١ - (إِحْرَامٌ) وهو النية، كما تقدم في الحج.
٢ - (وَطَوَافٌ)؛ لما تقدم في الحج.
٣ - (وَسَعْيٌ)؛ لما تقدم في الحج.
- مسألة: (وَوَاجِبُهَا) أي: العمرة (اثْنَانِ):
١ - (الإِحْرَامُ مِنَ الحِلِّ)؛ كالحج، على ما تقدم بيانه.
٢ - (وَالحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ)؛ كالحج، على ما تقدم بيانه.
стр. 737
باب الفوات والإحصار
الفوات: مصدر فات: إذا سُبق فلم يدرك، والمراد به هنا: أن يطلع عليه الفجر قبل الوقوف بعرفة.
والإحصار: مصدر أحصره، أي: حبسه، مرضاً كان أو عدوًّا، والمراد به هنا: منع الحاج من إتمام نسكه.
- مسألة: (وَمَنْ فَاتَهُ الوُقُوفُ) بعرفة، بأن طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة؛ لقول جابر ﵁: «لَا يَفُوتُ الحَجُّ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ» [البيهقي: ٩٨١٧]، ترتب عليه الأحكام التالية، ولو كان معذوراً:
١ - (فَاتَهُ الحَجُّ)؛ لمفهوم حديث عبد الرحمن بن يعمر ﵁: «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» [أحمد: ١٨٧٧٣، وأبو داود: ١٩٤٩، والترمذي: ٨٨٩، والنسائي: ٣٠١٦، وابن ماجه: ٣٠١٥]، فدل على فوات الحج بخروج ليلة جَمْع، ولما روى سليمان بن يسار: أن أبا أيوب الأنصاري ﵁ خرج حاجًّا، حتى إذا كان بالبادية من طريق مكة أضل رواحله , ثم إنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ يوم النحر، فذكر ذلك له , فقال له عمر: «اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ المُعْتَمِرُ, ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكَكَ الحجُّ مِنْ قَابِلٍ فَاحْجُجْ، وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ» [الموطأ: ١٤٢٨].
стр. 738
ولقول ابن عمر ﵄: «مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحجُّ , فَلْيَأْتِ الْبَيْتَ فَلْيَطُفْ بِهِ سَبْعًا، وَيَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمرْوَةِ سَبْعًا , ثُمَّ ليَحْلِقْ أَوْ يُقَصِّرْ إِنْ شَاءَ, وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيُهُ فَلْيَنْحَرْهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ, فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ فَلْيَحْلِقْ أَوْ يُقَصِّرْ, ثُمَّ ليَرْجِعْ إِلَى أَهْلِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ الحجُّ مِنْ قَابِلٍ فَلْيَحُجَّ إِنِ اسْتَطَاعَ، وَلْيُهْدِ فِي حَجِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» [البيهقي: ٩٨٢٠]، وعن زيد بن ثابت ﵁ نحوه [البيهقي: ٩٨٢٣].
٢ - (وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ)، فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر؛ لما تقدم من الآثار، وعن الأسود, قال: جاء رجل إلى عمر ﵁ قد فاته الحج, قال عمر: «اجْعَلْهَا عُمْرَةً, وَعَلَيْكَ الحجُّ مِنْ قَابِلٍ» [البيهقي: ٩٨٢٤، وصححه الألباني].
وله أن يختار البقاء على إحرامه إلى الحج القادم؛ لأنه رضي بالمشقة على نفسه.
- فرع: لا تجزئ هذه العمرة عن عمرة الإسلام؛ لوجوبها، كمنذورة.
٣ - ويقضي الحج الفائت، ولا يخلو الحج الفائت من أمرين:
أ) أن يكون فرضاً: فيجب عليه أن يقضيه إجماعاً؛ لوجوبه بأصل الإسلام.
стр. 739
ب) أن يكون نفلاً: فيجب أن يقضيه؛ للآثار السابقة.
وأما حديث ابن عباس مرفوعاً: «الحَجُّ مَرَّةً، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» [أحمد: ٢٣٠٤]، فالمراد به الواجب بأصل الشرع، وهذا إنما وجب بالشروع فيه؛ كالمنذور.
وعنه: لا يجب قضاء حج النفل الفائت؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولأن الله قال في الإحصار: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فلم يوجب الله القضاء فيه، وقال ابن عباس ﵄: «إِنَّمَا البَدَلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَلَا يَرْجِعُ» [البخاري معلقاً مجزوماً به ٣/ ٩، ووصله إسحاق بن راهويه في تفسيره]، والفوات مثل الإحصار.
٤ - (وَهَدَى) أي: يجب عليه أن يذبح هدياً في قضائه؛ لما تقدم من الآثار، ولأنه حلَّ من إحرامه قبل تمامه، فلزمه كالمُحْصَر.
- فرع: إن عَدِم الهدي زمن الوجوب -وهو وقت الفوات- صام عشرة أيام، ثلاثة في حج القضاء، وسبعةً إذا فرغ من حجة القضاء؛ لما روى سليمان بن يسار: أن هَبَّار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين، أخطأنا العِدَّة، كنا نرى أن هذا اليوم يوم عرفة، فقال عمر ﵁: «اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ، فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، وَانْحَرُوا هَدْياً إِنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ
стр. 740
قَابِلٌ فَحُجُّوا، وَأَهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ» [الموطأ: ١٤٢٩].
- فرع: يجب التحلل بعمرة والقضاء والهدي (إِنْ لَمْ يَكُنِ اشْتَرطَ)، فإن اشترط بأن قال في ابتداء إحرامه: (إن حبسني حابس فمحِلِّي حيث حبستني)، فإنه يتحلل بعمرة ولا هدي عليه ولا قضاء، إلا أن يكون الحج واجباً فيؤديه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟ » قالت: والله لا أجدني إلا وَجِعَة، فقال لها: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللهمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» [البخاري: ٥٠٨٩، ومسلم: ١٢٠٧].
- مسألة: الإحصار لا يخلو من خمسة أقسام:
الأول: الإحصار عن البيت، وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ مُنِعَ) من الوصول إلى (البَيْتِ) الحرام حتى خشي فوات الحج: (أهْدَى) أي: وجب عليه أن يذبح هدياً، واختاره شيخ الإسلام، ويذبحه في موضع حصره، سواء كان في الحِل أو في الحرم، (ثُمَّ حَلَّ)، فلا يحل حتى يذبح هدياً، وسواء أُحصر قبل الوقوف بعرفة أو بعده؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) [البقرة: ١٩٦]، ولحديث المسور بن مخرمة ﵄ لما أُحصر النبي ﷺ وأصحابه في صلح الحديبية عن العمرة، قال لهم: «قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا» [البخاري: ٢٧٣١].
стр. 741
- فرع: (فَإِنْ فَقَدَهُ) أي: الهدي (صَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ) بنية التحلل؛ قياساً على المتمتع إذا لم يجد هدياً، وتقدمت المسألة في باب الفدية.
- فرع: الفرق بين صيام المحصر وصيام الذي فاته الحج: أن المحصر لا يتحلل إلا بعد الصوم بنية التحلل؛ لأنه لا يحل إلا بعد نحر الهدي، والصيام بدل عن الهدي، فكان مثله.
