(وَ) المبطل الثاني: (وَطْءُ) المعتكف في (الفَرَجِ): فـ (يُفْسِدُهُ) أي: يفسد الاعتكاف إجماعاً؛ لقول الله : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧]، ولقول ابن عباس ﵄: «إِذَا جَامَعَ المُعْتَكِفُ أَبْطَلَ اعْتِكَافَهُ، وَاسْتَأْنَفَ» [ابن أبي شيبة: ٩٦٨٠]، ولأن الوطء إذا حرُم في العبادة أفسدها، كالصوم والحج.
المبطل الثالث: وأشار إليه بقوله: (وَكَذَا إِنْزَالٌ) بمني (بِمُبَاشِرَةٍ).
وخروج المني من المعتكف على أقسام:
١ - أن يخرج بمباشرةٍ؛ كتقبيل، ولمس، وتكرار نظر، واستمناء: فيفسد اعتكافه؛ لقول الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) [البقرة: ١٨٧]، والمباشرة تشمل الجماع وما دون الجماع.
٢ - أن يخرج باحتلام: فلا يفسد اعتكافه بالاتفاق؛ لأن النائم غير مؤاخذ.
٣ - أن يخرج بالتفكير أو بالنظرة الأولى: فلا يفسد اعتكافه؛ لأنه غير مؤاخذ شرعاً، وتقدم نحوه في مفطرات الصائم.
- فرع: المباشرة للمعتكف على قسمين:
الأول: مباشرة لغير شهوة، مثل أن تغسل رأسه، أو تناوله شيئاً: فلا بأس بها؛ لحديث عائشة السابق: «أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهِيَ
стр. 597
حَائِضٌ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ».
الثاني: مباشرة لشهوة: فتحرم إجماعاً؛ لقول الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) [البقرة: ١٨٧]، ولقول عائشة السابق: «السُّنَّةُ عَلَى الْمعْتَكِفِ: أَلَّا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا»، ولأنه لا يأمن إفضاءها إلى إفساد الاعتكاف، وما أفضى إلى الحرام كان حراماً.
فإن باشر بشهوة، لم يخل من أمرين:
١ - ألا ينزل: فلا يفسد اعتكافه؛ لأنها مباشرة لا تفسد صوماً ولا حجًّا، فلم تفسد الاعتكاف؛ كالمباشرة لغير شهوة.
٢ - أن ينزل: فيفسد صومه على التفصيل السابق.
- فرع: لا فرق بين العامد والناسي في فساد الاعتكاف بالوطء والإنزال بشهوة؛ قياساً على الحج والصوم.
واختار المجد: أنه لا يفسد الاعتكاف إذا كان ناسياً؛ لأنه معذور، والمحظورات يُعذر فيها بالجهل والنسيان والإكراه، وقياساً على خروج المعتكف من المسجد ناسياً.
المبطل الرابع: السُّكر؛ لخروجه عن كونه من أهل المسجد، كالمرأة تحيض.
стр. 598
المبطل الخامس: الرِّدة؛ لقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) [الزمر: ٦٥]، ولأنه خرج بالردة عن كونه من أهل الاعتكاف.
المبطل السادس: نية الخروج من الاعتكاف، ولو لم يخرج؛ قياساً على قطع نية الصلاة والصيام.
- مسألة: إذا خرج المعتكف من اعتكافه الواجب لم يخل من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون خروجه لعذر، فلا يخلو من أمرين أيضًا:
أأن يخرج لعذر معتاد؛ كالخروج للبول والغائط والطهارة من الحدث والطعام والشراب: فلا قضاء عليه؛ لأن الخروج له كالمستثنى لكونه معتادًا، ولا كفارة؛ إذ لو وجب فيه شيء لامتنع معظم الناس من الاعتكاف، بل هو باق على اعتكافه ولم تنقص به مدته.
ويجب عليه الرجوع إلى معتكفه بزوال العذر؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإن أخر رجوعه عن وقت إمكان الرجوع ولو يسيرًا؛ فكما لو خرج لغير عذر، يبطل ما مضى من اعتكافه، ويأتي.
ب أن يخرج لعذر غير معتاد: كشهادة واجبة، وخوف من فتنة ومرض ونحو ذلك، فلا يخلو:
١ - ألا يتطاول العذر: فهو على اعتكافه، ولا يقضي الوقت الفائت بذلك؛ لكونه يسيراً مباحًا، أشبه حاجة الإنسان وغسل الجنابة.
стр. 599
٢ - أن يتطاول العذر: فيجب عليه الرجوع إلى معتكفه؛ لأداء ما وجب عليه، ثم لا يخلو من ثلاثة أحوال:
١) إذا نذر اعتكاف أيام غير متتابعة ولا معينة؛ كنذره عشرة أيام مع الإطلاق: فيلزمه أن يتم ما بقي من الأيام فقط، ولا كفارة عليه؛ لأنه أتى بالمنذور على وجهه، أشبه ما لو لم يخرج.
ويبتدئ اليوم الذي خرج فيه من أوله؛ لئلا يفرِّقه.
٢) إذا نذر أياماً متتابعة غير معينة، سواء بلفظه أو بنيته؛ كعشرة أيام متتابعة: فيخير بين أن يقضي ما بقي من الأيام وعليه كفارة يمين؛ جبراً لفوات التتابع، وبين الاستئناف بلا كفارة؛ لأنه يكون قد أتى بالمنذور على وجهه، فلم يلزمه شيء.
٣) إذا نذر أياماً معينة؛ كالعشر الأواخر، أو شهر رمضان، فعليه ما يلي:
أ-قضاء ما ترك من الاعتكاف؛ ليأتي بالواجب.
ب- كفارة يمين؛ لفوات المحل.
الأمر الثاني: أن يكون خروجه لغير عذر، مختاراً عامداً، أو مكرهاً بحق، ومثله لو ارتد أو سكر: بطل اعتكافه، وإن قل زمن خروجه لذلك؛ لأنه خرج من معتكفه لغير حاجة كما لو طال، ثم لا يخلو ذلك من ثلاثة أمور:
стр. 600
١ - إن كان المعتكف في نذر متتابع غير معين؛ بأن كان نذر عشرة أيام متتابعة، أو نواها كذلك، ثم خرج: فإنه يستأنف الاعتكاف؛ لأنه لا يمكنه فعل المنذور على وجهه إلا به، ولا كفارة عليه؛ لإتيانه بالمنذور على وجهه.
٢ - إن كان المعتكف في نذر متتابع معين؛ كنذر شعبان: فقال المؤلف: (وَيَلْزَمُ لِإِفْسَادِهِ) أي: الاعتكاف المنذور المعين أمران:
أالاستئناف؛ لأن التعيين يقتضي التتابع، ولم يحصل، فوجب استئنافه.
ب (كَفَّارَةُ يَمِينٍ)؛ لتركه المنذور في وقته المعين بلا عذر.
- مسألة: (وَسُنَّ بِتَأَكُّدٍ اشْتِغَالُهُ) أي: المعتكف (بِالقُرَبِ)، جمع قُربة، وهي: كل ما يتقرب به إلى الله تعالى، من صلاة وقراءة قرآن وذكر ونحوها مما لا يتعدى نفعها؛ لأن المقصود من الاعتكاف صلاح القلب واستقامته.
