فإن كان لا يوجد فيه أو يوجد نادراً؛ لم يصح؛ لأنه لا يمكن تسليمه غالبًا عند وجوبه أشبه بيع الآبق وأولى.
- فرع: (فَإِنْ) أسلم إلى وقتٍ يوجد فيه غالبًا، فـ (تَعَذَّرَ) المسلَم فيه؛ بأن لم تحمل الثمار تلك السنة، (أَوْ) تعذر (بَعْضُهُ)؛ خُيِّر رب السلم بين (صَبْرٍ) إلى أن يوجد فيطالِب به؛ لأن العقد صحيح وإنما تعذر التسليم، فهو كما لو اشترى بعيراً فشرد قبل القبض، (أَوْ) أن يفسخ العقد في الكل إن تعذر الكل، أو يفسخ البعض المتعذر؛ لأن العقد صحيح، وفساد بعض المعقود عليه لا يوجب فسادَ الكل، كما لو باع صبرتين فتلفت إحداهما.
فإن فسخ (أَخَذَ رَأْسَ مَالِهِ)؛ لأن العقد إذا زال وجب رد المثل، فإن فسخ الكل رجع به كله، وإن فسخ البعض فبقسطه، هذا إن كان رأس المال موجوداً، فإن كان معدوماً رجع بعوضه؛ لتعذر رده، وعوضه: مثل مثلي، وقيمة متقوم.
(وَ) الشرط السادس: (قَبْضُ الثَّمَنِ) تامًّا، معلوماً قدره ووصفه؛ كالمسلم فيه، (قَبْلَ التَّفَرُّقِ) من المجلس؛ استنبطه الشافعي من قوله ﷺ : «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ» أي: فليعط، قال: (لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارق من أسلفه)، وحذراً أن يصير بيع دَيْنٍ بِدَيْنٍ، فيدخل تحت النهي.
стр. 877
(وَ) الشرط السابع: (أَنْ يُسْلِمَ فِي الذِّمَّةِ (١) باتفاق الأئمة، (فَلَا يَصِحُّ) السلم (فِي عَيْنٍ)؛ كدارٍ، (وَلَا) في (ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ)؛ لحديث عبدالله بن سَلَام قال: قال رسول الله ﷺ : «بِسِعْرِ كَذَا وَكَذَا إِلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ» [ابن ماجه ٢٢٨١، وفيه ضعف]، ولأنه ربما تلف المعين قبل أوان تسليمه.
وقيل: إن كانت العين حاضرة صح، ويكون بيعًا بلفظ السلم، فيقبض ثمنه فيه.
- مسألة: (وَ) لا يشترط ذكر مكان الوفاء؛ لأنه ﷺ لم يذكره، ولأنه عقد معاوضة أشبه بيوع الأعيان، إلا أن يكون موضع العقد لا يمكن الوفاء فيه، كبريَّة وبحر ودار حرب، فيشترط ذكره؛ لتعذر الوفاء في موضع العقد، ولكن (يَجِبُ الوَفَاءُ مَوْضِعَ العَقْدِ) إن كان صالحاً للإقامة (إِنْ لَمْ يُشْرَطْ فِي غَيْرِهِ)؛ لأن العقد يقتضي التسليم في مكانه، ويصح شرط الوفاء في غير مكان العقد؛ لأنه بيع، فصح شرط الإيفاء في غير مكانه كبيوع الأعيان.
- مسألة: (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مُسْلَمٍ فِيهِ) لمن هو عليه أو غيرِه (قَبْلَ قَبْضِهِ)؛
стр. 878
لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» [أبو داود ٣٤٦٨، وابن ماجه ٢٢٨٣]، ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه قبل قبضه كالمكيل.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام وابن القيم: أنه يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته بشرطين:
١ - أن لا يربح فيه، فيبيعه بثمن المثل أو دونه، ولا يجوز بأكثر منه، قال ابن المنذر: «ثبت عن ابن عباس ﵄: «إِذَا أَسْلَفْتَ فِي طَعَامٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ، فَلَمْ تَجِدْ طَعَامًا، فَخُذْ مِنْهُ عَرَضًا بِأَنْقَصَ، وَلَا تَرْبَحْ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ» [عبد الرزاق ١٤١٢٠]، ولأن المانع من بيع الدين هو خوف العجز عن التسليم، ولا مانع هنا؛ لأن ما في ذمة المدين مقبوض له، فإذا دفع ثمنه للدائن كان ذلك بيعَ مقبوض بمقبوض، ولا يجوز بأكثر من قيمته؛ لأن دين السلم مضمون على البائع ولم ينتقل إلى ضمان المشتري، فلو باعه المشتري على المسلم إليه بزيادة، فقد ربح المشتري فيما لم يضمن، وأما حديث أبي سعيد فأعله أبو حاتم وغيره.
٢ - التقابض إذا كان مما يجري بينهما ربا النسيئة، كما لو كان المسلم فيه برًّا فاعتاض عنه بشعير.
стр. 879
- مسألة: (وَلَا) تصح (الحَوَالَةُ بِهِ) أي: بدين السلم، بأن يحيل المسلمُ إليه -وهو البائع- المسلمَ -وهو المشتري- بالمسلم فيه على آخر ليأخذه منه؛ لأنها معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه، فلم تجز كالبيع.
(وَلَا) تصح الحوالة (عَلَيْهِ)، بأن يحيل المسلِم شخصاً آخرَ له عليه دين من جنس المسلَم فيه بذلك الدين على المسلم إليه ليأخذه منه، لأنها لا تصح إلا على دين مستقر، والسلم عرضة للفسخ.
واختار ابن عثيمين: يصح أن يحال به وأن يحال عليه؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» [البخاري ٢٢٨٤، ومسلم ١٥٦٤]، وأما كون الحوالة لا تصح إلا على دين مستقر، فيأتي في الحوالة الخلاف فيه، على أن دين السلم مستقر؛ لأنه إذا تعذر تسليمه فللمسلِم الصبر أو الفسخ وأخذ الثمن كما تقدم.
- مسألة: (وَلَا) يصح (أَخْذُ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ بِهِ)، أي: بدين السلم، كأن يُسلِم في بُرٍّ ويأخذ المسلِم رهناً أو كفيلاً على ذلك، رويت كراهيته عن علي وابن عباس وابن عمر ﵃ [مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٣]، إذ وضع الرهن للاستيفاء من ثمنه عند تعذر الاستيفاء من الغريم، ولا يمكن استيفاء المسلم فيه من عين الرهن، ولا من ذمة الضامن حذرًا من أن يصرفه إلى غيره.
стр. 880
وعنه واختاره ابن قدامة وابن عثيمين: جواز أخذ الرهن والكفيل بدين السلم؛ لقول ابن عباس ﵄: «لَا بَأْسَ بِالرَّهْنِ فِي السَّلَمِ» [مصنف ابن أبي شيبة ٢٠٠١٥]، ولعدم المحظور في ذلك، ولأنه أحد نوعي البيع فجاز أخذ الرهن والكفالة به.
- مسألة: (وَلَا) يصح (أَخْذُ غَيْرِهِ) عوضاً (عَنْهُ) أي: غير المسلم فيه، وهي مسألة بيع المسلم فيه قبل قبضه، والفرق أن تلك بيعها بالنقود، وهذه بغير النقود؛ كأن يسلم إليه في بُرٍّ، فلما جاء الأجل اعتاض عنه شعيراً، والخلاف فيه على ما تقدم.