والذي فاته الحج لا يتوقف إحرامه على الانتهاء من الصوم؛ لأنه ليس كالمحصر بل يحصل التحلل بنفس إتمام النسك.
- فرع: لا يجب الحِلاق أو التقصير على المحصر؛ لعدم ذكره في الآية.
وصرح في الإقناع، واختاره ابن عثيمين: أنه يجب الحلاق أو التقصير على المحصر؛ لحديث المسور السابق، وفيه: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا».
الثاني: الإحصار عن دخول عرفة، وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ صُدَّ عَنِ) الوصول إلى (عَرَفَةَ) دون البيت (تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ)؛ لأن قلب الحج إلى عمرة جائز بلا حصر فمعه أولى.
- فرع: من صُد عن عرفة فتحلل بعمرة لم يخل من حالين:
١ - أن يتحلل بالعمرة قبل ذهاب وقت الوقوف: فيكون محصراً، ولا
стр. 742
يأخذ حكم الفوات، ويترتب على هذا الإحصار أمران:
أ) لا يجب عليه قضاء حج النفل، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لعدم الأمر به في الآية، ولأنه ليس كل من أحصر في الحديبية قضى تلك العمرة، ولم ينقل أنه أمر بالقضاء، وفارق الفوات، لأنه مفرط، بخلاف المحصر.
ب) (وَلَا دَمَ) عليه؛ لأنه في معنى فسخ الحج إلى عمرة، وهو لا دم فيه.
٢ - ألا يتحلل بالعمرة إلا بعد فوات الوقوف بعرفة: فيأخذ أحكام الفوات السابقة؛ لأن الحج قد فاته وهو محرم (١).
الثالث: الإحصار عن ركن - غير الوقوف بعرفة -، كطواف الإفاضة: فلا يتحلل حتى يأتي به بالاتفاق؛ لأن وقته غير محدد.
واختار شيخ الإسلام: أن له أن يتحلل؛ لعموم قوله تعالى: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي)، ولأن النبي ﷺ وأصحابه لما مُنعوا من دخول مكة، تحللوا من ساعتهم، مع أن العمرة وقتها متسع.
стр. 743
قال شيخ الإسلام: (مثله حائض تعذر مقامها وحرم طوافها ورجعت، ولم تطف؛ لجهلها بطواف الزيارة، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرفقة) (١).
الرابع: الإحصار عن واجب: لا يتحلل؛ لأنه متمكن من إتمام الحج، وحجه صحيح وعليه دم؛ كما لو تركه اختياراً.
الخامس: الإحصار عن سنة: لا شيء عليه؛ لأن تركه عمداً لا شيء فيه، فهنا أولى.
- فرع: لا يخلو الإحصار من أمرين:
١ - أن يكون الإحصار بالعدو: فله أحكام المحصر؛ قال في المبدع: (بغير خلاف)؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال الشافعي: (لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية)، ولأن الحاجة داعية إلى الحل؛ لما في تركه من المشقة العظيمة، وهي منتفية شرعاً.
стр. 744
وسواء كان الحصر عامًّا في جميع الحاج، أو خاصًّا بواحد، كمن حبس بغير حق؛ لعموم النص، ووجود المعنى في الكل.
٢ - أن يكون الإحصار بغير العدو، كما لو أحصر بالمرض، أو بذهاب النفقة، أو ضياع الطريق: فيبقى محرماً حتى يقدر على البيت، ولا يأخذ أحكام المحصر؛ لأنه لا يستفيد بالإحلال التخلص من الأذى الذي به، بخلاف حصر العدو ونحوه، ولحديث ضباعة بنت الزبير ﵂ السابق، فلو كان المرض يبيح الحل ما احتاجت إلى شرط، وصح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ» [مسند الشافعي ص ٣٦٧]، وصح عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «المحْصَرُ بِمَرَضٍ لَا يَحِلُّ، حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى لُبْسِ شَيْءٍ مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا، أَوِ الدَّوَاءِ؛ صَنَعَ ذلِكَ، وَافْتَدَى» [مالك: ١٣٢٤].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن الإحصار بغير العدو كالمرض وذهاب النفقة وضياع الطريق ونحوه كالإحصار بالعدو؛ لعموم قول الله: (فإن أحصرتم) وهذا يشمل جميع أنواع الإحصار، ولحديث الحجاج بن عمرو ﵁ مرفوعاً: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» [أحمد: ١٥٧٣١، وأبو داود: ١٨٦٢، والترمذي: ٩٤٠، والنسائي: ٢٨٦١، وابن ماجه: ٣٠٧٧].
وتقدم قريباً كلام شيخ الإسلام في الحائض.
стр. 745
- فرع: هذا إن لم يكن اشترط في ابتداء إحرامه: أن محلي حيث حبستني، فإن اشترط فله التحلل مجاناً في جميع أنواع الإحصار، سواء كان بعدو أو بغيره.
- فرع: مِثْلُ المحصر في هذه الأحكام: من جُنَّ أو أغمي عليه.
(فَصْلٌ)
في الهدي، والأضحية، والعقيقة
الهدي: ما يُهدى للحرم من نَعَمٍ وغيرها، سمي بذلك؛ لأنه يُهدى إلى الله تعالى.
والأضحية: بضم الهمزة وكسرها: واحدة الأضاحي، ويقال: ضَحِيَّة، وهي: ما يذبح من بهيمة الأنعام في أيام مخصوصة بسبب العيد، تقرباً إلى الله تعالى.
- مسألة: (وَالأُضْحِيَّةُ) مشروعة إجماعاً، لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال ابن عباس ﵄: " اذْبَحْ يَوْمَ النَّحرِ " [تفسير الطبري ٢٤/ ٦٥٤]، وعن أنس ﵁ قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» [البخاري ٥٥٥٨، ومسلم ١٩٦٦].
стр. 746
وهي (سُنَّةٌ) مؤكدة؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ العَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا» [مسلم ١٩٧٧]، فعلَّقه على الإرادة، والواجب لا يُعلَّق عليها، وعن حذيفة بن أسيد ﵁ قال: «لَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وَمَا يُضَحِّيَانِ عَنْ أَهْلِهِمَا؛ خَشْيَةَ أَنْ يُسْتَنَّ بِهِمَا» [البيهقي ١٩٠٣٥، وصححه الألباني]، وعن أبي مسعود البدري ﵁: «إِنِّي لَأَدَعُ الْأَضْحَى وَإِنِّي لَمُوسِرٌ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَرَى جِيرَانِي أَنَّهُ حَتْمٌ عَلَيَّ» [مصنف عبد الرزاق ٨١٤٩، وصححه الألباني]، ولأن الأضحية ذبيحة لا يجب تفريق لحمها، فلم تكن واجبة كالعقيقة.
