ويقبل قول مشترٍ في قيمتها وصفتها؛ لأنه غارم.
(وَ) الصورة الثانية: الاختلاف في الأجل أو الشرط: وأشار إليه بقوله: (إِنِ اخْتَلَفَا) أي: المتعاقدان (فِي أَجَلٍ)؛ بأن يقول المشتري: اشتريتُه بكذا مؤجلاً، وأنكره البائع، (أَوِ) اختلفا في (شَرْطٍ) صحيح؛ كاشتراط رهن أو ضمين، أو فاسد يبطل العقد معه أو لا، (وَنَحْوِهِ) كما لو اختلفا في مُفسدٍ لبيع ونحوه، كأن يدعي أحدهما الإكراه أو الصغر، ونحوه: (فَقَوْلُ نَافٍ) بيمينه؛ لأن الأصل عدمه.
والصورة الثالثة: الاختلاف في عين المبيع: وأشار إليه بقوله: (أَوِ) اختلف المتعاقدان في (عَيْنِ مَبِيعٍ)؛ كبعتني هذا العبد، فقال البائع: بل هذه الجارية، فقول بائع؛ لحديث ابن مسعود السابق، ولأنه غارم.
والصورة الرابعة: الاختلاف في قدر المبيع: وأشار إليه بقوله: (أَوِ) اختلفا في (قَدْرِهِ): بأن قال بائع: بعتك مُدَّين، فقال مشتر: بل ثلاثة؛ (فَقَوْلُ بَائِعٍ)؛ لحديث ابن مسعود السابق، ولأنه منكر للزيادة.
(وَ) الثامن من أقسام الخيار: خيارٌ (يَثْبُتُ لِلخُلْفِ فِي الصِّفَةِ)، سُمي بذلك؛ لأنه وُجد الموصوف بخلاف الصفة التي أخبره بها البائع، (وَ) وكذا لو اختلفا في (تَغَيُّرِ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ) قبل العقد، ولا يخلو ذلك من أمرين:
стр. 842
١ - أن لا يختلف البائع والمشتري: فللمشتري الفسخ؛ لأن ذلك بمنزلة عيبه، إلا أن يوجد من المشتري ما يدل على الرضا بالمبيع من سوم ونحوه، فيسقط خياره لذلك.
٢ - أن يختلف البائع والمشتري في الصفة: كما لو قال المشتري: ذكرتَ في صفة العبد أنه كاتب، وأنكره البائع، ولا مرجح بينهما، أو قال المشتري: إن المبيع الذي سبقت رؤيته تَغيَّر، وأنكر البائع، فالقول قول المشتري بيمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته من الثمن.
وفي قول اختاره ابن عثيمين: القول قول البائع أو يترادان، فيقال: إما أن تقتنع بقول البائع، وإلا فالملك ملكه؛ لأن الأصل عدم التغير، ولأن الأصل صحة العقد وبقاؤه.
- تنبيه: تقدم في شروط البيع ثبوت الخيار للمشتري في مسائل تفريق الصفقة أيضاً، ولذا قال ابن عثيمين: (وبذلك تمت أقسام الخيار، وعلى هذا فحصر الخيار في خمسة أو عشرة أو سبعة لا يستقيم؛ لأن الخيار يثبت فيما يفوت به مقصود أحد المتعاقدين).
стр. 843
(فَصْلٌ)
في التصرف في المبيع قبل قبضه، وما يحصل به قبضه
- مسألة: المبيع لا يخلو من قسمين:
القسم الأول: ما بيع بتقدير، وهو ستة أشياء، وأشار إليه بقوله: (وَمَنِ اشْتَرَى مَكِيلاً وَنَحْوَهُ)، وهو الموزون والمعدود والمذروع، وكذا ما بيع برؤية متقدمة، أو بوصف، طعاماً كان أو غيره؛ صح البيع، و (لَزِمَ بِالعَقْدِ) إن لم يكن فيه خيار؛ كباقي المبيعات، ويترتب عليه مسائل، منها:
أولاً: التصرف فيه قبل قبضه: فقال ﵀: (وَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ) أي: المشتري (فِيهِ) ببيع، أو هبة ولو بلا عوض، أو إجارة، أو رهن، أو حوالة (قَبْلَ قَبْضِهِ)؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ»، قال ابن عباس: «وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ» [البخاري ٢١٣٣، ومسلم ١٥٢٥]، وكان الطعام يومئذ مستعملًا غالباً فيما يُكال ويوزن، وقيس عليهما المعدود والمذروع؛ لاحتياجهما لحق التوفية.
ويستثنى من ذلك ثلاثة أمور:
стр. 844
١ - عتقه: كما لو اشترى عشرة أعبد مثلاً فأعتقها قبل قبضها، فيصح إجماعاً؛ لقوة سرايته.
٢ - جعله مهراً أو عوض خلع: فيصح؛ لاغتفار الغرر اليسير فيهما.
٣ - الوصية به: فيصح؛ لأنها ملحقة بالإرث، وتصح بالمعدوم.
واختار شيخ الإسلام: أن ذلك لا يخلو من أمرين:
أ - أن يكون التصرف فيه بغير البيع؛ كالرهن والهبة وجعله مهرًا ونحوه: فيجوز؛ لأن النهي في حديث ابن عباس ﵄ إنما هو في البيع فقط، فيبقى ما عداه على الأصل وهو الحِلُّ.
ب - أن يكون التصرف فيه بالبيع: فلا يجوز؛ لظاهر الحديث السابق، إلا في موضعين:
١ - إذا باعه على بائعه، وهي رواية عن أحمد؛ لأن علة النهي عن بيع المبيع قبل قبضه هي عجز المشتري عن تسليمه؛ لأن البائع قد يسلمه وقد لا يسلمه، لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح، فإنه يسعى في رد البيع إما بجحد أو احتيال في الفسخ، وتأكد بالنهي عن ربح ما لم يضمن، وإذا كان في يد بائعه انتفت العلة، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
٢ - إذا باعه تولية أو شركة (١)؛ لأن العلة في النهي أنه إذا باعه بربح، فقد
стр. 845
ربح ما لم يدخل في ضمانه، وأما إذا باعه تولية أو شركة فلم يربح ما لم يضمن، فانتفت العلة، قال شيخ الاسلام: (وهو مخرَّجٌ من جواز بيع الدين).
ثانياً: ضمان المبيع: إن تلف المبيع بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، أو بيع برؤية متقدمة، أو بوصف، والثمر على الشجر إذا بيع بعد بدو الصلاح، لم يخل من أمرين:
الأمر الأول: أن يتلف بعد قبضه: فمن ضمان المشتري إجماعاً؛ لأن البيع تقرر بقبض المبيع، فتقرر الثمن.
الأمر الثاني: أن يتلف قبل قبضه؛ فمن ضمان البائع، ولا يخلو من أمرين:
أ - أن يتلف بآفة سماوية لا صنع لآدمي فيها: فالضمان من مال بائع؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ! » [مسلم ١٥٥٤].
لكن إن عرض البائع المبيع على المشتري فامتنع من قبضه ثم تلف؛ كان من ضمان المشتري؛ لتفريطه.
ب - أن يتلفه آدمي، سواء كان هو البائع أو أجنبيًا: خُيِّر مشتر بين
стр. 846
فسخ البيع ويرجع على بائع بما أخذ من ثمنه، وبين إِمضاءٍ ومطالبة متلفه ببدله، أي: بمثله إن كان مثليًا أو قيمته إن كان متقومًا؛ لأن الإتلاف كالعيب، وقد حصل في موضع يلزم البائع ضمانه، فكان للمشتري الخيار؛ كالعيب.
ولكن إن تلف بفعل مشتر -وإن كان غير متعمد- فلا خيار له؛ لأن إتلافه كقبضه.