(فَصْلٌ) في القرض
بفتح القاف، وحكي كسرها، ومعناها لغة: القطع.
واصطلاحاً: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
وهو جائز بالإجماع، مندوب في حق المقرض؛ لقوله تعالى: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)، ولحديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِماً قَرْضاً مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَةِ مَرَّةٍ» [ابن ماجه ٢٤٣٠]، ولما فيه من دفع حاجة الغير.
стр. 881
ومباح للمقترض، وليس من المسألة المكروهة؛ لحديث أبي رافع ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْراً» [مسلم ١٦٠٠]، ولو كان مكروهاً كان أبعد الناس منه.
- مسألة: (وَكُلُّ مَا صَحَّ بَيْعُهُ) من نقد أو عرض (صَحَّ قَرْضُهُ)، سواء كان مكيلاً أو موزونًا إجماعاً، قاله في الشرح، أو كان غير مكيل ولا موزون؛ لحديث أبي رافع السابق، والحيوان ليس بمكيل ولا موزن، (إِلَّا):
١ - (بَنِي آدَمَ) فلا يصح قرضهم، ولا يخلو ذلك:
أأن تكون جارية: فلا يصح قرضها باتفاق الأئمة؛ لأنه يفضي إلى أن يقترض جارية يطأها ثم يردها.
ب أن يكون ذكراً: فلا يصح قرضه كذلك، لأنه لم ينقل، ولا هو من المرافق.
٢ - المنافعَ، فلا يصح قرضها؛ لأنه غير معهود في العادة والعرف.
واختار شيخ الإسلام: يجوز قرض المنافع، مثل أن يحصد معه يومًا، ويحصد معه الآخر يومًا، أو يسكنه دارًا ليسكنه الآخر بدلها؛ لأن الأصل في المعاملات الإباحة، وقياساً على العارية بشرط العوض.
- مسألة: (وَيَجِبُ) على المقترض (رَدُّ مِثْلِ فُلُوسٍ) اقترضها ولم تحرم المعاملة بها، غلت أو رخصت أو كسدت؛ لأنها مثلية.
стр. 882
فإن حرَّمها السلطان ومنع التعامل بها فللمقرض قيمتها وقت القرض؛ لأنه كالعيب.
واختار ابن عثيمين: للمقرض قيمتها وقت المنع؛ لأنه يوم الانتقال من المثل إلى القيمة.
- مسألة: (وَ) يجب على المقترض رد مثل (مَكِيْلٍ، وَ) مثل (مَوْزُونٍ)، إجماعًا؛ لأنها مثليات، والمثل أقرب شبهًا من القيمة، ويرد القيمة في غير المتقومات.
- ضابط: المثلي: هو كل مكيلٍ، وكل موزونٍ، لا صناعة فيه مباحة، يصح السلم فيه، والقيمي ما عدا ذلك.
وعلى هذا فيخرج من المثلي:
- غير المكيل والموزون؛ كالمذروع والمعدود ونحوهما كالحيوان والثياب، فليس بمثلي؛ لأن أجزاءه وصفاته تختلف، فالقيمة فيها أعدل وأقرب إليها، فكانت أولى.
- ما فيه صناعة مباحة؛ كصوف مغزول، وبرٍّ مطبوخ، ونحوهما، فليس بمثلي؛ لأن الصناعة تؤثر في قيمته وهي مختلفة، فالقيمة فيه أقرب.
- ما لا يصح السلم فيه، لعدم إمكان ضبطه بالصفة؛ كالجواهر؛ لما تقدم في المعدود والمذروع.
стр. 883
واختار ابن عثيمين: المثلي ما يوجد مثله في الأسواق بدون تفاوت يعتد به، والقيمي: ما عدا ذلك؛ لحديث أنس ﵁ قال: أهدت بعض أزواج النبي ﷺ إلى النبي ﷺ طعامًا في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها، فألقت ما فيها، فقال النبي ﷺ : «طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ» [الترمذي ١٣٥٩]، والإناء ليس بمكيل ولا بموزون.
- فرع: (فَإِنْ فُقِدَ) المِثْل (فَـ) يلزم المقترضَ (قِيمَتُهُ) أي: قيمة المثل؛ لأنه إذا تعذر الأصل رجعنا إلى البدل، ولا يخلو زمن اعتبار القيمة من أمرين:
١ - أن يكون مثليًّا: فإذا تعذر وجبت قيمته (يَوْمَ فَقْدِهِ)؛ لأنها حينئذ تثبت في الذمة.
وقال شيخ الإسلام: ويتوجه في المتقوم أن يجوز رد المثل بتراضيهما؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما.
٢ - أن يكون غير مثلي: وأشار إليه بقوله: (وَ) يلزمه (قِيمَةُ غَيْرِهَا) أي: قيمة غير المثليات، ولا تخلو من أمرين:
أ) ما لا يصح السلم فيه مما لا ينضبط بالصفة؛ كجوهر ونحوه: فتعتبر قيمته (يَوْمَ قَبْضِهِ)؛ لأنها تختلف قيمتها في الزمن اليسير باعتبار قلة الراغب وكثرته، فتنقص فيتضرر المقترض، وتزيد زيادة كثيرة فيتضرر المقرض.
стр. 884
ب) ما يصح السلم فيه؛ كمذروع ومعدود: تعتبر قيمته يوم قرضه، ولو لم يقبضه حين القرض؛ لأنها تثبت في ذمته يوم القرض (١).
- مسألة: المنفعة في القرض تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن تكون المنفعة مشروطة: وأشار إليها بقوله: (وَيَحْرُمُ) اشتراط (كُلِّ شَرْطٍ يَجُرُّ نَفْعاً)؛ كأن يسكنه داره أو يقضيه خيراً منه؛ لورود ذلك عن ابن مسعود وفَضَالة بن عُبيد ﵄ [البيهقي ٥/ ٥٧٣]؛ ولأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، وصار عقد معاوضة، فيكون قد اشتمل على ربا الفضل وربا النسيئة، قال ابن المنذر: (أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربًا).
القسم الثاني: أن تكون المنفعة غير مشروطة، وتكون عند الوفاء أو بعده: وأشار إليه بقوله: (وَإِنْ وَفَّاهُ أَجْوَدَ) مما أخذ في الصفة؛ فجائز؛
стр. 885
كما لو استقرض بُرًّا جيدًا فوفَّاه أجود منه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجل على رسول الله ﷺ حق، فأغلظ له، فَهَمَّ به أصحاب النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا»، فقال لهم: «اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ»، فقالوا: إنا لا نجد إلا سنًّا هو خير من سِنِّه، قال: «فَاشْتَرُوهُ، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ، أَوْ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» [البخاري ٢٣٠٦، ومسلم ١٦٠١]، ولأنه لم يجعله عوضًا في القرض، ولا وسيلة إليه ولا إلى استيفاء دينه، أشبه ما لو لم يكن قرض.
