← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(وَكُرِهَ أَنْ يَجْمَعَ) الصائم (رِيقَهُ فَيَبْتَلِعَهُ)؛ خروجاً من خلاف من قال بفطره، ولا يفطر بذلك؛ لأنه إذا لم يجمعه وابتلعه قصدًا لا يفطر إجماعًا، فكذا إن جمعه ثم بلعه قصدًا، ولأنه يصل إلى جوفه من معدنه، أشبه ما لو لم يجمعه. واختار ابن عثيمين: أنه لا يكره جمع الريق وبلعه؛ لعدم الدليل على الكراهة. - مسألة: (وَذَوْقُ طَعَامٍ) للصائم لا يخلو من حالين، واختاره شيخ الإسلام: ١ - أن يكون لحاجة: فيجوز؛ لقول ابن عباس ﵄: «لا بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ القِدْرَ أَوِ الشَّيْءَ» [البخاري معلقًا مجزوماً ٣/ ٣٠، ووصله ابن أبي شيبة: ٩٢٧٨]. ٢ - أن يكون بلا حاجة: فيكره؛ لأنه لا يأمن أن يصل إلى حلقه فيفطره. - مسألة: (وَمَضْغُ عِلْكٍ) للصائم لا يخلو من حالين: ١ - أن يكون العلك قويًّا (لَا يَتَحَلَّلُ)، وهو الذي كلما مضغته صلُب وقوي: فيكره؛ لأنه يجلب البلغم، ويجمع الريق، ويورث العطش. ٢ - أن يتحلل من العلك أجزاء: فيحرم إجماعاً؛ سواء ابتلع ريقه أو لا؛ إقامة للمظنة مقام المئنة. قال ابن قدامة: (إلا ألا يبتلع ريقه؛ لأن المحرم إيصال ذلك إلى الجوف ولم يوجد).

стр. 562

- فرع: (وَإِنْ وَجَدَ) الصائم (طَعْمَهُمَا فِي حَلْقِهِ) أي: طعم الطعام الذي تذوقه والعلك، (أَفْطَرَ)؛ لأنه أوصله إلى جوفه. وعلى القول الثاني: مناط الفطر وصولهما إلى المعدة، لا إلى الحلق. - مسألة: (وَالقُبْلَةُ وَنَحْوُهَا) من دواعي الوطء للصائم لا تخلو من ثلاثة أحوال: ١ - تكره: إن كانت (مِمَّنْ تُحَرِّكُ) القُبْلة (شَهْوَتَهُ) ولم يظن الإنزال؛ لأنه لا يأمن إفضاءها إلى فساد صومه، ولما يأتي من التفريق بين الشيخ والشاب، ولا تحرم؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ» [مسلم: ١١٠٦]. واختار ابن عثيمين: أنه لا تكره؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ» [البخاري: ١٩٢٧، ومسلم: ١١٠٦]. ٢ - تباح: إن كانت ممن لا تحرك القبلة شهوته؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ، فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَالَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ» [أبو داود: ٢٣٨٧]، وعن ابن عباس ﵄ قال: «رُخِّصَ لِلْكَبِيرِ الصَّائِمِ فِي الْمُبَاشَرَةِ، وَكُرِهَ لِلشَّابِّ» [ابن ماجه: ١٦٨٨]، ولأنها مباشرة لغير شهوة، أشبهت لمس اليد لحاجة.

стр. 563

٣ - (وَتَحْرُمُ) القبلة ونحوها على الصائم (إِنْ ظَنَّ) أو غلب على ظنه (إِنْزَالاً) مفسداً للصوم، قال المجد: (بغير خلاف)؛ ولأنه يغلب على ظنه إفساد صومه، فحرمت. - فرع: إن لم يخرج منه شيء بسبب القبلة لم يفسد صومه إجماعاً، وإن خرج مني أو مذي، فعلى ما تقدم. - فرع: (وَ) يحرم عليه (مَضْغُ عِلْكٍ يَتَحَلَّلُ)، وتقدم. - مسألة: (وَ) يحرم على المسلم في الجملة (كَذِبٌ)، وهو الإخبار بما يخالف الواقع، (وَ) تحرم عليه (غِيبَةٌ)، وهي ذكر المسلم أخاه بما يكره، (وَ) تحرم عليه (نَمِيمَةٌ)، وهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد، (وَ) يحرم عليه (شَتْمٌ)، وهو السب والكلام القبيح، (وَ) يحرم عليه (نَحْوُهُ) من المحرمات القولية والفعلية، وتحرم (بِتَأَكُّدٍ) إن كان صائماً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [البخاري: ١٩٠٣]، قال أحمد: (ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه، وكانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحداً). - فرع: لا يفطر لو فعل شيئاً من هذه المحرمات اتفاقاً؛ لعدم الدليل على الفطر بها، ولكن قد يكثر المحرَّم فيزيد على أجر الصوم، وقد يقل،

стр. 564

وقد يتساويان، قال شيخ الإسلام: (هذا مما لا نزاع فيه بين الأئمة). - مسألة: (وَسُنَّ) للصائم أمور: ١ - (تَعْجِيلُ فِطْرٍ) إذا تحقق غروب الشمس إجماعاً؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ مرفوعاً: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ» [البخاري: ١٩٥٧، ومسلم: ١٠٩٨]. وله الفطر بغلبة الظن؛ لحديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ» [البخاري: ١٩٥٩]. ٢ - (وَ) سن له (تَأْخِيرُ سُحُورٍ) اتفاقاً؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁ قال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ»، فقيل له: كم كان بيْن الأذان والسُّحور؟ قال: «قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» [البخاري: ١٩٢١، ومسلم: ١٠٩٧]، ولأنه أقوى على الصوم. ٣ - (وَ) سن له (قَوْلُ مَا وَرَدَ عِنْدَ فِطْرٍ)، ومنه ما ورد عن ابن عمر ﵄: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ الله» [أبو داود: ٢٣٧٥]. - مسألة: في أحكام القضاء: ١ - (وَ) سن لمن عليه قضاء من رمضان (تُتَابُعُ القَضَاءِ)؛ لأن القضاء

стр. 565

يحكي الأداء، ولقول ابن عمر ﵄: «صُمْهُ كَمَا أَفْطَرْتَ» [الدارقطني: ٢٣٢٠]، ولا يجب؛ للإطلاق في قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، فلم يقيدها بالتتابع، ولما صح عن ابن عباس، وأبي هريرة ﵃ قالا في رمضان: «فَرِّقْهُ إذَا أَحْصَيْتَهُ» [عبد الرزاق: ٧٦٦٤]، ونحوه عن أبي عبيدة ورافع بن خديج ﵄ [الدارقطني: ٢٣١٨، ٢٣٢٢]. ٢ - وسن أن يكون التتابع (فَوْراً)؛ لأنه أسرع في إبراء ذمته، ولا يجب كونه على الفور؛ للإطلاق في الآية، ولحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ » [البخاري: ١٩٥٠، ومسلم: ١١٤٦]. - مسألة: إن أخَّر قضاء رمضانَ حتى دخل رمضانٌ آخر فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: إن كان التأخير لعذر، نحو سفر ومرض: جاز؛ لأنه إذا جاز أن يفطر بهذه الأعذار في رمضان وهو أداء، فجواز الإفطار في أيام القضاء من باب أولى. ولا كفارة عليه؛ لعدم الدليل على وجوبها إذاً. الحالة الثانية: إن كان التأخير لغير عذر: فيحرم، وأشار المصنف إليه بقوله: (وَحَرُمَ) على من عليه قضاء رمضان (تَأْخِيرُهُ) أي: القضاء (إِلَى)

