← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

كمكاتب وناظر وقف وولي صغير ومجنون؛ فلايصح؛ لأنه تبرع، وهؤلاء لا يملكونه. إلا إن أنكر من عليه الحق ولا بينة لمدعيه، فيصح؛ لأن استيفاء البعض عند العجز عن استيفاء الكل أولى من تركه. ٢ - أن يقع ذلك (بِغَيْرِ لَفْظِ صُلْحٍ)، فإن وقع بلفظ الصلح لم يصح، كأن يقول صاحب الحق للمقِرِّ: صالحتك على بعض الدين؛ لأنه صالح عن بعض ماله ببعض، فهو هضم للحق. وعنه واختار ابن عثيمين: يصح بلفظ الصلح؛ لأن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ. ٣ - أن يكون (بِلَا شَرْطٍ)، فإن كان بشرط، كأن يمنعه حقه بدونه، أو يقول له: أبرأتك أو وهبتك على أن تعطيني الباقي أو كذا، لم يصح؛ لأنه يقتضي المعاوضة، فكأنه عاوض بعض حقه ببعض، ولأنه أكل لمال الغير بالباطل. النوع (الثَّانِي): الصلح الواقع (عَلَى غَيْرِ جِنْسِهِ) أي: غير جنس الحق، بأن أقر له بعين أو دين ثم صالحه عنه بغير جنسه، فيصح اتفاقاً، ويكون معاوضة، وعلى هذا: ١ - (فَإِنْ كَانَ) الصلح (بِأَثْمَانٍ عَنْ أَثْمَانٍ)، بأن أقر له بدينار فصالحه عنه

стр. 912

بعشرة دراهم، أو عكسه: (فَـ) ـهو (صَرْفٌ)؛ لأنه بيع أحد النقدين بالآخر، فيشترط له ما يشترط في الصرف من التقابض في المجلس. ٢ - (وَ) إن كان الصلح (بِعَرْضٍ عَنْ نَقْدٍ)، بأن أقر له بدينار فصالحه عنه بكتاب، (وَعَكْسِهِ)، بأن أقر له بكتاب فصالحه عنه بدينار، أو بعرض عن عرض؛ ككتاب عن كتاب: (فَـ) ـهو (بَيْعٌ)؛ لأنه مبادلة مال بمال، فيشترط له ما يشترط في البيع. ٣ - وإن كان بمنفعة كسكنى دار؛ فإجارةٌ؛ لأنها بيع للمنافع كسائر الإجارات. ٤ - وإن صالحت المعترفة بدين أو عين بتزويج نفسها يكون صداقاً، وهكذا. (القِسْمُ الثَّانِي): الصلح (عَلَى الإِنْكَارِ)، وصورته: (بِأَنْ يَدَّعِيَ) مدعٍ (عَلَيْهِ) أي: على شخص بدين في ذمته؛ كدنانير، أو عين ككتاب، (فَيُنْكِرَ) المدعى عليه، (أَوْ يَسْكُتَ) وهو يجهله، (ثُمَّ يُصَالِحَهُ) عن المدعى به بمالٍ: (فَيَصِحُّ) الصلح؛ لحديث أبي هريرة ﵁ السابق: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا».

стр. 913

- فرع: (وَيَكُونُ) الصلح على إنكار: ٥ - (إِبْرَاءً فِي حَقِّهِ) أي: في حق المدعى عليه؛ لأنه دفع المال افتداء ليمينه، وإزالة للضرر عنه من التبذل والخصومة، لا عوضاً عن حق يعتقده. وعلى هذا: فلا يأخذ أحكام البيع من الرد بالعيب، والأخذ بالشفعة وغير ذلك. ٦ - (وَبَيْعاً فِي حَقِّ مُدَّعٍ)؛ لأنه يعتقده عوضاً عن ماله، فلزمه حكم اعتقاده، ويترتب عليه ما يترتب على البيع من الرد بالعيب، والأخذ بالشفعة وغير ذلك. - فرع: (وَمَنْ عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِهِ) من مدعٍ ومدعًى عليه (فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِ) باطناً، وما أخذه حرام عليه؛ أما المدعي; فلأن الصلح مبني على دعواه الباطلة، وأما المدعى عليه; فلأنه مبني على جحده حق المدعي ليأكل ما ينتقصه بالباطل.

стр. 914

(فَصْلٌ) في أحكام الجوار الجوار: بكسر الجيم مصدر جاور، وأصله الملازمة، ؛ لملازمة الجار جاره في المسكن. - مسألة: (وَإِذَا حَصَلَ فِي أَرْضِهِ) أي: أرض إنسان يملكها أو يملك بعضها، أو يملك نفعها أو بعضه، (أَوْ) حصل في (جِدَارِهِ أَوْ) حصل في (هَوَائِهِ غُصْنُ شَجَرَةِ غَيْرِهِ، أَوْ) حصل (غُرْفَتُهُ) أي: غرفة غيره في أرضه، فلا يخلو من حالين: الأولى: أن يرضى صاحب الحق بذلك: فالحق له وقد أسقطه. الثانية: أن لا يرضى صاحب الحق بذلك وطالبه بإزالته: (لَزِمَ) صاحبَ الغصن أو الغرفة: ١ - (إِزَالَتُهُ) أي: إزالة الغصن والغرفة التي حصلت في ملك غيره وجوباً، إما بقطعه أو ليِّهِ إلى ناحية أخرى، وسواء أحدث ضرراً أو لا؛ لحديث أبي بكرة ﵁، وفيه: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [البخاري ٦٧، ومسلم ١٦٧٩]، وليُخلي ملك الغيرِ الواجبَ إخلاؤه.

стр. 915

٢ - (وَضَمِنَ) رب الغصن أو الغرفة (مَا تَلِفَ بِهِ) أي: بسبب الغصن أو الغرفة (بَعْدَ طَلَبِ) المالك من صاحب الغصن أو الغرفة إزالته؛ لصيرورته متعدياً بإبقاء الغصن أو الغرفة. وفي وجه وصححه في الإنصاف: لا يجبر؛ لأنه من غير فعله فلم يجبر على إزالته كما لو لم يكن ملكه، وإن تلف بها شيء لم يضمنه؛ لذلك. ٣ - (فَإِنْ أَبَى) رب الغصن أو الغرفة إزالته: أ) (لَمْ يُجْبَرْ) على إزالته (فِي الغُصْنِ)؛ لأنه ليس من فعله. وأما بناء الغرفة فمن فعله؛ فيجب عليه إزالتها. ب) (وَلَوَاهُ) أي: لوى مالك الهواء الغصن إن أمكنه، فإن قطعه مع إمكان ليِّه ضمنه؛ لتعديه. ت) (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ) ليُّه (فَلَهُ) أي: لمالك الهواء (قَطْعُهُ) إن لم يَزُل إلا بالقطع، (بِلَا حُكْمِ) حاكم؛ لأن ذلك إخلاء ملكه الواجب إخلاؤه، ولا غرم عليه؛ لأنه لا يلزمه إقرار مال غيره فى ملكه بلا رضاه.

