١ - أن يكون عادماً للهدي: فيُحرم من اليوم السابع؛ ليحصل صوم الأيام الثلاثة وهو محرم بالحج، فيكون آخرها يوم عرفة.
٢ - أن يكون واجداً للهدي: فيحرم يوم التروية قبل الزوال؛ لما تقدم.
- مسألة: (وَ) يسن (المَبِيتُ بِمِنًى) يوم التروية؛ لحديث جابر السابق، ولا يجب إجماعاً؛ لحديث عروة بن مُضَرِّس ﵁ مرفوعاً: «مَنْ شَهِدَ صَلاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً، أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» [أحمد: ١٦٢٠٨، وأبو داود: ١٩٥٠، والترمذي: ٨٩١، والنسائي: ٣٠٣٩، وابن ماجه: ٣٠١٦]، فعروة ﵁ لم يبت ليلة التاسع بمنىً، ولم يأمره النبي ﷺ بشيء، فدل على أنه سنة، وورد ترك المبيت بمنىً ليلة التروية عن عائشة [ابن أبي شيبة: ١٤٥٤١]، والزبير ﵄ [المعرفة والتاريخ ٢/ ٢٠٧].
- مسألة: (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ) من يوم عرفة (سَارَ) من منىً (إِلَى عَرَفَةَ)، فأقام بنَمِرَة إلى الزوال؛ لحديث جابر ﵁، وفيه: «ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ الله ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ».
стр. 702
- فرع: يخطب الإمام أو نائبه في نمرة خطبة قصيرة؛ لحديث جابر السابق، ولقول سالم بن عبد الله بن عمر للحَجَّاج يوم عرفة: إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فاقصر الخطبة وعجل الوقوف، فقال ابن عمر ﵄: «صَدَقَ» [البخاري: ١٦٦٣].
- مسألة: (وَكُلُّهَا) أي: كل عرفة (مَوْقِفٌ) اتفاقاً؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: «وَوَقَفْتُ هَهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» [مسلم: ١٢١٨]، (إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ) فليست من عرفة اتفاقاً؛ لحديث جابر مرفوعاً: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» [ابن ماجه: ٣٠١٢].
- فرع: نَمِرة داخل وادي عُرَنةَ، وبُني فيها مسجد في دولة بني العباس، ثم زيد فيه من عرفة، فصدرُ المسجد من عُرَنة، وآخرُه من عرفة.
- مسألة: (وَجَمَعَ) استحباباً مَن يباح له الجمع (فِيهَا) أي: في عرفة (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ تَقْدِيمًا)، إجماعاً في الجملة؛ لفعل النبي ﷺ .
- فرع: يباح الجمع والقصر في عرفة لغير أهل مكة ومن كان من أهل تلك المشاعر؛ لعدم تحقق السفر المبيح للجمع لأهل مكة.
واختار شيخ الإسلام: جواز الجمع والقصر لكل حاج، من أهل مكة ومن غيرهم؛ لأن الحجاج وفيهم أهل مكة جمعوا وقصروا مع النبي ﷺ ، ولم يأمرهم بأن يصلوا كل صلاة في وقتها، ولا أن يتموا صلاتهم، وكذا خلفاؤه ﵃.
стр. 703
- مسألة: (وَأَكْثَرَ) الحاج من (الدُّعَاءِ) في عرفة، (وَ) أكثر من الدعاء (مِمَّا وَرَدَ)، ومن ذلك ما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعاً: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلي: لا إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، وفي لفظ: «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [أحمد: ٦٩٦١، والترمذي: ٣٥٨٥]، ويكثر الاستغفار والتضرع والخشوع وإظهار الضعف والافتقار.
- مسألة: (وَ) بداية (وَقْتِ الوُقُوفِ) بعرفة: (مِنْ فَجْرِ) يوم (عَرَفَةَ)، وهو من المفردات؛ لحديث عروة بن مُضَرِّس مرفوعاً، وفيه: «وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ»، فقوله: «نَهَارًا» يشمل ما قبل الزوال وما بعده، ولأن ما قبل الزوال من يوم عرفة، فكان وقتاً للوقوف كما بعد الزوال.
وأما ترك النبي ﷺ الوقوف فيه؛ فلا يمنع كونه وقتاً للوقوف كبعد العشاء، وإنما وقف النبي ﷺ وقت الفضيلة.
وحكي رواية، واختارها شيخ الإسلام وفاقاً: أن وقت الوقوف يبدأ من الزوال يوم عرفة؛ لأن النبي ﷺ لم يدخل عرفة إلا بعد الزوال، فكان فعله بياناً لأول الوقت.
стр. 704
ونهاية الوقوف بعرفة: يمتد (إِلَى فَجْرِ) يوم (النَّحْرِ) اتفاقاً؛ لحديث عروة بن مضرس السابق، ولحديث عبد الرحمن بن يَعْمَر ﵁ مرفوعاً: «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» [أحمد: ١٨٧٧٣، وأبو داود: ١٩٤٩، والترمذي: ٨٨٩، والنسائي: ٣٠١٦، وابن ماجه: ٣٠١٥].
- مسألة: (ثُمَّ يَدْفَعُ) الحاج مع الإمام أو نائبه (بَعْدَ الغُرُوبِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ)؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ القُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ الله ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ».
- فرع: مزدلفةُ: هي ما بين المَأْزِمَيْن -وهما جبلان بين عرفة ومزدلفة- ووادي مُحَسِّرٍ، سميت بذلك من الازدلاف، وهو التقرب؛ لأن الحاج يتقرب بها من عرفة إلى منى، وتسمى: جمعًا؛ لاجتماع الناس فيها.
- فرع: يجب أن يجمع في وقوفه بعرفة بين الليل والنهار لمن وقف بها نهاراً، فليس للحاج أن يدفع منها قبل غروب الشمس، فإن دفع قبل الغروب فعليه دم؛ لفعل النبي ﷺ في حديث جابر السابق، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا
стр. 705
حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ القُرْصُ»، وفعله بيانٌ لمجمل حديث عروة السابق، وفيه: «وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا» فيكون واجباً، ولأن النبي ﷺ لم يرخص للضعفة أن ينفروا قبل غروب الشمس، ولو كان مستحباً لرخص لهم فيه، ولما في الدفع قبل الغروب من مشابهة الكفار.
وعنه: لا دم عليه؛ كواقف ليلاً.
- فرع: لا يخلو الحاج الواقف بعرفة من ثلاث حالات:
١ - أن يقف بها نهاراً، ثم يدفع منها بعد غروب الشمس: فلا شيء عليه؛ لأنه أتى بالواجب.