القسم الثاني: وهو ما عدا القسمَ الأولَ، أي: ما عدا ما اشتُرِي بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، أو رؤية سابقة أو صفة، كما لو اشترى عبداً معيناً أو أرضاً معينة ولم يذكر ذرعها، أو اشترى المكيل ونحوه جِزافاً؛ صح البيع ولزم بالعقد؛ كالقسم الأول، ويترتب عليه مسائل، منها:
أولاً: التصرف فيه قبل قبضه: فيجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه، ببيع وهبة وإجارة وعتق وغير ذلك؛ لقول ابن عمر: كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير وبالعكس، فسألْنا رسول الله ﷺ فقال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَبَيْنَهُمَا شَيْءٌ» [أحمد ٥٥٥٥، وأبو داود ٣٣٥٤، والترمذي ١٢٤٢، والنسائي ٤٥٨٢، وابن ماجه ٢٢٦٢]، وهذا تصرف بالثمن قبل قبضه، وهو أحد العوضين، ولأن النبي ﷺ اشترى من جابر ﵁ جَمَلَه ونقده ثمنه، ثم وهبه إياه قبل قبضه [مسلم ٧١٥].
واختار شيخ الإسلام: أن حكمه حكم ما تقدم من التفصيل في القسم الأول.
стр. 847
- فرع: حكم كل عوض مُلِك بعقد معاوضة حكمُ عوض في بيع فيما سبق في جواز التصرف فيه قبل قبضه ومنعه؛ كالأجرة المعينة، والعوض في الصلح بمعنى البيع، والعوض في الخلع، والعوض في العتق، والمصالح به عن دم العمد.
وأما إن تعين ملكه في موروث أو وصية أو غنيمة؛ فله التصرف فيه قبل القبض؛ لعدم ضمانه بعقد معاوضة، فملكه عليه تام لا يتوهم غرر الفسخ فيه.
وقال شيخ الإسلام: (كل ما مُلِك بعقد سوى البيع فإنه يجوز التصرف فيه قبل قبضه بالبيع وغيره؛ لعدم قصد الربح).
ثانياً: ضمان المبيع: إن تلف المبيع بغير كيل ونحوه، فلا يخلو من أمرين:
١ - أن لا يمنع البائعُ المشتري من قبضه: فيكون من ضمان المشتري، تمكن المشتري من قبضه أم لا؛ لحديثِ: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» [أحمد ٢٤٢٢٤، وأبو داود ٣٥٠٨، والترمذي ١٢٨٥، والنسائي ٤٤٩٠، وابن ماجه ٢٢٤٣]، وهذا المبيع للمشتري فضمانه عليه.
٢ - أن يمنع البائعُ المشتري من قبضه حتى تلف: فيكون من ضمان البائع، وضمانه ضمان غصب؛ لأنه كالغاصب.
стр. 848
- مسألة: (وَيَحْصُلُ قَبْضُ) المبيع بما دل عليه العرف؛ لأن القبض مطلق في الشرع، فيرجع فيه إلى العرف كالحرز والتفرق، ومن ذلك:
١ - (مَا بِيعَ بِكَيْلٍ وَنَحْوِهِ) كالوزن والعد والذرع (بِذَلِكَ) أي: بالكيل أو بالوزن أو بالعد أو بالذرع؛ لحديث عثمان يرفعه: «إِذَا بِعْتَ فَكِلْ، وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ» [أحمد ٤٤٤، وابن ماجه ٢٢٣٠]، فلا يشترط نقله، وشرطه: أن يكون كيله أو وزنه أو عده أو ذرعه (مَعَ حُضُورِ مُشْتَرٍ)؛ للخبر السابق، (أَوْ) حضور (نَائِبِهِ)؛ لأن النائب يقوم مقامه، (وَوِعَاؤُهُ) أي: المستحق (كَيَدِهِ)؛ لأنهما لو تنازعا فيه كان لربه، فلو اشترى منه مكيلاً بعينه، ودفع إليه الوعاء وقال: كِلْهُ فإنه يصير مقبوضاً.
- فرع: لا يشترط نقل ما بيع بكيل ونحوه من مكانه؛ لحصول القبض بذلك.
واختار ابن عثيمين: لا يحصل قبضه إلا بذلك التقدير من الكيل أو الوزن أو العد أو الذرع مع النقل؛ لما روى ابن عمر ﵄ قال: «كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ» [مسلم ١٥٢٧].
стр. 849
٢ - (وَ) يحصل قبض (صُبْرَةٍ) وهي: الطعام المجتمع كالكُومة، (وَ) قبض (مَنْقُولٍ) كثياب وحيوان (بِنَقْلٍ)؛ لحديث ابن عمر ﵄: «كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جِزَافاً، فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ» [البخاري ٢١٦٦، ومسلم ١٥٢٧].
٣ - (وَ) يحصل قبض (مَا يُتَنَاوَلُ) كالأثمان والجواهر (بِتَنَاوُلِهِ)؛ إذ العرف فيه ذلك.
٤ - (وَ) يحصل قبض (غَيْرِهِ) أي: غير ما تقدم من عقار وثمر على الشجر (بِتَخْلِيَةٍ) مع عدم مانع، بأن يخلي بينه وبين المشتري، كأن يفتح له باب الدار أو يسلمه مفتاحها؛ عملاً بالعرف.
- مسألة: (وَالإِقَالَةُ) وهي نقض البيع وإبطاله (فَسْخٌ) للعقد لا بيع؛ لأنها عبارة عن الرفع والإزالة، يقال: أقال الله عثرتك، أي: أزالها، وبدليل جوازها في السلم مع إجماعهم على المنع من بيعه قبل قبضه.
ويترتب على كونها فسخ مسائل، منها: أنها تصح بعد نداء الجمعة، ولا يثبت فيها خيار المجلس، وتصح قبل قبض المبيع، ولو نحو مكيل، وغيرها.
- مسألة: (تُسَنُّ) الإقالة (لِلنَّادِمِ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَقَالَ مُسْلِماً، أَقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» [ابن ماجه ٢١٩٩].
стр. 850
(فَصْلٌ)
في الربا والصرف
الربا لغة: الزيادة؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أي: علت.
وشرعاً: تفاضل في أشياء؛ كمكيل بجنسه، ونسأ في أشياء؛ كمكيل بمكيل، مختص بأشياء ورد الشرع بتحريمها.
وانعقد الإجماع على تحريمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهو من الكبائر.
- مسألة: (الرِّبَا نَوْعَانِ):
النوع الأول: ربا الدَّين: وهو محرم بالإجماع، وهو قسمان:
١ - اشتراط الزيادة في القرض، وهو الذي تعمل به بعض البنوك الآن.
٢ - اشتراط الزيادة إذا حل أجل الدَّين، فإنه يطالبه بأن يسدد أو يربيه كما يفعل أهل الجاهلية، وهذا الآن له صور في البنوك وهو ما يسمى بقلب الدين.
стр. 851
النوع الثاني: ربا البيوع، وهو قسمان:
١ - (رِبَا فَضْلٍ): وهو الزيادة في أحد الربويين المتحدَي الجنس.
٢ - (وَرِبَا نَسِيئَةٍ): وهو التأخير في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل، ليس أحد الجنسين نقداً.
- مسألة: (فَرِبَا الفَضْلِ: يَحْرُمُ فِي):
١ - (كُلِّ مَكِيلٍ) مطعوم كالبر، أو غير مطعوم كالأُشنان، بِيعَ بجنسه متفاضلاً، ولو يسيراً لا يتأتى كَيْلُه؛ كتمرة بتمرتين؛ لعدم التماثل.
٢ - (وَ) في كل (مَوْزُونٍ) من نقد أو غيره، مطعوم كالسكر، أو غير مطعوم كالقطن، (بِيعَ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلاً وَلَوْ يَسِيراً لَا يَتَأَتَّى)؛ كحبة صغيرة من الذهب والفضة ونحوهما؛ لعدم التماثل.
