١ - وجوب التوبة؛ لأنه ذنب ومعصية.
٢ - (وَلَا) يفسد النسك (بِوَطْءٍ فِي حَجٍّ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ وَقَبْلَ) التحلل (الثَّانِي)؛ لما صح عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً أصاب من أهله قبل أن يطوف بالبيت يوم النحر، فقال: «يَنْحَرَانِ جَزُورًا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» [البيهقي: ٩٨٠١].
٣ - ويجب عليه تجديد الإحرام، فلا يفسد النسك، و (لَكِنْ يَفْسُدُ الإِحْرَامُ)، فيحتاج حينئذ إلى تجديده؛ لأن إحرامه يفسد بالوطء كما يفسد به قبل التحلل الأول، (فَيُحْرِمُ مِنَ الحِلِّ)؛ ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم.
وليس هذا الإحرام ليأتي بعمرة، وإنما (لِيَطُوفَ للزِّيَارَةِ) وهو طواف الإفاضة، (فِي إِحْرَامٍ صَحِيحٍ)؛ لأن الطواف ركن لا يتم الحج إلا به، فيجب أن يأتي به في إحرام صحيح كالوقوف، ولا يأتي بسعي وتقصير، (وَ) إنما (يَسْعَى إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى) من قبل؛ ليأتي بما بقي من الحج.
وأما المنصوص عن أحمد: (أنه يعتمر)، فيحتمل أنه أراد هذا المعنى وسماه عمرة؛ لأن هذه أفعال العمرة، ويؤيده: ما ورد عن قتادة في رجل أهل بعمرة، ثم وقع بأهله قبل أن يطوف بالبيت، قال: «يرجع إلى حيث أحرم، فيُحْرِم من ثَمَّ، ويُهريق دماً» [ابن أبي شيبة: ١٤٨١٢].
стр. 667
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يعتمر مطلقاً، وعلى هذا فيلزمه سعي - وإن كان قد سعى - وتقصير، قال شيخ الإسلام: (وعليه نصوص أحمد، وهو المأثور عن الصحابة)؛ لما ورد عن ابن عباس أنه قال في الذي يصيب أهله قبل أن يُفيض: «يعتمر، ويُهْدي» [مالك: ١٤٣٣].
٤ - (وَ) يجب (عَلَيْهِ شَاةٌ) أي: فدية أذىً؛ لما صح عن ابن عباس ﵄ في رجل وقع على امرأته قبل أن يزور البيت، قال: «عَلَيْهِ دَمٌ» [ابن أبي شيبة: ١٤٩٣٢]، ولأن حكم الإحرام خف بالتحلل الأول، فينبغي أن يكون موجبه دون موجب الإحرام التام.
وعنه: أنه يلزمه بدنه؛ لما صح عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل وقع على أهله وهو محرم وهو بمنىً قبل أن يُفيض: «فَأَمَرَهُ أنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً» [البيهقي: ٩٨٠٣]، ويحمل قوله السابق: «عَلَيْهِ دَمٌ» على البدنة، وعلى ذلك جماعة من التابعين، كعلقمة ومجاهد وعطاء والشعبي وعكرمة وغيرهم [ابن أبي شيبة: ١٤٩٣٣، وما بعده].
الحالة الثالثة: أن يكون الجماع في الحج بعد التحلل الثاني وفي العمرة بعد الانتهاء: فلا شيء فيه؛ لأنه ليس بمحظور.
- مسألة: (وَإِحْرَامُ امْرَأَةٍ) فيما تقدم (كَـ) إحرام (رَجُلٍ)، فيحرُمُ عليها ما يحرُمُ على الرجال، ويلزمها من الفدية ما يلزم الرجال، (إِلَّا فِي) ثلاث مسائل:
стр. 668
١ - يجوز لها تغطية رأسها ولو بتظليل المحمل ونحوه إجماعاً؛ لحاجتها إلى الستر.
٢ - (لُبْسُ مَخِيطٍ)، فيحرم على الرجل، ولا يحرم على المرأة، (وَ) يستثنى من ذلك أمران:
الأول: (تَجْتَنِبُ) المحرِمة لبس (البُرْقُعِ) اتفاقاً، وهو خرقة تثقب للعينين، تلبسها النساء فتستر الوجه فقط؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «وَلا تَنْتَقِبُ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ» [البخاري: ١٨٣٨]، وأُلحق البرقع بالنقاب؛ لأنه في معناه.
(وَ) الثاني: تجتنب المحرمة لبس (القُفَّازَيْنِ)، وهو لباس يُعمل لليدين؛ لحديث ابن عمر السابق.
٣ - (وَتَغْطِيَةُ الوَجْهِ)، فيجوز للرجل، وأما المرأة فلا تخلو من حالين:
الأولى: أن تغطي وجهها بما لا يمس الوجه: قال شيخ الإسلام: (يجوز بالاتفاق)؛ لأن تغطية الوجه إنما يحصل بما يُماسُّ وجهها دون ما لا يماسه، فيكون هذا في معنى دخولها تحت سقف.
الثانية: أن تغطي وجهها بما يمس الوجه، فلا يخلو من أمرين:
أ) أن يكون بلا حاجة: فيحرم اتفاقاً؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «لَيْسَ عَلَى المَرْأَةِ إِحْرَامٌ إِلَّا فِي وَجْهِهَا» [الدارقطني: ٢٧٦٠، وضعفه، وصوب الموقوف].
стр. 669
ب) أن يكون لحاجة، كمرور رجال أجانب: فيجوز أن تسدل من فوق رأسها على وجهها إجماعاً؛ لقول عائشة ﵂: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ» [أحمد: ٢٤٠٢١، وأبو داود: ١٨٣٣، وفيه ضعف]، ولأن بالمرأة حاجةً إلى ستر وجهها، فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق؛ كالعورة.
واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز تغطية وجهها مطلقاً؛ لأن النبي ﷺ إنما منعها من أن تنتقب، لا من تغطية وجهها، لقول فاطمة بنت المنذر: «كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄» [مالك: ١١٧٦]، وعن عائشة ﵂ قالت: «المُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَتْ إِلَّا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ، وَلَا تَتَبَرْقَعُ وَلَا تَلَثَّمُ، وَتُسْدِلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ» [البيهقي: ٩٠٥٠].
- فرع: (فَإِنْ غَطَّتْهُ) أي: غطَّت المحرمةُ وجهَها (بِلَا عُذْرٍ: فَدَتْ)؛ لارتكابها المحظور؛ قياساً على سائر المحظورات، وسبق.
стр. 670
(فَصْلٌ في الفِدْيَةِ)
أي: أقسامها، وقدر ما يجب، والمستحق لأخذها.
الفدية لغة: مصدر فدى يفدي فداءً، وهي: ما يعطى في افتكاك الأسير، أو إنقاذ من هلكة.
واصطلاحاً: دم أو صوم أو طعام، يجب بسبب نسك، أو بسبب حرم مكي.
