← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

دمان، دمٌ للمتعة، ودمٌ لإحرامه دون الميقات. الشرط السابع: أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها؛ لظاهر الآية. واختار ابن قدامة: أن هذا ليس بشرط، فيلزمه دم التمتع؛ لأن النبي ﷺ أمر كل من لم يَسُقِ الهدي من المفردين والقارنين أن يحلوا، وأن يجعلوا إحرامهم عمرةً، فيكونوا متمتعين، وهم لم ينووا التمتع في ابتداء العمرة قطعاً؛ ولأنه قد حصل له الترفه بترك أحد السفرين، فلزمه دم. ثانياً: القارن: فيجب عليه دم اتفاقاً؛ لقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) [البقرة: ١٩٦]، والقران داخل في مسمى التمتع؛ لأنه ترفه بسقوط أحد السفرين كالمتمتع، ولحديث جابر ﵁: «ذَبَحَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ» [مسلم ١٣١٩]، وكانت قارنة. ويجب دم القران بشرط: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام؛ قال تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام). - مسألة: (وَإِنْ حَاضَتْ مُتَمَتِّعَةٌ) قبل طواف العمرة، أو حصل للحاج عارض، (فَخَشِيَتْ) الحائض، أو خشي غيرها (فَوَاتَ الحَجِّ: أَحْرَمَتْ بِهِ) وجوباً (وَصَارَتْ قَارِنَةً)؛ لحديث جابر ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂، فوجدها تبكي، فقال: «مَا شَأْنُكِ؟ »، قالت: شأني أني قد

стр. 632

حضت، وقد حلَّ الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن! فقال: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالحَجِّ» [مسلم ١٢١٣]؛ ولأن إدخال الحج على العمرة يجوز من غير خشية الفوات فمعها أولى؛ لكونها ممنوعة من دخول المسجد. - مسألة: (وَتُسَنُّ التَّلْبِيَةُ)؛ لحديث أنس ﵁ قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُلَبِّي بِالحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا» [البخاري ٤٣٥٣، ومسلم ١٢٣٢]، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يُهِلُّ ملبِّداً يقول: «لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ» [البخاري ٥٩١٥، ومسلم ١١٨٤]. - فرع: يسن رفع الصوت بالتلبية؛ لحديث أنس ﵁: «وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا» [البخاري ١٥٤٨]. - فرع: التلبية لها وقتان: الأول: وقت مطلق: تستحب التلبية في جميع الأوقات، ويسن الإكثار منها؛ لحديث سهل بن سعد ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا» [الترمذي ٨٢٨، وابن ماجه ٢٩٢١]. (وَ) الثاني: وقت مقيد فـ (تَتَأَكَّد) التلبية في عشرة مواضع:

стр. 633

١ - (إِذَا عَلَا نَشَزاً)، وهو المرتفع، باتفاق الأئمة. ٢ - (أَوْ هَبَطَ وَادِياً)، باتفاق الأئمة. ٣ - (أَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً)، أي: في أدبارها، باتفاق الأئمة، ولو في غير جماعة. ٤ - (أَوْ أَقْبَلَ لَيْلٌ، أَوْ) أقبل (نَهَارٌ). ٥ - وقت السحر. لحديث جابر ﵁ قال: «كَانَ رَسُول الله ﷺ يُلَبِّي إِذا لَقِي ركبًا، أَوْ صَعِدَ أَكَمَةً، أَوْ هَبَط وَادِياً، وَفِي أدْبَارِ المَكْتُوباتِ، وَمِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» [عزاه في البدر المنير إلى فوائد ابن ناجية، وضعفه ٦/ ١٥١]. ٦ - (أَوِ الْتَقَتِ الرِّفَاقُ)، باتفاق الأئمة. والدليل لما سبق: قال خَيثمة بن أبي سَبْرة -من التابعين-: «كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ سِتٍّ: دُبُرَ الصَّلَاةِ، وَإِذَا اسْتَقَلَّتْ بِالرَّجُلِ رَاحِلَتُهُ، وَإِذَا صَعِدَ شَرَفًا، وَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا، وَإِذَا لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» [مصنف ابن أبي شيبة ١٢٧٥٠]، ونحوه عن إبراهيم النخعي [مصنف ابن أبي شيبة ١٢٧٤٨]. ٧ - (أَوْ رَكِبَ) دابته، (أَوْ نَزَلَ) منها؛ لأن ابن عمر ﵄: «كَانَ يُلَبِّي رَاكِبًا وَنَازِلًا وَمُضْطَجِعًا» [البيهقي ٩٠٢٣]،

стр. 634

٨ - (أَوْ سَمِعَ مُلَبِّياً) آخر؛ لأنه كالمذكِّر له. ٩ - (أَوْ رَأَى البَيْتَ)؛ لأنه موضع النسك. ١٠ - (أَوْ فَعَلَ مَحْظُوراً نَاسِياً) ثم ذكره؛ لاستشعار كونه في الحج، ورجوعه إليه. وقال شيخ الإسلام: (يستحب الإكثار منها -أي: التلبية- عند اختلاف الأحوال، مثل: أدبار الصلوات، ومثل ما إذا صعد نشزاً، أو هبط وادياً، أو سمع ملبياً، أو أقبل الليل والنهار، أو التقت الرفاق، وكذلك إذا فعل ما نهي عنه). - فرع: تستحب التلبية في مكة، والبيت الحرام، وسائر مساجد الحرم، كمسجد منًى، وفي عرفات، وسائر بقاع الحرم؛ لعموم ما سبق، ولأنها مواضع النسك. واختار شيخ الإسلام: أنه لا يلبي عند وقوفه بعرفة ومزدلفة؛ لعدم نقله. - مسألة: (وَكُرِهَ إِحْرَامٌ قَبْلَ) الـ (مِيقَاتِ) المكاني، ولا يحرُمُ؛ لقول الحسن: إن عمران بن الحصين ﵁ أحرم من البصرة، فلما قدم على عمر ﵁ -وقد كان بلغه ذلك- أغلظ له، وقال: «يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٢٦٩٧،

стр. 635

وقال الحافظ بعد ذكر طرقه: وهذه أسانيد يقوي بعضها بعضاً]، فدل ذلك على كراهيته. فإن فعل وأحرم قبله فقد انعقد إحرامه إجماعاً، وقد روي الإحرام قبل الميقات المكاني عن علي، وعثمان، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وعائشة ﵃ [المحلى لابن حزم ٥/ ٥٨]. - مسألة: (وَ) يكره إحرام (بِحَجٍّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ)، ولا يحرم، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول ابن عباس ﵄: «مِنَ السُّنَّةِ: أَلَّا يُحْرِمَ بِالحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ» [البخاري معلقاً مجزوماً ٢/ ١٤١، ووصله ابن خزيمة ٢٥٩٦]، ولأنه أحرم بالعبادة قبل وقتها، فأشبه ما لو أحرم قبل الميقات المكاني. - فرع: فإن فعل وأحرم: انعقد إحرامه بالحج؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية البقرة: ١٨٩، فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج، وقياساً على الإحرام قبل الميقات المكاني. وقيل، واختاره ابن عثيمين: ينعقد إحرامه وينقلب عمرة؛ لأثر ابن عباس السابق، ولقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ... [الآية البقرة: ١٩٧]، وانقلابه إلى عمرة؛ لأنها حج أصغر. وأما قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ .... [الآية البقرة: ١٨٩]، فالهلال يكون وقتاً للشيء إذا اختلف حكمه به وجوداً وعدماً، ولو كان جميع العام وقتاً للحج لم تكن الأهلة ميقاتاً للحج، كما لم تكن ميقاتاً للعمرة، بل الآية دالة على أن الحج مؤقت بجنس الأهلة، والجنس يحصل بهلالين أو ثلاثة.