وأما إن وفاه أكثر منه في القدر، كما لو استقرض ألف دينار ثم ردها ألفاً ومائة، فلا يجوز؛ لأنه قرض جر نفعاً، فكان ربًا، إلا إن كانت أرجح يسيرًا في قضاء ذهب أو فضة (١)، فيجوز؛ لحديث سُوَيد بن قيس ﵁ قال: جلبت أنا ومخرفة العبدي، بَزًّا من هَجَرٍ، فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله ﷺ
стр. 886
يمشي، فساوَمَنا بسراويلَ، فبعناه، وَثَمَّ رجل يَزِنُ بالأجر، فقال له رسول الله ﷺ : «زِنْ وَأَرْجِحْ» [أحمد ١٩٠٩٩، وأبوداود ٣٣٣٦، والترمذي ١٣٠٥، والنسائي ٤٦٠٦]، وهذا يحمل على الزيادة اليسيرة.
واختار ابن قدامة، وصرح في الإقناع: جواز الزيادة في القدر والصفة؛ لإطلاق حديث أبي هريرة وسويد بن قيس ﵄ السابقين، ولأنه إذا جاءت الزيادة في الصفة جازت في العدد، إذ لا فرق.
القسم الثالث: أن تكون هدية بلا شرط، فلا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون ذلك عند الوفاء أو بعده: فجائز؛ لما سبق في القسم الثاني، وأشار إليه: بقوله: (أَوْ أَهْدَى إِلَيْهِ هَدِيَّةً بَعْدَ وَفَاءٍ بِلَا شَرْطٍ: فَلَا بَأْسَ).
الثاني: أن يكون ذلك قبل الوفاء، فلا يجوز إلا في ثلاث حالات:
أإذا نوى احتساب ذلك من الدين؛ لما روى سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إنه كان جارَ سَمَّاكٍ، فأقرضتُه خمسين درهماً، وكان يبعث إليَّ من سمكه، فقال ابن عباس: «حَاسِبْهُ، فَإِنْ كَانَ فَضْلًا فَرُدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ كَفَافًا، فَقَاصِصْهُ» [عبد الرزاق ١٤٦٥١].
ب- إذا نوى مكافأته عليها؛ للأثر السابق.
ت- إذا كانت العادة جارية بين المقرض والمقترض بالإهداء؛ لحديث
стр. 887
أنس ﵁ مرفوعاً: «إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا، فَأَهْدَى لَهُ، أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَرْكَبْهَا وَلَا يَقْبَلْهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ» [ابن ماجه ٢٤٣٢، وحسنه شيخ الإسلام].
القسم الرابع: في الضيافة: فلا تخلو من أمرين:
الأول: أن تكون عند الوفاء أو بعده: فجائز؛ لما سبق.
الثاني: أن تكون قبل الوفاء، كالدعوة إلى طعام ونحوه، فلا تخلو من أمرين:
أأن تكون الدعوة عامة لا يُقصد بها المقرِض: كوليمة العرس أو طعام العقيقة، فيجوز له الأكل منها كغيره.
ب أن تكون الدعوة خاصة للمقرِض: فحكمها حكم الهدية قبل الوفاء على ما سبق.
(فَصْلٌ) في الرهن
هو لغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن، أي: راكد
وشرعاً: توثقة دين بعين، يمكن استيفاء الدين منها أو من ثمنها.
وهو جائز بالإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا
стр. 888
فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ويجوز في الحضر والسفر، وذِكْر السفر في الآية خرج مخرج الغالب؛ لكون الكاتب يعدم في السفر غالباً، ولذلك لم يشترط عدم الكاتب مع ذكره فيها.
وليس الرهن بواجب إجماعاً؛ لأنه وثيقة بالدَّين، فلم يجب كالضمان.
- مسألة: (وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ) من الأعيان (جَازَ رَهْنُهُ)؛ لأن المقصود منه الاستيثاق بالدين ليتوصل إلى استيفائه من ثمن الرهن عند تعذر استيفائه من الرهن، وهذا يتحقق في كل عين يصح بيعها.
فلا يصح:
١ - رهن المنافع؛ لأن مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمنه، والمنافع تَهلِك إلى حلول الحق.
واختار ابن عثيمين: يجوز رهن المنافع؛ لأنه يجوز عقد العوض عليها، فتؤجر العين المرهونة، وتجعل أجرتها رهناً.
٢ - رهن ما لا يصح بيعه- كالوقف والكلب- لا يصح رهنه؛ لعدم حصول مقصود الرهن منه.
ويستثنى أمران:
الأول: الثمر والزرع قبل بدو الصلاح، وأشار إليه بقوله: (وَكَذَا) يصح رهن (ثَمَرٍ وَزَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُمَا) بلا شرط قطع؛ لأن النهي عن البيع إنما
стр. 889
كان لعدم الأمن من العاهة، وهذا مفقود هنا، وبتقدير تلفهما لا يفوت حق المرتهن من الدين؛ لتعلقه بذمة الراهن.
(وَ) الثاني: يصح رهن (قِنٍّ) ذكر أو أنثى (دُونَ وَلَدِهِ وَنَحْوِهِ)؛ كوالده وأخيه، وعكسه، فيصح رهن ولدها ونحوه دونها؛ لأن النهي عن بيع ذلك إنما هو لأجل التفريق بين ذي الرحم المحرم، وذلك مفقود هنا، فإنه إذا استحق بيع الرهن بِيعَا معاً؛ دفعاً لتلك المفسدة.
- مسألة: (وَيَلْزَمُ) الرهن (فِي حَقِّ رَاهِنٍ) فقط؛ لأن الحظ فيه لغيره، فلزم من جهته، كالضمان في حق الضامن، وجائز في حق المرتهن؛ لأن الحظ فيه له وحده، فكان له فسخه كالمضمون عنه.
- مسألة: لا يلزم الرهن في حق الراهن إلا (بِقَبْضٍ)؛ كقبض المبيع، على ما تقدم من بيان صفته؛ لقوله تعالى: (فرهان مقبوضة) [البقرة: ٢٨٣]؛ ولأنه عقد إرفاق يفتقر إلى القبول فافتقر إلى القبض كالقرض.
وعنه واختاره ابن عثيمين: أن الرهن يلزم بمجرد العقد؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: ١]، وهذا يدخل فيه عقد الرهن سواء قبض المرهون أم لم يقبض، وأما قوله تعالى: (فرهان مقبوضة)، فليس فيه اشتراط القبض، بل كون القبض من كمال التوثقة.
- مسألة: التصرف بالعين المرهونة بعد لزومها لا يخلو من أمرين:
стр. 890
الأمر الأول: أن يكون التصرف من قِبَل المرتهن: فلا يصح تصرفه في العين المرهونة ببيع، أو وقف، أو إجارة إلا بإذن الراهن؛ لأن المرتهن ليس مالكاً، وإنما له حق التوثق فقط، فإن أذن له الراهن جاز؛ لأنه ملكه وقد أذن له في التصرف فيه.
الأمر الثاني: أن يكون التصرف من قبل الراهن، فتصرفه على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تصرفه بالعين المرهونة فيما ينقل الملك: كالبيع والوقف والهبة ونحو ذلك، فلا يصح إلا بإذن المرتهن؛ لأنه تصرف يبطل حق المرتهن من الوثيقة، وليس بمبني على السراية والتغليب، فلم يصح بغير إذن المرتهن، كفسخ الرهن.