والحكمة منها: تعظيم أمر الإحرام، وأن محظوراته من المهلكات؛ لعظم شأنه، وتأكد حرمته.
- مسألة: الفدية على قسمين:
القسم الأول: أن تكون على التخيير، وهي على نوعين:
النوع الأول: ما فيه فدية أذىً، وذكره بقوله: (يُخَيَّرُ بِفِدْيَةِ حَلْقِ) ثلاثِ شعراتٍ فأكثر، (وتَقْلِيمِ) ثلاثةِ أظفار فأكثر، (وَتَغْطِيَةِ رَأْسِ رَجُلٍ، وَوَجْهِ امْرَأَةٍ، وَطِيبٍ)، ولُبْس مخيط، والوطء والإنزال بمباشرة بعد التحلل الأول وقبل الثاني، والوطء في العمرة مطلقاً، والمباشرة بشهوة دون إنزال: (بَيْنَ) ثلاثة أمور:
стр. 671
١ - (صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ).
٢ - (أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ)، لـ (كُلِّ مِسْكِينٍ: مُدَّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ) من غيره، واختاره شيخ الإسلام؛ قياساً على كفارة اليمين.
وعنه: يجب نصف صاع في الفدية، سواء كان من البر أم من بقية الأصناف، وسبقت المسألة في زكاة الفطر.
- فرع: جنس الطعام في فدية الأذى كجنس الطعام في الفطرة، فيجب بُرٌّ، أو (تَمْرٌ، أَوْ زَبِيبٌ، أَوْ شَعِيرٌ) أو أقط؛ لحديث كعب ﵁ الآتي، وفيه: «لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ»، وفي رواية: «أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ» [مسلم ١٢٠١]، وفي رواية: «فَرْقًا مِنْ زَبِيبٍ» [أبو داود ١٨٦٠]، وقيس عليهما البر والشعير والأقط؛ كزكاة الفطر والكفارة، على ما سبق بيانه في زكاة الفطر.
واختار شيخ الإسلام: أنه يرجع فيه إلى العرف، كالفطرة والكفارة، لظاهر قوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون به أهليكم)، وذكر التمر في قصة كعب؛ لأنهم كانوا يقتاتون التمر، فأمره أن يطعم منه.
- ضابط المذهب: (مدُّ البر يساوي نصف صاع من غيره مطلقاً، إلا في زكاة الفطر).
стр. 672
وعند شيخ الإسلام: مُد البر يساوي نصف صاع من غيره مطلقاً، حتى في الفطرة.
وعند ابن عثيمين: مد البر يساوي مد من غيره مطلقاً.
٣ - (أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ)؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁: حُملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟ » فقلت: لا، فقال: «فَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ» [البخاري ١٨١٦، ومسلم ١٢٠١].
- فرع: إن حلق بعض شعره لحاجة فلا تسقط الفدية؛ لحديث كعب بن عجره السابق.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا تجب الفدية مع العذر؛ لحديث عبد الله ابن بُحينه ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَسَطَ رَأْسِهِ» [البخاري ١٨٣٦، ومسلم ١٢٠٣]، وهذا لا يكون إلا مع حلق بعض الرأس، وأما حديث كعب ﵁ فهو في حلق جميع الرأس.
(وَ) النوع الثاني من أنواع الفدية على التخيير: (فِي جَزَاءِ صَيْدٍ)، ولا يخلو ذلك من أمرين:
الأول: أن يكون الصيد له مِثْلٌ من النَّعَم: فيخير (بَيْنَ) ثلاثة أشياء:
стр. 673
١ - ذبحِ (مِثْلِ مِثْلِيٍّ) من النَّعم، يتصدق به على فقراء الحرم.
٢ - (أَوْ تَقْوِيمِهِ) أي: تقويم المثل، لا تقويم الصيد؛ لقوله تعالى: (أو عدل ذلك صياماً)، والإشارة راجعة إلى المثل في قوله: (فجزاء مثل ما قتل من النعم)، ولقول ابن عباس ﵄ الآتي.
فيقوَّم المثل في الموضع الذي أتلف الصيد فيه أو بقربه (بِدَرَاهِم يَشْتَرِي بِها طَعَاماً يُجْزِئُ) إخراجه (فِي فِطْرَةٍ) على ما تقدم في زكاة الفطر، (فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ)؛ كالواجب في فدية أذى وكفارة.
٣ - (أَوْ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْماً).
والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ... يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ ... طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ المائدة: ٩٥، قال ابن عباس ﵄: «إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ ذَبَحَهُ وتصدَّق بِلَحْمه، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ قُوِّم جَزَاؤُهُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا، فَصَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا» [التفسير لسعيد بن منصور ٨٣٢].
стр. 674
(وَ) الثاني: أن يكون الصيد لا مثل له من النعم: فيخير بعد أن يقوَّم الصيد بدراهم؛ لتعذر المثل، (بَيْنَ إِطْعَامٍ أَوْ صِيَامٍ) على ما سبق، وأشار إلى هذا القسم بقوله: (فِي غَيْرِ مِثْلِيٍّ).
القسم الثاني من أقسام الفدية: أن تكون على الترتيب، وهي خمسة أنواع:
النوع الأول: دم المتعة والقران: وأشار إليه بقوله: (وَإِنْ عَدِمَ مُتَمَتِّعٌ أَوْ قَارِنٌ الهَدْيَ)، أو عدم ثمنَه، ولو وجد من يقرضه؛ لما في القرض من المنَّة، (صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ)، وسبعةً إذا رجع لأهله؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، وقيس عليه القارن، وتقدم.
- فرع: وقت صيام الأيام الثلاثة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وقت الوجوب: وهو من طلوع الفجر يوم النحر؛ لأن الصيام بدل عن الهدي، وهو إنما يجب ذلك الوقت.
واختار شيخ الإسلام: أنه يجب صومها قبل يوم النحر؛ لأن الله أمر بصيامها في الحج، ويوم النحر لا يجوز صومه، فتعين أن يصام قبله؛ لأن ما بعده ليس بحج، إلا أيام التشريق على إحدى الروايتين.
стр. 675
القسم الثاني: وقت الجواز: فيبدأ من بعد الإحرام بالعمرة، ولا يصح قبله؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعًا: «دَخَلَتِ العُمْرَةُ فِي الحَجِّ» [مسلم ١٢١٨]، فإذا أحرم بالعمرة فقد شرع في الحج، فجاز صيامها، ولأن الإحرام بالعمرة سبب التمتع، فمتى وجد السبب جاز تقديمه على وقت الوجوب، كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب.
وينتهي وقت صيامها: بآخر أيام التشريق، فإن أخرها عنها صامها بعده؛ استدراكاً للواجب، وعليه دم مطلقاً، سواء كان التأخير لعذر أم لا؛ لتأخيره واجباً من مناسك الحج بعده.
وعنه: إن أخرها لعذر صامها ولا دم عليه، كما لو أخر الهدي عن وقته لم يلزمه دم آخر إن كان معذوراً بالتأخير، وإلا لزمه.