стр. 916

- مسألة: (وَيَجُوزُ فَتْحُ بَابٍ لِاسْتِطْرَاقٍ فِي دَرْبٍ) أي: طريق (نَافِذٍ) أي: عام، بالاتفاق؛ لأنه لم يتعين له مالك، ولا ضرر فيه على المجتازين. - فرع: (لَا) يجوز (إِخْرَاجُ جَنَاحٍ) وهو الروشن على أطراف خشب أو حجر مدفونة في الحائط، (وَ) لا إخراج (سَابَاطٍ) وهو المستوفي للطريق كله على جدارين، (وَ) لا إخراج (مِيزَابٍ) ودكة ونحو ذلك في طريق نافذ؛ لأن ذلك تصرف في ملك غيره بغير إذنه، كغير النافذ، (إِلَّا) بشرطين: ١ - أن يكون (بِإِذْنِ إِمَامٍ) أو نائبه؛ لأنه نائب المسلمين فجرى مجرى إذنهم. ٢ - أن يكون (مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ)، فإن كان هناك ضرر لم يجز، قال شيخ الإسلام: (باتفاق العلماء)؛ لحديث عبادة ﵁: عن النبي ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أحمد: ٢٢٧٧٨، وابن ماجه: ٢٣٤٠]. فإن أذن الإمام أو نائبه ولم يكن هناك ضرر من ذلك جاز؛ لما روى عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب قال: كان للعبَّاس ميزاب على طريقٍ، فأمر عمر بقلعه، فأتاه العبَّاس، فقال: " «وَاللهِ إِنَّهُ لَلْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ ». فقال عمر للعبَّاس: «وَأَنَا أَعْزِمُ عَلَيْكَ لَمَّا صَعِدْتَ عَلَى ظَهْرِي حَتَّى تَضَعَهُ فِي المَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ »، ففعل ذلك العباس ﵁ [أحمد: ١٧٩٠]، ولأن العادة جارية به.

стр. 917

وعنه واختاره شيخ الإسلام: يجوز ذلك مع انتفاء الضرر فقط، وأما الميزاب فقال شيخ الإسلام: (إخراج الميازيب إلى الدرب هو السنة)، قال في الإنصاف: (وعليه العمل في كل عصر ومصر). - فرع: (وَفِعْلُ ذَلِكَ) أي: إخراج الجناح والساباط والدكة والميزاب ونحوه (فِي مِلْكِ جَارٍ وَدَرْبٍ مُشْتَرَكٍ) غير نافذ (حَرَامٌ بِلَا إِذْن مُسْتَحِقٍّ)؛ لأن المنع لحق المستحق؛ فإذا رضي بإسقاطه جاز. - فرع: (وَكَذَا) يحرم (وَضْعُ خَشَبٍ) على جدار جار وجدار مشترَكٍ (إِلَّا) بشرطين: الأول: عند الضرورة بـ (أَلَّا يُمْكِنَ) صاحبَ الخشب (تَسْقِيفٌ إِلَّا بِهِ) أي: بوضع الخشب على ذلك الجدار، فإن أمكن وضعه على غيره لم يجز وضعه عليه إلى بإذن ربه؛ لأنه تصرف في ملك غيره بما يستغني عنه، فلم يجز، كفتح الطاق، وغرز المسمار. (وَ) الثاني: أن (لَا) يكون هناك (ضَرَرٌ) على الجدار بوضع الخشب عليه، فإن خيف الضرر لم يجز إلا بإذن صاحب الجدار؛ للحديث السابق: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». (فَـ) إن توفر الشرطان فإنه (يُجْبَرُ) الجار على تمكين جاره من وضع

стр. 918

خشبه على جداره؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ»، ثم يقول أبو هريرة: «مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَاللهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ» [البخاري: ٢٤٦٣، ومسلم: ١٦٠٩]، ولأنه انتفاع لا ضرر فيه، دعت الحاجة إليه، فوجب بذله كفضل الماء. - فرع: (وَ) حكم جدار (مَسْجِدٍ)، ويتيم ونحوه (كَـ) ـحكم جدار (دَارٍ) نص عليه؛ لأنه اذا جاز فى ملك الآدمي مع شُحِّه وضيقه، فحق الله أولى. - مسألة: (وَإِنْ طَلَبَ شَرِيكٌ) من شريكٍ له (فِي حَائِطٍ) انهدم، (أَوْ) في (سَقْفٍ انْهَدَمَ) مشاعاً بينهما أو بين سُفل أحدهما وعُلو الآخر، (شَرِيكَهُ لِلبِنَاءِ) أي: لبناء الحائط أو السقف المنهدم (مَعَهُ) فامتنع الشريك؛ (أُجْبِرَ) على البناء معه؛ لحديث عبادة السابق: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». - فرع: (كَـ) ما يُجبر الشريك على (نَقْضِ) الحائط أو السقف عند (خَوْفِ سُقُوطِـ) ـه؛ دفعاً للضرر، فإن نقضه ولم يُخف من سقوطه؛ لزمه إعادته كما كان؛ لتعديه على حصة شريكه، ولا يمكن الخروج من عهدة ذلك إلا بإعادة جميعه. - فرع: (وَإِنْ بَنَاهُ) أي: الحائط أو السقف المنهدم شريكٌ بإذن شريكه،

стр. 919

أو بإذن حاكم، أو (بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ) بغير إذنهما؛ (رَجَعَ) على شريكه بما أنفق بالمعروف على حصة الشريك؛ لأنه قام عنه بواجب. فإن بناه بنية التبرع لم يرجع على شريكه بشيء؛ لأنها هبة، ويحرم عليه الرجوع في الهبة. وسبق اختيار شيخ الإسلام: أنه يرجع ما لم ينو التبرع. - فرع: (وَكَذَا) في الأحكام السابقة ما لو احتاج شريك لعمارة (نَهْرٍ وَنَحْوِهِ)؛ كبئر وقناة مشتركة، وغُرم ذلك بينهم على حسب ملكهم فيه، ويجبر الممتنع؛ لحقِّ شركائه. (فَصْلٌ) في الحَجْرِ وهو في اللغة: التضييق والمنع، ومنه سمي الحرام والعقل حِجراً. وشرعًا: منع إنسان من تصرفه في ماله. والأصل في مشروعيته، قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) [النساء: ٥] أي: أموالهم، لكن أضيفت إلى الأولياء؛ لأنهم قائمون عليها مدبرون لها، وقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى) الآية [النساء: ٦]، وإذا ثبت الحجر على هذين؛ ثبت على المجنون من بابِ أولى.

стр. 920

- مسألة: الحجر ضربان: ١ - حَجر لحق الغير: كحجر على مفلس لحق الغرماء، وعلى عبد ومكاتب لحق السيد، ونحوهم، والكلام هنا في الحجر على المفلس، وما عداه ففي أبوابه. ٢ - حجر لحق نفسه: كحجر على صغير ومجنون وسفيه، إذ فائدة الحجر عليهم لا تتعداهم، ويأتي في الفصل الذي بعده. الضرب الأول: الحجر لحق الغير، والكلام هنا عن الحجر على المُفلِس. - مسألة: المدين له ثلاث حالات: الحالة الأولى: المفلس: وهو من دينه أكثر من ماله، وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ) عليه دين و (مَالُهُ لَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ) من الدَّين (حَالًّا: وَجَبَ) على الحاكم (الحَجْرُ عَلَيْهِ) أي: على المفلس (بِطَلَبِ بَعْضِ غُرَمَائِهِ) أو كلهم؛ لحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ، وَبَاعَ مَالَهُ» [الطبراني في الأوسط ٥٩٣٩، والدارقطني ٤٥٥١، والحاكم، ٢٣٤٨ وصححه ووافقه الذهبي]، فإن لم يطلب أحد من غرمائه من الحاكم الحجر عليه؛ لم يُحجر عليه؛ لأنه لا يحكم بغير طلب رب الحق.