وعنه واختار شيخ الإسلام: أنها واجبة مع الغنى؛ لقوله تعالى: (فصل لربك وانحر)، فأمر بالنحر كما أمر بالصلاة، وأما حديث أم سلمة السابق، فيقال: قد يعلق الواجب بالشرط لبيان حكم من الأحكام، كحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ» [أحمد ١٨٣٤، وأبو داود ١٧٣٢، وابن ماجه ٢٨٨٣]، والحج فرض على المستطيع، وقال شيخ الإسلام: (وما نُقل عن بعض الصحابة من أنه لم يضحِّ، بل اشترى لحماً، فقد تكون مسألة نزاع، كما تنازعوا في وجوب العمرة، وقد يكون من لم يضح لم يكن له سعة في ذلك العام).
- فرع: (يُكْرَهُ تَرْكُهَا) أي: الأضحية (لَقَادِرٍ) عليها؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» [أحمد ٨٢٧٣، وابن ماجه ٣١٢٣].
стр. 747
- مسألة: (وَوَقْتُ الذَّبْحِ) لأضحية، وهدي نذر، أو تطوع، أو متعة، أو قران:
- يبدأ: من (بَعْدِ صَلَاةِ العِيدِ) بالبلد، فإن تعدَّدت فيه؛ فبأسبق صلاة، ولو قبل الخطبة؛ لحديث جندب ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ الله» [البخاري ٩٨٥، ومسلم ١٩٦٠]، والأفضل كونها بعد الخطبة؛ خروجاً من الخلاف.
(أَوْ) بعد (قَدْرِهَا) أي: قدر زمن صلاة العيد بعد دخول وقتها إن كان بمحلٍّ لا تصلَّى فيه العيد، كأهل البوادي من أهل الخيام؛ لأنه لا صلاة في حقهم تعتبر، فوجب الاعتبار بقدرها.
- ويستمر وقت الذبح: (إِلَى آخِرِ ثَانِي) أيام (التَّشْرِيقِ)، فتكون أيام النحر ثلاثة: يوم العيد، ويومان بعده؛ لقول ابن عمر ﵄: «الْأَضْحَى يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى» [الموطأ ٢/ ٤٨٧]، ونحوه عن علي وأنس ﵄ [البيهقي ٩/ ٥٠٠]، قال أحمد: (أيام النحر ثلاثة، عن ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولأنه ﷺ : «نَهَى عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ» [البخاري ٥٥٧٤، ومسلم ١٩٧٠]، ويستحيل أن يباح ذبحها في وقت يحرم أكلها فيه، ونسخ أحد الحكمين - وهو الادخار- لا يلزم منه رفع الآخر، وهو عدم إجزاء الذبح فيما زاد على الثلاثة.
стр. 748
واختار شيخ الإسلام: أن أيام الذبح أربعة: يوم العيد وثلاثة أيام بعده؛ لحديث جبير بن مطعم ﵁ مرفوعاً: «وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» [أحمد ١٦٥٧١، قال ابن القيم: (روي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر)، وصححه الألباني]، ولقول ابن عباس ﵄: «الْأَضْحَى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ» [سنن البيهقي ١٩٢٤٧، وفيه راو متروك]، وأما النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فلا يدل على أن أيام الذبح ثلاثة فقط؛ لأن الحديث دليل على نهي الذابح أن يدخر شيئاً فوق ثلاثة أيام من يوم ذبحه، فلو أخر الذبح إلى اليوم الثالث لجاز له الادخار ما بينه وبين ثلاثة أيام.
- مسألة: (وَلَا يُعْطَى جَازِرٌ أُجْرَتَهُ مِنْهَا) أي: من الأضحية، اتفاقاً؛ لقول علي ﵁: «أَمَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَلَّا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا» [البخاري ١٧١٦، ومسلم ١٣١٧]، ولأنه بيع لبعض لحمها، ولا يصح.
ويجوز أن يعطيه منها هدية وصدقة؛ لأنه في ذلك كغيره، بل هو أولى؛ لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها.
- مسألة: (وَلَا يُبَاعُ جِلْدُهَا، وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا)، سواء كانت واجبة أو تطوعاً؛ لحديث علي السابق، ولأنها تعينت بالذبح، (بَلْ يُنْتَفَعُ بِهِ) أي: بجلدها، أو يتصدق به استحباباً، قال في الشرح: (لا خلاف في جواز الانتفاع
стр. 749
بجلودها وجلالها - وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه -؛ لأن الجلد جزء منها فجاز للمضحي الانتفاع كاللحم)، وعن عائشة ﵂ قالت: دَفَّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «ادَّخِرُوا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ»، فلما كان بعد ذلك، قالوا: يا رسول الله، إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويَجْمُلُون منها الوَدَك، فقال رسول الله ﷺ : «وَمَا ذَاكَ؟ » قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا» [مسلم ١٩٧١].
- مسألة: (وَأَفْضَلُ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ: إِبِلٌ، ثُمَّ بَقَرٌ) إن أخرج كاملاً، (ثُمَّ غَنَمٌ)، جذعُ ضأنٍ ثم ثني معز؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» [البخاري ٨٨١، ومسلم ٨٥٠]، ولأن البُدن أكثر ثمناً ولحماً، وأنفع للفقراء، وجذع الضأن أطيب لحماً من ثني المعز.
وأفضل كل جنس أسمن فأغلى ثمناً؛ لقوله تعالى: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)، قال ابن عباس ﵄: " اسْتِعْظَامُ البُدْنِ
стр. 750
واسْتِسْمَانُها واسْتِحْسَانُها " [تفسير الطبري ١٨/ ٦٢١، وفيه ضعف].
واختار شيخ الإسلام: أن الأجر على قدر القيمة مطلقاً، فما كان أغلى من أيِّ جنس فهو أفضل؛ لحديث أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ سئل: أيُّ الرقاب أفضل؟ فقال: «أَعْلاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» [البخاري ٢٥١٨، ومسلم ٨٤].
- مسألة: (وَلَا يُجْزِئُ) في الأضحية، وكذا دمُ تمتع ونحوه (إِلَّا):
١ - (جَذَعُ ضَأْنٍ)، وهو ما له ستة أشهر؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قسم النبي ﷺ بين أصحابه ضحايا، فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله، صارت لي جذعة؟ قال: «ضَحِّ بِهَا» [البخاري ٢٥١٨، ومسلم ٨٤]، ولحديث أم بلال بنت هلال، عن أبيها، أن رسول الله ﷺ قال: «يَجُوزُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ أُضْحِيَّةً» [أحمد ٢٧٠٧٣، وابن ماجه ٣١٣٩ ٨٤].
٢ - (أَوْ ثَنِيُّ غَيْرِهِ) أي: من غير الضأن، وهو الإبل، والبقر، والمعز؛ لحديث جابر ﵁: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» [البخاري ٢٥١٨، ومسلم ٨٤].
وظاهر الحديث عدم إجزاء الجذعة من الضأن إلا عند تعسر المسنة وهي الثنية، ولكن يحمل على الاستحباب؛ لحديث أم بلال السابق.
- فرع: (فَثَنِيُّ إِبِلٍ: مَا لَهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَ) ثني (بَقَرٍ): ما له (سَنَتَانِ)،
стр. 751
وثني معز: ما له سنة كاملة.
- مسألة: (وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ) وأهل بيته وعياله؛ لحديث أبي أيوب ﵁: «كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ، ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ فَصَارَ كَمَا تَرَى» [الترمذي ١٥٠٥، وابن ماجه ٣١٤٧].