стр. 636

(فَصْلٌ) في المواقيت الميقات لغةً: الحد، واصطلاحاً: موضع العبادة وزمنها. - مسألة: مواقيت الحج والعمرة على قسمين: القسم الأول: المواقيت المكانية: (وَ) هي خمسة: ١ - (مِيقَاتُ أَهْلِ المَدِينَةِ) النبوية: ذو (الحُلَيْفَةَ)، وهي أبعد المواقيت من مكة، بينها وبين مكة عشر مراحل. ٢ - (وَ) ميقات أهل (الشَّامِ، وَ) أهل (مِصْرَ، وَ) أهل (المَغْرِبِ: الجُحْفَةُ)، وهي قرية على طريق المدينة، خَرِبة، قرب رابغ، وتلي ذو الحليفة في البعد، بينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل، ومن أحرم من رابغ فقد أحرم قبل محاذاة الجحفة بيسير. ٣ - (وَ) ميقات أهل (اليَمَنِ: يَلَمْلَمُ)، وهو جبل معروف، وبينه وبين مكة مرحلتان. ٤ - (وَ) ميقات أهل (نَجْدٍ)، والطائف: (قَرْنُ) المنازل، بلدة بينها وبين مكة مرحلتان، والقرن: الجبل الصغير المنفرد، فلعل القرية سميت به،

стр. 637

ويعرف الآن بالسيل. ٥ - (وَ) ميقات أهل (المَشْرِقِ) أي: العراق وخراسان ونحوهما: (ذَاتُ عِرْقٍ)، قرية معروفة، سميت بذلك؛ لأن فيها عرقاً، وهو الجبل الصغير، وتسمى اليوم: الضريبة، بينها وبين مكة مرحلتان، وقد هجره الناس اليوم، وصار أهل المشرق يحرمون من قرن المنازل. ويدل على هذه المواقيت: حديث ابن عباس ﵄ قال: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» [البخاري: ١٥٢٤، ومسلم: ١١٨١]، وفي حديث جابر ﵁ مرفوعاً: «وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ» [مسلم: ١١٨٣]. - فرع: المرحلة: بريدان، والبريد الواحد: أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: ١.٦٠ كيلو، وعليه فالمرحلة الواحدة تساوي (٣٨.٤) كيلومتر تقريباً. - فرع: لا يخلو مريد الإحرام من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يُنشئ نية الإحرام وهو في الميقات، أو قبل الوصول إلى الميقات: فيُحْرِم من الميقات، وليس له أن يتجاوزه بغير إحرام اتفاقاً؛ لحديث ابن عباس السابق، وفيه: «هُنَّ لهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ

стр. 638

أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ»، وهذا خبر بمعنى الأمر. - فرع: إذا مَرَّ مريد الإحرام على ميقاتٍ، وتجاوزه ليحرم من ميقات آخر، فلا يخلو من أمرين: ١ - أن يتجاوزه لغير ميقاته الأصلي، كأن يتجاوز الشامي ميقات ذي الحليفة إلى ميقات قرن المنازل: فليس له أن يؤخر الإحرام إلى الميقات الآخر؛ لظاهر حديث ابن عباس ﵄، وفيه: «وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ»، و «منْ» اسم موصول، فيعم كل من أتى على الميقات، سواء كان ميقاته الأصلي أم لا. ٢ - أن يتجاوزه لميقاته الأصلي، كأن يتجاوز الشامي ميقات ذي الحليفة إلى ميقات الجحفة: فليس له أن يؤخر الإحرام إلى الميقات الآخر أيضاً؛ لما تقدم. واختار شيخ الإسلام: أنه له أن يؤخر الإحرام إلى ميقاته الأصلي؛ لأنه مر بميقاتين يجب عليه الإحرام من أحدهما، وأحدهما فرع والثاني أصل، فله أن يدع الإحرام من الفرع إلى الأصل. الحالة الثانية: أن ينشئ نية الإحرام وهو دون المواقيت وقبل دخول مكة: فيحرم من محله اتفاقاً؛ لحديث ابن عباس السابق، وفيه: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ».

стр. 639

الحالة الثالثة: أن ينشئ نية الإحرام وهو في مكة: وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَيُحْرِمُ مَنْ) أراد الحج أو العمرة وكان (بِمَكَّةَ): - إذا كان (لِـ) إحرام بـ (ـحَجٍّ): فإنه يحرم (مِنْهَا) أي: من مكة، اتفاقاً، سواء كان مكيًّا أم آفاقيًّا، ولا يجب عليه أن يخرج إلى الحل أو إلى الميقات؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق: وفيه: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، ولحديث جابر ﵁ في الحج قال: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى»، قَالَ: «فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ» [مسلم: ١٢١٤]. - (وَ) إذا كان (لِـ) إحرامٍ بـ (ـعُمْرَةٍ): فيُحرم (مِنَ الحِلِّ) اتفاقاً، سواء كان من أهل مكة أم من غيرهم، وليس له أن يحرم من الحرم؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، اعتمرتم ولم أعتمر، فقال: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، اذْهَبْ بِأُخْتِكَ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» [البخاري: ١٥١٨، ومسلم: ١٢١١]، ولقول ابن عباس ﵄: «لَا يَضُرُّكَمْ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَلَّا تَعْتَمِرُوا، فَإِنْ أَبَيْتُم فَاجْعَلُوا بَيْنَكُم وَبَيْنَ الحَرَمِ بَطْنَ الوَادِي» [ابن أبي شيبة: ١٥٦٨٨]، ولأن أفعال العمرة كلها في الحرم، فلم يكن بد من الحِل؛ ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم. وأما قوله: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، فالمراد به في الحج، جمعاً بين الأدلة. - مسألة: من كان من أهل فرض الحج - وهو المسلم المكلف الحر

стр. 640

المستطيع - وأراد دخول مكة ولو لم يُرِد النسك؛ لم يجز له أن يتجاوز الميقات بلا إحرام؛ لعموم حديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ» الحديث [البخاري: ١٣٣، ومسلم: ١١٨٢]، وهو خبر بمعنى الأمر، والأمر لا يرد بلفظ الخبر إلا إذا أريد تأكيده، وتأكيد الأمر للوجوب، وهو عام لكل من يريد دخول مكة، ولما صح عن ابن عباس ﵄ قال: «مَا يَدْخُلُ مَكَّةَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا إِلَّا بِإِحْرَامٍ»، ثم قال: «فَوَالله مَا دَخَلَهَا رَسُولُ الله ﷺ إِلَّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا» [البيهقي: ٩٨٣٩، وجود إسناده الحافظ]، وعن علي ﵁: «لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا بِإحْرَامٍ»، يعني مكة [ابن أبي شيبة: ١٣٥١٨، وفيه ضعف]. وعنه، واختاره ابن عثيمين: أنه يجوز تجاوزه مطلقاً من غير إحرام، إلا أن يريد نسكاً؛ للقيد الوارد في حديث ابن عباس ﵄ السابق: «مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ»، ولما روى أنس ﵁ قال: «دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ» [البخاري: ٤٢٨٦، ومسلم: ١٣٥٧]، فدل على أنه دخلها من غير إحرام. - فرع: يجوز دخول مكة من غير إحرام في ثلاث مسائل: ١ - لقتال مباح؛ لحديث أنس السابق. ٢ - لخوف؛ إلحاقًا له بالقتال المباح. ٣ - لحاجة تتكرر؛ كحطاب وحشاش ولصيد ونحوه؛ لقول

стр. 641

ابن عباس ﵄: «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، إِلَّا الحَطَّابِينَ الْعَجَّالِينَ وَأَهْلَ مَنَافِعِهَا» [ابن أبي شيبة: ١٣٥١٧، واحتج به أحمد]. القسم الثاني: المواقيت الزمانية: وأشار إليها بقوله: (وَأَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحِجَّةِ)، ومنها يوم النحر؛ لقول ابن عمر ﵄: «أَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحِجَّةِ» [البخاري معلقاً مجزوماً ٢/ ١٤١، ووصله الدارقطني: ٢٤٥٥]، ونحوه عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير ﵃ [الدارقطني: ٢٤٥٢ وما بعده]. أما الجمع الوارد في قوله تعالى: (الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، فالجمع يطلق على اثنين، وعلى اثنين وبعضٍ آخر. واختار ابن هبيرة من الأصحاب، وابن عثيمين: أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كاملاً؛ لظاهر قوله تعالى: (الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، وأقل الجمع في اللغة ثلاثة، ولأنه وارد عن عمر [تفسير سعيد بن منصور: ٣٣٤]، وابن عمر ﵄ [الشافعي في الأم ٢/ ١٦٨]. فصل في محظورات الإحرام أي: المحرَّمات بسبب الإحرام. - مسألة: يحرُمُ على المحْرِم فعلُ شيء من المحظورات لغير عذر؛ لأن الأصل في النهي أنه للتحريم.

