نصفه حر يأخذ تمام نصف كفايته؛ لأن السيد تجب عليه النفقة بقدر ما يملك منه، فيأخذ المبَعَّض باقي كفايته من الزكاة إن كان فقيراً.
الصنف السادس: (وَ) لا تدفع الزكاة لـ (كَافِرٍ) إجماعاً؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق: «فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» أي: فقرائهم المسلمين، ولأنها مواساة تجب للمسلم على المسلم فلم تجب للكافر كالنفقة، إلا أن يكون من المؤلفة قلوبهم، على ما تقدم.
الصنف السابع: زوج، فلا يجزئ الزوجة دفع زكاتها إلى الزوج؛ لأن الزكاة تعود إليها بإنفاقه عليها.
وعند المالكية: يجوز إعطاء الزوج من الزكاة إذا كان يصرفها في غير النفقة على زوجته وأبنائه منها؛ لأن العلة التي مُنِع من أجلها دفع الزكاة إليه منتفية، وعليه يحمل حديث ابن مسعود ﵁: «زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ» [البخاري: ١٤٦٢].
وعلى هذا، فيدخل في ذلك صور:
١ - إذا كان يصرفها في حاجاته الخاصة، كشراء ملابسه.
٢ - إذا كان يصرفها في نفقة أبنائه من غيرها.
٣ - إذا كان يقضي بها دَيناً ليس سببه النفقة.
الصنف الثامن: زوجة، فلا يجزئ الزوجَ دفعُ زكاته إلى زوجته إجماعاً؛
стр. 527
لأن نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن أخذ الزكاة.
وعلى قول المالكية المتقدم، واختاره ابن عثيمين: يستثنى من ذلك صور:
١ - إذا كانت ستنفق على أولادها من غيره.
٢ - إذا كانت تقضي به ديناً ليس سببه النفقة؛ لأن الزوج لا يجب عليه قضاء دين زوجته.
- فرع: (فَإنْ دَفَعَهَا) أي: الزكاة (لِمَنْ ظَنَّهُ أَهْلاً) لها، كمن ظنه مكاتباً، أو غارماً، (فَلَمْ يَكُنِ) الآخِذُ أهلاً للزكاة: لم تجزئه؛ لأنه ليس بمستحق، ولا يخفى حاله غالباً، فلم يعذر بجهالته كدين الآدمي.
وقيل: تجزئه؛ لأنه مأذون له أن يعمل بغلبة ظنه، وما ترتب على المأذون غير مضمون، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً، وفيه: «لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى غَنِيٍّ»، ثم قال في الحديث: «فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ» [البخاري: ١٤٢١، ومسلم: ١٠٢٢].
- فرع: إن دفع الزكاة لمن يظنه غير أهل لها، فبان أنه أهل لها؛ لم تجزئه؛ وإليه أشار بقوله: (أَوْ بِالعَكْسِ؛ لَمْ تُجْزِئْهُ)؛ لعدم جزمه بنية الزكاة في تلك الحال.
стр. 528
- فرع: يستثنى من مسألة ما لو دفعها لمن يظنه أهلاً فبان غير أهل: إذا دفعها لغني يظنه فقيراً، وإليه أشار بقوله: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيراً)؛ فإنها تجزئه؛ لحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار ﵁ قال: أخبرني رجلان: أنهما أتيا النبي ﷺ في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا جلدين، فقال: «إِنَّ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» [أحمد: ١٧٩٧٢، وأبو داود: ١٦٣٣، والنسائي: ٢٥٩٨]، ولو اعتبر حقيقة انتفاء الغنى لما اكتفى بقولهما، ولحديث أبي هريرة السابق.
- مسألة: (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ بِالفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ، وَكِفايَةِ مَنْ يَمُونُهُ) أي: ينفق عليه، (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ)؛ لأن الله حث عليها في آيات كثيرة، ولحديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعاً: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» [الترمذي: ٦٦٤]؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» [البخاري: ١٤٢٦، ومسلم: ١٠٣٤].
- فرع: يحرم أن يتصدق بما يَنْقُصُ كفايتَه وكفايةَ من يمونه؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعاً: «كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» [أحمد: ٦٤٩٥، وأبو داود: ١٦٩٢].
- فرع: من أراد الصدقة بما يَنْقُصُ كفايته ولا عيال له، فلا يخلو من أمرين:
стр. 529
الأول: أن يتصدق بماله كله: فإن كان يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة: استحب له ذلك (١)؛ لقصة الصدِّيق ﵁ لما تبرع بماله كله [أبو داود: ١٦٨٧، والترمذي: ٣٦٧٥].
وإن لم يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة: حرم؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ! خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» [أبو داود: ١٦٧٣].
الثاني: أن يتصدق بما يُنقِص عن نفسه الكفاية التامة: فيكره لمن لا صبر له على الضيق أو لا عادة له به؛ لأنه نوع إضرار به، فإن صبر على ذلك استحب له؛ لما تقدم.
- مسألة: (وَ) تتأكد الصدقة في مواطن:
١ - (فِي رَمَضَانَ)؛ لحديث ابن عباس ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» [البخاري: ٦، ومسلم: ٢٣٠٨].
٢ - (وَ) في (زَمَنٍ) فاضل، كالعشر الأول من ذي الحجة؛ لحديث ابن
стр. 530
عباس ﵄: أنه ﷺ قال عن الأيام العشر: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ» [البخاري: ٩٦٩].
٣ - (وَ) في (مَكَانٍ فَاضِلٍ) كالحرمين؛ لتضاعف الحسنات بالأمكنة والأزمة الفاضلة.
٤ - (وَ) في (وَقْتِ حَاجَةٍ أَفْضَلُ) كمجاعة وجهاد؛ لقوله تعالى: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) [البلد: ١٤].
стр. 531
(كِتَابُ الصِّيَامِ)
الصيام لغة: مجرد الإمساك، يقال للساكت: صائم لإمساكه عن الكلام، ومنه: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) [مريم: ٢٦].
وفي الشرع: إمساك بنية عن أشياء مخصوصة، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص.
وفرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات إجماعاً.
- مسألة: (يَلْزَمُ) صومُ رمضان (كُلَّ):
١ - (مُسْلِمٍ)، فلا يجب على كافر وجوب أداء بلا خلاف، ولا يصح منه؛ لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) [البقرة: ١٨٣]، فتوجه الخطاب للمسلم دون الكافر؛ ولأنه عبادة بدنية محضة تفتقر إلى النية، فكان من شرطه الإسلام كالصلاة.
لكن الكافر يتوجه إليه خطاب وجوب التكليف؛ لأن الكفار مخاطبون
стр. 532
بفروع الشريعة.
٢ - (مُكَلَّفٍ)، وهو البالغ العاقل؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد ٢٤٦٩٤، وأبو داود ٤٤٠٣، والنسائي ٣٤٣٢، وابن ماجه ٢٠٤١].
ولا يخلو غير المكلف من ثلاثة أقسام:
أمجنون: فلا يصح الصوم منه؛ لعدم النية، ولا يجب عليه؛ للحديث السابق.