стр. 566

دخول رمضانٍ (آخَرَ بِلَا عُذْرٍ)؛ لحديث عائشة السابق، ولو كان جائزاً لفعلته، وقياساً على الصلاة، حيث لا يجوز تأخيرها حتى يدخل وقت صلاة أخرى بلا عذر يبيح الجمع. - فرع: (فَإِنْ فَعَلَ): بأن أخر القضاء لغير عذر حتى دخل رمضانٌ آخر؛ (وَجَبَ) عليه (مَعَ القَضَاءِ: إِطْعَامُ مِسْكِينٍ) ما يجزئ في الكفارة، (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ)، ولو أخره عدة رمضانات؛ أما القضاء؛ فلأنه دين في ذمته لم يقضه، فلزمه قضاؤه، وأما الإطعام: فلما ورد عن ابن عباس ﵄ في رجل أدركه رمضان وعليه رمضان آخر، قال: «يَصُومُ هذَا، وَيُطْعِم عَنْ ذَاك كلَّ يومٍ مسكيناً، ويَقْضِيه» [الدارقطني: ٢٣٤٧، والبيهقي: ٨٢١١]، ونحوه عن أبي هريرة ﵁ [الدارقطني وصححه: ٢٣٤٣، والبيهقي: ٨٢١١]، وجبراً لما أخل به من تفويت الوقت المحدد، ويجب إطعامٌ واحد ولو أخره عدة رمضانات؛ لأنه بإخراج كفارة واحدة زال تفريطه. واختار ابن عثيمين، ووجَّهه في الفروع احتمالاً: أنه لا يجب عليه إلا القضاء؛ لظاهر القرآن في قوله تعالى: (فعدة من أيام أخر)، فإن الله تعالى لم يوجب إلا عدة من أيام أخر، ولم يوجب أكثر من ذلك، وورد عن ابن مسعود ﵁ القضاء، ولم يذكر إطعاماً [المحلى ٤/ ٤٠٨].

стр. 567

- فرع: (وَإِنْ مَاتَ) من عليه قضاء رمضان ولم يقضه، لم يخل من أمرين: ١ - أن يكون فطره بسبب مرض لا يرجى برؤه: فيجب عليه الإطعام ابتداء، وتقدم. ٢ - أن يكون فطره بسبب عذر يرجى زواله: فلا يخلو من أمرين: أ) أن يكون معذوراً بحيث لم يتمكن من القضاء حتى مات: فلا شيء عليه؛ لأن الواجب عليه القضاء، ولم يتمكن منه، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧]. ب) أن يكون غير معذور، وهو: (المُفَرِّطُ) الذي ترك القضاء مع إمكانه، (وَلَوْ) كان تركه القضاء (قَبْلَ) دخول رمضان (آخَرَ: أُطْعِمَ عَنْهُ) عن كل يوم مسكين؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ» [الترمذي: ٧١٨، وابن ماجه: ١٧٥٧، وقال الترمذي: والصحيح عن ابن عمر موقوفٌ قولُه]، وصح الإطعام عن عائشة ﵂ أيضاً. [شرح مشكل الآثار للطحاوي ٦/ ١٧٨]، (كَذَلِكَ) أي: كالذي فرط حتى دخل عليه رمضان آخر، فعليه إطعام واحد لا أكثر؛ لما تقدم. - فرع: يكون الإطعام (مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) أي: مال الميت، سواء أوصى

стр. 568

به أو لا؛ قياساً على سائر الديون، (وَلَا يُصَامُ) عنه قضاء رمضان؛ لما يأتي. - فرع: إذا مات الإنسان وكان عليه شيء من الواجبات، كالصلاة والصيام والحج وغيرها، فلا يخلو من أمرين: الأول: أن يكون معذوراً، بحيث يموت قبل التمكن من أداء الواجب: فلا يقضى، سواء كان واجباً بأصل الشرع أو بالنذر؛ لأنه معذور، إلا: ١ - الحج والعمرة، فإنه يفعل عنه مطلقاً، تمكن منه أو لا، لجواز النيابة فيه حال الحياة، فبعد الموت أولى. ٢ - الحقوق المالية، فإنها تقضى عنه؛ لأنها متعلقة بحق الغير. الثاني: ألا يكون معذوراً، بحيث يتمكن من أداء الواجب، ثم لم يفعله حتى مات، فعلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: العبادات المالية، ولا تخلو من أن تكون: ١ - ديونًا لله من زكاة وكفارات ونذور: فيصح أداؤها عنه، وتبرأ بها ذمته؛ لعموم حديث ابن عباس ﵄: «اقْضُوا الله، فَالله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» [البخاري: ١٨٥٢]. ٢ - ديونًا للآدميين: فيصح أداؤها عنه وتبرأ بها ذمته؛ لحديث سلمة بن الأكوع ﵁: أن النبي ﷺ أُتي بجنازة فقال: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ »، قالوا: نعم، قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، قال أبو قتادة: عليَّ دينه يا رسول الله، فصلى عليه. [البخاري: ٢٢٩٥].

стр. 569

القسم الثاني: العبادات المركبة، وهي الحج والعمرة: فيصح فعلها عنه مطلقاً، سواء كانت واجبة بأصل الشرع أو بالنذر، وسواء كان مفرطاً أو غير مفرط؛ أما دليل قضاء ما وجب بأصل الشرع؛ فحديث ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع، قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: «نَعَمْ» [البخاري: ١٨٥٤، ومسلم: ١٣٣٤]، وأما قضاء ما وجب بالنذر؛ فلحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة من جهينة، جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا الله فالله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» [البخاري: ١٨٥٢]. القسم الثالث: العبادات البدنية المحضة، وهي: ١ - الصلاة: ووجوبها لا يخلو من أمرين: أ) إن كان الوجوب بأصل الشرع: فلا يصح قضاؤها عنه إجماعاً؛ لما صح عن ابن عباس ﵄: «لَا يُصَلِّي أحدٌ عَنْ أَحَدٍ، ولَا يَصُومُ أَحَدٌ عَن أَحَدٍ» [السنن الكبرى للنسائي: ٢٩٣٠، وصحح إسناده الحافظ]، ولأنها لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذا بعد الموت. ب) إن كان الوجوب بالنذر: فيصح قضاؤها عنه؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن سعد بن عبادة الأنصاري ﵁، استفتى النبي ﷺ في نذر كان على

стр. 570

أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه، «فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا»، فكانت سُنّة بعد. [البخاري: ٦٦٩٨]، وأمر ابنُ عمر ﵄ امرأةً جعلت أمُّها على نفسها صلاةً بقباء، فقال: «صَلِّي عَنْهَا» [البخاري معلقاً بصيغة الجزم ٨/ ١٤٢]، وعن ابن عباس ﵄ نحوه. [البخاري معلقاً بصيغة الجزم ٨/ ١٤٢، ووصله مالك: ١٧١١]. ٢ - الصيام: ووجوبه لا يخلو من أمرين: أ) إن كان الوجوب بأصل الشرع كصوم رمضان والكفارة: فلا يصح الصوم عنه، وهو اختيار ابن القيم؛ لما تقدم في الصلاة الواجبة بأصل الشرع، بل يطعم عنه؛ لما سبق. وأما حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» [البخاري: ١٩٥٢، ومسلم: ١١٤٧]، فيحمل على النذر جمعاً بينه وبين الآثار الواردة عن الصحابة، فقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ أُطْعِمَ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ قَضَى عَنْهُ وَلِيُّهُ» [أبو داود: ٢٤٠١]، وصح عن عائشة ﵂: أن امرأة قالت لها: إن أمي توفيت وعليها رمضان، أيصلح أن أقضي عنها؟ فقالت: «لَا، وَلَكِنْ تَصَدَّقِي عَنْهَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ عَلَى مِسْكِينٍ، خَيْرٌ مِنْ صِيَامِكِ عَنْهَا» [شرح مشكل الآثار للطحاوي ٦/ ١٧٨]، وكما أنه لا يصلي عنه ما وجب بأصل الشرع، فلا يصوم عنه ما وجب بأصل الشرع. ولا يصح قياس ما وجب بأصل الشرع على ما وجب بالنذر؛ لأن الواجب بالنذر أخف من الواجب بأصل الشرع.