ولا يستحب أن يشتغل بما يتعدى نفعه، كإقراء القرآن وتدريس العلم؛ لأنه ﷺ كان يعتكف، فلم ينقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصة به.
واختار أبو الخطاب والمجد: يسن اشتغاله بما تعدى نفعه إذا قصد به الطاعة؛ لأنها من جملة ما يتقرب به إلى الله، ويكون بها صلاح القلب.
- مسألة: (وَ) سن أيضاً (اجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيهِ) أي: يُهِمُّه؛ كفضول
стр. 601
الكلام، والنظر، والضحك، والنوم، وسائر المباحات؛ لقوله ﷺ : «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» [الترمذي: ٢٣١٧، وابن ماجه: ٣٩٧٦]، ولحديث عائشة ﵂: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ». [البخاري: ٢٠٣٣، ومسلم: ١١٧٢]، ولأن مقصود الاعتكاف هو صلاح القلب، ومن أعظم أسباب صلاح القلب التخفف من فضول المباحات.
стр. 602
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 603
(كِتَابُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ)
الحَج: بفتح الحاء، لا بكسرها في الأشهر، وعكسه شهر ذي الحِجة.
وهو لغة: القصد إلى من تعظمه، وشرعاً: قصد مكة لعمل مخصوص، في زمن مخصوص.
والعمرة لغة: الزيارة، يقال: اعتمره إذا زاره، وشرعاً: زيارة بيت الله على وجه مخصوص.
- مسألة: (يَجِبَانِ) أي: الحج والعمرة.
فأما الحج: فبالإجماع، لقول الله : (وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: ٩٧]، ولحديث ابن عمر ﵄: قال النبي ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» [البخاري ٨، ومسلم ١٦].
وأما العمرة: فتجب على المكي وغيره؛ لقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) [البقرة: ١٩٦]، ولحديث عائشة ﵂، قالت: يا رسول الله، على النساء
стр. 604
جهاد؟ قال: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، الحجُّ وَالْعُمْرَةُ» [أحمد ٢٥٣٢٢، وابن ماجه ٢٩٠١]، ولحديث ابن عمر ﵄ في سؤال جبريل عن الإسلام، وفيه: «وَتَحُجَّ وَتَعْتَمِرَ» [ابن خزيمة ٣٠٦٥، والدارقطني ٢٧٠٨ وقال: إسناده صحيح]، ولحديث الصُّبَيّ بن مَعْبَدٍ، أنه قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أميرَ المؤمنين، إني كنتُ رجلاً أعرابيًّا نصرانيًّا، وإني أسلمتُ، وأنا حريص على الجهاد، وإني وجدتُ الحجَّ والعُمرةَ مكتوبين عليَّ، فأتيتُ رجلاً من قومي فقال لي: اجمعهما واذبحْ ما استيسرَ من الهدي، وإني أهللتُ بهما معاً، فقال عُمَرُ ﵁: «هُدِيتَ لِسُنَّة نبيكَ ﷺ » [أحمد ٢٥٤، وأبو داود ١٧٩٩، وابن ماجه ٢٩٧٠]، وقال ابن عمر ﵄: «لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ» [البخاري معلقاً مجزوماً ٣/ ٢، ومصنف ابن أبي شيبة ١٣٦٥٥] وعن جابر ﵁ نحوه [ابن خزيمة ٣٠٦٧]، ولأنها تشتمل على إحرام وطواف وسعي، فكانت واجبة كالحج، وأما بعض الأحاديث المسكوت فيها عنها؛ فلأن اسم الحج يتناولها، لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «دَخَلَتِ العُمْرَةُ فِي الحجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [مسلم ١٢٤١].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنها سنة؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقلُ فيسألَه ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد ... ، وسأله عن الصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم قال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن، ولا أنْقُصُ منهن، فقال النبي ﷺ : «لَئِنْ
стр. 605
صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ» [مسلم ١٢]، ولحديث جابر ﵁: أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟ فقال: «لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» [أحمد ١٤٣٩٧، الترمذي ٩٣١، وضعفه الألباني].
- مسألة: يجب الحج والعمرة (عَلَى) من اجتمعت فيه خمسة شروط:
(الـ) شرط الأول: أن يكون (مُسْلِمـ) ـاً، وهو شرط للوجوب والصحة، فلا يجبان على كافر وجوب أداء إجماعاً، لكن الكافر يتوجه إليه خطاب وجوب التكليف؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ولا يصحان منه؛ لأنهما عبادة من شرطها النية، وهي لا تصح من الكافر.
الشرط الثاني: كمال (الحُرِّ) يَّة، إجماعاً، وهو شرط للوجوب والإجزاء فقط، فلا يجبان على قنٍّ ومكاتبٍ ومدَبَّرٍ وأم الولد ومُعْتقٍ بعضُه؛ لأن منافعهم أو بعضها مستحقة للسيد، فليسوا بمستطيعين.
فإن حج القن ونحوه؛ صح حجهم؛ لأنهم من أهل العبادة، فصح منهم كالحر، ولا يجزئهم عن حجة الإسلام اتفاقاً؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» [البيهقي ٨٦١٣]، ولأنه فعل للعبادة قبل وجوبها عليه، فلم يجزئه عن حجة الإسلام؛ كحج الصبي.
وأشار بقوله: (المُكَلَّفِ) إلى شرطين:
стр. 606
الشرط الثالث: أن يكون بالغاً، إجماعاً؛ وهو شرط للوجوب والإجزاء فقط، فلا يجبان على صغير؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد ٢٤٦٩٤، وأبو داود ٤٤٠٣، والنسائي ٣٤٣٢، وابن ماجه ٢٠٤١].
فإن حج الصغير ولو غير مميز صح منه؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: رفعت امرأة صبيًّا لها، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» [مسلم ١٣٣٦]، ولا يجزئه عن حجة الإسلام اتفاقاً؛ لحديث ابن عباس السابق: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى».
الشرط الرابع: أن يكون عاقلاً، إجماعاً، وهو شرط للوجوب والصحة، فلا يجبان على مجنون؛ لحديث عائشة السابق: «وَعَنِ المجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ»، ولا يصحان منه، سواء عقده بنفسه؛ لعدم النية، أم عقده له وليه؛ كالصوم، وإنما صح من غير المميز إذا عقده له وليه؛ لحديث ابن عباس السابق: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ».
(الـ) ـشرط الخامس: أن يكون (مُسْتَطِيعـ) ـاً، إجماعاً، وهو شرط للوجوب دون الإجزاء والصحة؛ لقوله تعالى: (وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: ٩٧]، فلو حجَّ الفقير أو المريض صحَّ، وأجزأهم عن حجة الإسلام؛ لأن خلقاً من الصحابة حجوا ولا شيء معهم،
стр. 607
ولم يؤمر أحد منهم بالإعادة، ولأن الاستطاعة إنما شرعت للوصول، فإذا وصل وفعل أجزأه.
- تنبيه: تنقسم شروط الحج إلى ثلاثة أقسام:
١ - شروط الوجوب: وهي الخمسة السابقة: الإسلام، وكمال الحرية، والبلوغ، والعقل، والاستطاعة.
٢ - شروط الصحة: وهي الإسلام، والعقل.