ب صغير غير مميز: فلا يصح الصوم منه؛ لعدم النية، ولا يجب عليه؛ للحديث السابق.
ت صغير مميز: فيصح الصوم منه؛ كصلاته، ولا يجب عليه.
- فرع: يجب على ولي المميز أمرُه به إذا أطاقه، وضربه حينئذ على الصوم إذا تركه؛ ليعتاده كالصلاة، إلا أن الصوم أشق فاعتبرت له الطاقة؛ لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصيام.
٣ - (قَادِرٍ)، لا مريض يَعْجِزُ عنه؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٣].
٤ - مقيمٍ، فلا يجب على مسافر، ويقضي إجماعاً؛ للآية السابقة.
стр. 533
٥ - ألا تكون المرأة حَائِضاً أو نفساء، فلا يجب عليهما الصيام بالإجماع؛ لحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» [البخاري ٣٠٤]، وتقضيانه وجوباً بعد الطهر إجماعاً؛ لقول عائشة ﵂: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» [مسلم ٣٣٥].
- مسألة: يجب الصوم بواحد من ثلاثة أمور:
الأمر الأول: (بِرُؤْيَةِ الهِلَالِ) أي: هلال رمضان، إجماعاً؛ لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) [البقرة: ١٨٥]، ولما روى ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» [البخاري ١٩٠٠، ومسلم ١٠٨٠].
- فرع: يُشترط فيمن يخبر برؤية الهلال شرطان:
الشرط الأول: أن يكون مكلفاً، فلا يقبل خبر صغير ولا مجنون؛ لعدم الثقة بقولهما.
الشرط الثاني: أن يكون عدلاً، فلا يقبل خبر الفاسق ولا مستور الحال في رؤية الهلال؛ لحديث الحارث بن حاطب ﵁: «عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نَنْسُكَ لِلرُّؤْيَةِ، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ، وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا» [أبو داود ٢٣٣٨، وصححه الألباني].
стр. 534
- فرع: لا تشترط الذكورية والحرية في رؤية الهلال، فيقبل خبر الأنثى والعبد؛ للعموم، ولأن الأصل التساوي بين الرجال والنساء، وبين الأحرار والأرقاء إلا لدليل.
- فرع: لا يشترط تعدد الرائين في ثبوت شهر رمضان، فيثبت (وَلَوْ) كانت الرؤيا (مِنْ عَدْلٍ) واحد؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «تَرَاءى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» [أبو داود ٢٣٣٨، وصححه الألباني]، وأما حديث الحارث بن حاطب السابق فهو مفهوم، وحديث ابن عمر منطوق، فيقدم عليه.
- فرع: لا يقبل في بقية الشهور، كشوال وغيره إلا رجلان عدلان بلفظ الشهادة؛ لحديث الحارث بن حاطب السابق، ولأن ذلك مما يطلع عليه الرجال غالباً وليس بمال ولا يُقصد به المال؛ أشبه القصاص، وإنما تُرك ذلك في رمضان احتياطاً للعبادة.
الأمر الثاني: (أَوْ بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ) ثلاثين يوماً إذا كانت السماء صحواً، فيجب الصيام بعده بلا خلاف.
الأمر الثالث: (أَوْ) عند (وُجُودِ مَانِعٍ مِنْ رُؤْيَتِهِ) أي: الهلال (لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْهُ) أي: من شعبان، (كَغَيْمٍ وَجَبَلٍ وَغَيْرِهِمَا)، كقَتَر ودخان، فيجب صوم اليوم الذي بعده بنية رمضان حكماً ظنيًّا بوجوبه احتياطاً لا يقيناً، وهو
стр. 535
من المفردات؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» [البخاري ١٩٠٠، ومسلم ١٠٨٠]، ومعنى: «فَاقْدُرُوا» أي: ضيقوا؛ لقوله تعالى: (ومن قدر عليه رزقه) [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّق، وهو أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً، ولأنه مروي عن: عمر، وابنه، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأنس، ومعاوية، وعائشة، وأسماء بنتي أبي بكر ﵃ [رواها الفضل بن زياد في مسائله، كما في زاد المعاد ٢/ ٤١ - ٤٣].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه لا يجب صوم ذلك اليوم قبل رؤية هلاله أو إكمال شعبان ثلاثين (١)، وقال: (لا أصل للوجوب في كلام أحمد، ولا في كلام أحد من الصحابة)، ويدل لذلك: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ» [البخاري ١٩٠٩]، وأما حديث ابن عمر ﵄: «فَاقْدُرُوا لَهُ»، فالمراد به: التقدير، أي: قدِّروا شعبان ثلاثين، لرواية البخاري [١٩٧٠]: «فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثِينَ»، وفي مسلم [١٠٨٠]: «فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ».
وأما ما روي عن الصحابة، فعنه جوابان:
стр. 536
١ - أن صيامه كان احتياطاً، لا إيجاباً له، ولذلك كان غالب الناس لا يصومون، ولم ينكروا عليهم الترك، وقد صرح أنس ﵁ بأنه إنما صامه كراهة للخلاف على الأمراء.
٢ - أنه خالفهم غيرهم من الصحابة، كعمر [مصنف عبد الرزاق ٧٧٤٨]، وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة ﵁[مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥].
- مسألة: (وَإِنْ رُئِيَ) الهلال (نَهَاراً)، قبل الزوال أو بعده (فَهُوَ لِـ) لَّيلة ا (لمُقْبِلَةِ)؛ لما روى شقيق بن سلمة، قال: أتأنا كتاب عمر بن الخطاب ﵁ ونحن بخانقين: «إِنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ» [الدارقطني ٢١٩٧، وصحح إسناده الحافظ].
- تنبيه: مراد الأصحاب بقولهم: (إنه لليلة المقبلة) دفع ما قيل: إن رؤيته تكون لليلة الماضية، فلا أثر لرؤية الهلال نهارًا، وإنما يعتد بالرؤية بعد الغروب.
- مسألة: (وَإِنْ صَارِ) من ليس أهلاً لوجوب الصيام عليه (أَهْلًا لِوُجُوبِهِ فِي أَثْنَائِهِ) أي: أثناء ذلك اليوم، ككافر أسلم في أثناء النهار، أو بلغ صغير مفطراً، أو عقل مجنون، أو قامت البينة في أثناء النهار، (أَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ
стр. 537
مُفْطِراً)، أو صحّ مريض، (أَوْ طَهَرَتْ حَائِضٌ؛ أَمْسَكُوا) عن مفسدات الصوم؛ لحرمة الوقت، ولتعذر إمساك الجميع، فوجب أن يأتوا بما يقدرون عليه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [البخاري ٧٢٨٨، ومسلم ١٣٣٧]، (وَقَضَوْا) ذلك اليوم؛ لأنهم لم يأتوا فيه بصوم صحيح، وفي بعض ألفاظ حديث سلمة ﵁ الآتي: «فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ» [أبو داود ٢٤٤٧، وضعفه ابن عبد الهادي].