القسم الثالث: وقت الاستحباب: وأشار إليه بقوله: (وَالأَفْضَلُ جَعْلُ آخِرِهَا) أي: آخر الأيام الثلاثة صوماً (يَوْمَ عَرَفَةَ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول علي ﵁: «قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ يَوْمًا، وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ» [تفسير الطبري ٣/ ٤٢٢، وفيه انقطاع]، ولأنه يستحب تأخيره لعله يقدر على الهدي قبل الشروع في الصيام فإنه أفضل، وليتحقق عجزه عن الهدي، وهذا يقتضي التأخير إلى آخر وقت الإمكان، وصوم يوم عرفة ممكن؛ لأنه لم ينه عن الصوم فيه.
وعنه: الأفضل كون آخرها يوم التروية؛ لقول ابن عمر وعائشة ﵃: «الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، لِمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا: مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ
стр. 676
بِالحَجِّ، إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى» [البخاري ١٨٩٥، والموطأ ١/ ٤٢٦]، ولأن الفطر يوم عرفة أنشط له على الدعاء والذكر.
- فرع: (وَ) وقت صيام الأيام الـ (سَبْعَةِ) ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: وقت الجواز: يبدأ بعد أيام منى وفراغه من أفعال الحج، واختاره شيخ الإسلام؛ لأن الصوم وُجِد من أهله بعد وجود سببه، والحجاج إذا صدروا من منى فقد شرعوا في الرجوع إلى أهليهم، فأجزأ، كصوم المسافر والمريض، ولأن الصيام لا يختص بمكان، فغير معهود من الشرع تحديد الصوم ببعض الأمكنة، فلا يصح الصوم قبل فراغه من أفعال الحج.
وأما قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، وحديث ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ : «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» [البخاري ١٦٩١، ومسلم ١٢٢٧]، فإن الله تعالى جوز له تأخير الصيام الواجب، فلا يمنع ذلك الإجزاء قبله، كتأخير صوم رمضان في السفر والمرض.
القسم الثاني: وقت الاستحباب: (إِذَا رَجَعَ لِأَهْلِهِ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، ولحديث ابن عمر السابق، وفيه: «وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ»، ولما فيه من الرخصة، وخروجاً من الخلاف.
стр. 677
(وَ) النوع الثاني من أنواع الفدية على الترتيب: (المُحْصَرُ) فيلزمه هدي إن لم يكن اشترط؛ لقوله تعالى: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي)، فـ (إِذَا لَمْ يَجِدْهُ) أي: الهدي (صَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ) بنية التحلل؛ لأنه دم واجب للإحرام، فكان له بدل، كدم التمتع، وقياساً على الفوات، (ثُمَّ حَلَّ)، وليس له التحلل قبل صيام العشرة الأيام، واختاره ابن باز؛ لأن هذا الصيام قائم مقام تمام الحج والعمرة، فلا بد من فعله قبل الحل كالهدي، بخلاف الفوات فلا يتوقف تحلله على الصيام، بل يحصل التحلل بإتمام النسك، وهو العمرة، ويأتي في الفوات.
واختار ابن عثيمين: أن المحصر إذا لم يجد الهدي لم يجب عليه شيء؛ لأن الله تعالى قال: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي)، ولم يذكر بدلاً كما ذكره في دم التمتع، ولأن الظاهر من حال كثير من الصحابة ﵃ لما أُحصروا بالحديبية أنهم فقراء، ولم ينقل أن النبي ﷺ أمرهم بالصيام، والأصل براءة الذمة، وأما قياسه على المتمتع فقياس مع الفارق؛ لأن هدي التمتع هدي شكران، وهدي الإحصار هدي جبران، فافترقا.
والنوع الثالث: ما أوجب بدنة، وهو الوطء في الحج قبل التحلل الأول، والإنزال بمباشرة لشهوة في الحج قبل التحلل الأول؛ فيجب فيه بدنة؛ لما سبق في محظورات الإحرام، فإن لم يجد بدنة صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، واختاره ابن باز؛ كدم المتعة، روي عن ابن
стр. 678
عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو ﵃، قال ابن قدامة: (رواه عنهم الأثرم (١)، ولم يظهر لهم مخالف في الصحابة، فيكون إجماعاً).
وعند الحنفية: تبقى البدنة في ذمته حتى يقدر عليها؛ لأنه لا بدل عن الواجب هنا.
- فرع: الوطء في العمرة يجب فيه فدية أذىً مطلقاً، وتقدم.
والنوع الرابع: الفوات، فمن طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فاته الحج، ويأتي في الفوات، ويلزمه هدي إن لم يكن اشترط، فإن عدمه صام ثلاثة أيام في حج القضاء، وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقول عمر لهبَّار بن الأسود ومن معه حين فاتهم الوقوف بعرفة: «اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ، فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، وَانْحَرُوا هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَأَهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ» [الموطأ ١/ ٣٨٣].
стр. 679
والنوع الخامس: من ترك واجباً من الواجبات فعليه دم؛ لقول ابن عباس ﵄: «مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا» [البيهقي ٨٩٢٥]، فإن عدمه فيصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ كصوم المتعة؛ لأن المتمتع ترك الإحرام من الميقات بالحج، وكان إحرامه من الميقات يقتضي أن يكون واجباً عليه، فوجب عليه الهدي لذلك، فيُقاس عليه ترك الواجب.
واختار ابن عثيمين: أنه إن عدم الهدي فلا شيء عليه؛ لأن الأصل براءة الذمة، والقياس على دم المتعة قياس مع الفارق؛ لأن دم المتعة دم شكران، والدم الواجب لترك واجب دم جبران.
- مسألة: من فعل محظوراً من محظورات الإحرام لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يفعل المحظور عالمًا ذاكراً مختاراً بلا عذر، فيأثم؛ لمخالفته النهي، وتجب عليه الفدية؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁، فإذا كان هذا في المعذور، فغيره من باب أولى.
الثانية: أن يفعل المحظور عالماً ذاكراً مختاراً معذوراً، كأن يحتاج للبس قميص لبرد يخاف ضرره، أو يحلق رأسه لمرض ونحو ذلك، فلا إثم عليه؛ لإذن النبي ﷺ لكعب بن عجرة بحلق رأسه وهو محرم لما آذته هوامُّ رأسه، وتجب عليه الفدية؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁.
стр. 680
الثالثة: أن يفعل المحظور جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً، فلا إثم عليه؛ للعذر، وأما الفدية: فلا تخلو من أمرين:
١ - ما كان من قبيل الإتلاف: وهي خمسة محظورات: الوطء، والمباشرة، والصيد، والتقليم، والحلق، فتجب فيها الفدية ولا تسقط بالعذر؛ لأنه إتلاف، فاستوى عمدها وسهوها وجهلها؛ كإتلاف مال الآدمي، ولأنه تعالى أوجب الفدية على من حلق رأسه لأذى به وهو معذور، فكان ذلك دليلاً على وجوبها على المعذور بنوع آخر.