٣ - شروط الإجزاء: وهي الحرية، والبلوغ.
- مسألة: الاستطاعة في الحج: مِلك الزاد والراحلة، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عمر ﵄: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما يوجب الحج؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» [الترمذي ٨١٣، وابن ماجه ٢٨٩٧، قال الترمذي: حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم]، وعن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلا)، قال: «الزَّادُ وَالبَعِيرُ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٥٧٠٦]، ونحوه عن عمر ﵁ [مصنف ابن أبي شيبة ١٥٧١٠].
قال شيخ الإسلام: (فإن قول الله سبحانه في الحج: (من استطاع إليه سبيلا) إما أن يعني به القدرة المعتبرة في جميع العبادات، وهو مطلق المُكْنة، أو قدراً زائداً على ذلك.
стр. 608
فإن كان المعتبر هو الأول، لم يحتج إلى هذا التقييد، كما لم يحتج إليه في آية الصوم والصلاة، فعلم أن المعتبر قدر زائد على ذلك، وليس هو إلا المال).
وعند المالكية: الاستطاعة هي: إمكان الوصول بلا مشقة عظيمة زائدة على مشقة السفر العادية، مع الأمن على النفس والمال، ولا يشترط عندهم الزاد والراحلة، بل يجب على القادر على المشي إن كانت له صنعةٌ يحصِّل منها قوته في الطريق كالحمَّال والنجَّار؛ لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ومن قدر على المشي فهو مستطيع، ولأن الله سوَّى في كتابه بين الحاج الراكب والماشي على رجليه، وقدم الماشي على الراكب في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
وأما حديث ابن عمر ﵄: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ»، فهو تفسير بأغلب حالات الاستطاعة، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له.
- مسألة: الاستطاعة في الحج والعمرة تكون بتوفر أمرين:
١ - الزاد: وهو ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وكسوة، لذهابه وعودته، ولو قربت المسافة (١)، قال في الفروع: (المراد بالزاد: ألا يحصل
стр. 609
معه ضرر لرداءته)، أو يملك ما يقدر به على تحصيل ذلك من نقد أو عرض.
ويشترط الزاد سواء قربت المسافة أم بعدت.
٢ - الراحلة: بأن يملك راحلة صالحة لمثله، لذهابه وعوده، أو يملك ما يقدر به على تحصيل ذلك من نقد أو عرض.
واختار ابن عثيمين: عدم اعتبار كون الراحلة صالحة لمثله، فيجب عليه الحج إن وجد راحلة تصل به إلى المشاعر ولو لم تكن صالحة لمثله؛ لأن ذلك لا يعد عجزاً.
- فرع: اعتبار الراحلة لا يخلو من أمرين:
١ - أن تكون المسافة بينه وبين مكة مسافة قصر فأكثر: فيعتبر وجود الراحلة، ولو قدر على المشي وتقدم الخلاف فيه.
٢ - أن تكون المسافة بينه وبين مكة أقل من مسافة قصر: فلا يعتبر وجود الراحلة، ويلزمه المشي، للقدرة على المشي فيها غالباً؛ ولأن مشقتها يسيرة ولا يخشى فيها عطب على تقدير الانقطاع بها بخلاف البعيد.
إلا مع عجز لكبر ومرض ونحوه، فتعتبر الراحلة حتى فيما دون المسافة؛ للحاجة إليها إذن.
- مسألة: يجب الحج والعمرة (فِي العُمْرِ مَرَّةً) واحدة، إجماعاً؛ لحديث ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : «الحجُّ مَرَّةٌ، فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ» [أحمد ٢٣٠٤، وأبو داود ١٧٢١، والنسائي ٢٦١٩، وابن ماجه ٢٨٨٦].
стр. 610
- فرع: يجب الحج في العمر مرة، إلا في ثلاث حالات:
١ - إذا نذر أن يحج؛ لوجوب الوفاء بالنذر.
٢ - إذا أفسد الحج قبل التحلل الأول، فيلزمه الحج من قابل، ويأتي.
٣ - إذا فاته الحج ولم يكن اشترط، فإنه يقضيه وجوباً، ويأتي في الفوات.
- مسألة: من كملت له الشروط وجب عليه السعي للحج والعمرة (عَلَى الفَوْرِ)، فيأثم إن أخر بلا عذر، بناء على أن الأمر المطلق للفور، ويؤيده: حديث ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَرَادَ الحجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ» [أحمد ١٨٣٤، وأبو داود ١٧٣٢، وابن ماجه ٢٨٨٣].
وأما قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة) فنزلت في السنة السادسة، وليس فيها وجوب الحج والعمرة، بل وجوب إتمامهما، وقد فرض الحج في السنة التاسعة لما نزل قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً)، وتأخيره ﵊ إلى السنة العاشرة يحتمل أنه كان في آخرها، أو لانشغاله بالوفود الذين قدموا عليه، أو لأن الله تعالى كره له الحج مع المشركين وهم عراة حول البيت.
стр. 611
- مسألة: (فَإِنْ زَالَ مَانِعُ) إجزاء (حَجٍّ)، بأن عَتَق العبدُ محرِمًا، أو أفاق مجنون أحرم قبل جنونه، أو بلغ الصغير محرماً، فلا يخلو من أمرين:
الأول: أن يزول المانع قبل فوات وقت الوقوف، فإن زال المانع وهو (بِعَرَفَةَ) قبل الدفع منها، أو بعد الدفع إن عاد فوقف في وقته، ولم يكن سعى بعد طواف القدوم؛ وقع فرضاً؛ لأن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم، لحديث عبد الرحمن بن يَعْمَر الدَّيلي ﵁، أن النبي ﷺ قال: «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجَّهُ» [أحمد ١٨٧٧٣، والترمذي ٨٨٩، وابن ماجه ٣٠١٥]، وعن ابن عباس ﵄ موقوفاً: «إِذَا عَتَقَ العَبْدُ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ الحَجَّةُ، وَإِذَا عَتَقَ بِجَمْعٍ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ» [عبد الله بن أحمد في مسائله ٧٩٨]، ولأنهم أتوا بالنسك حال الكمال، فأجزأهم، كما لو زال المانع قبل الإحرام.
- فرع: إن كان قد سعى بعد طواف القدوم قبل الوقوف بعرفة لم يجزئه الحج؛ لوقوع الركن في غير وقت الوجوب، أشبه ما لو كبر للإحرام ثم بلغ، فلا يجزئ ولو أعاد السعي؛ لأنه لا يشرع مجاوزة عدده ولا تكراره، بخلاف الوقوف؛ فإنه لا قدر له محدود.
وفي وجه: إذا أعاد السعي أجزأه الحج؛ لحصول الركن الأعظم وهو الوقوف بعرفة، وتبعية غيره له، ولعموم قول ابن عباس السابق، حيث لم يفرق بين من سعى ومن لم يسع.
стр. 612
الثاني: أن يزول المانع بعد فوات وقت الوقوف بعرفة؛ فلا يجزئه عن حجة الإسلام؛ لأثر ابن عباس السابق.