واختار ابن عثيمين: أنه لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يوجد شرط الوجوب، كما لو بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، أو أسلم الكافر، أو قامت البينة في أثناء النهار: فيجب عليهم الإمساك، دون قضاء، وإن أفطروا أول النهار، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث سلمة بن الأكوع ﵁: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ: أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ: أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ» [البخاري ٢٠٠٧، ومسلم ١١٣٥]، وصيام عاشوراء كان واجباً، ومع ذلك لم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء، ولأنهم لم يُدركوا وقتاً يمكنهم من التلبس فيه، فأشبه ما لو زال عذرهم بعد الوقت.
الأمر الثاني: أن يزول مانع الوجوب، كمسافر يقدم، أو حائض تطهر: فيجب القضاء إجماعاً، ولا يجب الإمساك، وهي رواية عن أحمد؛ لما ورد عن ابن مسعود ﵁: «مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ» [مصنف ابن أبي شيبة
стр. 538
٩٣٤٣]، ولأنه أبيح له الفطر أول النهار، فله أن يستديمه إلى آخره، وحرمة الزمن قد زالت بفطرهم المباح لهم أول النهار، ولم نعلل ذلك في وجود شرط الوجوب؛ لحديث سلمة السابق.
- مسألة: (وَمَنْ أَفْطَرَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ: أَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً)؛ لقول ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) [البقرة: ١٨٤]: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ، وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» [البخاري ٤٥٠٥].
وقال شيخ الإسلام: إن تبرع بصومه عمن لا يطيقه لكبر ونحوه، وهو معسر، يتوجه جوازه؛ لأنه أقرب إلى المماثلة من المال.
- فرع: مقدار الإطعام: ما يجزئ في الكفارة، مد من برّ، أو نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط؛ لما روى نافع: أَنَّ ابن عمر ﵄ سئل عن المرأة الحَامل إِذا خافت على ولدها، قَالَ: «تُفْطِرُ، وَتُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ » [الموطأ ١/ ٣٠٨]، وعن ابن عباس ﵄: «إِذَا عَجَزَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ عَنِ الصِّيَامِ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا مُدًّا» [الدارقطني ٢٣٤٧، وصححه].
واختار ابن عثيمين: أنه يرجع فيه إلى العرف، فيخرج من أوسط ما
стр. 539
يطعم أهله؛ للإطلاق في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) [البقرة: ١٨٤]، والقاعدة: (أن ما لم يرد تحديده في الشرع ولا في اللغة يرجع في تحديده إلى العرف)، ويدل لذلك قوله تعالى في كفارة اليمين: (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون به أهليكم) [المائدة: ٨٩].
وذكر شيخ الإسلام: أن الإطعام إذا لم يقدَّر في الشرع، فإنه يرجع فيه إلى العرف، كالإطعام في كفارة اليمين.
- فرع: الإطعام له كيفيتان:
١ - التمليك، وذلك بأن يعطي كل مسكين مقدار الطعام الواجب، على ما سبق بيانه.
٢ - الإطعام بدون تمليك، وذلك بأن يطبخ طعاماً ويطعمه المساكين: فلا يجزئ؛ لقول النبي ﷺ لكعب بن عجرة ﵁ في فدية الأذى: «فَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ» [البخاري ١٨١٦، ومسلم ١٢٠١]، ولقول زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر ﵃ في كفارة اليمين: «مُدٌّ مِنْ حِنْطَةٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ» [مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٧١]، فيقاس عليه الإطعام في الصيام.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: الإجزاء؛ لقول علي ﵁ في كفارة اليمين: «يُغَدِّيهِمْ وَيُعَشِّيهِمْ خُبْزًا وَزَيْتًا، أَوْ خُبْزًا وَسَمْنًا، أَوْ خَلًّا وَزَيْتًا» [تفسير الطبري ٨/ ٦٢٦، وضعفه ابن حزم]، ولقول الحسن: «أَطْعَمَ أَنَسٌ ﵁ بَعْدَ مَا كَبِرَ
стр. 540
عَامًا أَوْ عَامَيْنِ، كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، خُبْزًا وَلَحْمًا، وَأَفْطَرَ» [البخاري معلقًا مجزومًا ٦/ ٢٥]، ولأن الله تعالى أمر بالإطعام، ولم يوجب التمليك، وهذا إطعام حقيقة، وما ورد في التمليك لا ينفي جواز الإطعام.
- فرع: إن كان فطر الكبير، والمريض الذي لا يُرجى برؤه مع عذرٍ معتادٍ؛ بأن سافر مثلًا؛ فلا فدية عليه ولا قضاء؛ لعجزه عنه.
واختار ابن عثيمين: أنه تلزمه الفدية؛ لأنَّ الصَّوم لم يكن واجبًا عليه أصلًا، وإنَّما تجب الفدية، ولا فرقَ فيها بين الحضر والسَّفر.
- مسألة: حكم الصوم للمريض مرضاً يرجى برؤه لا يخلو من ثلاثة أقسام:
١ - أن يشق عليه الصوم، ولا يضره: وأشار إليه بقوله: (وَسُنَّ الفِطْرُ لِمَريضٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ) الصيام، وكره له الصوم؛ لقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) [البقرة: ١٨٤] أي: فليفطر وليقض عدد ما أفطره؛ ولأن فيه قبول الرخصة مع التلبس بالأخف.
٢ - أن يضره الصوم، بزيادة مرضه، أو تأخر برئه، أو تلفه: فيسن له الفطر أيضاً، واختاره شيخ الإسلام، ويكره له الصيام؛ لما سبق.
واختار ابن عثيمين: أنه يجب الفطر؛ لقول الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء: ٢٩].
стр. 541
٣ - أن يكون المرض يسيراً، لا يشق عليه الصوم ولا يضره، كوجع الضرس أو الصداع اليسيرين: فيجب عليه الصوم؛ لقدرته عليه، واليسير ملحق بالعدم.
- مسألة: (وَ) سن الفطر لـ (مُسَافِرٍ يَقْصُرُ)، واختاره شيخ الإسلام، وكره له الصوم ولو بلا مشقة، وهو من المفردات؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» [البخاري ١٩٤٦، ومسلم ١١١٥]، بل قال شيخ الإسلام: (يجب الفطر إن منعه من واجب آخر).
واختار ابن عثيمين: أن المسافر له ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون الصوم والفطر عنده سواء: فالأفضل الصوم؛ لقول أبي الدرداء ﵁: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَابْنِ رَوَاحَةَ» [البخاري ١٩٤٥، ومسلم ١١٢٢]، والصوم لا يشق على الرسول ﷺ هنا؛ لأنه لا يفعل إلا الأرفق والأفضل، ولأنه أسرع في إبراء الذمة.
الثانية: أن يكون الفطر أرفق به، فالفطر أفضل: وإذا شق عليه بعض الشيء صار الصوم في حقه مكروهاً؛ لأن ارتكاب المشقة مع وجود الرخصة يشعر بالعدول عن رخصة الله .
الثالثة: أن يشق عليه مشقة شديدة غير محتملة: فالصوم في حقه حرام؛
стр. 542
لحديث جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فرفعه، حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» [مسلم ١١١٤].