стр. 571

ب) إن كان الوجوب بالنذر: فيصح الصوم عنه، واختاره ابن القيم؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا؟ » قالت: نعم، قال: «فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ» [البخاري: ١٩٥٣، ومسلم: ١١٤٨]، ولما تقدم من آثار الصحابة، ولأن النذر التزام في الذمة بمنزلة الدَّين، فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه. وعنه، واختاره ابن عثيمين: يصح قضاء الصيام عن الميت مطلقاً، سواء كان واجباً بأصل الشرع أو واجباً بالنذر؛ لأن الصيام أقرب إلى المماثلة من الإطعام، ولعموم حديث عائشة ﵂: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»، وقوله: «صِيَامٌ» نكرة غير مقيدة بصوم معين، وحَمْلُ الحديث على النذر حمل له على ما هو نادر، والأدلة إنما تحمل على الغالب، ولا يخصص حديث ابن عباس، وهو قولها: «وعليها صوم نذر»؛ لأنه ذكر لبعض أفراد العام، وذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق حكم العام لا يقتضي التخصيص. ٣ - الاعتكاف: ولا يكون واجباً إلا بالنذر، فيصح قضاؤه عن الميت؛ لعموم حديث ابن عباسٍ السابق في قصة سعد بن عبادة ﵁، ولما صح عن ابن عباس ﵄: أن امرأة نذرت أن تعتكف عشرة أيام، فماتت فلم تعتكف، فقال ابن عباس لابنها: «اعْتَكِفْ عَنْ أُمِّكَ» [ابن أبي شيبة: ١٢٥٦٠].

стр. 572

٤ - الطواف: ولا يكون واجباً بانفراده عن حج وعمرة إلا بالنذر، فيصح قضاؤه عنه؛ لعموم حديث ابن عباس في قصة سعد بن عبادة، وقياساً على ما تقدم من العبادات البدنية المنذورة. ٥ - باقي العبادات المنذورة كالطهارة والذكر ونحوها - وهي لا تجب إلا بالنذر -: قال في الإنصاف: (ظاهر كلام المصنف - يعني: ابن قدامة -: أنه لا يفعل غير ما ذكر من الطاعات المنذورة عن الميت، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب)، وهو ظاهر ما في الإقناع والمنتهى. واختار الخرقي وغيره: أنه يفعل عنه كل ما كان من نذر طاعة؛ لقصة سعد بن عبادة ﵁. - فرع: قاعدة المذهب فيما يصح قضاؤه عن الميت وما لا يصح: أن الواجب لا يخلو من أمرين: ١ - إن كان واجباً على الميت بأصل الشرع: فلا يصح قضاء ذلك عنه، إلا في أمرين: أ) الحقوق المالية. ب) الحج والعمرة. ٢ - (وَإِنْ كَانَ) واجباً (عَلَى المَيِّتِ) بـ (ـنَذْرٍ، مِنْ حَجٍّ، أَوْ صَوْمٍ، أَوْ صَلَاةٍ، ونَحْوِهَا) كاعتكاف وطواف: فإن تمكن الناذر من الفعل فإنه يقضى

стр. 573

عنه، وإن لم يتمكن من الفعل قبل الموت فلا يقضى عنه؛ لعدم وجوبه على الناذر، إلا الحج والعمرة والحقوق المالية كما تقدم، فيجب قضاؤها ولو لم يتمكن من أدائها. (١) - فرع: اختار ابن القيم: أن المفرط في عبادة من العبادات من غير عذر لا ينفعه أداء غيره عنه، سواء كان ذلك صياماً أو حجًّا أو زكاةً؛ كما أنها لا تنفع توبة أحد عن أحد، ولا إسلامه عنه؛ لأن العبادة مأمور بها ذلك الميت ابتلاء وامتحاناً دون الولي. - فرع: القضاء عن الميت - فيما يصح فيه القضاء - لا يخلو من حالين: ١ - ألا يكون للميت تركة: فـ (سُنَّ لِوَلِيِّهِ قَضَاؤُهُ)؛ لتبرأ ذمة الميت؛ كقضاء دينه؛ لأنه ﷺ شبَّهه بالدَّين كما في حديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا الله فَالله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» [البخاري: ١٨٥٢، ومسلم: ١١٤٨]، ولا يجب القضاء عنه؛ لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [الأنعام: ١٦٤]. ٢ - (وَ) إن كان (مَعَ) الولي (تَرِكَةٌ) للميت: فـ (يَجِبُ) على الولي أن

стр. 574

يقضي عنه ما وجب عليه؛ لأنه في حكم الدَّين على الميت. - فرع: (لَا) يجب (مُبَاشَرَةُ وَلِيٍّ) القضاءَ، بل يستحب؛ لأنه أحوط لبراءة الميت، فإن دفع إلى من يفعله عنه، أو فعله غيره عنه تبرعاً؛ جاز؛ لأن النبي ﷺ شبهه بالدَّين، والدَّين يصح قضاؤه من الأجنبي. - فرع: الولي هو الوارث؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» [البخاري: ٦٧٣٢، ومسلم: ١٦١٥]. (فَصْلٌ) في صوم التطوع وما يُكره منه وفيه فضل عظيم؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ الله : إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» [مسلم ١١٥١]، وهذه الإضافة للتشريف والتعظيم. - مسألة: (يُسَنُّ صَوْمُ):

стр. 575

١ - ثلاثة أيام من كل شهر، قال في الشرح: (بغير خلاف نعلمه)؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: «أَوْصَانِي خَلِيلي ﷺ بِثَلاثٍ: صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» [البخاري ١٩٨١، ومسلم ٧٢١]، وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعاً: «وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ» [البخاري ١٩٧٦، ومسلم ١١٥٩]. والأفضل كونها (أَيَّامَ) الليالي (البِيضِ)، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، اتفاقاً؛ لما روى أبو ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال له: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» [أحمد ٢١٣٥٠، والترمذي ٧٦١، والنسائي ٢٤٢٢]. ٢ - (وَ) يسن صوم يوم (الخَمِيسِ)؛ لحديث أسامة بن زيد ﵄: قال رسول الله ﷺ : «ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [أحمد ٢١٧٥٣، والنسائي ٢٣٥٨]. ٣ - (وَ) يسن صوم يوم (الاثْنَيْنِ)؛ لحديث أبي قتادة ﵁: سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ - أَوْ أُنْزِلَ- عَلَيَّ فِيهِ» [مسلم ١١٦٢]. ٤ - (وَ) يسن صوم (سِتَّ) ـة أيام (مِنْ شَوَّالٍ)؛ لحديث أبي أيوب ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ

стр. 576

الدَّهْرِ» [مسلم ١١٦٤]، قال أحمد: (هو من ثلاثة أوجه عن النبي ﷺ ، ولو متفرقاً؛ لإطلاق الحديث، ويستحب تتابعها، وكونها عقب العيد؛ لما فيه من المسارعة إلى الخير. ٥ - (وَ) يسن صوم (شَهْرِ الله المُحَرَّمِ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ الله الْمُحَرَّمُ» [مسلم ١١٦٣]، والمراد أفضل شهر تطوع فيه كاملاً بعد رمضان شهر الله الحرام؛ لأن بعض التطوع قد يكون أفضل من أيامه، كعرفة وعشر ذي الحجة. وقال شيخ الإسلام: (يحتمل أنه يريد بشهر الله المحرم أول العام، وأنه يريد به الأشهر الحرم، والله أعلم). (وَآكَدُهُ) أي: المحرم: عاشوراء، وهو اليوم (العَاشِرُ)؛ لحديث أبي قتادة ﵁: قال ﷺ : «وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [مسلم ١١٦٢]. (ثُمُّ) تاسوعاء، وهو اليوم (التَّاسِعُ)؛ لحديث ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» [مسلم ١١٣٤]، أي: مع العاشر. - فرع: مراتب صيام عاشوراء: أأن يصوم قبله يومًا وبعده يومًا، وهذا إذا اشتبه عليه أول الشهر؛

стр. 577

ليتيقن صومهما، ولما ثبت عن ابن عباس ﵄ موقوفاً: «أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ قَبْلَهُ يَوْمًا وَبَعْدَهُ يَوْمًا»، وعنه أيضاً: «أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ فِي السَّفَرِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَيُوَالِي بَيْنَ اليَوْمَيْنِ مَخَافَةَ أَنْ يَفُوتَهُ» [تهذيب الآثار ٦٦٠، ٦٦١]. ب أن يصوم التاسع والعاشر معاً؛ لحديث ابن عباس السابق. ت أن يفرد العاشر بالصوم، ولا يكره؛ لحديث أبي قتادة السابق، واختاره شيخ الإسلام. ٦ - (وَ) يسن صوم (تِسْعِ ذِي الحِجَّةِ)؛ لحديث بعض أزواج النبي ﷺ قالت: ««كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ» [أحمد ٢٢٣٣٤، وأبو داود ٢٤٣٧، والنسائي ٢٣٧٢، وصححه الألباني]، ولحديث ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟ » قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «وَلَا الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» [البخاري ٩٦٩]. - فرع: (وَآكَدُهُ) أي: التسع من ذي الحجة: اليوم التاسع، وهو (يَوْمُ عَرَفَةَ)، ولا يخلو صيامه من ثلاثة أحوال: ١ - صيامه (لِغَيْرِ حَاجٍّ)، فيسن له اتفاقاً؛ لحديث أبي قتادة ﵁: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» [مسلم ١١٦٢]. ٢ - الحاج الواقف (بِهَا) أي: بعرفة، فلا يستحب له الصيام، وفطره

стр. 578

أفضل؛ لحديث أم الفضل ﵂: «أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَشَرِبَهُ» [البخاري ١٦٦١، ومسلم ١١٢٣]، وسئل ابن عمر ﵄ عن صوم يوم عرفة بعرفة، فقال: «حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَأَنَا لا أَصُومُهُ، وَلا آمُرُ بِهِ، وَلا أَنْهَى عَنْهُ» [البخاري ١٦٦١، ومسلم ١١٢٣]، ولأنه يضعف عن الدعاء، فكان تركه أفضل، إلا لمتمتعٍ وقارنٍ عدمَا الهدي، فيصومانه مع اليومين قبله، ويأتي في الحج. وعلل شيخ الإسلام كراهية صوم عرفة؛ لأنه يوم عيد لأهل عرفة. ٣ - الحاج إذا لم يكن واقفاً بعرفة نهاراً، كمن دخل عرفة بعد الغروب: فظاهر كلام الأصحاب: يستحب له الصيام؛ لعموم حديث أبي قتادة السابق. ٧ - (وَأَفْضَلُ) التطوع في (الصِّيَامِ: صَوْمُ يَوْمٍ وَفِطْرُ يَوْمٍ)؛ لقول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو ﵄: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ»، قال قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال رسول الله ﷺ : «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» [البخاري ١٩٧٦، ومسلم ١١٥٩]. وشرطه: ألا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام، كالقيام بحقوق الله تعالى وحقوق عباده اللازمة، وإلا فتركه أفضل. وقال شيخ الإسلام: (متى كانت العبادة توجب له ضرراً يمنعه عن فعل واجب أنفع له منها؛ كانت محرمة، مثل أن يصوم صوماً يضعفه عن الكسب الواجب).

стр. 579

- مسألة: (وَكُرِهَ) من الصيام: ١ - (إِفْرَادُ رَجَبٍ) بالصوم؛ لقول خَرَشة بن الحُرِّ: «رَأَيْتُ عُمَرَ ﵁ يَضْرِبُ أَكُفَّ النَّاسِ فِي رَجَبٍ حَتَّى يَضَعُوهَا فِي الْجِفَانِ، وَيَقُولُ: كُلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ» [مصنف ابن أبي شيبة ٩٧٥٨، وجود إسناده ابن كثير]، ولأن فيه إحياءً لشعار الجاهلية. قال شيخ الإسلام: (ومن صام رجباً معتقداً أنه أفضل من غيره من الأشهر أثم وعزر، وعليه يحمل فعل عمر ﵁). وقال أيضاً: (وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات). - فرع: تزول الكراهة بأمرين: أبفطره فيه، ولو يوماً، عن عطاء قال: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَنْهَى عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ كُلِّهِ؛ لئلا يُتَّخَذَ عِيدًا» [مصنف عبد الرزاق ٧٨٥٤]. ب أو بصومه شهراً آخر من السنة معه؛ لما ورد أن ابن عمر ﵄ كان يصوم الأشهر الحرم [مصنف عبد الرزاق ٧٨٥٦]، قال المجد: (وإن لم يلِ الشهرَ الآخرَ رجبٌ). - فرع: لا يكره إفراد شهر غير رجب بالصوم، اتفاقاً، قاله في المبدع.

стр. 580

٢ - (وَ) يكره تعمد إفراد يوم (الجُمُعَةِ) بصيام؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» [مسلم ١١٤٤]، والصارف من التحريم إلى الكراهة: جواز صيامه إن وافق يوماً يعتاد صومه. واختار شيخ الإسلام: أنه لا يجوز تخصيص يوم الجمعة بصيام؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ، أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ» [البخاري ١٩٨٥، ومسلم ١١٤٤]. - فرع: تزول كراهة صوم يوم الجمعة بأمرين: أإن وافق يوماً يعتاد صومه، كما لو وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء، فلا يكره؛ لحديث أبي هريرة السابق: «إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ»، ولأن العادة لها تأثير في ذلك. ب إذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده، فلا يكره؛ لحديث أبي هريرة السابق. ٣ - (وَ) يكره تعمد إفراد يوم (السَّبْتِ) بصوم؛ لحديث الصماء بنت بسر ﵂ مرفوعاً: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهُ» [أحمد ٢٧٠٧٥، وأبو داود ٢٤٢١، والترمذي ٧٤٤، وابن ماجه ١٧٢٦]، ولأنه يوم عيد لأهل الكتاب؛ فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيماً له، فكره ذلك.