- مسألة: (وَ) إن زال مانع إجزاء (عُمْرَةٍ)، بأن عَتَقَ العبدُ محرِمًا، أو أفاق مجنون أحرم قبل جنونه، أو بلغ الصغير محرماً، فلا يخلو من أمرين:
الأول: أن يزول المانع (قَبْلَ) الشروع في (طَوَافِهَا): وقعت العمرة فرضاً؛ لأنهم أتوا بالنسك حال الكمال فأجزأهم، كما لو زال المانع قبل الإحرام.
الثاني: أن يزول المانع بعد الشروع في الطواف: لم يقع فرضاً ولو أعاده، وفاقاً؛ لوقوع بعض الركن في غير وقت الوجوب، ولم يجزئهم عن عمرة الإسلام؛ لوقوعه نفلاً.
وأشار إلى ذلك بقوله: (وَفُعِلَا) أي: الحج والعمرة (إِذَنْ) أي: إذا زال المانع في الحج بعرفة قبل الدفع منها، أو بعد الدفع إن عاد فوقف في وقته، ولم يكن سعى بعد طواف القدوم، أو زال المانع في العمرة قبل الشروع في طوافها، (وَقَعَا فَرْضاً).
- مسألة: القدرة في الحج والعمرة على أربعة أقسام:
القسم الأول: أن يكون قادراً بماله وبدنه: فيجب عليه الحج والعمرة على الفور؛ لما سبق.
стр. 613
القسم الثاني: أن يكون قادراً ببدنه دون ماله: فلا يجب عليه الحج والعمرة إلا بوجود الاستطاعة، وهي: الزاد والراحلة، وسبقت المسألة.
القسم الثالث: أن يكون عاجزاً بماله وبدنه: فيسقط عنه وجوب الحج والعمرة بغير خلاف؛ لعدم الاستطاعة.
القسم الرابع: أن يكون قادراً بماله دون بدنه: وأشار إليه بقوله: (وَإِنْ عَجَزَ) من توفرت فيه شروط الوجوب عن السعي إلى الحج ببدنه لم يخلُ من أمرين:
الأول: أن يَعْجِز بسبب مرض يرجى برؤه: فإنه يؤخر الحج والعمرة إلى وقت القدرة، ولا يجوز له أن ينيب غيره عنه؛ لأن النص إنما ورد في النيابة عن الشيخ الكبير الذي لايرجى منه حج، فلا يقاس عليه إلا من كان مثله.
الثاني: أن يعجز (لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ: لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ) على الفور؛ لحديث ابن عباس ﵄: جاءت امرأة من خَثْعَمٍ عام حجة الوداع، فقالت: يا رسول الله, إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستويَ على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ» [البخاري ١٨٥٥، ومسلم ١٣٣٤]، فأقرها النبي ﷺ على وصف الحج على أبيها بأنه فريضة مع عجزه عنه ببدنه.
- فرع: يلزم النائبَ أن يحج ويعتمر عن المنيب (مِنْ حَيْثُ وَجَبَا)،
стр. 614
أي: من بلد المنيب أو من الموضع الذي أيس فيه؛ لأن القضاء يحكي الأداء، والبدل يقوم مقام المبدل منه.
واختار ابن عثيمين: أنه لا يلزمه أن ينيب من يحج من بلده؛ بل يجزئ ولو من مكة؛ لإطلاق حديث ابن عباس ﵄ السابق، ولأن السعي إلى مكة ليس مقصودًا لذاته، بل هو مقصود لغيره، بدليل: أن الآفاقي لو صادفه الحج وهو في مكة فأحرم منها، أجزأه ذلك.
- مسألة: من أناب من يحج أو يعتمر عنه لمرض لا يرجى برؤه، ثم عوفي بعد ذلك، فلا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: إذا عوفي قبل الإحرام، فلا يجزئه بالاتفاق؛ لأنه قدر على الأصل قبل الشروع في البدل، كالمتيمم يجد الماء قبل الصلاة، فلا تصح صلاته بالتيمم.
الثانية: إذا عوفي بعد فراغ النائب من النسك: أجزأه حج النائب وعمرته، وهو من المفردات؛ لأنه أتى بما أُمر به، فخرج من العهدة، ولأن القول بعدم الإجزاء يفضي إلى إيجاب الحج عليه مرتين.
الثالثة: إذا عوفي بعد إحرام النائب وقبل الفراغ من النسك، وأشار إليه بقوله: (ويُجْزِئَانِهِ) أي: يجزأ المنيب الحج والعمرة (مَا لَمْ يَبْرَأْ قَبْلَ إِحْرَامِ نَائِبٍ)، فيجزئه ذلك، سواء عوفي قبل فراغ النائب من النسك أم بعده؛ كالمتمتع إذا شرع في الصوم ثم قَدَر على الهدي.
стр. 615
وفي وجه، واستظهره شيخ الإسلام: لا يجزئه؛ لأنه قَدَر على الأصل قبل تمام البدل، كالمتيمم يجد الماء في الصلاة.
- مسألة: (وَشُرِطَ لِـ) وجوب الحج والعمرة على (امْرَأَةٍ): وجود (مَحْرَمٍ) لها (أيضاً) أي: زيادة على ما تقدم من شروط وجوب الحج، سواء كانت المرأة شابة أم عجوزاً، وسواء كان السفر مسافة قصر أم دونها، فإن لم تجد المحْرَمَ لم يجب عليها الحج ولا الإنابةُ فيه؛ لحديث ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : «لا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فقال رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج، فقال: «اخْرُجْ مَعَهَا» [البخاري ١٨٥٥، ومسلم ١٣٣٤]، وهو عام في كل سفر، سواء كان في سفر طاعة أم غيره، وهذا تقييد للإطلاق في قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا).
وعنه، وقال به شيخ الإسلام: تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم (١)،
стр. 616
وقال: (هذا متوجه في كل سفر طاعة)؛ لأن «عُمَرَ ﵁ أَذِنَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ» [البخاري ١٨٦٠].
- مسألة: (فَإنْ) وجدت المَحْرَم وفرطت بالتأخير، ثم (أَيِسَتْ مِنْهُ) أي: من وجود المحرم (اسْتَنَابَتْ) من يحج عنها ويعتمر؛ كالكبير العاجز.
- فرع: المحرَم في السفر: هو الزوج، أو من تحرُمُ عليه على التأبيد، ويأتي ذكرهم في المحرَّمات في النكاح؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا، أَوِ ابْنُهَا، أَوْ زَوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» [مسلم ١٣٤٠].
- فرع: شروط المحْرَم:
١ - أن يكون مسلمًا؛ لأن الكافر لا يؤمن عليها أن يفتنها في دينها.
وقال ابن مفلح: (ويتوجه: أنه لا يعتبر إسلامه إن أُمِنَ عليها)، واختاره ابن عثيمين.
٢ - أن يكون ذكراً، ولو عبداً؛ لأن المقصود منه الحفظ.
٣ - أن يكون بالغًا عاقلاً؛ لأن غير المكلف لا يحصل به المقصود من الحفظ؛ لأنه يحتاج إلى من يحفظه، فلا يقدر على حفظ غيره.