- فرع: جوّز شيخ الإسلام الفطر في الحضر إن أحاط العدو ببلد وكان الصوم يضعفهم، وفعله وأمر به، وهي رواية في المذهب؛ قياساً على فطر الحامل والمرضع.
- مسألة: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما جاز لهما الفطر اتفاقاً، وكره لهما الصوم؛ كالمريض.
- مسألة: (وَإِنْ أَفْطَرَتْ حَامِلٌ، أَوْ) أفطرت (مُرْضِعٌ) لم يخلُ ذلك من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن تفطرا (خَوْفاً عَلى أَنْفُسِهِما) فقط: (قضَتَا) الصيام (فَقَطْ) من غير فدية؛ لأنهما بمنزلة المريض، والله تعالى يقول: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) [البقرة: ١٨٤]، وأما حديث أنس بن مالك الكعبي ﵁: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله تَعَالَى وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلاةِ، وَعَنِ الحَامِلِ أَوِ المُرْضِعِ الصَّوْمَ» [مسلم ١١١٤]، فيدل أنهما كالمسافر، والمسافر يفطر ويقضي.
стр. 543
القسم الثاني: أن تفطرا خوفاً على أنفسهما وخوفاً على ولديهما: قضتا الصيام فقط، ولا فدية؛ لما سبق في القسم الأول.
القسم الثالث: وأشار إليه بقوله: (أَوْ) أن تفطرا خوفاً (عَلَى وَلَدَيْهِمَا) فقط: فيجب القضاء، (مَعَ الإِطْعَامِ) لكل يوم مسكيناً، على ما تقدم في إطعام المريض الذي لا يرجى برؤه، جنساً وقدراً وكيفيةً؛ لقول ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) [البقرة: ١٨٤]: «رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ فِي ذَلِكَ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ أَنْ يُفْطِرَا إِنْ شَاءَا، وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥]، وَثَبَتَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ إِذَا كَانَا لَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، وَالحُبْلَى وَالمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا»، ونحوه عن ابن عمر ﵄ [البيهقي ٨٠٧٨، ٨٠٧٩]، وأما ما ورد عن ابن عباس وابن عمر ﵃ في الإطعام وعدم القضاء، فقال أحمد: (إذا أفطرت تقضي وتطعم، أذهب فيه إلى حديث أبي هريرة ﵁، قال ابن قدامة: (يعني: ولا أقول بقول ابن عمر وابن عباس ﵃ في منع القضاء).
واختار ابن باز وابن عثيمين: وجوب القضاء دون الإطعام؛ لظاهر حديث أنس بن مالك الكعبي السابق إذ جعل المسافر والحامل والمرضع في حكم واحد، ولقول ابن عباس ﵄: «تُفْطِرُ الحَامِلُ وَالمُرْضِعُ فِي رَمَضَانَ، وَتَقْضِيَانِ صِيَامًا، وَلَا تُطْعِمَانِ» [مصنف عبد الرزاق ٧٥٦٤]، ولأنه فطرٌ أبيح لعذر، فلم يجب به كفارة؛ كالفطر لمرض.
стр. 544
- فرع: يجب الإطعام عند فطر الحامل والمرضع خوفاً على الولد (مِمَّنْ يَمُونُ) أي: على من يقوم بكفاية (الوَلَدِ)؛ لأن الإرفاق للولد، فكان واجباً على من يقوم بكفايته.
- مسألة: (وَمَنْ) نوى الصوم ليلاً، ثم (أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ جُنَّ) فلا يخلو من حالين:
١ - أن يكون ذلك (جَمِيعَ النَّهَارِ: لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ)؛ لأن الصوم الشرعي عبارة عن الإمساك مع النية، والمجنون والمغمى عليه لم يوجد منهما الإمساك مع النية.
- فرع: (وَيَقْضِي المُغْمَى عَلَيْهِ) الصوم فقط، دون المجنون؛ لأن مدته لا تطول غالباً، فلم يَزُل به التكليف، بخلاف المجنون.
٢ - أن يفيق جزءاً من النهار: سواء أفاق أول النهار أو وسطه أو آخره: صح صومه؛ لقصد الإمساك في جزء من النهار، كما لو نام بقية يومه.
- فرع: إذا نام جميع النهار صح صومه بلا خلاف؛ لأن النوم عادة، ولا يزول به الإحساس بالكلية.
- مسألة: لا يصح صومٌ إلا بنية إجماعًا؛ لحديث عمر ﵁ مرفوعًا: " إنما الأعمال بالنيات " [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧].
стр. 545
- مسألة: (وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ فَرْضٍ إِلَّا بِنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ)، بأن يعتقد أنه يصوم من رمضان، أو قضائه، أو نذر، أو كفارة؛ للحديث السابق، ولأن التعيين مقصود بنفسه.
واختار شيخ الإسلام: إن نوى نذرًا أو نفلًا ثم بان من رمضان أجزأه إن كان جاهلاً؛ كمن دفع وديعة رجل إليه على طريق التبرع، ثم تبين أنها كانت حقة، فإنه لا يحتاج إلى إعطاء ثانٍ.
- فرع: ويجب أن تكون نية صوم الفرض (بِجُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ)، ولا فرق بين أول الليل ووسطه وآخره؛ لحديث حفصة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ» [أحمد ٢٦٤٥٧، وأبو داود ٢٤٥٤، والترمذي ٧٣٠، والنسائي ٢٣٣٠، وابن ماجه ١٧٠٠]، فلو نسي النية أو أغمي عليه قبل الغروب حتى طلع الفجر لم يصح صومه؛ لعدم نية الصيام ليلاً.
- فرع: تجب نية مفردة لكل يوم من رمضان؛ لأن كل يوم من رمضان عبادة مفردة، لا يفسد صومه بفساد صوم يوم آخر، وكقضاء رمضان.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أنه تجزئ نية واحدة في أول رمضان للشهر كله، ما لم يفسخها، أو يقطع الصيام بعذر؛ كمرض وسفر، أو بغيره؛ لأنها عبادة تجب في العام مرة واحدة، فجاز أن تشملها نية واحدة كالزكاة فإن قطع الصيام وجب أن ينوي نية أخرى لما بقي.
стр. 546
- مسألة: (وَيَصِحُّ) صوم (نَفْلٍ مِمَّنْ لَمْ يَفْعَلْ مُفْسِداً) من أكل وشرب ونحوهما، (بِنِيَّةٍ نَهَاراً مُطْلَقاً)، قبل الزوال وبعده؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ » فقلنا: لا، قال: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ» [مسلم ١١٥٤].
- فرع: يحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية، واختاره ابن عثيمين؛ لأن ما قبله لم يوجد فيه قصد القربة، فلا يقع عبادة، لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧].
قال ابن عثيمين: وبناء عليه: لو نوى صوم نفل مقيد في أثناء النهار، كما لو نوى صوم يوم الاثنين أو أيام البيض، فلا يثاب ثواب أيام البيض؛ لأنه لم يصم يوماً كاملاً.