٢ - أن يقف بها نهاراً ثم يدفع منها قبل غروب الشمس: فلا يخلو من حالين:
أ) أن يعود إلى عرفة ويستمر للغروب أو يعود إليها قبل الفجر: فلا دم عليه؛ لأنه أتى بالواجب وهو الجمع في الوقوف بالليل والنهار.
ب) ألا يعود إلى عرفة: فيجب عليه دم؛ لأنه ترك الواجب.
٣ - أن يقف بها ليلاً فقط: فيجزئه الوقوف اتفاقاً، ولا دم عليه؛ لحديث عبد الرحمن بن يَعْمَر وعروة بن مُضَرِّس ﵄، فلم يأمر النبي ﷺ فيه بالدم.
стр. 706
- فرع: يسن كون دفعه من عرفة (بِسَكِينَةٍ)؛ للحديث السابق.
- مسألة: (وَيَجْمَعُ فِيهَا) أي: في مزدلفة (بَيْنَ العِشَاءَيْنِ) أي: المغرب والعشاء، (تَأْخِيراً) إن وصلها وقت العشاء، فإن وصلها وقت المغرب فيجمع ولا يؤخرها؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «حَتَّى أَتَى الْمزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا».
- مسألة: (وَيَبِيتُ بِهَا) أي: في مزدلفة وجوباً؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ»، وقال في حديث جابر الآخر: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، ولحديث عروة بن مضرس، وفيه: «مَنْ شَهِدَ صَلاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ».
والصارف له عن الركنية حديث عبد الرحمن بن يعمر السابق، وفيه: «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ»، فدل على أن من وقف بعرفة آخر جزء من ليلة النحر فقد أدرك الحج ولو لم يقف بمزدلفة.
- فرع: يبيت الحاج في مزدلفة إلى الفجر، فإن دفع قبل ذلك فلا يخلو من أربعة أحوال:
١ - أن يدفع منها بعد نصف الليل: فيجوز، ولا شيء عليه، سواء كان معذوراً أو غير معذور؛ لحديث ابن عباس ﵄: «بَعَثَنِي رَسُولُ الله ﷺ مِنْ
стр. 707
جَمْعٍ بِلَيْلٍ» [البخاري: ١٦٧٧، ومسلم: ١٢٩٣]، ولحديث عائشة ﵂ قالت: «اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ جَمْعٍ، وَكَانَتْ ثَقِيلَةً ثَبْطَةً، فَأَذِنَ لَهَا» [البخاري: ١٦٨٠، ومسلم: ١٢٩٠]، وقيس غيرهم عليهم.
واختار ابن القيم: أنه يجوز للضعفة الدفع بعد غيبوبة القمر، وأما القادر فلا يجوز له الدفع إلا بعد طلوع الشمس؛ لما ورد عن أسماء ﵂: أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلَّت ساعة، ثم قالت: «يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ »، قلت: لا، فصلَّت ساعة ثم قالت: «يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ »، قلت: نعم، قالت: «فَارْتَحِلُوا»، فارتحلنا ومضينا، حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هَنْتَاه! ما أُرانا إلا قد غَلَّسنا! قالت: «يَا بُنَيَّ، إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ» [البخاري: ١٦٧٩، ومسلم: ١٢٩١].
قال شيخ الإسلام: (فإن كان من الضعفة؛ كالنساء والصبيان ونحوهم، فإنه يتعجل من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر، ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر، فيصلوا بها الفجر ويقفوا بها).
٢ - أن يدفع قبل نصف الليل: فلا يخلو من حالتين:
أ) ألا يرجع إليها: فعليه دم؛ لأنه ترك نسكاً واجباً.
ب) أن يرجع إليها فيدفع بعد نصف الليل: فلا شيء عليه؛ لأنه أتى بالواجب.
стр. 708
٣ - أن يأتي مزدلفة بعد نصف الليل: فله الدفع مباشرة؛ لأن وقت جواز الدفع من بعد نصف الليل، ولا شيء عليه؛ لأنه أتى بالواجب وهو الوقوف بمزدلفة.
٤ - أن يأتي مزدلفة بعد طلوع الفجر: فعليه دم؛ لأنه ترك الواجب.
- مسألة: (فَإِذَا صَلَّى) الحاج (الصُّبْحَ) بغَلَسٍ (أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ)، وهو جبل صغير بالمزدلفة، سمي بذلك؛ لأنه من علامات الحج، (فَرَقَاهُ) إن أمكنه، (وَ) إلا (وَقَفَ عِنْدَهُ, وَحَمِدَ الله وَكَبَّرَ) وهلل، (وَقَرَأَ) قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيَتَيْنِ) وتمامهما: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ ... الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا ... هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ ... اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ البقرة: ١٩٨ - ١٩٩.
قال ابن عثيمين: (وقراءة هاتين الآيتين لا أعلم فيها سنة، لكنها مناسبة؛ لأن الإنسان يذكر نفسه بما أمر الله به في كتابه).
- مسألة: (وَيَدْعُو) عند المشعر الحرام (حَتَّى يُسْفِرَ)؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ».
стр. 709
- مسألة: (ثُمَّ يَدْفَعُ) من المشعر الحرام قبل طلوع الشمس (إِلَى مِنًى)؛ لحديث جابر السابق، ولقول عمر ﵁: «إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» [البخاري: ١٦٨٤].
- مسألة: يدفع الحاج من المشعر الحرام إلى منى بسكينة؛ لحديث ابن عباس ﵄، وفيه: ثم أردف الفضل بن عباس من جَمْعٍ إلى منى، وهو يقول: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الخَيْلِ وَالإِبِلِ، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» [أحمد: ٢٤٢٧، وأبو داود: ١٩٢٠]، (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّراً)، وهو واد بين مزدلفة ومنى، سمي بذلك؛ لأنه يحسر سالكه، (أَسْرَعَ) قدر (رَمْيَةِ حَجَرٍ)، وهي بمقدار خمسمائة وخمسة وأربعين ذراعًا تقريباً، والذراع نصف متر تقريباً، فصار المجموع (٢٧٢.٥) متر، وذلك إن كان ماشياً، وإلا حرَّك دابته؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الجَمْرَةِ الْكُبْرَى».
- مسألة: (وَ) إذا دفع الحاج من مزدلفة (أَخَذَ حَصَى الجِمَارِ)، ولا يخلو مكان أخذ الحصى من ثلاثة أقسام:
١ - الاستحباب: فيستحب أخذ الحصى من طريقه إلى منى أو من مزدلفة؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: أنه كان يأخذ الحصى من جمع.
стр. 710
[البيهقي: ٩٥٤٤]، ولئلا يشتغل عند قدوم منى بشيء قبل الرمي، لأن الرمي تحية منى.
٢ - الكراهة: فيكره أخذ الحصى:
أ) من منى؛ لما تقدم.