والدليل على ذلك: حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» [مسلم ١٥٨٧]، وعلة الربا في النقدين: كونهما موزوني جنس، وفي الأعيان الباقية: كونها
стр. 852
مكيلات جنس، وألحق بذلك كل مكيل، أو موزون؛ لوجود العلة فيه.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام:
١ - أن العلة في الذهب والفضة: الثمنية؛ لحديث عبادة ﵁ السابق؛ لأن العلة فيهما لا تخلو: إما أن تكون الوزن أو الثمنية، والأول باطل؛ لإجماع العلماء على جواز السَّلَم في الموزونات؛ كالحديد والرصاص، فيتعين القول بالثمنية؛ لأن التعليل بها تعليل بوصف مناسب، فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارًا للأموال يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها، فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية، وتتعدى العلة على كل ما صدق عليه هذا الوصف؛ كالفلوس والنقود، ويلحق بها الأوراق النقدية.
٢ - والعلة في بقية الأصناف الأربعة: الطعم مع الكيل، أو الطعم مع الوزن؛ لحديث مَعْمَرِ بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ» [مسلم ١٥٩٢]، والمماثلة لا تكون إلا بالكيل أو الوزن، فدل على أنه لا يحرم إلا في مطعوم يكال أو يوزن.
- ضوابط في الربا:
الضابط الأول: كل رِبَوِيَيْنِ اتحدا في الجنس فإنه يشترط عند مبادلة أحدهما بالآخر شرطان: التماثل، والحلول والتقابض؛ لحديث عبادة ﵁ السابق، وأشار إليه بقوله: (وَيَصِحُّ بِهِ) أي: بيعه بجنسه (مُتَسَاوِياً)، فإن بيع
стр. 853
بجنسه غير متساوٍ لم يصح؛ لأنه ربًا.
مثاله: لو بادل تمرًا بتمر، فلابد من: التماثل، والحلول والتقابض.
الضابط الثاني: كل ربويين اتحدا في علة ربا الفضل واختلفا في الجنس؛ فيشترط عند مبادلة أحدهما بالآخر شرط واحد فقط، وهو: الحلول والتقابض، وأشار إليه بقوله: (وَ) يصح بيعه (بِغَيْرِهِ) أي: بغير جنسه إذا اتفقا في علة ربا الفضل (مُطْلَقاً) متساوياً أو لا (بِشَرْطِ قَبْضٍ قَبْلَ تَفَرُّقٍ)؛ لحديث عبادة ﵁ السابق، وفيه: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ».
مثاله: لو بادل لحم إبل بلحم غنم، فإنه يشترط الحلول والتقابض دون التماثل، لاتفاقهما في علة ربا الفضل، واختلافهما في الجنس.
الضابط الثالث: ما اشترط فيه التساوي، فلا بُدَّ أن يكون التساوي والتماثل بمعياره الشرعي: كيلاً في المكيلات، ووزناً في الموزونات، وأشار إليه بقوله: (لَا) يصح بيع (مَكِيلٍ بِجِنْسِهِ وَزْناً)، ككيلو تمر بكيلو تمر، (وَلَا عَكْسِهِ)، أي: بيع موزون بمثله كيلاً؛ كصاع ذهب بصاع ذهب؛ لأن ما خولف معياره الشرعي لا يتحقق فيه التماثل، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، (إِلَّا إِذَا عُلِمَ تَسَاوِيهِمَا فِي المِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ)، فيصح البيع؛ للعلم بالتماثل، ويدل لذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 854
«الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْناً بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ وَزْناً بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِباً» [مسلم ١٥٨٨]، فاعتبر الشارع المساواة في الموزونات بالوزن وفي المكيلات بالكيل، فمن خالف ذلك خرج عن المشروع المأمور به، إذ المساواة المعتبرة فيما يحرم فيه التفاضل: هي المساواة في معياره الشرعي.
فلو باع ألف غِرام من الدهن بألف غرام لم يجز؛ لأنه يحصل من الدهن الخفيف أكثر مما يحصل من الدهن الثقيل، فيختلفان في الكيل، إلا إذا علم مساواته في معياره الشرعي، بأن يُكالا فيعلم تساويهما؛ فيجوز.
وقال شيخ الإسلام: (وما لا يختلف فيه الكيل والوزن مثل الأدهان يجوز بيع بعضه ببعض كيلاً ووزنًا، وعن أحمد ما يدل عليه)؛ لتماثلهما.
- فرع: اختار شيخ الإسلام: جواز بيع الموزونات الربوية بالتحري؛ للحاجة عند تعذر الوزن؛ قياساً على العرايا، حيث جاز بيع التمر بالرُّطَب خَرْصاً.
- مسألة: (وَ) النوع الثاني من نوعي الربا: (رِبَا النَّسِيئَةِ) من النَّساء -بالمد- وهو التأخير، (يَحْرُمُ فِيمَا) أي: في مبيعين (اتَّفَقَا فِي عِلَّةِ رِبَا فَضْلٍ؛ كَـ) بيع (مَكِيلٍ بِمَكِيلٍ، وَ) بيع (مَوْزُونٍ بِمَوْزُونٍ نَسَاءً) وإن اختلف
стр. 855
الجنس، وسبق في الضابط الثاني، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ) أو المثمن (أَحَدَ النَّقْدَيْنِ) أي: الذهب والفضة؛ (فَيَصِحُّ)، ولا يحرم النَّساء؛ كبيع حديد بذهب أو بفضة، قال في المبدع: (بغير خلاف)؛ لأن الشارع أرخص في السلم، والأصل في رأس ماله النقدان، فلو حرم النساء فيه لانسد باب السلم في الموزونات غالباً.
الضابط الرابع: كل ربويين اختلفا في علة ربا الفضل، فلا يشترط عند مبادلة أحدهما بالآخر لا الحلول والتقابض، ولا التساوي والتماثل، وأشار إليه بقوله: (وَيَصِحُّ بَيْعُ مَكِيلٍ بِمَوْزُونٍ، وَعَكْسِهِ) أي: موزون بمكيل (مُطْلَقاً) حالًّا أو نَساءً، متساوياً أو لا.
مثاله: عند مبادلة بر بذهب، لا يُشترط شيء؛ لاختلافها في علة ربا الفضل.
الضابط الخامس: عند مبادلة ربوي بغير ربوي، أو مبادلة عوضين غير ربويين؛ فإنه لا يشترط الحلول والتقابض ولا التساوي والتماثل؛ لحديث عبدالله بن عمرو ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشاً، فَنَفِدَتِ الإِبِلُ، قَالَ: فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ آخُذَ فِي قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ، فَكُنْتُ آخُذُ البَعِيرَ بِالبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ» [أحمد ٦٥٩٣]، وإذا جاز في الجنس الواحد ففي الجنسين أولى.
стр. 856
مثال مبادلة الربوي بغير الربوي: ذهب بكتب، ومثال مبادلة غير الربوي بغير الربوي: كتب بأقلام.
فَصْلٌ فِي الصَّرْفِ
الصرف: بيع نقد بنقد، اتحد الجنس أو اختلف، سمي بذلك لصريفهما، وهو تصويتهما في الميزان، وقيل: لانصرافهما عن مقتضى البياعات من عدم جواز التفرق قبل القبض ونحوه.
