← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

واختار شيخ الإسلام: يحرم إذا علم ذلك أو ظنه؛ لأن الظن معتبر في الشريعة لأدلة كثيرة، منها حديث عائشة في صفة غسل النبي ﷺ قالت: «حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» [البخاري ٢٧٢]. - مسألة: بيع عبد مسلم لكافر: لا يخلو من أمرين: ١ - إن كان يَعْتِقُ عليه بالشراء -وهو كل ذي رحم محرم-: صح البيع؛ لأن ملكه لا يستقر عليه، ولأنه وسيلة إلى تحصيل حرية المسلم إذ أنه يَعْتِقُ بالحال. ٢ - إن كان لا يَعْتِقُ عليه بالشراء: وأشار إليه بقوله: (وَلَا) يصح بيع (عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ)؛ لأنه يُمْنع من استدامة ملكه عليه؛ لما فيه من الصغار، فمنع من ابتدائه قياساً على تحريم نكاح الكافر مسلمة، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى. - مسألة: (وَحَرُمَ) إجماعاً، (وَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) المسلم زمن الخيارين، أي: خيار المجلس وخيار الشرط، بأن يقول شخص لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك خيراً منها بثمنها، أو أعطيك مثلها بتسعة، أو يعرض عليه سلعة يرغب فيها المشتري ليفسخ البيع ويعقد معه، فلا يصح البيع؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» [البخاري ٢١٣٩، ومسلم ١٤١٢]، والنهي يقتضي الفساد.

стр. 807

(وَ) يحرم ولا يصح (شِرَاؤُهُ عَلَى شِرَائِهِ) أي: على شراء أخيه زمن الخيارين، بأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة، ليفسخ البيع ويعقد معه؛ قياساً على البيع، ولأن الشراء يسمى بيعاً فيدخل في عموم النهي. واختار شيخ الإسلام: يحرم الشراء على شراء أخيه، فإن فعل كان موقوفاً على إجازة المشتري الأول، وأن له مطالبة البائع بالسلعة وأخذ الزيادة، أو عوضها؛ لأنه محرم لحق الأدمي، لا لحق الله، فيرجع فيه إلى رضاه واختياره؛ كبيع المصرَّاة. - فرع: لو باع على بيع أخيه أو شرى على شرائه بعد مضي الخيار ولزوم البيع؛ لم يحرم؛ لعدم تمكن المشتري من الفسخ إذن. وعنه واختاره شيخ الاسلام: يشمل زمن الخيارين وبعده؛ لعموم النهي، ولأن المشتري وإن لم يتمكن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة الخيار فإنه إذا رغب في رد السلعة الأولى على بائعها، فإنه قد يتسبب إلى ردها عليه بأنواع من الطرق المقتضية لضرره، ولو بإلحاحٍ عليه في المسألة، وما أدى إلى ضرر المسلم، كان محرماً. - مسألة: السوم على سوم أخيه لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون في بيع المزايدة: وهو أن يُطْلَق النداء على سلعة، ويُطْلب الزيادة عليها، فهذا جائز اتفاقاً؛ لحديث أنس: أن النبي

стр. 808

صلى الله عليه وسلم باع حِلْساً وقَدَحاً وقال: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الحِلْسَ وَالقَدَحَ»، فقال رجل: أخذتهما بدرهم، فقال النبي ﷺ : «مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ، مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ »، فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه. [أحمد ١٢١٣٤، وأبو داود ١٦٤١ والترمذي ١٢١٨، وابن ماجه ٢١٩٨، وحسنه الترمذي]، وعن حِزَام بن هشام الخزاعي عن أبيه قال: «شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ بَاعَ إِبِلاً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فِيمَنْ يَزِيدُ» [مصنف ابن أبي شيبة ٢٠٢٠١]، وما زال المسلمون يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة. الأمر الثاني: أن يكون في غير بيع المزايدة، وهذا لا يخلو من أحوال: ١ - أن يرضى بالسوم رضاً صريحاً: وأشار إليه بقوله: (وَحَرُمَ سَوْمُهُ عَلَى سَوْمِهِ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَسُمِ المُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ» [مسلم ١٤١٣]. ٢ - أن يرضى بالسوم رضاً ظاهراً: فلا يحرم؛ لعدم وجود التصريح. وقيل: يحرم؛ كرضاه صريحاً، قال الموفق: (لو قيل بالتحريم هنا لكان وجهاً حسناً). وقال شيخ الإسلام: (وأما استيامه على سوم أخيه فكخطبته على خطبة أخيه، يُفرَّق فيه بين الركون وعدمه، ولهذا جاز بيع المزايدة لأن البائع طلب المزايدة فلم يركن بل رده).

стр. 809

٣ - أن يتساوى الأمران أو يظهر عدم الرضا: فلا يحرم. - فرع: يصح البيع مع سومه على سوم أخيه؛ لأن النهي إنما ورد عن السوم، وهو خارج عن البيع. - فرع: قال شيخ الإسلام: (استئجاره على استئجار أخيه، واقتراضه على اقتراض أخيه، واتهابه على اتهاب أخيه، مثل شرائه على شراء أخيه، وكذا اقتراضه في الديوان وطلبه العمل في الولايات ونحو ذلك). (فَصْلٌ) الشروط في البيوع الشَرْط هنا: إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة. - مسألة: الفرق بين شروط البيع، والشروط في البيع: ١ - أن شروط البيع من وضع الشارع، وأما الشرط في البيع فمن وضع العاقد. ٢ - أن شرط البيع يكون قبل العقد، وأما الشرط في البيع فيكون في صلب العقد، وفي زمن الخيارين؛ لأنه في زمن الخيارين يملك فسخ العقد، فلأن يملك الاشتراط فيه من بابِ أولى.

стр. 810

وأما ما كان قبل العقد فغير معتبر؛ لأنه عُقد قبل وقته فكان لغواً. واختار شيخ الإسلام: يصح الشرط قبل العقد؛ لعموم الأدلة الدالة على الوفاء بالعقود والشروط، ولأن الأصل استصحاب الاتفاق السابق إلى وقت العقد، قال شيخ الإسلام: (المشهور في نصوص أحمد وأصوله، وما عليه قدماء أصحابه، كقول أهل المدينة: أن الشرط المتقدم كالشرط المقارن، فإذا اتفقا على شيء وعقد العقد بعد ذلك فهو مصروف إلى المعروف بينهما مما اتفقا عليه) (١). ٣ - أن الإخلال بشرط البيع يترتب عليه فساده، وأما الإخلال بالشرط في البيع فيترتب عليه جواز الفسخ للمشترِط. ٤ - أن شروط البيع لا يصح إسقاطها، أما الشروط في البيع فيصح إسقاطها.

стр. 811

- مسألة: الأصل في الشروط في البيع وغيره من العقود الحل والصحة؛ لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، والأمر بإيفاء العقد يتضمن إيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه: الشرط فيه، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» [أبو داود: ٣٥٩٤]. - مسألة: (وَالشُّرُوطُ فِي البَيْعِ ضَرْبَانِ): الضرب الأول: شرط (صَحِيحٌ): وهو ما وافق مقتضى العقد، وهو ثلاثة أنواع: النوع الأول: شرطٌ من مقتضى عقد البيع، كالتقابض وحلول الثمن: فهذا شرط صحيح اتفاقاً؛ لأنه بيان وتأكيد لمقتضى العقد، ولذلك لم يذكره المؤلف، وله أن يشترط ما شاء من شروط مقتضى العقد. والنوع الثاني: شرطُ ما كان من مصلحة المشترِط، (كَشَرْطِ رَهْنٍ) معين، (وَ) شرط (ضَامِنٍ) معين، (وَ) شرط (تَأْجِيلِ ثَمَنٍ) أو بعضه إلى أجل معلوم، أو شرط صفة في المبيع، ككون الدابة سريعةً والبيت نظيفاً: فهذا شرط صحيح اتفاقاً؛ لأن الرغبات تختلف باختلاف ذلك، فلو لم يصح اشتراط ذلك لفاتت الحكمة التي لأجلها شرع البيع، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»، وله أن يشترط ما شاء من شروط المصلحة.