- مسألة: (وَ) تجزئ (البَدَنَةُ وَالبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ)؛ لقول جابر ﵁: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ» [مسلم ١٣١٨].
- مسألة: العيوب المانعة من الإجزاء على قسمين:
القسم الأول: عيوب مجمع عليها في الجملة، وهي أربع، أشار إليها بقوله: (وَلَا تُجْزِئُ) في الهدي والأضحية:
١ - شاة (هَزِيْلَةٌ) لا مخ فيها، والمخ: هو الودك الذي في العظام، وهي العجفاء التي لا تُنقي.
٢ - (وَ) لا (بَيِّنَةُ عَوَرٍ)، وهي التي انخسفت عينها وذهبت، ولا العمياء؛ لأن العمى أولى من العور في عدم الإجزاء.
٣ - ولا عرجاء بينٌ ضَلْعُها، وأشار إليه بقوله: (أَوْ) بينة (عَرَجٍ)، وهي
стр. 752
التي لا تقدر على المشي مع الصحيحة إلى المرعى، ولا الكسيرة؛ لأنها أولى من العرجاء في عدم الإجزاء، فإن كان عرجها لا يمنعها مما ذكر؛ أجزأت.
٤ - ولا تجزئ المريضة البين مرضها، وهو المفسد للحم والمقلص له، وفاقاً، أما إذا لم يكن مرضها بيناً أجزأت؛ لأنها قريبة من الصحيحة.
ودليل هذه العيوب: حديث البراء ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الأَضَاحِيِّ: العَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا، وَالعَرْجَاءُ بَيِّنٌ ظَلْعُهَا، وَالكَسِيرُ الَّتِي لَا تُنْقِي» [أبو داود ٢٨٠٢، والترمذي ١٤٩٧، والنسائي ٤٣٨١، وابن ماجه ٣١٤٤].
القسم الثاني: عيوب مختلف فيها، وأشار إليها بقوله:
١ - (وَلَا) تجزئ الهتماء، وهي (ذَاهِبَةُ الثَّنَايَا) من أصلها؛ لأن أثر ذهاب الأسنان -لا سيما إذا ذهبت كلها- أكثر من ذهاب بعض القرن، وذهاب أكثر القرن غير مجزئ، كما سيأتي.
وقال شيخ الاسلام: تجزئ الهتماء، وهي التي سقط بعض أسنانها، ولم يقيد ذلك بالثنايا؛ لعدم الدليل على عدم الإجزاء.
٢ - ولا تجزئ العَضْباء، وهو من المفردات، وأشار إليه بقوله: (أَوْ) ذاهبة (أَكْثَرِ أُذُنِهَا، أَوْ) أكثر (قَرْنِهَا)؛ لحديث علي ﵁ قال: «نَهَى
стр. 753
رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ القَرْنِ وَالأُذُنِ»، قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: العضب ما بلغ النصف فما فوق ذلك [أبو داود ٢٨٠٥، والترمذي ١٥٠٤، والنسائي ٤٣٨٩، وابن ماجه ٣١٤٥، وضعفه الألباني]، ولأن الأكثر كالكل، فإن قطع النصف أو أقل؛ أجزأ وكُره.
وصوب المرداوي وابن عثيمين: أنها تجزئ؛ لأن الأصل الإجزاء، والحديث فيه ضعف، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأن القرن لا يؤكل، والأذن لا يقصد أكلها غالباً.
- مسألة: (وَالسُّنَّةُ) في (نَحْرِ إِبِلٍ): أن تكون (قَائِمَةً، مَعْقُولَةً يَدُهَا اليُسْرَى)، فيطعنها بالحربة أو نحوها في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر؛ لقول عبد الرحمن بن سابط ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ البَدَنَةَ مَعْقُولَةَ اليُسْرَى، قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا» [أبو داود ١٧٦٧، وصححه الألباني]، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] دليل على أنها تنحر قائمة.
(وَ) السنة (ذَبْحُ غَيْرِهَا)، وهو البقر والغنم؛ لقوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) [البقرة: ٦٧]، ولحديث أنس ﵁: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» [البخاري ٥٥٥٨، ومسلم ١٩٦٦].
стр. 754
- فرع: يجوز العكس، بأن يذبح الإبل، وينحر البقر والغنم؛ لأنه لم يتجاوز محل الذكاة، ولعموم حديث رافع بن خديج ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ الله فَكُلْ» [البخاري ٢٤٨٨، ومسلم ١٩٦٨].
- مسألة: (وَيَقُولُ) الذابح حين يحرك يده بالنحر أو الذبح: (بِاسْمِ الله) وجوباً، و (الله أكبر) استحباباً، (اللهمَّ هَذَا مِنْك وَلَك) استحباباً؛ لحديث جابر ﵁ قال: ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين مَوْجُوءَيْن، فلما وجههما قال: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ العَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ، اللهمَّ مِنْكَ وَلَكَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِاسْمِ الله وَالله أَكْبَرُ» ثُمَّ ذَبَحَ. [أبو داود ٢٧٩٥، وضعفه الألباني]، ويأتي في الذكاة.
ولا بأس بقول: اللهم تقبل من فلان؛ لقول عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال حين ذبح: «بِاسْمِ الله، اللهمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ»، ثم ضحى به [مسلم ١٩٦٧]، ويقول أيضاً كما في حديث جابر السابق: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ ... » إلى قوله: «وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ».
وقال شيخ الإسلام: يقول أيضاً: (اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك).
стр. 755
- مسألة: ما يشرع ذبحه من الدماء ينقسم من حيث جواز الأكل منه إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يحرم الأكل منه، وهو:
١ - الدم الواجب لترك واجب أو فعل محظور: لا يجوز الأكل منه، وسبق في فصل الفدية.
٢ - الدم الواجب للفوات والإحصار: لا يجوز الأكل منه، وسبق في فصل الفدية.
٣ - الدم الواجب بالنذر: لا يجوز الأكل منه؛ لتعلق حق الفقراء به بالنذر.
القسم الثاني: ما يجوز الأكل منه، وهو هدي التمتع والقران؛ لحديث جابر ﵁ في صفة الحج: «ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا، وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا» [مسلم ١٢٨].
وعند القاضي: يستحب الأكل منه؛ لفعل النبي ﷺ كما في حديث جابر.
القسم الثالث: ما يستحب الأكل منه، وهو:
١ - الأضحية ولو منذورة: يسن له الأكل منها؛ لقوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [الحج: ٢٨]، ولأن أكثر ما في النذر: التزام
стр. 756
حكم الأضحية، ومن حكمها جواز الأكل.
٢ - هدي التطوع: يسن الأكل منه؛ كالأضحية، ولحديث جابر السابق حيث أكل ﵊ من جميع هديه، وهو غير واجب كله.
