- مسألة: (وَوَكِيلُ مَبِيعٍ يُسَلِّمُهُ) لمشتريه؛ لأن إطلاق الوكالة في البيع يقتضيه، لأنه من تمامه، (وَلَا يَقْبِضُ) الوكيل في البيع (ثَمَنَهُ)؛ بغير إذن الموكل؛ لأنه قد يوكل في البيع من لا يأمنه على قبض الثمن (إِلَّا) في أمرين:
١ - (بِقَرِينَةٍ)، فإن دلت القرينة على قبضه؛ مثل توكيله في بيع شيءٍ في سوق غائبًا عن الموكل، أو موضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل له، كان إذنًا في قبضه، فإن تركه ضمنه؛ لأنه يعد مفرطًا، وهو المذهب عند ابن قدامة والمجد.
والمذهب عند المتأخرين: لا يقبضه إلا بإذنه، ولو دلت القرينة فلا يقبضه؛ لأنه قد يوكل في البيع من لا يأمنه على قبض الثمن، فإن تعذر إذن الموكل لم يلزم الوكيل شيء؛ لأنه ليس بمفرط؛ لكونه لا يملك قبضه.
وفي وجه اختاره ابن عثيمين: أن وكيل البيع يقبض الثمن مطلقاً؛ لأن عمل الناس على ذلك.
٢ - إن أفضى عدم القبض إلى الربا؛ كبيع ربوي بآخر ولم يحضر الموكل، فإن الوكيل يقبض الثمن حتى على المذهب؛ لأن القبض حينئذ من مقتضى العقد.
- مسألة: (وَيُسَلِّمُ وَكِيلُ الشِّرَاءِ الثَّمَنَ) للبائع؛ لحديث عروة السابق،
стр. 947
ولأنه من تتمته وحقوقه، ولا يملك قبض المبيع إلا بإذن صريح على ما تقدم.
وفي وجه اختار ابن عثيمين: يقبض المبيع مطلقاً؛ لاقتضاء العرف ذلك.
- مسألة: (وَوَكِيلٌ) في (خُصُومَةٍ لَا يَقْبِضُ)؛ لأن الإذن لم يتناوله نطقاً ولا عُرفاً؛ لأنه قد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض.
وقيل، واختاره ابن عثيمين: له القبض إن دلت عليه القرينة.
(وَ) أما وكيل في (قَبْضٍ) فإنه (يُخَاصِمُ)؛ لأنه لا يتوصل إليه إلا بها، فهو إذن فيها عُرفاً.
وفي وجه، واختاره ابن عثيمين: أنه ليس له الخصومة؛ لأنهما معنيان مختلفان، فالوكيل في أحدهما لا يكون وكيلًا في الآخر؛ لأنه لم يتناوله اللفظ.
- مسألة: (وَالوَكِيلُ أَمِينٌ) فيما وُكِّل فيه، سواء كان متبرعاً أو بجُعل، فـ (لَا يَضْمَنُ) ما تلف بيده من ثمن وغيره (إِلَّا بِتَعَدٍّ) منه (أَوْ تَفْرِيطٍ) اتفاقًا؛ لأنه نائب المالك في اليد والتصرف، فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك، فإن فرط أو تعدى ضمن.
وكذا كل من كان بيده شيء على سبيل الأمانة؛ كالوصي ونحوه.
стр. 948
- فرع: التعدي: فعل ما لا يجوز، كما لو وُكِّل في شراء ثوب، فلبسه بدون إذن موكل ثم تمزق، والتفريط: ترك ما يجب، كما لو وضع المال في غير حرز فسُرق.
- مسألة: (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أي: الوكيل (فِي) أمور، منها:
١ - (نَفْيُهُمَا) أي: نفي التعدي أو التفريط؛ لأنه أمين، ولا يكلف ببينة؛ لئلا يمتنع الناس من الدخول في الأمانات مع الحاجة إليها. وتقدم في باب الحجر.
٢ - (وَ) يقبل قوله في (هَلَاكِ) عين أو ثمن (بِيَمِينِهِ)؛ لأن الأصل براءة ذمته، لكن إن ادعى التلف بأمر ظاهر؛ كحريق عامٍّ، ونهب جيش؛ كُلِّف إقامة البينة عليه، ثم يقبل قوله فيه، وتقدم في الحجر.
٣ - (كَـ) ما تقبل (دَعْوَى) وكيل (مُتَبَرِّعٍ) أنه (رَدَّ العَيْنِ) لموكل، (أَوْ) أنه رد (ثَمَنَهَا لِمُوَكِّلٍ)؛ لأنه قبض العين لنفع مالكها فقط؛ كالمودَع.
وعُلم منه: لا يقبل قوله في الردِّ إن كان غير متبرع؛ لأن في قبضه نفعاً لنفسه؛ أشبه المستعير. وتقدم تفصيله في باب الحجر.
- فرع: (لَا) يقبل قول وكيل في ردِّ عين أو ثمن (لِوَرَثَتِهِ) أي: ورثة الموكل الميت؛ لأنهم لم يأتمنوه، (إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) فيقبل قوله بها.
стр. 949
(فَصْلٌ) في الشركة
الشركة: بوزن سَرِقَة، ونِعْمَة، وتَمْرَة.
وهي جائزة بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض﴾ [ص: ٢٤]، والخلطاء: هم الشركاء.
- مسألة: الشركة نوعان:
١ - شركة أملاك: وهي اجتماع في استحقاق؛ كثبوت الملك في عقار أو منفعة لاثنين فأكثر، بإرث أو هبة أو شراء أو نحوها.
٢ - شركة عقود: وهي اجتماع في تصرفٍ من بيع ونحوه، وهي المقصودة هنا.
- مسألة: (وَالشَّرِكَةُ) أي: شركة العقود (خَمْسَةُ أَضْرُبٍ):
الضرب الأول: (شَرِكَةُ عِنَانٍ)، سميت بذلك؛ لتساوي الشريكين في المال والتصرف، كالفارسين إذا سَوَّيا بين فرسيهما وتساويا في السير، (وَهِيَ: أَنْ يُحْضِرَ كُلُّ) واحدٍ (مِنْ عَدَدٍ) اثنين فأكثر، حال كونه
стр. 950
(جَائِزَ التَّصَرُّفِ) فلا تصح مع نحو سفيه وصغير؛ لأنها عقد على تصرف في مال، فلم تصح من غير جائز التصرف كالبيع، (مِنْ مَالِهِ) فلا تصح من نحو مغصوب، (نَقْداً) أي: ذهباً أو فضة مضروباً، (مَعْلُوماً) قدره وصفته، (لِيَعْمَلَ فِيهِ) أي: المال كله (كُلٌّ) من الشركين، أو يعمل فيه أحدهما بشرط أن يكون له من الربح أكثر من ربح ماله؛ نظير عمله، (عَلَى أَنَّ لَهُ) أي: لكل واحد منهما (مِنَ الرِّبْحِ جُزْءاً مُشَاعاً مَعْلُوماً)؛ كالثلث والربع، ولو أكثر من نسبة ماله لقوة حذقه.
وعلم من التعريف أنه يُشترط لصحة شركة العنان أربعة شروط:
١ - أن يكون المال حاضراً؛ لتقدير العمل وتحقيق الشركة، فلا تصح الشركة على مالٍ غائب، ولا على مالٍ في الذمة؛ لأنه لا يمكن التصرف فيه في الحال وهو مقصود الشركة.
واختار ابن القيم: جواز كون رأس مال الشركة ديناً؛ لأن الأصل في المعاملات الحل، ولا دليل على المنع.
٢ - أن يكون رأس المال من النقدين - الذهب والفضة - المضروبين؛ لأنهما قِيَم الأموال وأثمان البياعات، فلا تصح من العروض ونحوها.
وعنه واختاره ابن عثيمين: يصح أن يكون رأس المال من العروض؛ لأن المقصود من الشركة التصرف في المالين، وكون الربح بينهما، وهو
стр. 951
حاصل في العروض، ولأن رأس المال في الشركة معلوم، وهو قيمة العروض، فكانت كالنقود.