٢ - ما لم يكن من قبيل الإتلاف، وهي ثلاث محظورات، وأشار إليه بقوله: (وَتَسْقُطُ) أي: الفدية (بِنِسْيَانٍ فِي: لُبْسِ) مخيط، (وَطِيبٍ، وَتَغْطِيَةِ رَأْسٍ)؛ لحديث ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه ٢٠٤٥]، ولحديث يعلى بن أمية ﵁ لما أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بالطيب، قال له النبي ﷺ : «اخْلَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ» [البخاري: ١٧٨٩، ومسلم: ١١٨٠]، ولم يأمره بالفدية، ولأنها محظورات يمكن تداركها، بخلاف السابقة فلا يمكن تداركها.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أنه لا فدية على الجاهل والناسي والمكره مطلقاً؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، والصيد إتلاف، وقد قيد جزاء
стр. 681
الصيد بالمتعمد، فدل أن المخطئ لا جزاء عليه، ولقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، ولحديث ابن عباس السابق، والقاعدة: (أن باب النواهي يعذر فيه بالجهل والإكراه والنسيان).
واختار شيخ الإسلام: أنه لا فدية على الجاهل والناسي والمكره مطلقاً؛ لحديث ابن عباس السابق، إلا جزاء الصيد؛ لأنه بمنزلة دية المقتول خطأ، والكفارة فيه ثابتة بالإجماع.
- مسألة: مَصْرِف الفدية ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: يجب أن يُذْبَح ويُطْعَم لمساكين الحرم: وأشار إليه بقوله: (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطَعَامٍ) يتعلق بحرم أو إحرام (فَلِمَسَاكِينِ الحَرَمِ)، فشمل:
١ - هديَ التمتع والقران؛ لقوله تعالى: (ثم محلها إلى البيت العتيق)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، والمتمتع والقارن يحلّان في الحرم، فكان موضع حلهما هو موضع نحرهما.
٢ - الهدي المنذور؛ قياساً على هدي التمتع والقران.
٣ - جزاءَ صيد؛ لقوله تعالى: (هديا بالغ الكعبة).
٤ - ما وجب لترك واجب؛ لأنه هدي وجب لترك نسك، أشبه دم القران.
стр. 682
٥ - ما وجب لفوات الحج؛ للتعليل السابق.
٦ - ما وجب بفعل محظور في الحرم؛ قياساً على جزاء الصيد.
وأما الإطعام؛ فلأنه في معنى الهدي، ولقول ابن عباس ﵄: «الهَدي وَالإِطْعامُ بِمَكة، وَالصَّومُ حَيثُ شَاء» [ذكره ابن قدامة في المغني ٥/ ٤٥١].
- فرع: كل هدي قلنا: إنه لمساكين الحرم، فإنه يلزمه:
١ - ذبحه في الحرم؛ لقوله تعالى: (هديا بالغ الكعبة)، ويجزئه الذبح في جميع الحرم؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ، وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ» [أحمد ١٤٤٩٨، وأبو داود ١٩٣٧، وابن ماجه ٣٠٤٨]، وأما قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ المائدة: ٩٥، فلا يمنع الذبح في غيرها من الحرم، كما لم يمنعه بمنى.
٢ - تفريق لحمه في الحرم؛ لأن المقصود من ذبحه بالحرم التوسعة على مساكينه، ولا يحصل ذلك بإعطاء غيرهم.
- فرع: مساكين الحرم: هم من كان مقيماً فيه أو وارداً إليه، من حاج وغيره، ممن له أخذ زكاة لحاجة، كالفقير والمسكين والمكاتَب والغارم لنفسه.
стр. 683
القسم الثاني: يذبح ويطعم حيث وجد سببه: وأشار إليه بقوله: (إِلَّا):
١ - ما وجب بسبب فعل محظور: كـ (فِدْيَةِ أَذًى وَلُبْسِ) مخيط (وَنَحْوِهما)، كطيب، (فَـ) له تفرقتها، دماً كانت أو طعاماً، (حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا)، ولو خارج الحرم؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁: «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَه بِالفِدْيَةِ بِالحُدَيْبِيَةِ» [البخاري ١٨١٦، ومسلم ١٢٠١]، وهي من الحِلَّ، وله تفرقتها بالحرم؛ كسائر الهدايا.
٢ - دم الإحصار: فيخرجه حيث أُحصر، من حِلِّ أو حرم؛ لما ورد: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ هَدْيَهُ فِي مَوْضِعِهِ بِالحُدَيْبِيَةِ» [البخاري ٢٧٠١، ومسلم ١٧٨٦] وهي من الحلِّ، ولأنه موضع حِلِّه، فكان موضع نحره كالحرم، ويجزئ بالحرم أيضًا؛ كسائر الهدايا.
- مسألة: (وَيُجْزِئُ) الحلق و (الصَّوْمُ بِكُلِّ مَكَانٍ)، قال في المبدع: (لا نعلم فيه خلافًا)؛ لقول ابن عباس ﵄ السابق: «الهَدي وَالإِطْعامُ بِمَكة، وَالصَّومُ حَيثُ شَاء»، ولأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، فلا معنى لتخصيصه بمكان، بخلاف الهدي والإطعام، ولعدم الدليل على التخصيص.
стр. 684
- مسألة: (وَالدَّمُ) المطلق:
١ - (شَاةٌ): جذع ضأن، أو ثَنِيُّ معز، ويأتي في باب الأضحية والهدي.
٢ - (أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ، أَوْ) سُبُع (بَقَرَةٍ).
لقوله تعالى في التمتع: (فما استيسر من الهدي)، قال ابن عباس ﵄: «جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ» [البخاري ١٦٨٨]، ولقول جابر ﵁: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» [مسلم ١٣١٨].
وقيل، واختاره ابن عثيمين: إلا في جزاء صيد، فلا تجزئ بدنة عن بقرة، ولا عن سَبْعِ شياه؛ لأن جزاء الصيد يشترط فيه المماثلة، قال تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم).
فصل في جزاء الصيد
جزاؤه: ما يستحق بدله على من أتلفه، من مثل الصيد، أو من قيمة ما لا مثل له.
- مسألة: الصيد نوعان:
النوع الأول: ما له مثل من النَّعَم، في الخِلقة لا في القيمة، فيجب فيه مثله؛ لقوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم)، وهو ثلاثة أقسام:
стр. 685
١ - ما قضى فيه النبي ﷺ : فيرجع فيه لحكمه، كالضَّبع، فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضَّبع، فقال: «هُوَ صَيْدٌ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إِذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» [أبو داود ٣٨٠١، والترمذي ٨٥١، وابن ماجه ٣٠٨٥].
٢ - ما قضت فيه الصحابة: وأشار إليه بقوله: (وَيُرْجَعُ فِي جَزَاءِ صَيْدٍ) له مِثْلٌ مِن النَّعم (إِلَى مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ)، فلا يحتاج أن يُحكم عليه مرة أخرى؛ لأنهم أقرب إلى الصواب، وأعرف بمواقع الخطاب، فكان حكمهم حجة.