فإن أذن المرتهن جاز؛ لأن الحق له وقد أسقطه بالإذن، وبطل الرهن إلا إن اشترط أن يجعل ثمنه رهناً.
القسم الثاني: تصرفه في منافع العين المرهونة بإجارة أو عاريَّة، فلا يخلو من أمرين:
أ-أن يأذن المرتهن: فيصح، وتكون الأجرة رهناً تبعاً للعين.
ب- إن لم يأذن المرتهن: فلا يصح؛ لأنه يُفوِّت على المرتهن حقه، وتبقى المنافع معطلة.
стр. 891
واختار في الرعاية، وابن عثيمين: لا يتعطل، ويجبر من أبى منهما الإيجار؛ لأن فيه فائدة للراهن والمرتهن، أما الراهن فلكي لا تضيع هذه المنفعة، وأما المرتهن فلأن الأجرة تكون رهناً مع العين المرهونة، لكن قال ابن عثيمين: بشرط أن يكون على وجه لا يضيع به حق المرتهن؛ لأن ذلك يضر به.
وأشار المؤلف إلى ما سبق بقوله: (وَتَصَرُّفُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ) أي: في الرهن (بِغَيْرِ إِذْنِ الآخَرِ بَاطِلٌ).
القسم الثالث: تصرفه في عتق العين المرهونة، وأشار إليه بقوله: (إِلَّا عِتْقَ رَاهِنٍ)، فيحرم؛ لما فيه من إبطال حق المرتهن من الوثيقة، وينفذ العتق ولو بلا إذن المرتهن، سواء كان الراهن معسراً أو موسراً؛ لأنه إعتاق من مالك تام الملك فنفذ كعتق المستأجر؛ ولأنه مبني على السراية والتغليب، (وَتُؤْخَذُ قِيمَتُهُ) أي: الرهن المعتَق (مِنْهُ) أي: الراهن (رَهْناً) مكانه؛ لأنها بدل عنه.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: لا ينفذ العتق؛ لأنه يبطل حق الوثيقة من الرهن، فلم يصح كالبيع.
- مسألة: (وَهُوَ) أي: الرهن (أَمَانَةٌ فِي يَدِ مُرْتَهِنٍ)؛ لحديث أبي هريرة
стр. 892
رضي الله عنه مرفوعاً: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» [ابن حبان ٥٩٣٤، والحاكم ٢٣١٥، والدارقطني ٢٩٢٠]، فدل على أن الغرم على الراهن لا المرتهن، ولأنه لو ضمن لامتنع الناس من فعله خوفًا من الضمان، وذلك وسيلة إلى تعطيل المداينات، وفيه ضرر عظيم.
فإِن تلف من غير تعدٍّ ولا تفريط من المرتهن فلا شيء عليه؛ لأنه أمانة في يده كالوديعة، وإن تعدى أو فرط ضمن.
- مسألة: (وَإِنْ رَهَنَ) ما يصح رهنه (عِنْدَ اثْنَيْنِ) بدين لهما (فَوَفَّى أَحَدَهُمَا) دينَه انفك في نصيبه؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة عقدين، فكأنه رهن كلَّ واحد منهما النصفَ منفرداً.
(أَوْ رَهَنَاهُ) أي: رهن اثنان واحداً شيئاً (فَاسْتَوْفَى مِنْ أَحَدِهِمَا) ما عليه (انْفَكَّ) الرهن (فِي نَصِيبِهِ) أي: نصيب من وفاه؛ لأن الراهن متعدد فتعلق على كل منهما بنصيبه؛ كتعدد العقد.
- مسألة: (وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ) لزم الراهنَ الإيفاءُ كالدين الذي لا رهن به، (وَ) إن (امْتَنَعَ) راهن (مِنْ وَفَائِهِ) لم يخل من أمرين:
стр. 893
الأول: وأشار إليه بقوله: (فَإِنْ كَانَ أَذِنَ) الراهن (لِمُرْتَهِنٍ فِي بَيْعِهِ: بَاعَهُ)؛ لأنه مأذون له فيه، فلا يحتاج لتجديد إذن من الراهن، ووفَّى الدين من ثمنه؛ لأنه المقصود بالبيع، وإن فضل من ثمنه شيء فلمالكه، وإن بقي منه شيء فعلى الراهن.
الثاني: (وَإِلَّا) يأذنْ في البيع ولم يوفِ:
١ - (أُجْبِرَ) أي: أجبره الحاكم (عَلَى الوَفَاءِ، أَوْ بَيْعِ الرَّهْنِ)؛ للوفاء من ثمنه؛ لأن هذا شأن الحاكم.
٢ - (فَإِنْ أَبَى) الراهن الوفاء أو البيع: (حُبِسَ أَوْ عُزِّرَ)؛ ليبيعه أو يوفي الدين؛ لأن ذلك من صلاحيات الحاكم، وهو طريق إلزامه بالحق.
٣ - (فَإِنْ أَصَرَّ) ولم يبعه (بَاعَهُ حَاكِمٌ، وَوَفَّى دَيْنَهُ)؛ لأنه حق تعين عليه، فقام الحاكم مقامه فيه، وليس للمرتهن بيعه إلا بإذن ربه أو الحاكم.
- فرع: (وَ) حكم مدين (غَائِبٍ كَـ) حكم مدين (مُمْتَنِعٍ)، فيبيع الحاكم عليه ويوفي الدين؛ لأنه له ولاية على مال الغائب، ولا يبيعه مرتهن إلا بإذن ربه أو الحاكم.
стр. 894
- مسألة: (وَإِنْ شَرَطَ) راهن (أَلَّا يُبَاعَ) الرهن (إِذَا حَلَّ الدَّيْنُ)؛ لم يصح الشرط؛ لمنافاته مقتضى العقد، والرهن صحيح؛ لحديث أبي هريرة السابق: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ»، فنفى ﷺ غلق الرهن دون أصله، فدل على صحته، وقيس عليه سائر الشروط الفاسدة.
- مسألة: (أَوْ) شرط (إِنْ جَاءَهُ بِحَقِّهِ فِي وَقْتِ كَذَا، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ) أي: للمرتهن (بِالدَّيْنِ) الذي له على الراهن؛ (لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ) وحده؛ لحديث أبي هريرة: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ»، وفسره الإمام بذلك، ويصح الرهن؛ لما سبق.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: يصح العقد والشرط؛ لأن المسلمين على شروطهم، والأصل في الشروط والعقود الصحة، وأما غَلَقُ الرهن فهو ما لم يكن باختياره ورضًا، فإن كان برضاه لم يكن من غلق الرهن.
- مسألة: انتفاع المرتهن بالرهن لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون ذلك بإذن الراهن: فللمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة بشرط ألا يكون سبب الرهن هو القرض، فإن كان قرضاً لم يجز للمرتهن الانتفاع به؛ لأنه يكون قرضاً جرَّ نفعاً، إلا إن كان يريد أن يحتسبه من دينه أو يكافئه به، على ما تقدم.