стр. 581

واختار شيخ الإسلام: أنه (لا يكره صيامه مفرداً، وأنه قول أكثر العلماء، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته، وأن الحديث شاذ، أو منسوخ)؛ لحديث عبد الله بن عمرو السابق، وفيه: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا»، لأنه يلزم منه صوم يوم السبت مفرداً، ولحديث أم سلمة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» [أحمد ٢٦٧٥٠، والنسائي في الكبرى ٢٧٨٩]. - فرع: تزول كراهة صوم يوم السبت بأمرين: أإن وافق يوماً يعتاد صومه، كما لو وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء، فلا يكره؛ لحديث عبد الله بن عمرو السابق، وفيه: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا»، ولأن العادة لها تأثير في ذلك. ب إذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده، فلا يكره؛ لحديث أبي هريرة السابق: «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ، أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ». ٤ - (وَ) يكره صوم يوم (الشَّكِّ) تطوعاً، ولو صامه بنية رمضان احتياطاً؛ لقول عمار بن ياسر ﵄: «مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ » [أبو داود ٢٣٣٤، والترمذي ٦٨٦، والنسائي ٢١٨٦، وابن ماجه ١٦٤٥]. وقيل: يحرم؛ لحديث عمار السابق؛ لأن المعصية لا تكون إلا على أمرٍ محرَّم.

стр. 582

- فرع: يوم الشك هو: يوم الثلاثين من شعبان إن لم يكن في السماء في مطلع الهلال علة من غيم أو قتر ونحوهما ولم ير الهلال، أو شهد به من رُدَّت شهادته لفسق ونحوه. وعنه، واختاره ابن عثيمين: أنه يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر؛ لأن الشك يكون إذا وُجد ما يمنع رؤية الهلال، وأما مع الصحو فلا شك. - فرع: تزول كراهة صوم يوم الشك بثلاثة أمور: أإذا وافق يوماً اعتاد على صيامه، كمن عادته صوم يوم الخميس والاثنين، فوافق يوم الشك أحدهما، فلا كراهة؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ» [البخاري ١٩١٤، ومسلم ١٠٨٢]. ب إذا وصل يوم الشك بصيام قبله، فلا كراهة؛ لحديث أبي هريرة السابق، فقد دل بمفهومه: أنه لو تقدم صومَ رمضان بأكثرَ من يومين ووصله بيوم الشك جاز. ت إذا صام يوم الشك عن قضاء أو نذر أو كفارة؛ فلا كراهة؛ لأن صومه واجب إذاً.

стр. 583

٥ - (وَ) يكره صيام (كُلِّ) يوم (عِيدٍ للكُفَّارِ)، وكل يوم يفردونه بالتعظيم؛ لما فيه من موافقة الكفار في تعظيمه، إلا إن وافق عادة، كأن يكون يوم خميس أو اثنين وعادته صومهما، أو يصومه عن قضاء رمضان، أو نذر ونحوه فلا كراهة. وقال شيخ الإسلام: لا يجوز تخصيص صوم يوم أعيادهم؛ لتحريم التشبه بهم. ٦ - (وَ) يكره (تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِـ) صوم (يَوْمٍ أَوْ) بصوم (يَوْمَيْنِ، مَا لَمْ يُوَافِقْ عَادَةً)؛ لحديث أبي هريرة السابق: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ». ولا يكره لأكثرَ من يومين؛ لظاهر الخبر، وأما حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ، فَلَا تَصُومُوا» [أحمد ٩٧٠٧، أبو داود ٢٣٣٧، والترمذي ٧٣٨، وابن ماجه ١٦٥١] فقد ضعفه أحمد وغيره. ومال صاحب الفروع إلى تحريم تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ لظاهر النهي في الحديث السابق. - فروع: تزول كراهة الصوم إذا وافق العادة (فِي الكُلِّ)، أي: في كل ما سبق، من إفراد الجمعة، والسبت، ويوم الشك، ويوم عيد الكفار، وتقدم رمضان بيوم أو يومين، وسبق بيانه.

стр. 584

- مسألة: (وَحَرُمَ صَوْمُ): ١ - يومي (العِيدَيْنِ) بالإجماع، ولا يصح صيامهما (مُطْلَقاً)، أي: سواء صام فرضاً أو نفلاً؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْأَضْحَى، وَيَوْمِ الْفِطْرِ» [البخاري ١٩٩٣، ومسلم ١١٣٨]، والنهي يقتضي الفساد؛ لأنه يعود إلى ذات العبادة. ٢ - (وَ) حرم صوم (أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، ولا يصح فرضاً ولا نفلاً، لحديث نُبَيْشَة الهُذلي ﵁: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِله» [مسلم ١١٤١]، (إِلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ)، فيصح صوم أيام التشريق لمن عَدِمَ الهدي؛ لقول ابن عمر وعائشة ﵃: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ» [البخاري ١٩٩٧]. - مسألة: (وَمَنْ دَخَلَ فِي فَرْضِ) كفاية؛ كصلاة الجنازة، أو دخل في فرضِ عينٍ (مُوَسَّعٍ) كقضاء رمضان قبل رمضان الثاني، والمكتوبة في أول وقتها؛ (حَرُمَ قَطْعُهُ بِلَا عُذْرٍ)، بغير خلاف، كفرض العين المضيق، ولأن الخروج من عهدة الواجب متعين، ودخلت التوسعة في وقته رفقاً ومَظِنَّةً للحاجة، فإذا شرع فيها تعينت المصلحة في إتمامه.

стр. 585

- فرع: يجب قطع الفرض في أحوال، كما لو قطعه لردِّ معصوم عن هلكة، وإنقاذ غريق ونحوه؛ للضرورة. - مسألة: (أَوْ) دخل في (نَفْلٍ) فأراد قطعه، لم يخل من ثلاثة أقسام: ١ - أن يكون النفل حجًّا أو عمرة: فيجب إتمامهما اتفاقاً؛ لقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) [البقرة: ١٩٦]، ولأن الوصول إليهما لا يحصل في الغالب إلا بعد كلفة عظيمة ومشقة شديدة وإنفاق مال كثير، ففي إبطالهما تضييع لماله وإبطال لأعماله الكثيرة. ٢ - أن يكون النفل قراءة أو أذكاراً أو صدقة بالمال: فيجوز قطعها إجماعاً. ٣ - أن يكون النفل (غَيْرَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ)، وغيرَ القراءة والأذكار والصدقة، كالصلاة والصوم والوضوء وغيرها: فلا يجب إتمامه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ » فقلنا: لا، قال: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ»، ثم أتانا يومًا آخر فقلنا: يا رسول الله، أُهدي لنا حيسٌ، فقال: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا» فأكل [مسلم ١١٥٤]، و (كُرِهَ) قطعه (بِلَا عُذْرٍ)؛ لما فيه من تفويت الأجر، واختاره شيخ الإسلام. - فرع: إن أفسد التطوع فلا قضاء عليه، بل يستحب، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث عائشة ﵂ السابق، ولأن القضاء يتبع المقضي عنه، فإذا لم يكن واجباً لم يكن القضاء واجباً.