ومن ذلك: قضاء عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ﵃ في النعامة: بدنة [مصنف عبد الرزاق ٨٢٠٣]، وقضاء عمر في الظبي -وهو الغزال-: عنز، وفي الغزال: شاة، وفي الأرنب: عناقٌ، وفي اليربوع: جفرة [مصنف عبد الرزاق ٨٢٢٥].
٣ - (وَ) يرجع (فِيمَا) لم يقض به النبي ﷺ ، و (لَمْ تَقْضِ فِيهِ) الصحابة (إِلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ)، فلا يكفي واحد؛ لقوله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم)، (خَبِيرَيْنِ)؛ لأنه لا يُتَمَكَّن من الحكم بالمثل إلا بهما، فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به في النعم من حيث الخلقة لا القيمة؛ لفعل الصحابة ﵃.
стр. 686
(وَ) النوع الثاني: (مَا لَا مِثْلَ لَهُ) من النعم: فـ (تَجِبُ قِيمَتُهُ) في (مَكَانِهِ)، أي: مكان إتلافه؛ كمال الآدمي غير المثلي، كسائر الطيور، من العصافير والبلابل، ولو أكبر من الحمام؛ كالإِوَزِّ، والحبارى، والحجل، وغير ذلك؛ لأنه القياس، تركناه في الحمام لقضاء الصحابة ﵃ في الحمامة شاة [مصنف عبد الرزاق ٨٢٦٦].
فصل في حكم صيد الحرم
- مسألة: (وَحَرُمَ مُطْلَقاً) على المحرم والحلال (صَيْدُ حَرَمِ مَكَّةَ) إجماعاً؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح بمكة: «إِنَّ الله حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لا يُخْتَلَى خَلاهَا، وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لِقَيْنِهم ولبيوتهم، فقال: «إِلَّا الإِذْخِرَ» [البخاري ١٨٣٣، ومسلم ١٣٥٣].
- فرع: حكم صيد حرم مكة كحكم صيد الإحرام، فيه الجزاء؛ لأن الصحابة قضوا في حمام الحرم: شاة [مصنف عبد الرزاق ٨٢٦٦]، ولاستوائهما في التحريم، فوجب أن يستويا في الجزاء.
стр. 687
إلا القمل، فلا يحرم قتله في الحرم، ولا ضمان فيه، بغير خلاف؛ لأنه حرِّم في حق المحرِم لأجل الترفه، وهو مباح في الحرم كإباحة اللبس.
- فرع: لا يلزم المُحْرم بقتل صيد الحرم جزاءان، بل جزاء واحد؛ لعموم قوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم)، والمثلية كما تكون في الصفة تكون في العدد.
- مسألة: (وَ) حَرُم (قَطْعُ شَجَرِهِ) أي: شجر الحرم إجماعاً؛ لحديث ابن عباس السابق: «وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا»، (و) حَرُم أيضاً قطع (حَشِيشِهِ) حتى ما فيه مضرة كشوكٍ ونحوه؛ لحديث ابن عباس السابق: «لا يُخْتَلَى خَلاهَا»، (إِلَّا) ثمانية أمور:
١ - (الإِذْخِرَ)، إجماعاً، وهو نبات يستعمل في البيوت والقبور والحدادة؛ لحديث ابن عباس السابق: «إِلَّا الْإِذْخِرَ».
٢ - اليابس من شجر وحشيش وورق ونحوها؛ لأنه بمنزلة الميت.
٣ - ما زال بفعل غير آدمي، فيجوز الانتفاع به بغير خلاف؛ لأن الخبر في القطع، لا في الانتفاع بالمقطوع.
فأما ما قطعه الآدمي مما يحرم قطعه، فيحرم الانتفاع به مطلقاً؛ لأنه ممنوع من إتلافه؛ كالصيد يذبحه المحرم، يحرم عليه وعلى غيره.
٤ - ما انكسر ولم يَبِن؛ فإنه كظفر منكسر.
стр. 688
٥ - الكمأة والفقع؛ لأنه لا أصل لهما، فليسا بشجر ولا حشيش.
٦ - الثمرة؛ لأنها تُستخلف.
٧ - ما زرعه آدمي، من بقل، ورياحين، وزروع، وشجرٌ غُرِس من غير شجر الحرم؛ فيباح أخذه والانتفاع به؛ لأنه مملوك الأصل كالأنعام، ولأن الأصل الحل، والنهي إنما ورد عن شجر الحرم، وهو ما أضيف إليه لا يملكه أحد، وهذا يضاف إلى مالكه، فلا يعمه الخبر.
٨ - رعي حشيش الحرم؛ لقول ابن عباس ﵄: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَرَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ» [البخاري ٤٩٣، ومسلم ٥٠٤]، ولأن الحاجة تدعو إليها، أشبه قطع الإذخر.
- مسألة: (وَفِيهِ) أي: في قطع الشجر والحشيش (الجَزَاءُ)، فتضمن الشجرة الصغيرة عرفًا بشاة، والكبيرة والمتوسطة ببقرة؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «فِي الدَّوحَةِ بَقَرَةٌ، وَفِي الجَزْلَةِ شَاةٌ» [أورده ابن قدامة في المغني ٣/ ٣٢٢ ولم نقف عليه مسنداً]، وعن ابن الزبير ﵄: «أَنَّه لَمَّا بَنَى دُورَهُ بِقُعَيْقِعَانَ قَطَعَ شَجَرًا كَانَتْ فِي دُورِهِ، وَوَدَاهُ كُلَّ دَوْحَةٍ بِبَقَرَةٍ» [أخبار مكة للفاكهي ٢٢٣٣]، والدَّوحة: الشجرة العظيمة، والجزلة: الصغيرة.
ويخير من وجب عليه جزاء شجر الحرم وحشيشه بين ذبحه وإعطائه لمساكين الحرم، وبين تقويمه، ويفعل بقيمته كجزاء صيد الإحرام، على ما سبق.
стр. 689
وعند المالكية، واختاره ابن عثيمين: لا جزاء في شجر الحرم وحشيشه؛ لعدم الدليل، والأصل براءة الذمة.
- مسألة: (وَ) حرم (صَيْدُ حَرَمِ المَدِينَةِ)؛ لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁: قال رسول الله ﷺ : «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا» [مسلم ١٣٦٣].
- مسألة: (وَ) حرم (قَطْعُ شَجَرِهِ) أي: شجر المدينة، (وَحَشِيشِهِ)؛ لحديث أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ : «المَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لا يُقْطَعُ شَجَرُهَا» [البخاري ١٨٦٧].
- فرع: يستثنى من تحريم شجر المدينة وحشيشه:
١ - أخذ ما تدعو الحاجة إليه للعلف، فيجوز، وأشار إليه بقوله: (لِغَيْرِ حَاجَةِ عَلَفٍ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث علي ﵁: قال رسول الله ﷺ : «وَلَا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا السِّلَاحَ لِقِتَالٍ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ» [أحمد ٩٥٩، وأبو داود ٢٠٣٥].