стр. 812

(وَ) النوع الثالث: شرط منفعة، وأشار إليه بقوله: (كَشَرْطِ بَائِعٍ) على مشترٍ (نَفْعاً) مباحاً (مَعْلُوماً): فيصح؛ لما روى جابر ﵁: «أنَّهُ بَاعَ النَّبِيَّ ﷺ جَمَلاً، وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ» [البخاري: ٢٧١٨، ومسلم: ٧١٥]، ولما روى مُرَّةُ بنُ شَرَاحِيلَ، قال: «إن صهيباً باع داره من عثمان، واشترط سكناها كذا وكذا» [ابن أبي شيبة: ٢٣٠١١]، كشرط بائع نفعاً معلوماً (فِي مَبِيعٍ، كَسُكْنَى الدَّارِ) المبيعة (شَهْراً) , أو حمْل الدابةِ المبيعةِ المتاعَ إلى موضع معين، فيصح الشرط؛ لحديث جابر السابق، ويستثنى منه: اشتراط البائع وطء الجارية، فإنه لا يصح بلا خلاف. قاله في المبدع؛ لأن الوطء لا يحل إلا بملك يمين أو عقد نكاح. (أَوْ) شرط (مُشْتَرٍ نَفْعَ بَائِعٍ) في المبيع، (كَحَمْلِ حَطَبٍ) إلى موضع معين، (أَوْ تَكْسِيرِهِ) أي: تكسير البائع الحطب, أو خياطته الثوب المبيع أو تفصيله، فيصح الشرط؛ لأن ذلك بيع وإجارة، وكلٌّ منهما يصح إفراده بالعقد، فجاز الجمع بينهما كالعينين. - فرع: يصح أن يشترط شرطاً واحداً من شروط المنفعة فقط، (وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ) منها؛ كاشتراط حمْل حطبٍ وتكسيره، أو خياطة ثوبٍ وتفصيله: (بَطَلَ البَيْعُ)؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال النبي ﷺ :

стр. 813

«لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» [أحمد: ٦٦٧١، وأبو داود: ٣٥٠٤، والترمذي: ١٢٣٤، والنسائي: ٤٦١١، وابن ماجه: ٢١٨٨]. وعنه واختاره شيخ الإسلام: يصح أن يشترط ما شاء من الشروط؛ لأن الأصل في الشروط الحل والصحة، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»، ولم يتضمن ذلك محظوراً شرعياً. قال ابن القيم: (الضابط الشرعي الذي دل عليه النص: أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالف حكمه فهو لازم، والشرط الجائز بمنزلة العقد، بل هو عقد وعهد، وكل شرط قد جاز بذله بدون الاشتراط لزم بالشرط). وأما حديث عبد الله بن عمرو في النهي عن شرطين في بيع، فإنه نظير النهي عن بيعتين في بيعة التي هي من حيل الربا، وهي مسألة العِينة بعينها. - فرع: يجب الوفاء بالشرط الصحيح؛ فإن حصل للمشترِط شرطُه فليس له الفسخ، وإذا لم يُوفَ له بالشرط كان للمشترِط أحد أمرين: ١ - الفسخ؛ لفقد الشرط، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ».

стр. 814

٢ - أَرْشُ فقدِ الشرط إن لم يفسخ؛ قياساً على العيب. والأرش: أن يأخذ قِسْط ما بين قيمته بالصفة، وقيمته مع عدمها من الثمن. (وَ) الضرب الثاني: شرط (فَاسِدٌ): وهو ما ينافي مقتضى العقد، وهو ثلاثة أنواع: النوع الأول: (يُبْطِلُهُ) أي: العقد من أصله: (كَشَرْطِ) أحدهما على الآخر (عَقْد) اً (آَخَرَ مِنْ قَرْضٍ وَغَيْرِهِ) كإجارة وصرف وشركة، كأن يبيعه بيته على أن يؤجره الآخر دابته؛ لدخوله في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» [أحمد: ١٠١٤٨، والترمذي: ١٢٣١، والنسائي: ٤٦٣٢]، والنهي يقتضي الفساد، وقال ابن مسعود ﵁: «صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ رِباً» [ابن أبي شيبة: ٢٠٤٥٤]، ولأنه شَرَط عقداً في آخر فلم يصح؛ كنكاح الشغار. وعند المالكية واختاره السعدي: يصح؛ لأن الأصل في الشروط الصحة، ولعموم حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ». ويستثنى على هذا القول: ما لو تضمن محظوراً، وذلك في صورتين: ١ - القرض، كما لو قال: أقرضك على أن تبيعني: فحرام؛ لأن كل

стр. 815

قرض جر نفعاً فهو ربًا. ٢ - نكاح الشغار، ويأتي في كتاب النكاح. والنوع الثاني: ما لا ينعقد معه البيع: وهو تعليق الإيجاب أو القبول على شرط مستقبل، وأشار إليه بقوله: (أَوْ مَا يُعَلِّقُ البَيْعَ، كَبِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا, أَوْ) إن (رَضِيَ زَيْدٌ)، أو قبلت إن رضي زيد، وكذا كل بيع عُلِّق على شرط مستقبل: فالشرط فاسد ولا ينعقد معه البيع؛ لأن مقتضى البيع نقل الملك حال التبايع والشرط هنا يمنعه، ولأن انتقال الملك يعتمد على الرضا، والرضا إنما يكون مع الجزم، ولا جزم مع التعليق. وعنه واختاره شيخ الإسلام: صحة تعليق عقد البيع وغيره من العقود؛ لأن الأصل في الشروط الصحة، ولحديث أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ قال في غزوة من الغزوات: «فَإِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فجَعْفَرٌ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فعَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ الأَنْصَارِيُّ» [أحمد: ٢٢٥٥١]، وهذا من تعليق العقود، ولما روى يحيى بن سعيد: «أن عمر عامل الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا» [علقه البخاري بصيغة الجزم ٣/ ١٠٤، ووصله ابن أبي شيبة: ٣٧٠١٦]. - فرع: يستثنى من عدم صحة تعليق عقد البيع: ١ - التعليق بمشيئة الله: فيصح؛ لأن القصد منه التبرك لا التردد غالباً.

стр. 816

٢ - بيع العربون، بأن يدفع بعد العقد شيئاً، ويقول: إن أخذتُ المبيع أتممتُ الثمن وإلا فهو لك، فيصح، سواء وقَّت أو لا، وهو من المفردات؛ لما روى عبد الرحمن بن فروخَ مولى نافع بن عبد الحارث قال: «اشترى نافع بن عبد الحارث من صفوان بن أمية دار السجن بثلاثة آلاف، فإنْ عمرُ رضي فالبيع بيعه، وإن عمر لم يرض بالبيع فلصفوان أربع مائة درهم، فأخذها عمر» [علقه البخاري بصيغة الجزم ٣/ ١٢٣، ووصله عبد الرزاق: ٩٢١٣]. وقيل وبه أخذ مجمع الفقه الإسلامي: أن البيع صحيح بشرط أن يكون زمن الخيار محدداً بوقت معين؛ لئلا يتضرر البائع من التعليق، ولأنه يكون بمنزلة الخيار المجهول. (وَ) النوع الثالث: شرط (فَاسِدٌ لَا يُبْطِلُهُ)، أي: البيع، بل يصح مع وجوده، وله صور، منها: ١ - (كَشَرْطِ أَنْ لَا خَسَارَةَ) عليه في المبيع: فيبطل الشرط وحده؛ لمخالفته لمقتضى العقد، إذ مقتضاه ملكه واستقلاله، فإن تلف فمن ضمان المشتري، وجاء في حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: «مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» [البخاري: ٢١٥٥، ومسلم: ١٥٠٤]، ويصح العقد؛ لظاهر حديث عائشة ﵂ في قصة بريرة، إذ لم يُبطِل النبي ﷺ العقد؛ لفساد الشرط. ٢ - (أَوْ) يَشترِطَ أنه (مَتَى نَفَقَ) أي: راج المبيع (وَإِلَّا رَدَّهُ) المشتري على البائع: فيبطل الشرط وحده ويصح العقد؛ لما تقدم.