- مسألة: (وَ) يصح (صَرْفُ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، وَعَكْسِهِ)، أي: صرف فضة بذهب بشرط التقابض في المجلس إجماعاً؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالوَرِقِ دَيْناً» [البخاري ٢١٨٠، ومسلم ١٥٨٩]، (لَكِنْ إِذَا افْتَرَقَ مُتَصَارِفَانِ) كفرقة خيار مجلس قبل قبض الكل؛ (بَطَلَ العَقْدُ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ) فقط؛ لفوات شرطه وهو القبض، وصح فيما قُبض؛ لصحة تفريق الصفقة، فلو صرف ديناراً بعشرة دراهم، ولم يعطه إلا خمسة دراهم ثم افترقا، صح العقد في نصف الدينار فقط، وبطل في النصف الثاني، ويكون أمانة عنده.
стр. 857
(فَصْلٌ)
في بيع الأصول والثمار
الأصول: جمع أصلٍ، وهو ما يَتفرع عنه غيره، والمراد هنا: الدُّور والأرض والشجر.
والثمار: جمع ثمرٍ كجبل وجبال، وواحده ثمرة.
- مسألة: اشتمل الفصل على عدة مباحث:
أولاً: بيع الدُّور ونحوها: وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَإِذَا بَاعَ دَاراً) أو وهبها أو رهنها أو وقفها أو أقر أو أوصى بها (شَمِلَ البَيْعُ):
١ - (أَرْضَهَا) أي: إذا كانت الأرض يصح بيعها، فتدخل في البيع باتفاق الأئمة؛ لأنه داخل في مسمى الدار، فإن لم يجز كالأرض الموقوفة فلا يصح.
٢ - (وَبِنَاءَهَا)؛ لأنه داخل في مسمى الدار.
٣ - أشجارها وزروعها، ويأتي تفصيله.
٤ - ما كان متصلاً بها، (وَ) يشمل ذلك: (سَقْفَهَا)؛ لما سبق، (وَبَاباً
стр. 858
مَنْصُوباً) وحَلْقَتَه؛ لأنه متصل بالدار لمصلحتها، أشبه الحيطان، فإن كان الباب غير منصوب لم يتناوله البيع ونحوه؛ لأنه منفصل عنه أشبه الطعام والشراب، (وَسُلَّماً وَرَفًّا مَسْمُورَيْنِ)؛ لما تقدم، فإن لم يكن السلم أو الرف مسمَّرًا فلا يتناوله البيع ونحوه؛ لما سبق، (وَخَابِيَةً) وهي إناءٌ من فَخَّار يُجعل فيه التمر وشبهه، (مَدْفُونَةً)؛ لما تقدم، فإن لم تكن الخابية مدفونة لم يَتناولها البيع ونحوه؛ لما سبق.
- فرع: (لَا) يدخل في بيع الدار ما كان منفصلاً عنها؛ لأن اللفظ لا يتناوله، فعلى هذا فلا يشمل: (قُفْلاً، وَ) لا (مِفْتَاحاً، وَ) لا (دَلْواً، وَ) لا (بَكْرَةً، وَ) لا (نَحْوَهَا) كفرشٍ وحبل.
ثانياً: بيع الأراضي: وأشار إليه المؤلف بقوله: (أَوْ) باع (أَرْضاً) أو وهبها أو وقفها أو رهنها أو أقر أو أوصى بها (شَمِلَ):
١ - (غَرْسَهَا)، وهي أشجارها ونحو ذلك؛ لأنه من حقوق الأرض، ويتبع الأرض من كل وجه؛ لأنه يُتخذ للبقاء فيها، وليس لانتهائه مدة معلومة، بخلاف الزرع والثمرة.
٢ - (وَبِنَاءَهَا)؛ لما تقدم.
стр. 859
٣ - الزروع: وتنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يجز مرة واحدة، كالبر والشعير ونحوه: وأشار إليه بقوله: (لَا) يشمل البيع (زَرْعاً) موجوداً في الأرض المباعة، (وَ) لا (بَذْرَهُ) أي: بذر الزرع، وإنما يكون ذلك للبائع ونحوه؛ لأنها في حكم الثمرة، (إِلَّا بِشَرْطٍ) من المشتري ونحوه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» [أبو داود: ٣٥٩٤].
(وَيَصِحُّ) اشتراط المشتري ونحوه كون الزرع داخلاً في الأرض المباعة ولو (مَعَ جَهْلِ ذَلِكَ) كما لو جهل قَدْر الزرع؛ لأنه يدخل تبعاً، والقاعدة: (يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً).
(وَ) الثاني: (مَا يُجَزُّ) مراراً كالبِرْسيم والنعناع ونحوه، (أَوْ يُلْقَطُ مِرَاراً) كالطماطم والباذنجان ونحوها: (فَـ) لا يخلو من أمرين:
أ) (أُصُولُهُ) أي: أصول ما يُجز ويُلقط مراراً: تكون (لِمُشْتَرٍ)؛ لأن هذه الأصول تراد للبقاء كالشجرة.
ب) (وَجَزَّةٌ وَلَقْطَةٌ ظَاهِرَتَانِ) عند البيع: تكونان (لِبَائِعٍ)؛ لأنه يُجنى مع بقاء أصله، فأشبه ثمر الشجر المؤبر، (مَا لَمْ يَشْرِطْهُ مُشْتَرٍ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: قال
стр. 860
رسول الله ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» [البخاري: ٢٣٧٩، ومسلم: ١٥٤٣] أي: المشتري.
ثالثًا: بيع القرية، ويشمل:
١ - الدُّورَ؛ لأنها داخلة في مسمى القرية، فهي مأخوذة من القرِّ، وهو الجمع؛ لأنها تجمع الناس.
٢ - الحصنَ الدائر عليها؛ لما تقدم.
٣ - الشجرَ بين بنيانها؛ لما تقدم.
٤ - لا تدخل مزارع القرية إلا بنص أو قرينة؛ فإن قال: بعتك القرية بمزارعها، أو دلت قرينة على دخولها؛ كمساومة على الجميع، أو بذل ثمن لا يصلح إلا فيها وفي مزارعها؛ دخلت؛ عملًا بالنص أو القرينة.
رابعًا: بيع الشجر: وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ بَاعَ) أو وهب أو وقف أو رهن (نَخْلاً) ونحوه من الأشجار، كشجر التفاح والبرتقال وغيرها، شمل ما يلي:
١ - ذات الشجرة؛ كجريدها وأغصانها وأوراقها ونحوه؛ فيدخل في البيع؛ لأنه داخل في مسمى الشجر ومن أجزائه وخُلق لمصلحته، فهو كسائر المبيع.
- فرع: أرض هذه الشجرة لا تدخل في البيع؛ لعدم تناول مسمى الشجرة لأرضها؛ ولذا لو بادَتْ الشجرة لم يملك غرس شجرة مكانها.
стр. 861
٢ - الثمر: وهو على قسمين:
الأول: ثمر النخيل: فما (تَشَقَّقَ طَلْعُهُ) ولو لم يؤبر، -والطلع: بفتح الطاء، ما يطلع من النخلة ثم يصير ثمراً إن كانت أنثى -، (فَالثَّمَرُ لَهُ) أي: للبائع، ولا يدخل في البيع؛ لحديث ابن عمر السابق: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ»، والتأبير: التلقيح، وإنما نص عليه والحكم منوطٌ بالتشقق؛ لملازمته له غالباً.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: أن الحكم معلق بالتأبير وهو التلقيح، ولا يكفي مجرد تشقُّقِ الطلع؛ لظاهر الحديث، ولأن البائع إذا أبر النخل فقد عمل فيه عملاً يُصلِحُه فتعلقت نفسه به، بخلاف ما إذا لم يؤبره.
- فرع: يكون الثمر للبائع ونحوه (مُبَقًّى إِلَى جَدَادٍ)، فلا يُلزم بإزالته قبل ذلك؛ لأن تفريغ المبيع بحسب العُرف والعادة كدارٍ فيها أطعمة أو متاع، إلا في ثلاث حالات:
١ - ما لم تجر عادةٌ بأخذه بُسْراً أو يكن بُسْره خيراً من رُطَبِه؛ لأن ذلك عادةُ أخذِهِ.