- مسألة: (وَ) حيث جاز الأكل مما سبق فـ (سُنَّ أَنْ يَأْكُلَ، وَيُهْدِيَ، وَيَتَصَدَّقَ أَثْلَاثاً)، أي: يأكل هو وأهل بيته الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، ويفعل هذا في الأضحية (مُطْلَقاً) أي: ولو كانت الأضحية منذورة أو معينة، وكذلك في بقية ما يجوز الأكل منه مما سبق؛ لقوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القانع والمعتر)، والقانع: السائل، يقال: قنع قنوعاً إذا سأل، والمعتر: الذي يعتريك، أي: يتعرض لك لتطعمه ولا يسأل، فذكر ثلاثة أصناف، ومطلق الإضافة يقتضي التسوية، فينبغي أن يقسم بينهم أثلاثاً، وأقل الأمر الاستحباب، ولحديث عائشة السابق، وفيه: «فَكُلُوا، وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا»، وقال الإمام أحمد: (نحن نذهب إلى حديث عبد الله ﵁: يأكل هو الثلث، ويطعم من أراد الثلث، ويتصدق بالثلث على المساكين [مصنف ابن أبي شيبة ١٣١٩٠])، وروي أيضاً عن ابن عمر ﵄ [المحلى لابن حزم ٥/ ٣١٣].
- مسألة: (وَ) سن للمضحي (الحَلْقُ بَعْدَهَا)، أي: بعد الذبح؛ لقول نافع: «أَمَرَنِي عبد الله بن عمر ﵄ أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُ كَبْشًا فَحِيلًا أَقْرَنَ، ثُمَّ أَذْبَحَهُ
стр. 757
يَوْمَ الْأَضْحَى فِي مُصَلَّى النَّاسِ، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄، فَحَلَقَ رَأْسَهُ حِينَ ذُبِحَ الْكَبْشُ، وَكَانَ مَرِيضًا لَمْ يَشْهَدِ الْعِيدَ مَعَ النَّاسِ» [الموطأ ٢/ ٤٨٣]، ولأنه كان ممنوعاً من ذلك قبل أن يضحي، فاستحب له ذلك كالمُحْرم.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يستحب؛ لأن الأصل في العبادات المنع، وأما فعل ابن عمر ﵄ فيحتمل أنه فعله اتفاقاً، لا قصداً.
- مسألة: (وَإِنْ أَكَلَهَا) أي: ما يسن الأكل منه مما سبق، كلها (إِلَّا أُوقِيَّةً) تصدق بها (جَازَ)؛ لأنه يجب الصدقة ببعضها؛ لعموم قوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) وهذا مطلق، فيتناول أقل ما يقع عليه اسم اللحم، وهي أوقية، وإلا يتصدق منها بأوقية؛ بأن أكلها كلها؛ ضمن الأوقية بمثلها لحمًا؛ لأنه حق يجب عليه أداؤه مع بقائه، فلزمته غرامته إذا أتلفه؛ كالوديعة.
- مسألة: (وَحَرُمَ عَلَى مُرِيدِهَا) أي: مريد التضحية (أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ وَظُفُرِهِ وَبَشَرَتِهِ فِي العَشْرِ) الأول من ذي الحجة إلى ذبح الأضحية، وهو من المفردات؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا»، وفي
стр. 758
رواية: «فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» [مسلم ١٩٧٧]، فإن أخذ من شعره أو ظفره أو بشره؛ فعليه التوبة، ولا فدية عليه إجماعاً.
فصل
في العقيقة
قال الإمام أحمد: أصل العق: القطع، ومنه عق والديه، إذا قطعهما.
وفي الاصطلاح: هي النسيكة، وهي التي تذبح عن المولود.
- مسألة: (وَتُسَنُّ العَقِيقَةُ)؛ لقول ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ عَقَّ عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا» [أبو داود ٢٨٤١، ولفظ النسائي ٤٢١٩: «كَبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ»]، قال أحمد: (العقيقة سنة عن رسول الله ﷺ ، قد عقّ عن الحسن والحسين، وفعله أصحابه)، وليست واجبة؛ لأنها ذبيحة لسرور حادث، فلم تكن واجبة؛ كالوليمة.
- فرع: (وَهِيَ) أي: العقيقة: (عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ) متقاربتان سنًّا وشبهًا، (وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ)؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ؛ عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ» [أبو داود ٢٨٤٢].
стр. 759
- مسألة: وقت ذبح العقيقة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وقت الجواز: من حين الولادة؛ لأن سبب العقيقة شكر الله على نعمة الولد، وهي موجودة من حين الولادة.
ولا حد لآخر وقتها.
فإن ذبح قبل الولادة لم تجزئ؛ كالكفارة قبل اليمين؛ لتقدمها على سببها.
القسم الثاني: وقت الاستحباب: يسن أن (تُذْبَحَ) العقيقة (يَوْمَ السَّابِعِ) من ميلاده؛ لحديث سمرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى» [أبو داود ٢٨٣٨، والترمذي ١٥٢٢، والنسائي ٤٢٣١، وابن ماجه ٣١٦٥].
(فَإِنْ فَاتَ) اليوم السابع ولم يعق عنه (فَـ) يسن (فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ) أي: اليوم الرابع عشر من ميلاده، (فَإِن فَاتَ فَفِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ)؛ لحديث بريدة ﵁ مرفوعاً: «الْعَقِيقَةُ تُذْبَحُ لِسَبْعٍ، أَوْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ» [الطبراني ٤٨٨٢، وفيه ضعف]، وعن عائشة ﵂ قالت: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، تُقْطَعُ جُدُولًا، وَلَا يُكْسَرُ لَهَا عَظْمٌ، فَيَأْكُلُ وَيُطْعِمُ وَيَتَصَدَّقُ، وَلْيَكُنْ ذَاكَ يَوْمَ السَّابِعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ» [الحاكم ٧٥٩٥، وصححه، ووافقه الذهبي]، قال
стр. 760
أحمد: (عائشة ﵂ تقول سبعة أيام، وأربعة عشر، ولإحدى وعشرين)، (ثُمَّ لَا تُعْتَبَرُ الأَسَابِيعُ) بعد ذلك؛ لأنه قضاء دم فائت فلم يتوقف على يوم؛ كقضاء الأضحية.
- مسألة: (وَحُكْمُهَا) أي: العقيقة (كَأُضْحِيَّة) في أكثر أحكامها، كالأكل والهدية والصدقة، وما يجوز من الحيوان، وما يجتنبه من العيوب، ونحو ذلك؛ لاشتراكهما في تعلق حق الفقراء بهما.
ويفترقان في أمور، منها:
١ - في العقيقة يجوز بيع جلد ورأس وسواقط، ويتصدق بثمنه؛ لأنها شرعت لسرور حادث أشبهت الوليمة، دون الأضحية، فلا يباع منها شيء؛ لأنها أدخل في التعبد.
وعنه رواية مخرجة: أنه لا يباع منها شيء؛ كالأضحية.
٢ - لا يجزئ في العقيقة شِرْكٌ في دم، فلا تجزئ بدنة ولا بقرة إلا كاملة؛ لعدم وروده، بخلاف الأضحية، واختاره ابن عثيمين؛ قال ابن القيم: (لما كانت هذه الذبيحة جارية مجرى فداء المولود، كان المشروع فيها دمًا كاملاً، لتكون نفسٌ فداءَ نفس، وأيضًا فلو صح فيها الاشتراك لما حصل المقصود من إراقة الدم عن الولد، فإن إراقة الدم تقع عن واحد، ويحصل لباقي الأولاد إخراج اللحم فقط، والمقصود نفس الإراقة عن الولد).