стр. 642

- مسألة: (وَمَحْظُورَاتُ الإِحْرَامِ تِسْعَةٌ): الأول: (إِزَالَةُ شَعْرٍ) بحلقه، أو قلعه، أو قصه، أو نتفه، أو غير ذلك. وشعر البدن لا يخلو من ثلاثة أقسام: ١ - شعر الرأس: وإزالته من محظورات الإحرام إجماعاً؛ لقوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)، ولحديث كعب بن عجرة ﵁ قال: أتى عليَّ النبي ﷺ زمن الحديبية، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ » قلت: نعم، قال: «فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً» [البخاري: ٤١٩٠، ومسلم: ١٢٠١]. ٢ - الشعر المتعلق بسنن الفطرة، من قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة: فإزالته من المحظورات اتفاقاً؛ لقوله تعالى في آيات الحج: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، قال ابن عباس ﵄: «التَّفَثُ: الرَّمْيُ، وَالذَّبْحُ، وَالحَلْقُ، وَالتَّقْصِيرُ، وَالْأَخْذُ مِنَ الشَّارِبِ وَالْأَظْفَارِ وَاللِّحْيَةِ» [ابن أبي شيبة: ١٥٦٧٣]، وبنحوه قال جماعة من المفسرين وأهل اللغة، كالنَّضِر بن شُميل وابن الأعرابي، وقياساً على شعر الرأس؛ لأنه يتنظف ويترفه به. ٣ - بقية شعور البدن: إزالته من محظورات الإحرام؛ قياساً على ما تقدم؛ لأنه يتنظف ويترفه به، فأشبه حلق الرأس، ولأن حلق الشعر من إزالة الشعث، فيدخل في قوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ)،

стр. 643

قال ابن شميل: (التفث: التشعث) [تهذيب اللغة ١٤/ ١٩٠]. (وَ) الثاني: (تَقْلِيمُ أَظْفَارٍ) أو قصها من يد أو رِجْل، اتفاقاً؛ لما تقدم في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ)، ولما فيه من الترفه، فأشبه حلق الشعر. (وَ) الثالث: (تَغْطِيَةُ رَأْسِ ذَكَرٍ) إجماعاً في الجملة، لا أنثى، فلا يحرم عليها تغطية رأسها. - فرع: لا يخلو تغطية رأس الذكر من أقسام: ١ - تغطية الرأس بملاصق معتاد، كالعمامة والغترة ونحوها: فيحرم إجماعاً؛ لحديث ابن عمر ﵄: أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما يلبس المُحْرِم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : «لا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلا العَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا البَرَانِسَ، وَلا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ» [البخاري: ١٥٤٣، ومسلم: ١١٧٧]. ٢ - تغطية الرأس بملاصق غير معتاد، كقرطاس وحناء ونحوها: فيحرم؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا في الذي وقصته ناقته وهو محرم: «وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا» [البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦]، ولقول ابن عمر: «إِحْرَامُ المرأَةِ فِي وَجْهِهَا، وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ» [البيهقي: ٩٠٤٨].

стр. 644

٣ - أن يعصب رأسه بسير أو لفافة ونحو ذلك: يحرم؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄ قال: «لَا يَعْصِب المُحْرِمُ رَأْسَهُ بِسَيْرٍ وَلَا خِرْقَةٍ» [ابن أبي شيبة: ١٣٢٨٣]، ولأنه نوع تغطية، والنهي يتناول جميع الرأس. ٤ - أن يستظل بشيء غير تابع، كخيمة وبيت وشجرة، أو ينصب حياله ثوباً: يجوز بالاتفاق، ولو قصد به الستر؛ لحديث جابر ﵁: «أنَّ النَّبي ﷺ ضُرِبَتْ لَهُ القُبَّةُ بِنَمِرَة، فَنَزَلَ بِهَا» [مسلم: ١٢١٨]، ولما روت أم الحصين ﵂ قالت: «فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَانْصَرَفَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ، أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ الله ﷺ مِنَ الشَّمْسِ» [مسلم: ١٢٩٨]. ٥ - أن يستظل بتابع غير ملاصق، نحو هودج وسيارة وشمسية: يحرم؛ لما روى نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه رأى رجلاً محرماً قد استظل فقال: «ضَحِّ لمنْ أَحْرَمْتَ لَهُ» [ابن أبي شيبة: ١٤٢٥٣، وصححه الألباني]، وعن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب قال: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ يضحُون إذَا أَحْرَمُوا» [ابن أبي شيبة: ١٤٢٥٥]، ولأنه ستر رأسه بما يقصد به الترفه، أشبه تغطيته، ويفارق الخيمة ونحوها؛ لأن الخيمة لا تلازمه، أشبهت ظل الجبال والحيطان، ويفارق التغطية بالثوب؛ لأنه يسير لا يراد للاستدامة، بخلاف الاستظلال بالمَحْمِل.

стр. 645

وعنه، واختاره ابن عثيمين: يجوز؛ لأنه ليس بمباشر للرأس؛ أشبه الخيمة، ولما ورد عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن المُحرِم يصيبه البرد، فقالت: «يَقُولُ بِثَوْبِهِ هَكَذَا، وَيَرْفَعُهُ فَوْقَ رَأْسِهِ»، وثبت عن جابر ﵁ نحوه، [ابن أبي شيبة: ١٤٢٦٢، وما بعده]، والثوب تابع غير ملاصق. ٦ - أن يحمل على رأسه شيئاً أو يضع يده عليه: فليس من المحظورات، ولو قصد به الستر؛ لأنه لا يقصد به الستر عادة. ٧ - تلبيد رأسه بعسل وصمغ ونحوه: جائز؛ لحديث حفصة ﵂ مرفوعاً: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي» وكان محرماً [البخاري: ١٥٦٦، ومسلم: ١٢٢٩]. ٨ - تغطية الوجه: لا يحرم؛ لأن الأصل الحل، ولقول ابن عمر ﵄ السابق: «إِحْرَامُ المرأَةِ فِي وَجْهِهَا، وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ»، فدل بمفهومه: أن الرجل له أن يخمر وجهه، ولأنه ثابت عن ستة من الصحابة، فعن الفرافصة بن عمر، قال: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ، وزيداً، وَابْنَ الزُبَيرِ ﵃ يُغَطُّونَ وُجُوهَهَم وَهُمْ مُحْرِمُونَ إِلَى قصَاصَ الشَّعْرِ» [ابن أبي شيبة: ١٤٢٥٢]، وورد عن جابر [ابن أبي شيبة: ١٤٢٤٥]، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس ﵃ [المحلى: ٥/ ٧٩]. أما الزيادة الواردة في حديث ابن عباس ﵄: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ» [مسلم: ١٢٠٦] فشاذة، قال البيهقي: (وذكر الوجه فيه غريب)، ولهذا أعرض عنها البخاري فلم يخرجها في الصحيح.