٢ - (مَا لَمْ يَشْرِطْهُ) أي: يَشترِط قَطْعَه (مُشْتَرٍ) ونحوه، فإن شرط المشتري ونحوه قطعه؛ أجبر البائع؛ لوجوب العمل بالشرط كما تقدم.
стр. 862
٣ - إذا تضرر الأصل ببقاء الثمر عليه؛ فيجبر البائع ونحوه على القطع؛ إزالةً للضرر.
الثاني: ثمرُ غيرِ النخيل من الأشجار: فما ظهر من الثمر فلا يشمله البيع، وأشار إليه بقوله: (وَكَذَا) أي: وكالنخل إذا بيع بعد تشقق طلعه (حُكْمُ شَجَرٍ) غير النخل (فِيهِ ثَمَرٌ بادٍ) أي: ظاهِرٌ لا قِشر عليه ولا زَهر، كتوت وتين، (أَوْ ظَهَرَ مِنْ نَوْرِهِ) أي: زَهره (كَمِشْمِشٍ) وتفاح وخوخ، (أَوْ خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ) جمع كِمٍّ: بكسر الكاف وهو الغلاف (كَوَرْدٍ وَقُطْنٍ) وياسمين وبنفسج، فما ظهر من ذلك فهو للبائع؛ لصيرورته في حكم عين أخرى، فلم يدخل في مسمى الشجرة، ولأنه بمثابة تشقق الطلع.
(وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ) أي: قبل ظهور الثمرة، فهو للمشتري؛ كالطلع قبل تشققه، (وَالوَرَقُ مُطْلَقاً)، سواء كان ورق توت يقصد أخذه لتربية دود قزٍّ أو غيره، والأغصان والعراجين وسائر أجزاء الشجر، فهي (لِمُشْتَرٍ)؛ لأنه داخل في مسمى الشجر ومن أجزائه وخلق لمصلحته، فهو كسائر المبيع.
خامسًا: بيع الثمار، وأشار إليه بقوله: (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ ثَمَرٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ)؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى
стр. 863
يَبْدُوَ صَلاحُهَا، نَهَى البَائِعَ وَالمُبْتَاعَ» [البخاري: ٢١٩٤، ومسلم: ١٥٣٤]، والنهي يقتضي الفساد، قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث).
سادسًا: بيع الزروع، وأشار إليه بقوله: (وَلَا) يصح بيع (زَرْعٍ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ)؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَيَأْمَنَ العَاهَةَ، نَهَى البَائِعَ وَالمُشْتَرِيَ» [مسلم: ١٥٣٥]، قال ابن المنذر: (لا أعلم أحداً يَعدِل عن القول به).
- فرع: لا يجوز بيع الثمر قبل بدو صلاحه والزرع قبل اشتداد حبه إلا في ثلاث حالات:
الأولى: أن يباع الثمر مع أصوله أو الزرع مع أرضه، فيجوز بالإجماع؛ لمفهوم الحديث السابق: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ»، ولأنهما دخلا تبعاً في البيع فلم يضر احتمال الغرر، كما احتُملت الجهالة في بيع اللبن في الضرع مع الشاة، والنوى في التمر مع التمر.
الثانية: أن يباع ذلك لمالك الأصل؛ لأنهما إذا بيعا لمالك الأصل فقد حصل التسليم للمشتري على الكمال، لملكه الأصل والقرار، فصح البيع كما لو بيعت مع الأصل.
فإن بِيع الثمر (لِغَيْرِ مَالِكِ أَصْلِ) الشجر، (أَوْ) بِيع الزرع لغير مالك
стр. 864
(أَرْضِهِ) أي: أرض الزرع، فلا يصح البيع؛ لعموم النهي السابق.
وفي وجه، واختاره ابن عثيمين: تحريم بيعها على مالك الأصل أو الأرض؛ لعموم النهي.
الثالثة: أن يبيع الثمر والزرع منفرداً على غير مالك الأصل، ولا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام:
١ - أن يبيعه بشرط القطع: وأشار إليه بقوله: (إِلَّا بِشَرْطِ قَطْعِ) الثمر أو الزرع في الحال، فيجوز بيعه بالإجماع كما في المغني وغيره؛ لأن المنع من البيع لخوف التلف وحدوث العاهة، وهذا مأمون فيما يُقطع، وإنما يجوز ذلك بشرطين:
أ) (إِنْ كَانَ) المشترى (مُنْتَفَعاً بِهِ)، فإن لم يكن يُنْتَفَع به فلا يصح؛ لما تقدم أن من شروط البيع كون المبيع مالاً منتفعاً به.
ب) (وَ) كان المبيع (لَيْسَ مُشَاعاً)، فإن كان مشاعاً كأن باع نصفه بشرط القطع لم يصح البيع؛ لأنه إذا بِيع مشاعاً لم يُمكنه قطعه إلا بقطع ملك غيره.
٢ - أن يبيعه بشرط التبقية: فلا يصح البيع؛ لوجود الغرر، ولدخوله في عموم النهي الوارد في الحديث السابق.
٣ - أن يبيعه مطلقاً بدون شرط قطع ولا تبقية: فلا يصح البيع؛ لما تقدم.
стр. 865
- فرع: تنقسم الزروع من حيث هي إلى ثلاثة أقسام:
الأول: زروع ظاهرة تُحصد مرة واحدة؛ كالبر والشعير ونحوها، وتقدم الكلام عليها.
الثاني: زروع ظاهرة تحصد مرة بعد مرة، وأشار إليها بقوله: (وَكَذَا) لا يصح بيع (بَقْلٍ) وهو كل نبات اخضرَّت به الأرض كالنعناع والجِرْجير والكَرَفْس ونحوه، (وَ) لا بيع (رَطْبَةٍ) وهي البِرْسِيم، (وَلَا) بيع ما تتكرر ثمرته كـ (قِثَّاءٍ وَنَحْوِهِ) من باذنجان وخيار وكوسا وبامياء ونحوها بعد بدو صلاحها (إِلَّا) في حالتين:
١ - أن يبيعه (لَقْطَةً لَقْطَةً) لما يلقتط مراراً كالقثاء ونحوه، وجزةً جزةً لما يجز مراراً كالبقول ونحوه، فيجوز بيع اللَّقطة والجزَّة الظاهرتين فقط بشرط قطعه في الحال؛ لأنه معلوم لا جهالة فيه ولا غرر، وأما المعدوم منه فلا يجوز؛ لأن ما لم يخلق لا يجوز بيعه.
واختار شيخ الإسلام: جواز بيع المعدوم منها إلى أن تيبس المَقْثأة وإن كانت تلك معدومة لم توجد؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، إذ لا يمكن بيعها إلا كذلك، وبيعها لقطة لقطة متعذر أو متعسر لعدم التمييز، وكلاهما منتفٍ شرعاً، والشريعة استقرت على أن ما يُحتاج إلى بيعه يجوز بيعه وإن كان معدوماً كالمنافع، ولأنها معلومة في العرف والعادة.
٢ - (أَوْ) أن يبيعه (مَعَ أَصْلِهِ)؛ لأنه دخل تبعاً في البيع، أشبه الثمر مع الشجر.
стр. 866
الثالث: زروع مستترة في الأرض، كالجزر والفُجْل والثوم والبصل ونحوها: لا يجوز بيعها؛ لأنها مجهولة، فأشبهت بيع الحَمْل، ولأنه من الغرر.
