← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147658

الروض المربع بشرح زاد المستقنع - ط ركائز

البهوتي

Полный текст (1 607 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

(مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) ذِمي، مُكلفٍ وغيرِهِ؛ لعمومِ ما تقدَّم، لكن على الذمِّي خَرَاجُ ما أحيا مِن مَواتِ عَنوةٍ، (بِإِذْنِ الإِمَامِ) في الإحياءِ (وَعَدَمِهِ)؛ لعمومِ الحديثِ، ولأنَّها عينٌ مباحةٌ، فلا يَفتقِرُ ملكُها إلى إذنٍ، (فِي دَارِ الإِسْلَامِ وَغَيْرِهَا)، فجميعُ البلادِ سواءٌ في ذلك. (وَالعَنْوَةُ)؛ كأرضِ مِصرَ والشامِ والعراقِ (كَغَيْرِهَا) مما أسلم أهلُهُ عليه (١)، أو صُولِحُوا عليه، إلَّا ما أحياه مسلمٌ مِن أرضِ كفارٍ صُولِحُوا على أنَّها لهم ولنا الخَراجُ. (وَيُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ مَا قَرُبَ مِنْ عَامِرٍ إِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصْلَحَتِهِ)؛ لعمومِ ما تقدَّم، وانتفاءِ المانعِ، فإن تعلَّق بمصالِحِهِ؛ كمقبرته ومَلقى كُناستِهِ ونحوِهِما (٢)؛ لم يَملِكْ. وكذا مَواتُ الحَرَمِ وعَرفاتٍ لا يُملَكُ بإحياءٍ. وإذا وَقَع في الطريقِ وقتَ الإحياءِ نزاعٌ؛ فلها سَبعةُ أذرعٍ، ولا تُغيَّرُ بعدَ وَضْعِها. ولا يُملَكُ مَعدِنٌ ظاهرٌ؛ كملحٍ وكُحلٍ وجِصٍّ بإحياءٍ، وليس للإمامِ إقطاعُهُ.

стр. 1017

وما نَضَبَ عنه الماءُ مِن الجزائِرِ لم يُحْيَ بالبناءِ؛ لأنَّه يَردُّ الماءَ إلى الجانِبِ الآخَرِ، فيَضرُّ بأهلِهِ، ويُنتفَعُ به بنحوِ زرعٍ. (وَمَنْ أَحَاطَ مَوَاتاً)؛ بأن أدار حولَهُ حائِطاً مَنيعاً بما جَرَت العادةُ به؛ فقد أحياه، سواءٌ أرادَها للبناءِ أو غيرِهِ؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» رواه أحمدُ وأبو داودَ عن جابرٍ (١)، (أَوْ حَفَرَ بِئْراً فَوَصَلَ إِلَى المَاءِ)؛ فقد أحياه، (أَوْ أَجْرَاهُ)، أي: الماءَ (إِلَيْهِ)، أي: المواتِ، (مِنْ عَيْنٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ حَبَسَهُ)، أي: الماءَ (عَنْهُ)، أي: عن المَواتِ إذا كان لا يُزرَعُ معه (لِيُزْرَعَ؛ فَقَدْ أَحْيَاهُ)؛ لأنَّ نَفعَ الأرضِ بذلك أكثرُ مِن الحائطِ. ولا إحياءَ بحَرثٍ وزَرعٍ. (وَيَمْلِكُ) المحيي (حَرِيمَ البِئْرِ العَادِيَّةِ) - بتشديدِ الياءِ، أي: القديمةُ، مَنسوبة إلى عادٍ، ولم يُرِدْ عادًا بعينِها-؛ (خَمْسِينَ ذِرَاعاً مِنْ كُلِّ جَانِبٍ)، إذا كانت انطمَّتْ وذَهَب ماؤها فجدَّد حَفرَها

стр. 1018

وعمارَتَها، أو انقطع ماؤها فاستخرَجَهُ، (وَحَرِيمَ البَدِيَّةِ) المحدَثةِ (نِصْفَهَا)؛ خمسةٌ وعشرون ذِراعاً؛ لما روى أبو عبيدٍ في الأموالِ عن سعيدِ بنِ المسيّبِ قال: «السُّنَةُ فِي حَرِيمِ القَلِيبِ العَادِي خَمْسُونَ ذِرَاعاً، وَالبَدِيِّ (١) خَمْسَةَ وَعِشْرُونَ ذِرَاعاً» (٢)، وروى الخلَّالُ والدارقطني نحوَهُ مَرفوعاً (٣). وحَريمُ شجرةٍ: قَدرُ مدِّ أغصانِها، وحريمُ دارٍ مِن مواتٍ حَولها