ولكن تُقدَّر قيمته بالنقدين وقت عقد الشركة؛ ليرجع كل واحد منهما إلى قيمة ملكه عند فسخ الشركة.
٣ - أن يكون المال معلوماً؛ فلا تصح على مجهول؛ لأنه من الغرر.
٤ - أن يشترطا لكل منهما جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً؛ كالثلث والربع، لأن الربح مستحق لهما بحسب الاشتراط، فلم يكن بد من اشتراطه كالمضاربة.
فإن شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً، أو دراهم معلومة، أو ربح أحد الثوبين أو إحدى السفرتين ونحوه؛ لم تصح الشركة؛ لأنه قد يربح في ذلك المعين دون غيره أو بالعكس، فيختص أحدهما بالربح، وهو مخالف لموضوع الشركة، ولحديث رافع بن خَدِيجٍ ﵁، لما سئل عن كراء الأرض بالذهب والفضة قال: «لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ» [مسلم: ١٥٤٧].
- ضابط: الربح في الشركة: على ما شرطاه، والوضيعة - وهي: الخسران- على قدر المالين بالحساب لا بالشرط؛ لأنها عبارة عن نقصان
стр. 952
رأس المال، وهو مختص بالقدر، فيكون النقص منه دون غيره، فلا يحمَّل أحدهما أكثر من خسارة ماله؛ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل.
- فرع: فإذا صحت الشركة فإنه ينفذ تصرف كل واحد منهما في المالين، بحكم الملك في نصيبه وبحكم الوكالة في نصيب شريكه.
فلكلٍّ منهما أن يبيع ويشتري، ويقبض، ويطالب بالدين، ويخاصم فيه، ويحيل ويحتال، ويرد بالعيب، ويفعل كل ما هو من مصلحة تجارتهما.
الضرب (الثَّانِي: المُضَارَبَةُ) من الضرب في الأرض وهو السفر للتجارة، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وتسمى: قراضًا ومعاملةً.
وهي جائزة بالإجماع، ورويت عن عمر وعثمان [الموطأ ٢/ ٦٨٨]، وعلي [عبد الرزاق: ١٥٠٨٧]، وابن مسعود ﵃ [البيهقي: ١٢٠٦٩].
(وَهِيَ) أي: المضاربة (دَفْعُ مَالٍ) أي: نقد مضروب على ما تقدم، أو ما في معنى الدفع، بأن كان له عند إنسان نقد مضروب من نحو وديعة تحت يده، (مُعَيَّنٍ) لا مبهم، فلا يصح بنحو: ضارب بأحد هذين الكيسين، تساوى ما فيهما أو لا، (مَعْلُومٍ) لا مجهول، فلا يصح بنحو: ضارب بما في هذا الكيس من الدراهم وهو يجهله؛ لأنه لابد من الرجوع إلى رأس المال عند الفسخ ليعلم الربح، ولا يمكن ذلك مع الجهل، (لِمَنْ يَتَّجِرُ فِيهِ) أي: في
стр. 953
هذا المال المدفوع، ولا بد أن يكون (بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ رِبْحِهِ) كما تقدم في شركة العنان.
- فرع: (وَإِنْ ضَارَبَ) عاملٌ في شركةٍ (لِـ) ـرب مالٍ (آخَرَ) في أثناء الشركة، فلا يخلو من حالين:
١ - إن ضارب العامل بالمال الثاني ولم يكن فيها ضرر على رب المال الأول: فيجوز؛ لانتفاء الضرر، وكذا إن أذن له الأول؛ لأن الحق له وقد أسقطه.
٢ - إن ضارب العامل بالمال الثاني (فَأَضَرَّ) اشتغاله به برب المال (الأَوَّلِ) ولم يأذن له: (حَرُمَ) ذلك؛ لأن الشركة تنعقد على الحظ والنماء، فلم يجز له أن يفعل ما يمنع ذلك.
(وَ) إن ضارب العامل بالمال الآخر مع ضرر الأول وعدم إذنه فربح فيه؛ (رَدَّ حِصَّتَهُ) من ربح الثانية (فِي الشَّرِكَةِ) الأولى؛ لأنه استحق ذلك بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول.
واختار شيخ الإسلام: أن رب المضاربة الأولى ليس له شيء من ربح المضاربة الثانية؛ لأنه لا عمل له فيهما ولا مال. قال ابن عثيمين: (ويكون العامل آثماً بذلك).
стр. 954
- فرع: (وَإِنْ تَلِفَ رَأْسُ المَالِ أَوْ) تلف (بَعْضُهُ) فلا يخلو من حالين:
١ - أن يكون التلف قبل التصرف: فتنفسخ المضاربة؛ لأنه مالٌ هلك على جهته قبل التصرف، أشبه التالف قبل القبض.
وإن كان التالفُ البعضَ؛ لم تنفسخ، وكان رأس مال الشركة هو الباقيَ خاصة.
٢ - أن يكون التلف (بَعْدَ) الـ (ـتَّصَرُّفِ): فلا تنفسخ المضاربة؛ لأن العامل دار في التجارة، وشرع فيما قُصد بالعقد من التصرفات المؤدية إلى الربح.
ومثل التلف: ما لو تعيب المال، أو نزل السعر، (أَوْ خَسِرَ) في إحدى سلعتين أو سفرتين، فلا تنفسخ أيضاً.
ولا يخلو التلف والخسران حينئذ من حالين:
الحال الأولى: أن يكون بعد قسمة المال، أو بعد تنضيضه - والتنضيض: التصفية، بأن يقلب العروض إلى مال - مع المحاسبة، فإذا احتسبا وعلما مالهما، لم يجبر الخسران من الربح، تنزيلاً للتنضيض مع المحاسبة منزلة المقاسمة.
الحال الثانية: أن يكون قبل قسمة المال، وقبل تنضيضه مع المحاسبة: فيجب (جَبْرُ) ذلك (مِنْ رِبْحِ) الشركة؛ ولا يستحق العامل شيئاً إلا بعد كمال
стр. 955
رأس المال؛ لأنها مضاربة واحدة، قال ابن قدامة: (بلا خلاف)، وأشار إلى ذلك بقوله: (قَبْلَ قِسْمَةٍ) أي: قسمة الربح بين العامل ورب المال.
الضرب (الثَّالِثُ: شَرِكَةُ الوُجُوهِ)، سميت بذلك؛ لأنهما يعاملان فيها بوجههما أي: جاههما، والجاه والوجه واحد.
(وَهِيَ) أي: شركة الوجوه: (أَنْ يَشْتَرِكَا فِي رِبْحِ مَا يَشْتَرِيَانِ فِي ذِمَمِهِمَا) من غير أن يكون لهما مال، (بِجَاهَيْهِمَا)، أي: بوجوههما وثقة التجار بهما، فما ربحاه فهو بينهما على ما شرطاه، والوضيعة على قدر ملكيهما، وتصرفهما في نحو بيع وخصومة وإقراض؛ كشريكي عنان؛ لأنها في معناها.
- فرع: (وَكُلُّ) واحد من الشريكين في شركة الوجوه (وَكَيِلُ الآخَرِ وَكَفِيلُهُ بِالثَّمَنِ)؛ لأن مبناها على الوكالة والكفالة.
الضرب (الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الأَبْدَانِ)، سميت بذلك؛ لاشتراكهما في عمل أبدانهما، (وَهِيَ) نوعان:
الأول: (أَنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَتَمَلَّكَانِ بِأَبْدَانِهِمَا مِنْ مُبَاحٍ؛ كَاصْطِيَادٍ وَنَحْوِهِ)؛
стр. 956
كاحتطاب، واحتشاش، وسلب من يقتلانه بدار حرب، فتصح هذه الشركة؛ لقول عبد الله بن مسعود ﵁: «اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمْ أَجِئ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ، وَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ» [أبو داود: ٣٣٨٨، والنسائي: ٣٩٣٧، وابن ماجه: ٢٢٨٨]، قال أحمد: (أشْرَك بينهم النبيُّ ﷺ .