стр. 646

وعنه: أنه من المحظورات، ونقلها الأكثر عن أحمد؛ لزيادة مسلم، ولما صح عن ابن عمر ﵄: «مَا فَوْقَ الذَّقَنِ مِنَ الرَّأسِ، فَلَا يُخَمِّرْهُ المُحْرِمُ» [الموطأ ١/ ٣٢١، البيهقي: ٩٠٩٠]. ٩ - تغطية الأذنين: يحرم؛ لحديث أبي أمامة ﵁ مرفوعاً: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» [أحمد: ٢٢٢٨٢، وأبو داود: ١٣٤، والترمذي: ٣٧، وابن ماجه: ٤٤٤]. (وَ) الرابع: (لُبْسُهُ) أي: الذكر، (المَخِيطَ)، وهو ما خِيط على البدن كله، أو على عضو من الأعضاء، وأما الأنثى فسيأتي حكم لبسها المخيط آخر الفصل. - فرع: لباس المحرم لا يخلو من ثلاثة أقسام: ١ - ما كان منصوصاً على تحريمه: فيحرم إجماعاً ولو لُبس بطريقة غير معتادة، كجورب في كف؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق: «لا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلا العَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا البَرَانِسَ» الحديث. ٢ - ما كان في معنى المنصوص، كالتُبَّان والقَلَنْسوة ونحوهما: فيحرم أيضاً بالاتفاق؛ قياساً على المنصوص. ٣ - ما ليس في معنى المنصوص، كالخاتم وربط الجرح وتعليق القِربة ونحوها: فلا يحرُمُ لبسه؛ لأنه ليس بمنصوص، ولا في معنى المنصوص، ولما ورد عن ابن عباس ﵄ قال: «لَا بَأْسَ بِالهِمْيَانِ وَالخَاتَمِ لِلْمُحْرِمِ» [ابن

стр. 647

أبي شيبة: ١٥٤٥٧، وفيه ضعف]. - فرع: يمنع الرجل من لبس المخيط (إِلَّا) في حالين: ١ - لُبْسُه (سَرَاوِيلَ لِعَدَمِ) قدرته على لبس (إِزَارٍ)، ولا فدية عليه؛ لحديث ابن عباس ﵄: خطبنا النبي ﷺ بعرفات، فقال: «مَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ» [البخاري: ١٨٤٣، ومسلم: ١١٧٨]. ٢ - (وَ) لبسه (خُفَّيْنِ لِعَدَمِ) قدرته على لبس (نَعْلَيْنِ)، إما لعدم وجودهما، أو لضيقهما عليه، أو غير ذلك، ولا يقطع الخفين، ولا فدية عليه، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق، وهو متأخر عن حديث ابن عمر ﵄ الذي فيه الأمر بقطع الخفين عند عدم النعلين، لأن حديث ابن عباس ﵄ في عرفة، وحديث ابن عمر في المدينة. - فرع: ليس له لبس الخفين المقطوعين - بحيث يظهر الكعبين وما فوقهما؛ كالخف المكعب والمداس - عند وجود النعلين؛ لأن قطعه كذلك لا يخرجه عن كونه مخيطاً، ولحديث ابن عمر ﵄ السابق، وفيه: «وَلا الخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ»، فلم يرخص في لبس الخف المقطوع إلا عند عدم وجود النعل. واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز لبس الخفين المقطوعين حتى عند وجود النعلين؛ لحديث ابن عمر السابق أيضاً، حيث جعل النبي ﷺ قطع الخف

стр. 648

أسفل من الكعب بمنزلة النعل، ثم نسخ الحكم بحديث ابن عباس ﵄، فأباح لبس الخفين عند عدم النعلين دون قطع، فدل على أن قطع الخف يُصَيِّره كالنعل، ولأنه لا يسمى خفًّا. (وَ) الخامس: (الطِّيبُ) اتفاقاً، وهو ما أعد للتطيب، وذلك أن ما له رائحة لا يخلو من أمرين: ١ - أن يكون معدًّا للتطيب، كالمسك والعنبر والورد والياسمين والزعفران والبخور ونحوها: فيعد طيباً، ويحرم على المحرم استعماله؛ لما يأتي. ٢ - ألا يكون معداً للتطيب، كالفواكه، ونباتات الصحراء؛ كالخُزامى والإذْخِر، والقَرَنْفُل، ونحوها: فلا يعد طيباً، ولو كان مما ينبته الآدمي، كالنرجس ونحوه، ولا يمنع منه المحرم؛ لأنه ليس بطيب، ولا يسمى طيباً عادة، ولما صح عن ابن عباس ﵄ قال: «لَا بَأْسَ أَنْ يَشَمَّ المُحْرِمُ الرَّيحَان» [البخاري معلقاً مجزوماً ٢/ ١٣٦، ووصله ابن أبي شيبة: ١٤٦٠٠]. - فرع: لا يخلو استعمال الطيب من أقسام: ١ - استعماله في البدن: يحرم إجماعاً؛ لحديث ابن عباس السابق في الذي وقصته ناقته وهو محرم: «وَلا تُحَنِّطُوهُ»، ولحديث يعلى بن أمية ﵁ لما أحرم بعمرة في جبة بعد ما تمضخ بالطيب، قال له النبي ﷺ : «اخْلَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ

стр. 649

كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ» [البخاري: ١٧٨٩، ومسلم: ١١٨٠]. ٢ - استعماله في الثوب: يحرم؛ لحديث ابن عمر السابق، وفيه: «وَلا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ». ٣ - استعماله في الفراش الذي يجلس وينام عليه: يحرم؛ لأن الفراش من اللباس؛ لقول أنس ﵁: «فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولُ مَا لُبِسَ» [البخاري: ٣٨٠، ومسلم: ٦٥٨]. ٤ - استعماله في الأكل والشرب ولو مطبوخاً كالزعفران ونحوه: ولا يخلو الطيب في الطعام من أحوال: أ) أن تبقى رائحته: فيحرم؛ لأن المقصود من الطيب الرائحة والترفه وقد وُجدت. ب) أن يبقى طعمه: فيحرم؛ لأن بقاء الطعم يستلزم بقاء الرائحة. ت) أن يبقى لونه فقط: فلا يحرم؛ لذهاب المقصود منه، واللون لا يستلزم بقاء الرائحة. ث) ألا يبقى شيء: فلا يحرم؛ لذهاب الطيب. ٥ - مس الطيب، ولا يخلو من حالين: أ) أن يعلق باليد، كالادهان بمطيب أو الاكتحال به أو الاستعاط به: فيحرم؛ لأنه استعمال للطيب أشبه شمه.

стр. 650

فإن لم يكن الدهن مطيباً فلا بأس؛ لقول سعيد بن جبير: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ» أي: وهو محرم [البخاري: ١٥٣٧]. ب) ألا يعلق باليد، كقطع الكافور والعود: فلا يحرم؛ لأنه غير مستعمل للطيب. ٦ - شم الطيب والبخور: ولا يخلو من أحوال: أ) أن يشمه بقصد التلذذ: فيحرم؛ لما صح عن أبي الزبير أنه قال: سألت جابراً ﵁: يشم المحرم الطيب؟ فقال: «لا» [ابن أبي شيبة: ١٤٦٠٨]، ولأن شم الطيب من استعماله، فأشبه مباشرته. ب) أن يشمه بقصد الاستعلام للشراء: فيحرم؛ لما تقدم. واختار ابن القيم: أنه يجوز؛ لأنه لم يقصد التلذذ بشمه، وإنما قصد الاستعلام، فهو بمنزلة النظر إلى المخطوبة. ج) أن يشمه دون قصد، كمن مر بعطَّار ونحوه: فلا يحرم؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه. (وَ) السادس: (قَتْلُ صَيْدِ البَرِّ)، أو اصطياده ولو لم يقتله، وهو من المحظورات إجماعاً؛ لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) [المائدة: ٩٥]، وقوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ).