ب) من الحش؛ لأنه مظنة النجاسة.
ت) من حرم الكعبة؛ لأنه يكره إخراج شيء من حصباء الحرم وترابه. (١)
стр. 711
٣ - الجواز: فيجوز عدا ما تقدم من الأماكن؛ لحديث ابن عباس ﵄: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: «هَاتِ، الْقُطْ لِي» فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده، قال: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» [أحمد: ١٨٥١، والنسائي: ٣٠٥٧].
وعنه، واختاره ابن قدامة: يجوز أخذ الحصى حيث شاء؛ لحديث ابن عباس السابق، وكان ذلك بمنى.
وقال ابن عثيمين: (ظاهر السنة أخذ الحصى من عند الجمرة؛ لحديث ابن عباس، وأما أخذهن من مزدلفة فليس بمستحب).
- فرع: يشترط لصحة رمي الجمار شروط:
الشرط الأول: العدد، فيشترط أن يرمي كل جمرة بسبع حصيات؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ».
وعنه واختاره ابن قدامة: لا يضر نقص حصاة أو حصاتين؛ لقول سعد بن أبي وقاص ﵁: «رَجَعْنَا فِي الحَجَّةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتٍّ، فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» [أحمد: ١٤٣٩، والنسائي: ٣٠٧٧].
стр. 712
- فرع: يأخذ (سَبْعِينَ) حصاة؛ ليرمي بها جمرة العقبة بسبع حصيات، وأيام التشريق الثلاثة كل يوم إحدى وعشرين حصاة، فإن كان متعجلاً تخلص من حصى اليوم الثالث.
الشرط الثاني: الحجم: فتكون الحصاة (أَكْبَرَ مِنَ الحِمَّصِ وَدُونَ البُنْدُقِ) مثل حصى الخَذْف، فلا تجزئ صغيرة جدًّا ولا كبيرة؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الخَذْفِ»، ولحديث ابن عباس ﵄: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: «هَاتِ، الْقُطْ لِي» فلقطت له حصيات هنَّ حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده، قال: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» [أحمد: ١٨٥١، والنسائي: ٣٠٥٧]، فقوله: «حَصَى الخَذْفِ» لا يتناول ما لَا يسمى حصًى لصغره، ولا ما يسمى حجراً لكبره.
الشرط الثالث: أن تكون الحصيات متعاقباتٍ، (فَيَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبَةِ وَحْدَهَا بِسَبْعِ) حصيات متعاقبات؛ فلو رماها دفعة واحدة حُسبت واحدة؛ لأن المنصوص عليه تفريق الأعمال لا عين الحصيات، فإذا أتى بفعل واحد لا يكون إلا عن حصاة واحدة.
الشرط الرابع: أن يرمي بحصى، وهي الحجارة الصغار، فلا يجزئ الرمي بغيرها؛ كجوهر وذهب ومعادن وطين؛ لأن النبي ﷺ رمى بالحصى،
стр. 713
فالرمي بغيره خلاف هديه، ولحديث ابن عباس السابق، وفيه: فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده، قال: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ»، فلا يتناول غير الحصى.
الشرط الخامس: ألا تكون الحصاة مستعملة قد رُمِيَ بها، وإلا لم يجزئ الرمي بها ثانية؛ لأن ابن عباس ﵄ قال: «مَا يُقْبَلُ مِنْهُ رُفِعَ» [ابن أبي شيبة: ١٥٣٣٦، قال الحافظ: ولا يصح مرفوعاً، وهو مشهور عن ابن عباس موقوفاً عليه]، ولأنها استعملت في عبادة، فلا تستعمل ثانياً؛ كماء الوضوء.
واختار ابن عثيمين: أنه يجزئ الرمي بالمستعملة؛ لأنه حصى، فيدخل في العموم.
الشرط السادس: أن يكون الرمي في وقته المعتبر شرعاً، وسيأتي بيان وقته.
الشرط السابع: الموالاة بين الحصيات وبين الجمار، فلو قطع بين الحصيات أو بين الجمرة الصغرى والوسطى والكبرى بما يخل بالموالاة لم يصح الرمي؛ للقاعدة: (كل عبادة مركبة من أجزاء يشترط في صحتها الترتيب والموالاة إلا لدليل).
الشرط الثامن: الترتيب بين الجمرات الثلاث؛ للقاعدة السابقة؛ ولحديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ رتب الجمرات الثلاث في الرمي، وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
стр. 714
الشرط التاسع: أن يعلم حصول الحصى في المرمى؛ لأن الأصل بقاء الرمي في ذمته، فلا يزول عنه بالظن ولا بالشك فيه.
وقيل: يكفي ظنه؛ لأن الظن ينزَّل منزلة العلم في العبادات.
- تنبيه: المرمى مجتمع الحصى، لا نفس الشاخص ولا مسيله.
الشرط العاشر: أن يرمي الحصى رمياً، فلا يجزئ الوضع؛ لأنه ليس برمي؛ لفعله ﷺ ، وقد قال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» [مسلم: ١٢٩٧].
- فرع: يستحب أن (يَرْفَعَ يُمْنَاهُ) حال الرمي (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ)؛ لأنه أعون على الرمي.
- فرع: (وَ) يستحب أن (يُكَبِّرَ مَعَ) رمي (كُلِّ حَصَاةٍ)؛ لحديث جابر ﵁: «فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا».
- مسألة: (ثُمَّ يَنْحَرُ) الهدي إن كان معه، واجباً كان أو تطوعاً؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ».
- مسألة: (وَ) يجب على الحاج أن (يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ) من جميع شعره، وهو نسك من المناسك، يجب بتركه دم؛ لحديث أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم
стр. 715
قال للحلاق: «خُذْ»، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس» [مسلم: ١٣٠٥]، ولحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً، وفيه: «وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ» [البخاري: ١٦٩١، ومسلم: ١٢٢٧]، فلو لم يكن نسكًا لم يتوقف الحِل عليه.
- فرع: يجب أن يحلق أو يقصر (مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ) لا من كل شعرة بعينها؛ لأن ذلك يشق، واختاره شيخ الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿محلقين رءوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: ٢٧] وهو عامٌّ في جميع شعر الرأس، ولأنه ﷺ حلق جميع رأسه، كما في حديث أنس السابق، فكان ذلك تفسيراً لمطلق الأمر بالحلق أو التقصير، فيجب الرجوع إليه.
- فرع: (وَالمَرْأَةُ) تقصِّر من كل قَرْن من شعرها (قَدْرُ أُنْمُلَةٍ) فأقل؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» [أبو داود: ١٩٨٤].