стр. 586

وأما الاستحباب فلحديث أبي سعيد ﵁ قال: صنعت لرسول الله ﷺ طعاماً، فأتاني هو وأصحابه، فلما وضع الطعام قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : «دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ»، ثم قال له: «أَفْطِرْ، وَصُمْ مَكَانَهُ يَوْمًا إِنْ شِئْتَ» [البيهقي ٨٣٦٢]، (والله أَعْلَمُ). (فَصْلٌ) في الاعتكاف الاعتكاف لغةً: لزوم الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. واصطلاحاً: لزوم مسجدٍ لطاعة الله تعالى. - مسألة: (وَالاعْتِكَافُ سُنَّةٌ) كل وقت إجماعاً؛ لفعله ﷺ ومداومته عليه، فعن عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» [البخاري: ٢٠٢٦، ومسلم: ١١٧٢]. - فرع: الاعتكاف له وقتان: الأول: وقت استحباب مطلق: وذلك كل وقت؛ لأن النبي ﷺ اعتكف

стр. 587

في رمضان كما تقدم، واعتكف في شوالٍ كما حديث عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ». [البخاري: ٢٠٣٣، ومسلم: ١١٧٢]. الثاني: وقت استحباب مؤكد: وذلك في رمضان، فهو آكد من غيره إجماعاً، وآكده في عشره الأخير؛ لحديث عائشة السابق. - مسألة: أقل مقدار للاعتكاف ما يُسمى به معتكفاً لابثاً؛ لأنه يصدق عليه اسم الاعتكاف لغةً، ولقول يعلى بن أمية ﵁ " إِنِّي لَأَمْكُثُ في المَسْجِدِ السّاعَةَ، وَمَا أَمْكًثُ إلاَّ لِأَعْتَكِفَ " [عبد الرزاق: ٨٠٠٦]، قال ابن حزم: (لا يعرف ليعلى في هذا مخالف من الصحابة)، ولا يكفي عبوره المسجد من غير لبث، لأنه لا يسمى معتكفاً. وقيل: أقله يوم؛ لحديث ابن عمر ﵄: أن عمر سأل النبي ﷺ ، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ» [البخاري: ٢٠٣٢، ومسلم: ١٦٥٦]، وفي رواية لمسلم: «إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوماً في المسجد الحرام»، ولأن النبي ﷺ والصحابة كانوا يأتون المسجد، ولو كان الاعتكاف مشروعاً لنووا الاعتكاف عند دخولهم المسجد، فدل على أن مجرد اللبث مع النية لا يعتبر اعتكافاً شرعيًّا. ولم ير شيخ الإسلام لمن قصد المسجد للصلاة أو غيرها أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه. - مسألة: يشترط لصحة الاعتكاف شروط:

стр. 588

الشرط الأول: أن يكون الاعتكاف في مسجد؛ لقوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) [البقرة: ١٨٧]، فلا يصح اعتكاف الرجل في غير مسجد إجماعاً، وكذا المرأة، ولو مسجد بيتها؛ لأنه ليس بمسجد حقيقة، ولما روي عن ابن عباس ﵄: «إِنَّ أَبْغَضَ الْأُمُورِ إِلَى الله الْبِدَعُ، وَإِنَّ مِنَ الْبِدَعِ الِاعْتِكَافَ فِي المَسَاجِدِ الَّتِي فِي الدُّورِ» [البيهقي: ٨٥٧٣، وفيه ضعف]. - فرع: لا يخلو المعتكف من حالين: ١ - أن تجب عليه صلاة الجماعة حال اعتكافه، كمن يتخلل اعتكافه صلاة: فلا يصح اعتكافه إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَلَا يَصِحُّ) الاعتكاف (مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الجَمَاعَةُ)، وهو المسلم الذكر الحر القادر، (إِلَّا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ) الجماعة (إِنْ أَتَى عَلَيْهِ صَلَاةٌ)؛ لأن الاعتكاف في غيره يفضي إما إلى ترك الجماعة، أو تكرار الخروج إليها كثيراً، مع إمكان التحرز منه. ٢ - ألا تجب عليه صلاة الجماعة حال اعتكافه: كالمرأة، والمعذور، أو من لا يتخلل اعتكافه صلاة: فيصح اعتكافه في كل مسجد ولو كان المسجد لا تُقام فيه الجماعة؛ لإطلاق الآية، ولأن الجماعة غير واجبة إذاً.

стр. 589

(وَ) الـ (ـشَّرْطُ) الثاني (لَهُ) أي: للاعتكاف: (طَهَارَةٌ مِمَّا يُوجِبُ غُسْلاً) من نحو جنابة أو حيض أو نفاس؛ لأنه يحرم على الجنب والحائض والنفساء اللبث في المسجد، كما تقدم في كتاب الطهارة. والشرط الثالث: النية، فلا يصح اعتكافه بغير نية؛ لحديث عمر ﵁: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». - فرع: لا يشترط لصحة الاعتكاف أن يكون المعتكف صائماً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذا يشمل كل وقت من ليل أو نهار، ولحديث ابن عمر ﵄: أن عمر سأل النبي ﷺ ، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ» [البخاري: ٢٠٣٢، ومسلم: ١٦٥٦]، ولو كان الصوم شرطاً لما صح الاعتكاف في الليل، ولحديث عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ»، وفيها يوم العيد المحرَّم صومُه إجماعاً، ولكن الاعتكاف مع الصوم أفضل؛ خروجاً من الخلاف. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يُشترط الصوم لصحة الاعتكاف؛ لأن الله سبحانه لم يذكر الاعتكاف في القرآن إلا مع الصوم، ولا فعله رسول الله ﷺ إلا مع الصوم، ولما ورد عن عائشة ﵂ قالت: «السُّنَّةُ عَلَى الْمعْتَكِفِ: أَلَّا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا

стр. 590

اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ» [أبو داود: ٢٤٧٣]. - مسألة: يلزم الاعتكافُ بالنذر إجماعاً، كسائر التطوعات؛ لحديث عائشة ﵂ مرفوعاً: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» [البخاري: ٦٦٩٦]. - فرع: (وَإِنْ نَذَرَهُ) أي: الاعتكافَ، (أَوْ) نذر (الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ) من المساجد، فلا يخلو من حالين: الحالة الأولى: أن يكون النذر في (غَيْرِ) المساجد (الثَّلَاثَةِ) وهي: المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى: (فَلَهُ فِعْلُهُ) أي: فعل الاعتكاف المنذور أو الصلاة المنذورة (فِي غَيْرِهِ) أي: في غير المسجد المنذور من سائر المساجد، ولا يلزمه فعل النذر في المسجد الذي عينه، ولا كفارة عليه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» [البخاري: ١١٨٩، ومسلم: ١٣٩٧]، فلو تعين غيرُها بتعيينه لزمه المضي إليه، واحتاج لشد الرحال إليه، وهو محرم، ولأن الله تعالى لم يعيِّن لأداء الفرض موضعاً، فلم يتعين بالنذر. لكن إن نذر الاعتكاف في مسجد جامع؛ لم يجزئه الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الجمعة؛ لأنه إن اعتكف في غير الجامع فخرج منه للجمعة يكون قد ترك لبثًا مستحقًا التزمه بنذره.