стр. 651

- فرع: يشترط لكون الصيد محظوراً أربعة شروط: ١ - أن يكون بريًّا: فلا يحرم صيد البحر، إجماعاً؛ لقوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً) [المائدة: ٩٦]. ٢ - أن يكون وحشيًّا؛ كحمام وبط: فلا يحرم إن كان أهليًّا؛ كبهيمة الأنعام، إجماعاً؛ لأنه ليس بصيد، ولذلك يَذبح المُحرم الهدايا. ٣ - أن يكون أصله وحشيًّا: فلا يحرم الحيوان الإنسي لو توحش، كإبل وبقر توحشت، ويحرم الوحشي ولو صار أهليًّا؛ لأن الاعتبار يكون بالأصل لا بالعارض. ٤ - أن يكون مأكولاً: فأما غير مأكول اللحم فلا أثر للإحرام في تحريم قتلها؛ لأن الله تعالى إنما أوجب الجزاء في الصيد، وليس هذا بصيد. - فرع: قتل مُحرَّم الأكل لا جزاء فيه على المحْرِم بحالٍ، ولو كان مُحرَّم القتل؛ لأن الله رتب الجزاء على الصيد، ومحرم الأكل ليس بصيد. - فرع: محرم الأكل لا يخلو من خمسة أقسام: الأول: السَّبُع العقور، وهو الذي يعدو على الناس ويفترسهم: يجب قتله؛ ليُدفع شره عن الناس. الثاني: ما كان طبعه الأذى، وإن لم يوجد منه أذىً؛ كالفواسق الخمس

стр. 652

في الحديث، والسباع المؤذية، كالأسد والنمر، والحشرات المؤذية كالبعوض والبراغيث: يسن قتلها - غير الآدمي فلا يباح إلا في أحوال -؛ لحديث عائشة ﵂ مرفوعاً: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالحُدَيَّا، وَالغُرَابُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ» [البخاري: ٣٣١٤، ومسلم: ١١٩٨]، وثبت عن عمر ﵁: أنه أمر المحرم بقتل هذه الفواسق [عبد الرزاق: ٨٣٨٠]، ويقاس على ذلك كل مؤذ بطبعه، وكان عمر ﵁ يُقَرِّدُ بعيره وهو محرم ويجعله في الطين [ابن أبي شيبة: ١٥٢٧٤]، أي: كان يزيل حشرة القُراد من بعيره فتموت ويجعلها في الطين، وقال ابن عباس ﵄ عن تقريد البعير: «لَا بَأْسَ بِهِ» [ابن أبي شيبة: ١٥٢٨١]، وجاءت امرأة إلى ابن عمر ﵄ فسألته فقالت: إني وجدت قملة فألقيتها، أو قتلتها، قال: «مَا القَمْلَةُ مِنَ الصَّيْدِ» [ابن أبي شيبة: ١٣١٣١]. [*] واختار شيخ الإسلام في البراغيث: أنه إن قرصه ذلك قتله مجاناً, وإلا فلا يقتله. الثالث: ما فيه مضرة من وجه ومنفعة من وجه، كالبازي والصقر ونحوه: فيُخَيَّر بين قتله وعدم قتله؛ لأنه لما استوت حالتاه استوى الحال في قتله وتركه. الرابع: ما لا يؤذي بطبعه وورد النهي عن قتله، كالنمل والنحل ونحوه: فيحرم قتله؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ» [أحمد: ٣٠٦٦، وأبو داود: ٥٢٦٧، وابن ماجه: ٣٢٢٤]، إلا إذا آذاه، فيباح قتله، واختاره شيخ الإسلام؛ لأنه يكون كالصائل.

стр. 653

الخامس: ما لا يؤذي بطبعه ولم ينه عن قتله، كالديدان والبوم: يحرم قتله أيضاً؛ قياساً على ما تقدم في النمل والنحل ونحوها؛ لكونها لا مضرة فيها. وقيل، واختاره ابن عثيمين: يكره قتله؛ لأن الله خلقها لحكمة، ولقوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، وقتلها يقطع تسبيحها. واختار شيخ الإسلام: أنه لا يقتل المحرم شيئاً من الحيوانات ولو كانت مؤذية، إلا إذا آذته، إلا ما ورد النص بقتله، وهي الفواسق الخمس، فإن قتل شيئاً منها فلا فدية عليه. - فرع: لا يخلو أكل المُحْرِم للصيد من أربعة أقسام: ١ - أن يصيده المحْرِم: فيحرم عليه وعلى غيره الأكل منه، ويكون ميتة؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)، فسماه قتلًا، ولم يسمه صيدًا، فدل على أنه ميتة. ٢ - أن يتسبب المُحْرِم في صيده بإشارة أو دلالة أو إعانة: فيَحْرم على المحْرِم فقط، ويجوز لغيره الأكل منه؛ لحديث أبي قتادة ﵁ أنه كان مع الصحابة ﵃ وهم محرمون وهو لم يحرم، فصاد صيداً، فسألوا رسول الله ﷺ عن أكلهم له، فقال: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟ » قالوا: لا، قال: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لحمِهَا» [البخاري: ١٨٢٤، ومسلم: ١١٩٦].

стр. 654

٣ - أن يصاد لأجل المحْرِم: فيحرُم عليه الأكل منه؛ لحديث الصَّعب بن جثَّامة ﵁ أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشيًّا، وهو بالأبواء، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» [البخاري: ١٨٢٥، ومسلم: ١١٩٣]. ٤ - ألا يصيد ولا يتسبب في الصيد ولا يصاد لأجله: فيباح له الأكل منه؛ لظاهر حديث أبي قتادة السابق. (وَ) السابع: (عَقْدُ نِكَاحٍ)، فلو تزوج المحْرم، أو زوَّج محْرمة، أو كان وليًّا أو وكيلاً في النكاح؛ حرم ولم يصح النكاح؛ لحديث عثمان ﵁ مرفوعاً: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ» [مسلم: ١٤٠٩]، والنهي يقتضي الفساد؛ لأنه يرجع إلى ذات المعاملة، وهذا هو الوارد عن الصحابة، كعمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عمر ﵃ [البيهقي: ١٤٢١٤، وما بعده]. وأما ما ورد عن ابن عباس ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» [البخاري: ١٨٣٧، ومسلم: ١٤١٠]، فقد قال ابن المسيب: (وَهِم ابن عباس، في تزويج ميمونة وهو محرم) [أبو داود: ١٨٤٥]، وذلك لأن ميمونة صاحبة الحادثة، وأبا رافع الرسول بين النبي ﷺ وميمونة صَرَّحا بأنه كان حلالاً، فعن يزيد بن الأصم، قال: حدثتني ميمونة بنت الحارث ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» [مسلم: ١٤١١]، وعن أبي رافع ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا وَبَنَى بِهَا حَلَالاً، وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا» [أحمد: ٢٧١٩٧، والترمذي: ٨٤١].

стр. 655

- فرع: يستمر تحريم عقد النكاح على المحرم في العمرة إلى التحلل منها، وفي الحج إلى التحلل الثاني؛ لحديث عائشة ﵂ مرفوعاً: «إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» [أحمد: ٢٥١٠٣، وأبو داود: ١٩٧٨]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يستمر في الحج إلى التحلل الأول؛ لأن من تحلل التحلل الأول لا يطلق عليه الاسم المطلق للمحرم. (وَ) الثامن: (جِمَاعٌ)، بأن يُغَيِّب المحْرِم حشفته في قُبُل أو دبر أصلي، من آدمي أو غيره، حي أو ميت، وهو من المحظورات إجماعاً؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ) [البقرة: ١٩٧] قال ابن عباس: «هُوَ الجِمَاعُ» [ابن أبي شيبة: ١٣٢٣٠]. (وَ) التاسع: (مُبَاشَرَةُ) الرجلِ المرأةَ (فِيمَا دُونَ فَرْجٍ)، وهو على قسمين: ١ - بغير شهوة: فيجوز اتفاقاً. ٢ - بشهوة: فيحرم اتفاقاً، كالتقبيل واللمس والنظر ونحوه؛ لقوله تعالى: (فَلا رَفَثَ)، قال ابن عباس ﵄: «هُوَ التَّعْرِيضُ بِذِكْرِ الجِمَاعِ»، وقال ابن عمر ﵄: «الرَّفَثُ إتيَانُ النِّسَاء، والتَّكَلُّمُ بِذَلكِ للرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إذَا ذَكَرُوا ذَلكَ بِأَفْوَاهِهِم» [تفسير الطبري ٤/ ١٢٥]، ولأنه إذا كان يحرُمُ عقد النكاح الذي تستباح به المباشرة، فالمباشرة من باب أولى، ولأنه وسيلة إلى الوطء المحرم، فكان حراماً.