стр. 617
- مسألة: (وَإِنْ مَاتَ مَنْ لَزِمَاهُ) أي: الحج والعمرة، سواء كان واجباً بأصل الشرع أم بالنذر، وسواء فرط أم لم يفرط؛ (أُخْرِجَا مِنْ تَرِكَتِهِ) من رأس المال، أوصى به أو لا؛ لحديث بريدة ﵁: أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إن أمي ماتت ولم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: «حُجِّي عَنْهَا» [مسلم: ١١٤٩]، ولحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة من جهينة، جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا الله، فالله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» [البخاري: ١٨٥٢]، ولأنه حق استقر عليه فلم يسقط بموته، ولهذا كان مِن جميع ماله؛ لأنه ﷺ شبهه بالدَّين، فوجب مساواته له.
فصل في الإحرام
الإحرام لغة: نية الدخول في التحريم.
وشرعًا: نية الدخول في النسك، لا نية أن يحج أو يعتمر.
- مسألة: (وَسُنَّ لِمُرِيدِ إِحْرَامٍ):
أولاً: (غُسْلٌ)، ذكراً كان أو أنثى؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلالِهِ وَاغْتَسَلَ» [الترمذي ٨٣٠]، ولو حائضاً ونفساء؛ لحديث
стр. 618
جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال لأسماء بنت عميس ﵂ وهي نفساء: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي» [مسلم ١٢١٨]، وقال ﷺ لعائشة ﵂ لما حاضت: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالحَجِّ» [مسلم ١٢١٣].
- فرع: (أَوْ) أي: وسن (تَيَمُّمٌ لِعُذْرٍ)؛ كمن عدم الماء أو عجز عن استعماله؛ لأنه غسل مشروع، فناب التيمم عنه؛ كالواجب.
وعنه، واختاره ابن قدامة: لا يتيمم؛ لأن الغسل يراد للنظافة الحسية، والتيمم نظافته معنوية، ولأن التيمم إنما جاء في الحدث، فلا يقاس عليه غيره.
ثانياً: (وَ) سن لمريد الإحرام (تَنَظُّفٌ) بأخذ شعر، من حلق عانة، وقص شارب، ونتف إبط، وتقليم أظفار، وقطع رائحة كريهة؛ لقول إبراهيم النخعي: (كانوا يستحبون إذا أرادوا أن يحرموا أن يأخذوا من أظفارهم وشواربهم، وأن يستحدوا، ثم يلبسوا أحسن ثيابهم) [سعيد بن منصور، ذكره شيخ الإسلام في شرح العمدة ٤/ ١٦٣، ولم نقف عليه]، ولئلا يحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكن منه.
واختار شيخ الإسلام: أن ذلك ليس من خصائص الإحرام؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة، لكن يشرع إن احتاج إليه، وقال: (وهكذا يشرع لمصلي الجمعة والعيد على هذا الوجه).
стр. 619
ثالثاً: (وَ) سن لمريد الإحرام (تَطَيُّبٌ)، سواء كان الطيب مما تبقى عينه كالمسك، أم يبقى أثره كالعود والبخور وماء الورد.
وتطيب مريد الإحرام على ثلاثة أقسام:
١ - التطيب في الرأس: مستحب؛ لقول عائشة ﵂: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ المِسْكِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» [البخاري ٢٧١، ومسلم ١١٩٠].
٢ - التطيب (فِي بَدَنٍ): مستحب؛ لقول عائشة ﵂: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» [البخاري ١٥٣٩، ومسلم ١١٨٩].
وأما حديث يعلى بن أمية ﵁: جاء رجل متضَمِّخ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم في جبة، بعد ما تضمخ بطيب؟ فقال: «أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ» [البخاري ٤٩٨٥، ومسلم ١١٨٠]، فقال ابن عبد البر: (لا خلاف بين جماعة أهل العلم بالسير والآثار، أن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين، بالجِعرانة سنة ثمان، وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر، فعند ذلك إن قدر التعارض، فحديثنا ناسخ لحديثهم)، أو لأنه تطيب بخَلُوقٍ -وهو طيب من زعفرانٍ وغيره-، والرجل منهي عن التطيب بالزعفران في غير الإحرام، ففيه أولى.
стр. 620
وقال شيخ الإسلام (إن شاء المحرم أن يتطيب في بدنه فهو حسن، ولا يؤمر المحرم قبل الإحرام بذلك، فإن النبي ﷺ فعله ولم يأمر به الناس).
٣ - التطيب في ثوب: وأشار إليه بقوله: (وَكُرِهَ فِي ثَوْبٍ)، ولا يحرم؛ لأن المنع إنما ورد في ابتداء التطيب وابتداء لبس المطيَّب، لا استدامته، ويكره خروجاً من الخلاف، ولئلا يعرِّض نفسه لارتكاب المحذور، وله استدامة لبسه ما لم ينزعه، فإن نزعه فليس له أن يلبسه قبل غسل الطيب منه.
واختار ابن باز وابن عثيمين: أنه يحرم تطييب الثياب؛ لحديث ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ في المحرم: «وَلا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ» [البخاري ٣٦٦، ومسلم ١١٧٧].
رابعاً: (وَ) سن لمريد الإحرام (إِحْرَامٌ بِإِزَارٍ وَرِدَاءٍ)؛ لحديث ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ : «وَليُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَنَعْلَيْنِ» [أحمد ٤٨٩٩].
وسن كونهما (أَبْيَضَيْنِ)، نظيفين، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ» [أحمد ٢٢١٩، وأبو داود ٣٨٧٨، والترمذي ٩٩٤، وابن ماجه ١٤٧٢].
خامساً: سن لمريد الإحرام أن يحرم (عَقِبَ) صلاة (فَرِيضَةٍ، أَوْ) عقب (رَكْعَتَيْنِ) من صلاة نفل؛ لحديث عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ
стр. 621
آتٍ مِنْ رَبِّي أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» [البخاري ١٥٣٤]، ولحديث ابن عباس ﵄ قال: «أَهَلَّ رَسُولُ الله ﷺ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ» [الترمذي ٨١٩، والنسائي ٢٧٥٣].
واختار شيخ الإسلام: أنه يستحب أن يُحرِمَ عقيب فرض إن كان وقته، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه صلَّى للإحرام ركعتين، وأما حديث عمر وابن عباس ﵃ فالمراد بهما ركعتا الظهر؛ لحديث أنس بن مالك ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا عَلَا عَلَى جَبَلِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ» [أبو داود ١٧٧٤، والنسائي ٢٩٣١].
- فرع: يصلي الركعتين النافلة (فِي غَيْرِ وَقْتِ نَهْيٍ)، وتقدم الخلاف في فعل ما له سبب في أوقات النهي، في صلاة التطوع.
- مسألة: (وَنِيَّتُهُ) أي: نية الإحرام (شَرْطٌ)، فلا يصير محرِمًا بمجرد التجرد أو التلبية من غير نية الدخول في النسك؛ لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧].
ولا يشترط مع النية تلبية ولا سوق هدي؛ لعدم الدليل على اشتراط ذلك مع النية، وقياساً على الصوم، فتكفي فيه النية، ولا يشترط معه قول أو فعل.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: ينعقد الإحرام بنية النسك مع قولٍ
стр. 622
كالتلبية، أو فعلٍ كسوق الهدي؛ لأنه لا يكون محرِماً بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته، لأن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، فلا بد من قول أو عمل يصير به محرماً؛ كالصلاة.