стр. 761
(كِتَاب الجِهَادُ)
لغة: بذل الطاقة والوسع، مصدر جاهد، أي: بالغ في قتل عدوه.
وشرعاً: قتال الكفار خاصة.
- مسألة: الجهاد مشروع بالإجماع؛ لقوله تعالى: (كتب عليكم القتال)، ولفعله ﷺ ، ولحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» [مسلم: ١٩١٠].
قال شيخ الإسلام: (الجهاد: منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة والحجة واللسان، والرأي والتدبير، والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه).
- مسألة: الجهاد نوعان:
الأول: جهاد طلب: أن يكون الكفار مستقرين ببلادهم، فيغزوهم المسلمون، وهذا مشروع وفرض كفاية؛ لحديث بريدة ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ؛ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى الله، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمسْلِمِينَ خَيْرًا» [مسلم: ١٧٣١].
стр. 762
الثاني: جهاد دفع: أن يدخل الكفار بلاد المسلمين، وهو فرض عين، ويأتي.
- مسألة: (هُوَ) أي: الجهاد (فَرْضُ كِفَايَةٍ)، إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، وإلا أثم الكل؛ لقوله تعالى: (فَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ الله الْحُسْنَى) [النساء: ٩٥]، فدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) [التوبة: ١٢٢]؛ ولأن النبي ﷺ كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه.
- فرع: يجب الجهاد على من توفرت فيه الشروط التالية:
١ - التكليف: فلا يجب على صبي، ولا مجنون، ولا كافر؛ لأن هذه من شرائط التكليف بسائر الفروع.
٢ - الذكورة: فلا يجب على المرأة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحجُّ وَالْعُمْرَةُ» [أحمد: ٢٤٤٦٣، وابن ماجه: ٢٩٠١]، ولأنها ليست من أهل القتال لضعفها.
٣ - الحريَّة: فلا يجب على العبد؛ لعدم قدرته المالية.
٤ - الاستطاعة: لأن غير المستطيع عاجز، والعجز ينفي الوجوب،
стр. 763
والمستطيع هو الصحيح في بدنه من المرض والعمى والعرج؛ لقوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) [الفتح: ١٧]، ولأن هذه الأعذار تمنع من الجهاد.
- فرع: الجهاد فرض كفاية (إِلَّا) في أربعة أحوال يكون فيها الجهاد فرض عين:
١ - (إِذَا حَضَرَهُ) أي: حضر الصفَّ من أهل فرض الجهاد، أو حضره العبد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]، ولحديث أبي هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» وذكر منها: «وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» [البخاري: ٢٧٦٦، ومسلم: ٨٩].
- فرع: يجوز الفرار من صف القتال في ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يكون متحرفاً لقتال، بأن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، كما لو انحاز من ضيق إلى سعة؛ لقوله تعالى: (إلا متحرفاً لقتال) [الأنفال: ١٦].
الثانية: أن يكون متحيزاً إلى فئة ناصرة يقاتل معهم، ولو بعدت؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أو متحيزا إلى فئة﴾ [الأنفال: ١٦].
الثالثة: إن زاد عدد الكفار على مِثْلَيْ المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
стр. 764
وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
وقال شيخ الإسلام: (قتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيراً لا طاقة للمسلمين به، لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على مَن يخلفون من المسلمين، فهنا قد صرح أصحابنا بأنّه يجب أن يبذلوا مُهجهم ومُهج مَنْ يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا، ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين، وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم، فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب، لا يجوز الانصراف فيه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب).
٢ - (أَوْ حَصَرَهُ أَوْ) حصر (بَلَدَهُ عَدُوٌّ)، إجماعاً؛ لأنه من باب دفع الصائل، وهو في معنى الذي حضر صف القتال.
٣ - (أَوْ كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا) ولم يكن له عذر: (فَـ) ـهو (فَرْضُ عَيْنٍ) عليه؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، ولحديث ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ «وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا» [البخاري: ١٨٣٤، ومسلم: ١٣٥٣].
٤ - إذا احتيج إليه، كمن يعرف شيئاً من آلات الحرب أو مكان العدو ونحوه؛ لأنه إذا لم يقم به أحد تضرر الناس، فصار فرض عين عليه.
- مسألة: (وَلَا يَتَطَوَّعُ بِهِ) أي: بالجهاد (مَنْ أَحْدُ أَبَوَيْهِ حُرٌّ) لا عبد؛
стр. 765
لعدم ولايته، أشبه المجنون، (مُسْلِمٌ) لا كافر، فلا يشترط إذنه حينئذ؛ لأن الكافر لا يسعى في مصلحة المسلمين، وكثير من الصحابة جاهد وأحد أبويه كافر ولم يرد عنهم استئذانهم، (إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي: الوالد الحر المسلم العاقل؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ »، قال: نعم، قال: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» [البخاري: ٣٠٠٤، ومسلم: ٢٥٤٩]، ولأن بِرَّهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، والأول مقدم.
وفي وجه: لا يشترط كون أحد الأبوين حرّاً، بل يجب استئذانه ولو كان رقيقاً؛ للقاعدة: (الأصل تساوي الأحرار والأرقاء في العبادات البدنية المحضة).
- فرع: إذا تعين عليه الجهاد لم يعتبر إذن الوالد؛ لأنه يصير فرض عين وتركه معصية، ولا طاعة للوالدين في ترك فريضة.
- مسألة: (وَسُنَّ رِبَاطٌ) وهو: لزوم ثَغْر - وهو: كل مكان يُخيف أهلهُ العدوَّ ويخيفهم - لجهادٍ مقوياً للمسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، ولحديث سهل بن سعد ﵁: قال رسول الله ﷺ «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» [البخاري: ٢٨٩٢].
стр. 766
- فرع: (وَأَقَلُّهُ) أي: الرباط: (سَاعَةٌ)؛ لإطلاق الأدلة، كحديث فضالة بن عبيد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ الميِّتِ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْمرَابِطَ، فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيُؤَمَّنُ مِنْ فَتَّانِ الْقَبْرِ» [أحمد: ٢٣٩٥١، وأبو داود: ٢٥٠٠، والترمذي: ١٦٢١]، قال الإمام أحمد: (يوم رباط، وليلة رباط، وساعة رباط).
- فرع: (وَتَمَامُهُ) أي: الرباط: (أَرْبَعُونَ يَوْماً)؛ لحديث أبي أمامة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «تَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعونَ يَوْمًا» [الطبراني: ٧٦٠٦، وفيه أيوب بن مدرك، وهو متروك]، وصح عن ابن عمر ﵄: أن ابناً له رابط ثلاثين ليلة ثم رجع، فقال له ابن عمر ﵄: «أَعْزِمُ عَلَيْكَ لَتَرْجِعَنَّ فَلْتُرَابِطَنَّ عَشْرًا حَتَّى تُتِمَّ الْأَرْبَعِينَ» [ابن أبي شيبة: ١٩٤٥٨].