стр. 656

- مسألة: محظورات الإحرام من حيث الفدية لا تخلو من أربعة أقسام: القسم الأول: ما لا فدية فيه: وهو محظوران: ١ - عقد النكاح؛ لعدم ورود الفدية، والأصل عدمها، ولأنه عقد فسد لأجل الإحرام، فلم تجب به فدية، كشراء الصيد. ٢ - قتل القمل، وهو مُحرَّم على المحْرِم؛ لأنه يترفه بإزالته، فكان كإزالة الشعر، ولا فدية فيه؛ لأنه ليس بصيد ولا قيمة فيه، أشبه البعوض والبراغيث، ولأن كعب بن عجرة ﵁ حين حلق رأسه قد أذهب قملاً كثيراً، ولم يجب عليه لذلك شيء، وإنما وجبت الفدية بحلق الشعر، ولأن ابن عمر ﵄ أتاه رجل فقال: إني قتلت قملة وأنا محرم، فقال ابن عمر ﵄: «أَهْوَنُ قَتِيلٍ» [البيهقي: ١٠٠٦٥]، ونحوه عن ابن عباس ﵄ [الشافعي ص ١٣٦]. وعنه: يباح قتله؛ لأنه من أكثر الهوام أذىً، فأبيح قتله كالبراغيث وسائر ما يؤذي. واختار شيخ الإسلام: أنه إن قرصه القمل والبعوض والقُرُد فله قتلها، ولا شيء عليه، وإلا فلا يقتلها. [*]

стр. 657

القسم الثاني: ما فيه فدية أذى: وتكون فيما يلي من المحظورات: ١ - إزالة الشعر: (فَفِي) إزالة (أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ) إطعامٌ، ففي شعرة أو بعضها طعام مسكين، وفي شعرتين أو بعض شعرتين طعام مسكينين، وفي الثلاثة دم أي: فدية أذى؛ لقول عطاء بن أبي رباح: «في الشعرة مُدٌّ، وفي الشعرتين مُدَّان، وفي الثلاث فصاعدًا دم» [البيهقي: ٩١٢٤]، وخصت فدية الأذى في حلق ثلاث شعرات فأكثر؛ لأن أقل ما يصدق عليه اسم الحلق حلق ثلاث شعرات، ولأن أقل الجمع ثلاث، وقد اعتبرت في مواضع من الأحكام، فاعتبرت هنا. ٢ - تقليم الأظفار، (وَ) ذلك أنه في أقل من (ثَلَاثَةِ أَظْفَارٍ: فِي كُلِّ وَاحِدٍ فَأَقَلَّ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، ففي ظفر طعام مسكين، وفي ظفرين طعام مسكينين، (وَفِي الثَّلَاثِ) من الأظفار (فَأَكْثَرَ دَمٌ) أي: فدية أذىً؛ قياساً على الحلق؛ لأنه في معناه في حصول الرفاهية. ووجَّه في الفروع احتمالاً، واختاره ابن عثيمين: أنه لا تجب الفدية في الشعر والأظفار إلا فيما يماط به الأذى؛ لقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه) [البقرة: ١٩٦]، وهو لا يحلق إذا كان به أذىً من رأسه إلا ما يماط به الأذى، ولحديث ابن عباس ﵄: «احْتَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» [البخاري: ١٨٣٥، ومسلم: ١٢٠٢]، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه فدى، لأن الشعر الذي يزال من أجل الحجامة لا يماط بمثله الأذى.

стр. 658

٣ - (وَفِي تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ) قَلَّ أو كثر: فدية أذى، ولا تخلو التغطية من حالين: الأولى: أن تكون التغطية (بِلَاصِقٍ)، كالعمامة والخرقة والسير ونحوه مما تقدم: ففيه فدية أذى؛ لأنه فعل محرَّماً في الإحرام يقصد به الترفه، أشبه حلق الرأس. الثانية: أن تكون التغطية بغير ملاصق، كالاستظلال بالمحمل ونحوه: فيحرم على ما تقدم، وليس فيه فدية أذى على رواية؛ وهو مفهوم كلام المؤلف، قال في الإنصاف: (وهذا المذهب على ما اصطلحنا عليه). والمذهب: فيه فدية أذى؛ لأنه يقصد به الترفه، ولأنه ستره بما يستلزم ويلازمه غالباً، أشبه ما لو ستره بشيء يلاقيه، قال في تصحيح الفروع: (وهو الصحيح)، وجزم به في التنقيح والإقناع والمنتهى. ٤ - وتغطية وجه امرأة، ويأتي. ٥ - (وَ) في (لُبْسِ مَخِيطٍ) فدية أذى، على ما تقدم تفصيله؛ قياساً على الحلق؛ لأنه في معناه في حصول الرفاهية. ٦ - (وَ) في (تَطَيُّبٍ فِي بَدَنٍ، أَوْ) في (ثَوْبٍ، أَوْ شَمِّ) طيبٍ، (أَوْ دَهْنٍ) بمطيَّب على ما تقدم تفصيله: (الفِدْيَةُ) أي: فدية الأذى، قلَّ ذلك أو كثر؛ لظاهر الأخبار الواردة في النهي عن ذلك، وقياساً على الحلق؛ لأنه في معناه في حصول الرفاهية.

стр. 659

٧ - الوطء في الحج بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني، ويأتي. ٨ - الوطء في العمرة مطلقاً، ويأتي. ٩ - المباشرة بشهوة في العمرة مطلقاً، ويأتي. ١٠ - المباشرة بشهوة في الحج دون إنزال، ويأتي. ١١ - المباشرة بشهوة مع الإنزال في الحج بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني. - تنبيه: قال في الإنصاف: (كل استمتاع يوجب شاة، كالوطء في العمرة، وبعد التحلل الأول في الحج إذا قلنا به، والمباشرة من غير إنزال، ونحو ذلك، إذا قلنا: يجب شاة، فحكمها حكم فدية الأذى من غير خلاف). القسم الثالث من أقسام المحظورات من حيث الفدية: ما فيه الجزاء: وهو قتل الصيد، وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَإِنْ قَتَلَ) المحْرِم (صَيْداً) بشروطه السابقة، وهي كونه (مَأْكُولاً بَرِّيًّا أَصْلاً: فَـ) يجب (عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ)، وسيأتي بيان الجزاء. القسم الرابع: ما فديته بدنة: وهو الجماع، والمباشرة بشهوة مع الإنزال في الحج قبل التحلل الأول؛ لما يأتي من الأدلة.

стр. 660

- فرع: (وَالجِمَاعُ) في الحج والعمرة لا يخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون الجماع بعد الإحرام و (قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ فِي حَجٍّ) ولو بعد الوقوف بعرفة، (وَ) كذا لو كان (قَبْلَ فَرَاغِ) المحرم من (سَعْيٍ فِي عُمْرَةٍ)، ويترتب على هذا الجماع خمسة أحكام: ١ - أنه (مُفْسِدٌ لِنُسُكِهِمَا) أي: الحج والعمرة (مُطْلَقًا) أي: سواء كان ساهياً أم جاهلاً أم مكرهاً، أم لم يكن كذلك؛ لما روى يزيد بن نعيم: أن رجلاً من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله ﷺ ، فقال لهما: «اقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَأهْدِيَا هَدْيًا، ثُمَّ ارْجِعَا، حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا تَفَرَّقَا وَلَا يَرَى وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى، فَتُقْبِلَانِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا، فَأَحْرِمَا وَأَتِمَّا نُسُكَكُمَا وَاهْدِيَا» [أبو داود في المراسيل: ١٤٠، وفي التلخيص: رجاله ثقات مع انقطاعه]، وعن ابن عباس ﵄ في رجل وقع على امرأته وهو محرم، قال: «اقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَارْجِعَا إِلَى بَلَدِكُمَا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَاخْرُجَا حَاجَّيْنِ، فَإِذَا أَحْرَمْتُمَا فَتَفَرَّقَا وَلَا تَلْتَقِيَا حَتَّى تَقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَأَهْدِيَا هَدْيًا» [البيهقي: ٩٧٨٢، وإسناده صحيح]، وعن مالك: أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وعليَّ بن أبي طالب وأبا هريرة ﵃ سئلوا: عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج، فقالوا: «يَنْفُذَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى يَقْضِيَا