стр. 817

٣ - (وَنَحْوِ ذَلِكَ)، ومنه: اشتراط البائعِ الحَجْرَ على المشتري في بعض تصرفاته بالمبيع، كأن يشترط عليه ألا يهبه أو يبيعه أو نحوَ ذلك؛ أو شرط عليه أن يبيعه أو يهبه أو نحو ذلك: فيبطل الشرط وحده، ويصح العقد؛ لأن إطلاق البيع يقتضي تصرف المشتري في المبيع على اختياره؛ لأنه إنما بذل الثمن في مقابلة الملك، والملك يقتضي إطلاق التصرف، فالمنع منه يؤدي إلى تفويت الغرض، فيكون الشرط باطلاً، وأما صحة البيع؛ فلأنه ﷺ في حديث بَرِيرَةَ لم يُبطِل العقد. وعنه واختاره شيخ الإسلام: يصح إذا كان هناك قصد صحيح للبائع أو للمبيع؛ لما روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن عبد الله بن مسعود ﵁ ابتاع جارية من امرأته زينب الثقفية، واشترطت عليه أنك إن بعتها فهي لي بالثمن الذي تبيعها به، فسأل عبد الله بن مسعود عن ذلك عمر بن الخطاب ﵃، فقال عمر بن الخطاب: «لَا تَقْرَبْهَا، وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ» [الموطأ: ٢٢٨٠]، فلو كان الشرط فاسداً لم يمنعه من قربانها، ولما روي عن عثمان ﵁: «أنه اشترى من صهيب داراً وشرط أن يقفها على صهيب وذريته من بعده» [رواه عمر بن شبة في أخبار عثمان، كما نقله شيخ الإسلام ٢٩/ ١٣٧]، ولأن البيع يستفاد به تصرفات متنوعة، فكما جاز بالإجماع استثناء بعض المبيع، جاز استثناء بعض التصرفات.

стр. 818

- فرع: يستثنى من الصورة الثالثة: إذا شرط البائع على المشتري أن يُعتِق المبيع: فيصح الشرط؛ لحديث عائشة ﵂ في قصة بَرِيرَةَ [البخاري: ٢١٥٥، ومسلم: ١٥٠٤]، ولأن الشارع يتشوف للعتق. ٤ - إذا شرط رهنًا فاسدًا؛ كخمر ومجهول، أو شرط خيارًا أو أجلًا مجهولين ونحو ذلك، فيصح البيع ويفسد الشرط؛ قياسًا على اشتراط الولاء، لأنه في معناه. - مسألة: (وَإِنْ) باعه شيئاً و (شَرَطَ البَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ مَجْهُولٍ) أو من عيب كذا إن كان، أو باعه بشرط البراءة مما يحدث بعد العقد وقبل التسليم؛ (لَمْ يَبْرَأْ)؛ فإن وجد المشتري بالمبيع عيباً فله الخيار، سواء كان العيب ظاهراً ولم يعلمه المشتري، أو كان باطناً؛ لما ورد أن عبد الله بن عمر ﵄ باع غلاماً له بثمانمائة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمه لي، فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقال الرجل: باعني عبداً وبه داء لم يسمه لي، وقال عبد الله: «بِعْتُهُ بِالبَرَاءَةِ»، فقضى عثمان على عبد الله بن عمر أن يحلف له: لقد باعه العبد وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف، وارتجع العبد، فصح عنده، فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم. [الموطأ: ٢٢٧١]، ولأنه خيار يثبت بعد البيع فلا يسقط بإسقاطه قبله، كالشفعة. وعنه واختاره شيخ الإسلام: أنه لا يخلو من أمرين:

стр. 819

١ - أن يكون البائع لم يعلم بالعيب: فيبرأ؛ لمفهوم أثر عثمان السابق، حيث قضى على ابن عمر أن يحلف له: لقد باعه العبد وما به داء يعلمه، فدل أنه لو حلف لما قضى عليه بإرجاع العبد. ٢ - أن يكون البائع يعلم العيب وكتمه: فلا يبرأ؛ لما فيه من الغش والتدليس. - فرع: يبرأ البائع من العيب في صورتين: ١ - إن سمى البائع العيب وأوقف المشتريَ عليه وأبرأه منه: برئ؛ لأنه قد علم العيب ورضي به. ٢ - إن أبرأ المشتري البائعَ بعد العقد: برئ؛ لأنه أسقطه بعد ثبوته له. (فَصْلٌ) في الخيار الخيار اسم مصدر اختار، أي: طلب خير الأمرين من الإمضاء والفسخ. - مسألة: (وَالخِيَارُ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ)، ويأتي أنها ثمانية: الأول: (خِيَارُ مَجْلِسٍ) أي: موضع الجلوس، وهو هنا مكان التبايع،

стр. 820

فيثبت خيار المجلس في البيع وما في معناه؛ لحديث ابن عمر ﵄: عن النبي ﷺ أنه قال: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ؛ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ» [البخاري: ٢١١٢، ومسلم: ١٥٣١]. - فرع: ضابط التفرق في خيار المجلس، وأشار إليه المؤلف بقوله: (فَالمُتَبَايِعَانِ) ومَن في حكمهما (بِالخِيَارِ) أي: لكلٍّ منهما فسخُ البيع وإمضاؤه، (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) ولو طال عدم التفرق، (بِأَبْدَانِهِمَا عُرْفاً)، وذلك يختلف باختلاف مواضع البيع؛ لأن التفرُّقَ لم يحدَّه الشرع، فرُجِع فيه إلى ما يعدُّه الناس تَفرُّقاً؛ كالحرز، فإن تفرَّقا لزم البيع؛ لحديث ابن عمر السابق. - فرع: العقود بالنسبة لثبوت خيار المجلس على خمسة أنواع: ١ - عقد لازم يقصد به العوض، وهو البيع وما في معناه كالصلح بمعنى البيع، والإجارة، والصرف، والسلم، وهبة الثواب: فيثبت فيها خيار المجلس؛ للحديث، وقيس الباقي عليه لأنه في معناه. ٢ - عقد لازم لا يقصد به العوض، كالنكاح، والخلع، والوقف، والهبة بغير عوض، والحوالة: فلا يثبت فيها خيار المجلس؛ لأنها ليست بيعاً ولا في معنى البيع. ٣ - عقد لازم من أحد الطرفين، وهي عقود التوثقات، كالرهن،

стр. 821

والضمان، والكفالة: فلا يثبت فيها خيار المجلس؛ لأنها ليست بيعاً ولا في معنى البيع. ٤ - عقد جائز من الطرفين، كالشركة، والمضاربة، والجعالة، والوكالة، والوديعة، والوصية قبل الموت: فلا يثبت فيها خيار المجلس؛ استغناء بالتمكن من فسخها بأصل وضعها. ٥ - عقد متردد بين الجواز واللزوم، كالمساقاة والمزارعة، والمذهب: أنهما جائزان، فلا يدخلهما خيار. وفي وجه: أن المساقاة والمزارعة عقد لازم فيثبت فيهما خيار المجلس. - فرع: يثبت خيار المجلس في البيع وما في معناه إلا في أربعة أمور: ١ - عقد الكتابة؛ لأنها وسيلة للعتق. ٢ - تولي طرفي العقد، كأن يوكله إنسان في بيع سلعة ويوكله آخر في شرائها، فلا خيار له؛ لانفراد العاقد بالعقد؛ كالشفيع. وقيل واختاره ابن عثيمين: يثبت فيه خيار المجلس؛ لعموم الحديث، ويلزم البيع بمفارقة العاقد مكان البيع. ٣ - شراء من يَعتِقُ عليه؛ لأن شراءه له كشراء الأسير، وليس شراءً حقيقةً. ٤ - إذا اعترف بحريته قبل الشراء، كأن يقرَّ بأنه حر وشهد بذلك، فردَّت شهادته ثم اشتراه؛ لأنه صار حرًّا باعترافه السابق.