- مسألة: (ثُمَّ) إذا رمى وحلق أو قصَّر فـ (قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) حَرُم عليه بالإحرام (إِلَّا النِّسَاءَ) وطئاً، ومباشرةً لشهوة، وعقدَ نكاح؛ لحديث عائشة ﵂ مرفوعاً: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» [أحمد: ٢٥١٠٣، وفي زيادة: "حلقتم" ضعف].
стр. 716
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يحرم عقد النكاح بعد التحلل الأول؛ وتقدم في محظورات الإحرام.
- فرع: يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: من حلق أو تقصير، ورمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة مع السعي؛ لحديث عائشة السابق، وقيس الطواف على الحلق والرمي؛ إذ لما كان الطواف مؤثراً في التحلل الثاني كان مؤثراً في التحلل الأول أيضاً، ولحديث عائشة ﵂: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» [البخاري: ١٥٣٩، ومسلم: ١١٨٩].
- فرع: يحصل التحلل الثاني بفعل ما بقي من الحلق والرمي والطواف مع السعي إن كان متمتعاً، أو كان مفرداً أو قارناً ولم يسع مع طواف القدوم؛ لحديث عائشة، وفيه: حتى إذا طَهَرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» [مسلم: ١٢١٣].
فصل
- مسألة: (ثُمَّ يُفِيضُ) الحاج (إِلَى مَكَّةَ) ولا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون متمتعاً: (فَيَطُوفُ) للقدوم ثم يطوف للزيارة؛ لأن المتمتع لم يأت بطواف القدوم قبل ذلك، والطواف الذي طافه في العمرة كان طوافها.
стр. 717
الثانية: أن يكون قارناً أو مفرداً: فإذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر، ولا طافا للقدوم، فإنهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة كالمتمتع، وإذا كانا قد طافا طواف القدوم فيطوفان للزيارة فقط.
ودليل ذلك: حديث عائشة ﵂ قالت: «فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» [البخاري: ٤٣٩٥، ومسلم: ١٢١١]، فقولها: «فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِداً» هو طواف القدوم؛ ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع، فلم يكن الطواف طوافُ الزيارة مسقطاً له، كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بالفرض.
واختار ابن قدامة وشيخ الإسلام: أن الحاج سواء كان متمتعًا أو غيره يطوف للزيارة ولا يطوف للقدوم ولو لم يكن دخل مكة قبل ذلك؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع، وكمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة، فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد، وأما حديث عائشة ﵂؛ فقال شيخ الإسلام: (هذه الزيادة، قيل: إنها من قول الزهري، لا من قول عائشة)، وقال ابن القيم: (المراد به الطواف بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت).
قال ابن قدامة: (ولا أعلم أحداً وافق أبا عبد الله-يعني: أحمد بن حنبل- على هذا الطواف).
стр. 718
- مسألة: ثم يطوف (طَوَافَ الزِّيَارَةِ) ويقال: طواف الإفاضة، (الَّذي هُوَ رُكْنٌ) بالإجماع؛ لأمر الله به بقوله: (وليطوفوا بالبيت العتيق) [الحج: ٢٩]، ولحديث عائشة لما حاضت صفية ﵄ في الحج، قال النبي ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ »، فقلت: إنها قد أفاضت يا رسول الله وطافت بالبيت، فقال: «فَلْتَنْفِرْ» [البخاري: ١٧٥٧، ومسلم: ١٢١١]، فعلم منه: أنها لو لم تكن أفاضت يوم النحر لحبستهم عن الرجوع.
- فرع: وقت طواف الزيارة:
١ - بدايته: لا تخلو من أمرين:
أ) وقت الجواز: من بعد الدفع من مزدلفة، وتقدم أنه يجوز الدفع من بعد نصف ليلة النحر لمن وقف قبل ذلك بعرفات، وإلا فبعد الوقوف؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ» [أبو داود: ١٩٤٢].
وسبق اختيار ابن القيم أن وقت الدفع يبدأ من مغيب القمر.
ب) وقت الاستحباب: يسن فعل طواف الزيارة يوم النحر؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ».
стр. 719
٢ - آخره: غير محدد بوقت معين؛ لعدم الدليل على وجوب أدائه في وقت معين، أو إلزامه بالدم، والأصل براءة الذمة.
واختار ابن عثيمين: أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة، إلا إذا كان هناك عذر؛ كمرض وحيض؛ لقوله تعالى: (الحج أشهر معلومات)، فدل على توقيت الحج إلى آخر ذي الحجة، وطواف الإفاضة ركن من أركانه، فوجب أن يكون في أشهره.
- فرع: (ثُمَّ يَسْعَى) المتمتع بين الصفا والمروة سعياً ثانياً اتفاقاً؛ لأن سعيه الأول كان للعمرة فيجب أن يسعى للحج، لحديث ابن عباس ﵄، وفيه: «فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء ولبسنا الثياب، وقال: «مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ»، ثم أمرنا عشية التروية أن نُهِلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك، جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقد تم حجنا وعلينا الهدي» [البخاري معلقاً: ١٥٧٢، ووصله البيهقي: ٨٨٨٩]، ولحديث عائشة ﵁، قالت: «فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» [البخاري: ١٥٥٦، ومسلم: ١٢١١]، ولقول ابن عمر ﵄: «لِلْقَارِنِ سَعْيٌ وَاحِدٌ، وَلِلْمُتَمَتِّعِ سَعْيَانِ» [المحلى معلقاً من طريق عبد الرزاق بسند صحيح ٥/ ١٨٢].
стр. 720
وأما حديث جابر ﵁: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا» [مسلم: ١٢١٥]، فالمراد به القارنين؛ جمعاً بين الأخبار.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: يجب على المتمتع سعي واحد؛ لحديث جابر السابق: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا»، فعمم الفعل على جميع الصحابة، ولا يمكن حمله على القارنين منهم؛ لأن القارنين مع النبي ﷺ كانوا قلة.
أما حديث ابن عباس، فقال شيخ الإسلام: (له علة)، وهو معارضٌ بما روي عنه أنه قال: «المُفْرِدُ وَالمُتَمَتِّعُ يُجْزِئُهُ طَوَافٌ بِالْبَيْتِ وَسَعْيٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» [نقله شيخ الإسلام بسند أحمد إلى ابن عباس ٢٦/ ١٣٨].
وأما حديث عائشة ﵂، فقيل: إن ذكر الطوافين مدرجٌ من قول الزهري، أو من قول عروة، وليس من قول عائشة ﵂.
- فرع: القارن أو المفرد لا يخلو من حالين:
١ - أن يكون قد سعى مع طواف القدوم: فلا يعيد السعي؛ لحديث عائشة ﵂: «يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» [مسلم: ١٢١١]، وكانت قارنة، ولحديث جابر السابق: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا»، والنبي ﷺ كان قارناً، ولأنه لا يستحب التطوع بالسعي؛ كسائر الأنساك، غيرَ الطواف، لأنه صلاة.