стр. 1019

مَطرَحُ تُرابٍ، وكُناسةٍ، وثلجٍ، وماءِ مِيزابٍ. ولا حَريمَ لدارٍ مَحفوفةٍ بملكٍ، ويَتصرَّفُ كلٌّ منهم (١) بحسبِ العادةِ. ومَن تَحجَّر مَواتاً؛ بأنْ أدار حولَهُ أحجاراً ونحوَها؛ لم يَملِكْهُ وهو أحقُّ به، ووارِثُه مِن بعدِهِ، وليس له بيعُهُ. (وَلِلإِمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ)؛ «لأَنَّهُ ﵇ أَقْطَعَ بِلَالَ بنَ الحَارِثِ العَقِيقَ» (٢)، (وَلَا يَمْلِكُهُ) بالإقطاعِ، بل هو أحقُّ مِن غيرِهِ،

стр. 1020

فإذا أحياه مَلَكه. وللإمامِ أيضاً إقطاعُ غيرِ مَواتٍ تَمليكاً وانتفاعاً للمصلحةِ. (وَ) له (إِقْطَاعُ الجُلُوسِ) للبيعِ والشراءِ (فِي الطُّرُقِ الوَاسِعَةِ)، ورحبةِ مسجدٍ غيرِ مَحوطةٍ، (مَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ)؛ لأنَّه ليس للإمامِ أن يَأذَنَ فيما لا مَصلحةَ فيه، فَضْلاً عمَّا فيه مَضرةٌ. (وَيَكُونُ) المقطَع (١) (أَحَقَّ بِجُلُوسِهَا)، ولا يَزولُ حقَّه بنقلِ مَتاعِهِ منها؛ لأنَّه قد استحقَّ بإقطاعِ الإمامِ، وله التَّظليلُ على نفسِهِ بما ليس ببناءٍ بلا ضررٍ، ويُسمى هذا: إقطاعَ إرفاقٍ. (وَمِنْ غَيْرِ إِقْطَاعٍ) للطرقِ الواسعةِ والرحبةِ غيرِ المَحوطةِ الحقُّ (لِمَنْ سَبَقَ بِالجُلُوسِ مَا بَقِيَ قُمَاشُهُ (٢) فِيهَا وَإِنْ طَالَ)، جَزَم به في الوجيزِ (٣)؛ لأنَّه سَبَق إلى ما لم (٤) يَسبِقْ إليه مُسلِمٌ، فلم يَمنَعْ، فإذا

стр. 1021

نَقَل مَتاعَهَ كان لغيرِهِ الجلوسُ. وفي المنتهى وغيرِهِ: (فإن أطالَه أُزيل) (١)؛ لأنَّه يَصيرُ كالمالِكِ. (وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ) فأكثرَ إليها وضاقَت؛ (اقْتَرَعَا)؛ لأنَّهما استويا في السَّبقِ والقرعةُ مميِّزةٌ. ومَن سَبَق إلى مباحٍ؛ مِن صيدٍ، أو حطبٍ، أو معدنٍ، ونحوِهِ؛ فهو أحقُّ به، وإن سَبَق إليه اثنان قُسِم بينهما. (وَلِمَنْ فِي أَعْلَى المَاءِ المُبَاحِ)، كماءِ مطرٍ (السَّقْيُ وَحَبْسُ المَاءِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ إِلَى مَنْ يَلِيهِ) فَيَفعَلُ كذلك، وهَلمَّ جرًّا، فإن لم يَفضُل عن الأوَّلِ أو مَن بَعدَه شيءٌ؛ فلا شيءَ للآخَرِ؛ لقولِهِ ﷺ : «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ» متفقٌ عليه (٢)، وذَكَر عبدُ الرَّزاقِ عن معمرٍ عن الزهري قال: نَظَرنا إلى قولِ النبيِّ ﷺ : «ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ» فكان ذلك إلى الكعبينِ. (٣)

стр. 1022

فإن كان الماءُ مَملوكاً قُسِم بين الملَّاكِ بقدرِ النفقةِ والعملِ، وتَصرَّفَ كلُّ واحِدٍ في حِصَّتِه بما شاء. (وَلِلإمَامِ دُونَ غَيْرِهِ حِمَى مَرْعىً)، أي: أن يَمنَعَ الناسَ مِن مَرعىً (لِدَوَابِّ المُسْلِمينَ) التي يَقومُ بحفظِها؛ كخيلِ الجهادِ والصدقةِ، (مَا لَمْ يَضُرَّهُمْ) بالتضييقِ عليهم؛ لما روى عمرُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ (١) لخَيْلِ المُسْلِمِينَ»، رواه أبو عبيدٍ (٢).