الأمر الثاني: ألا يكون ذلك بإذن الراهن، فعلى ثلاثة أقسام:
стр. 895
القسم الأول: أن يكون الرهن حيواناً يُحلب أو يُركب، كفرس وبعير، واسترضاع الأمة فقال ﵀: (وَلِمُرْتَهِنٍ أَنْ يَرْكَبَ مَا يُرْكَبُ) بقدر نفقته متحرياً العدل؛ لئلا يحيف على الراهن، بلا إذن راهن، (وَ) له أن (يَحْلُبَ مَا يُحْلَبُ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ) متحرياً العدل أيضاً، (بِلَا إِذَنِ) راهن؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ، إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» [البخاري ٢٥٢١]، وسواء أنفق المرتهن مع تعذر النفقة من الراهن بسبب غَيبة أو امتناع أو غيرهما، أو أنفق مع القدرة على أخذ النفقة من الراهن أو استئذانه؛ لعموم الخبر.
- فرع: لا يخلو ذلك من ثلاث حالات:
١ - أن تكون النفقة مقابلة للحليب وللركوب عليها: فهذا لا له ولا عليه.
٢ - أن تكون النفقة أكثر من الحليب وللركوب عليها: فإن المرتهن يرجع بالنفقة على الراهن إن نوى الرجوع عليه؛ لأنه قام عنه بواجب (١).
стр. 896
وسبق اختيار شيخ الإسلام: أن من أدى عن غيره واجباً أنه يرجع ما لم ينو التبرع.
٣ - أن يكون الحليب أكثر من النفقة: باعه المأذون له من مرتهن أو غيره؛ لقيامه مقام المالك، وإلا باعه الحاكم؛ لقيامه مقامه، إذ لو تركه لفسد.
القسم الثاني: أن يكون حيوانًا غير مركوب ولا محلوب: كعبدٍ وثور، فلا يجوز للمرتهن أن ينتفع به إلا بالإذن، لاقتضاء القياس أن لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء، تركناه في المركوب والمحلوب للخبر.
القسم الثالث: انتفاع المرتهن بالرهن إذا كان غير حيوان: فلا يملك المرتهن الانتفاع بالرهن بلا إذن الراهن باتفاق الأئمة؛ لحديث أبي بَكْرَةَ ﵁، وفيه قوله ﷺ : «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [البخاري ٦٧، ومسلم ١٦٧٩].
- مسألة: (وَإِنْ أَنْفَقَ) المرتهن (عَلَيْهِ) أي: على الرهن إن كان غير مركوب ولا محلوب لم يخل من أمرين:
الأول: أن ينفق عليه (بِلَا إِذَنِ رَاهِنٍ مَعَ إِمْكَانِهِ) أي: قدرته على استئذانه (لَمْ يَرْجِعْ) مطلقاً، ولو نوى الرجوع؛ لأنه مفرط حيث لم يستأذن المالك، إذ الرجوع فيه معنى المعاوضة فافتقر إلى الإذن والرضا، كسائر المعاوضات.
стр. 897
والثاني: (وَإِلَّا) يمكنِ استئذان الراهن لنحو غَيْبَة، لم يخلُ من ثلاث أحوال:
١ - إن نوى الرجوع: (رَجَعَ) على الراهن؛ لأنه قام عنه بواجب، وهو محتاج إليه لحرمة حقه، ولو لم يستأذن الحاكم؛ لاحتياجه لحراسة حقه، ويرجع (بِالأَقَلِّ مِمَّا أَنْفَقَهُ) على الرهن، (وَنَفَقَةِ مِثْلِهِ إِنْ نَوَاهُ) أي: نوى الرجوع، فإن كانت نفقة مثله خمسة، وأنفق أربعة، رجع بالأربعة؛ لأنها التي أنفقها، وإن كانت بالعكس رجع أيضاً بالأربعة؛ لأن الزائد على نفقة المثل تبرع.
٢ - إن نوى التبرع: لم يرجع؛ لأنه لا يجوز أن يرجع في تبرعه؛ لحديث عمر ﵁ قال: حملتُ على فرس عتيق في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» [البخاري: ٢٩٧١، ومسلم: ١٦٢٠].
٣ - إن لم ينو شيئاً: لم يرجع أيضاً؛ لأنه يكون متبرعاً.
واختار شيخ الإسلام: له الرجوع ما لم ينو التبرع، سواء عَجَزَ عن استئذانه أو لم يَعْجِزْ؛ لقوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، فأوجب ذلك عليه ولم يشترط عقداً ولا إذناً.
стр. 898
- فرع: (وَ) حكم النفقة على (مُعَارٍ، وَمُؤْجَرٍ، وَمُودَعٍ كَـ) حكم (رَهْنٍ) على ما سبق تفصيله؛ لأنها أمانة فأشبهت الرهن.
- مسألة: (وَلَوْ خَرِبَ) رهن كدارٍ انهدمت (فَعَمَرَهُ) المرتهن بغير إذن الراهن (رَجَعَ بِآلَتِهِ فَقَطْ) كخشب وحجارة ونحوها؛ لأنها عين ماله، لم تخرج عن ملكه، ولا يرجع بما أنفقه في عمارتها؛ كأجرة المعمرين ونحوها، ولو نوى الرجوع؛ لأن العمارة ليست بواجبة على الراهن، فلم يكن لغيره أن ينوب عنه، بخلاف النفقة على الحيوان.
وقال ابن عثيمين: إن عَمَرَه بما يكفي لتوثيق دينه فقط يرجع، وإن كان بأزيدَ لم يرجع؛ لأنه ليس في ضرورة إلى أن يَعْمُرَه بأكثرَ مما يوثق الدين، وهذا القول قول وسط بين القولين (١).
стр. 899
(فَصْلٌ) في الضمان
مأخوذ من الضمن، فذمة الضامن في ضمن ذمة المضمون عنه.
وشرعاً: التزام من يصح تبرعه ما وجب أو ما يجب على غيره، مع بقائه على الغير.
وهو ثابت بالإجماع، وسنده قوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) [يوسف: ٧٢]، قال ابن عباس ﵄: «الزَّعِيمُ: الكَفِيلُ» [تفسير الطبري ١٣/ ٢٥٣]، ولحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» [أحمد ٢٢٢٩٥، وأبو داود ٣٥٦٥، والترمذي ١٢٦٥، وابن ماجه ٢٤٠٥].
- مسألة: (وَيَصِحُّ ضَمَانُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) وهو الحر المكلف الرشيد؛ لأنه إيجاب مال، فلا يصح من:
- صغير، ولا سفيه؛ لأنه إيجاب مال فلم يصح منهما؛ كالبيع والشراء.
- قنٍّ ومكاتَب؛ لأنه تبرع، إلا بإذن سيدهما؛ كما لو أذن لهما في التصرف؛ لأن الحجر عليهما لحقِّه، فإذا أذن انفك.
- مسألة: يصح ضمان في (مَا وَجَبَ) على الغير؛ كقرض وثمن مبيع؛ لما تقدم من أدلة مشروعية الضمان، (أَوْ) ما (سَيَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ)، بأن يضمن ما
стр. 900
سوف يداينه زيد لعمرو ونحوه؛ لقوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم)، فدلت على ضمان حمل البعير، مع أنه لم يجب.
فيصح ضمانهما مع بقائهما على المضمون عنه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» [أحمد ١٠٥٩٩، والترمذي ١٠٧٨، وابن ماجه ٢٤١٣].