- مسألة: (وَالاشْتِرَاطُ فِيهِ) أي: في الإحرام (سُنَّةٌ)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير ﵂ فقال لها: «أَرَدْتِ الحَجَّ؟ » قالت: والله، ما أجدني إلا وَجِعَةً، فقال لها: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللهمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» [البخاري ٥٠٨٩، ومسلم ١٢٠٧]، وثبت الاشتراط عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ، وابن عباس، وعمار، وعائشة ﵃ [المحلى لابن حزم ٥/ ١٠٥].
واختار شيخ الإسلام: أنه يستحب الاشتراط لمن كان خائفًا وإلا فلا؛ جمعاً بين الأدلة، لأن النبي ﷺ أمر ضباعة بنت الزبير ﵂ أن تشترط لما كانت شاكية، فخاف أن يصدها المرض عن البيت، ولم يكن يأمر بذلك كل من حج، وما ورد عن الصحابة، فقد خالفهم ابن عمر ﵄، حيث كان ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: «أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ الله ﷺ ؟ » [البخاري ١٨١٠].
- فرع: الاشتراط يفيد شيئين:
١ - إذا عاقه عدو، أو مرض، أو ذهاب نفقة، أو نحوه جاز له التحلل.
٢ - أنه متى حلَّ فلا دم عليه.
стр. 623
- مسألة: يخير مريد الإحرام بين الأنساك الثلاثة: التمتع والقران والإفراد، باتفاق الأئمة؛ لحديث عائشة ﵂: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ» [البخاري ١٥٦٢، ومسلم ١٢١١].
وأما أمر النبي ﷺ أصحابه بالتمتع [البخاري ٣١٩، ومسلم ١٢١٦] فوجوب ذلك خاص بهم؛ لقول أبي ذر ﵁: «كَانَتِ المُتْعَةُ فِي الحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً» [مسلم ١٢٢٤]، وأما الاستحباب فللأمة إلى يوم القيامة؛ قال سُراقة ﵁: تمتع رسول الله ﷺ ، وتمتعنا معه، فقلنا: ألنا خاصة أم لأبد؟ قال: «بَلْ لِأَبَدٍ» [أحمد ١٧٥٩٠، والنسائي ٢٨٠٧].
- مسألة: (وَأَفْضَلُ الأَنْسَاكِ) الثلاثة (التَّمَتُّعُ)؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق هديًا، وثبت على إحرامه لسوقه الهدي، وتأسف بقوله: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَحَلَلْتُ مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّوا» [البخاري ١٦٥١، ومسلم ١٢١٦].
ثم الإفراد؛ لقول عمر ﵁: «فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ» [مسلم ١٢٢٤]، ولإتيانه بالحج تامًّا من غير احتياج إلى جبر فكان أولى، ثم القران.
واختار شيخ الإسلام: التفصيل، وأنه لا يخلو من حالين:
الأولى: إذا ساق الهدي: فإن الأفضل في حقه القران؛ لحديث عائشة
стр. 624
رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» [البخاري ١٥٥٦، ومسلم ١٢١١].
[وهذا هو فعل النبي ﷺ [البخاري: ٧٢٢٩، ومسلم: ١٢١١]، قال شيخ الإسلام: (الذي ينبغي أن يقال: إن الذي اختاره الله لنبيه هو أفضل الأمرين. وأما ﴿قوله ﷺ لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أفعل ذلك﴾. فهو حكم معلق على شرط والمعلق على شرط عدم عند عدمه فما استقبل من أمره ما استدبر وقد اختار الله تعالى له ما فعل واختار له أنه لم يستقبل ما استدبر)]. [*]
الثانية: إذا لم يسق الهدي: فالتمتع أفضل مطلقاً، إلا أن تكون عمرته قبل أشهر الحج ويبقى إلى الحج، فالإفراد أفضل باتفاق الأئمة (١).
- تنبيه: قال ابن مفلح نقلاً عن شيخ الإسلام: (وإن اعتمر وحج في سفرتين، أو اعتمر قبل أشهر الحج (٢)، فالإفراد أفضل باتفاق الأئمة الأربعة).
ففضَّل كون العمرة في سفرة والحج في سفرة على جمعهما بالتمتع في سفرة واحدة فقط، لا على التمتع مطلقاً، ولذا قال في موضع آخر: (لو أفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة فهو أفضل من المتعة المجردة)، ويدل لذلك: قول علي ﵁ في قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ) [البقرة: ١٩٦]، قال: «أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٢٦٨٩]، وعلى هذا يحمل نهي أبي بكر وعمر ﵄ الناس عن التمتع، قال شيخ الإسلام فيما نقله عنه ابن القيم: (إن عمر ﵁ لم ينه عن المتعة البتة، وإنما قال: " إنه أتم لحجكم
стр. 625
وعمرتكم أن تفصلوا بينهما "، فاختار عمر لهم أفضل الأمور، وهو إفراد كل واحد منهما بسفر ينشئه له من بلده، وهذا أفضل من القران والتمتع الخاص بدون سفرة أخرى)، ثم قال ابن القيم: (فهذا الذي اختاره عمر للناس، فظن من غلط منهم أنه نهى عن المتعة) (١).
وأما لو اعتمر قبل ذلك ثم أراد الحج في سفرة أخرى فالتمتع أفضل من الإفراد، قال شيخ الإسلام: (من سافر سفرة واحدة واعتمر فيها، ثم أراد أن يسافر أخرى للحج، فتمتعه أيضًا أفضل له من الحج، فإن كثيرًا من الصحابة الذين حجوا مع النبي ﷺ كانوا قد اعتمروا قبل ذلك، ومع هذا فأمرهم بالتمتع، لم يأمرهم بالإفراد، ولأن هذا يجمع بين عمرتين وحجة وهدي، وهذا أفضل من عمرة وحجة) (٢).
واختار شيخ الإسلام: إن القران مع سوق الهدي أفضل من تمتع بلا سوق للهدي؛ لأنه فعل النبي ﷺ في حجة الوداع، ولم يكن الله ليختار لنبيه ﷺ المفضول دون الأفضل، وأما قوله ﷺ : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت معكم " فإنه لم يقله لأجل أن الذي فعله مفضول، بل لأن أصحابه شق عليهم أن يحلوا من إحرامهم مع بقاءه محرمًا، فكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أمروا به عن انشراح وموافقة، وقد ينتقل عن
стр. 626
الأفضل إلى المفضول لما فيه من الموافقة وائتلاف القلوب.
- مسألة: (وَ) صفة التمتع: (هُوَ) ما اجتمعت فيه أربعة شروط:
١ - (أنْ يُحرِمَ بِعُمْرَةٍ)؛ ليجمع بين النسكين في سفرة واحدة.
٢ - أن يكون إحرامه (فِي أَشْهُرِ الحَجِّ)، فلو أحرم قبل أشهر الحج، ثم اعتمر فيها لم يكن متمتعاً؛ لما صح عن جابر ﵁: أنه سئل عن المرأة تجعل عليها عمرة في شهر مسمى، ثم يخلو إلا ليلة واحدة، ثم تحيض، قال: " لِتَخْرُجْ، ثُمَّ لتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لتَنْتَظِرْ حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ لتَطُفْ بِالكَعْبَةِ، ثُمَّ لتُصَلِّ" [البيهقي ٢٠١٤٥].