(فَصْلٌ)
في المفطرات
- مسألة: مفطرات الصيام تسعة، وهي:
المفطر الأول: (وَمَنْ أَدْخَلَ) شيئاً (إِلَى جَوْفِهِ) أي: معدته - سواء عن
стр. 547
طريق الأنف أو الفم أو غيرهما- طعاماً أو شراباً، لم يخل من حالتين:
الأولى: أن يكون مما يُغذِّي: فيفطر إجماعاً؛ لقول الله : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)، وفي الحديث القدسي في فضل الصوم، من حديث أبي هريرة ﵁: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي» [البخاري: ٧٤٩٢، ومسلم: ١١٥١].
الثانية: أن يكون غير مغذٍ كالحصاة وقطعة حديد: فيفطر في قول عامة أهل العلم؛ لإطلاق الأدلة، وأكل الحصاة يسمى أكلاً.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يفطر؛ لأن المعنى الذي بسببه مُنع الصائم من الأكل والشرب هو التغذي وتقوي البدن، وهذه علة غير موجودة في مثل الحصاة، ولا دليل على الفطر بها.
المفطر الثاني: (أَوْ) أدخل إلى (مُجَوَّفٍ فِي جَسَدِهِ) غير المعدة (كَدِمَاغٍ، وَحَلْقٍ)، ودبر، وباطن فرج المرأة، ونحوه، (شَيْئًا) من الطعام أو الشراب أو غيرهما، ولو خيطاً أدخله ثم أخرجه، (مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ) من جسده، سواء من الأنف كالسعوط إذا وصل إلى حلقه أو دماغه، أو من الأذن إذا وصل إلى دماغه، أو من العين كالكحل إذا وصل إلى حلقه، أو من الدبر كالحقنة، أو من الرأس كمداواةٍ تصل إلى دماغه، أو غير ذلك؛ أفطر؛ قياساً على الأكل والشرب، ولحديث لقيط بن صبرة ﵁ مرفوعًا: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» [أبو داود: ١٤٢، والترمذي: ٧٨٨، والنسائي: ٨٧، وابن
стр. 548
ماجه: ٤٠٧]، فدل على فساد الصوم إذا وصل إلى خياشيمه، ويقاس على ذلك كل ما وصل إلى جوف في البدن؛ لأنه واصل إليه يغذيه، فأشبه الأكل والشرب والاستعاط.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يفطر بذلك؛ لأن الأصل عدم الفطر، وهذه الأمور ليست أكلاً ولا شرباً، ولا في معنى الأكل والشرب، فلا يصح القياس عليها.
- فرع: يُفطِّر ما وصل إلى الجوف، (غَيْرَ إِحْلِيلِهِ)، فلو قطَّر في إحليله، أو غيَّب فيه شيئاً فوصل إلى المثانة؛ لم يفسد صومه؛ لعدم المنفذ من الذكر إلى الجوف، وإنما يخرج البول من المثانة رشحاً.
- فرع: (أَوِ ابْتَلَعَ نُخَامَةً) مطلقاً، سواء كانت من حلقه أو دماغه أو صدره، (بَعْدَ وُصُولِهَا) أي: النخامة (إِلَى فَمِهِ) أفطر؛ لأنها من غير الفم كالقيء، ولأنها يمكن التحرز منها أشبه الدم.
وفي وجه، واختاره ابن عثيمين: أنه لا يفطر ببلع النخامة؛ لأنه معتاد في الفم، أشبه الريق، ولأنه لا يعد أكلاً ولا شرباً.
المفطر الثالث: إخراج القيء عمداً، بأي طريقة كانت.
ولا يخلو خروج القيء من قسمين:
١ - أن يكون عمداً: وأشار إليه بقوله: (أَوِ اسْتَقَاءَ) أي: استدعى القيء
стр. 549
(فَقَاءَ) طعاماً أو دماً أو غير ذلك، فسد صومه، ولو قل، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ» [أحمد: ١٠٤٦٣، وأبو داود: ٢٣٨٠، والترمذي: ٧٢٠، وابن ماجه: ١٦٧٦]، وصح ذلك من قول ابن عمر ﵄ [الموطأ: ١٠٧٥].
٢ - أن يكون بغير عمد، بحيث يذرعه القيء - أي: غلبه القيء وسبقه -: لم يفسد صومه، قال شيخ الإسلام: (لا أعلم خلافاً بين أهل العلم)؛ للأدلة السابقة.
المفطر الرابع: خروج المني عمداً: وخروج المني لا يخلو من أقسام:
١ - باحتلام: لا يفسد الصوم؛ لأن القلم مرفوع عن النائم، وذلك الإنزال بسبب ليس من جهته.
٢ - (أَوِ اسْتَمْنَى) أي: استدعى خروج المني بيده أو بغيرها فخرج؛ فسد صومه اتفاقاً؛ لحديث أبي هريرة السابق: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي»، وإخراج المني فيه تمام الشهوة، وقياساً على الاستقاء والاحتجام، بجامع فتور البدن في الكل.
٣ - (أَوْ بَاشَرَ) زوجته أو أمَتَه (دُونَ الفَرْجِ)، أو قبَّل، أو لمس (فَأَمْنَى)؛ فسد صومه اتفاقاً؛ لما تقدم في الاستمناء، ولمفهوم حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» [البخاري: ١٩٢٧، ومسلم: ١١٠٦].
стр. 550
٤ - بتكرار النظر: يفسد صومه؛ لأنه إنزال بفعل يلتذ به، ويمكن التحرز منه، أشبه الإنزال باللمس، يدل على ذلك حديث بريدة ﵁ مرفوعاً: «لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ» [أحمد: ٢٢٩٧٤، وأبو داود: ٢١٤٩، والترمذي: ٢٧٧٧].
٥ - بنظرة واحدة: لا يفسد الصوم؛ لعدم إمكان التحرز من النظرة الأولى، كما في حديث بريدة السابق.
٦ - بتفكر وحديث نفس: لا يفسد الصوم؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» [البخاري: ٥٢٦٩، ومسلم: ١٢٧]، ولأنه لا نص فيه ولا إجماع، وقياسه على تكرار النظر لا يصح؛ لأنه دونه في استدعاء الشهوة.
٧ - بغير شهوة كمرض ونحوه: لا يفسد صومه؛ لأنه خرج بسبب ليس من جهته، أشبه الاحتلام.
٨ - لو باشر بالليل فخرج المني في النهار: لا يفسد صومه؛ لأنه لم يتسبب إليه في النهار، وإنما فعل ما يحل له ليلاً؛ وما ترتب على المأذون غير مضمون.
٩ - لو باشر في النهار صائماً، فأمنى بالليل: لم يفسد صومه؛ لأن الفطر حصل بغروب الشمس، لا بخروج المني.
المفطر الخامس: خروج المذي بمباشرة: وخروج المذي لا يخلو من حالتين:
стр. 551
١ - خروجه بمباشرة: كما لو قبَّل، أو لمس، (أَوِ) استمنى فـ (أَمْذَى): فسد صومه؛ لأنه خارج تخلله الشهوة خرج بالمباشرة، أشبه المني.
