائهم به، فإذا منعوا منه صار موضع ضرورة فأُعطوا من الزكاة. ٣ - عند شيخ الإسلام، خلافاً للمذهب: إذا كانت من الهاشمي إلى الهاشمي.

стр. 524

الصنف الثاني: (وَ) لا تدفع الزكاة لـ (مَوَالِيهِمْ) أي: الذين أعتقهم بنو هاشم؛ لحديث أبي رافع ﵁ مرفوعاً: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» [أحمد: ٢٣٨٧٢، وأبو داود: ١٦٥٠، والترمذي: ٦٥٧، والنسائي: ٢٦١٢]. الصنف الثالث: (وَلَا) تدفع الزكاة (لِأَصْلِ) المزكي كأبيه وأمه وإن علوا، حكاه ابن المنذر إجماعاً، وارثين أو غير وارثين، حتى ذوي الأرحام منهم كأبي الأم؛ لوجوب النفقة عليهم مطلقاً، فهم مستغنون بالنفقة عن الزكاة، ولاتصال منافع الملك بينهما عادة، فيكون صارفاً لنفسه. الصنف الرابع: (وَ) لا تدفع الزكاة لـ (فَرْعِ) المزكي، حكاه ابن المنذر إجماعاً، ويشمل ولده وإن سفل من ولد الابن وولد البنت، وارثين أو غير وارثين؛ لما تقدم في إعطاء الزكاة لأصوله. - فرع: يجوز دفع الزكاة إلى الأصل أو الفرع في مواضع: ١ - إذا كان عاملاً؛ لأنهم يأخذون أجرة عملهم، أشبه ما لو استعملوا على غير الزكاة. ٢ - إذا كان مؤلفاً؛ لأنه مصلحة عامة، أشبهوا الأجانب. ٣ - إذا كان غازياً؛ لأن الغزاة لهم الأخذ مع عدم الحاجة، فأشبهوا العاملين.

стр. 525

٤ - إذا كان غارماً لإصلاح ذات البين؛ لجواز أخذهم مع غناهم، ولأنه مصلحة عامة. ٥ - وعند شيخ الإسلام خلافاً للمذهب: إذا لم تجب عليه نفقتهم، كأن يكون عاجزاً عن ذلك وعنده زكاة، جاز أن يعطيَهم تلك الزكاة؛ لانطباق وصف الفقر على الأصل أو الفرع، أو كان عليهم دَيْن ليس سببه النفقة. ٦ - وعند شيخ الإسلام خلافاً للمذهب: يجوز إعطاؤه من الزكاة إذا كان غارماً لنفسه أو مكاتباً أو ابن سبيل؛ لأن المانع من دفع الزكاة إليه هو انتفاع المزكي بالمال، وهذا إنما يأخذ الزكاة ليصرفها في طريق لا ينتفع بها المزكي، ولأن قضاء الدين ليس من النفقة الواجبة، فلا يجب على المزكي أن يعطيه ما يقضي به دينه. الصنف الخامس: (وَ) لا تدفع الزكاة لـ (عَبْدٍ) كامل الرق، ولو كان سيدُه فقيراً؛ لأن نفقته واجبة على سيده. - تنبيه: يُعطى العبد من الزكاة في ثلاثة مواضع: ١ - إذا كان مكاتَباً؛ لما تقدم من دخوله في عموم قوله تعالى: (وفي الرقاب). ٢ - إذا كان عاملاً؛ لأن ما يأخذه أجرة يستحقها. ٣ - إذا كان مُبَعَّضاً، فيُعطى من الزكاة بقدر حريته بنسبته من كفايته، فمن

стр. 526

نصفه حر يأخذ تمام نصف كفايته؛ لأن السيد تجب عليه النفقة بقدر ما يملك منه، فيأخذ المبَعَّض باقي كفايته من الزكاة إن كان فقيراً. الصنف السادس: (وَ) لا تدفع الزكاة لـ (كَافِرٍ) إجماعاً؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق: «فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» أي: فقرائهم المسلمين، ولأنها مواساة تجب للمسلم على المسلم فلم تجب للكافر كالنفقة، إلا أن يكون من المؤلفة قلوبهم، على ما تقدم. الصنف السابع: زوج، فلا يجزئ الزوجة دفع زكاتها إلى الزوج؛ لأن الزكاة تعود إليها بإنفاقه عليها. وعند المالكية: يجوز إعطاء الزوج من الزكاة إذا كان يصرفها في غير النفقة على زوجته وأبنائه منها؛ لأن العلة التي مُنِع من أجلها دفع الزكاة إليه منتفية، وعليه يحمل حديث ابن مسعود ﵁: «زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ» [البخاري: ١٤٦٢]. وعلى هذا، فيدخل في ذلك صور: ١ - إذا كان يصرفها في حاجاته الخاصة، كشراء ملابسه. ٢ - إذا كان يصرفها في نفقة أبنائه من غيرها. ٣ - إذا كان يقضي بها دَيناً ليس سببه النفقة. الصنف الثامن: زوجة، فلا يجزئ الزوجَ دفعُ زكاته إلى زوجته إجماعاً؛