٢ - أخذ ما تدعو الحاجة إليه لرحلِ بعير، (وَقَتَبٍ) وهو رحلٌ صغير على قدر السنام، (وَنَحْوِهِمَا)، كآلة الحرث وآلة الجذاذ، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَذِنَ
стр. 690
بِقَطْعِ المِسَدِّ، والقَائمِتَينِ، والمُتَّخِذَةِ عَصَا الدَّابَّةِ» [الطبراني في الكبير ١٧/ ١٨]، وكاستثناء الإذخر بمكة.
- مسألة: (وَلَا جَزَاءَ) في صيد حرم المدينة، ولا في قطع شجرها وحشيشها، قال أحمد: (لم يبلغنا أن النبي ﷺ ولا أحدًا من أصحابه حكموا فيه بجزاء).
(بَاب دُخُولِ مَكَّةَ)
وما يتعلق به من الطواف والسَّعي
- مسألة: (يُسَنُّ) عند دخول مكة:
١ - أن يدخلها (نَهَاراً)؛ لما روى نافع، عن ابن عمر ﵄: «أنه كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى، حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ» [البخاري ٤٩١، ومسلم ١٢٥٩].
٢ - أن يدخل مكة (مِنْ أَعْلَاهَا)، من ثنية كَداء، ويخرج من أسفلها من ثنية كُدًى؛ لقول ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى» [البخاري ١٥٧٥، ومسلم ١٢٥٧].
стр. 691
٣ - (وَ) أن يدخل (المَسْجِدَ) الحرام (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ)؛ لقول ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا قَدِمَ فِي عِقْدِ قُرَيْشٍ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ هَذَا البَابِ الأَعْظَمِ» [ابن خزيمة ٢٧٠٠، وصححه الألباني].
قال ابن عثيمين: (وباب بني شيبة عفا عليه الدهر، ولا يوجد له أثر الآن).
- مسألة: (فَإِذَا رَأَى البَيْتَ: رَفَعَ يَدَيْهِ)؛ لقول ابن عباس ﵄: «تُرْفَعُ الأَيْدِي فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: إِذَا رَأَى البَيْتَ، وَعَلَى الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَفِي جَمْعٍ، وَالعَرَفَاتِ، وَعِنْدَ الجِمَارِ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٥٧٤٨، وفيه ضعف]، (وَقَالَ مَا وَرَدَ)، ومنه:
١ - ما رواه ابن جريج: أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه, وقال: «اللهمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا، وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا، وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا، وَتَكْرِيمًا، وَتَعْظِيمًا، وَبِرًّا» [البيهقي ٩٢١٣، وقال: منقطع].
واختار شيخ الإسلام: أنه يستحب الدعاء بذلك لمن رأى البيت قبل دخول المسجد الحرام، أما من لم يره إلا بعد دخول المسجد، فلا يستحب له ذلك؛ لأن النبي ﷺ أول ما دخل المسجد ابتدأ بالطواف، ولم يصلِّ قبل ذلك تحية المسجد ولا غير ذلك.
стр. 692
٢ - ما ورد عن عمر ﵁: أن كان يقول إذا رأى البيت: «اللهمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ» [البيهقي ٩٢١٦].
٣ - أن يقول ما يستحب عند دخول سائر المساجد.
- مسألة: (ثُمَّ طَافَ (١) مُضْطَبِعاً)، بأن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، وذلك في الأشواط السبعة كلها، استحبابًا باتفاق الأئمة؛ لما ورد عن ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا بِالبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ قَدْ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى» [أحمد ٢٧٩٢، وأبو داود ١٨٨٤]، ولا يسن الاضطباع في غير طواف القدوم؛ لعدم نقله.
فيطوف (لِلعُمْرَةِ المُعْتَمِرُ، وَ) يطوف (لِلقُدُومِ غَيْرُهُ) أي: غير المعتمر، وهو المفرد والقارن، وهو تحية الكعبة، ؛ لما ورد عن عائشة ﵂: «أَنَّ أَوَّلَ
стр. 693
شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ مِثْلَهُ» [البخاري ١٦١٤، ومسلم ١٢٣٥]، فإذا فرغ من الطواف أزال الاضطباع، ولا يضطبع في السعي؛ لعدم نقله، قال أحمد: (ما سمعنا فيه شيئاً).
- مسألة: يبتدئ الطواف من الحجر الأسود؛ لفعله ﷺ ، كما في حديث جابر ﵁ [مسلم ١٢١٨]، (وَيَسْتَلِمُ الحَجَرَ الأَسْوَدَ)، واستلام الحجر على مراتب:
١ - أن يستلم الحجر، أي: يمسحه بيده اليمنى؛ لما ورد جابر ﵁: «أن رسُولَ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ» [مسلم ١٢١٨]، (وَيُقَبِّلُهُ)؛ لقول عمر ﵁: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» [البخاري ١٥٩٧، ومسلم ١٢٧٠]، ويسجد عليه؛ لقول ابن عباس ﵄: «رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَبَّلَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَعَلَ هَكَذَا، فَفَعَلْتُ» [الحاكم ١٦٧٢، وقال: صحيح الإسناد]، وفعله ابن عباس ﵄ [مصنف عبد الرزاق ٨٩١٢، وحسنه أحمد].
٢ - فإن شق استلامه: وتقبيله استلمه بيده، وقبَّل يده؛ لما روى نافع قال: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَسْتَلِمُ الحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُهُ» [مسلم ١٢٦٨].
стр. 694
ولا يزاحم عليه؛ لحديث عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال له: «يَا عُمَرُ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّلْ وَكَبِّرْ» [أحمد ١٩٠].
٣ - فإن شق استلامه بيده: استلمه بشيء وقبّله؛ لقول أبي الطفيل ﵁: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ» [مسلم ١٢٧٥].
٤ - (فَإِنْ شَقَّ) استلامه بشيء: (أَشَارَ إِلَيْهِ) أي: إلى الحجر بيده، أو بشيء؛ لقول ابن عباس ﵄: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ» [البخاري ١٦١٣].
ولا يقبّل المشار به؛ لعدم وروده.
- مسألة: (وَيَقُولُ) في ابتداء الطواف عند استلام الحجر، أو عند استقباله بوجهه إذا شق استلامه (مَا وَرَدَ)، ومنه:
١ - عن ابن عمر ﵄: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ: بِاسْمِ الله وَالله أَكْبَرُ» [مصنف عبد الرزاق ٨٨٩٤].
٢ - وعن ابن عمر ﵄: «أنه كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ قَالَ: اللهمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَسُنَّةِ نَبِيَّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَسْتَلِمُهُ» [الطبراني في الأوسط ٥٤٨٦، وصححه الحافظ].
стр. 695
- فرع: ويقول كلما حاذى الحجر بعد ذلك: (الله أكبر) فقط؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ».