стр. 1023

وما حَماه النبيُّ ﷺ ليس لأحدٍ نقضُه، وما حَماه غيرُه مِن الأئمةِ يجوزُ نَقضُهُ. ولا يجوزُ لأحدٍ أن يَأخُذَ مِن أربابِ الدَّوابِّ عِوضاً عن مَرعَى مَواتٍ أو حِمَى؛ لأنَّه ﷺ شَرَّكَ الناسَ فيه (١). ومَن جَلَس في نحوِ جامعٍ لفتوى أو إقراءٍ؛ فهو أحقُّ بمكانِهِ ما دام فيه، أو غاب لعُذرٍ وعاد قَريباً. ومَن سَبَق إلى رباطٍ، أو نَزَل فَقيهٌ بمدرسةٍ، أو صُوفيٌّ بخانَقَاهٍ (٢)؛ لم يَبطُلْ حقُّه بخروجِهِ منه لحاجَةٍ.

стр. 1024

(بَابُ الجعَالَةِ) بتثليثِ الجيمِ، قاله ابنُ مالكٍ (١)، قال ابنُ فارسٍ: (الجعلُ، والجعالةُ، والجعيلةُ: ما يُعطاه الإنسانُ على أمرٍ يَفعلُهُ) (٢). (وَهِيَ) اصطلاحاً: (أَنْ يَجْعَلَ) جائِزُ التصرُّفِ (شَيْئاً) مُتموَّلاً (مَعْلُوماً، لِمَنْ يَعْمَلُ لَهُ عَمَلاً مَعْلُوماً)؛ كردِّ عبدِهِ مِن محلِّ كذا، أو بناءِ حائطِ كذا، (أَوْ) عَمَلاً (مَجْهُولاً مُدَّةً مَعْلُومَةً)؛ كشهرِ كذا، (أَوْ) مدَّةً (مَجْهُولَةً). فلا يُشترَطُ العِلمُ بالعملِ ولا المدةِ، ويجوزُ الجمعُ بينهما هنا، بخلافِ الإجارةِ، ولا تَعيينُ العامِلِ؛ للحاجةِ. ويَقومُ العملُ مَقامَ القبولِ؛ لأنَّه يَدُلُّ عليه؛ كالوكالةِ. ودليلُها: قولُه تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) [يوسف: ٧٢]، وحديثُ اللَّديغِ (٣).

стр. 1025

والعملُ الذي يُؤخَذُ الجُعلُ عليه؛ (كَرَدِّ عَبْدٍ، وَلُقَطَةٍ)، فإن كانت في يدِهِ فَجَعَل له (١) مالِكُها جُعلاً ليَرُدَّها؛ لم يُبحْ له أخذُهُ، (وَ) كـ (خِيَاطَةٍ (٢)، وَبِنَاءِ حَائِطٍ)، وسائرِ ما يُستأجَرُ عليه مِن الأعمالِ، (فَمَنْ فَعَلَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِقَوْلِهِ)، أي: بقولِ صاحبِ العملِ: مَن فَعَل كذا فله كذا؛ (اسْتَحَقَّهُ)؛ لأنَّ العقدَ استقرَّ بتمامِ العملِ. (وَالجَمَاعَةُ) إذا عَمِلُوه (يَقْتَسِمُونَهُ) بالسويَّةِ؛ لأنَّهم اشتركوا في العملِ الذي يَستحِقُّ به العِوضُ، فاشتركوا فيه. (وَ) إن بَلَغه الجُعلُ (فِي أَثْنَائِهِ)، أي: أثناءِ العملِ؛ (يَأْخُذُ قِسْطَ تَمَامِهِ)؛ لأنَّ ما فَعَله قبلَ بلوغِ الخبرِ غيرُ مأذونٍ فيه، فلم يَستحِقَّ به عِوضاً، وإن لم يَبلُغْهُ إلا بعدَ العملِ؛ لم يَستحِقَّ شيئاً لذلك.