стр. 721
٢ - (إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى) بعد طواف القدوم: فيسعى بعد طواف الزيارة سعي الحج؛ لأنه من أركان الحج، ويأتي.
- فرع: (وَ) إذا طاف الحاج وسعى، وكان (قَدِ) انتهى من الرمي، والحلق أو التقصير: (حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيءٍ) حتى النساء، وهذا هو التحلل الثاني؛ لحديث عائشة ﵂ لما قرنت الحج بالعمرة، وفيه: حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» [مسلم: ١٢١٣].
- مسألة: (وَسُنَّ) له بعد طواف الزيارة (أَنْ يَشْرَبَ مِنْ زَمْزَمَ)؛ لحديث جابر السابق، وفيه: فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: «انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ»، فناولوه دلواً فشرب منه.
- فرع: آداب الشرب من ماء زمزم:
١ - أن يشرب منه (لِمَا أَحَبَّ) أن يعطيه الله منه من خيري الدنيا والآخرة؛ لحديث ابن عباس ﵄: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» [الدارقطني: ٢٧٣٩]، وفي حديث أبي ذر ﵁ مرفوعاً: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» [مسلم: ٢٤٧٣].
٢ - (وَ) سُن أن (يَتَضَلَّعَ مِنْهُ) أي: من ماء زمزم، بحيث يشرب حتى
стр. 722
تمتلئ أضلاعه؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ، أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ» [ابن ماجه: ٣٠٦١، وحسنه الحافظ].
٣ - (وَ) سُن عند شرب ماء زمزم أن (يَدْعُوَ بِمَا أَحَبَّ، وَبِمَا وَرَدَ)، ومن ذلك ما ورد عن عكرمة قال: كان ابن عباس ﵄ إذا شرب من زمزم قال: «اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ» [الدارقطني: ٢٧٣٨].
- مسألة: (ثُمَّ يَرْجِعُ) من مكة بعد الطواف والسعي (فَيَبِيتُ بِمِنًى ثَلَاثَ لَيَالٍ) إن لم يتعجل، وليلتين إن تعجل في يومين، والمبيت بمنى واجب؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ رَسُولَ الله ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ» [البخاري: ١٧٤٥، ومسلم: ١٣١٥] وفي لفظ للبخاري: «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ »، ولحديث عاصم بن عدي ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ» [أحمد: ٢٣٧٧٥، وأبو داود: ١٩٧٥، والترمذي: ٩٥٥، وابن ماجه: ٣٠٣٧]، والرخصة في مقابل العزيمة، فدل على الوجوب، وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنَ الحَاجِّ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ وَرَاءِ العَقَبَةِ» [مالك: ١٥٢٤]، ونحوه عن ابن عمر [ابن أبي شيبة: ١٤٣٦٨].
- مسألة: (وَ) يجب أن (يَرْمِيَ الجِمَارَ)، الصغرى ثم الوسطى ثم
стр. 723
الكبرى اتفاقاً، كل واحدة بسبع حصيات، وذلك (فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامٍ التَّشْرِيقِ)؛ لقول عائشة ﵂: «ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَيُطِيلُ الْقِيَامَ، وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا» [أبو داود: ١٩٧٣]، وقد قال ﷺ : «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
- فرع: وقت رمي الجمار أيام التشريق لا يخلو من أمرين:
١ - بدايته: وله وقتان:
أ) وقت الجواز: من (بَعْدِ الزَّوَالِ)، فلا يجزئ الرمي قبل زوال الشمس؛ لحديث جابر ﵁ قال: «رَمَى رَسُولُ الله ﷺ الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ» [مسلم: ١٢٩٩]، ولقول ابن عمر ﵄: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا» [البخاري: ١٧٤٦]، والنبي ﷺ ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فلو كان ذلك جائزًا لرمى النبي ﷺ قبل الزوال؛ لما في الرمي بعد الزوال من العسر لشدة الحر.
ب) وقت الاستحباب: (وَ) سُن أن يرمي بعد الزوال (قَبْلَ الصَّلَاةِ) أي: صلاة الظهر؛ لمفهوم حديث ابن عمر السابق، ولحديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَرْمِي الْجِمَارَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ قَدْرَ مَا إِذَا فَرَغَ مِنْ رَمْيِهِ صَلَّى الظُّهْرَ» [ابن ماجه: ٣٠٥٤، وفيه أبو شيبة، وهو متروك].
٢ - نهايته: ينتهي وقت الرمي في كل يوم من أيام التشريق بغروب
стр. 724
الشمس، فإن لم يرم حتى غربت الشمس؛ لم يرم إلا من الغد بعد الزوال، ولا يجزئ الرمي ليلاً؛ لقول ابن عمر ﵄: «مَنْ نَسِيَ رَمْيَ الجِمَارِ إِلَى اللَّيْلِ؛ فَلَا يَرْمِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنَ الْغَدِ» [البيهقي: ٩٦٧٢]، ولأنها عبادة نهارية فلا تجزئ في الليل كالصيام.
وقيل: يصح الرمي ليلاً؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ فقال: رميت بعد ما أمسيت! فقال: «لا حَرَجَ» [البخاري: ١٧٢٣]، والمساء يكون آخر النهار، وأول الليل، ولم يستفصل النبي ﷺ ، فدل على جواز الأمرين، ولما روى نافع: «أَنَّ ابْنَةَ أَخٍ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ وامْرَأَةَ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ أَتَتَا مِنًى بَعْدَ أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ, فَأَمَرَهُمَا عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ أَنْ تَرْمِيَا الجَمْرَةَ حِينَ قَدِمَتَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِمَا شَيْئًا» [الموطأ: ١٥٤١]، ولأنه لا دليل على التحديد بالغروب؛ لأن النبي ﷺ حدد أوله بفعله، ولم يحدد آخره.
ويستثنى من جواز الرمي ليلاً: اليوم الثالث عشر؛ لأنه بغروب الشمس من الثالث عشر تنتهي أيام الرمي إجماعاً.
- فرع: يستثنى من المنع من رمي الجمار ليلاً: السقاة والرعاة، فلهم الرمي ليلاً ونهاراً؛ لأنهم يشتغلون باستقاء الماء والرعي، فرخص لهم في الرمي بليل أو نهار.
стр. 725
- مسألة: (وَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) فأراد أن ينفر في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) [البقرة: ٢٠٣]، ولحديث عبد الرحمن بن يعمر ﵁ مرفوعاً: «أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» [أحمد: ١٨٧٧٣، وأبو داود: ١٩٤٩، والترمذي: ٨٨٩، والنسائي: ٣٠١٦، وابن ماجه: ٣٠١٥]، ويسمى يوم النفر الأول.