стр. 921

وعنه واختاره شيخ الإسلام: أنه يكون محجوراً عليه بغير حكم حاكم؛ لأن تصرف المدين بعد الاستغراق تصرف في ملك الغير، ومنع التصرف في ملك الغير لا يحتاج إلى حكم حاكم. - فرع: (وَسُنَّ) للحاكم (إِظْهَارُهُ)، أي: إظهار الحجر الفلس وكذا السفه؛ ليعلم الناس بحاله، فلا يعاملوه إلا على بصيرة. - مسألة: ويتعلق بالحجر على المفلس أربعة أحكام: الحكم الأول: تعلق حق الغرماء بماله؛ لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن في الحجر عليه فائدة، ولأنه يباع في ديونهم فكانت حقوقهم متعلقة به، كالرهن، (وَ) عليه: ١ - (لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ) أي: المحجور عليه لفلس (فِي مَالِهِ) ببيع ولا غيره (بَعْدَ الحَجْرِ)، حتى ما يتجدد له من الأموال بإرث أو هبة ونحو ذلك؛ لتعلق حق غرمائه به، ولو كان تصرفه عتقاً أو صدقة بشيء كثير أو يسير، فلا ينفذ؛ لأنه ممنوع من التبرع لحق الغرماء فلم ينفذ عتقه، كالمريض الذي يستغرق دينه ماله. وأما تصرفه قبل الحجر عليه في البيع، والهبة، والإقرار، وقضاء بعض الغرماء، وغير ذلك؛ فهو نافذ؛ لأنه من مالك جائز التصرف، ولو استغرق التصرف جميع ماله، لكن يحرم عليه التصرف إن أضر تصرفه بغريمه.

стр. 922

وعنه واختاره شيخ الإسلام: لا يصح تصرفه مع مطالبة الغرماء؛ لأن في إنفاذه إبطالًا لحق الغرماء، وهذا مبني على أنه يحجر عليه ولو بلا حكم حاكم، وسبق. - فرع: يستثنى من ذلك تصرفه بتدبير ووصية، فيصح؛ لأن تأثيرهما بعد زوال الحجر بالموت، وإنما يظهر أثر ذلك إذا مات عن مال، فإنه يُخرَج المدبَّر أو الموصى به من ثلثه بعد وفاء دينه. ٢ - (وَلَا) يصح (إِقْرَارُهُ) أي: المفلس (عَلَيْهِ) أي: على ماله؛ لأن حقوق الغرماء متعلقة بأعيان ماله فلم يقبل الإقرار عليه كالعين المرهونة، (بَلْ) يصح إقراره (فِي ذِمَّتِهِ)، بدين أو جناية توجب قَوَداً أو مالاً؛ لأنه أهل للتصرف، والحجر متعلق بماله لا بذمته، (فَيُطَالَبُ) بما لزمه مما أقر به (بَعْدَ فَكِّ حَجْرٍ) عنه؛ لأنه حق عليه، وإنما منعنا تعلقه بماله لحق الغرماء، فإذا استوفي فقد زال العارض. وعنه (١): يقبل إن أضافه إلى ما قبل الحجر؛ لأنه مقر على نفسه بما يضره، فقُبِل منه؛ لبعد التُهَمَةِ، ولأنه تبين بإقراره أن المقَرَّ له أحد الغرماء، فلزم إدخاله معهم.

стр. 923

(وَ) الحكم الثاني: أن (مَنْ سَلَّمَهُ) أي: المفلسَ (عَيْنَ مَالٍ) ببيع أو قرض أو رأس مال سلم أو غير ذلك، سواء كان ذلك قبل الحجر عليه أو بعده، إذا كان (جَاهِلَ الحَجْرِ)؛ لأنه معذور بجهل حاله؛ (أَخَذَهَا)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» [البخاري ٢٤٠٢، ومسلم ١٥٥٩]، وحينئذ فالبائع ونحوه بالخيار بين الرجوع فيها وبين أن يكون أسوة الغرماء. - فرع: يشترط لمِلْكِ الرجوعِ بعين ماله ستة شروط: ١ - (إِنْ كَانَتْ) العين باقية (بِحَالِهَا)، بأن لم تتغير صفتها بما يزيل اسمها؛ كنسج غزل وخَبْزِ دقيق؛ لقوله ﵊ في الحديث السابق: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ». ٢ - كونُها لم يَزُلْ ملكه عن بعضها بتلف ولا غيره، من بيع أو هبة ونحوهما، فإن تلف جزء منها؛ كقطع بعض أطراف العبد، أو تلف بعض الثوب، أو انهدم بعض الدار ونحوه؛ لم يكن للبائع الرجوع في العين، ويكون أسوة الغرماء؛ للحديث السابق: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ»، فالبائع ونحوه إذن لم يدرك متاعه وإنما أدرك بعضه، ولا يحصل له بأخذ البعض فصل الخصومة وانقطاع ما بينهما. ٣ - (وَعِوَضُهَا كُلُّهُ بَاقٍ) في ذمة البائع، لم ينقد المفلس من ثمن المبيع

стр. 924

ونحوه شيئاً، ولا أبرأه البائع من بعضه؛ لحديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله ﷺ قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعاً فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئاً، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ المُشْتَرِي فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ» [الموطأ ٢/ ٦٧٨، وأبوداود ٣٥٢٠ مرسلاً، ورواه أبو داود بنحوه من حديث أبي هريرة، وصححهما الألباني]، ولأن في الرجوع في قسط ما بقي تبعيضاً للصفقة على المشتري وإضراراً له. فإن أدى بعض الثمن، أو القرض، أو نحوه، أو أبرئ منه؛ فهو أسوة الغرماء. ٤ - أن يكون المفلس حيًّا إلى حين أخذ المبيع؛ للحديث السابق. ٥ - ) وَ (كون السلعة (لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ لِلْغَيْرِ) من شفعة أو جناية، بأن يشتري شقصاً مشفوعاً ثم يفلس، أو يشتري عبداً ثم يفلس بعد تعلق أرش الجناية برقبته، فلا رجوع للبائع ويكون أسوة الغرماء، قال ابن قدامة: (لا نعلم في هذا خلافًا)؛ لسَبْقِ حق الشفيع لكونه ثبت بالبيع والبائع ثبت حقه بالحجر، ولأن حق المجني عليه مقدم على الرهن المقدم على حق البائع فمنع بالأولى، فإن أبرأ الغريمُ المشتري من أرش الجناية أو أسقط الشفيع حقه من الشفعة فللبائع الرجوع؛ لأنه وجد متاعه بعينه لم يتعلق به حق لغيره.

стр. 925

٦ - كون السلعة لم تزد زيادة متصلة؛ كسمنٍ، وتعلم صنعة، فإن وجد شيء من ذلك منع الرجوع؛ لأنها زيادة في ملك المفلس، فلم يستحق أخذها. وأما الزيادة المنفصلة؛ كالولد، والكسب، والثمرة ونحو ذلك فلا تمنع الرجوع؛ لأن العين قائمة مشاهدة لم يتغير اسمها ولا صفتها (١). وعنه: أن الزيادة المتصلة لا تمنع الرجوع؛ لأنه فسخ لا تمنع منه الزيادة المنفصلة فلم تمنع المتصلة؛ كالرد بالعيب. (وَ) الحكم الثالث من الأحكام المتعلقة بالحجر على المفلس: أن (يَبِيعَ حَاكِمٌ مَالَهُ) أي: مال المفلس الذي ليس من جنس الدَّين بثمن مثله أو أكثر، فإن كان من جنس الدَّين أخذها الغريم، ولا حاجة للبيع إذن، واختاره شيخ الإسلام، (وَيَقْسِمَهُ) أي: الثمن (عَلَى) ديون (غُرَمَائِهِ) الحالَّة -لا المؤجلة- بالمحاصَّة؛ لقول بلال بن الحارث ﵁: كان رجل يغالي بالرواحل، ويسبق الحاج حتى أفلس، قال: فخطب عمر بن الخطاب، فقال: «أَمَّا بَعْدُ،