- مسألة: (لَا) يصح ضمان (الأَمَانَاتِ) كوديعة، وعين مؤجرة، ومال شركة؛ لأنها غير مضمونة على صاحب اليد فكذا ضامنه، (بَلْ) يصح ضمان (التَّعَدِّي فِيهَا)، أي: الأمانات؛ لأنها حينئذ تكون مضمونة على من هي بيده؛ كالمغصوب.
- مسألة: (وَلَا) يصح ضمان (جِزْيَةٍ)، بعد وجوبها ولا قبله، من مسلم أو كافر؛ لفوات الصَّغار إذا استوفيت من الضامن.
- مسألة: (وَشُرِطَ) لصحة الضمان: (رِضَا ضَامِنٍ فَقَطْ)؛ لأن الضمان تبرع بالتزام الحق، فاعتبر له الرضا؛ كالتبرع بالأعيان.
ولا يعتبر لصحة الضمان رضا المضمون له؛ لحديث سلمة بن الأكوع ﵁: أن النبي ﷺ أُتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ »، قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أُتي بجنازة أخرى، فقال: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ »، قالوا: نعم، قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، قال أبو قتادة: عليَّ دينه يا رسول
стр. 901
الله، فصلى عليه. [البخاري ٢٢٩٥]، فضمن أبو قتادة الميت بغير رضا المضمون له، وأقره النبي ﷺ عليه.
ولا يعتبر رضا المضمون عنه، قال في المبدع: (بغير خلاف نعلمه)؛ لحديث أبي قتادة ﵁ السابق في ضمانه عن الميت؛ ولأنه لو قُضي الدين عنه بغير إذنه ورضاه صح، فكذا إذا ضمن عنه.
- مسألة: (وَلِرَبِّ حَقٍّ) أي: للمضمون (مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) أي: من الضامن أو من المضمون عنه، وله مطالبتهما معًا، في الحياة والموت، سواء كان المضمون عنه مليئاً باذلًا أم لا؛ لأن الحق ثابت في ذمتهما، فملك مطالبه من شاء منهما؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ».
- مسألة: إن برئت ذمة المضمون عنه من الدين بإبراء أو قضاء أو حوالة ونحوها؛ برئت ذمة الضامن، قال في الشرح: (لا نعلم فيه خلافًا)؛ لأنه تَبَع له، لا عكسه، فلا يبرأ المضمون ببراءة الضامن؛ لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع.
واختار السعدي وقواه ابن القيم: ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذر عليه مطالبة المضمون عنه؛ لأن الضامن فرع، والمضمون عنه أصل، وقاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول؛ كالتراب في الطهارة والصوم في كفارة اليمين، وأما حديث: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» فلا عموم
стр. 902
له، ولا يدل على أنه غارم في جميع الأحوال، ولهذا لو أدى الأصيل لم يكن غارماً.
فصل في الكفالة
تَكَفَّلت بالمال: التزمت به، وألزمته نفسي.
وشرعاً: التزام رشيد إحضارَ من عليه حق مالي لربه.
- مسألة: (وَتَصِحُّ الكَفَالَةُ)؛ لقوله تعالى: (قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم) [يوسف: ٦٦]، ولأن الحاجة داعية إلى الاستيثاق بضمان المال أو البدن، وضمان المال يمتنع منه كثير من الناس، فلو لم تَجُزِ الكفالة بالنفس لأدى إلى الحرج وعدم المعاملات المحتاج إليها.
- مسألة: تصح الكفالة:
١ - (بِـ) إحضار (بَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ مَالِيٌّ) باتفاق الأئمة، كدين لازمٍ أو يؤول إلى اللزوم، كما تقدم في الضمان، معلوماً كان الدَّين أو مجهولاً إذا كان يؤول إلى العلم؛ لأن كلًّا منهما حق مالي.
стр. 903
٢ - (وَ) تصح (بِـ) إحضار بدن (كُلِّ) من عنده (عَيْنٌ يَصِحُّ ضَمَانُهَا)؛ كالغُصُوب؛ لما تقدم.
- مسألة: (وَشُرِطَ رِضَا كَفِيلٍ فَقَطْ) باتفاق الأئمة؛ لأنه لا يلزمه الحق ابتداء إلا برضاه.
ولا يعتبر رضا مكفول به؛ لأنها وثيقة لا قبض فيها، فصحت من غير رضاه كالشهادة، ولا يعتبر أيضاً رضا مكفول له؛ كالضمان.
- مسألة: تحصل براءة الكفيل بأمور:
الأول: بموت المكفول، وأشار إليه بقوله: (فَإِنْ مَاتَ) المكفول برئ الكفيل باتفاق الأئمة؛ لأن الحضور سقط عنه.
واختار شيخ الإسلام: لا يبرأ بل يلزمه الضمان المالي، ؛ لأن العقود مبنية على التراضي، وصاحب الحق لم يرض بالعقد إلا في حال توثيقه، فإذا برئ الكفيل كان منافياً لمفهوم الرضا في العقد، إلا إذا اشترط الكفيل عدم الضمان بموت المكفول، فإنه يبرأ.
الثاني: تلف العين، وأشار إليه بقوله: (أَوْ تَلِفَتِ العَيْنُ) المكفول بها (بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى قَبْلَ طَلَبٍ) لا بعده (بَرِئَ) الكفيل؛ لأن تلفها بمنزلة موت المكفول به.
стр. 904
فإن تلفت بفعل آدمي فعلى المتلِف بدلُها ولم يبرأ الكفيل.
الثالث: إذا سلم المكفولُ نفسَه لرب الحق في محل التسليم وأجلِه؛ برئ الكفيل؛ لأن الأصيل أدى ما على الكفيل؛ أشبه ما لو قضى المضمون عنه الدين.
الرابع: أداء الدين، سواء من المدين أو الكفيل؛ لأن ما عليهما من الحق زال تعلقه بهما بوفائه.
الخامس: إذا سلم الكفيلُ المكفولَ بمحل العقد وقد حل الأجل، أو لم يحل الأجل ولم يكن هناك ضرر على المكفول له في قبضه وليس ثَمَّ يد حائلة ظالمة.
قال شيخ الإسلام: إن كان المكفول في حبس الشرع فسلمه الكفيل إليه في الحبس؛ برئ الكفيل، ولا يلزمه إحضاره من الحبس إليه عند أحد من الأئمة، ويمكِّنه الحاكم من الإخراج ليحاكم غريمه ثم يرده إلى الحبس.
السادس: إذا أحال رب الحق على المضمون عنه بدينه، أو أحال المضمون عنه رب الحق بدينه؛ برئ الضامن؛ لأن الحوالة استيفاء في المعنى، سواء استوفى المحال به أو لا.
السابع: إذا زال العقد بتقايل أو غيره؛ برئ الكفيل؛ لبراءة الغريم بزوال العقد.
стр. 905
- مسألة: الفرق بين الضمان والكفالة:
١ - أن الضمان ضمان للمال، وأما الكفالة فهي ضمان للبدن، أي: تكفل إحضاره، فإذا تعذر على الكفيل إحضار المكفول؛ فإنه تنتقل المطالبة من البدن إلى المال إن لم يشترط البراءة منه.