الثاني: أشار إليه بقوله: (أَوْ) يشتركا فيما (يَتَقَبَّلَانِ) بأبدانهما (فِي ذِمَمِهِمَا مِنْ عَمَلٍ؛ كَخِيَاطَة)، وحدادة، ونجارة، ونحوها، (فَمَا تَقَبَّلَهُ أَحَدُهُمَا لَزِمَهُمَا عَمَلُهُ وَطُولِبَا بِهِ)؛ لأن مبنى شركة الأبدان على الضمان، فكأنها تضمنت ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه.
- فرع: (وَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا) أي: أحد الشريكين في شركة الأبدان (العَمَلَ لِعُذْرٍ) ككونه مريضاً أو مسافراً أو غيرَه، (أَوْ لَا) لعذر بأن كان صحيحاً حاضراً؛ (فَالكَسْبُ بَيْنَهُمَا) على ما شرطا؛ لعموم حديث عبد الله بن مسعود ﵁ السابق، ولأن العمل مضمون عليهما، وبضمانهما له وجبت الأجرة، فتكون لهما، ويكون العامل منهما عوضًا لصاحبه في حصته، ولا يمنع ذلك استحقاقه.
وفي وجه اختاره ابن عثيمين: إن ترك العمل لغير عذر لا يكون الكسب بينهما، وإنما يختص بالعامل؛ لأن الشريك ترك العمل بغير عذر، فانفرد الآخر بالكسب.
стр. 957
- فرع: (وَيَلْزَمُ مَنْ عُذِرَ) من الشريكين في ترك عمل مع شريكه، أو ترك العمل من غير عذر، (أَوْ لَمْ يَعْرِفِ العَمَلَ)؛ كحداد، ونجار؛ التزم أحدهما عملاً لا يعرفه الآخر، فيلزمه (أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ) من ينوب عنه في العمل؛ لأنهما دخلا على أن يعملا، فإذا تعذر عليه العمل بنفسه لزمه أن يقيم غيره مقامه توفية للعقد بما يقتضيه، ومحله إذا كان (بِطَلَبِ شَرِيكٍ) له، فإن لم يطلبه أن يقيم مقامه أحدًا في العمل لم يلزمه؛ لأن الشريك أسقط حقه.
الضرب (الخَامِسُ: شَرِكَةُ المُفَاوَضَةِ)، وهي لغة: الاشتراك في كل شيء، (وَهِيَ) شرعًا قسمان:
القسم الأول: صحيح، وهو نوعان:
الأول: (أَنْ يُفَوِّضَ كُلُّ) واحد من الشريكين (إِلَى صَاحِبِهِ كُلَّ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ) وبدني، من شركة عنان وغيرها من أنواع الشركة؛ بيعًا وشراءً ومضاربةً وتوكيلًا ومسافرةً بالمال وارتهانًا وضمانَ ما يرى من الأعمال: فيصح؛ لأن الأصل الحل، ولأن كل واحدة منها تصح مفردة فصحت مجتمعة.
(وَ) الثاني: أن (يَشْتَرِكَا فِي كُلِّ مَا يَثْبُتُ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا: فَتَصِحُّ إِنْ لَمْ يُدْخِلَا فِيهَا كَسْباً نَادِراً)؛ لأنها لا تخرج عن أضرب الشركة المتقدمة.
стр. 958
- فرع: الربح في شركة المفاوضة على ما شرطاه، والوضيعة بقدر المال؛ لما سبق في شركة العنان.
القسم الثاني: أن يُدخِلا في شركة المفاوضة كلَّ كسب نادر؛ كوجدان لقطة، أو ركاز، أو ما يحصل من ميراث، وكل ما يلزم أحدهما من ضمان غصب وأرش جناية: فالعقد فاسد؛ لما فيه من كثرة الغرر.
- فرع: (وَكُلُّهَا) أي: أضرب الشركة الخمسة (جَائِزَةٌ) من الطرفين لكل منهما الفسخ، وتقدم في فصل الوكالة.
- فرع: (وَلَا ضَمَانَ) على أحد الشريكين في تلف ما بيده من ثمن وغيره (فِيهَا) أي: في أضرب الشركة الخمسة (إِلَّا بِتَعَدٍّ) منه (أَوْ تَفْرِيطٍ)؛ لأنه قبض المال بإذن مالكه، فهو وكيل عنه، والوكيل أمين، فإن تعدى أو فرط ضمن، وتقدم في الوكالة.
(فَصْلٌ) في المساقاة
المساقاة: من السقي؛ لأنه أهم أمرها.
وهي: دَفْع شجرٍ له ثمرٌ مأكولٌ - ولو غير مغروسٍ - إلى آخَرَ؛ ليقومَ بسَقْيِه وما يحتاج إليه، بجزءٍ معلومٍ له من ثمره.
стр. 959
- مسألة: المساقاة جائزة؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» [البخاري: ٢٧٣٠، ومسلم: ١٥٥١]، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ لأن كثيراً من الناس لا شجر لهم ويحتاجون إلى الثمر؛ وأهل الشجر يحتاجون إلى العمل، ففي تجويزها دفعٌ للحاجتين، وتحصيلٌ لمنفعةِ كلٍّ منهما، فجازت؛ كالمضاربة.
- مسألة: (وَتَصِحُّ المُسَاقَاةُ) في ثلاث صور:
الأولى: المساقاة (عَلَى شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ يُؤْكَلُ)، من نخلٍ وغيره، فيدفعها إلى آخر ليقوم بالعمل عليه بجزء مشاع معلوم من الثمرة؛ لما تقدم من حديث ابن عمر ﵄.
(وَ) الثانية: المساقاة على (ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ) لم تَكمُلْ، على أن تُنَمَّى بالعملِ، فيدفعها إلى آخر ليقوم بالعمل عليه (بِجُزْءٍ) مشاع معلوم (مِنْهَا) أي: من الثمرة؛ لأنها إذا جازت في المعدومِ مع كثرة الغرر؛ ففي الموجود وقلَّة الغررِ أَوْلى.
(وَ) الثالثة: المساقاة (عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ) العامل (وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ) ذلك الشجر، وتسمى المغارسة، فيدفعها مالكها إلى آخر ليقوم بالعمل عليها (بِجُزْءٍ) مشاع معلوم (مِنَ الثَّمَرَةِ، أَوْ) بجزء مشاع معلوم من (الشَّجَرِ،
стр. 960
أَوْ) بجزء مشاع معلوم (مِنْهُمَا) أي: الثمرة والشجر معاً؛ لأنَّ العِوَض والعمل معلومان؛ فصحَّت؛ كالمساقاة على شجرٍ مغروسٍ.
- فرع: علم مما تقدم أنه يشترط في المساقاة شروط، منها:
١ - أن تكون المساقاة على شجر له ثمر يؤكل، فإن كانت على شجر لا ثمر له، أو له ثمرٌ غيرُ مأكولٍ؛ كالصَّنَوْبَر؛ لم تصح؛ لأنه ليس منصوصاً عليه، ولا في معنى المنصوص، ولأن المساقاة إنما تكون بجزء من الثمرة، وهذا لا ثمرة له.
واختار ابن قدامة وغيره: تصح المساقاة على ما له ورق يُقصد، كتوت، أو له زهر يُقصد كورد وياسمين ونحوه؛ لأن الأصل الصحة، وإجراءً للورق والزهر مجرى الثمرة.
٢ - أن تكون المساقاة على جزء مشاع معلوم من الثمرة أو الشجر لكلٍّ من العاقدين، وعلى هذا:
أ) لو شرطَا لأحدهما ثمرةَ شجرةٍ معينةٍ؛ لم يصح؛ لحديث رافع بن خَدِيج ﵁ قال: «إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ» [مسلم: ١٥٤٧]، ولأنه قد لا يحمل غيره، أو لا يحمل بالكلية فيحصل الضرر والغرر.