стр. 926

فَإِنَّ الأُسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ أَمَانَتِهِ وَدِينِهِ أَنْ يُقَالَ: سَبَقَ الحَاجَّ، فَادَّانَ مُعْرِضاً، فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ شَيْءٌ فَلْيَأْتِنَا حَتَّى نُقَسِّمَ مَالَهُ بَيْنَهُمْ» [الموطأ ٢/ ٧٧٠، مصنف ابن أبي شيبة ٢٢٩١٥]، ولأن هذا هو جل المقصود من الحجر عليه، ويكون ذلك على الفور؛ لأن تأخيره مَطْل، وفيه ظلم لهم. - فرع: طريقة القسمة: أن تنسب الموجود من مال المفلس إلى مجموع الديون، وتعطي كل واحد من الغرماء بمقدار هذه النسبة. مثال ذلك: رجل مدين لرجل بألفين، ولآخر بثلاثة، ولآخر بخمسة، فمجموع الدين عشرة، ومال المدين خمسة، فنسبة الخمسة إلى العشرة النصف، فيعطي كل واحد من الغرماء نصف ماله من الدين. الحكم الرابع: انقطاع المطالبة عنه؛ لقوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) [البقرة: ٢٨٠]، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أُصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» [مسلم ١٥٥٦]. (وَ) الحالة الثانية من أحوال المدين: (مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَفَاءِ شَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ) الحالِّ، (أَوْ هُوَ) دين (مُؤَجَّلٌ) فإنه:

стр. 927

١ - (تَحْرُمُ مُطَالَبَتُهُ) به، ويجب إنظاره؛ لقوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) [البقرة: ٢٨٠]، ولحديث أبي سعيد الخدري رضي الله السابق: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ». ٢ - (وَ) حرم (حَبْسُهُ، وَكَذَا مُلَازَمَتُهُ)؛ لأنه دين لا يملك المطالبة به، فلم يملك به ذلك؛ كالمؤجل. الحالة الثالثة: من ماله قدر دينه أو أكثر لم يحجر عليه؛ لعدم الحاجة إلى الحجر عليه، ووجب على الحاكم أمر المدين بوفائه إن طلب الغرماء؛ لحديثِ أبي هريرةَ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» [البخاري ٢٢٨٧، ومسلم ١٦٥٤]. قال شيخ الإسلام: (ومن طولب بأداء دين عليه فطلب إمهالًا أمهل بقدر ذلك اتفاقًا، لكن إذا خاف غريمه منه احتاط عليه بملازمته أو بكفيل أو ترسيم عليه). - فرع: فإِن أبى القادر وفاء الدَّين الحالِّ: ١ - حبسه بطلب رب المال؛ لحديث: «لَيُّ الوَاجِدِ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» [أحمد ١٧٩٤٦، وأبو داود ٣٦٢٨، والنسائي ٤٦٨٩، وابن ماجه ٢٤٢٧]، قال وكيع: (عرضه: شكواه، وعقوبته: حبسه) فإن أبى عزَّره مرة بعد أخرى، واختاره شيخ الإسلام، وقال: (نص عليه الأئمة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ولا أعلم فيه نزاعاً، لكن لا يزاد كل يوم على أكثر من التعزير).

стр. 928

٢ - فإِن أصر على عدم قضاء الدين ولم يبع ماله؛ باع الحاكم وقضاه وجوباً؛ لقيامه مقامه، ودفعاً لضرر رب الدين بالتأخير، ولما سبق من بيع النبي ﷺ مال معاذ لما حجر عليه، وبيع عمر ﵁ مال الأسيفع. وقال شيخ الإسلام: (وليس على الحاكم أن يتولى هو بيع ماله ووفاء الدين، وإن كان ذلك جائزاً للحاكم؛ لكن متى رأى أن يلزمه هو بالبيع والوفاء زجراً له ولأمثاله عن المطل، أو لكون الحاكم مشغولًا عن ذلك بغيره، أو لمفسدة تخاف من ذلك؛ كانت عقوبته بالضرب حتى يتولى ذلك). - مسألة: (وَلَا يَحِلُّ) دين (مُؤَجَّلٌ بِفَلَسِ) مدين؛ لأن الأجل حق للمفلس فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه. - مسألة: (وَلَا) يحل دين مؤجل (بِمَوْتِ) مدين؛ لأن الأجل حق للميت، فورث عنه كسائر حقوقه، (إِنْ وَثَّقَ الوَرَثَةُ) أو وثق غيرهما (بِرَهْنٍ مُحْرِزٍ، أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ)، بأقل الأمرين من الدَّين أو التركة؛ لأنه الواجب عليهم، ولا يجب عليهم أكثر من ذلك، فيوثقونه لوفاء حقه؛ فإن لم يوثقوا حلَّ؛ لغلبة الضرر. - مسألة: (وَإِنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ) للمفلس دينُه حالٌّ ليس مؤجلاً (بَعْدَ القِسْمَةِ) لماله؛ لم تُنقض القسمة، و (رَجَعَ) الغريم الذي ظهر (عَلَى الغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ)

стр. 929

أي: بقدر حصته؛ لأنه لو كان حاضراً شاركهم، فكذا إذا ظهر. فلو كان رجل مديناً لرجل بألفين، ولآخر بثلاثة، فمجموع الدين خمسة، وماله ألف، ونسبة الألف إلى الخمسة الخمس، فمن له ألفان أخذ خُمُس دينه: أربعمائة، ومن له ثلاثة أخذ خمس دينه: ستمائة، فإذا ظهر غريم ثالث له خمسة آلاف، فإن نسبة مجموع الديون إلى المال تكون: العشر، فمن له ألفان أخذ مائتين، ومن له ثلاثة أخذ ثلاثمائة، ولصاحب الخمسة خمسمائة، فيرجع على صاحب الألفين الذي أخذ أربعمائة أولًا بمائتين، وعلى صاحب الثلاثة بثلاثمائة. (فَصْلٌ) في المحجور عليه لحظ نفسه - مسألة: (وَيُحْجَرُ عَلَى الصَّغِيرِ، وَالمَجْنُونِ، وَالسَّفِيهِ لِحَظِّهِمْ)؛ لأن فائدة الحجر عائدة عليهم، فلا يصح تصرفهم في أموالهم ولا ذممهم قبل الإذن؛ لأن تصحيح تصرفهم يفضي إلى ضياع مالهم، وفيه ضرر عليهم.

стр. 930

- مسألة: (وَمَنْ دَفَعَ إِلَيْهِمْ مَالَهُ بِعَقْدٍ)؛ كبيع وإجارة، (أَوْ لَا) أي: بغير عقد كوديعة وعاريَّة؛ (رَجَعَ فِيمَا بَقِيَ) من ماله؛ لبقاء ملكه عليه، (لَا مَا تَلِفَ) منه بنفسه كموت حيوان، سواء كان بتعد منهم أو تفريط أو لا، ولا ما تلف بفعل محجور عليه كقتله له، فلا يرجع بشيء، ولم يضمنوا؛ لأنه سلطهم عليه برضاه، سواء علم بالحجر أو لم يعلم؛ لتفريطه. - فرع: (وَيَضْمَنُونَ) أي: الصغير والمجنون والسفيه: ١ - (جِنَايَةً) على نفس أو طرف أو جرح؛ لأنه لا تفريط من المجني عليه، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيره. ٢ - (وَإِتْلَافَ مَا لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِمْ) من المال؛ لأنه لا تفريط من المالك، والإتلاف يستوي فيه الأهل للحفظ وغيره. - مسألة: (وَمَنْ بَلَغَ) من ذكر أو أنثى (رَشِيداً) انفك الحجر عنه؛ لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم﴾ [النساء: ٦]، (أَوْ) بلغ (مَجْنُوناً ثُمَّ عَقَلَ وَرَشَدَ؛ انْفَكَّ الحَجْرُ عَنْهُ)؛ لزوال علَّته.