٢ - إذا مات المكفول فإن الكفيل يبرأ، وأما الضمان فإن المضمون عنه لو مات لا يبرأ الضامن، وللمضمون له أن يطالب الضامن والمضمون عنه في الحياة والممات.
٣ - إذا تلفت العين المكفول بها بفعل الله قبل الطلب؛ فإن الكفيل يبرأ، ولا يبرأ الضامن.
فصل في الحوالة
بفتح الحاء وكسرها، واشتقاقها من التحول؛ لأنها تحول الحق من ذمة إلى ذمة أخرى.
وشرعًا: انتقال مال من ذمة المحال إلى ذمة المحال عليه.
- مسألة: (وَتَجُوزُ الحَوَالَةُ) بالإجماع في الجملة؛ لحديث أبي هريرة
стр. 906
رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ» [البخاري ٢٢٨٨، ومسلم ١٥٦٤].
- فرع: الحوالة عقد إرفاق منفرد بنفسه وليست بيعاً؛ لجوازها في الدَّين بالدَّين، وجواز التفرق قبل القبض، وغير ذلك.
- مسألة: لا تصح الحوالة إلا بأربعة شروط:
الشرط الأول: أن يحيل (عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ) في ذمة المحال عليه؛ إذ مقتضاها إلزام المحال عليه بالدين مطلقاً، وما ليس بمستقر عرضة للسقوط، فلا تصح حوالةٌ على ثمنٍ مدة خيار، أو على مالٍ مُسلَم فيه، أو صداق قبل دخول؛ لعدم استقراره.
الشرط الثاني: اتفاق الدينين، وأشار إليه بقوله: (إِنِ اتَّفَقَ الدَّيْنَانِ)؛ لأنها عقد إرفاق كالقرض، فلو جوزت مع الاختلاف لصار المطلوب منها الفضل، فتخرج عن موضوعها، ويكون اتفاق الدينين:
١ - (جِنْساً): كدنانير بدنانير، أو دراهم بدراهم، فإن أحال من عليه ذهب بفضة أو عكسه لم يصح؛ للتخالف.
٢ - (وَوَقْتاً) أي: حلولاً أو تأجيلاً أجلاً واحدًا، فلو كان أحدهما حالًّا، والآخر مؤجلاً، أو أحدهما يحل بعد شهر والآخر بعد شهرين لم تصح؛ للتخالف.
стр. 907
٣ - (وَوَصْفاً): كصحاح بصحاح، أو مضروبة بمثلها، فإن اختلفا لم يصح؛ للتخالف.
٤ - (وَقَدْراً)، كخمسة على خمسة، فإن اختلف، كخمسة على ستة؛ لم يصح؛ لأنها إرفاق كالقرض.
واختار ابن عثيمين: أنه لا يشترط إلا اتفاق الجنس؛ لأنه إذا اختلف الجنس كان معاوضة لا عقد إرفاق، وأما اتفاق الوقت والوصف والقدر فلا يشترط؛ لأن الأصل الصحة، ولا محظور في ذلك، فتصح مع اختلاف الوقت لأنها استيفاء للدين، وتصح مع اختلاف القدر والصفة لحديث أبي هريرة ﵁: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» [البخاري ٢٣٠٥، ومسلم ١٦٠١].
- فرع: (وَتَصِحُّ) الحوالة (بِخَمْسَةٍ عَلَى خَمْسَةٍ مِنْ عَشَرَةٍ، وَ) تصح بـ (عَكْسِهِ)، كخمسة من عشرة على خمسة؛ لاتفاق ما وقعت فيه الحوالة، والفاضل باق بحاله لربه.
الشرط الثالث: أن تكون الحوالة بمال معلوم على مال معلوم مما يصح السلم فيه من المثليات وغيرها؛ لأنها إن كانت بيعًا فلا يصح في مجهول، وإن كانت تحول الحق فيعتبر فيها التسليم والجهالة تمنع منه، فلا تصح فيما لا يصح السلم فيه كالجوهر.
(وَ) الشرط الرابع: (يُعْتَبَرُ) لصحة الحوالة (رِضَا مُحِيلٍ)، بلا خلاف،
стр. 908
قاله في المبدع؛ لأن الحق عليه فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين على المحال عليه.
- فرع: لا يعتبر رضا المحال عليه؛ لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحتال مقام نفسه في القبض، فلزم المحال عليه الدفع إليه كالوكيل.
- فرع: لا يعتبر رضا المحتال إن أحيل على مليء، ويجبر على اتباعه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ السابق: «وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ»، والأصل في الأمر أنه للوجوب، (وَ) لكن يعتبر رضا (مُحْتَالٍ) إذا أحيل (عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ).
وعنه، واختاره ابن عثيمين: يشترط رضا المحتال مطلقاً؛ لأن الدين حقه فلا ينتقل من ذمة إلى ذمة إلا برضاه، إذ الذمم تتفاوت يسارًا وإعسارًا، وبذلاً ومَطْلاً، ويحمل الأمر في الحديث على الندب.
- فرع: المليء: هو القادر بماله وقوله وبدنه:
فالمَلاءة في المال: القدرة على الوفاء، والمَلاءة في القول: أن لا يكون مماطلاً، والمَلاءة في البدن: إمكان حضوره إلى مجلس الحكم.
стр. 909
(فَصْلٌ) في الصلح
لغة: قطع المنازعة، وشرعاً: معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين.
- مسألة: الصلح جائز بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله: ﴿والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» [أبو داود: ٣٥٩٤].
- مسألة: الحقوق نوعان:
١ - حقوق الله تعالى، كالصلاة والزكاة والحدود وغيرها: فلا مدخل للصلح فيها.
٢ - حقوق الآدميين: تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة في الجملة.
- مسألة: الصلح خمسة أنواع:
١ - بين المسلمين وأهل الحرب، وتقدمت أقسامه في الجهاد.
٢ - بين أهل العدل وأهل البغي، ويأتي في قتال أهل البغي.
стр. 910
٣ - بين الزوجين إذا خيف شقاقُ بينِهما، أو خافت الزوجة إعراض الزوج عنها، ويأتي في عشرة النساء.
٤ - بين المتخاصمين في غير مال.
٥ - بين المتخاصمين في المال، وهو المراد هنا.
- مسألة: (وَالصُّلْحُ فِي الأَمْوَالِ قِسْمَانِ):
(أَحَدُهُمَا): صلح (عَلَى الإِقْرَارِ، وَهُوَ نَوْعَانِ):
النوع الأول: (الصُّلْحُ) الواقع (عَلَى جِنْسِ الحَقِّ) المقَرِّ به، (مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ) جائز التصرف (لَهُ) أي: لمن يصح تبرعه (بِدَيْنٍ) معلوم، (أَوْ عَيْنٍ) بيده، كهذا البر أو الثوب، (فَيَضَعَ) المقَرُّ له عن المقِرِّ من الدين البعضَ، (أَوْ يَهَبَ لَهُ) من العين (البَعْضَ، وَيَأْخُذَ البَاقِيَ) من الدين أو العين: (فَيَصِحُّ) ذلك، ويكون في الدين إبراء، وفي العين هبة؛ لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط بعض حقه، كما لا يمنع من استيفائه؛ لأنه ﷺ كلم غرماء جابر ليضعوا عنه. [البخاري: ٢١٢٧].