стр. 822

(وَ) الثاني: (خِيَارُ شَرْطٍ: وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَاهُ) أي: يشترط المتعاقدان الخيارَ، (أَوْ) يشترطه (أَحَدُهُمَا) دون الآخر؛ لأن الحق لهما، فكيفما تراضيا به جاز، (مُدَّةً مَعْلُومَةً)، ولو طويلة، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، والأمر بإيفاء العقد يتضمن الأمر بإيفاء أصله ووصفه، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» [أبو داود: ٣٥٩٤]. قال شيخ الإسلام: (فإن أطلقا الخيار ولم يوقتاه بمدة توجه أن يثبت ثلاثاً؛ لخبر حَبَّانَ بن مُنْقِذٍ)، [البخاري: ٢١١٧، ومسلم: ١٥٣٣]. - فرع: إن شرطاه مدة مجهولة، كمتى شئت، أو شاء زيد، أو نزل المطر، أو إلى الحصاد؛ صح البيع وبطل الخيار؛ لفساد الشرط بالجهالة. وعنه واختاره ابن عثيمين: صحة شرط الخيار بنحو: إلى الحصاد أو الجذاذ؛ لأنه معروف في العادة، ولا يتفاوت كثيراً. - فرع: (وَحَرُمَ) خيار الشرط إذا كان (حِيلَةً)، ليربح في قرض، بأن يقرضَه ثم يشتريَ منه دابته بالخيار، ليستعملَها مدةَ القرض؛ لأنه قرض جرَّ نفعاً، (وَلَمْ يَصِحَّ البَيْعُ)؛ لئلا يُتَّخذ حيلةً إلى الربا. - فرع: لا يثبت خيار الشرط إلا في عقود معينة، وهي: ١ - البيع؛ لما تقدم من الأدلة. قال في الشرح: (لا نعلم فيه خلافًا).

стр. 823

٢ - الصلح بمعنى البيع، كالصلح بعوض عن عين أو دَين مُقَرٍّ به؛ لأنها نوع من البيع. ٣ - قسمة التراضي -وهي ما كان فيه ضرر أو ردُّ عوض-، كأن يتقاسموا الأرض ويدفع أحد الشريكين للآخر مبلغاً من المال ليأخذ أحد الجانبين؛ لأنها نوع من البيع. ٤ - هبة الثواب، كأن يقول: وهبتك كتابي بشرط أن تعطيني كتابك؛ لأنها نوع من البيع. ٥ - الإجارة، وهي على قسمين: القسم الأول: إجارة في الذمة؛ كخياطة ثوب: فيثبت فيها شرط الخيار؛ لأن الإجارة بيع المنافع، فأشبهت بيع الأعيان. القسم الثاني: إجارة على مدة: ولا تخلو من حالين: أ) إن وَليت الإجارة مدة العقد؛ كشهر من حين العقد: لم يصح شرط الخيار؛ لئلا يؤدي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها، أو استيفائها في مدة الخيار، وكلاهما غير جائز. وفي قول اختاره شيخ الإسلام: يثبت خيار الشرط على مدة تلي العقد؛ لأن الأصل الحل، وقياساً على خيار المجلس، وليس هناك غرر في العقد، إذ كل واحد من المتعاقدين دخل على بصيرة وسيأخذ الحق الذي له بعد الخيار.

стр. 824

ب) إن لم تلِ الإجارةُ مدة العقد؛ كأن تبدأ مدة الإجارة بعد شهر من حين العقد: فيصح شرط الخيار قبل دخول زمن العقد؛ لأنها بيع منافع، وانتفى المحظور السابق. - فرع: لا يثبت خيار الشرط في باقي العقود؛ لأنها عقود لا تخلو من أمرين: ١ - عقود ليست بيعاً ولا في معنى البيع، كالوقف والضمان والكفالة ونحوها، فلا يثبت فيها الخيار؛ لأنها ليست بيعًا ولا في معناه. ٢ - عقود يُشترط لصحتها القبض، كصرف وسلم، فلا يثبت فيها الخيار؛ لأن موضوعها على أن لا يبقى بين المتعاقدين عُلقةٌ بعد التفرق، بدليل اشتراط القبض، وثبوت الخيار يُبْقي بينهما عُلَقاً، فلا يصح شرطه فيها. وفي وجه اختاره شيخ الإسلام: يثبت خيار الشرط في كل العقود، وظاهر كلامه: حتى في عقد النكاح؛ لقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، ولأن الأصل صحة الشروط في جميع العقود. - فرع: (وَيَنْتَقِلُ المِلْكُ فِيهِمَا) أي: في مدة خيار المجلس وخيار الشرط، (لِمُشْتَرٍ) , سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» [البخاري: ٢٣٧٩، ومسلم: ١٥٤٣]، فجعل المال للمبتاع باشتراطه، وهو عام في كل بيع فشمل بيع الخيار.

стр. 825

- فرع: يترتب على ثبوت الملك مدة الخيارين للمشتري أمور، منها: ١ - نماء المبيع المنفصل؛ كثمرة وولد ولبن، وكسبه فللمشتري؛ لأنه نماء ملكه الداخل في ضمانه، لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» [أحمد: ٢٤٢٢٤، وأبو داود: ٣٥٠٨، والترمذي: ١٢٨٥، والنسائي: ٤٤٩٠، وابن ماجه: ٢٢٤٣]، ولأن الفسخ رفعٌ للعقد من حين الفسخ لا من أصله. أما النماء المتصل؛ كسِمَنِ الشاة، فإنه تَبَعٌ للعين؛ لتعذر انفصاله. فقاعدة المذهب: (النماء المنفصل لمالك العين، والنماء المتصل تابع للعين). وعنه واختاره شيخ الإسلام: النماء المتصل لا يتبع العين، فيرجع المشتري بقيمته على البائع؛ لأنه نماء ملكه، فكان كالنماء المنفصل. فعلى الرواية الثانية: (النماء المنفصل والمتصل للمالك)، والمالك هنا المشتري. ٢ - ضمان المبيع على المشتري، ويأتي تفصيله. ٣ - زكاة المبيع على المشتري إذا وجبت وحال عليها الحول، ولو فسخ العقد بعد ذلك. - فرع: المبيع ملكٌ للمشتري مدة الخيارين، (لَكِنْ يَحْرُمُ وَلَا يَصِحُّ

стр. 826

تَصَرُّفُ) بائع ومشترٍ (فِي مَبِيعٍ، وَ) لا في (عِوَضِهِ) أي: عوض المبيع، (مُدَّتَهُمَا) أي: الخيارين بغير إذن الآخر؛ لأن المبيع ليس ملكاً للبائع فيتصرف فيه، ولم تنقطع عُلَقه عنه فيتصرف فيه المشتري، وكذا العوض، (إِلَّا) في صور: ١ - (عِتْقُ مُشْتَرٍ) للعبد المبيع (مُطْلَقاً) , أي: سواء كان الخيار له، أو للبائع، أو لهما؛ لقوة العتق وسرايته، فينفذ العتق ويبطل خيارهما؛ لأن المشتري تصرف بما يقتضي اللزوم وهو العتق، ويحرم العتق؛ لما فيه من إسقاط حق البائع. أما عتق البائع للمبيع زمن الخيار، فلا يصح ولا يَعتِق؛ لأن البائع لا يملك العبد. ٢ - استخدام المشتري للعبد المبيع ولو بغير استعلام؛ لأن الخدمة لا تخصُّ الملك فلم تبطل الخيار، كالنظر. ٣ - (وَإِلَّا تَصَرُّفَهُ) أي: المشتري (فِي مَبِيعٍ) بنحو وقف أو بيع أو هبة، (وَالخِيَارُ لَهُ) وحده، فيصح التصرف، ويسقط الخيارُ ويمضي البيع؛ لأن ذلك دليل الرضا به. ٤ - تصرف البائع في العوض والخيار له وحده، يسقط الخيار ويمضي البيع؛ لما مضى.