واختار شيخ الإسلام: جواز بيعه إذا رأى ما ظهر منه على الوجه المعروف؛ لأنه لا تتم مصلحة الناس إلا بهذا؛ فإن تأخير بيعه إلى حين قلعه يتعذر تارة ويتعسر أخرى، ويفضي إلى فساد الأموال، وأما كون ذلك مغيباً فيكون غرراً: فليس كذلك؛ بل إذا رُئي من المبيع ما يدل على ما لم يُرَ جاز البيع باتفاق المسلمين في مثل بيع العقار والحيوان، وكذلك ما يحصل الحرج بمعرفة جميعه يُكتفى برؤية ما يمكن منه، كما في بيع الحيطان وما مأكوله في جوفه.
- فرع: (وَإِنْ تُرِكَ) قطعُ (مَا شُرِطَ قَطْعُهُ) لصحة بيعه منفرداً مما تقدم ذكره: (بَطَلَ البَيْعُ)؛ لئلا يجعل ذلك ذريعة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها وتركها حتى يبدو صلاحها، فيبطل البيع (بِزِيَادَةٍ غَيْرِ يَسِيرَةٍ) عرفاً، (إِلَّا) في صورتين:
١ - الزيادةَ اليسيرةَ عرفاً؛ كيوم ويومين: فيعفى عنها؛ لعسر التحرز منها.
٢ - (الخَشَبَ) إذا اشتراه بشرط قطعه في الحال فأخر قطعه حتى زاد (فَلَا) يبطل البيع؛ لأن المبيع اختلط بغيره ولم يتعذر تسليمه، والفرق بين
стр. 867
هذه والتي قبلها اتخاذه حيلة على شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، (وَيَشْتَرِكَانِ) أي: البائع والمشتري (فِيهَا) أي: في زيادة الخشب؛ لأنها حصلت في ملكهما، فإن الخشب ملك للمشتري وأصله ملك البائع، وهما سبب الزيادة، فيقوَّم الخشب يوم العقد ويوم الأخذ، فالزيادة ما بين القيمتين، فيشتركان فيها.
- فرع: (وَحَصَادٌ) لزرع، (وَلَقَاطٌ) لقثاء ونحوها، (وَجدَادٌ) لثمر (عَلَى مُشْتَرٍ)؛ لأنه نقل لملكه وتفريغ لملك البائع عنه، فهو كنقل الطعام.
- فرع: (وَ) يجب (عَلَى بَائِعٍ سَقْيُ) شجر بِيع من ثمرته ما بدا صلاحه، وسقيُ زرع بِيع من حبه ما اشتد، ونحوِ ذلك، سواء احتيج إليه أو لم يحتج إليه؛ لأنه يجب عليه تسليمه كاملاً، ولا يحصل كاملاً إلا به.
واختار ابن عثيمين: إن لم يحتج المبيع إليه فلا يجبر البائع على السقي.
- فرع: يجب على بائعٍ السقيُ على ما تقدم (وَلَوْ تَضَرَّرَ أَصْلٌ) بالسقي؛ لأنه دخل على ذلك.
- مسألة: (وَمَا تَلِفَ) من ثمرٍ بِيع بعد بدو صلاحه دون أصله بآفة سماوية فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
الأولى: إذا تلفت قبل التخلية: فمن ضمان البائع اتفاقاً.
стр. 868
الثانية: إذا تلفت بعد جَذِّ المشتري: فمن ضمان المشتري اتفاقاً.
الثالثة: إذا تلفت بعد التخلية وقبل الجذاذ، أو قبل بدو صلاحه بشرط القطع قبل التمكن منه (سِوَى يَسِيرٍ) منه لا ينضبط؛ لما يأتي، (بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ) لا صنع لآدمي فيها كالريح والحر والبرد، ومثل ذلك ما لا يُمكن تضمينه كالجراد ونحوه، (فَـ) ـضمانه (عَلَى بَائِعٍ) واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ! » [مسلم: ١٥٥٤]. إلا في ثلاث حالات:
١ - إذا بيعت الثمرة مع أصلها، وأشار إليه بقوله: (مَا لَمْ يُبَعْ) ثمر (مَعَ أَصْلٍ)؛ فإن اشتراها مع أصلها وتلفت فضمانها على مشترٍ؛ لحصول القبض التام وانقطاع عُلَقِ البائع عنه. (١)
٢ - (أَوْ يُؤَخِّرْ) مشتر (أَخْذَ) الثمر (عَنْ عَادَتِهِ)، فإن تأخر المشتري في أخذه عن عادته فمن ضمانه؛ لتلفه بتقصيره.
٣ - أن يكون التلف يسيراً لا ينضبط، فضمانه على المشتري ولا يرجع
стр. 869
بقسطه من الثمن؛ لقلته.
- فرع: وأما ما يمكن تضمينه، فيخير مشتر بين فسخ ومطالبة البائع بما دفع من الثمن، وبين الإمضاء وبقاء البيع ومطالبة المتلِف بالبدل، وتقدم في فصل التصرف في المبيع قبل قبضه.
- مسألة: (وَصَلَاحُ بَعْضِ ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ صَلَاحٌ لِجَمِيعِ نَوْعِهَا الَّذِي فِي البُسْتَانِ)؛ لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشق، ولا يكون صلاحًا لسائر الجنس الذي بالبستان؛ لأن الأنواع تتباعد ويتميز بعضها عن بعض ولا يخشى اختلاطها.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: إذا بدا صلاح الثمرة فإنه يكون صلاحًا لجميع ثمر البستان الذي جرت العادة بأن يباع جملة ولو كان من جنس الآخر؛ لأن ذلك يفضي إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي، ولما في تفريق الصفقة من الضرر على البائع، ولأنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.
- فرع: ضابط بدو الصلاح:
١ - (فَصَلَاحُ ثَمَرِ نَخْلٍ: أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ)؛ لحديث أنس ﵁: عن النبي ﷺ : «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ»، قيل: وما يزهو؟ قال: «يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ» [البخاري: ٢١٩٧].
стр. 870
٢ - (وَ) صلاح (عِنَبٍ: أَنْ يَتَمَوَّهَ بِالمَاءِ الحُلْوِ)؛ لحديث أنس ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ العِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ» [أحمد: ١٣٣١٤، وأبو داود: ٣٣٧١، والترمذي: ١٢٢٨، وابن ماجه: ٢٢١٧].
٣ - (وَ) صلاح (بَقِيَّةِ ثَمَرٍ: بُدُوُّ نُضْجٍ وَطِيِبُ أَكْلٍ)؛ لحديث جابر ﵁ قال: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ» فقيل: وما تشقح؟ قال: «تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا» [البخاري: ٢١٩٦، ومسلم: ١٥٣٦].
٤ - وصلاح زرع أن يبيضَّ أو يشتد؛ لأنه ﷺ جعل اشتداد الحب غاية لصحة بيعه كما في حديث أنس السابق.
سابعًا: (وَيَشْمَلُ بَيْعُ دَابَّةٍ) كفرسٍ: (عِذَارَهَا) أي: لِجامها، (وَمِقْوَدَهَا) بكسر الميم، وهو الحبل الذي يقاد به، (وَنَعْلَهَا) وهو حديد متقوس يوقى به حافر الدابة؛ لتبعية ذلك له في العرف؛ ولأنه مما تتعلق به حاجة المبيع ومصلحته.
ثامنًا: (وَ) إذا بِيع (قِنٌّ) فلا يخلو ما معه من قسمين:
الأول: أمواله: فهي للبائع إلا أن يشترطه المشتري؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» [البخاري: ٢٣٧٩، ومسلم: ١٥٤٣].
стр. 871
فإن اشترط أن يكون مع العبد ماله فلا يخلو من حالين:
١ - أن يكون المشتري قد قَصَد المال الذي مع العبد: فيشترط في مال العبد سائر شروط البيع؛ لأنه مبيع مقصود؛ أشبه ما لو ضمَّ إليه عينًا أخرى.