стр. 961
ب) لو شرطَا لأحدهما جزءاً مشاعاً مجهولاً؛ لم يصح، كما لو قال: لك بعض الثمرة ولي الباقي؛ لأنها عقد معاوضة؛ فلم تصح مع الجهالة؛ كالبيع.
- مسألة: المساقاة عقد جائز من الطرفين، لكلٍّ منهما فسخها متى شاء؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق في قصة خيبر، وفيه قوله ﷺ : «نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا»، ولو كان لازماً لم يَجُز بغير توقيت مدة، وقياساً على المضاربة؛ لأنها عقدٌ على جزءٍ من النماء في المال، فلا تفتقر إلى ذكر مدَّةٍ.
واختار شيخ الإسلام: أن عقد المساقاة لازم؛ لأنه عقد معاوضة، فكان لازمًا؛ كالإجارة، ولأنه لو كان جائزاً، جاز لرب المال فسخه إذا أدركت الثمرة، فيسقط حق العامل، فيتضرر.
- فرع: (فَإِنْ فَسَخَ مَالِكُ) المالِ المساقاةَ، أو فسخ العامل المساقاة، لم يخل من حالين:
١ - أن يكون الفسخ (قَبْلَ ظُهُورِ) الـ (ـثَمَرَةِ) وبعد شروع العامل في العمل، فلا يخلو:
أ) إن كان الفسخ من مالك المال: (فَلِعَامِلٍ أُجْرَتُهُ) أي: أجرة مثله؛ لأن المالك منعه من إتمام عملِه الذي يستحِقُّ به العِوض.
وقال ابن عثيمين: لو قال قائل: إنه يُعطى بالقسط من سهم المثل لكان
стр. 962
له وجه؛ لأن العامل لم يعمل على أنه أجير، بل عمل على أنه شريك، فإذا عمل العامل رُبُع المدة ثم فسخت، فله رُبُع سهم المثل.
وقريب من هذا قول شيخ الإسلام: (الفقهاء متنازعون فيما فسد من المشاركة، والمضاربة، والمساقاة، والمزارعة، إذا عمل فيها العامل هل يستحق أجرة المثل؟ أو يستحق قسط مثله من الربح؟ على قولين: أظهرهما الثاني).
ب) (أَوْ) إن كان الفسخ من (عَامِلِ) المساقاة: (فَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأنه رضي بإسقاط حقه.
واختار ابن عثيمين: إذا كان فسخ العامل لعذر فلا يضمن شيئاً، وإذا كان لغير عذر وفات غرض صاحب الأصل، فينبغي أن يُضَمَّن أو يلزم بإتمام العمل؛ لقاعدة: (لا ضرر ولا ضرار).
٢ - أن يكون الفسخ بعد ظهور الثمرة: فهي بينهما على ما شرطَا؛ لأنها حدثت على ملكهما، وقياساً على المضاربة، ويلزم العاملَ تمامُ العملِ؛ كالمضارَبِ.
- مسألة: (وَتُمْلَكُ الثَّمَرَةُ بِظُهُورِهَا) أي: يملك العامل الثمرة إذا ظهرت؛ كالمالك والمضارب؛ (فَعَلَى) هذا: يجب على (عَامِلٍ تَمَامُ عَمَلِ)
стр. 963
المساقاة (إِذَا فُسِخَتْ) بفسخ أحدهما، أو بموته، ونحو ذلك (بَعْدَهُ) أي: بعد ظهور الثمرة؛ كالمضارب، وتقدم.
- مسألة: فيما يلزم العامل، وفيما يلزم رب المال من العمل، ولا يخلو ذلك من حالين:
الحال الأولى: ألا يكون هناك شرط بينهما، فهو على ثلاثة أقسام:
١ - (وَ) يجب (عَلَى عَامِلٍ كُلُّ مَا فِيهِ نُمُوٌّ أَوْ صَلَاحٌ) لثمر وزرع؛ من سقي، وحرث، وآلته، وتلقيح، وقلع ما يحتاج إلى قلعه، وإصلاح موضعه، ونحو ذلك، (وَ) يجب عليه أيضاً: (حَصَادٌ وَنَحْوُهُ) كتجفيف وحفظ إلى قسمة؛ لأن ذلك كله فيه صلاح الزرع وزيادته؛ فهو لازم للعامل بإطلاق العقد.
٢ - (وَ) يجب (عَلَى رَبِّ أَصْلٍ حِفْظٌ) أي: ما فيه حفظ الأصل؛ من سد حائط، وإجراء نهر، وحفر بئر، وثمن دولاب، (وَنَحْوُهُ)؛ كآلته التي تديره، وشراء ما يلقح به ونحوه؛ لأن هذا ليس من العمل، فهو على رب المال.
٣ - (وَ) يجب (عَلَيْهِمَا) أي: العامل ورب المال (بِقَدْرِ حِصَّتَيْهِمَا جَدَادٌ)؛ لأنه إنما يكون بعد تكامل الثمر وانقضاء المعاملة، فمن له من الثمرة الثلث فعليه ثلث الجداد، وهكذا.
стр. 964
الحال الثانية: أن يكون بينهما شرط؛ بأن يشترط أحدهما على الآخر ما يلزمه هو: فتفسد المساقاة؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، فأفسدته كالمضاربة إذا شرط العمل فيها على رب المال.
ويستثنى من ذلك: الجداد، لو اشتُرِط على العامل؛ لأنه لا يخل بمقصود العقد، فصح كتأجيل ثمن في بيع.
وقيل: يصح اشتراط كل واحد ما على الآخر أو بعضه، لكن يعتبر أن يكون ما يلزم كلًّا منهما معلوماً؛ قياساً على قول أحمد في صحة اشتراط رب المال كون الجداد على العامل؛ ولأن الأصل في الشروط الصحة.
- مسألة: (وَتَصِحُّ المُزَارَعَةُ)، وهي: دفع أرضٍ وحبٍّ لمن يزرعه ويقوم عليه، أو دفع حبٍّ مزروعٍ يُنمَّى بالعمل لمن يقوم عليه، بجزء معلوم مما يخرج منها.
ودليل جوازها: حديث ابن عمر السابق، وزارع علي، وسعد بن مالك - أي: سعد بن أبي وقاص -، وعبد الله بن مسعود. [البخاري معلقاً بصيغة الجزم ٣/ ١٠٤، ووصلها ابن أبي شيبة في مسألة المزارعة ٧/ ٣٢٣]، ولأن الحاجة داعية إليها كالمضاربة والمساقاة، بل الحاجة إلى الزرع آكد منها إلى غيره؛ لكونه مقتاتاً.
- فرع: يشترط لصحة المزارعة شروط:
стр. 965
الشرط الأول: أن تكون (بِجُزْءٍ) مشاع (مَعْلُومٍ) بالنسبة؛ كالثلث والربع ونحوه، (مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ) على ما تقدم في المساقاة، بحيث يكون الجزء المشاع لرب الأرض أو للعامل، والباقي للآخر.
والشرط الثاني: معرفة جنس البذر وقدره، وأشار إليه بقوله: (بِشَرْطِ عِلْمِ بَذْرٍ وَقَدْرِهِ)؛ قياساً على الشجر في المساقاة، ولأنها معاقدة على عمل، فلم تجز على غير معلوم الجنس والقدر؛ كالإجارة.
(وَ) الشرط الثالث: (كَوْنُهُ) أي: البذر (مِنْ رَبِّ الأَرْضِ) لا من العامل؛ لأنه عقد يشترك العامل ورب المال في نمائه، فوجب كون رأس المال كله من عند أحدهما؛ كالمساقاة والمضاربة.
وعنه واختاره ابن قدامة وشيخ الإسلام: لا يشترط كون البذر من رب الأرض؛ لأن الأصل عدم الاشتراط، ولأن الأصل المعوَّل عليه في المزارعة قصة خيبر، ولم يذكر النبي ﷺ أن البذر على المسلمين. (وَاللهُ أَعْلَمُ).