- فرع: إن أراد التعجل في يومين خرج من منى قبل غروب الشمس، ولا يضر رجوعه بعد خروجه؛ لحصول الرخصة.
و(إِنْ لَمْ يَخْرُجْ) من منى (قَبْلَ الغُرُوبِ) لم يخل من حالين:
١ - ألا يكون له عذر: (لَزِمَهُ المَبِيتُ وَالرَّمْيُ مِنَ الغَدِ) بعد الزوال؛ لقوله تعالى: (فمن تعجل في يومين)، و (في) للظرفية، فدل أن التعجل لابد أن يكون في داخل اليومين، ولقول ابن عمر ﵄: «مَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَا يَنْفِرَنَّ حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنَ الْغَدِ» [البيهقي: ٩٦٨٦].
٢ - أن يُحْبَس عن الخروج قبل الغروب: فيلزمه المبيت والرمي من الغد أيضاً؛ لما تقدم.
واختار ابن عثيمين: أن له الخروج؛ لأنه حُبس بغير اختيار منه.
стр. 726
- مسألة: (وَطَوَافُ الوَدَاعِ) ويسمى طوافَ الصَّدر: (وَاجِبٌ) على كل من أراد الخروج من مكة إذا لم يقم بمكة أو حرمها، (يَفْعَلُهُ) أي: طواف الوداع إذا فرغ من جميع أموره؛ لقول ابن عباس ﵄: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ» [البخاري: ١٧٥٥، ومسلم: ١٣٢٨].
- فرع: إذا أقام بعد طواف الوداع أو اتجر؛ أعاده، واختاره شيخ الإسلام؛ لأنه لم يكن آخر عهده بالبيت.
ويستثنى من ذلك:
١ - إن قضى حاجة أو اشترى زاداً أو شيئاً لنفسه في طريقه، أو صلَّى؛ فلا يُعيد؛ لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت، قال في الشرح: (ولا نعلم فيه خلافاً).
٢ - إذا اشتغل بشد رحله ونحوه مما هو من أسباب الرحيل، فلا يعيد؛ لأن ذلك لا يمنع أن آخر عهده بالبيت الطواف، واختاره شيخ الإسلام.
- فرع: يسقط طواف الوداع عن الحائض والنفساء؛ لحديث ابن عباس السابق: «إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ»، والنفساء في معناها، ولا فدية عليهما؛ لظاهر الحديث، لكن لو طهرتا قبل مفارقة بنيان مكة فيجب عليهما أن يرجعا ويطوفا للوداع؛ لأنهما في حكم الحاضر.
стр. 727
- فرع: (ثُمَّ يَقِفُ) غيرُ الحائض والنفساء بعد الوداع (فِي المُلْتَزَمِ) استحباباً، وهو أربعة أذرع بين الركن الذي به الحجر الأسود والباب؛ قال ابن عباس ﵄: «الملْتَزَمُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ» [عبد الرزاق: ٩٠٤٧]
وصفة الالتزام: أن يُلصق به وجهَه وصدره وذراعيه وكفيه مبسوطتين؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه، قال: طفت مع عبد الله، فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: «نَعُوذُ بِالله مِنَ النَّارِ»، ثم مضى حتى استلم الحجر، وأقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطاً، ثم قال: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُهُ» [أبو داود: ١٨٩٩، وضعفه ابن حجر]، وعن مجاهد: «أن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ﵃ كانوا إذا قضوا طوافهم فأرادوا أن يخرجوا استعاذوا بين الركن والباب، أو بين الحجر والباب» [ابن أبي شيبة: ١٥٧٢٨].
وذكر شيخ الإسلام: أن هذا الالتزام يكون حال الوداع أو قبله، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة؛ فقد روي عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: «لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ الله ﷺ مَكَّةَ قُلْتُ: لَأَلْبَسَنَّ ثِيَابِي -وَكَانَتْ دَارِي عَلَى الطَّرِيقِ-، فَلَأَنْظُرَنَّ كَيْفَ يَصْنَعُ رَسُولُ الله ﷺ ، فَانْطَلَقْتُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْكَعْبَةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَدْ اسْتَلَمُوا الْبَيْتَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الحَطِيمِ، وَقَدْ وَضَعُوا خُدُودَهُمْ عَلَى الْبَيْتِ، وَرَسُولُ الله ﷺ وَسْطَهُمْ» [أبو داود: ١٨٩٨، وفيه ضعف].
стр. 728
قال شيخ الإسلام: (ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسناً).
- فرع: (دَاعِياً) عند الملتزم (بِمَا وَرَدَ)، ومنه ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول: (اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، حتى سيرتني في بلادك، وبلغتني بنعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضاً، وإلا فمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فاصحبني بالعافية في بدني، والعصمة في ديني وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني)، قال البيهقي: (وهذا من قول الشافعي ﵀، وهو حسن)، وعن مجاهد قال: «جئت ابن عباس ﵄ وهو يتعوذ بين الركن والباب» [عبد الرزاق: ٩٠٤٥]، وعن ابن عباس: أنه كان يلزم ما بين الركن والباب، وكان يقول: «مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ يُدْعَى الْملْتَزَمَ، لَا يَلْزَمُ مَا بَيْنَهُمَا أَحَدٌ يَسْأَلُ الله شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» [البيهقي: ٩٧٦٦، وهو ضعيف].
وقال شيخ الإسلام: (ثم يشرب من ماء زمزم ويستلم الحجر الأسود).
- فرع: (وَتَدْعُو الحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ) بالدعاء السابق (عَلَى بَابِ المَسْجِدِ)؛ لتعذر دخول المسجد عليها.
وقال ابن عثيمين: (ولا دليل على ذلك، والنبي ﷺ لما قيل له: إن
стр. 729
صفية ﵂ قد أفاضت قال: «فَلْتَنْفِر»، ولم يقل فلتأت إلى المسجد وتقف ببابه، مع دعاء الحاجة إلى بيانه لو كان مشروعاً).
- مسألة: (وَ) إذا قضى الحاج نسكه (سُنَّ) له (زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ) أي: زيارة مسجده، أو زيارة مسجده وقبره معاً (١)؛
لعموم حديث بريدة ﵁: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» [مسلم: ١٩٧٧]،
стр. 730
ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ الله عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇» [أحمد: ١٠٨١٥، وأبو داود: ٢٠٤١]، وهذا إنما يكون بالسلام عليه عند قبره.
وبين شيخ الإسلام: أن السفر إلى مسجد وقبر النبي ﷺ على ثلاثة أقسام:
١ - أن يقصد السفر إلى مسجده فقط: فهذا مشروع بالإجماع؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى» [البخاري: ١١٨٩، ومسلم: ١٣٩٧].