٢ - ألا يكون المشتري قصد المال: فلا يشترط له شروط البيع؛ لأنه دخل تبعًا، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
الثاني: لباسه، ولا تخلو من حالين:
١ - (لِبَاسُهُ لِغَيْرِ جَمَالٍ) وهي ثياب لبس العادة: فهي للمشتري؛ لتبعية ذلك له في العرف؛ ولأنه مما تتعلق به حاجة المبيع ومصلحته.
٢ - اللباس المعد للجمال، من لباس وحلي: فهو للبائع؛ لأنه زيادة على العادة، ولا تتعلق به حاجة المبيع، وإنما يُلبسه إياه لينفقه به.
(فَصْلٌ)
في السلم
السلم والسلف لغة: واحدٌ، يقال: سلم وأسلم، وسلف وأسلف بمعنًى واحد، هذا قول جميع أهل اللغة، إلا أن السلف يكون قرضاً. قاله الأزهري.
стр. 872
وشرعاً: عقد على شيء يصح بيعه موصوفٍ في الذمة، مؤجلٍ بأجل معلوم، بثمن مقبوض في مجلس العقد.
وهو جائز بالإجماع، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) [البقرة: ٢٨٢]، ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» [البخاري ٢٢٤٠، ومسلم ١٦٠٤]، ولحاجة الناس إليه.
- مسألة: يتكون عقد السلم من:
١ - مشتر، ويسمى: المسلِمَ، أو يقال: رب السلم.
٢ - بائع، ويسمى: المسلَمَ إليه.
٣ - الثمن المقدم، ويسمى: رأسَ مال السلم.
٤ - المبيع المؤجل، ويسمى: المسلَمَ فيه، أو دَيْنَ السلم.
- مسألة: (وَيَصِحُّ السَّلَمُ بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ) زائدة على شروط البيع؛ لأنه نوع من البيع:
الشرط الأول: (أَنْ يَكُونَ) السلم (فِيمَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِهِ)؛ لأن ما لا تنضبط صفاته يختلف كثيرًا، فيفضي إلى المنازعة، والمطلوب عدمها؛ (كَمَكِيلٍ) من حبوب وثمار وخلٍّ ودهن ولبن ونحوها، (وَنَحْوِهِ)؛ كموزون من
стр. 873
قطن ونحاس، ومذروع من قماش ونحوه.
فلا يصح السلم فيما لا يمكن ضبط صفاته؛ كالجواهر واللؤلؤ والعقيق ونحوها؛ لأنها تختلف اختلافاً متبايناً بالصغر والكبر وحسن التدوير وزيادة الضوء والصفاء.
(وَ) الشرط الثاني: (ذِكْرُ جِنْسِ) المسلَم فيه؛ كتمر، (وَنَوْعِـ) ـه، كعجوة، (وَ) ذكر (كُلِّ وَصْفٍ يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ غَالِباً) اختلافاً ظاهراً؛ كلونه وحجمه وبلده، (وَ) ذكر (حَدَاثَةٍ وَقِدَمٍ)؛ لأن السلم عوض يثبت في الذمة، فاشترط العلم به كالثمن، وطريقه: الرؤية أو الصفة، والأول ممتنع، فتعين الوصف.
- فرع: لا يجب استقصاء كل الصفات؛ لأنه يتعذر، ولا ما لا يختلف به الثمن؛ لعدم الاحتياج إليه.
(وَ) الشرط الثالث: (ذِكْرُ قَدْرِهِ)، أي: المسلم فيه، بكيلٍ معهود في المكيلات ووزنٍ معهود في الموزونات، وبذرعٍ معهود في المذروعات، وعدٍّ في المعدودات يصح السلم فيه؛ لحديث ابن عباس السابق، وفيه: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ»، ولأنه عوض غائب يثبت في الذمة، فاشترط معرفة قدره كالثمن.
فإن شرطا مكيالًا غير معلوم بعينه؛ لم يصح.
стр. 874
- فرع: (وَلَا يَصِحُّ) السلم (فِي مَكِيلٍ) كالبر (وَزْناً، وَ) لا (عَكْسِهِ)؛ بأن يُسلم بموزون كالحديد كيلاً؛ لأنه قدَّره بغير ما هو مقدَّر به، فلم يجز، كما لو أسلم في المذروع وزنًا.
وعنه واختاره ابن قدامة: أنه يصح؛ لأن الغرض معرفة قدره وإمكان تسليمه من غير تنازع، فبأي قدر قدَّره جاز، ويفارق بيع الربويات، فإن التماثل بالكيل في المكيل، والوزن في الموزون شرط، ولا يعلم هذا الشرط إذا قدرها بغير مقدارها الشرعي، أما في السلم فلا يشترط العلم بالتساوي.
(وَ) الشرط الرابع: (ذِكْرُ أَجَلٍ مَعْلُومٍ)؛ لحديث ابن عباس السابق، ويعتبر أن يكون الأجل له وقعٌ في الثمن عادة؛ (كَشَهْرٍ)؛ لأن السلم رخصة جاز للرفق، ولا يحصل إلا بالأجل، فإن انتفى الأجل انتفى الرفق.
وعلى هذا فلا يصح السلم في مسائل، منها:
١ - إن أسلم إلى أجل مجهول؛ كقدوم زيد، ونزول المطر ونحو ذلك؛ للتعليل السابق.
٢ - إن أسلم إلى أجل قريب كيوم ونحوه؛ لأنه لا وقع له في الثمن، إلا أن يسلم في شيء يأخذه منه كل يوم أجزاء معلومة؛ كخبز ولحم ونحوهما من كل ما يصح السلم فيه؛ إذ الحاجة داعية إلى ذلك.
وقال في الفروع: وليس هذا في كلام أحمد، والأظهر عدم اشتراطه؛ لإطلاق الأمر بالأجل.
стр. 875
٣ - إن أسلم حالًّا؛ لحديث ابن عباس السابق، فأمر بالأجل كما أمر بالكيل والوزن، ولما روي عن ابن عباس ﵄: «أَنَّهُ كَرِهَ إِلَى الأَنْدَرِ - وهو البيدر بِلُغة أهل الشام -، وَالعَصِيرِ، وَالعَطَاءِ أَنْ يُسَلَّفَ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ يُسَمِّي شَهْراً» [عبد الرزاق ١٤٠٦٦، وفيه ضعف]، ولأن الحلول يخرجه عن اسمه وهو السلم لتعجل أحد العوضين وتأخر الثاني، ويخرجه عن معناه؛ لأنه إنما شرع للحاجة الداعية إليه، ومع حضور الأجل لا حاجة للسلم.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: يصح السلم حالًّا إن كان المسلم فيه موجودًا في ملكه وإلا فلا، لأن عقد السلم الحال عقد من عقود المعاوضات، وعقود المعاوضات ليس من شرط صحتها التأجيل؛ كالبيع، وأما الحديث والأثر فلا دلالة فيه على اشتراط الأجل، وإنما دل على اشتراط العلم بالأجل إذا كان مؤجلاً، وأما كونه يخرجه عن اسمه ومعناه، فالعبرة بالعقود بحقائقها ومقاصدها، لا بألفاظها، وعلى هذا فيكون بيعاً.
(وَ) الشرط الخامس: (أَنْ يُوجَدَ) المسلَم فيه (غَالِباً فِي مَحِلِّهِ) أي: وقت حلوله، باتفاق الأئمة، سواء كان موجوداً حال العقد أو معدوماً؛ لوجوب تسليمه إذًا؛ كما في حديث ابن عباس السابق: قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة والناس يسلفون في الثمر العامَ والعامين، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ ... » الحديث، فلم ينه النبي ﷺ عن السلف في التمر أو الثمر السنة والسنتين، مع أنه ينقطع.