(فَصْلٌ)
في الإجارة
مشتقة من الأجر، وهو العِوَض، ومنه سمي الثواب أجراً؛ لأن الله تعالى يعوِّض العبد به على طاعته، أو صبر عن معصيته.
стр. 966
والإجارة لغة: المجازاة، وشرعاً: عقد على منفعة مباحة معلومة، من عين معينة أو موصوفة في الذمة، مدة معلومة، أو عمل معلوم بعوض معلوم.
وهي ثابتة بالإجماع، وسنده قوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) [الطلاق: ٦]، وحديث عائشة ﵂ في خبر الهجرة قالت: «وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِياً خِرِّيتاً»، والخريت: الماهر بالهداية [البخاري ٢٢٦٣]، والحاجة داعية إليها، إذ كل إنسان لا يقدر على عقار يسكنه، ولا على حيوان يركبه، ولا على صنعة يعملها، وأرباب ذلك لا يبذلونه مجاناً، فجُوِّزَت طلباً للرفق.
- مسألة: (وَتَصِحُّ الإِجَارَةُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ):
أحدها: (مَعْرِفَةُ مَنْفَعَةٍ) اتفاقاً؛ لأنها هي المعقود عليها، فاشترط العلم بها؛ كالمبيع.
- فرع: معرفة المنفعة تكون بأحد أمرين:
١ - بالعرف: وهو ما يتعارفه الناس بينهم؛ كسكنى الدار شهراً، فالسكنى متعارفة بين الناس، والتفاوت فيها يسير فلم تحتج إلى ضبط، فلا يعمل فيها حدادة ولا قصارة، ولا يُسكنها دابة، ولا يجعلها مخزناً لطعام.
٢ - بالوصف؛ كحمل زبرة حديد وزنها كذا إلى موضع معين، فلابد من ذكر الوزن والمكان الذي يحمل إليه؛ لأن المنفعة إنما تعرف بذلك، وفي
стр. 967
بناء حائط لا بد من ذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته؛ لأن المنفعة لا تحصل إلا بذلك، والغرض يختلف، فلابد من ذكره.
(وَ) الشرط الثاني: (إِبَاحَتُهَا)، أي: أن تكون المنفعة المعقود عليها مباحة مطلقاً، مقصودة عرفاً، متقومة؛ قياساً على البيع؛ لأنها بيع منافع.
فلا تصح الإجارة على:
١ - ما كان نفعه محرماً: كالزنا والغناء؛ لأن المنفعة المحرمة مطلوب عدمها، وصحة الإجارة تنافيها، وحكاه ابن المنذر إجماعاً في النائحة والمغنية، ولا إجارة الدار لتجعل كنيسة أو لبيع الخمر؛ لأن ذلك إعانة على معصية، وقد قال تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة: ٢]، وسواء شرط استعمالها في الحرام في العقد، أو لم يشترطه إذا دلت عليه القرائن.
٢ - ما كان نفعه مباحاً عند الضرورة فقط: كإجارة آنية الذهب.
٣ - ما كان نفعه مباحاً عند الحاجة: كإجارة الكلب.
٤ - ما كان نفعه غير مقصود: كإجارة ما يجمل به دكانه من نقد وشمع وأوان ونحوها، ولا طعام ليتجمل به على مائدته ثم يرده؛ لأنها لم تخلق لذلك، ولا تراد له، فبذل العوض فيه سفه، وأخذه من أكل المال بالباطل.
٥ - ما كان نفعه غير متقوم: كإجارة تفاح لِيَشَمَّه، أو طير لسماع صوته؛ لأن منفعة ذلك ليست متقومة ولا مقدور على تسليمها.
стр. 968
(وَ) الشرط الثالث: (مَعْرِفَةُ أُجْرَةٍ) اتفاقاً في الجملة؛ لأنه عوض في عقد معاوضة، فوجب أن يكون معلومًا؛ كالثمن.
وتحصل معرفة الأجرة بما يحصل به ثمن المبيع، فيصح أن تكون في الذمة، ويصح أن تكون معينة.
- فرع: (إِلَّا) إذا استأجر (أَجِيراً، وَظِئْراً) أي: مرضعة، أُمًّا أو غيرها (بِطَعَامِهِمَا وَكِسْوَتِهِمَا)، وإن لم يصف الطعام والكسوة؛ فيصح، واختاره شيخ الإسلام.
أما المرضعة: فلقوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) [البقرة: ٢٣٣]، فأوجب لهن النفقة والكسوة على الرضاع، ولم يفرق بين المطلقة وغيرها.
وأما الأجير: فلما روي عن أبي هريرة: «إِنِّي كُنْتُ أَجِيراً لِابْنِ عَفَّانَ وَابْنَةِ غَزْوَانَ عَلَى عُقْبَةِ رِجْلِي وَشِبَعِ بَطْنِي، أَخْدِمُهُمْ إِذَا نَزَلُوا، وَأَسُوقُ بِهِمْ إِذَا ارْتَحَلُوا» [مصنف عبدالرزاق ١٤٩٤١]، وثبت عن ابن عباس أيضاً [الحاكم ٣٠٩٩] رضي الله تعالى عنهم، ولم يظهر له نكير، فكان كالإجماع.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: يستثنى أيضاً استئجار الدابة بعلفها؛ قياساً على استئجار الأجير والظئر بطعامهما.
- مسألة: ما حرم بيعه حرمت إجارته؛ لأنها نوع من البيع، إلا:
стр. 969
١ - الحر والحرة: فتصح إجارتهما؛ لأن منافعهما مضمونة بالغصب، فجازت إجارتها؛ كمنافع القن.
٢ - الوقف: فتصح إجارته؛ لأن منافعه مملوكة للموقوف عليه، فجازت إجارته ممن له الولاية عليه؛ كالمؤجر.
٣ - أم الولد: فتصح إجارتها؛ لأن منافعها مملوكة لسيدها، فجاز له إجارتها؛ كإعارتها.
- مسألة: (وَإِنْ دَخَلَ حَمَّاماً، أَوْ) ركب (سَفِينَةً) بلا عقد، (أَوْ أَعْطَى ثَوْبَهُ خَيَّاطاً) ليخيطه، (وَنَحْوَهُ)؛ كما لو أعطى ثوبه صباغاً ليصبغه بلا عقد؛ (صَحَّ، وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلٍ)، ولو لم يكن له عادة بأخذ الأجرة؛ لأن العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول، وذلك إذا كانا منتصبين لذلك، وإلا لم يستحقا أجرًا إلا بشرط أو عقد أو تعريض؛ لأنه لم يوجد عرف يقوم مقام العقد، فهو كما لو عمل بغير إذن مالكه.
- مسألة: (وَهِيَ) أي: الإجارة (ضَرْبَانِ):
الضرب الأول: (إِجَارَةُ) منفعة (عَيْنٍ) معلومة معينة؛ كأَجَرْتُك هذا البعير، أو من عين موصوفة في الذمة؛ كأجرتك بعيراً صفته كذا، ويستقصي صفته.
стр. 970
- مسألة: (وَشُرِطَ) لإجارة العين خمسة شروط:
الشرط الأول: (مَعْرِفَتُهَا)، أي: العين المُؤْجَرة برؤية إن كانت لا تنضبط بالصفات؛ كالدار والحمام، أو بصفة يحصل بها معرفة المؤجر إن كانت تضبط بالصفات؛ كمبيع؛ لأن الغرض يختلف باختلاف العين وصفتها، وعدم العلم بذلك يوقع بالغرر المنهي عنه.
(وَ) الشرط الثاني: (قُدْرَةُ) مؤجر (عَلَى تَسْلِيمِهَا)، أي: العين المُؤْجَرة، اتفاقاً؛ لأنها بيع لمنافع أشبهت بيع الأعيان، فلا تصح إجارة العبد الآبق، ولا الجمل الشارد.