стр. 827

فإن تصرف البائع في المبيع أو تصرف المشتري في العوض بلا إذن الآخر، لم يصح ولا ينفسخ الخيار؛ لانتقال الملك عنه للآخر. ٥ - إذا كان التصرف بإذن الآخر؛ لأن الحق لهما. ٦ - إذا كان ذلك التصرف مع العاقد الآخر، كأن آجره له؛ لأنه بمنزلة الإذن. ٧ - تجرِبة المبيع، كركوب دابة لينظر سيرها؛ لأن ذلك هو المقصود من الخيار. (وَ) الثالث من أقسام الخيار: (خِيَارُ غَبْنٍ)، يقال: غبنته في البيع، أي: خدعته. - فرع: الغبن محرم؛ لما فيه من الغش والخديعة، وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [مسلم: ١٠١]. - فرع: يثبت للعاقد الخيار إذا غُبن في المبيع غبناً (يَخْرُجُ عَنِ العَادَةِ)؛ لأن الغبن لم يرد تحديده بالشرع فرُجع فيه إلى العُرف، أما إن غُبن غبناً لا يخرج عن العادة فلا خيار له؛ لأنه مما يَتسامح فيه الناس عادة. - فرع: لا يثبت خيار الغبن إلا في ثلاث صور: الأولى: (لِنَجْشٍ) وهو حرام؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً، وفيه: «لَا تَنَاجَشُوا» [البخاري: ٦٠٦٦، ومسلم: ١٤١٣]، ولما فيه من التغرير والخديعة،

стр. 828

فإن اشترى مع النجش فالبيع صحيح؛ لأن النهي يعود إلى الناجش لا إلى العاقد، فلم يؤثر في إفساد البيع، ولأن النهي لحق آدميٍّ مُعين يُمكن تَداركه بإثبات الخيار، كتلقي الركبان. فإذا غُبن المشتري بسبب النجش غبناً يخرج عن العادة ثبت له الخيار، ولو بلا مواطأة مع البائع؛ قياساً على تلقي الركبان. - فرع: يدخل فيه أربع صور: ١ - أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد الشراء. ٢ - أن يقول البائع: أُعطيت كذا، وهو كاذب؛ لما فيه من تغرير المشتري. ٣ - أن يخبر أنه اشترى السلعة بكذا، وهو زائد عما اشتراها به. ٤ - قال شيخ الإسلام: (يحرم تغرير مشترٍ، بأن يسومه كثيراً، ليبذل قريباً منه، كأن يقول في سلعة ثَمَنُها خمسة: أبيعها بعشرة). وأشار بقوله: (أَوْ غَيْرِهِ) إلى الصورة الثانية والثالثة، وهما: الثانية: تلقي الركبان: وهم القادمون من السفر بما يجلب للبيع وإن كانوا مشاة، فإذا تلقاهم أحد فاشترى منهم أو باعهم، وغُبنوا غبناً يخرج عن العادة؛ صح البيع وثبت لهم الخيار، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لحديث

стр. 829

أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَلَقَّوُا الجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالخِيَارِ» [مسلم: ١٥١٩]، وثبوت الخيار لا يكون إلا في عقد صحيح، والنهي لا يرجع لمعنًى في البيع، إنما لضرب من الخديعة يُمكن استدراكه بالخيار؛ أشبه المصرَّاة. وأما مع عدم الغبن فلا خيار لهم؛ لأن الخيار إنما ثبت لدفع الضرر عن البائع، ولا ضرر مع عدم الغبن. الثالثة: المسترسل: وهو من يجهل القيمة من بائع ومشترٍ ولا يحسن المماكسة، فإذا غُبن المسترسل غبناً يخرج عن العادة صح البيع، وثبت له الخيار؛ لأنه حصل له الغبن لجهله بالبيع، أشبه القادم من السفر. وعند شيخ الإسلام: المسترسل هو الجاهل بقيمة المبيع، فإذا غُبن غبنًا يخرج عن العادة ثبت له الخيار، قال ﵀: (إذا كان المشتري مسترسلاً، وهو الجاهل بقيمة المبيع، لم يجز للبائع أن يغبنه غبناً يخرج عن العادة؛ بل عليه أن يبيعه بالقيمة المعتادة أو قريب منها، فإن غبنه غبناً فاحشاً فللمشتري الخيار في فسخ البيع وإمضائه). - فرع: (لَا) يثبت الخيار للمسترسل الذي غُبن في السعر (لِاسْتِعْجَالٍ) في البيع، بحيث لو توقف ولم يستعجل لم يُغبن؛ لعدم وجود التغرير من البائع.

стр. 830

وعنه واختاره شيخ الإسلام: يثبت الخيار لمسترسل إلى بائع لم يماكسه؛ معاملةً للبائع بنقيض قصده. (وَ) الرابع من أقسام الخيار: (خِيَارُ تَدْلِيسٍ) مأخوذ من الدُّلْسَة وهي الظلمة. - فرع: فعل التدليس حرام؛ لما فيه من التغرير، وللحديث السابق: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا». - فرع: التدليس على ضربين: الأول: كتمان العيب، ويأتي في القسم الخامس من أقسام الخيار. الثاني: أن يكون (بِمَا يَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ)، بأن يُظهر الرديء بصورة الجيد، والجيدَ بصورة الأجود، وهو المراد هنا. فيثبت في كل تدليس يختلف الثمن لأجله؛ قياسًا على المصرَّاة. أما ما لا يختلف به الثمن فلا يثبت فيه الخيار؛ لأنه لا ضرر على المشتري في ذلك. - فرع: يثبت خيار التدليس للمشتري سواء قصد البائع التدليس (كَتَصْرِيَةِ) اللبن في ضرع بهيمة الأنعام، (وَتَسْوِيدِ شَعْرِ جَارِيَةٍ)، أو لم يقصده، كحمرة وجه الجارية بخجل أو تعب؛ لأن عدم القصد لا أثر له في إزالة ضرر المشتري.