стр. 591

واختار شيخ الإسلام: أن من نذر الاعتكاف في مسجد له مزية - غير المساجد الثلاثة؛ كقِدَم وكثرة جَمْع؛ تعين ذلك المسجد؛ لأن نذره تضمن طاعةً، فوجب أن يفي به. - فرع: لو نذر الاعتكاف في مسجد غير المساجد الثلاثة واحتاج إلى شد رحل؛ لم يفِ بنذره باتفاق الأئمة، واختاره شيخ الإسلام، ولو كان هذا المسجد له مزية من قدم أو كثرة جمع؛ لحديث أبي هريرة السابق. (وَ) الحالة الثانية: أن يكون النذر (فِي أَحَدِهَا) أي: في أحد المساجد الثلاثة: (فَلَهُ فِعْلُهُ) أي: فعل النذر (فِيهِ) أي: في المسجد الذي عينه، (وَ) له فعل النذر (فِي) المسجد (الأَفْضَلِ) من المسجد الذي نذر فيه الصلاة؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄: أن رجلاً قام يوم الفتح، فقال: يا رسول الله، إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: «صَلِّ هَهُنَا»، ثم أعاد عليه، فقال: «صَلِّ هَهُنَا»، ثم أعاد عليه، فقال: «شَأْنُكَ إِذَنْ» [أحمد: ١٤٩١٩، وأبو داود: ٣٣٠٥]. وليس له أن يوفي بنذره في المسجد المفضول، فمن نذر الاعتكاف في المسجد الحرام لم يجزئه في مسجد المدينة؛ لفضل العبادة فيها على غيرها، فتتعين بالتعيين. - فرع: (وَأَفْضَلُهَا) أي: أفضل المساجد: (المَسْجِدُ الحَرَامُ)؛ لحديث

стр. 592

جابر ﵁ مرفوعاً: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمسْجِدَ الحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمسْجِدِ الحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» [أحمد: ١٤٦٩٤، وابن ماجه: ١٤٠٦]. (ثُمَّ) يليه: (مَسْجِدُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ) الصلاة و (السَّلَامُ)؛ لحديث جابر السابق، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ» [البخاري: ١١٩٠، ومسلم: ١٣٩٤]. ثم يليهما: المسجد الأَقْصَى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «فَضْلُ الصَّلاةِ فِي المسجد الحرام على غيره مائَة أَلْفِ صَلاةٍ، وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلاةٍ، وَفِي مسجد بيت المقدس خمسمِائَة صَلاةٍ» [مسند البزار: ٤١٤٢، وحسنه، وضعفه غيره]، قال شيخ الإسلام: (وأما في المسجد الأقصى فقد روي: «أنها بخمسين صلاة»، وقيل: «بخمسمائة صلاة» وهو أشبه). - مسألة: مبطلات الاعتكاف: المبطل الأول: الخروج من المسجد؛ لأنه تركٌ لركن الاعتكاف، وهو اللبث في المسجد. وخروج المعتكف من المسجد لا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون اعتكافه بغير نذر: فله الخروج ولو من غير عذر؛ لأنه مستحب، والنوافل - ما عدا الحج والعمرة - لا تلزم بالشروع.

стр. 593

الثانية: أن يكون اعتكافه بنذر: فلا يخلو من حالين: ١ - أن يكون خروجه لعذر: فلا شيء عليه؛ للعذر، ويلزمه الرجوع عند زوال العذر، فإن أخَّر الرجوع إلى معتكفه مع إمكانه؛ فسد اعتكافه؛ لارتكابه المفسد. ٢ - أن يكون خروجه لغير عذر: فلا يجوز له الخروج؛ لشروعه في الواجب وهو النذر، وأشار إليه بقوله: (وَلَا يَخْرُجُ) من معتكفه (مَنِ اعْتَكَفَ) اعتكافاً (مَنْذُوراً). - فرع: لا يخلو الاعتكاف المنذور من أمرين: الأول: أن ينذر اعتكافاً (مُتَتَابِعاً) بلفظه أو بنيته: فيجب عليه التتابع؛ لأنه وصفٌ في النذر معتبرٌ، فوجب اعتباره. الثاني: أن ينذر اعتكافاً مطلقاً، كما لو نذر يوماً أو أياماً مطلقة: فلا يجب فيه التتابع؛ لانتفاء وصف التتابع فيه. - فرع: خروج المعتكِف من المسجد على أقسام: ١ - إخراج بعض البدن: فلا يبطل الاعتكاف؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ» [البخاري: ٢٠٤٦، ومسلم: ٢٩٧]. ٢ - أن يخرج لأمر لا بد منه طبعاً، كقضاء الحاجة، وأكل إذا لم يكن

стр. 594

هناك من يأتيه به، ونحوه: فلا يبطل اعتكافه إجماعاً، وأشار إليه المؤلف بقوله: (إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ)؛ لحديث عائشة السابق، وفي لفظ: «وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ». ٣ - أن يخرج لأمر لا بد له منه شرعاً، كالوضوء وصلاة الجمعة: فلا يبطل اعتكافه؛ لحديث عائشة ﵂، وفيه: «وَلَا يَخْرُج لِحَاجَةٍ، إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ» [أبو داود: ٢٤٧٣]، ولأنه خروج لواجب، فلم يبطل اعتكافه، كمن خرج لما لابد منه طبعاً، وكالخارج لإنقاذ غريق، أو إطفاء حريق. ٤ - أن يخرج لأمر له منه بُدٌّ؛ كمبيت في بيته والعشاء في منزله: فيبطل اعتكافه، سواء طال الخروج أو قصر؛ لمفهوم حديث عائشة السابق، ولأنه خروج لغير حاجة فأبطله. وأما خروج النبي ﷺ من معتكفه مع صفية ﵂ لِيَقْلِبَها إلى بيتها [البخاري: ٢٠٣٨، ومسلم: ٢١٧٥]، فيحتمل أنه لم يكن له بدٌّ؛ لأنه كان ليلاً، فلم يأمن عليها، ويحتمل أنه فعل ذلك لكون اعتكافه تطوعاً له تركه. إلا إذا اشترط ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل الاعتكاف؛ لأنه إذا شرط الخروج فكأنه نذر القدر الذي أقامه، ولتأكد الحاجة إليه وامتناع النيابة فيه، ولورود الشرط في الحج واللعان. وعنه، واختاره المجد: لا يجوز الخروج وإن شرطه؛ لمنافاته الاعتكاف، كشرط ترك الإقامة في المسجد والنزهة والفرجة، بخلاف

стр. 595

اشتراط الخروج للقُربة، ويأتي. ٥ - أن يخرج لقربة من القرب، كطلب علم وعيادة مريض ونحوه: فيبطل اعتكافه بذلك، وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً)؛ لحديث عائشة السابق، وفيه: «السُّنَّةُ عَلَى الْمعْتَكِفِ: أَلَّا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً». (إِلَّا بِشَرْطٍ)؛ لما سبق في القسم الرابع. ٦ - أن يخرج لأمر ينافي الاعتكاف، كالخروج للوطء والنزهة والبيع والشراء والتكسب: فيبطل اعتكافه ولو اشترطه؛ لأن ذلك ينافي الاعتكاف صورةً ومعنًى، كشرط ترك الإقامة بالمسجد، وكالوقف لا يصح فيه شرط ما ينافيه. ٧ - أن يخرج سهواً أو إكراهاً: فلا يبطل اعتكافه؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٠٤٥]، وللقاعدة: (المحظورات يُعذر فيها بالجهل والنسيان والإكراه). ٨ - أن يخرج لضرورة، كاحتراق مسجد: فلا يبطل اعتكافه؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات.