(وَ) الشرط الثالث: (عَقْدٌ - فِي غَيْرِ ظِئْرٍ- عَلَى نَفْعِهَا) أي: نفع العين المُؤْجَرة (دُونَ أَجْزَائِهَا)، فلا تصح إجارة الطعام للأكل، ولا إجارة الشَّمَعِ ليشعله، ولا الصابون ليغسل به، ولا أن يستأجر حيواناً ليأخذ لبنه؛ لأن مورد عقد الإجارة المنافع لا الأعيان، والمقصود ههنا العين، وهي لا تملك ولا تستحق بإجارة.
أما استئجار الظئر - أي: آدمية - للرضاع؛ فيصح؛ لقوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) [الطلاق: ٦]، والفرق بينها وبين البهائم: أنه يحصل منها عمل من وضع الثدي في فم المرتضع ونحوه، بخلاف البهيمة، وللضرورة.
стр. 971
وقال شيخ الإسلام: إن مَوْرِد العقد في باب الإجارة كل ما يحدث ويتجدد ويستخلف بدله مع بقاء العين، سواء كان عينًا أو منفعةً، فيصح أن استئجار الشَّمَع لمن يشعله، واستئجار الحيوان لأخذ لبنه، واستئجار البئر لأخذ مائها؛ لأن هذا يحدث شيئاً فشيئاً، وقياساً على الظئر.
قال ابن القيم: (صح عن عمر ﵁ أنه قَبِل حديقة أُسيد بن حُضير ﵁ ثلاث سنين، وأخذ الأجرة فقضى بها دينه، والحديقة: هي النخل، فهذه إجارة الشجر لأخذ ثمرها، وهو مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ولا يعلم له في الصحابة مخالف).
(وَ) الشرط الرابع: (اشْتِمَالُهَا) أي: العين المُؤْجَرة (عَلَى النَّفْعِ) المعقود عليه، اتفاقاً، فلا تصح إجارة بهيمة زَمِنَة لحملٍ، ولا أرض لا تنبت للزرع؛ لأن الإجارة عقد على المنفعة، ولا يمكن تسليم هذه المنفعة من هذه العين.
(وَ) الشرط الخامس: (كَوْنُهَا) أي: المنفعة مملوكة (لِمُؤَجِّرٍ، أَوْ) كونه (مَأْذُوناً لَهُ فِيهَا)، كوكيل ووصي وولي وناظر؛ لأنها بيع المنافع فاشترط فيها ذلك كالبيع، فلو أَجَر ما لا يملكه ولا أَذِن له فيه لم يصح؛ كبيعه.
واختار ابن عثيمين، وذكره في الإنصاف احتمالاً: يصح بالإجازة؛ قياساً على تصرف الفضولي في البيع؛ لأن منع نفوذ العقد في ملك الغير من حق الغير، فإذا أجاز ذلك فالحق له.
- مسألة: (وَإِجَارَةُ العَيْنِ قِسْمَانِ):
стр. 972
القسم الأول: أن تكون (إِلَى أَمَدٍ)؛ كإجارة الدار شهراً، أو إجارة الأرض عاماً، أو إجارة الآدمي للخدمة، ونحوها مدة معينة، وقد حكاه ابن المنذر إجماعاً، ويسمى الأجير فيها: الأجير الخاص، ويأتي.
- فرع: يشترط في هذا القسم شرطان:
١ - أن تكون إلى أمدٍ (مَعْلُومٍ)؛ لأن المدة هي الضابطة للمعقود عليه المعرِّفة له، فاشترط العلم بها كالمكيلات.
٢ - أن (يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ بَقَاؤُهَا) أي: العين المُؤْجَرة (فِيهِ) أي: الأمد وإن طالت المدة، لأن المعتبر كون المستأجر يمكنه استيفاء المنفعة منها غالباً، ولو ظُنَّ عدم العاقد، ولا فرق بين الوقف والملك.
وليس للوكيل المطلق - أي: لم يقدر له مدة الإجارة- الإجارة مدة طويلة، بل العرف؛ كسنتين ونحوها، قاله شيخ الإسلام.
وقال في الإنصاف: (قلت: الصواب الجواز إن رأى ذلك مصلحة، وتعرف بالقرائن، والذي يظهر أن الشيخ تقي الدين لا يمنع ذلك).
القسم (الثَّانِي): أن تكون إجارة العين (لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ؛ كَإِجَارَةِ دَابَّةٍ) معينة أو موصوفة (لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ).
- فرع: يشترط في هذا القسم: معرفة ذلك العمل، وضبطه بما لا
стр. 973
يختلف؛ لأن العمل هو المعقود عليه، فاشترط فيه العلم كالمبيع.
وتقدير العمل يكون بأحد شيئين: إما بالمدة كيوم، وإما بمعرفة الأرض كهذه القطعة، أو بالمِساحة.
(الضَّرْبُ الثَّانِي) من ضربي الإجارة: (عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ)، ويسمى الأجير فيها الأجيرَ المشترك، وهي على نوعين:
١ - أن تكون (فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ)؛ كاستأجرتك لحمل هذه الكتب إلى مكان معين على دابة معينة بكذا.
٢ - (أَوْ) أن تكون في شيء (مَوْصُوفٍ) بصفات السلم؛ كاستأجرتك لتحمل مائة صاع من برٍّ صفته كذا، إلى مكة بكذا.
(فَيُشْتَرَطُ) لهذا الضرب أربعة شروط:
الشرط الأول: (تَقْدِيرُهَا بِعَمَلٍ أَوْ مُدَّةٍ)؛ لأن العمل هو المعقود عليه، فاشترط فيه العلم كالمبيع، (كَبِنَاءِ دَارٍ، وَ) كـ (خِيَاطَةِ) ثوب، (وَشُرِطَ: مَعْرِفَةُ ذَلِكَ) العمل (وَضَبْطُهُ) بما لا يختلف معه العمل؛ فيذكر في بناء الدار الطول والعرض والسمك والآلة ونحو ذلك، ويذكر في خياطة الثوب جنسه وقدره وصفة الخياطة؛ كاشتراطه في المبيع.
стр. 974
والشرط الثاني: أن لا يجمع بين تقدير مدة وعمل؛ كقوله: استأجرتك لتخيط هذا الثوب في يوم؛ لأن الجمع بينهما يزيد الإجارة غررًا لا حاجة إليه؛ لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء اليوم، فإن استعمل في بقيته فقد زاد على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان تاركًا للعمل في بعضه، فهذا غرر أمكن التحرز منه.
واختار ابن عثيمين: يجوز الجمع بين العمل والمدة؛ لأن في ذلك مصلحة، بشرط أن تكون المدة المقدرة ممكنة، حتى لا يقع في الغرر.
(وَ) الشرط الثالث: (كَوْنُ أَجِيرٍ فِيهَا آدَمِيًّا)؛ لأنها متعلقة بالذمة ولا ذمة لغير الآدمي، (جَائِزَ التَّصَرُّفِ)؛ لأنها معاوضة لعمل في الذمة، فلم تجز من غير جائز التصرف.
(وَ) الشرط الرابع: (كَوْنُ عَمَلٍ) معقود عليه (لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ القُرْبَةِ) أي: مسلماً، ولا يقع ذلك العمل إلا قربة لفاعله، فيصح أخذ الأجرة على ذبح الأضحيَّة والهدي؛ لأن ذلك عمل لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة لصحته من الذمي، ويصح أخذ الأجرة على تعليم الخط والحساب ونحوه؛ لأنه تارة يقع قربة وتارة يقع غير قربة، فلم يمنع الاستئجار لفعله، كغرس الأشجار وبناء البيوت.
- مسألة: أخذ المال عل عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القُربة، وهو المسلم، ولا يقع ذلك العمل إلا قربة لفاعله، لا يخلو من قسمين:
стр. 975
الأمر الأول: أن يكون مما لا يتعدى نفعه؛ كصلاته لنفسه، وحجه عن نفسه، وأداء زكاة نفسه؛ فلا يجوز أخذ المال عليه، أجرةً كان أو جعالةً أو رزقاً؛ لأن الأجر عوض الانتفاع، ولم يحصل لغيره ههنا انتفاع، فأشبه إجارة الأعيان التي لا نفع فيها.