قال الإمام أحمد: (فجعل عمرتها في الشهر الذي أهلت فيه، لا في الشهر الذي حلت فيه).
٣ - (وَ) أن (يَفْرُغَ مِنْهَا) أي: يتحلل؛ لأنه لو أحرم بالحج قبل التحلل من العمرة لأصبح قارناً.
٤ - (ثُمَّ) يحرم (بِهِ) أي: بالحج (فِي عَامِهِ)؛ لقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج)، وهذا يقتضي الموالاة بينهما؛ ولأنه إذا اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج من عامه فليس بمتمتع، فهذا أولى؛ لأن التباعد بينهما أكثر.
стр. 627
ويدل لذلك: قول عمر ﵁: «إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٣٠٠٦]، ونحوه عن ابن عمر ﵄ [الموطأ ١/ ٣٤٤].
- مسألة: (ثُمَّ) يلي التمتع في الأفضلية (الإِفْرَادُ)؛ لما سبق، (وَهُوَ) أي: الإفراد: (أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ) فقط مفرداً، (ثُمَّ) يحرم (بِعُمْرَةٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ)، أي: من الحج، وهذا إن كان وجوب العمرة باقياً عليه، بأن لم يكن أتى بها من قبل، وإلا فليست العمرة قيداً في الإفراد.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا تشرع العمرة بعد الحج؛ لأن الذين حجوا مع النبي ﷺ ليس فيهم من اعتمر بعد الحج إلا عائشة، ولا كان هذا من فعل الخلفاء الراشدين، ولو لم يعتمر من قبل؛ لأنه لايرى وجوب العمرة كما تقدم.
- مسألة: (وَالقِرَانُ) له ثلاث صور:
١ - (أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا) أي: الحج والعمرة (مَعًا)؛ لحديث عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» [البخاري ١٥٣٤].
٢ - (أَوْ) يحرم (بِهَا) أي: بالعمرة، (ثُمَّ يُدْخِلَهُ) أي: يدخل الحج (عَلَيْهَا) أي: على العمرة، ويصير قارناً، قال شيخ الإسلام: (جاز بلا
стр. 628
نزاع)، وظاهر كلامهم: يصح في حال العذر وغيره؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» [البخاري ١٥٥٦، ومسلم ١٢١١]، وأما في حال العذر فمن باب أولى، ويأتي.
- فرع: يشترط في إدخال الحج على العمرة أن يكون ذلك (قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي طَوَافِهَا)، فإن شرع في طواف العمرة لم يصح إدخال الحج عليها؛ لأنه شرع في التحلل من العمرة، إلا لمن معه الهدي، فيصح الإدخال ولو بعد السعي؛ لأنه لا يجوز له التحلل حتى يبلغ الهدي محله، ويأتي في باب دخول مكة.
٣ - أن يحرم بالحج ثم يدخل عليه العمرة ليصير قارناً: لم يجز، واختاره شيخ الإسلام؛ لأنه لم يرد به أثرٌ، ولم يستفد به فائدة، بخلاف ما سبق، ولم يصر قارناً؛ لأنه لا يلزمه بالإحرام الثاني شيء.
- مسألة: (وَ) يجب (عَلَى كُلٍّ مِنْ مُتَمَتِّعٍ وَقَارِنٍ إِذَا كَانَ أُفُقِيًّا) أي: لم يكن من حاضري المسجد الحرام: (دَمُ نُسُكٍ بِشَرْطِهِ)، اتفاقاً في الجملة.
أولاً: المتمتع: فيجب عليه دم إجماعاً؛ لقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) [البقرة: ١٩٦]، ويجب دم التمتع بسبعة شروط:
ثلاثة منها هي شروط التمتع السابقة، وهي أيضاً شروط لدم التمتع، وهي:
стр. 629
الشرط الأول: أن يعتمر في أشهر الحج.
الشرط الثاني: أن يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج.
الشرط الثالث: أن يحج من عامه.
الشرط الرابع: ألا يكون المتمتع من حاضري المسجد الحرام، فإن كان من حاضري المسجد الحرام وتمتع؛ صح تمتعه، ولم يلزمه دم التمتع؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ عائد إلى الهدي، فدل على صحة تمتعه، وعدم وجوب الهدي عليه.
- فرع: حاضرو المسجد الحرام: هم أهل مكة، وأهل الحرم، ومن كان من الحرم دون مسافة القصر؛ لأن حاضر الشيء من حلَّ فيه أو قرب منه وجاوره، بدليل أن الشارع جعل المقيم من كان دون مسافة القصر، وذلك بنفي رخص السفر عنه.
واختار ابن عثيمين: أنهم أهل مكة وأهل الحرم، أي: من كان من أهل مكة ولو كان في الحل، أو من كان في الحرم ولو كان خارج مكة؛ لأن المراد بالمسجد الحرام في الآية مسجد الكعبة، وأهله هم المقيمون عنده القريبون منه.
الشرط الخامس: ألا يسافر بين الحج والعمرة مسافة قصر فأكثر، فإن فعل بأن سافر مسافة قصر فأكثر، فأحرم بالحج فهو متمتع، لكن لا يلزمه دم
стр. 630
التمتع؛ لما سبق من قول عمر ﵁: «إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ»؛ ولأنه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزمه الإحرام منه، فإذا كان بعيداً فقد أنشأ سفراً بعيداً لحجه، فلم يترفَّه بترك أحد السفرين، فلم يلزمه دم.
واختار ابن قدامة: أن هذا شرط للتمتع، فمن سافر مسافة قصر لم يكن متمتعاً؛ لأثر عمر السابق.
واختار ابن عثيمين: أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج، فإنه يسقط عنه الهدي، ويكون مفرداً لا متمتعاً؛ لأنه أنشأ سفراً جديداً وانتهت أحكام السفر الأول، فلم يتمتع بجمع النسكين بسفرة واحدة، وإن سافر إلى غير أهله فلا يسقط التمتع ولا الهدي؛ لقول عمر ﵁: «إذَا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَإِذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا» [المحلى لابن حزم ٥/ ١٦٣]، فاعتبر الرجوع إلى الأهل.
الشرط السادس: أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده، أو من مسافة قصر فأكثر من مكة، فلو أحرم من دون مسافة قصر من مكة لم يكن عليه دم تمتع؛ لأنه من حاضري المسجد الحرام، وإنما يكون عليه دم مجاوزة الميقات بغير إحرام.
وعنه، واختاره ابن قدامة: أن هذا ليس بشرط، فيلزمه دم التمتع؛ لأنا نسمي المكي متمتعاً ولو لم يسافر، فلو أحرم للعمرة من دون الميقات لزمه
стр. 631
دمان، دمٌ للمتعة، ودمٌ لإحرامه دون الميقات.
الشرط السابع: أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها؛ لظاهر الآية.
واختار ابن قدامة: أن هذا ليس بشرط، فيلزمه دم التمتع؛ لأن النبي ﷺ أمر كل من لم يَسُقِ الهدي من المفردين والقارنين أن يحلوا، وأن يجعلوا إحرامهم عمرةً، فيكونوا متمتعين، وهم لم ينووا التمتع في ابتداء العمرة قطعاً؛ ولأنه قد حصل له الترفه بترك أحد السفرين، فلزمه دم.