٢ - أن يقصد السفر إلى مسجده وقبره معاً: فهذا مشروع بالإجماع أيضاً (١)؛ لما تقدم.
٣ - أن يقصد السفر إلى قبره فقط دون مسجده، فلا يخلو من أمرين:
أ) أن يقصد بذلك السفر التقرب إلى الله: فهذا محرم بالإجماع (٢).
стр. 731
ب) ألا يعتقد أن ذلك السفر قربة، وإنما يعتقد إباحته (١): فلا يجوز؛ لأن قوله في الحديث: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» يتناول المنع من السفر إلى كل بقعة مقصودة، ويدل على ذلك ما ورد عن عن أبي هريرة ﵁، أنه ذكر الحديث، ثم قال: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري ﵁، قال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: أما لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت إليه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا تُعْمَلُ المطِيُّ إِلَّا إِلَى
стр. 732
ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: إِلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَإِلَى مَسْجِدِي، وَإِلَى مَسْجِدِ إِيلِيَاءَ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» [أحمد: ٢٣٨٤٨]، ولم يعرف عن أحد من الصحابة القول باستحباب السفر لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ .
- تنبيه: استدل بعض المتأخرين بحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «مَنْ زَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» [الدارقطني: ٢٦٩٣]، وقد قال شيخ الإسلام: (وقد يحتج به بعض من لا يعرف الحديث)، وقال ابن عبد الهادي: (منكر المتن ساقط الإسناد، لم يصححه أحد من الحفاظ، ولا احتج به أحد من الأئمة).
- تنبيه: زيارة مسجد المدينة وقبره ﷺ ليس من مناسك الحج، وإنما يذكرونه لأن الحاج يأتي من بعيد غالباً، فاستحبوا له زيارة مسجد المدينة؛ لما تقدم.
- مسألة: (وَصِفَةُ العُمْرَةِ):
أولاً: (أَنْ يُحْرِمَ بِهَا) أي: بالعمرة، والإحرام ركن من أركانها؛ كالحج.
ولا يخلو مريد العمرة من ثلاثة أحوال:
١ - (مَنْ) كان (بِالحَرَمِ) من مكي وغيره: فإنه يحرم (مِنْ أَدْنَى الحِلِّ) أي: من أقرب الحل من الحرم، كالتنعيم وعرفة ونحوها، ولا يجوز أن يحرم بها من الحرم؛ لحديث عائشة السابق أنها خرجت إلى التنعيم حين
стр. 733
أرادت العمرة.
٢ - (وَغَيْرُهُ) أي: غير من كان بمكة: فإنه يحرم بالعمرة (مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ) أي: من بلده, وذلك (إِنْ كَانَ) محل بلده (دُونَ مِيقَاتٍ).
٣ - (وَإِلَّا) يكن محَلُّ بلده دون الميقات: (فَـ) ـإنه يحرم (مِنْهُ) أي: من الميقات، وتقدم ذلك كله في باب المواقيت.
ثانياً: (ثُمَّ يَطُوفُ) للعمرة، (وَيَسْعَى، وَيُقَصِّرُ) شعره أو يحلقه، ولا يحصل التحلل إلا به.
- فرع: أحكام طواف العمرة وسعيها كأحكام طواف الحج وسعيه على ما تقدم.
(فَصْلٌ) في أركان وواجبات الحج والعمرة
- مسألة: (أَرْكَانُ الحَجِّ أَرْبَعَةٌ):
١ - (إِحْرَامٌ) إجماعاً، وهو نية الدخول في النسك؛ لحديث عمر ﵁ مرفوعاً: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧].
стр. 734
٢ - (وَوُقُوفٌ) بعرفة إجماعاً؛ لحديث عبد الرحمن بن يعمر ﵁ مرفوعاً: «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» [أحمد: ١٨٧٧٣، وأبو داود: ١٩٤٩، والترمذي: ٨٨٩، والنسائي: ٣٠١٦، وابن ماجه: ٣٠١٥].
٣ - (وَطَوَافُ) الزيارة إجماعاً؛ وتقدم.
٤ - (وَسَعْيٌ)؛ لحديث حبيبة بنت أبي تجراة ﵂ مرفوعاً: «اسْعَوْا، فَإِنَّ الله كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» [أحمد: ٢٧٣٦٧]، ولقول عائشة ﵂: «فَلَعَمْرِي مَا أَتَمَّ الله حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمرْوَةِ» [مسلم: ١٢٧٧].
- مسألة: (وَوَاجِبَاتُه) أي: الحج (سَبْعَةٌ):
١ - (إِحْرَامُ مَارٍّ عَلَى مِيقَاتٍ مِنْهُ) أي: من الميقات؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «يُهِلُّ أَهْلُ المدِينَةِ، مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ» الحديث، وقوله: (يُهِلُّ) خبر بمعنى الأمر.
٢ - (وَوُقُوفٌ) بعرفة (إِلَى اللَّيْلِ) أي: إلى غروب الشمس (إِنْ وَقَفَ) بها (نَهَاراً)، وتقدم تفصيله.
٣ - (وَمَبِيتٌ بِمُزْدَلِفَةَ) من بعد الدفع من عرفة (إِلَى بَعْدَ نِصْفِهِ) أي: بعد
стр. 735
نصف الليل، وذلك (إِنْ وَافَاهَا) أي: وافى مزدلفة (قَبْلَهُ) أي: قبل نصف الليل، على ما تقدم.
٤ - (وَ) مبيتٌ (بِمِنًى لَيَالِيَهَا) أي: لياليَ التشريق، على ما تقدم.
٥ - (وَالرَّمْيُ) أي: رمي الجمار اتفاقاً، (مُرَتَّباً)، على ما تقدم.
٦ - (وَحَلْقٌ أَوْ تَقْصِيرٌ)، وتقدَّم.
٧ - (وَطَوَافُ وَدَاعٍ)، وهو من واجبات الحج كما تقدم، وليس بركن بغير خلاف؛ ولذلك سقط عن الحائض، ولم يسقط عنها طواف الزيارة.
واختار شيخ الإسلام: أن طواف الوداع ليس من أعمال الحج، وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة؛ لأنه لو كان من واجبات الحج؛ لوجب على المقيم والمسافر، وهو لا يجب على المقيم في مكة.
- مسألة: سنن الحج: هي عدا ما تقدم من الأقوال والأفعال، ومنها: طواف القدوم، والمبيت بمزدلفة ليلة عرفة إلى الفجر، والاضطباع والرَّمَل في موضعهما، وتقبيل الحجر، والأذكار والأدعية، وصعود الصفا والمروة، وغيرها.
- مسألة: (وَأَرْكَانُ العُمْرَةِ ثَلَاثَةٌ):
стр. 736
١ - (إِحْرَامٌ) وهو النية، كما تقدم في الحج.