- مسألة: (وَ) يجب (عَلَى الإِمَامِ) تفقد الجيش، وتعاهد العُدَّة والرجال؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي» [الترمذي: ١٣٦١، وابن ماجه: ٢٥٤٣]، ولأن ذلك من مصالح الجيش، فلزمه فعله.
ويجب عليه (مَنْعُ) من لا يصلح لحربٍ من رجال وخيل، كصبي لم يشتد، ومجنون، وخيل مهزول، وهرم ونحوه؛ لأنه لا منفعة بهم، و (مُخَذِّلٍ)، وهو: الذي يفند الناس عن القتال ويزهدهم فيه، (وَمُرْجِفٍ)،
стр. 767
وهو: الذي يُحدِّث بقوة الكفار ويضعف المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ الله انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]، ولقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادوكم إلا خبالا﴾ [التوبة: ٤٧].
- مسألة: (وَ) يجب (عَلَى الجَيْشِ) أمور، منها:
١ - (طَاعَتُهُ) أي: الإمام؛ لقوله تعالى: (أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩]، ولحديث أبي هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ» [البخاري: ٢٩٥٧، ومسلم: ١٨٣٥].
- فرع: لا تجب طاعته في معصية الله تعالى؛ لحديث ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ : «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمعْصِيَةِ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» [البخاري: ٢٩٥٥، ومسلم: ١٨٣٩].
٢ - (وَ) يجب عليهم (الصَّبْرُ مَعَهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، ولأنه من أقوى أسباب النصر والظفر.
- مسألة: (وَتُمْلَكُ الغَنِيمَةُ) وهي: ما أخذ من مال حربي قهراً، بقتال وما ألحق به؛ كفداء الأسرى، مشتقة من الغُنْم، وهو الربح، (بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فِي دَارِ حَرْبٍ)، ولو لم يقسمها أو يحوزها إلى بلاد المسلمين؛ لأنها
стр. 768
مال مباح، فملكت بالاستيلاء عليها كسائر المباحات، فيجوز قسْمُها وتبايعها في دار الحرب، ولو أسلم الحربي بعد الاستيلاء عليها لم تُرجع له.
- فرع: إذا أراد الإمام قسمة الغنيمة بدأ بأمور:
أولاً: دفع السلب لصاحبه، والسلب: ما يوجد مع المقتول من الثياب والسلاح والمال ونحوه؛ لأن القاتل يستحقها غير مخمسة؛ لحديث عوف بن مالك وخالد بن الوليد ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ، وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ» [أحمد: ٢٣٩٨٨، وأبو داود: ٢٧٢١].
ثانياً: وإن كان في الغنيمة مال لمسلم أو ذمي؛ دفعه إليه؛ لأن صاحبه متعين.
ثالثاً: ثم يبدأ بمؤنة الغنيمة، من أجرة حمَّال وحافظ وخازن وحاسب؛ لأن ذلك من مصلحة الغنيمة. (١)
رابعاً: ثم يَقْسِم الغنيمة خمسة أقسام متساوية، (فَيُجْعَلُ خُمُسُهَا) الأول
стр. 769
(خَمْسَةَ أَسْهُمٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١]، وسهم الله ورسوله شيء واحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَالله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ولأن الجهة جهة مصلحة.
- فرع: الخُمُس الأول يقسم خمسة أقسام:
١ - (سَهْمٌ للهِ وَلِرَسُولِهِ) ﷺ ، مصرفه مصرف الفيء، للمصالح؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: «لَيْسَ لِي مِنْ هَذَا الفَيْءِ شَيْءٌ، وَلَا هَذَا - وَرَفَعَ إِصْبَعَيْهِ - إِلَّا الخمُسَ، وَالخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» [أحمد: ٦٧٢٩، أبو داود: ٢٦٩٤، والنسائي: ٤١٣٩]، ولا يكون مردوداً علينا إلا إذا صُرف في مصالحنا.
٢ - (وَسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبَى)؛ للآية السابقة، وهو ثابت بعد موته ﷺ لم ينقطع؛ لأنه لم يأت ناسخ ولا مغير، (وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَالمُطَّلِبِ) ابني عبد مناف؛ لما روى جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان ﵃ إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة! فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا بَنُو المُطَّلِبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، قال جبير: ولم يقسم النبي ﷺ لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل. [البخاري: ٣١٤٠].
стр. 770
- فرع: يجب تعميم ذوي القربى، وتفرقته بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، حيث كانوا حسب الإمكان؛ لأنه مال مستحق بالقرابة، فوجب فيه ذلك؛ كالتركة.
ويسوَّى فيه بين الكبير والصغير، والغني والفقير؛ لأن النبي ﷺ لم يخص فقراء قرابته، بل أعطى الغني أيضاً كالعباس، ولأنه يؤخذ بالقرابة فاستويا فيه كالميراث، وسواء جاهدوا أو لا؛ لعموم الآية.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أن الذكر والأنثى فيه سواء؛ لأنهم أعطوا باسم القرابة، والذكر والأنثى فيها سواء.
٣ - (وَسَهْمٌ لِليَتَامَى)؛ للآية، واليتيم: من لا أب له ولم يبلغ؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁: قال ﷺ : «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» [أبو داود: ٢٨٧٣].
- فرع: يشترط في اليتامى أن يكونوا من (الفُقَرَاءِ)؛ لأن اسم اليتيم في العرف للرحمة، ومن أعطي لذلك اعتبرت فيه الحاجة، بخلاف القرابة.
واختار ابن قدامة وابن عثيمين: أنه لا يشترط الفقر في اليتامى، بل يشمل الفقير والغني؛ لعموم الآية، ولأنه لو اشتُرط الفقر لما احتاج إلى التنصيص على اليُتم؛ لاندراجه في سهم المساكين.
٤ - (وَسَهْمٌ لِلمَسَاكِينِ)؛ للآية، وهم: من لا يجدون تمام كفايتهم، فيدخل فيهم الفقراء، فهما صنفان في الزكاة فقط، وفي سائر الأحكام صنف واحد.
стр. 771
٥ - (وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ)؛ للآية.
- فرع: (وَشُرِطَ فِيمَنْ يُسْهَمُ لَهُ) من هذا الخُمُس، وهم ذوو القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل: (إِسْلَامٌ)؛ لأن الخمس عطية من الله تعالى، فلم يكن لكافر فيها حق؛ كالزكاة.
- فرع: يُعطى هؤلاء كما يعطون في الزكاة، فيعطى المسكين تمام كفايته مع عائلته سنة، وكذا اليتيم، ويعطى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده.
خامساً: ثم يقوم الإمام أو الأمير بإعطاء النفل والرضخ بعد تقسيم الخُمُس الأول وقبل قسمة باقي الأخماس، لحديث معن بن يزيد ﵁: قال رسول الله ﷺ : «لَا نَفَلَ إِلَّا بَعْدَ الخُمُسِ» [أبو داود: ٢٧٥٣].
والنفل: هو الزيادة على السهم لمصلحةٍ، وهو المجعول لمن عمل عملاً، كتنفل السرايا الثلث والربع، وقول الأمير: من جاء بأسير فله كذا، ونحوه.