الأمر الثاني: أن يكون مما يتعدى نفعه؛ كالنيابة في الحج، والعمرة، والأذان، والإقامة والإمامة، وتعليم قرآن وفقه حديث، فعلى أربعة أقسام:
١ - أن يكون رزقًا من بيت المال: فيجوز أخذ المال عليه، قال شيخ الإسلام: (بلا نزاع)؛ لحديث أبي محذورة ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ صُرَّةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ فِضَّةٍ لمَّا أَذَّنَ» [أحمد ١٥٣٨٠، والنسائي ٦٣٢، وابن ماجه ١٦٠٨].
٢ - أن يكون ذلك جُعالة، كقوله: مَن أذَّن في هذا المسجد فله كذا وكذا، فجائز؛ لأنها أوسع من الإجارة، ولهذا جازت مع جهالة العمل والمدة.
٣ - أن يأخذ ذلك بلا شرط؛ فجائز؛ لحديث عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال له: «إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» [البخاري ١٤٧٣، ومسلم ١٤٠٥].
٤ - أن يأخذ المال بشرط، وهي الإجارة: فيحرم ولا تصح الإجارة؛ لحديث عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : «وَاتَّخِذْ مُؤَذِّناً لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْراً» [أحمد ١٦٢٧٠، وأبو داود ٥٣١، والترمذي ٢٠٩،
стр. 976
وابن ماجه ٧١٤]، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: علَّمْتُ ناساً من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوساً، فقلت: ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله ، لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إلي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله، قال: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقاً مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» [أحمد ٢٢٦٨٩، وأبو داود ٣٤١٦، وابن ماجه ٢١٥٧، ضعفه الحافظ، وصححه الألباني]، ولأن من شرط هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز أخذ الأجرة عليها، كما لو استأجر قوماً يصلون خلفه.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: يصح أخذ الأجرة؛ لأن العوض هنا ليس عن التعبد بالعمل، لكن عن انتفاع الغير به، ولحديث أبي سعيد ﵁ الآتي في اللديغ، كأخذها بلا شرط في الجعالة والرزق على ما يأتي.
وفي وجه واختاره شيخ الإسلام: جواز أخذ الأجرة مما يتعدى نفعه مع الحاجة دون الغنى، كالاستنابة في الحج (١)،
وتعليم القرآن والحديث والفقه، والإمامة والأذان؛ لقوله تعالى في ولي اليتيم: (ومن كان غنيا
стр. 977
فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف)، ولحديث سهل بن سعد ﵁ قال: قال النبي ﷺ لرجل: «فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» [البخاري ٥٠٢٩، ومسلم ١٤٢٥] (١).
واستثنى شيخ الإسلام الاستئجار على القراءة، وإهدائها إلى الميت، قال ﵀: (لا يصح الاستئجار على القراءة وإهدائها إلى الميت، لأنه لم ينقل عن أحد من الأئمة الإذن في ذلك، وقد قال العلماء: إن القارئ إذا قرأ لأجل
стр. 978
المال فلا ثواب له، فأي شيء يهدى إلى الميت؟ وإنما يصل إلى الميت العمل الصالح، والاستئجار على مجرد التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة).
- فرع: يستثنى من القسم الثاني على المذهب: أخذ الأجرة على الرقية، فلا بأس به، نص عليه، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث أبي سعيد ﵁ حين رَقَى سيد حي من أحياء العرب على أن يجعلوا لهم جُعْلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يَتْفِل عليه، ويقرأ: (الحمد لله رب العالمين) [الفاتحة: ١]، فكأنما نُشِطَ من عقال، فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ»، ثم قال: «قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا» [البخاري ٢٢٧٦، ومسلم ٢٢٠١].
- مسألة: (وَ) يجب (عَلَى مُؤْجِرٍ) مع إطلاقٍ بدون شرط (كُلُّ) ما يتمكَّن به المستأجر من النفع مـ (مَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةٌ وَعُرْفٌ؛ كَزِمَامِ مَرْكُوبٍ) وهو الذي يقود به، (وَشَدِّ) الرحل، (وَرَفْعٍ وَحَطٍّ)؛ لأن هذا هو العرف وبه يتمكن من الركوب.
- مسألة: (وَ) يجب (عَلَى مُكْتَرٍ) أي: المستأجر، بمعنى أنه لا يلزم المُؤْجِر، بل إن أراده مُكْتَرٍ فمن ماله، (نَحْوُ: مَحْمِلٍ) كمجلس، شقتان على البعير يحمل فيهما العديلان، (وَمِظَلَّةٍ)؛ لأن ذلك كله من مصلحة المكتري، وهو خارج عن الدابة وآلتها، فلم يلزم المُكْرِيَ.
стр. 979
(وَ) يجب على المكتري (تَعْزِيلُ) أي: تفريغ (نَحْوِ بَالُوعَةٍ)، وكنيف، ودار من قمامة، (إِنْ تَسَلَّمَهَا فَارِغَةً) من ذلك؛ لأنه حصل بفعله فكان عليه تنظيفه، (وَعَلَى مُكْرٍ تَسْلِيمُهَا) أي: البالوعةِ ونحوِها للمكتري (كَذَلِكَ) أي: فارغة.
وقال في الإنصاف: (ويتوجه أن يُرجع في ذلك إلى العرف)، ومال إليه ابن عثيمين.
فَصْلٌ
- مسألة: (وَهِيَ) أي: الإجارة (عَقْدٌ لَازِمٌ) باتفاق الأئمة، فليس لأحدهما فسخها بعد انقضاء خيار المجلس أو الشرط؛ إلا لعيب أو نحوه؛ لأنها عقد معاوضة كالبيع.
- مسألة: (فَإِنْ تَحَوَّلَ مُسْتَأْجِرٌ فِي أَثْنَاءِ المُدَّةِ) أي: مدة الإجارة (بِلَا عُذْرٍ؛ فَعَلَيْهِ كُلُّ الأُجْرَةِ)؛ لأنها عقد لازم، فترتب مقتضاها، وهو مِلْكُ المؤْجِرِ الأجرَ والمستأجرِ المنافعَ.
стр. 980
فإن تحول في أثناء المدة لعذر، كأن يجد المستأجر العين معيبة عيباً لم يكن المستأجر علم به حال العقد؛ فله الفسخ، قال في المغني: (بغير خلاف نعلمه)؛ لأنه عيب في المعقود عليه فأثبت الخيار؛ كالعيب في المبيع.
- مسألة: (وَإِنْ حَوَّلَهُ) أي: المستأجِرَ (مَالِكُ) الدار ونحوها قبل انقضاء مدة الإجارة؛ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) من الأجرة؛ لأنه لم يسلم إلى المستأجر ما وقع عليه عقد الإجارة، فلم يستحق شيئاً.
والحكم فيما إذا امتنع الأجير من تكميل العمل، أو من التسليم في بعض المدة أو المسافة كذلك، فلا يستحق شيئاً من الأجرة؛ لما سبق، فمن اكترى دابة فامتنع المكري من تسليمها في بعض المدة، أو أجَّر نفسه أو عبده للخدمة مدة وامتنع من إتمامها، أو أجر نفسه لبناء حائط، أو خياطة، أو حفر بئر، أو حمل شيء إلى مكان، وامتنع من إتمام العمل.
وقال ابن قدامة: (وقال أكثر الفقهاء: له أجر ما سكن؛ لأنه استوفى ملك غيره على سبيل المعاوضة، فلزمه عوضه كالمبيع إذا استوفى بعضه، ومنعه المالك بقيته).