стр. 876
فإن كان لا يوجد فيه أو يوجد نادراً؛ لم يصح؛ لأنه لا يمكن تسليمه غالبًا عند وجوبه أشبه بيع الآبق وأولى.
- فرع: (فَإِنْ) أسلم إلى وقتٍ يوجد فيه غالبًا، فـ (تَعَذَّرَ) المسلَم فيه؛ بأن لم تحمل الثمار تلك السنة، (أَوْ) تعذر (بَعْضُهُ)؛ خُيِّر رب السلم بين (صَبْرٍ) إلى أن يوجد فيطالِب به؛ لأن العقد صحيح وإنما تعذر التسليم، فهو كما لو اشترى بعيراً فشرد قبل القبض، (أَوْ) أن يفسخ العقد في الكل إن تعذر الكل، أو يفسخ البعض المتعذر؛ لأن العقد صحيح، وفساد بعض المعقود عليه لا يوجب فسادَ الكل، كما لو باع صبرتين فتلفت إحداهما.
فإن فسخ (أَخَذَ رَأْسَ مَالِهِ)؛ لأن العقد إذا زال وجب رد المثل، فإن فسخ الكل رجع به كله، وإن فسخ البعض فبقسطه، هذا إن كان رأس المال موجوداً، فإن كان معدوماً رجع بعوضه؛ لتعذر رده، وعوضه: مثل مثلي، وقيمة متقوم.
(وَ) الشرط السادس: (قَبْضُ الثَّمَنِ) تامًّا، معلوماً قدره ووصفه؛ كالمسلم فيه، (قَبْلَ التَّفَرُّقِ) من المجلس؛ استنبطه الشافعي من قوله ﷺ : «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ» أي: فليعط، قال: (لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارق من أسلفه)، وحذراً أن يصير بيع دَيْنٍ بِدَيْنٍ، فيدخل تحت النهي.
стр. 877
(وَ) الشرط السابع: (أَنْ يُسْلِمَ فِي الذِّمَّةِ (١) باتفاق الأئمة، (فَلَا يَصِحُّ) السلم (فِي عَيْنٍ)؛ كدارٍ، (وَلَا) في (ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ)؛ لحديث عبدالله بن سَلَام قال: قال رسول الله ﷺ : «بِسِعْرِ كَذَا وَكَذَا إِلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ» [ابن ماجه ٢٢٨١، وفيه ضعف]، ولأنه ربما تلف المعين قبل أوان تسليمه.
وقيل: إن كانت العين حاضرة صح، ويكون بيعًا بلفظ السلم، فيقبض ثمنه فيه.
- مسألة: (وَ) لا يشترط ذكر مكان الوفاء؛ لأنه ﷺ لم يذكره، ولأنه عقد معاوضة أشبه بيوع الأعيان، إلا أن يكون موضع العقد لا يمكن الوفاء فيه، كبريَّة وبحر ودار حرب، فيشترط ذكره؛ لتعذر الوفاء في موضع العقد، ولكن (يَجِبُ الوَفَاءُ مَوْضِعَ العَقْدِ) إن كان صالحاً للإقامة (إِنْ لَمْ يُشْرَطْ فِي غَيْرِهِ)؛ لأن العقد يقتضي التسليم في مكانه، ويصح شرط الوفاء في غير مكان العقد؛ لأنه بيع، فصح شرط الإيفاء في غير مكانه كبيوع الأعيان.
- مسألة: (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مُسْلَمٍ فِيهِ) لمن هو عليه أو غيرِه (قَبْلَ قَبْضِهِ)؛
стр. 878
لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» [أبو داود ٣٤٦٨، وابن ماجه ٢٢٨٣]، ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه قبل قبضه كالمكيل.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام وابن القيم: أنه يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته بشرطين:
١ - أن لا يربح فيه، فيبيعه بثمن المثل أو دونه، ولا يجوز بأكثر منه، قال ابن المنذر: «ثبت عن ابن عباس ﵄: «إِذَا أَسْلَفْتَ فِي طَعَامٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ، فَلَمْ تَجِدْ طَعَامًا، فَخُذْ مِنْهُ عَرَضًا بِأَنْقَصَ، وَلَا تَرْبَحْ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ» [عبد الرزاق ١٤١٢٠]، ولأن المانع من بيع الدين هو خوف العجز عن التسليم، ولا مانع هنا؛ لأن ما في ذمة المدين مقبوض له، فإذا دفع ثمنه للدائن كان ذلك بيعَ مقبوض بمقبوض، ولا يجوز بأكثر من قيمته؛ لأن دين السلم مضمون على البائع ولم ينتقل إلى ضمان المشتري، فلو باعه المشتري على المسلم إليه بزيادة، فقد ربح المشتري فيما لم يضمن، وأما حديث أبي سعيد فأعله أبو حاتم وغيره.
٢ - التقابض إذا كان مما يجري بينهما ربا النسيئة، كما لو كان المسلم فيه برًّا فاعتاض عنه بشعير.
стр. 879
- مسألة: (وَلَا) تصح (الحَوَالَةُ بِهِ) أي: بدين السلم، بأن يحيل المسلمُ إليه -وهو البائع- المسلمَ -وهو المشتري- بالمسلم فيه على آخر ليأخذه منه؛ لأنها معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه، فلم تجز كالبيع.
(وَلَا) تصح الحوالة (عَلَيْهِ)، بأن يحيل المسلِم شخصاً آخرَ له عليه دين من جنس المسلَم فيه بذلك الدين على المسلم إليه ليأخذه منه، لأنها لا تصح إلا على دين مستقر، والسلم عرضة للفسخ.
واختار ابن عثيمين: يصح أن يحال به وأن يحال عليه؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» [البخاري ٢٢٨٤، ومسلم ١٥٦٤]، وأما كون الحوالة لا تصح إلا على دين مستقر، فيأتي في الحوالة الخلاف فيه، على أن دين السلم مستقر؛ لأنه إذا تعذر تسليمه فللمسلِم الصبر أو الفسخ وأخذ الثمن كما تقدم.
- مسألة: (وَلَا) يصح (أَخْذُ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ بِهِ)، أي: بدين السلم، كأن يُسلِم في بُرٍّ ويأخذ المسلِم رهناً أو كفيلاً على ذلك، رويت كراهيته عن علي وابن عباس وابن عمر ﵃ [مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٣]، إذ وضع الرهن للاستيفاء من ثمنه عند تعذر الاستيفاء من الغريم، ولا يمكن استيفاء المسلم فيه من عين الرهن، ولا من ذمة الضامن حذرًا من أن يصرفه إلى غيره.
стр. 880
وعنه واختاره ابن قدامة وابن عثيمين: جواز أخذ الرهن والكفيل بدين السلم؛ لقول ابن عباس ﵄: «لَا بَأْسَ بِالرَّهْنِ فِي السَّلَمِ» [مصنف ابن أبي شيبة ٢٠٠١٥]، ولعدم المحظور في ذلك، ولأنه أحد نوعي البيع فجاز أخذ الرهن والكفالة به.
- مسألة: (وَلَا) يصح (أَخْذُ غَيْرِهِ) عوضاً (عَنْهُ) أي: غير المسلم فيه، وهي مسألة بيع المسلم فيه قبل قبضه، والفرق أن تلك بيعها بالنقود، وهذه بغير النقود؛ كأن يسلم إليه في بُرٍّ، فلما جاء الأجل اعتاض عنه شعيراً، والخلاف فيه على ما تقدم.
(فَصْلٌ) في القرض
بفتح القاف، وحكي كسرها، ومعناها لغة: القطع.
واصطلاحاً: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
وهو جائز بالإجماع، مندوب في حق المقرض؛ لقوله تعالى: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)، ولحديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِماً قَرْضاً مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَةِ مَرَّةٍ» [ابن ماجه ٢٤٣٠]، ولما فيه من دفع حاجة الغير.