стр. 831

- فرع: (وَخِيَارُ غَبْنٍ, وَ) خيار (عَيْبٍ, وَ) خيار (تَدْلِيسٍ عَلَى التَّرَاخِي)؛ لأنه خيارٌ ثابت لدفع ضررٍ متحققٍ، فلم يسقط بالتأخير بلا رِضًا كالقصاص، (مَا لَمْ يُوجَدْ) من صاحب الخيار (دَلِيلٌ) على (الرِّضَا) بالمبيع بقول أو فعل، كتصرف فيه بإجارة أو إعارة أو نحوهما عالماً بعيبه، فيسقط خياره؛ لقيام دليل الرضا مقام التصريح به. واختار شيخ الإسلام: يجبر المشتري على رده أو أرشه؛ لتضرر البائع بالتأخير، والضرر لا يزال بضرر مثله. - فرع: خيار التدليس على التراخي (إِلَّا فِي تَصْرِيَةِ) ضرع بهيمة الأنعام (فَـ) ـيخير (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) منذ علم بالتدليس بين إمساك بلا أرش، ورد المبيع مع صاع تمرٍ سليمٍ إن حلبها، وأخذ الثمن؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ» [البخاري: ٢١٤٨، ومسلم: ١٥١٥]. واختار شيخ الإسلام: يعتبر في كل بلد صاع من غالب قوته؛ لأن التمر غالب قوت الحجاز آنذاك. (وَ) الخامس من أقسام الخيار: (خِيَارُ عَيْبٍ) وهو ما (يَنْقُصُ) أحدَ أمرين:

стр. 832

الأول: (قِيمَةُ المَبِيعِ) عادةً، فما عدَّه التجار في عُرفهم مُنقِصاً أنيط الحكم به، وما لا فلا, (كَمَرَضٍ) على جميع حالاته في جميع الحيوانات، (وَفَقْدِ عُضْوٍ) كإصبع وسن ونحوهما، (وَزِيَادَتِهِ)، وغير ذلك. الثاني: المبيعَ نفسَه، ولو لم تَنقص قيمته بل زادت كخصاء. - فرع: (فَإِذَا عَلِمَ) المشتري (العَيْبَ) فلا يخلو من أمرين: الأول: أن يعلم العيب قبل العقد: فلا خيار له؛ لدخوله على بصيرة. الثاني: أن يعلم العيب بعد العقد: (خُيِّرَ بَيْنَ) أمرين: ١ - (إِمْسَاكُ) المبيع (مَعَ) أخذ (أَرْشِ) العيب، وهو من المفردات، سواء رضي البائع أو سخط؛ لأن المتبايعين تراضيا على أن العوض في مقابلة المبيع، فكل جزء منه يقابله جزء من الثمن، ومع العيب فات جزء من المبيع، فله الرجوع ببدله وهو الأرش. ٢ - (أَوْ رَدُّ) المبيع (وَأَخْذُ ثَمَنـ) ـه المدفوع للبائع؛ استدراكاً لما فاته، وإزالةً لما يلحقه من الضرر في بقائه في ملكه ناقصاً عن حقه. وأما في خيار الغبن والتدليس فلا يثبت فيهما الأرش، بل يخير بين الرد وأخذ الثمن، والإمساك مجاناً؛ لأن الشارع لم يجعل للمشتري فيه أرشاً، ولأنه لم يَفُت عليه جزء من المبيع يأخذ الأرش في مقابلته كما هو الحاصل في خيار العيب.

стр. 833

وعنه واختاره شيخ الإسلام: ليس له أخذ الأرش في الخيار إلا بالتراضي أو عند تعذر الرد، وإنما يخير بين الرد أو الإمساك بلا أرش؛ لأن البائع لم يرضَ بالبيع إلا بالثمن المسمى، فلا يُلزم بالأرش إلا برضاه؛ لأنه معاوضةٌ عن الجزء الفائت من المبيع. واختار ابن عثيمين: لا يثبت له الأرش في الخيار إلا إذا عُلم أن البائع كان مدلساً؛ معاملة له بأضيق الأمرين. - فرع: الأرش هو قِسط ما بين قيمة الصحة والعيب، فيقوم المبيع صحيحاً ثم يقوم معيباً، ويُؤخذ قِسط ما بينهما من الثمن. والقيمة: هي ثمنه عند عامة الناس. والثمن: هو الذي وقع عليه العقد. مثاله: لو اشترى شاة قيمتها صحيحةً مائة دينار، وقيمتها معيبة ثمانون ديناراً، فإن قِسط القيمة هو الخُمُس، فيَرجِع بخُمُس الثمن على البائع، فلو كان ثَمَنها في العقد خمسين ديناراً رجع المشتري على البائع بالخُمُس وهو عشرة دنانير. - فرع: لا يثبت الأرش إن أفضى أخذ الأرش إلى ربًا؛ كشراء حلي فضة بزنته دراهم، بل إما أن يَردَّ ويأخذ الثمن أو يُمسِك مجاناً من غير أرش؛ لأن أخذ الأرش يؤدي إلى ربا الفضل، أو إلى مسألة مد عجوة، وكلامهما محرم.

стр. 834

- فرع: (وَإِنْ تَلِفَ مَبِيعٌ) معيبٌ, (أَوْ أُعْتِقَ) العبدُ المعيبُ، (وَنَحْوُهُ) كما لو صَبغ الثوب المعيب أو نسجه، أو وهبه أو باعه ونحو ذلك: (تَعَيَّنَ أَرْشٌ)؛ لتعذر الرد وعدم وجود الرضا به ناقصًا. - فرع: (وَإِنْ تَعَيَّبَ) المبيع المعيب عند المشتري (أَيْضاً)، كأن يشتري أَمَةً بكراً ويطأها، ثم يظهر بها عيب: (خُيِّرَ فِيهِ) أي: المبيع المعيب (بَيْنَ) الإمساك و (أَخْذِ أَرْشِ) العيب، (وَ) بين (رَدِّ) المبيع المعيب (مَعَ دَفْعِ أَرْشِ) العيب الذي حصل في يده، وهو في المثال المذكور أرش البكارة، (وَيَأْخُذُ ثَمَنَهُ) أي: الثمن الذي دفعه للبائع، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لأن عقد البيع يقتضي السلامة، قال أحمد: (وأذهب فيه إلى قول عثمان)، قال في المبدع: (روى الخلال بإسناده عن ابن سيرين: أن عثمان قال في رجل اشترى ثوبًا ولبسه، ثم اطلع على عيب فرده وما نقص، فأجاز الرد مع النقصان، وعليه اعتمد أحمد). - فرع: (وَإِنِ اِخْتَلَفَا) أي: البائع والمشتري في معيبٍ (عِنْدَ مَنْ حَدَثَ) العيب، فلا يخلو من ثلاث أحوال: الأولى: أن لا يحتمل إلا قول البائع، كأن يكون الجرح طرياً: فالقول قوله بلا يمين؛ لعدم الحاجة إليها.

стр. 835

الثانية: أن لا يحتمل إلا قول المشتري، كالإصبع الزائدة: فالقول قوله بلا يمين؛ لما تقدم. الثالثة: أن يحتمل قولهما؛ كخرق الثوب: فلا يخلو من حالين: ١ - ألا يخرج المبيع عن يد المشتري: (فَقَوْلُ مُشْتَرٍ) وهو من المفردات؛ لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، فكان القول قولَ من ينفيه. وعند الثلاثة وهي رواية في المذهب، واختاره ابن عثيمين: القول قول البائع؛ لحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إِذَا اخْتَلَفَ البَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالقَوْلُ مَا يَقُولُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَرَادَّانِ» [أحمد: ٤٤٤٥، وأبو داود: ٣٥١١، والترمذي: ١٢٧٠، والنسائي: ٤٦٤٨، وابن ماجه: ٢١٨٦]، ولأن الأصل عدم وجود العيب. ٢ - أن يخرج المبيع عن يد المشتري إلى يد غيره: لم يجز له أن يرده، وليس له الحلف، لأنه إذا غاب عنه احتمل حدوثه عند من انتقل إليه، فلم يجز له الحلف على البت ولم يجز له الرد. - فرع: يقبل قول المشتري في المسألة السابقة (بِيَمِينِهِ)؛ لاحتمال صدق البائع. (وَ) السادس من أقسام الخيار: (خِيَارُ تَخْبِيرِ ثَمَنٍ) أي: خيارٌ يثبت عند إخبار البائعِ المشتريَ بالثمن, وذلك في أربعة أنواع من البيع:

стр. 836

١ - التولية: وهو البيع برأس المال. ٢ - الشركة: وهي بيع البعض بقسطٍ معلومٍ من الثمن. ٣ - المرابحة: وهي بيعٌ بثمنه وربحٍ معلوم. ٤ - المواضعة: وهي بيعٌ برأس المال وخسرانٍ معلوم. - فرع: (فَمَتَى) حصلت صورة من الصور الآتية فلمشترٍ الخيار: ١ - إذا (بَانَ) أن الثمن الذي ذكره البائع للمشتري (أَكْثَرَ) من الثمن الحقيقي الذي اشتراه به، فللمشتري الخيار على ما ذهب إليه المؤلف، وهي رواية في المذهب؛ لأن البائع أخبره خبرًا كاذبًا بثمن هذه السلعة، وهو نوع من الغش والتدليس. والمذهب: أنه متى بان رأس المال أقلَّ حُط الزائدُ، ويحط قسطه في مرابحة، وينقص الزائد في مواضعة، ولا خيار للمشتري؛ لأن الثمن إذا بان بأقل مما أخبر به وسقط عنه الزائد فقد زِيد المشتري خيراً، فلا داعي للخيار. ومال ابن عثيمين: إذا بان أن البائع غشَّ ودلَّس فإننا نعامله بأضيق الأمرين، وذلك بإثبات الخيار للمشتري، وإن لم يكن غش فليس للمشتري الخيار؛ لأنه قد يكون وسيلة للمشتري لترك المبيع فيما لو نقصت قيمته في السوق.

стр. 837

٢ - (أَوْ) بان (أَنَّهُ) أي: البائع (اشْتَرَاهُ) أي: المبيع (مُؤَجَّلاً) أي: بثمن مؤجل؛ ولم يُبيِّنه للمشتري في تخبيره؛ فله الخيار بين أخذه بالثمن الذي وقع عليه حالاً أو الفسخ، وهي رواية في المذهب؛ استدراكاً لظُلامته، ولأن الأجل يأخذ قِسطاً من الثمن. والمذهب: يؤجل على المشتري بالأجل الذي اشتراه البائع إليه، ولا خيار له؛ لزوال الضرر بالتأجيل. ٣ - (أَوْ) بان أن البائع اشترى المبيع (مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) كزوجته، وأحد عمودي نسبه، كأب وابن، ولم يبينه للمشتري فله الخيار؛ لأنه متهم في حقهم لكونه يحابيهم ويسمح لهم. واختار ابن عثيمين: لا يثبت له الخيار إلا إذا ظهر في ذلك غبنٌ للمشتري؛ لأنه قد يشتري ممن لا تقبل شهادته له بثمن المثل ولا يحابيه. ٤ - (أَوْ) بان بأن البائع اشترى المبيع (بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ حِيلَةً) , ولم يُبيِّن ذلك للمشتري فله الخيار؛ لأن ذلك تدليس على المشتري وهو حرام. فإن لم تكن حيلة جاز؛ لأنه أجنبي أشبه غيره. ٥ - (أَوْ بَاعَ) البائع (بَعْضَهُ) أي: بعض المبيع (بِقِسْطِهِ) من الثمن الذي اشتراه به, (وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ) , فلا يخلو من حالين:

стр. 838

الأولى: أن يكون المبيع من المتماثلات التي ينقسم عليها الثمن بالأجزاء؛ كالبر والشعير: فيجوز بيع بعضه مرابحة بقسطه من الثمن دون تخبير المشتري، قال ابن قدامة: (لا نعلم فيه خلافًا)؛ لأن ثمن ذلك الجزء معلوم يقينًا. الثانية: أن يكون المبيع مما ينقسم عليه الثمن بالقيمة، ولا ينقسم عليه الثمن بالأجزاء؛ كالثياب والعبيد: لم يجز أن يبيع بتخبير الثمن حتى يبين الحال على وجهه، فإذا باعه ولم يبين ذلك (فَلِمُشْتَرٍ الخِيَارُ)؛ لأن قسمة الثمن على ذلك تخمين، واحتمال الخطأ فيه كثير. (وَ) السابع من أقسام الخيار: (خِيَارٌ) يثبت (لِاخْتِلَافِ المُتَبَايِعَيْنِ) في الثمن في الجملة على ما يأتي تفصيله، واختلاف المتعاقدين له صور: الصورة الأولى: الاختلاف في الثمن: وأشار إليه المؤلف بقوله: (فَإِذَا اخْتَلَفَا) أي: بائع ومشتر (فِي قَدْرِ ثَمَنٍ) بأن قال بائع: بعتكه بمائة، وقال مشتر: بثمانين، ولا بينة لهما، أو تعارضت بينتاهما، (أَوِ) اختلف مؤجر ومستأجر في (أُجْرَةٍ) فقال مؤجر: أجرتك بمائة، وقال مستأجر: بثمانين, (وَلَا بَيِّنَةَ) لأحدهما (أَوْ لَهُمَا) أي: لكل واحد منهما بينة بما ادعاه؛ فتتساقط البيِّنتان؛ لتعارضهما، ولو كانت السلعة المبيعة تالفة: فإنهما حينئذ يتحالفان

стр. 839

ويثبت الخيار لهما؛ لأن كلًّا منهما مدعٍ ومدعًى عليه صورة، فالبائع مُدعٍ أن الثمن مائة ومنكر أنه ثمانون، والمشتري مُدعٍ أنه ثمانون ومنكر أنه مائة. وعنه واختاره ابن عثيمين: القول قول البائع؛ لحديث ابن مسعود السابق: «إِذَا اخْتَلَفَ البَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالقَوْلُ مَا يَقُولُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَرَادَّانِ»، ولأن الملك خرج من يده، ولا يمكن أن يخرج إلا بما يرضى به هو ما لم توجد بينة. قال ابن قدامة: (ويحتمل أن يكون معنى القولين واحداً، وأن القول قول البائع مع يمينه، فإذا حلف فرضي المشتري بذلك أخذ به، وإن أبى حلف أيضاً وفسخ البيع). - فرع: يشترط في التحالف ثلاثة شروط: ١ - أن يحلف البائع قبل المشتري؛ لأنه أقوى جَنَبة من المشتري لكون المبيع يرد إليه، ولأن الأصل عدم خروج الملك من يد صاحبه. ٢ - أن يجمع الحالف بين النفي والإثبات؛ فالنفي لما نفاه والإثبات لما ادعاه. ٣ - أن يقدم الحالف النفي على الإثبات؛ لأن الأصل في اليمين أنها للنفي. وصورة التحالف كما ذكر المؤلف: (حَلَفَ بَائِعٌ: مَا بِعْتُهُ بِكَذَا, وَإِنَّمَا

стр. 840

بِعْتُهُ بِكَذَا, ثُمَّ) حلف (مُشْتَرٍ: مَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا, وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا) وحينئذ لا يخلو من ثلاثة أحوال: ١ - إن حلف أحدهما ونكل الآخر: لزمه ما حلف عليه صاحبه؛ لأن النكول بمنزلة الإقرار. ٢ - (وَ) إذا تحالفا على الصفة المذكورة صار (لِكُلِّ) واحد من المتبايعين (الفَسْخُ إِنْ لَمْ يَرْضَ بِقَوْلِ الْآخَرِ)، ولا ينفسخ بنفس التحالف؛ لأنه عقد صحيح فلم ينفسخ باختلافهما وتحالفهما. ٣ - إن رضي أحدهما بقول الآخر أُقرَّ العقد؛ لأن من رضي بقول صاحبه فقد حصل له ما ادعاه فلم يملك خياراً. - فرع: إذا فُسخ العقد بعد التحالف لم يخل المبيع من حالتين: الأولى: أن تكون السلعة موجودة: فيرجع البائع بالسلعة والمشتري بالثمن. الثانية: أن تكون السلعة تالفة: وأشار إليه بقوله: (وَبَعْدَ تَلَف) السلعة، فإنهما (يَتَحَالَفَانِ) كما تقدم, (وَيَغْرَمُ مُشْتَرٍ قِيمَتَهُ) أي: قيمة المبيع التالف ولو كانت مثلية؛ لأن المشتري لم يدخل بالعقد على ضمانه بالمثل.