стр. 596

(وَ) المبطل الثاني: (وَطْءُ) المعتكف في (الفَرَجِ): فـ (يُفْسِدُهُ) أي: يفسد الاعتكاف إجماعاً؛ لقول الله : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧]، ولقول ابن عباس ﵄: «إِذَا جَامَعَ المُعْتَكِفُ أَبْطَلَ اعْتِكَافَهُ، وَاسْتَأْنَفَ» [ابن أبي شيبة: ٩٦٨٠]، ولأن الوطء إذا حرُم في العبادة أفسدها، كالصوم والحج. المبطل الثالث: وأشار إليه بقوله: (وَكَذَا إِنْزَالٌ) بمني (بِمُبَاشِرَةٍ). وخروج المني من المعتكف على أقسام: ١ - أن يخرج بمباشرةٍ؛ كتقبيل، ولمس، وتكرار نظر، واستمناء: فيفسد اعتكافه؛ لقول الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) [البقرة: ١٨٧]، والمباشرة تشمل الجماع وما دون الجماع. ٢ - أن يخرج باحتلام: فلا يفسد اعتكافه بالاتفاق؛ لأن النائم غير مؤاخذ. ٣ - أن يخرج بالتفكير أو بالنظرة الأولى: فلا يفسد اعتكافه؛ لأنه غير مؤاخذ شرعاً، وتقدم نحوه في مفطرات الصائم. - فرع: المباشرة للمعتكف على قسمين: الأول: مباشرة لغير شهوة، مثل أن تغسل رأسه، أو تناوله شيئاً: فلا بأس بها؛ لحديث عائشة السابق: «أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهِيَ

стр. 597

حَائِضٌ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ». الثاني: مباشرة لشهوة: فتحرم إجماعاً؛ لقول الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) [البقرة: ١٨٧]، ولقول عائشة السابق: «السُّنَّةُ عَلَى الْمعْتَكِفِ: أَلَّا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا»، ولأنه لا يأمن إفضاءها إلى إفساد الاعتكاف، وما أفضى إلى الحرام كان حراماً. فإن باشر بشهوة، لم يخل من أمرين: ١ - ألا ينزل: فلا يفسد اعتكافه؛ لأنها مباشرة لا تفسد صوماً ولا حجًّا، فلم تفسد الاعتكاف؛ كالمباشرة لغير شهوة. ٢ - أن ينزل: فيفسد صومه على التفصيل السابق. - فرع: لا فرق بين العامد والناسي في فساد الاعتكاف بالوطء والإنزال بشهوة؛ قياساً على الحج والصوم. واختار المجد: أنه لا يفسد الاعتكاف إذا كان ناسياً؛ لأنه معذور، والمحظورات يُعذر فيها بالجهل والنسيان والإكراه، وقياساً على خروج المعتكف من المسجد ناسياً. المبطل الرابع: السُّكر؛ لخروجه عن كونه من أهل المسجد، كالمرأة تحيض.

стр. 598

المبطل الخامس: الرِّدة؛ لقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) [الزمر: ٦٥]، ولأنه خرج بالردة عن كونه من أهل الاعتكاف. المبطل السادس: نية الخروج من الاعتكاف، ولو لم يخرج؛ قياساً على قطع نية الصلاة والصيام. - مسألة: إذا خرج المعتكف من اعتكافه الواجب لم يخل من أمرين: الأمر الأول: أن يكون خروجه لعذر، فلا يخلو من أمرين أيضًا: أأن يخرج لعذر معتاد؛ كالخروج للبول والغائط والطهارة من الحدث والطعام والشراب: فلا قضاء عليه؛ لأن الخروج له كالمستثنى لكونه معتادًا، ولا كفارة؛ إذ لو وجب فيه شيء لامتنع معظم الناس من الاعتكاف، بل هو باق على اعتكافه ولم تنقص به مدته. ويجب عليه الرجوع إلى معتكفه بزوال العذر؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإن أخر رجوعه عن وقت إمكان الرجوع ولو يسيرًا؛ فكما لو خرج لغير عذر، يبطل ما مضى من اعتكافه، ويأتي. ب أن يخرج لعذر غير معتاد: كشهادة واجبة، وخوف من فتنة ومرض ونحو ذلك، فلا يخلو: ١ - ألا يتطاول العذر: فهو على اعتكافه، ولا يقضي الوقت الفائت بذلك؛ لكونه يسيراً مباحًا، أشبه حاجة الإنسان وغسل الجنابة.

стр. 599

٢ - أن يتطاول العذر: فيجب عليه الرجوع إلى معتكفه؛ لأداء ما وجب عليه، ثم لا يخلو من ثلاثة أحوال: ١) إذا نذر اعتكاف أيام غير متتابعة ولا معينة؛ كنذره عشرة أيام مع الإطلاق: فيلزمه أن يتم ما بقي من الأيام فقط، ولا كفارة عليه؛ لأنه أتى بالمنذور على وجهه، أشبه ما لو لم يخرج. ويبتدئ اليوم الذي خرج فيه من أوله؛ لئلا يفرِّقه. ٢) إذا نذر أياماً متتابعة غير معينة، سواء بلفظه أو بنيته؛ كعشرة أيام متتابعة: فيخير بين أن يقضي ما بقي من الأيام وعليه كفارة يمين؛ جبراً لفوات التتابع، وبين الاستئناف بلا كفارة؛ لأنه يكون قد أتى بالمنذور على وجهه، فلم يلزمه شيء. ٣) إذا نذر أياماً معينة؛ كالعشر الأواخر، أو شهر رمضان، فعليه ما يلي: أ-قضاء ما ترك من الاعتكاف؛ ليأتي بالواجب. ب- كفارة يمين؛ لفوات المحل. الأمر الثاني: أن يكون خروجه لغير عذر، مختاراً عامداً، أو مكرهاً بحق، ومثله لو ارتد أو سكر: بطل اعتكافه، وإن قل زمن خروجه لذلك؛ لأنه خرج من معتكفه لغير حاجة كما لو طال، ثم لا يخلو ذلك من ثلاثة أمور:

стр. 600

١ - إن كان المعتكف في نذر متتابع غير معين؛ بأن كان نذر عشرة أيام متتابعة، أو نواها كذلك، ثم خرج: فإنه يستأنف الاعتكاف؛ لأنه لا يمكنه فعل المنذور على وجهه إلا به، ولا كفارة عليه؛ لإتيانه بالمنذور على وجهه. ٢ - إن كان المعتكف في نذر متتابع معين؛ كنذر شعبان: فقال المؤلف: (وَيَلْزَمُ لِإِفْسَادِهِ) أي: الاعتكاف المنذور المعين أمران: أالاستئناف؛ لأن التعيين يقتضي التتابع، ولم يحصل، فوجب استئنافه. ب (كَفَّارَةُ يَمِينٍ)؛ لتركه المنذور في وقته المعين بلا عذر. - مسألة: (وَسُنَّ بِتَأَكُّدٍ اشْتِغَالُهُ) أي: المعتكف (بِالقُرَبِ)، جمع قُربة، وهي: كل ما يتقرب به إلى الله تعالى، من صلاة وقراءة قرآن وذكر ونحوها مما لا يتعدى نفعها؛ لأن المقصود من الاعتكاف صلاح القلب واستقامته. ولا يستحب أن يشتغل بما يتعدى نفعه، كإقراء القرآن وتدريس العلم؛ لأنه ﷺ كان يعتكف، فلم ينقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصة به. واختار أبو الخطاب والمجد: يسن اشتغاله بما تعدى نفعه إذا قصد به الطاعة؛ لأنها من جملة ما يتقرب به إلى الله، ويكون بها صلاح القلب. - مسألة: (وَ) سن أيضاً (اجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيهِ) أي: يُهِمُّه؛ كفضول
следующие страницы →