والرضخ: هي العطية القليلة دون السهم، ويأتي.
سادساً: (ثُمَّ يُقْسَمُ البَاقِي) وهو أربعة أخماس الغنيمة (بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ) من أهل القتال إذا كان قصده الجهاد، قاتل أو لم يقاتل؛ لقول عمر
стр. 772
رضي الله عنه: «الغَنِيمَةَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ» [ابن أبي شيبة: ٣٣٢٢٥، وصححه ابن كثير]، ويدخل فيهم التجار، وأرباب الصنائع ونحوهم إذا كانوا مستعدين للقتال ومعهم السلاح؛ لأنه ردء للمقاتل لاستعداده أشبه المقاتل، وكذا من بعثهم الأمير لمصلحة، كرسول وجاسوس ودليل وإن لم يشهدوا؛ لأنهم في مصلحة الجيش، أو خلَّفهم الأمير في بلاد العدو بموضع مخوفٍ وغزا؛ لأنهم أولى بالإسهام ممن شهد ولم يقاتل.
- فرع: يُقسم باقي الغنيمة على التفصيل التالي:
- (لِلرَّاجِلِ) أي: للذي قاتل بلا دابة: (سَهْمٌ) بغير خلاف؛ لأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من الكلفة.
- (وَلِلفَارِسِ عَلَى فَرَسٍ عَرَبِيٍّ: ثَلَاثَةُ) أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا» [البخاري: ٢٨٦٣، ومسلم: ١٧٦٢].
- (وَ) للفارس (عَلَى) فرسٍ (غَيْرِهِ) أي: غير العربي، أو كان أحد أبويه غير عربي: سهمان (اثْنَانِ)، سهم له وسهم لفرسه؛ لما روى خالد بن مَعْدَان ﵁ قال: «أَسْهَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ للعِرَابِ سَهْمَيْنِ، وَلِلْهَجِينِ سَهْماً (١)» [ابن أبي
стр. 773
شيبة: ٣٣١٨٩]، ولأن نفع العِراب وأثرها في الحرب أفضل، فيكون سهمه أرجح.
وعنه: إن أدرك غير العربي إدراك العِراب أسهم لها كالعربي، وإلا فلا.
- فرع: لا يسهم ولا يرضخ لغير الخيل، كالبعير والبغل ونحوها، ولو عظم نفعها؛ لأنه لم ينقل عنه ﷺ ولا عن أصحابه من بعده أنهم أسهموا لغير الخيل، ولم تخل غزاة من غزواتهم من الإبل.
وعند شيخ الإسلام: أنه يرضخ للبغال والحمير، وكذلك الحيوان الذي ينتفع به، قال: (وهو قياس الأصول والمذهب، فإن الذي ينتفع به ولا يسهم له؛ كالمرأة والصبي والعبد: يرضخ لهم).
- فرع: ينبغي أن يقدَّم قَسْمُ الأربعة الأخماس على قسم الخمس؛ لأن الغانمين حاضرون، ورجوعهم إلى أوطانهم يقف على القسمة، وأهل الخمس في أوطانهم.
- مسألة: (وَيُقْسَمُ) من الغنيمة (لِـ) ـمن اجتمع فيه أربعة شروط:
١ - رجل: فلا يقسم للنساء؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْزُو بِهِنَّ، فَيُدَاوِينَ الجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ» [مسلم: ١٨١٢]، وفي رواية أبي داود [٢٧٢٨]: «وَقَدْ كَانَ يُرْضَخُ لَهُنَّ».
стр. 774
وما روي أنه أسهم للمرأة [أبو داود: ٢٧٢٩]، فقد ضعفه ابن القطان والحافظ، وعلى فرض صحته: يحتمل أن الراوي سمى الرضخ سهماً.
٢ - (حُرٌّ): فلا يقسم للعبيد؛ لحديث عمير مولى آبي اللحم ﵁ قال: «شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا رَسُولَ الله ﷺ فَأُخْبِرَ أنِّي مَمْلُوك، فَأَمَرَ لِي بِشَيءٍ مِنْ خُرْثِيِّ المَتَاع (١)» [أحمد: ٢١٩٤٠، وأبو داود: ٢٧٣٠، والترمذي: ١٥٥٧، وابن ماجه: ٢٨٥٥] واحتج به أحمد، وقال ابن عباس ﵄: «كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ المَرْأَةِ وَالْعَبْدِ يَحْضُرَانِ المَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لهُمَا شَيْءٌ؟ وَإِنَّهُ لَيْسَ لهُمَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا» [مسلم: ١٨١٢] ولأنهم ليسوا من أهل وجوب القتال؛ كالصبي.
٣ - (مُسْلِمٌ): فلا يقسم لكافر؛ لعصيانه، إلا إذا أذن له الإمام؛ لما روى الزهري: «كان يهود يغزون مع النبي ﷺ فيسهم لهم كسهام المسلمين» [عبد الرزاق: ٩٣٢٨، وهو مرسل ضعيف]، ولأن الكفر نقص في الدِّين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق، بخلاف الرق فإنه نقص في الدنيا والأحكام.
٤ - (مُكَلَّفٌ): فلا يقسم للصبيان؛ لأنهم ليسوا من أهل الجهاد.
- فرع: (وَيُرْضَخُ) وهو: العطية القليلة دون السهم، (لِغَيْرِهِمْ) أي: لمن لا يُسهم له ممن تقدم ذكرهم من النساء والعبيد والصبيان والكفار، واختاره شيخ الإسلام، بعد الخُمُس الأول وقبل قسمتها؛ لما تقدم من الأدلة،
стр. 775
ولأنهم استحقوا بحضور الوقعة، فكان بعد الخمس كسهام الغانمين.
- فرع: يرضخ الإمام للمذكورين على حسب ما يراه من التسوية بينهم والفضل على قدر غناهم ونفعهم، بخلاف السهم؛ لأن السهم منصوص عليه، غير موكول إلى اجتهاده، فلم يختلف؛ كالحدود، بخلاف الرضخ.
- فرع: لا يبلغ برضخ الراجل سهم راجل، ولا برضخ الفارس سهم فارس؛ لأن السهم أكمل من الرضخ، فلم يبلغ به إليه؛ كما لا يبلغ بالتعزير الحد.
- مسألة: الأرض المأخوذة من الكفار بقتال أو غيره على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: ما فُتِحَ عَنْوَة، أي: قهراً وغلبة: وأشار إليه بقوله: (وَإِذَا فَتَحُوا) أي: المسلمون (أَرْضاً) بأن فتحوها عنوة (بِالسَّيْفِ) فأجلوا عنها أهلها، (خُيِّرَ الإِمَامُ) تخيير مصلحة؛ لأنه نائب المسلمين فلا يفعل إلا ما فيه صلاحهم، (بَيْنَ) أمرين:
الأول: (قَسْمُهَا) بين الغانمين؛ لحديث سهل بن أبي حثمة ﵁: «قَسَمَ رَسُولُ الله ﷺ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ، نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنِصْفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا» [أبو داود ٣٠١٠، وصححه ابن حجر]، ولا خراج عليها؛ لأنها ملكٌ للغانمين.