ثانياً: القارن: فيجب عليه دم اتفاقاً؛ لقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) [البقرة: ١٩٦]، والقران داخل في مسمى التمتع؛ لأنه ترفه بسقوط أحد السفرين كالمتمتع، ولحديث جابر ﵁: «ذَبَحَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ» [مسلم ١٣١٩]، وكانت قارنة.
ويجب دم القران بشرط: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام؛ قال تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام).
- مسألة: (وَإِنْ حَاضَتْ مُتَمَتِّعَةٌ) قبل طواف العمرة، أو حصل للحاج عارض، (فَخَشِيَتْ) الحائض، أو خشي غيرها (فَوَاتَ الحَجِّ: أَحْرَمَتْ بِهِ) وجوباً (وَصَارَتْ قَارِنَةً)؛ لحديث جابر ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂، فوجدها تبكي، فقال: «مَا شَأْنُكِ؟ »، قالت: شأني أني قد
стр. 632
حضت، وقد حلَّ الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن! فقال: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالحَجِّ» [مسلم ١٢١٣]؛ ولأن إدخال الحج على العمرة يجوز من غير خشية الفوات فمعها أولى؛ لكونها ممنوعة من دخول المسجد.
- مسألة: (وَتُسَنُّ التَّلْبِيَةُ)؛ لحديث أنس ﵁ قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُلَبِّي بِالحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا» [البخاري ٤٣٥٣، ومسلم ١٢٣٢]، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يُهِلُّ ملبِّداً يقول: «لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ» [البخاري ٥٩١٥، ومسلم ١١٨٤].
- فرع: يسن رفع الصوت بالتلبية؛ لحديث أنس ﵁: «وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا» [البخاري ١٥٤٨].
- فرع: التلبية لها وقتان:
الأول: وقت مطلق: تستحب التلبية في جميع الأوقات، ويسن الإكثار منها؛ لحديث سهل بن سعد ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا» [الترمذي ٨٢٨، وابن ماجه ٢٩٢١].
(وَ) الثاني: وقت مقيد فـ (تَتَأَكَّد) التلبية في عشرة مواضع:
стр. 633
١ - (إِذَا عَلَا نَشَزاً)، وهو المرتفع، باتفاق الأئمة.
٢ - (أَوْ هَبَطَ وَادِياً)، باتفاق الأئمة.
٣ - (أَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً)، أي: في أدبارها، باتفاق الأئمة، ولو في غير جماعة.
٤ - (أَوْ أَقْبَلَ لَيْلٌ، أَوْ) أقبل (نَهَارٌ).
٥ - وقت السحر.
لحديث جابر ﵁ قال: «كَانَ رَسُول الله ﷺ يُلَبِّي إِذا لَقِي ركبًا، أَوْ صَعِدَ أَكَمَةً، أَوْ هَبَط وَادِياً، وَفِي أدْبَارِ المَكْتُوباتِ، وَمِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» [عزاه في البدر المنير إلى فوائد ابن ناجية، وضعفه ٦/ ١٥١].
٦ - (أَوِ الْتَقَتِ الرِّفَاقُ)، باتفاق الأئمة.
والدليل لما سبق: قال خَيثمة بن أبي سَبْرة -من التابعين-: «كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ سِتٍّ: دُبُرَ الصَّلَاةِ، وَإِذَا اسْتَقَلَّتْ بِالرَّجُلِ رَاحِلَتُهُ، وَإِذَا صَعِدَ شَرَفًا، وَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا، وَإِذَا لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» [مصنف ابن أبي شيبة ١٢٧٥٠]، ونحوه عن إبراهيم النخعي [مصنف ابن أبي شيبة ١٢٧٤٨].
٧ - (أَوْ رَكِبَ) دابته، (أَوْ نَزَلَ) منها؛ لأن ابن عمر ﵄: «كَانَ يُلَبِّي رَاكِبًا وَنَازِلًا وَمُضْطَجِعًا» [البيهقي ٩٠٢٣]،
стр. 634
٨ - (أَوْ سَمِعَ مُلَبِّياً) آخر؛ لأنه كالمذكِّر له.
٩ - (أَوْ رَأَى البَيْتَ)؛ لأنه موضع النسك.
١٠ - (أَوْ فَعَلَ مَحْظُوراً نَاسِياً) ثم ذكره؛ لاستشعار كونه في الحج، ورجوعه إليه.
وقال شيخ الإسلام: (يستحب الإكثار منها -أي: التلبية- عند اختلاف الأحوال، مثل: أدبار الصلوات، ومثل ما إذا صعد نشزاً، أو هبط وادياً، أو سمع ملبياً، أو أقبل الليل والنهار، أو التقت الرفاق، وكذلك إذا فعل ما نهي عنه).
- فرع: تستحب التلبية في مكة، والبيت الحرام، وسائر مساجد الحرم، كمسجد منًى، وفي عرفات، وسائر بقاع الحرم؛ لعموم ما سبق، ولأنها مواضع النسك.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يلبي عند وقوفه بعرفة ومزدلفة؛ لعدم نقله.
- مسألة: (وَكُرِهَ إِحْرَامٌ قَبْلَ) الـ (مِيقَاتِ) المكاني، ولا يحرُمُ؛ لقول الحسن: إن عمران بن الحصين ﵁ أحرم من البصرة، فلما قدم على عمر ﵁ -وقد كان بلغه ذلك- أغلظ له، وقال: «يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٢٦٩٧،
стр. 635
وقال الحافظ بعد ذكر طرقه: وهذه أسانيد يقوي بعضها بعضاً]، فدل ذلك على كراهيته.
فإن فعل وأحرم قبله فقد انعقد إحرامه إجماعاً، وقد روي الإحرام قبل الميقات المكاني عن علي، وعثمان، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وعائشة ﵃ [المحلى لابن حزم ٥/ ٥٨].
- مسألة: (وَ) يكره إحرام (بِحَجٍّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ)، ولا يحرم، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول ابن عباس ﵄: «مِنَ السُّنَّةِ: أَلَّا يُحْرِمَ بِالحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ» [البخاري معلقاً مجزوماً ٢/ ١٤١، ووصله ابن خزيمة ٢٥٩٦]، ولأنه أحرم بالعبادة قبل وقتها، فأشبه ما لو أحرم قبل الميقات المكاني.
- فرع: فإن فعل وأحرم: انعقد إحرامه بالحج؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية البقرة: ١٨٩، فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج، وقياساً على الإحرام قبل الميقات المكاني.
وقيل، واختاره ابن عثيمين: ينعقد إحرامه وينقلب عمرة؛ لأثر ابن عباس السابق، ولقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ... [الآية البقرة: ١٩٧]، وانقلابه إلى عمرة؛ لأنها حج أصغر.
وأما قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ .... [الآية البقرة: ١٨٩]، فالهلال يكون وقتاً للشيء إذا اختلف حكمه به وجوداً وعدماً، ولو كان جميع العام وقتاً للحج لم تكن الأهلة ميقاتاً للحج، كما لم تكن ميقاتاً للعمرة، بل الآية دالة على أن الحج مؤقت بجنس الأهلة، والجنس يحصل بهلالين أو ثلاثة.