٢ - خروجه بغير المباشرة: كما لو خرج بالنظرة، أو بتكرار النظر، أو بالفكر، أو في النوم، أو بسبب مرض ونحوه، فلا يفسد الصوم؛ لأنه لا نص فيه، والقياس على إنزال المني لا يصح؛ لمخالفته إياه في الأحكام.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يفطر بخروج المذي مطلقاً؛ لأن الأصل صحة الصوم، ولا دليل على فساده بخروج المذي، ولأنه يفارق المني في الشهوة وإنحلال البدن، فلا يلحق به.
- فرع: قوله: (أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَمْنَى)، أي: خرج المني بسبب تكرار النظر، فسد صومه، وتقدم.
المفطر السادس: قطع نية الصوم، وأشار إليه بقوله: (أَوْ نَوَى الإِفْطَارَ)، فسد صومه؛ لأنه قطع نية الصوم، فصار كمن لم ينو الصيام.
المفطر السابع: الحجامة، وأشار إليه بقوله: (أَوْ حَجَمَ) الصائمُ غيره، (أَوْ احْتَجَمَ) أي: حجمه غيره، سواء في القفا أو في الساق أو في غيره، وظهر دم؛ فسد صومه، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث رافع بن خديج ﵁ مرفوعاً: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» [أحمد: ١٥٨٢٨، والترمذي: ٧٧٤]، ومثله عن ثوبان [أحمد: ٢٢٣٧١، وأبو داود: ٢٣٦٧، وابن
стр. 552
ماجه: ١٦٨٠]، وشداد بن أوس [أحمد: ١٧١١٢، وأبو داود: ٢٣٦٩، وابن ماجه: ١٦٨١]، وغيرهم من الصحابة ﵃، قال أحمد: (فيه غير حديث ثابت، وأصحها حديث رافع)، وقال ابن المديني: (أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد)، وصح عن الحسن عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ قالوا: «أفطر الحاجم والمحجوم» [السنن الكبرى للنسائي: ٣١٥٩].
وأما حديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» [البخاري: ١٩٣٨]، فقد أنكر يحيى بن سعيد وأحمد زيادة: «وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ»، ولهذا أعرض عن هذه اللفظة مسلم فلم يخرجها، ولو صح فهو محمول على النسخ أو العذر.
- فرع: الفطر بالحجامة تعبدي غير معقول المعنى، فيُقْصر الحكم على مورد النص.
واختار شيخ الإسلام: أن الفطر بالحجامة معقول المعنى، أما في الحاجم؛ فلأنه يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل في حلقه وهو لا يشعر، والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بالمظنة كالنوم مظنة الحدث فعلق الحكم به، وأما المحجوم؛ فللضعف الحاصل له بالاحتجام، كالجماع والاستقاء ونحوه.
стр. 553
ويترتب على الخلاف:
١ - أنه لا يفطر بالشرط والفصد - والشرط: هو بضع الجلد وبزغه لاستفراغ الدم، والفصد: شق العرق لاستخراج الدم -؛ لأن الفطر بالحجامة غير معقول المعنى، فلا يصح القياس.
وعند شيخ الإسلام، وهو وجه في المذهب: يفطر المفصود والمشروط؛ لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفصاد والشرط شرعاً وطبعاً.
٢ - يفطر الحاجم وإن لم يحصل منه مص كالآلات الحديثة؛ لأنه يسمى حاجم.
وعند شيخ الإسلام: لا يفطر إن لم يكن هناك مص؛ لعدم تحقق العلة فيه.
٣ - لا يفطر بإخراج دمه عمداً برعاف وغيره؛ لأن العلة تعبدية، والأصل عدم الفطر.
وعند شيخ الإسلام: يفطر بإخراج دمه عمداً برعاف أو غيره؛ قياساً على خروج الدم بالحجامة.
المفطر الثامن: الردة، سواء عاد إلى الإسلام في ذلك اليوم أو لا؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ ... أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الزمر: ٦٥، وكذلك كل عبادة حصلت الردة في أثنائها.
المفطر التاسع: الموت؛ لعدم استصحاب حكم النية، فيطعم من تركته
стр. 554
في نذر وكفارة مسكين؛ لفساد ذلك اليوم الذي مات فيه؛ لتعذر قضائه، وأما حكم قضاء رمضان فيأتي ذلك مفصلاً في حكم القضاء.
- فرع: يشترط في فساد صوم فاعل المفطرات السابقة ثلاثة شروط:
١ - أن يكون (عَامِدًا)، أي: قاصداً للفعل، فإن كان غير قاصد لم يفسد صومه، كمن طار إلى حلقه ذباب أو غبار؛ لأنه غير مكلف.
٢ - أن يكون (مُخْتَارًا)، فإن أفطر مكرهاً لم يفسد صومه، سواء أكره حتى أفطر بنفسه، أو فُعل به الإفطار؛ لأن الإكراه يرفع الحكم في أعظم المحظورات وهو الكفر، كما قال تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)، فما دونه من المحظورات من باب أولى، ولحديث أبي هريرة ﵁ السابق: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ»، فقيس عليه ما عداه، ولحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٠٤٥].
٣ - أن يكون (ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ)؛ أما إن كان ناسياً فلا يفسد صومه؛ لحديث أبي هريرة السابق: «إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ».
فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة فيمن فعل مفطراً من المفطرات (أَفْطَرَ).
- فرع: إذا فعل شيئاً من المفطرات وهو جاهل بالحكم، لم يعذر،
стр. 555
ويفسد صومه؛ لعموم الأدلة في الفطر.
واختار شيخ الإسلام: أنه يعذر بالجهل، وهو أولى من الناسي؛ لقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، ولحديث ابن عباس ﵄: «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، فسوى بينهما في الحكم.
- فرع: (لَا) يفطر الصائم (إِنْ فَكَّر) بشيء (فَأَنْزَلَ) منيًّا أو مذيًّا، وتقدم.
- فرع: لو اغتسل الصائم فدخل الماء حلقه، (أَوْ) تمضمض فـ (ـدَخَلَ مَاءُ مَضْمَضَةٍ) حلقه، (أَوِ) استنشق فدخل ماء (اسْتِنْشَاقٍ حَلْقَهُ)؛ لم يفسد صومه، (وَلَوْ بَالَغَ) في المضمضة والاستنشاق، (أَوْ) تمضمض أو استنشق و (زَادَ عَلَى ثَلَاثِ) غرفات، فدخل الماء حلقه؛ لم يفسد صومه؛ لعدم القصد في الكل.
وتكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم؛ لحديث لقيط بن صبرة السابق: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا».
стр. 556
فصل في الجماع في نهار رمضان
- مسألة: الجماع مفطر بالإجماع؛ لقوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم)، فدل على أنه ممنوع من النساء في النهار، ولحديث أبي هريرة ﵁ الآتي.