стр. 527

لأن نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن أخذ الزكاة. وعلى قول المالكية المتقدم، واختاره ابن عثيمين: يستثنى من ذلك صور: ١ - إذا كانت ستنفق على أولادها من غيره. ٢ - إذا كانت تقضي به ديناً ليس سببه النفقة؛ لأن الزوج لا يجب عليه قضاء دين زوجته. - فرع: (فَإنْ دَفَعَهَا) أي: الزكاة (لِمَنْ ظَنَّهُ أَهْلاً) لها، كمن ظنه مكاتباً، أو غارماً، (فَلَمْ يَكُنِ) الآخِذُ أهلاً للزكاة: لم تجزئه؛ لأنه ليس بمستحق، ولا يخفى حاله غالباً، فلم يعذر بجهالته كدين الآدمي. وقيل: تجزئه؛ لأنه مأذون له أن يعمل بغلبة ظنه، وما ترتب على المأذون غير مضمون، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً، وفيه: «لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى غَنِيٍّ»، ثم قال في الحديث: «فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ» [البخاري: ١٤٢١، ومسلم: ١٠٢٢]. - فرع: إن دفع الزكاة لمن يظنه غير أهل لها، فبان أنه أهل لها؛ لم تجزئه؛ وإليه أشار بقوله: (أَوْ بِالعَكْسِ؛ لَمْ تُجْزِئْهُ)؛ لعدم جزمه بنية الزكاة في تلك الحال.

стр. 528

- فرع: يستثنى من مسألة ما لو دفعها لمن يظنه أهلاً فبان غير أهل: إذا دفعها لغني يظنه فقيراً، وإليه أشار بقوله: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيراً)؛ فإنها تجزئه؛ لحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار ﵁ قال: أخبرني رجلان: أنهما أتيا النبي ﷺ في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا جلدين، فقال: «إِنَّ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» [أحمد: ١٧٩٧٢، وأبو داود: ١٦٣٣، والنسائي: ٢٥٩٨]، ولو اعتبر حقيقة انتفاء الغنى لما اكتفى بقولهما، ولحديث أبي هريرة السابق. - مسألة: (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ بِالفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ، وَكِفايَةِ مَنْ يَمُونُهُ) أي: ينفق عليه، (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ)؛ لأن الله حث عليها في آيات كثيرة، ولحديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعاً: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» [الترمذي: ٦٦٤]؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» [البخاري: ١٤٢٦، ومسلم: ١٠٣٤]. - فرع: يحرم أن يتصدق بما يَنْقُصُ كفايتَه وكفايةَ من يمونه؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعاً: «كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» [أحمد: ٦٤٩٥، وأبو داود: ١٦٩٢]. - فرع: من أراد الصدقة بما يَنْقُصُ كفايته ولا عيال له، فلا يخلو من أمرين:

стр. 529

الأول: أن يتصدق بماله كله: فإن كان يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة: استحب له ذلك (١)؛ لقصة الصدِّيق ﵁ لما تبرع بماله كله [أبو داود: ١٦٨٧، والترمذي: ٣٦٧٥]. وإن لم يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة: حرم؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ! خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» [أبو داود: ١٦٧٣]. الثاني: أن يتصدق بما يُنقِص عن نفسه الكفاية التامة: فيكره لمن لا صبر له على الضيق أو لا عادة له به؛ لأنه نوع إضرار به، فإن صبر على ذلك استحب له؛ لما تقدم. - مسألة: (وَ) تتأكد الصدقة في مواطن: ١ - (فِي رَمَضَانَ)؛ لحديث ابن عباس ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» [البخاري: ٦، ومسلم: ٢٣٠٨]. ٢ - (وَ) في (زَمَنٍ) فاضل، كالعشر الأول من ذي الحجة؛ لحديث ابن

стр. 530

عباس ﵄: أنه ﷺ قال عن الأيام العشر: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ» [البخاري: ٩٦٩]. ٣ - (وَ) في (مَكَانٍ فَاضِلٍ) كالحرمين؛ لتضاعف الحسنات بالأمكنة والأزمة الفاضلة. ٤ - (وَ) في (وَقْتِ حَاجَةٍ أَفْضَلُ) كمجاعة وجهاد؛ لقوله تعالى: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) [البلد: ١٤].
следующие страницы →