стр. 931

- فرع: متى عقل المجنون وبلغ الصبي، ورشدا؛ انفك الحجر (بِلَا حُكْمِ) حاكم؛ لقوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) [النساء: ٦]، واشتراط الحكم زيادة تمنع الدفع عند وجود ذلك، وهو خلاف النص، ولأنه ثبت بغير حكمه، فزال لزوال موجبه بغير حكمه. - فرع: (وَ) من انفك عنه الحجر منهم (أُعْطِيَ مَالَهُ)؛ للآية السابقة، و (لَا) يعطى ماله (قَبْلَ ذَلِكَ) أي: قبل البلوغ أو العقل مع الرشد، (بِحَالٍ) ولو صار شيخاً؛ لظاهر الآية. - مسألة: (وَ) يحصل (بُلُوغُ ذَكَرٍ) بواحد من ثلاثة أشياء: الأول: (بِإِمْنَاءٍ)، باحتلام أو غيره، إجماعاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. الثاني: (أَوْ) بـ (تَمَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً)؛ لقول ابن عمر ﵄: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي» [البخاري ٢٦٦٤، ومسلم ١٨٦٨]، وفي رواية [ابن حبان ٤٧٢٨]: «فَلَمْ يُجِزْنِي، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ»، قال عمر بن عبد العزيز: «إن هذا لَحَدٌّ بين الصغير والكبير». الثالث: (أَوْ) بـ (نَبَاتِ شَعَرٍ خَشِنٍ حَوْلَ قُبُلِهِ)؛ لقول عطية القرظي ﵁:

стр. 932

«عُرِضْنَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلي» [أبوداود ٤٤٠٤، والترمذي ١٥٨٤، والنسائي ٣٤٢٩، وابن ماجه ٢٥٤١]، دون نبات الزغب الضعيف؛ لأنه ينبت للصغير. - مسألة: (وَ) يحصل بلوغ (أُنْثَى بِذَلِكَ) الذي به بلوغ الذكر، (وَ) تزيد عليه (بِحَيْضٍ) إجماعاً؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» [أحمد ٢٥١٦٧، والترمذي ٣٧٧، وأبو داود ٦٤١، وابن ماجه ٦٥٥]. - فرع: (وَحَمْلُهَا) أي: الجارية (دَلِيلُ إِمْنَاءٍ)؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بخلق الولد من مائهما؛ لقوله تعالى: (فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب) [الطارق: ٥ - ٧] فإذا ولدت حكم ببلوغها من ستة أشهر إن كانت توطأ؛ لأنه اليقين. - مسألة: (وَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ) أي: من بلغ رشيداً (مَالُهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ) أي: يمتحن (بِمَا يَلِيقُ بِهِ)، فأولاد التجار يكون اختبارهم بالبيع والشراء، وابن المزارع بما يتعلق بالزراعة، وهكذا، (وَيُؤْنَسَ) أي: يُعلم (رُشْدُهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ

стр. 933

أَمْوَالَهُم﴾ [النساء: ٦]، (وَمَحَلُّهُ) أي: الاختبار (قَبْلَ بُلُوغٍ) إذا راهق وصار يعرف المصلحة؛ لقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى) [النساء: ٦]، فظاهرها: أن ابتلاءهم قبل البلوغ؛ لأنه سماهم يتامى، وإنما يكون ذلك قبل البلوغ، ولأن تأخيره إلى البلوغ يفضي إلى الحجر على البالغ الرشيد لكونه ممتدًّا حتى يختبر ويعلم رشده. وأما غير المراهق فلا يختبر؛ لأنه يؤدي إلى ضياع ماله. - مسألة: (وَالرُّشْدُ هُنَا) أي: في باب الحجر: (إِصْلَاحُ المَالِ)؛ لقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدً﴾ [النساء: ٦] أي: صلاحاً في أموالهم، فعلى هذا يدفع إليه ماله، وإن كان مفسدًا لدينه، فإصلاح المال (بِأَنْ): ١ - (يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ فَلَا يُغْبَنَ) غبنًا فاحشًا؛ لأن غير الفاحش كلٌّ يغبن به (غَالِباً)، فإن كان يغبن غالباً فلا يعدُّ رشيداً. ٢ - (وَلَا يَبْذُلَ مَالَهُ فِي حَرَامٍ)؛ كخمر وآلات لهو؛ لأنه من إضاعة المال، وقد نهي عنه في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» [البخاري ١٤٧٧، ومسلم ١٧١٥]، فإن كان يبذل ماله في حرام فلا يعدُّ رشيداً.

стр. 934

واختار ابن عثيمين: لا يؤثر ذلك في رشده؛ لأن الناس يعتبرونه رشيداً في المال، ويحسن التصرف فيه، ولكنه ضلَّ في دِينه. ٣ - (وَ) لا يبذل ماله في (غَيْرِ فَائِدَةٍ)؛ كغناء؛ لأن من صرف ماله في ذلك عد سفيهاً، فإن كان يبذل ماله في غير فائدة فلا يعدُّ رشيداً. - مسألة: (وَوَلِيُّهُمْ) أي: ولي السفيه الذي بلغ سفيهًا واستمر (١)، والصغير والمجنون (حَالَ الحَجْرِ: الأَبُ)؛ لأنها ولاية فقدم فيها الأب كولاية النكاح، ولكمال شفقته، ويشترط أن يكون: رشيداً، بالغاً، عاقلاً، حرًّا، عدلاً ولو ظاهراً؛ لأن تفويض الولاية إلى غير من هذه صفاته تضييع للمال، (ثُمَّ) وليهم بعد الأب (وَصِيُّهُ) أي: وصي الأب؛ لأنه نائبه، بالصفات السابقة في الأب، (ثُمَّ) وليهم بعد الأب وبعد وصيه (الحَاكِمُ)، بالصفات السابقة في الأب؛ لأن الولاية انقطعت من جهة الأب فتكون للحاكم؛ لأنه ولي من لا ولي له. وليس للجد ولا الأم وسائر العصبات ولاية؛ لأن الجد لا يدلي بنفسه وإنما يدلي بالأب الأدنى، فلم يَلِ مال الصغير كالأخ، وأما من سوى الأب فلا تثبت لهم ولاية؛ لأن المال محل الخيانة، ومن سواهم قاصر الشفقة، غير مأمون على المال، فلم يله كالأجنبي.

стр. 935

واختار شيخ الإسلام: أن الولاية تثبت لسائر العصبة بشرط العدالة؛ قياساً على ولاية النكاح؛ ولأن المقصود حماية المحجور عليه، فإذا وُجد أحد من أقاربه فهو أولى من غيره. - مسألة: (وَ) يجب على الولي أن (لَا يَتَصَرَّفَ لَهُمْ) أي: للمحجور عليهم (إِلَّا بِالأَحَظِّ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٢٥]، وللقاعدة الشرعية: أن من تصرف لغيره فتصرفه تصرف مصلحة، ومن تصرف لنفسه فتصرفه تصرف تشهٍّ. ومفهومه: أن ما لا حظ له فيه ليس له التصرف به كالتبرعات من هبة، أو عتق، أو محاباة ونحو ذلك، فإن فعل شيئًا من ذلك ضمن؛ لأنه مفرط، كتصرفه في مال غيرهم، قال في المبدع: (ومراده - والله أعلم - أنه يضمن القدر الزائد على الواجب لا مطلقاً). - مسألة: (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أي: الولي بيمينه؛ لاحتمال قول اليتيم، ويقبل قول الحاكم بغير يمين؛ لعدم التُّهَمَة، (بَعْدَ فَكِّ حَجْرٍ) عن محجور عليه (فِي): ١ - وجود (مَنْفَعَةٍ) أي: غبطة، (وَ) في وجود (ضَرُورَةٍ) إذا باع عقاره وادعى وجود الضرورة أو الغبطة المقتضية لبيع العقار ثم أنكره الصبي؛ لأن الولي أمين.