стр. 661

حَجَّهُمَا، ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجُّ قَابِلٍ وَالهَدْيُ» [الموطأ: ١٤٢١]، ولما جاء عن ابن عمر ﵄: أن رجلاً أتاه فسأله عن محرم وقع بامرأة، فقال له: «بَطَلَ حَجُّكَ»، فقال الرجل: فما أصنع؟ ، قال: «اخْرُجْ مَعَ النَّاسِ وَاصْنَعْ مَا يَصْنَعُونَ، فَإِذَا أَدْرَكْتَ قَابِلًا فَحُجَّ وَأَهْدِ»، ووافقه على ذلك ابن عباس وعبد الله بن عمرو ﵃ [البيهقي: ٩٧٨٣، وصحح إسناده]. ويأتي في الفدية أن الرواية الثانية: سقوط جميع المحظورات بالجهل والإكراه والنسيان، ومنها الجماع. ٢ - (وَ) يجب (فِيهِ) أي: هذا الجماع: (لِحَجٍّ: بَدَنَةٌ)؛ لما تقدم من الآثار، وفيها: «وَأَهِديَا هَدْياً»، وقال ابن عباس ﵄: «إِذَا جَامَعَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ» [البيهقي: ٩٧٨٦]، (وَ) يجب فيه (لِعُمْرَةٍ: شَاةٌ) أي: فدية أذى؛ لما روى سعيد بن جبير: أن رجلاً اعتمر فغشي امرأته قبل أن يطوف بالصفا والمروة بعدما طاف بالبيت - وفي رواية: قبل التقصير-، فسئل ابن عباس ﵄، فقال: «فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُك» [البيهقي: ٩٨٠٥]، ولأنها أحد النسكين فوجب أن يجب بالوطء فيها شيء كالآخر، وإنما كان شاة؛ لأن حكم العمرة أخف. ٣ - (وَيَمْضِيَانِ) أي: الواطئ والموطوءة (فِي فَاسِدِهِ) أي: فاسد النسك من الحج والعمرة وجوباً، اتفاقاً؛ لعموم قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله)، ولما تقدم من الحديث والآثار.

стр. 662

وحكم الإحرام الذي أفسده حكم الإحرام الصحيح، فيفعل بعد الإفساد ما كان يفعله قبله من الوقوف وغيره، ويجتنب ما يجتنبه قبله من الوطء وغيره. ٤ - (وَيَقْضِيَانِهِ) أي: النسك الفاسد بالوطء وجوباً، قال في المبدع: (بغير خلاف نعلمه)؛ لما تقدم من الحديث والآثار، سواء كان في الحج أم العمرة. ويجب القضاء (مُطْلَقًا) أي: كبيراً كان أو صغيراً، واطئاً أو موطوءاً، فرضاً أو نفلاً؛ لأن النفل يلزم بالشروع فيه في الحج والعمرة، فصار واجباً. ٥ - وجوب التوبة؛ لأنه إثم ومعصية. - فرع: لا يخلو حال الرجل والمرأة اللذين وقعا في الجماع قبل التحلل الأول من أمرين: ١ - (إِنْ كَانَا مُكَلَّفَيْنِ) فيجب عليهما قضاء النسك (فَوْراً)؛ لآثار الصحابة ﵃ المتقدمة، ولأن الأصل في الأوامر الفورية. ٢ - (وَإِلَّا) يكونا مكلفين، كالصغير والمجنون: فيجب عليهما القضاء (بَعْدَ التَّكْلِيفِ، وَ) بعد (فِعْلِ حَجَّةِ الإِسْلَامِ)؛ لأنه إحرام صحيح، فوجب عليه القضاء إذا أفسده؛ كحج التطوع في حق البالغ، ويقضيانه (فَوْراً) بعد

стр. 663

إتيانهما بحجة الإسلام؛ لأن الأصل في الأوامر الفورية. - فرع: إذا جامع في العمرة بعد السعي وقبل التحلل، فعمرته صحيحة، وعليه فدية أذى؛ فعن ابن عباس ﵄ أنه قال في امرأة وقع عليها زوجها وقد قصرت ولم يقصر الرجل، قال: «عَلَيْهِ دَمٌ»، وعن سعيد بن جبير نحوه. [ابن أبي شيبة: ١٤٩٢٨ تحقيق الجمعة واللحيدان]، ولم يأمره بالقضاء، فدل على صحة عمرته. - فرع: المباشرة بما دون الفرج على قسمين: الأول: أن تكون المباشرة بغير شهوة: فلا شيء عليه؛ لأنه ليس بمحظور. (وَ) الثاني: أن تكون المباشرة بشهوة: وفيه ثلاثة أحكام: ١ - وجوب التوبة؛ لأنه ذنب ومعصية. ٢ - (لَا يَفْسُدُ النُّسُكُ) من حجٍّ وعمرةٍ (بِمُبَاشَرَةٍ) بشهوة؛ لعدم الدليل، والأصل صحة العبادة؛ ولا يصح قياسه على الجماع؛ لأن الوطء يجب به الحد، ولا يجب الحد بالمباشرة، فافترقا. ٣ - (وَيَجِبُ بِهَا) أي: بالمباشرة لشهوة: فدية، ولا يخلو ذلك من أمرين: الأول: أن يكون ذلك في العمرة: فتجب شاة مطلقاً، سواء أنزل - منيًّا أو مذيًّا - أو لم ينزل، قبل السعي أو بعده.

стр. 664

الثاني: أن يكون ذلك في الحج: فلا يخلو: أ) أن ينزل منيًّا: ولا يخلو من حالين: - أن يكون قبل التحلل الأول: فتجب عليه بدنة، كما لو باشر دون الفرج فأمنى، أو قبَّل أو لمس فأمنى، أو كرر النظر فأمنى، أو استمنى فأمنى، وأشار إليه بقوله: (بَدَنَةٌ إِنْ أَنْزَلَ)، وهو من المفردات؛ قياساً على فدية الوطء. فإن أمذى بذلك ولم ينزل؛ فعليه فدية أذى؛ لما فيه من الترفه. وعنه، واختاره ابن عثيمين: أن عليه فدية أذىً؛ لارتكابه لمحظور من المحظورات، ولا يصح قياسه على الوطء؛ لأنه لا يُفسد النسك، والوطء يفسده. - أن يكون بعد التحلل الأول: فتجب فيه فدية الأذى؛ قياساً على الوطء بعد التحلل الأول. ب) ألا ينزل: كما لو باشر دون الفرج، أو قبَّل أو لمس، ولم ينزل منيًّا ولا مذياً، فتجب عليه فدية أذى (١)، سواء كان قبل التحلل الأول أم بعده،

стр. 665

وأشار إليه بقوله: (وَإِلَّا شَاةٌ)؛ لما ورد عن مجاهد قال: رأى ابن عباس رجلاً وهو يسب امرأته، فقال: «ما لك؟ » قال: إني أمذيت، فقال ابن عباس: «لا تسبَّها، وأهرق بذلك»، ونحوه عن علي ﵄، وفيهما ضعف، وورد ذلك عن ابن المسيب وابن جبير وعطاء وجماعة من التابعين [ابن أبي شيبة: ١٢٧٣٤، وما بعده]، ولأنه فعل محرم بالإحرام، فوجبت به الشاة كالحلق. أما إذا كرر النظر ولم يُنزل، فلا شيء عليه؛ لأنه لا يمكن التحرز منه (١). الحالة الثانية من حالات الجماع في الإحرام: أن يكون الجماع في الحج بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني: ويترتب عليه أربعة أحكام:

стр. 666

١ - وجوب التوبة؛ لأنه ذنب ومعصية. ٢ - (وَلَا) يفسد النسك (بِوَطْءٍ فِي حَجٍّ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ وَقَبْلَ) التحلل (الثَّانِي)؛ لما صح عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً أصاب من أهله قبل أن يطوف بالبيت يوم النحر، فقال: «يَنْحَرَانِ جَزُورًا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» [البيهقي: ٩٨٠١]. ٣ - ويجب عليه تجديد الإحرام، فلا يفسد النسك، و (لَكِنْ يَفْسُدُ الإِحْرَامُ)، فيحتاج حينئذ إلى تجديده؛ لأن إحرامه يفسد بالوطء كما يفسد به قبل التحلل الأول، (فَيُحْرِمُ مِنَ الحِلِّ)؛ ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم. وليس هذا الإحرام ليأتي بعمرة، وإنما (لِيَطُوفَ للزِّيَارَةِ) وهو طواف الإفاضة، (فِي إِحْرَامٍ صَحِيحٍ)؛ لأن الطواف ركن لا يتم الحج إلا به، فيجب أن يأتي به في إحرام صحيح كالوقوف، ولا يأتي بسعي وتقصير، (وَ) إنما (يَسْعَى إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى) من قبل؛ ليأتي بما بقي من الحج. وأما المنصوص عن أحمد: (أنه يعتمر)، فيحتمل أنه أراد هذا المعنى وسماه عمرة؛ لأن هذه أفعال العمرة، ويؤيده: ما ورد عن قتادة في رجل أهل بعمرة، ثم وقع بأهله قبل أن يطوف بالبيت، قال: «يرجع إلى حيث أحرم، فيُحْرِم من ثَمَّ، ويُهريق دماً» [ابن أبي شيبة: ١٤٨١٢].

стр. 667

وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يعتمر مطلقاً، وعلى هذا فيلزمه سعي - وإن كان قد سعى - وتقصير، قال شيخ الإسلام: (وعليه نصوص أحمد، وهو المأثور عن الصحابة)؛ لما ورد عن ابن عباس أنه قال في الذي يصيب أهله قبل أن يُفيض: «يعتمر، ويُهْدي» [مالك: ١٤٣٣]. ٤ - (وَ) يجب (عَلَيْهِ شَاةٌ) أي: فدية أذىً؛ لما صح عن ابن عباس ﵄ في رجل وقع على امرأته قبل أن يزور البيت، قال: «عَلَيْهِ دَمٌ» [ابن أبي شيبة: ١٤٩٣٢]، ولأن حكم الإحرام خف بالتحلل الأول، فينبغي أن يكون موجبه دون موجب الإحرام التام. وعنه: أنه يلزمه بدنه؛ لما صح عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل وقع على أهله وهو محرم وهو بمنىً قبل أن يُفيض: «فَأَمَرَهُ أنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً» [البيهقي: ٩٨٠٣]، ويحمل قوله السابق: «عَلَيْهِ دَمٌ» على البدنة، وعلى ذلك جماعة من التابعين، كعلقمة ومجاهد وعطاء والشعبي وعكرمة وغيرهم [ابن أبي شيبة: ١٤٩٣٣، وما بعده]. الحالة الثالثة: أن يكون الجماع في الحج بعد التحلل الثاني وفي العمرة بعد الانتهاء: فلا شيء فيه؛ لأنه ليس بمحظور. - مسألة: (وَإِحْرَامُ امْرَأَةٍ) فيما تقدم (كَـ) إحرام (رَجُلٍ)، فيحرُمُ عليها ما يحرُمُ على الرجال، ويلزمها من الفدية ما يلزم الرجال، (إِلَّا فِي) ثلاث مسائل:

стр. 668

١ - يجوز لها تغطية رأسها ولو بتظليل المحمل ونحوه إجماعاً؛ لحاجتها إلى الستر. ٢ - (لُبْسُ مَخِيطٍ)، فيحرم على الرجل، ولا يحرم على المرأة، (وَ) يستثنى من ذلك أمران: الأول: (تَجْتَنِبُ) المحرِمة لبس (البُرْقُعِ) اتفاقاً، وهو خرقة تثقب للعينين، تلبسها النساء فتستر الوجه فقط؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «وَلا تَنْتَقِبُ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ» [البخاري: ١٨٣٨]، وأُلحق البرقع بالنقاب؛ لأنه في معناه. (وَ) الثاني: تجتنب المحرمة لبس (القُفَّازَيْنِ)، وهو لباس يُعمل لليدين؛ لحديث ابن عمر السابق. ٣ - (وَتَغْطِيَةُ الوَجْهِ)، فيجوز للرجل، وأما المرأة فلا تخلو من حالين: الأولى: أن تغطي وجهها بما لا يمس الوجه: قال شيخ الإسلام: (يجوز بالاتفاق)؛ لأن تغطية الوجه إنما يحصل بما يُماسُّ وجهها دون ما لا يماسه، فيكون هذا في معنى دخولها تحت سقف. الثانية: أن تغطي وجهها بما يمس الوجه، فلا يخلو من أمرين: أ) أن يكون بلا حاجة: فيحرم اتفاقاً؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «لَيْسَ عَلَى المَرْأَةِ إِحْرَامٌ إِلَّا فِي وَجْهِهَا» [الدارقطني: ٢٧٦٠، وضعفه، وصوب الموقوف].

стр. 669

ب) أن يكون لحاجة، كمرور رجال أجانب: فيجوز أن تسدل من فوق رأسها على وجهها إجماعاً؛ لقول عائشة ﵂: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ» [أحمد: ٢٤٠٢١، وأبو داود: ١٨٣٣، وفيه ضعف]، ولأن بالمرأة حاجةً إلى ستر وجهها، فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق؛ كالعورة. واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز تغطية وجهها مطلقاً؛ لأن النبي ﷺ إنما منعها من أن تنتقب، لا من تغطية وجهها، لقول فاطمة بنت المنذر: «كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄» [مالك: ١١٧٦]، وعن عائشة ﵂ قالت: «المُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَتْ إِلَّا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ، وَلَا تَتَبَرْقَعُ وَلَا تَلَثَّمُ، وَتُسْدِلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ» [البيهقي: ٩٠٥٠]. - فرع: (فَإِنْ غَطَّتْهُ) أي: غطَّت المحرمةُ وجهَها (بِلَا عُذْرٍ: فَدَتْ)؛ لارتكابها المحظور؛ قياساً على سائر المحظورات، وسبق.

стр. 670

(فَصْلٌ في الفِدْيَةِ) أي: أقسامها، وقدر ما يجب، والمستحق لأخذها. الفدية لغة: مصدر فدى يفدي فداءً، وهي: ما يعطى في افتكاك الأسير، أو إنقاذ من هلكة. واصطلاحاً: دم أو صوم أو طعام، يجب بسبب نسك، أو بسبب حرم مكي. والحكمة منها: تعظيم أمر الإحرام، وأن محظوراته من المهلكات؛ لعظم شأنه، وتأكد حرمته. - مسألة: الفدية على قسمين: القسم الأول: أن تكون على التخيير، وهي على نوعين: النوع الأول: ما فيه فدية أذىً، وذكره بقوله: (يُخَيَّرُ بِفِدْيَةِ حَلْقِ) ثلاثِ شعراتٍ فأكثر، (وتَقْلِيمِ) ثلاثةِ أظفار فأكثر، (وَتَغْطِيَةِ رَأْسِ رَجُلٍ، وَوَجْهِ امْرَأَةٍ، وَطِيبٍ)، ولُبْس مخيط، والوطء والإنزال بمباشرة بعد التحلل الأول وقبل الثاني، والوطء في العمرة مطلقاً، والمباشرة بشهوة دون إنزال: (بَيْنَ) ثلاثة أمور:
следующие страницы →