- مسألة: الرَّملُ:
(وَ) يستحب أن (يَرْمُلَ) وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى من غير وثب، (الأُفُقِيُّ) وهو المُحْرم من بعيد من مكة، (فِي هَذَا الطَّوَافِ) فقط، إن طاف ماشيًا؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً» [البخاري ١٦٠٣، ومسلم ١٢٦١].
- فرع: لا رمل على:
١ - راكبٍ؛ لعدم نقله.
٢ - حاملِ شخص معذور كمريض وصغير؛ للعذر والمشقة.
٣ - نساء، حكاه ابن المنذر إجماعًا؛ لقول ابن عمر ﵄: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٢٩٥٢].
٤ - مُحْرِمٍ من مكة أو من قربها؛ لما ورد أن ابن عمر ﵄: «كَانَ لَا يَرْمُلُ إِذَا طَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ إِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ» [الموطأ ١/ ٣٦٥].
- فرع: من لا يشرع له الرَّمَل لا يشرع له الاضطباع.
- فرع: لا يسن الاضطباع ولا الرمل في غير طواف العمرة وطواف
стр. 696
القدوم؛ لعدم نقله.
- مسألة: (فَإِذَا فَرَغَ) من الطواف (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) نفلاً؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ» [البخاري ١٦٠٣، ومسلم ١٢٦١]، والوارد فعلٌ مجرد، فلا يدل على الوجوب.
- فرع: يسن كون ركعتي الطواف:
١ - (خَلْفَ المَقَامِ)، أي: مقام إبراهيم، وحيث ركعهما جاز إجماعاً؛ لأن عمر ﵁ صلاهما بذي طُوى [مصنف عبد الرزاق ٩٠٠٨].
٢ - وأن يقرأ بالركعة الأولى بعد الفاتحة: بـ (قل يا أيها الكافرون)، وبالثانية: (قل هو الله أحد).
ويدل لذلك: حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ : «ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، وكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: (قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ)، وَ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)» [مسلم ١٢١٨].
- مسألة: (ثُمَّ) بعد الصلاة يعود و (يَسْتَلِمُ الحَجَرَ الأَسْوَدَ)؛ لقول جابر ﵁: «ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ»، ولا يستلمه إلا في طواف يعقُبُه سعي؛ لأنه الوارد، ولأن الطواف لما كان يفتتح بالاستلام، فالسعي كذلك.
стр. 697
(وَيَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ، فَيَرْقَاهُ) ندباً، والواجب أن يستوعب ما بينهما بحيث يُلصق عقبه بأصلهما، ولا يجب أن يرقى الجبل؛ لقوله تعالى: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما)، ولا يشترط الصعود، (حَتَّى يَرَى البَيْتَ، فَـ) يستقبله، و (يُكَبِّرُ ثَلَاثاً، وَيَقُولُ مَا وَرَدَ)؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: (إِنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله) [البقرة: ١٥٨]، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى البَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ الله وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ».
(ثُمَّ يَنْزِلُ) من الصفا (مَاشِياً إِلَى العَلَمِ الأَوَّلِ) وهو العلم الأخضر المعلق، حتى يبقى بينه وبين العلم المذكور ستة أذرع، فيسعى، واختار المجد: أنه يسعى إذا وصل إلى العلم الأخضر، (فَيَسْعَى) ماشٍ سعياً (شَدِيداً إِلَى) العلم (الآخَرِ)؛ لحديث حبيبة بنت أبي تِجْراة ﵂: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ يَسْعَى حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ» [أحمد ٢٧٣٦٨].
стр. 698
ويستحب أن يقول إذا سعى بين العلمين ما رواه شقيق قال: «كَانَ عَبْدُ الله ﵁ إِذَا سَعَى فِي بَطْنِ الْوَادِي قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٥٥٦٥].
(ثُمَّ يَمْشِي وَيَرْقَى المَرْوَةَ، وَيَقُولُ مَا قَالَهُ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَنْزِلُ) من المروة (فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ إِلَى الصَّفَا، يَفْعَلُهُ سَبْعاً)؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى، حَتَّى أَتَى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى المَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا»، (وَيُحْسَبُ ذَهَابُهُ) سعية، (وَرُجُوعُهُ) سعية (١).
- مسألة: (وَ) إذا فرغ المتمتع من السعي فإنه (يَتَحَلَّلُ)، ولا يخلو
стр. 699
(مُتَمَتِّعٌ) من أمرين:
الأول: أن يكون (لَا هَدْيَ مَعَهُ)، فيتحلل (بِتَقْصِيرِ شَعْرِهِ)؛ لحديث ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ» [البخاري ١٦٩١، ومسلم ١٢٢٧].
الثاني: أن يكون معه هدي، وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ) فإنه يُدخل الحج على العمرة ويصير قارناً (١)، وليس له أن يحِلَّ ولا أن يحلق إلا (إِذَا حَجَّ)، فيُدخل الحج على العمرة ثم لا يحِلَّ حتى يحل منهما جميعًا؛ لقوله تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله) [البقرة: ١٩٦]، ولحديث ابن عمر السابق.
- فرع: أما غير المتمتع إذا طاف وسعى فلا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون مُفْرداً أو قارناً، فيبقى على إحرامه حتى يتحلل يوم النحر؛ لفعله ﷺ ، كما في حديث جابر ﵁.
٢ - أن يكون معتمراً غير متمتع: فيحلق أو يقصر وقد حل من إحرامه،
стр. 700
سواء كان معه هدي أو لم يكن، في أشهر الحج أو في غيرها؛ لفراغ نسكه، واعتمر ﷺ ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجه، وكان يحل إذا سعى.
- مسألة: (وَالمُتَمَتِّعُ)، وكذا والمعتمر (يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا أَخَذَ) أي: شرع (فِي الطَّوَافِ)؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ : «كَانَ يُمْسِكُ عَنِ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» [أبو داود ١٨١٧، والترمذي ٩١٩، وقال: حسن صحيح]، ولأنه شرع في التحلل، كالحاج يقطع التلبية إذا شرع في رمي جمرة العقبة، ويأتي.
(فَصْلٌ في صِفَةِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ)
- مسألة: (يُسَنُّ لِمُحِلٍّ بِمَكَّةَ) وقربها (الإِحْرَامُ بِالحَجِّ) قبل الزوال من (يَوْمِ التَّرْوِيَةِ)، وهو ثامن ذي الحجة، سمي بذلك؛ لأن الناس كانوا يترَوَّون فيه الماء لما بعده؛ لقول جابر ﵁ في حديث صفة الحج المشهور: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ» [مسلم: ١٢١٨].
- فرع: المتمتع لا يخلو من حالين:
стр. 701
١ - أن يكون عادماً للهدي: فيُحرم من اليوم السابع؛ ليحصل صوم الأيام الثلاثة وهو محرم بالحج، فيكون آخرها يوم عرفة.
٢ - أن يكون واجداً للهدي: فيحرم يوم التروية قبل الزوال؛ لما تقدم.