стр. 936

٢ - (وَ) في (تَلَفِ) المال أو بعضه وعدم التفريط؛ لأنه أمين، والأصل براءته، ولا معنى للأمانة إلا انتفاء الضمان. إلا أن يدعي تلفاً بأمر ظاهر؛ كالحريق والنهب ونحوهما، فعليه إقامة البينة على وجود ذلك الأمر الظاهر، ثم يكون القول قوله في تلفها به؛ لعدم خفائه فلا تتعذر البينة عليه. ٣ - وأما قوله في دفع المال إلى المحجور عليه بعد رشده، فلا يخلو الولي من أمرين: الأول: أن يكون وليًّا بأجرة: فقال ﵀: (لَا) يقبل قوله (فِي دَفْعِ مَالٍ بَعْدَ رُشْدٍ) وعقل، بل يقبل قول اليتيم؛ لأن الولي قبض المال لحظه، فلم تقبل دعواه الرد؛ كالمرتهن والمستعير. الثاني: أن يكون متبرعاً فيُقبل قوله، وأشار إليه بقوله: (إِلَّا مِنْ مُتَبَرِّعٍ)؛ لأنه أمين أشبه المودَع. وقيل: يقبل قوله مطلقًا، وهو ظاهر كلام ابن قدامة في المقنع. - فائدة: الأمين هو: كل من قبض المال بإذن الشارع، أو بإذن المالك، وقبول قوله في الرد على ثلاثة أقسام: الأول: من قبض المال لمنفعة مالكه وحده: فيقبل قوله في الرد، كالمودَع، والوكيل المتبرع، والولي المتبرع؛ لأنه أمين.

стр. 937

الثاني: من قبض المال لمنفعة نفسه، فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة؛ كالمرتهن، والمستأجر، والمستعير؛ لأنه قبض العين لحظ نفسه. الثالث: من قبض المال لمنفعة مشتركة بينه وبين مالكه: فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة (١)؛ كالمضارب، والشريك، والوكيل بجعل، والولي بأجرة؛ لأن في قبضه نفعاً لنفسه. وفي وجه: أن الأمين يقبل قوله في الرد مطلقاً؛ لأنه أمين، وإذا قبل قوله في التلف فالرد من باب أولى. - مسألة: (وَ) أما ما (يَتَعَلَّقُ) بـ (دَيْنِ) العبد، فلا يخلو من أمرين: الأول: دين العبد الـ (مَأْذُونِ لَهُ) في الاستدانة ببيع أو قرض، فيتعلق ذلك الدَّين (بِذِمَّةِ سَيِّدٍ)، فيلزمه أداؤه؛ لأنه متصرف لسيده، وقد غرَّ الناس بمعاملته. (وَ) الثاني: (دَينُ غَيْرِهِ) وهو العبد غير المأذون له في الاستدانة، (وَ) كذا (أَرْشُ جِنَايَةِ قِنٍّ، وَقِيَمُ مَتْلَفَاتِهِ) فيتعلق ذلك كله (بِرَقَبَتِهِ)، أي: رقبة

стр. 938

العبد، لا بذمة سيده، فيخير السيد بين أن يفديه بالأقل من الدين أو قيمته، أو يبيعه ويعطيه، أو يسلمه لرب الدين؛ لفساد تصرفه فأشبه أرش جنايته. (فَصْلٌ) في الوكالة بفتح الواو وكسرها: التفويض، تقول: وكلت أمري إلى الله، أي: فوضته إليه، واصطلاحاً: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة. - مسألة: الوكالة جائزة إجماعاً؛ لقوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم﴾ [الكهف: ١٩]، وفعله ﷺ ، كما وكَّل عروة بن الجعد في شراء الشاة [البخاري: ٣٦٤٢]، ولدعاء الحاجة إليها إذ لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه بنفسه. - مسألة: لا تصح الوكالة إلا بالإيجاب والقبول؛ لأنه عقد تعلَّق به حقُّ كل واحدٍ منهما فافتقر إلى الإيجاب والقبول؛ كالبيع. - فالإيجاب: أشار إليه المؤلف بقوله: (وَتَصِحُّ الوَكَالَةُ بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى إِذْنٍ)؛ كبِعْ بيتي، أو فوضت إليك أمره، أو أذنت لك فيه، أو جعلتك نائباً، أو أقمتك مقامي في كذا؛ لأنه لفظ دل على الإذن، فصحَّ كلفظها الصريح.

стр. 939

فلا تصح الوكالة بالفعل الدال عليها من الموكل؛ لأن الوكالة مبنية على الرضا وطيب النفس، وهي معانٍ في القلب لا يعبر عنها إلا باللفظ. واختار شيخ الإسلام: انعقاد الوكالة بالفعل الدال عليها من الموكل؛ قياساً على المعاطاة في البيع، وقياساً على صحة قبول الوكالة بالفعل من الوكيل كما سيأتي. - والقبول: أشار إليه بقوله: (وَ) يصح (قَبُولُهَا) أي: الوكالة (بِكُلِّ قَوْلٍ)؛ لما تقدم في الإيجاب، (أَوْ) بـ (ـفِعْلٍ دَالٍّ عَلَيْهِ) أي: دال على القبول؛ لأن قبول وكلائه ﷺ كان بفعلهم، ولأنه إذن في التصرف فجاز قبوله بالفعل، كأكل الطعام. - مسألة: (وَشُرِطَ) لصحة الوكالة: (كَوْنُهُمَا) أي: الوكيل والموكل (جَائِزَيِ التَّصَرُّفِ)، فلا يصح أن يوكل في شيء لا يصح أن يتصرف فيه؛ لأن النائب فرع عن المستنيب وهو ممنوع من التصرف، فنائبه في عدم الصحة أولى، وكذلك الوكيل لا يصح أن يتوكل في شيء لا يصح الفعل منه لنفسه. - ضابط: (وَمَنْ) جاز (لَهُ تَصَرُّفٌ فِي شَيْءٍ) بنفسه (فَلَهُ) أي: جاز له (تَوَكُّلٌ) فيه (وَ) جاز له أيضاً (تَوْكِيلٌ فِيهِ (١)؛ أي: جاز أن يستنيب غيره وأن

стр. 940

ينوب عن غيره لانتفاء المفسدة، ومن لا يصح تصرفه بنفسه فنائبه أولى لما تقدم والمراد فيما تدخله النيابة ويأتي، ومن لا يصح تصرفه بنفسه فنائبه أولى، فلو وكله في بيع ما سيملكه أو طلاق من يتزوجها لم يصح؛ لأن الموكل لا يملكه حين التوكيل. - مسألة: ما تصح فيه الوكالة وما لا تصح، لا يخلو من قسمين: الأول: حقوق الآدميين: وأشار إليه بقوله: (وَتَصِحُّ) الوكالة (فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ) من العقود كالبيع والإجارة والقرض والشركة والمساقاة والكفالة والرهن والنكاح وغيرها، والفسوخ كالطلاق والخلع، والمطالبة بالحقوق والإبراء منها، وفي تملك المباحات كالصيد وإحياء الموات، وغير ذلك؛ لحديث عروة بن الجعد ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَاراً يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ

стр. 941

بِالبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» [البخاري: ٣٦٤٢]، وغير البيع مما ذُكر كالبيع في الحاجة إلى التوكيل فيها. - فرع: (لَا) تصح الوكالة في بعض حقوق الآدميين؛ لسبب فيها، فمن ذلك: ١ - كل معصية لله تعالى، كغصب وجنايات و (ظِهَارٍ) ونحوها؛ لأنه لا يحل له فعله بنفسه فلم تجز النيابة فيه. ٢ - كل ما لا تدخله النيابة؛ لتعلقه بعين الآدمي، ويدخل في ذلك: أ) القَسْم بين الزوجات؛ لأنها تتعلق ببدن الزوج لأمر يختص به. ب) (وَلِعَانٍ)، وإيلاء، وقسامة؛ لأنه يمين، ويأتي فيما بعده. ت) (وَأَيْمَانٍ) ونذور؛ لأنها تتعلق بعين الحالف والناذر، فأشبهت العبادات البدنية. ث) الشهادة؛ لتعلقها بعين الشاهد. ج) الرضاع؛ لأنه يختص بالمرضعة والمرتضع لأمر يختص بإنبات لحم المرتضع وإنشاز عظمه من لبنها. ح) الاغتنام؛ لأنه يستحق بالحضور فلا طلب للغائب به. خ) التقاط اللقطة أو اللقيط؛ لأن المغلب فيه الائتمان.

стр. 942

د) الجزية؛ لفوات الصغار. القسم الثاني: حقوق الله تعالى، وهي لا تخلو من ثلاثة أقسام: ١ - الحقوق المالية: وأشار إليه بقوله: (وَ) تصح الوكالة أيضاً (فِي كُلِّ حَقٍّ لِلهِ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ)؛ كتفرقة صدقة وزكاة ونذر وكفارة؛ لأنه ﷺ كان يبعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها. ٢ - العبادات البدنية المحضة؛ كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث والاعتكاف ونحوها: فلا تصح فيها الوكالة; لأنها تتعلق ببدن من هي عليه. - أما الصوم المنذور والاعتكاف المنذور ونحوهما فيفعل عن الميت وليس ذلك بوكالة؛ لأن الميت لم يستنب الولي بذلك وإنما أمره الشرع به إبراء لذمة الميت. - وأما ركعتا الطواف فهما تبع للحج؛ ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً. ٣ - العبادات المركبة، كالحج وذبح الأضاحيّ والهدي: فيصح التوكيل فيها على ما تقدم في كتاب الحج؛ لثبوت ذلك بالأدلة. (١)

стр. 943

- مسألة: (وَهِيَ) أي: الوكالة (وَشَرِكَةٌ، وَمُضَارَبَةٌ، وَمُسَاقَاةٌ، وَمُزَارَعَةٌ، وَوَدِيعَةٌ، وَجُعَالَةٌ)، ومسابقة، وعاريَّة؛ (عُقُودٌ جَائِزَةٌ) من الطرفين؛ لأنها من جهة الموكل إذن، ومن جهة الوكيل بذل نفع، وكلاهما غير لازم، فـ (لِكُلِّ) واحد من الطرفين (فَسْخُهَا) أي: فسخ الوكالة وما بعدها من العقود المذكورة. وقال ابن رجب: (التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضررًا على أحد المتعاقدين، أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد؛ لم يجز ولم ينفذ، إلا أن يُمكن استدراك الضرر بضمان أو نحوه، فيجوز على ذلك الوجه) (١)، واختاره ابن عثيمين؛ لقول الله : ﴿أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ [النساء: ١٢]، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁: عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أحمد: ٢٢٧٧٨، وابن ماجه: ٢٣٤٠]. - مسألة: (وَلَا يَصِحُّ بِلَا إِذْنِ) موكل (بَيْعُ وَكِيلٍ لِنَفْسِهِ)، بأن يشتري من نفسه لنفسه ما وُكِّل في بيعه، (وَلَا) يصح أيضاً (شِرَاؤُهُ مِنْهَا) أي: نفسه (لِمُوَكِّلِهِ)، بأن وُكِّل في شراء شيء فاشتراه من نفسه لموكله؛ لأنه تلحقه

стр. 944

تُهَمَة، والعُرف يقتضي بيع الرجل من غيره، فحملت الوكالة عليه. (وَ) لا يصح بيع الوكيل لـ (وَلَدِهِ) ما وُكِّل في بيعه، أو شراؤه منه كما تقدم، (وَ) لا لـ (وَالِدِهِ، وَ) لا لـ (مُكَاتَبِهِ)، ولا لزوجته وسائر من لا تقبل شهادته عليهم؛ (كَـ) ـالحكم فيما لو باع لـ (نَفْسِهِ) أو اشترى منها؛ لأنه متهم في حقهم ويميل إلى ترك الاستقصاء عليهم في الثمن؛ لتُهَمَتِه في حق نفسه. فإن أذن موكل لوكيله في بيعه لنفسه، أو شرائه منها، أو ممن لا تقبل شهادته له؛ صح؛ لأن الحق له فانتفت التُهَمَة. واختار ابن عثيمين: يجوز بيعه علىهم إلا إذا ظهرت منه المحاباة؛ لأنه وَكَّله في البيع ولم يقل: لا تبع على هؤلاء، فاللفظ يشمل هؤلاء وهؤلاء، والأصل صحة التوكيل. - فرع: مثل الوكيل: حاكم، وأمينه، وناظر وقف، ووصي، ومضارب، وشريك عنان ووجوه، فلا يبيع أحد منهم لنفسه ولا لولده ووالده ونحوه، ولا يشتري من نفسه ولا من ولده ووالده ونحوه؛ لما تقدم. - مسألة: (وَإِنْ بَاعَ) الوكيل ما وُكِّل في بيعه (بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلٍ) إن لم يُقدِّر الموكل له الثمن، أو باعه الوكيل بدون ما قدَّره له الموكل، (أَوِ اشْتَرَى) الوكيل (بِأَكْثَرَ مِنْهُ) أي: من ثمن المثل، أو اشتراه بأكثر مما قدره له الموكِّل؛ (صَحَّ) البيع والشراء؛ لأن من صح منه ذلك بثمن مثله صح بغيره، (وَضَمِنَ)

стр. 945

الوكيل (زِيَادَةً) أي: كل زيادة عن مقدَّر أو ثمن مثل في شراء، (أَوْ) ضمن (نَقْصاً) أي: كل نقص عن مقدَّر أو ثمن مثل في بيع؛ لأنه مفرط، وتصحيح البيع والشراء مع تضمين الوكيل فيه جمع بين حظ المشتري بعدم الفسخ وحظ البائع، وأما الوكيل فلا يعتبر حظه؛ لأنه مفرط بترك الاحتياط وطلب الحظ لآذنه، وفي بقاء العقد وتضمين المفرط جمع بين المصالح. واختار شيخ الإسلام: أنه لا يضمن الوكيل إلا إذا فرَّط، فأما إن احتاط ثم ظهر غبن أو عيب فهو معذور، يشبه خطأ الإمام والحاكم. ومثله الشريك، والمزارع، والناظر على بيت المال والوقف، والوصي، ونحو ذلك. - فرع: لا تخلو المسألة السابقة من أمرين: ١ - أن يبيع ويشتري في حالة تقدير الثمن: فيضمن، ولو مما يتغابن فيه الناس عادة؛ لمخالفته. ٢ - أن يبيع ويشتري في حالة عدم تقدير الثمن: فيضمن إن كان ذلك مما لا يتغابن به عادة على ما تقدم بيانه، أما ما يتغابن الناس بمثله فلا يضمن؛ لأنه لا يمكن التحرز منه.