стр. 841

ويقبل قول مشترٍ في قيمتها وصفتها؛ لأنه غارم. (وَ) الصورة الثانية: الاختلاف في الأجل أو الشرط: وأشار إليه بقوله: (إِنِ اخْتَلَفَا) أي: المتعاقدان (فِي أَجَلٍ)؛ بأن يقول المشتري: اشتريتُه بكذا مؤجلاً، وأنكره البائع، (أَوِ) اختلفا في (شَرْطٍ) صحيح؛ كاشتراط رهن أو ضمين، أو فاسد يبطل العقد معه أو لا، (وَنَحْوِهِ) كما لو اختلفا في مُفسدٍ لبيع ونحوه، كأن يدعي أحدهما الإكراه أو الصغر، ونحوه: (فَقَوْلُ نَافٍ) بيمينه؛ لأن الأصل عدمه. والصورة الثالثة: الاختلاف في عين المبيع: وأشار إليه بقوله: (أَوِ) اختلف المتعاقدان في (عَيْنِ مَبِيعٍ)؛ كبعتني هذا العبد، فقال البائع: بل هذه الجارية، فقول بائع؛ لحديث ابن مسعود السابق، ولأنه غارم. والصورة الرابعة: الاختلاف في قدر المبيع: وأشار إليه بقوله: (أَوِ) اختلفا في (قَدْرِهِ): بأن قال بائع: بعتك مُدَّين، فقال مشتر: بل ثلاثة؛ (فَقَوْلُ بَائِعٍ)؛ لحديث ابن مسعود السابق، ولأنه منكر للزيادة. (وَ) الثامن من أقسام الخيار: خيارٌ (يَثْبُتُ لِلخُلْفِ فِي الصِّفَةِ)، سُمي بذلك؛ لأنه وُجد الموصوف بخلاف الصفة التي أخبره بها البائع، (وَ) وكذا لو اختلفا في (تَغَيُّرِ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ) قبل العقد، ولا يخلو ذلك من أمرين:

стр. 842

١ - أن لا يختلف البائع والمشتري: فللمشتري الفسخ؛ لأن ذلك بمنزلة عيبه، إلا أن يوجد من المشتري ما يدل على الرضا بالمبيع من سوم ونحوه، فيسقط خياره لذلك. ٢ - أن يختلف البائع والمشتري في الصفة: كما لو قال المشتري: ذكرتَ في صفة العبد أنه كاتب، وأنكره البائع، ولا مرجح بينهما، أو قال المشتري: إن المبيع الذي سبقت رؤيته تَغيَّر، وأنكر البائع، فالقول قول المشتري بيمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته من الثمن. وفي قول اختاره ابن عثيمين: القول قول البائع أو يترادان، فيقال: إما أن تقتنع بقول البائع، وإلا فالملك ملكه؛ لأن الأصل عدم التغير، ولأن الأصل صحة العقد وبقاؤه. - تنبيه: تقدم في شروط البيع ثبوت الخيار للمشتري في مسائل تفريق الصفقة أيضاً، ولذا قال ابن عثيمين: (وبذلك تمت أقسام الخيار، وعلى هذا فحصر الخيار في خمسة أو عشرة أو سبعة لا يستقيم؛ لأن الخيار يثبت فيما يفوت به مقصود أحد المتعاقدين).

стр. 843

(فَصْلٌ) في التصرف في المبيع قبل قبضه، وما يحصل به قبضه - مسألة: المبيع لا يخلو من قسمين: القسم الأول: ما بيع بتقدير، وهو ستة أشياء، وأشار إليه بقوله: (وَمَنِ اشْتَرَى مَكِيلاً وَنَحْوَهُ)، وهو الموزون والمعدود والمذروع، وكذا ما بيع برؤية متقدمة، أو بوصف، طعاماً كان أو غيره؛ صح البيع، و (لَزِمَ بِالعَقْدِ) إن لم يكن فيه خيار؛ كباقي المبيعات، ويترتب عليه مسائل، منها: أولاً: التصرف فيه قبل قبضه: فقال ﵀: (وَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ) أي: المشتري (فِيهِ) ببيع، أو هبة ولو بلا عوض، أو إجارة، أو رهن، أو حوالة (قَبْلَ قَبْضِهِ)؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ»، قال ابن عباس: «وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ» [البخاري ٢١٣٣، ومسلم ١٥٢٥]، وكان الطعام يومئذ مستعملًا غالباً فيما يُكال ويوزن، وقيس عليهما المعدود والمذروع؛ لاحتياجهما لحق التوفية. ويستثنى من ذلك ثلاثة أمور:

стр. 844

١ - عتقه: كما لو اشترى عشرة أعبد مثلاً فأعتقها قبل قبضها، فيصح إجماعاً؛ لقوة سرايته. ٢ - جعله مهراً أو عوض خلع: فيصح؛ لاغتفار الغرر اليسير فيهما. ٣ - الوصية به: فيصح؛ لأنها ملحقة بالإرث، وتصح بالمعدوم. واختار شيخ الإسلام: أن ذلك لا يخلو من أمرين: أ - أن يكون التصرف فيه بغير البيع؛ كالرهن والهبة وجعله مهرًا ونحوه: فيجوز؛ لأن النهي في حديث ابن عباس ﵄ إنما هو في البيع فقط، فيبقى ما عداه على الأصل وهو الحِلُّ. ب - أن يكون التصرف فيه بالبيع: فلا يجوز؛ لظاهر الحديث السابق، إلا في موضعين: ١ - إذا باعه على بائعه، وهي رواية عن أحمد؛ لأن علة النهي عن بيع المبيع قبل قبضه هي عجز المشتري عن تسليمه؛ لأن البائع قد يسلمه وقد لا يسلمه، لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح، فإنه يسعى في رد البيع إما بجحد أو احتيال في الفسخ، وتأكد بالنهي عن ربح ما لم يضمن، وإذا كان في يد بائعه انتفت العلة، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. ٢ - إذا باعه تولية أو شركة (١)؛ لأن العلة في النهي أنه إذا باعه بربح، فقد

стр. 845

ربح ما لم يدخل في ضمانه، وأما إذا باعه تولية أو شركة فلم يربح ما لم يضمن، فانتفت العلة، قال شيخ الاسلام: (وهو مخرَّجٌ من جواز بيع الدين). ثانياً: ضمان المبيع: إن تلف المبيع بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، أو بيع برؤية متقدمة، أو بوصف، والثمر على الشجر إذا بيع بعد بدو الصلاح، لم يخل من أمرين: الأمر الأول: أن يتلف بعد قبضه: فمن ضمان المشتري إجماعاً؛ لأن البيع تقرر بقبض المبيع، فتقرر الثمن. الأمر الثاني: أن يتلف قبل قبضه؛ فمن ضمان البائع، ولا يخلو من أمرين: أ - أن يتلف بآفة سماوية لا صنع لآدمي فيها: فالضمان من مال بائع؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ! » [مسلم ١٥٥٤]. لكن إن عرض البائع المبيع على المشتري فامتنع من قبضه ثم تلف؛ كان من ضمان المشتري؛ لتفريطه. ب - أن يتلفه آدمي، سواء كان هو البائع أو أجنبيًا: خُيِّر مشتر بين
следующие страницы →