٢ - (وَطَوَافٌ)؛ لما تقدم في الحج.
٣ - (وَسَعْيٌ)؛ لما تقدم في الحج.
- مسألة: (وَوَاجِبُهَا) أي: العمرة (اثْنَانِ):
١ - (الإِحْرَامُ مِنَ الحِلِّ)؛ كالحج، على ما تقدم بيانه.
٢ - (وَالحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ)؛ كالحج، على ما تقدم بيانه.
стр. 737
باب الفوات والإحصار
الفوات: مصدر فات: إذا سُبق فلم يدرك، والمراد به هنا: أن يطلع عليه الفجر قبل الوقوف بعرفة.
والإحصار: مصدر أحصره، أي: حبسه، مرضاً كان أو عدوًّا، والمراد به هنا: منع الحاج من إتمام نسكه.
- مسألة: (وَمَنْ فَاتَهُ الوُقُوفُ) بعرفة، بأن طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة؛ لقول جابر ﵁: «لَا يَفُوتُ الحَجُّ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ» [البيهقي: ٩٨١٧]، ترتب عليه الأحكام التالية، ولو كان معذوراً:
١ - (فَاتَهُ الحَجُّ)؛ لمفهوم حديث عبد الرحمن بن يعمر ﵁: «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» [أحمد: ١٨٧٧٣، وأبو داود: ١٩٤٩، والترمذي: ٨٨٩، والنسائي: ٣٠١٦، وابن ماجه: ٣٠١٥]، فدل على فوات الحج بخروج ليلة جَمْع، ولما روى سليمان بن يسار: أن أبا أيوب الأنصاري ﵁ خرج حاجًّا، حتى إذا كان بالبادية من طريق مكة أضل رواحله , ثم إنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ يوم النحر، فذكر ذلك له , فقال له عمر: «اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ المُعْتَمِرُ, ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكَكَ الحجُّ مِنْ قَابِلٍ فَاحْجُجْ، وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ» [الموطأ: ١٤٢٨].
стр. 738
ولقول ابن عمر ﵄: «مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحجُّ , فَلْيَأْتِ الْبَيْتَ فَلْيَطُفْ بِهِ سَبْعًا، وَيَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمرْوَةِ سَبْعًا , ثُمَّ ليَحْلِقْ أَوْ يُقَصِّرْ إِنْ شَاءَ, وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيُهُ فَلْيَنْحَرْهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ, فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ فَلْيَحْلِقْ أَوْ يُقَصِّرْ, ثُمَّ ليَرْجِعْ إِلَى أَهْلِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ الحجُّ مِنْ قَابِلٍ فَلْيَحُجَّ إِنِ اسْتَطَاعَ، وَلْيُهْدِ فِي حَجِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» [البيهقي: ٩٨٢٠]، وعن زيد بن ثابت ﵁ نحوه [البيهقي: ٩٨٢٣].
٢ - (وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ)، فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر؛ لما تقدم من الآثار، وعن الأسود, قال: جاء رجل إلى عمر ﵁ قد فاته الحج, قال عمر: «اجْعَلْهَا عُمْرَةً, وَعَلَيْكَ الحجُّ مِنْ قَابِلٍ» [البيهقي: ٩٨٢٤، وصححه الألباني].
وله أن يختار البقاء على إحرامه إلى الحج القادم؛ لأنه رضي بالمشقة على نفسه.
- فرع: لا تجزئ هذه العمرة عن عمرة الإسلام؛ لوجوبها، كمنذورة.
٣ - ويقضي الحج الفائت، ولا يخلو الحج الفائت من أمرين:
أ) أن يكون فرضاً: فيجب عليه أن يقضيه إجماعاً؛ لوجوبه بأصل الإسلام.
стр. 739
ب) أن يكون نفلاً: فيجب أن يقضيه؛ للآثار السابقة.
وأما حديث ابن عباس مرفوعاً: «الحَجُّ مَرَّةً، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» [أحمد: ٢٣٠٤]، فالمراد به الواجب بأصل الشرع، وهذا إنما وجب بالشروع فيه؛ كالمنذور.
وعنه: لا يجب قضاء حج النفل الفائت؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولأن الله قال في الإحصار: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فلم يوجب الله القضاء فيه، وقال ابن عباس ﵄: «إِنَّمَا البَدَلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَلَا يَرْجِعُ» [البخاري معلقاً مجزوماً به ٣/ ٩، ووصله إسحاق بن راهويه في تفسيره]، والفوات مثل الإحصار.
٤ - (وَهَدَى) أي: يجب عليه أن يذبح هدياً في قضائه؛ لما تقدم من الآثار، ولأنه حلَّ من إحرامه قبل تمامه، فلزمه كالمُحْصَر.
- فرع: إن عَدِم الهدي زمن الوجوب -وهو وقت الفوات- صام عشرة أيام، ثلاثة في حج القضاء، وسبعةً إذا فرغ من حجة القضاء؛ لما روى سليمان بن يسار: أن هَبَّار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين، أخطأنا العِدَّة، كنا نرى أن هذا اليوم يوم عرفة، فقال عمر ﵁: «اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ، فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، وَانْحَرُوا هَدْياً إِنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ
стр. 740
قَابِلٌ فَحُجُّوا، وَأَهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ» [الموطأ: ١٤٢٩].
- فرع: يجب التحلل بعمرة والقضاء والهدي (إِنْ لَمْ يَكُنِ اشْتَرطَ)، فإن اشترط بأن قال في ابتداء إحرامه: (إن حبسني حابس فمحِلِّي حيث حبستني)، فإنه يتحلل بعمرة ولا هدي عليه ولا قضاء، إلا أن يكون الحج واجباً فيؤديه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟ » قالت: والله لا أجدني إلا وَجِعَة، فقال لها: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللهمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» [البخاري: ٥٠٨٩، ومسلم: ١٢٠٧].
- مسألة: الإحصار لا يخلو من خمسة أقسام:
الأول: الإحصار عن البيت، وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ مُنِعَ) من الوصول إلى (البَيْتِ) الحرام حتى خشي فوات الحج: (أهْدَى) أي: وجب عليه أن يذبح هدياً، واختاره شيخ الإسلام، ويذبحه في موضع حصره، سواء كان في الحِل أو في الحرم، (ثُمَّ حَلَّ)، فلا يحل حتى يذبح هدياً، وسواء أُحصر قبل الوقوف بعرفة أو بعده؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) [البقرة: ١٩٦]، ولحديث المسور بن مخرمة ﵄ لما أُحصر النبي ﷺ وأصحابه في صلح الحديبية عن العمرة، قال لهم: «قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا» [البخاري: ٢٧٣١].