стр. 946

- مسألة: (وَوَكِيلُ مَبِيعٍ يُسَلِّمُهُ) لمشتريه؛ لأن إطلاق الوكالة في البيع يقتضيه، لأنه من تمامه، (وَلَا يَقْبِضُ) الوكيل في البيع (ثَمَنَهُ)؛ بغير إذن الموكل؛ لأنه قد يوكل في البيع من لا يأمنه على قبض الثمن (إِلَّا) في أمرين: ١ - (بِقَرِينَةٍ)، فإن دلت القرينة على قبضه؛ مثل توكيله في بيع شيءٍ في سوق غائبًا عن الموكل، أو موضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل له، كان إذنًا في قبضه، فإن تركه ضمنه؛ لأنه يعد مفرطًا، وهو المذهب عند ابن قدامة والمجد. والمذهب عند المتأخرين: لا يقبضه إلا بإذنه، ولو دلت القرينة فلا يقبضه؛ لأنه قد يوكل في البيع من لا يأمنه على قبض الثمن، فإن تعذر إذن الموكل لم يلزم الوكيل شيء؛ لأنه ليس بمفرط؛ لكونه لا يملك قبضه. وفي وجه اختاره ابن عثيمين: أن وكيل البيع يقبض الثمن مطلقاً؛ لأن عمل الناس على ذلك. ٢ - إن أفضى عدم القبض إلى الربا؛ كبيع ربوي بآخر ولم يحضر الموكل، فإن الوكيل يقبض الثمن حتى على المذهب؛ لأن القبض حينئذ من مقتضى العقد. - مسألة: (وَيُسَلِّمُ وَكِيلُ الشِّرَاءِ الثَّمَنَ) للبائع؛ لحديث عروة السابق،

стр. 947

ولأنه من تتمته وحقوقه، ولا يملك قبض المبيع إلا بإذن صريح على ما تقدم. وفي وجه اختار ابن عثيمين: يقبض المبيع مطلقاً؛ لاقتضاء العرف ذلك. - مسألة: (وَوَكِيلٌ) في (خُصُومَةٍ لَا يَقْبِضُ)؛ لأن الإذن لم يتناوله نطقاً ولا عُرفاً؛ لأنه قد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض. وقيل، واختاره ابن عثيمين: له القبض إن دلت عليه القرينة. (وَ) أما وكيل في (قَبْضٍ) فإنه (يُخَاصِمُ)؛ لأنه لا يتوصل إليه إلا بها، فهو إذن فيها عُرفاً. وفي وجه، واختاره ابن عثيمين: أنه ليس له الخصومة؛ لأنهما معنيان مختلفان، فالوكيل في أحدهما لا يكون وكيلًا في الآخر؛ لأنه لم يتناوله اللفظ. - مسألة: (وَالوَكِيلُ أَمِينٌ) فيما وُكِّل فيه، سواء كان متبرعاً أو بجُعل، فـ (لَا يَضْمَنُ) ما تلف بيده من ثمن وغيره (إِلَّا بِتَعَدٍّ) منه (أَوْ تَفْرِيطٍ) اتفاقًا؛ لأنه نائب المالك في اليد والتصرف، فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك، فإن فرط أو تعدى ضمن. وكذا كل من كان بيده شيء على سبيل الأمانة؛ كالوصي ونحوه.

стр. 948

- فرع: التعدي: فعل ما لا يجوز، كما لو وُكِّل في شراء ثوب، فلبسه بدون إذن موكل ثم تمزق، والتفريط: ترك ما يجب، كما لو وضع المال في غير حرز فسُرق. - مسألة: (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أي: الوكيل (فِي) أمور، منها: ١ - (نَفْيُهُمَا) أي: نفي التعدي أو التفريط؛ لأنه أمين، ولا يكلف ببينة؛ لئلا يمتنع الناس من الدخول في الأمانات مع الحاجة إليها. وتقدم في باب الحجر. ٢ - (وَ) يقبل قوله في (هَلَاكِ) عين أو ثمن (بِيَمِينِهِ)؛ لأن الأصل براءة ذمته، لكن إن ادعى التلف بأمر ظاهر؛ كحريق عامٍّ، ونهب جيش؛ كُلِّف إقامة البينة عليه، ثم يقبل قوله فيه، وتقدم في الحجر. ٣ - (كَـ) ما تقبل (دَعْوَى) وكيل (مُتَبَرِّعٍ) أنه (رَدَّ العَيْنِ) لموكل، (أَوْ) أنه رد (ثَمَنَهَا لِمُوَكِّلٍ)؛ لأنه قبض العين لنفع مالكها فقط؛ كالمودَع. وعُلم منه: لا يقبل قوله في الردِّ إن كان غير متبرع؛ لأن في قبضه نفعاً لنفسه؛ أشبه المستعير. وتقدم تفصيله في باب الحجر. - فرع: (لَا) يقبل قول وكيل في ردِّ عين أو ثمن (لِوَرَثَتِهِ) أي: ورثة الموكل الميت؛ لأنهم لم يأتمنوه، (إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) فيقبل قوله بها.

стр. 949

(فَصْلٌ) في الشركة الشركة: بوزن سَرِقَة، ونِعْمَة، وتَمْرَة. وهي جائزة بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض﴾ [ص: ٢٤]، والخلطاء: هم الشركاء. - مسألة: الشركة نوعان: ١ - شركة أملاك: وهي اجتماع في استحقاق؛ كثبوت الملك في عقار أو منفعة لاثنين فأكثر، بإرث أو هبة أو شراء أو نحوها. ٢ - شركة عقود: وهي اجتماع في تصرفٍ من بيع ونحوه، وهي المقصودة هنا. - مسألة: (وَالشَّرِكَةُ) أي: شركة العقود (خَمْسَةُ أَضْرُبٍ): الضرب الأول: (شَرِكَةُ عِنَانٍ)، سميت بذلك؛ لتساوي الشريكين في المال والتصرف، كالفارسين إذا سَوَّيا بين فرسيهما وتساويا في السير، (وَهِيَ: أَنْ يُحْضِرَ كُلُّ) واحدٍ (مِنْ عَدَدٍ) اثنين فأكثر، حال كونه

стр. 950

(جَائِزَ التَّصَرُّفِ) فلا تصح مع نحو سفيه وصغير؛ لأنها عقد على تصرف في مال، فلم تصح من غير جائز التصرف كالبيع، (مِنْ مَالِهِ) فلا تصح من نحو مغصوب، (نَقْداً) أي: ذهباً أو فضة مضروباً، (مَعْلُوماً) قدره وصفته، (لِيَعْمَلَ فِيهِ) أي: المال كله (كُلٌّ) من الشركين، أو يعمل فيه أحدهما بشرط أن يكون له من الربح أكثر من ربح ماله؛ نظير عمله، (عَلَى أَنَّ لَهُ) أي: لكل واحد منهما (مِنَ الرِّبْحِ جُزْءاً مُشَاعاً مَعْلُوماً)؛ كالثلث والربع، ولو أكثر من نسبة ماله لقوة حذقه. وعلم من التعريف أنه يُشترط لصحة شركة العنان أربعة شروط: ١ - أن يكون المال حاضراً؛ لتقدير العمل وتحقيق الشركة، فلا تصح الشركة على مالٍ غائب، ولا على مالٍ في الذمة؛ لأنه لا يمكن التصرف فيه في الحال وهو مقصود الشركة. واختار ابن القيم: جواز كون رأس مال الشركة ديناً؛ لأن الأصل في المعاملات الحل، ولا دليل على المنع. ٢ - أن يكون رأس المال من النقدين - الذهب والفضة - المضروبين؛ لأنهما قِيَم الأموال وأثمان البياعات، فلا تصح من العروض ونحوها. وعنه واختاره ابن عثيمين: يصح أن يكون رأس المال من العروض؛ لأن المقصود من الشركة التصرف في المالين، وكون الربح بينهما، وهو
следующие страницы →