- مسألة: (وَمَنْ جَامَعَ) بتغييب حشفة أصلية في فرج أصلي، قُبُلاً كان أو دُبراً، من حي أو ميت، آدمي أو بهيمة، وكان ذلك (بِرَمَضَانَ نَهَارًا)، سواء كان صائماً أو كان في يوم يلزمه إمساكه، (بِلَا عُذْرِ شَبَقٍ وَنَحْوِهِ)، كمن به مرض ينتفع بالوطء فيه، (فَـ) ـيجب (عَلَيْهِ):
١ - (القَضَاءُ)؛ لأنه أفطر في يوم يجب عليه صيامه، ولقوله ﷺ للمجامع: «وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» [ابن ماجه: ١٦٧١]، وفي لفظ: «وَصُمْ يَوْمًا، وَاسْتَغْفِرِ الله» [أبو داود: ٢٣٩٣].
٢ - (وَالكَفَّارَةُ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت! قال: «مَا لَكَ؟ » قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ »، قال: لا، قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قال: لا، فقال: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، قال: لا، قال: فمكث النبي
стр. 557
صلى الله عليه وسلم، فبينا نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ بعَرَق فيها تمر - والعَرَق: المكْتَل - قال: «أَيْنَ السَّائِلُ؟ » فقال: أنا، قال: «خُذْهَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ»، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» [البخاري: ١٩٣٦، ومسلم: ١١١١].
- فرع: إذا خاف من به شبق تشقق أنثييه، ولم تندفع شهوته بغير الجماع، أو كان به مرض ينتفع فيه بوطء؛ جاز له الوطء، وعليه القضاء ولا كفارة؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ البقرة: ١٨٥، مالم يتعذر عليه القضاء لشبق؛ كالكبير العاجز عن الصيام.
- فرع: يجب على المجامع في نهار رمضان القضاء والكفارة (مُطْلَقًا) أي: سواء كان عامداً أو ساهياً أو مخطئاً، عالماً أو جاهلاً، مختاراً أو مكرهاً، سواء أكره حتى فعل الجماع أو فُعِلَ به؛ لأنه ﷺ لم يستفصل من الأعرابي، ولو اختلف الحكم بذلك لاستفصله؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه لا يجب القضاء ولا الكفارة على المعذور بجهل أو نسيان أو إكراه؛ قياساً على سائر المفطرات.
- فرع: المرأة المجامَعة لا تخلو من أمرين:
стр. 558
١ - أن تكون مطاوِعة للرجل في الجماع: فتجب عليها الكفارة؛ لأنها هتكت حرمة صوم رمضان بالجماع، فلزمتها الكفارة كالرجل، وأما كون الشارع لم يأمر المرأة بها في حديث أبي هريرة ﵁؛ فلأنه جاء في بعض ألفاظه: «هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ» [الدارقطني: ٢٣٩٨]، فدل على أنها كانت مكرهة.
٢ - أن تكون معذورة بنسيان أو جهل أو إكراه: فلا كفارة عليها؛ لأنها معذورة، وأشار إليه بقوله: (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا مَعَ العُذْرِ: كَنَوْمٍ، وَإِكْرَاهٍ، وَنِسْيَانٍ، وَجَهْلٍ).
- تنبيه: الفرق بين المرأة والرجل في العذر بالجهل والنسيان والإكراه: أن إكراه الرجل على الوطء غير ممكن، لأنه لا يطأ حتى ينتشر، ولا ينتشر إلا عن شهوة، فهو كغير المكره، وأما النسيان؛ فلأن المجامعة لا تكون إلا من جهة الرجل غالباً، بخلاف المرأة، فكان الزجر في حقه أقوى.
- فرع: (وَ) يجب (عَلَيْهَا) أي: على المرأة المجامَعة (القَضَاءُ) مطلقاً، سواء كانت معذورة أو غير معذورة؛ لأنه نوع من المفطرات، فاستوى فيه الرجل والمرأة كالأكل.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يلزمها القضاء ولا الكفارة في حالة الجهل والنسيان والإكراه؛ لما سبق في الرجل.
- فرع: ولا تجب الكفارة بغير:
стр. 559
١ - الجماع في نهار رمضان؛ لأنه لم يرد به نص، وغيره لا يساويه.
٢ - بالمساحقة في نهار رمضان، كما في التنقيح والمنتهى؛ لأنها في معنى الجماع.
وفي وجه، واختاره ابن قدامة: الإنزال بالمساحقة يفسد الصوم، ولا كفارة فيه؛ لأنه لا نص فيه ولا يصح قياسه على الجماع.
- مسألة: (وَهِيَ) أي: كفارة الوطء في نهار رمضان على الترتيب:
١ - (عِتْقُ رَقَبَةٍ) مؤمنة سليمة من العيوب الضارة بالعمل، ويأتي تفصيلها في الظهار.
٢ - (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ) الرقبة أو ثمنها (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ)، بشرط أن يكون الشهران (مُتَتَابِعَيْنِ)، فإن انقطع التتابع بالفطر، فلا يخلو:
أ) أن يكون الفطر لعذر شرعي، كمرض وحيض ونفاس: فلا ينقطع التتابع.
ب) أن يكون الفطر لغير عذر شرعي: فينقطع التتابع، ويستأنف الصيام.
٣ - (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ) الصوم لكبر أو مرض أو نحوه (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)؛ لحديث أبي هريرة السابق، لكل مسكين مُدُّ بُرٍّ، أو نصف صاع تمر أو زبيب أو شعير أو أقط، ويأتي في الظهار.
стр. 560
- فرع: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) ما يطعم به المساكين حال الوطء؛ لأنه وقت الوجوب: (سَقَطَتْ) عنه الكفارة؛ لأن الأعرابي لما دفع إليه النبي ﷺ التمر ليطعمه للمساكين فأخبره بحاجته قال: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ»، ولم يأمره بكفارة أخرى، ولم يذكر له بقاءها في ذمته، ولأن الواجبات تسقط بالعجز عنها.
- ضابط: كل الكفارات لا تسقط بالعجز، ككفارة حج وظهار ويمين وقتل؛ لعموم الأدلة، إلا:
١ - كفارة الجماع في نهار رمضان؛ لما سبق.
٢ - كفارة الوطء في الحيض؛ قياساً على كفارة الجماع في نهار رمضان.
وعنه: أن جميع الكفارات تسقط بالعجز؛ لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم)، ولحديث الأعرابي السابق.
فصل
في ما يكره وما يستحب في الصوم، وأحكام القضاء
- مسألة: بلع الريق للصائم على قسمين:
١ - أن يبتلع الصائم ريقه على جاري العادة: فيجوز بغير خلاف؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، كغبار الطريق.
٢ - أن يجمع الصائم ريقه فيبتلعه قصداً: وأشار إليه المؤلف بقوله:
стр. 561
(وَكُرِهَ أَنْ يَجْمَعَ) الصائم (رِيقَهُ فَيَبْتَلِعَهُ)؛ خروجاً من خلاف من قال بفطره، ولا يفطر بذلك؛ لأنه إذا لم يجمعه وابتلعه قصدًا لا يفطر إجماعًا، فكذا إن جمعه ثم بلعه قصدًا، ولأنه يصل إلى جوفه من معدنه، أشبه ما لو لم يجمعه.
واختار ابن عثيمين: أنه لا يكره جمع الريق وبلعه؛ لعدم الدليل على الكراهة.