وقال ابن عثيمين: (قد يقال: إنه إذا كان لعذر فإنه يلزم المستأجر أجرة بقية المدة، والعذر مثل أن يمنع صاحب الدار من الاستيلاء عليها، فحينئذ نقول: له ما بقي من المدة، وللمستأجر أن يطالب الذي منعه بمقدار المدة التي منعه إياها).
стр. 981
- مسألة: (وَتَنْفَسِخُ) الإجارة بأمور:
الأول: (بِتَلَفِ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ)؛ كعبد مات، ودار انهدمت، اتفاقاً؛ لأن المنفعة زالت بالكلية بتلف المعقود عليه، فانفسخت، ولا أجرة.
فإن كان التلف بعد مضي مدة لها أجرة انفسخت فيما بقي، ووجب للماضي القسط؛ لأن المعقود عليه المنافع، وقد تلف بعضها قبل قبضه، فبَطَل العقد فيما تلف دون ما قبض، كما لو اشترى صُبْرَتين، فقبض إحداهما، وتلفت الأخرى قبل قبضها (١).
(وَ) الثاني: بـ (مَوْتِ مُرْتَضِعٍ)؛ لتعذر استيفاء المعقود عليه؛ لأن غيره لا يقوم مقامه، لاختلافهم في الرضاع.
(وَ) الثالث: بـ (انْقِلَاعِ ضِرْسٍ) اكتُري لقلعه، (أَوْ بُرْئِهِ)؛ لتعذر استيفاء
стр. 982
المعقود عليه كالموت، (وَنَحْوِهِ)؛ كاستئجار طبيب ليداويه فيبرأ، أو يموت؛ فتنفسخ فيما بقي.
- مسألة: (وَلَا يَضْمَنُ أَجِيرٌ خَاصٌّ) - وهو من قدر نفعه بالزمن؛ بأن استؤجر مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها- (مَا جَنَتْ يَدُهُ خَطَأً)؛ لأنه نائب المالك في صرف منافعه فيما أمر به، فلم يضمن؛ كالوكيل، وإن تعدى أو فرط؛ ضمن؛ لأنه حينئذ كالغاصب.
- مسألة: في ضمان الطبيب والحجام والبيطار ونحوهم، وهو على قسمين:
القسم الأول: أن يكون حاذقاً: وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَلَا) يضمن (نَحْوُ حَجَّامٍ، وَطَبِيبٍ، وَبَيْطَارٍ) ونحوهم، خاصًّا كان أو مشتركاً، (عُرِفَ حِذْقُهُمْ) أي: معرفتُهُم صنعتَهُم، فلا ضمان عليهم بشرطين:
الأول: (إِنْ أَذِنَ فِيهِ) أي: في الفعل (مُكَلَّفٌ) وقع الفعل به، (أَوْ) أذن فيه (وَلِيُّ غَيْرِهِ) أي: غير المكلف؛ كصغير ومجنون.
فإن لم يؤذن فَسَرت؛ ضمن؛ لأنه فعل غير مأذون فيه، فيضمن.
وقال ابن القيم: (يحتمل أن لا يضمن مطلقاً؛ لأنه محسن، وما على
стр. 983
المحسنين من سبيل .... ، وهذا موضع نظر). (١)
(وَ) الثاني: (لَمْ تَجْنِ أَيْدِيهِمْ) أي: لم تتجاوز ما ينبغي أن يقطع؛ لأنه فعل فعلاً مباحاً فلم يضمن سرايته؛ كقطع الإمام يد السارق.
فإن كان حاذقاً، قد أذن له وأعطى الصنعة حقها، لكن جنت يده ولو خطأ، مثل أن جاوز قطع الختان إلى الحشفة، أو قطع في غير محل القطع، أو قطع بآلة كالَّة يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع فيه، وأشباه ذلك ضمن؛ لأن الإتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، واختاره ابن القيم.
القسم الثاني: ألا يكون حاذقًا، بل متطبباً جاهلاً: يضمن؛ لأنه لا يحل له مباشرة القطع إذاً، فإذا قطع فقد فعل محرماً، فضمن سرايته، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ؛ فَهُوَ ضَامِنٌ» [أبو داود ٤٥٨٦، والنسائي ٤٨٨٥، وابن ماجه ٣٤٤٦]، قال ابن القيم: يضمن الطبيب الجاهل بالإجماع.
- مسألة: (وَلَا) يضمن (رَاعٍ) فيما تلف من الماشية (مَا لَمْ يَتَعَدَّ أَوْ يُفَرِّطْ) في حفظها؛ لأنه مؤتمن على الحفظ أشبه المودع.
стр. 984
فإن فرط الراعي في حفظها بنوم أو غفلة، أو تركها تتباعد عنه، أو تعدى بأن أسرف في ضربها، أو سلك بها موضعاً تتعرض فيه للتلف، وما أشبه ذلك؛ ضمن، قال في المبدع: (بغير خلاف).
- مسألة: (وَيَضْمَنُ) أجير (مُشْتَرَكٌ) - وهو من قدر نفعه بالعمل؛ كخياطة ثوب وبناء حائط، سمي مشتركاً؛ لأنه يتقبل أعمالاً لجماعة في وقت واحد يعمل لهم، فيشتركون في نفعه كالحائك والقصار والصباغ والحمال- (مَا تَلِفَ بِفِعْلِهِ)؛ كتخريق الثوب وغلطه في تفصيله، روي عن عمر ﵁: «أنه ضمن الصناع الذين انتصبوا للناس في أعمالهم ما أهلكوا في أيديهم» [عبد الرزاق ١٤٩٤٩، وضعفه الشافعي، وابن الملقن]، وعن علي ﵁: أنه كان يضمن القصار والصواغ، وقال: «لا يصلح الناس إلا ذلك» [عبد الرزاق ١٤٩٤٨، والبيهقي ١١٦٦٦، صححه ابن حزم، وضعفه الشافعي]، ولأن عمله مضمون عليه؛ لكونه لا يستحق العوض إلا بالعمل.
واختار ابن عثيمين: لا ضمان عليه إذا لم يتعد أو يفرط؛ لقول الله : (فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)، فلا يجب الضمان إلا على المتعدي الظالم، وقياساً على الأجير الخاص.
- مسألة: (لَا) يضمن أجير مشترك ما تلف (مِنْ حِرْزِهِ) بنحو سرقة، ولا يضمن أيضاً ما تلف بغير فعله إذا لم يتعد أو يفرط؛ لأن العين في يده أمانة أشبه المودع، (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) فيما عمله وتلف قبل تسليمه لربه، سواء عمله
стр. 985
في بيت المستأجر أو كان في بيته؛ لأنه لم يُسلِّم عمله للمستأجر، فلم يستحق عوضه، كالمبيع من الطعام إذا تلف في يد.
واختار ابن عقيل وابن عثيمين، وقواه المرداوي: له الأجرة؛ لأنه وفى بما استؤجر عليه، وما دام لا يضمن لك الثوب فإنه لا يضمن لك العمل في الثوب؛ لأننا إذا قلنا: ليس له أجرة، فمعناه أننا ضمَّنَّاه العمل في الثوب وذهب عليه خسارة، ولأنه غير متعدٍّ ولا مفرط وقد قام بالعمل الذي عليه، وتلف الثوب.
- مسألة: (وَ) الفرق بين الأجير الخاص والأجير المشترك من أربعة أوجه:
١ - الأجير (الخَاصُّ: مَنْ قُدِّرَ نَفْعُهُ بِالزَّمَنِ، وَ) الأجير (المُشْتَرَكُ): من قدر نفعه (بِالعَمَلِ).
٢ - الأجير الخاص منفعته مملوكة مدة الأجرة، فليس له أن يعمل لغير مستأجره، إلا بإذنه، والأجير المشترك منفعته غير مملوكة.
٣ - الأجير الخاص لا يضمن ما جنت يده خطأ، والأجير المشترك يضمن.
٤ - الأجير الخاص يستحق الأجرة بتسليم نفسه، سواء عمل أم لم يعمل، والأجير المشترك يستحق الأجرة بتسليم العمل.