- مسألة: (وَ) يسن (المَبِيتُ بِمِنًى) يوم التروية؛ لحديث جابر السابق، ولا يجب إجماعاً؛ لحديث عروة بن مُضَرِّس ﵁ مرفوعاً: «مَنْ شَهِدَ صَلاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً، أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» [أحمد: ١٦٢٠٨، وأبو داود: ١٩٥٠، والترمذي: ٨٩١، والنسائي: ٣٠٣٩، وابن ماجه: ٣٠١٦]، فعروة ﵁ لم يبت ليلة التاسع بمنىً، ولم يأمره النبي ﷺ بشيء، فدل على أنه سنة، وورد ترك المبيت بمنىً ليلة التروية عن عائشة [ابن أبي شيبة: ١٤٥٤١]، والزبير ﵄ [المعرفة والتاريخ ٢/ ٢٠٧].
- مسألة: (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ) من يوم عرفة (سَارَ) من منىً (إِلَى عَرَفَةَ)، فأقام بنَمِرَة إلى الزوال؛ لحديث جابر ﵁، وفيه: «ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ الله ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ».
стр. 702
- فرع: يخطب الإمام أو نائبه في نمرة خطبة قصيرة؛ لحديث جابر السابق، ولقول سالم بن عبد الله بن عمر للحَجَّاج يوم عرفة: إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فاقصر الخطبة وعجل الوقوف، فقال ابن عمر ﵄: «صَدَقَ» [البخاري: ١٦٦٣].
- مسألة: (وَكُلُّهَا) أي: كل عرفة (مَوْقِفٌ) اتفاقاً؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «وَوَقَفْتُ هَهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» [مسلم: ١٢١٨]، (إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ) فليست من عرفة اتفاقاً؛ لحديث جابر مرفوعاً: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» [ابن ماجه: ٣٠١٢].
- فرع: نَمِرة داخل وادي عُرَنةَ، وبُني فيها مسجد في دولة بني العباس، ثم زيد فيه من عرفة، فصدرُ المسجد من عُرَنة، وآخرُه من عرفة.
- مسألة: (وَجَمَعَ) استحباباً مَن يباح له الجمع (فِيهَا) أي: في عرفة (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ تَقْدِيمًا)، إجماعاً في الجملة؛ لفعل النبي ﷺ .
- فرع: يباح الجمع والقصر في عرفة لغير أهل مكة ومن كان من أهل تلك المشاعر؛ لعدم تحقق السفر المبيح للجمع لأهل مكة.
واختار شيخ الإسلام: جواز الجمع والقصر لكل حاج، من أهل مكة ومن غيرهم؛ لأن الحجاج وفيهم أهل مكة جمعوا وقصروا مع النبي ﷺ ، ولم يأمرهم بأن يصلوا كل صلاة في وقتها، ولا أن يتموا صلاتهم، وكذا خلفاؤه ﵃.
стр. 703
- مسألة: (وَأَكْثَرَ) الحاج من (الدُّعَاءِ) في عرفة، (وَ) أكثر من الدعاء (مِمَّا وَرَدَ)، ومن ذلك ما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعاً: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلي: لا إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، وفي لفظ: «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [أحمد: ٦٩٦١، والترمذي: ٣٥٨٥]، ويكثر الاستغفار والتضرع والخشوع وإظهار الضعف والافتقار.
- مسألة: (وَ) بداية (وَقْتِ الوُقُوفِ) بعرفة: (مِنْ فَجْرِ) يوم (عَرَفَةَ)، وهو من المفردات؛ لحديث عروة بن مُضَرِّس مرفوعاً، وفيه: «وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ»، فقوله: «نَهَارًا» يشمل ما قبل الزوال وما بعده، ولأن ما قبل الزوال من يوم عرفة، فكان وقتاً للوقوف كما بعد الزوال.
وأما ترك النبي ﷺ الوقوف فيه؛ فلا يمنع كونه وقتاً للوقوف كبعد العشاء، وإنما وقف النبي ﷺ وقت الفضيلة.
وحكي رواية، واختارها شيخ الإسلام وفاقاً: أن وقت الوقوف يبدأ من الزوال يوم عرفة؛ لأن النبي ﷺ لم يدخل عرفة إلا بعد الزوال، فكان فعله بياناً لأول الوقت.
стр. 704
ونهاية الوقوف بعرفة: يمتد (إِلَى فَجْرِ) يوم (النَّحْرِ) اتفاقاً؛ لحديث عروة بن مضرس السابق، ولحديث عبد الرحمن بن يَعْمَر ﵁ مرفوعاً: «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» [أحمد: ١٨٧٧٣، وأبو داود: ١٩٤٩، والترمذي: ٨٨٩، والنسائي: ٣٠١٦، وابن ماجه: ٣٠١٥].
- مسألة: (ثُمَّ يَدْفَعُ) الحاج مع الإمام أو نائبه (بَعْدَ الغُرُوبِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ)؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ القُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ الله ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ».
- فرع: مزدلفةُ: هي ما بين المَأْزِمَيْن -وهما جبلان بين عرفة ومزدلفة- ووادي مُحَسِّرٍ، سميت بذلك من الازدلاف، وهو التقرب؛ لأن الحاج يتقرب بها من عرفة إلى منى، وتسمى: جمعًا؛ لاجتماع الناس فيها.
- فرع: يجب أن يجمع في وقوفه بعرفة بين الليل والنهار لمن وقف بها نهاراً، فليس للحاج أن يدفع منها قبل غروب الشمس، فإن دفع قبل الغروب فعليه دم؛ لفعل النبي ﷺ في حديث جابر السابق، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا
стр. 705
حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ القُرْصُ»، وفعله بيانٌ لمجمل حديث عروة السابق، وفيه: «وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا» فيكون واجباً، ولأن النبي ﷺ لم يرخص للضعفة أن ينفروا قبل غروب الشمس، ولو كان مستحباً لرخص لهم فيه، ولما في الدفع قبل الغروب من مشابهة الكفار.
وعنه: لا دم عليه؛ كواقف ليلاً.
- فرع: لا يخلو الحاج الواقف بعرفة من ثلاث حالات:
١ - أن يقف بها نهاراً، ثم يدفع منها بعد غروب الشمس: فلا شيء عليه؛ لأنه أتى بالواجب.
٢ - أن يقف بها نهاراً ثم يدفع منها قبل غروب الشمس: فلا يخلو من حالين:
أ) أن يعود إلى عرفة ويستمر للغروب أو يعود إليها قبل الفجر: فلا دم عليه؛ لأنه أتى بالواجب وهو الجمع في الوقوف بالليل والنهار.
ب) ألا يعود إلى عرفة: فيجب عليه دم؛ لأنه ترك الواجب.
٣ - أن يقف بها ليلاً فقط: فيجزئه الوقوف اتفاقاً، ولا دم عليه؛ لحديث عبد الرحمن بن يَعْمَر وعروة بن مُضَرِّس ﵄، فلم يأمر النبي ﷺ فيه بالدم.