- مسألة: (وَذَوْقُ طَعَامٍ) للصائم لا يخلو من حالين، واختاره شيخ الإسلام:
١ - أن يكون لحاجة: فيجوز؛ لقول ابن عباس ﵄: «لا بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ القِدْرَ أَوِ الشَّيْءَ» [البخاري معلقًا مجزوماً ٣/ ٣٠، ووصله ابن أبي شيبة: ٩٢٧٨].
٢ - أن يكون بلا حاجة: فيكره؛ لأنه لا يأمن أن يصل إلى حلقه فيفطره.
- مسألة: (وَمَضْغُ عِلْكٍ) للصائم لا يخلو من حالين:
١ - أن يكون العلك قويًّا (لَا يَتَحَلَّلُ)، وهو الذي كلما مضغته صلُب وقوي: فيكره؛ لأنه يجلب البلغم، ويجمع الريق، ويورث العطش.
٢ - أن يتحلل من العلك أجزاء: فيحرم إجماعاً؛ سواء ابتلع ريقه أو لا؛ إقامة للمظنة مقام المئنة.
قال ابن قدامة: (إلا ألا يبتلع ريقه؛ لأن المحرم إيصال ذلك إلى الجوف ولم يوجد).
стр. 562
- فرع: (وَإِنْ وَجَدَ) الصائم (طَعْمَهُمَا فِي حَلْقِهِ) أي: طعم الطعام الذي تذوقه والعلك، (أَفْطَرَ)؛ لأنه أوصله إلى جوفه.
وعلى القول الثاني: مناط الفطر وصولهما إلى المعدة، لا إلى الحلق.
- مسألة: (وَالقُبْلَةُ وَنَحْوُهَا) من دواعي الوطء للصائم لا تخلو من ثلاثة أحوال:
١ - تكره: إن كانت (مِمَّنْ تُحَرِّكُ) القُبْلة (شَهْوَتَهُ) ولم يظن الإنزال؛ لأنه لا يأمن إفضاءها إلى فساد صومه، ولما يأتي من التفريق بين الشيخ والشاب، ولا تحرم؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ» [مسلم: ١١٠٦].
واختار ابن عثيمين: أنه لا تكره؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ» [البخاري: ١٩٢٧، ومسلم: ١١٠٦].
٢ - تباح: إن كانت ممن لا تحرك القبلة شهوته؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ، فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَالَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ» [أبو داود: ٢٣٨٧]، وعن ابن عباس ﵄ قال: «رُخِّصَ لِلْكَبِيرِ الصَّائِمِ فِي الْمُبَاشَرَةِ، وَكُرِهَ لِلشَّابِّ» [ابن ماجه: ١٦٨٨]، ولأنها مباشرة لغير شهوة، أشبهت لمس اليد لحاجة.
стр. 563
٣ - (وَتَحْرُمُ) القبلة ونحوها على الصائم (إِنْ ظَنَّ) أو غلب على ظنه (إِنْزَالاً) مفسداً للصوم، قال المجد: (بغير خلاف)؛ ولأنه يغلب على ظنه إفساد صومه، فحرمت.
- فرع: إن لم يخرج منه شيء بسبب القبلة لم يفسد صومه إجماعاً، وإن خرج مني أو مذي، فعلى ما تقدم.
- فرع: (وَ) يحرم عليه (مَضْغُ عِلْكٍ يَتَحَلَّلُ)، وتقدم.
- مسألة: (وَ) يحرم على المسلم في الجملة (كَذِبٌ)، وهو الإخبار بما يخالف الواقع، (وَ) تحرم عليه (غِيبَةٌ)، وهي ذكر المسلم أخاه بما يكره، (وَ) تحرم عليه (نَمِيمَةٌ)، وهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد، (وَ) يحرم عليه (شَتْمٌ)، وهو السب والكلام القبيح، (وَ) يحرم عليه (نَحْوُهُ) من المحرمات القولية والفعلية، وتحرم (بِتَأَكُّدٍ) إن كان صائماً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [البخاري: ١٩٠٣]، قال أحمد: (ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه، وكانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحداً).
- فرع: لا يفطر لو فعل شيئاً من هذه المحرمات اتفاقاً؛ لعدم الدليل على الفطر بها، ولكن قد يكثر المحرَّم فيزيد على أجر الصوم، وقد يقل،
стр. 564
وقد يتساويان، قال شيخ الإسلام: (هذا مما لا نزاع فيه بين الأئمة).
- مسألة: (وَسُنَّ) للصائم أمور:
١ - (تَعْجِيلُ فِطْرٍ) إذا تحقق غروب الشمس إجماعاً؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ مرفوعاً: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ» [البخاري: ١٩٥٧، ومسلم: ١٠٩٨].
وله الفطر بغلبة الظن؛ لحديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ» [البخاري: ١٩٥٩].
٢ - (وَ) سن له (تَأْخِيرُ سُحُورٍ) اتفاقاً؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁ قال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ»، فقيل له: كم كان بيْن الأذان والسُّحور؟ قال: «قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» [البخاري: ١٩٢١، ومسلم: ١٠٩٧]، ولأنه أقوى على الصوم.
٣ - (وَ) سن له (قَوْلُ مَا وَرَدَ عِنْدَ فِطْرٍ)، ومنه ما ورد عن ابن عمر ﵄: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ الله» [أبو داود: ٢٣٧٥].
- مسألة: في أحكام القضاء:
١ - (وَ) سن لمن عليه قضاء من رمضان (تُتَابُعُ القَضَاءِ)؛ لأن القضاء
стр. 565
يحكي الأداء، ولقول ابن عمر ﵄: «صُمْهُ كَمَا أَفْطَرْتَ» [الدارقطني: ٢٣٢٠]، ولا يجب؛ للإطلاق في قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، فلم يقيدها بالتتابع، ولما صح عن ابن عباس، وأبي هريرة ﵃ قالا في رمضان: «فَرِّقْهُ إذَا أَحْصَيْتَهُ» [عبد الرزاق: ٧٦٦٤]، ونحوه عن أبي عبيدة ورافع بن خديج ﵄ [الدارقطني: ٢٣١٨، ٢٣٢٢].
٢ - وسن أن يكون التتابع (فَوْراً)؛ لأنه أسرع في إبراء ذمته، ولا يجب كونه على الفور؛ للإطلاق في الآية، ولحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ » [البخاري: ١٩٥٠، ومسلم: ١١٤٦].
- مسألة: إن أخَّر قضاء رمضانَ حتى دخل رمضانٌ آخر فلا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: إن كان التأخير لعذر، نحو سفر ومرض: جاز؛ لأنه إذا جاز أن يفطر بهذه الأعذار في رمضان وهو أداء، فجواز الإفطار في أيام القضاء من باب أولى.
ولا كفارة عليه؛ لعدم الدليل على وجوبها إذاً.
الحالة الثانية: إن كان التأخير لغير عذر: فيحرم، وأشار المصنف إليه بقوله: (وَحَرُمَ) على من عليه قضاء رمضان (تَأْخِيرُهُ) أي: القضاء (إِلَى)