- فرع: يشترط لصحة هذا النوع من الصلح ثلاثة شروط:
١ - أن يكون (مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ)، فإن كان ممن لا يصح تبرعه،
стр. 911
كمكاتب وناظر وقف وولي صغير ومجنون؛ فلايصح؛ لأنه تبرع، وهؤلاء لا يملكونه.
إلا إن أنكر من عليه الحق ولا بينة لمدعيه، فيصح؛ لأن استيفاء البعض عند العجز عن استيفاء الكل أولى من تركه.
٢ - أن يقع ذلك (بِغَيْرِ لَفْظِ صُلْحٍ)، فإن وقع بلفظ الصلح لم يصح، كأن يقول صاحب الحق للمقِرِّ: صالحتك على بعض الدين؛ لأنه صالح عن بعض ماله ببعض، فهو هضم للحق.
وعنه واختار ابن عثيمين: يصح بلفظ الصلح؛ لأن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ.
٣ - أن يكون (بِلَا شَرْطٍ)، فإن كان بشرط، كأن يمنعه حقه بدونه، أو يقول له: أبرأتك أو وهبتك على أن تعطيني الباقي أو كذا، لم يصح؛ لأنه يقتضي المعاوضة، فكأنه عاوض بعض حقه ببعض، ولأنه أكل لمال الغير بالباطل.
النوع (الثَّانِي): الصلح الواقع (عَلَى غَيْرِ جِنْسِهِ) أي: غير جنس الحق، بأن أقر له بعين أو دين ثم صالحه عنه بغير جنسه، فيصح اتفاقاً، ويكون معاوضة، وعلى هذا:
١ - (فَإِنْ كَانَ) الصلح (بِأَثْمَانٍ عَنْ أَثْمَانٍ)، بأن أقر له بدينار فصالحه عنه
стр. 912
بعشرة دراهم، أو عكسه: (فَـ) ـهو (صَرْفٌ)؛ لأنه بيع أحد النقدين بالآخر، فيشترط له ما يشترط في الصرف من التقابض في المجلس.
٢ - (وَ) إن كان الصلح (بِعَرْضٍ عَنْ نَقْدٍ)، بأن أقر له بدينار فصالحه عنه بكتاب، (وَعَكْسِهِ)، بأن أقر له بكتاب فصالحه عنه بدينار، أو بعرض عن عرض؛ ككتاب عن كتاب: (فَـ) ـهو (بَيْعٌ)؛ لأنه مبادلة مال بمال، فيشترط له ما يشترط في البيع.
٣ - وإن كان بمنفعة كسكنى دار؛ فإجارةٌ؛ لأنها بيع للمنافع كسائر الإجارات.
٤ - وإن صالحت المعترفة بدين أو عين بتزويج نفسها يكون صداقاً، وهكذا.
(القِسْمُ الثَّانِي): الصلح (عَلَى الإِنْكَارِ)، وصورته: (بِأَنْ يَدَّعِيَ) مدعٍ (عَلَيْهِ) أي: على شخص بدين في ذمته؛ كدنانير، أو عين ككتاب، (فَيُنْكِرَ) المدعى عليه، (أَوْ يَسْكُتَ) وهو يجهله، (ثُمَّ يُصَالِحَهُ) عن المدعى به بمالٍ: (فَيَصِحُّ) الصلح؛ لحديث أبي هريرة ﵁ السابق: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا».
стр. 913
- فرع: (وَيَكُونُ) الصلح على إنكار:
٥ - (إِبْرَاءً فِي حَقِّهِ) أي: في حق المدعى عليه؛ لأنه دفع المال افتداء ليمينه، وإزالة للضرر عنه من التبذل والخصومة، لا عوضاً عن حق يعتقده.
وعلى هذا: فلا يأخذ أحكام البيع من الرد بالعيب، والأخذ بالشفعة وغير ذلك.
٦ - (وَبَيْعاً فِي حَقِّ مُدَّعٍ)؛ لأنه يعتقده عوضاً عن ماله، فلزمه حكم اعتقاده، ويترتب عليه ما يترتب على البيع من الرد بالعيب، والأخذ بالشفعة وغير ذلك.
- فرع: (وَمَنْ عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِهِ) من مدعٍ ومدعًى عليه (فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِ) باطناً، وما أخذه حرام عليه؛ أما المدعي; فلأن الصلح مبني على دعواه الباطلة، وأما المدعى عليه; فلأنه مبني على جحده حق المدعي ليأكل ما ينتقصه بالباطل.
стр. 914
(فَصْلٌ) في أحكام الجوار
الجوار: بكسر الجيم مصدر جاور، وأصله الملازمة، ؛ لملازمة الجار جاره في المسكن.
- مسألة: (وَإِذَا حَصَلَ فِي أَرْضِهِ) أي: أرض إنسان يملكها أو يملك بعضها، أو يملك نفعها أو بعضه، (أَوْ) حصل في (جِدَارِهِ أَوْ) حصل في (هَوَائِهِ غُصْنُ شَجَرَةِ غَيْرِهِ، أَوْ) حصل (غُرْفَتُهُ) أي: غرفة غيره في أرضه، فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يرضى صاحب الحق بذلك: فالحق له وقد أسقطه.
الثانية: أن لا يرضى صاحب الحق بذلك وطالبه بإزالته: (لَزِمَ) صاحبَ الغصن أو الغرفة:
١ - (إِزَالَتُهُ) أي: إزالة الغصن والغرفة التي حصلت في ملك غيره وجوباً، إما بقطعه أو ليِّهِ إلى ناحية أخرى، وسواء أحدث ضرراً أو لا؛ لحديث أبي بكرة ﵁، وفيه: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [البخاري ٦٧، ومسلم ١٦٧٩]، وليُخلي ملك الغيرِ الواجبَ إخلاؤه.
стр. 915
٢ - (وَضَمِنَ) رب الغصن أو الغرفة (مَا تَلِفَ بِهِ) أي: بسبب الغصن أو الغرفة (بَعْدَ طَلَبِ) المالك من صاحب الغصن أو الغرفة إزالته؛ لصيرورته متعدياً بإبقاء الغصن أو الغرفة.
وفي وجه وصححه في الإنصاف: لا يجبر؛ لأنه من غير فعله فلم يجبر على إزالته كما لو لم يكن ملكه، وإن تلف بها شيء لم يضمنه؛ لذلك.
٣ - (فَإِنْ أَبَى) رب الغصن أو الغرفة إزالته:
أ) (لَمْ يُجْبَرْ) على إزالته (فِي الغُصْنِ)؛ لأنه ليس من فعله.
وأما بناء الغرفة فمن فعله؛ فيجب عليه إزالتها.
ب) (وَلَوَاهُ) أي: لوى مالك الهواء الغصن إن أمكنه، فإن قطعه مع إمكان ليِّه ضمنه؛ لتعديه.
ت) (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ) ليُّه (فَلَهُ) أي: لمالك الهواء (قَطْعُهُ) إن لم يَزُل إلا بالقطع، (بِلَا حُكْمِ) حاكم؛ لأن ذلك إخلاء ملكه الواجب إخلاؤه، ولا غرم عليه؛ لأنه لا يلزمه إقرار مال غيره فى ملكه بلا رضاه.