стр. 1026

(وَ) الجَعالةُ عقدٌ جائِزٌ، (لِكُلٍّ) منهما (فَسْخُهَا)؛ كالمضاربةِ. (فَـ) متى كان الفَسخُ (مِنَ العَامِلِ) قبلَ تمامِ العملِ؛ فإنَّه (لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئاً)؛ لأنَّه أسْقَطَ حقَّ نفسِه، حيثُ لم يأتِ بما شُرِط عليه. (وَ) إن كان الفسخُ (مِنَ الجَاعِلِ بَعْدَ الشُّرُوعِ) في العملِ؛ فـ (لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ) مِثلِ (عَمَلِهِ)؛ لأنَّه عَمَله بعوضٍ لم يُسَلَّمْ له، وقبلَ الشروعِ في العملِ لا شيءَ للعامِلِ. وإن زاد أو نَقَص قبلَ الشروعِ في الجُعلِ؛ جاز؛ لأنَّها عقدٌ جائزٌ. (وَمَعَ الاخْتِلَافِ فِي أَصْلِهِ)، أي: أصلِ الجُعلِ، (أَوْ قَدْرِهِ؛ يُقْبَلُ قَوْلُ الجَاعِلِ)؛ لأنَّه منكِرٌ، والأصلُ براءةُ ذمَّتِهِ. (وَمَنْ رَدَّ لُقَطَةً، أَوْ ضَالَّةً، أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلاً بِغَيْرِ جُعْلٍ) ولا إذنٍ؛ (لَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضاً)؛ لأنَّه بَذَل مَنفعتَهُ مِن غيرِ عِوضٍ، فلم يَستحِقَّهُ؛ ولئلا يَلزَمَ الإنسانَ ما لم يَلتزِمْهُ، (إِلَّا) في تخليصِ متاعِ غيرِهِ مِن هلكةٍ، فله أُجرةُ المثلِ؛ تَرغيباً، وإلا (دِينَاراً أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَماً عَنْ رَدِّ الآبِقِ)، مِن المصرِ أو خارِجَه، رُوي عن عمرَ (١)، وعليٍّ (٢)،

стр. 1027

وابنِ مسعودٍ (١)؛ لقولِ ابنِ أبي مُليكةَ، وعمرو بنِ دينارٍ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ فِي رَدِّ الآبِقِ إِذَا جَاءَ بِهِ خَارِجاً مِنَ الحَرَمِ دِينَاراً» (٢). (وَيَرْجِعُ) رادُّ الآبقِ (بِنَفَقَتِهِ أَيْضاً)؛ لأنَّه مأذونٌ في الإنفاقِ شَرعاً؛ لحُرمةِ النفسِ، ومحلُّه إن لم ينوِ التبرُّعَ، ولو هَرَب منه في الطريقِ، وإن مات السيِّدُ رَجَع في تَرِكَتِهِ. وعُلِمَ منه: جوازُ أخذِ الآبقِ لمن وَجَده، وهو أمانةٌ بيدِهِ، ومَن ادَّعاه فصدَّقَه العبدُ؛ أخذَهُ، فإن لم يجد سيدَهُ دَفَعه إلى الإمامِ أو نائبِهِ؛ ليَحفَظَهُ لصاحبِهِ، وله بَيعُهُ لمصلحةٍ، ولا يَملِكُهُ مُلتقِطُه بالتعريفِ؛ كضوالِّ الإبلِ، وإن باعه ففاسِدٌ.

стр. 1028

(بَابُ اللُّقَطَةِ) بضمِّ اللامِ وفتحِ القافِ، ويُقالُ: لُقاطةٌ، بضمِّ اللامِ، ولَقَطةٌ، بفتحِ اللامِ والقافِ. (وَهِيَ: مَالٌ، أَوْ مُخْتَصٌّ ضَلَّ عَنْ رَبِّهِ)، قال بعضُهم: وهي مختصةٌ بغيرِ الحيوانِ، ويُسمى ضالةً. (وَ) يُعتبَرُ فيما يجبُ تَعريفُهُ: أن (تَتْبَعَهُ هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ)، بأن يَهتمُّوا في طَلَبِه، (فَأَمَّا (١) الرَّغِيفُ، وَالسَّوْطُ) وهو الذي يُضرَبُ به، وفي شرحِ المُهذَّبِ: (هو فوقَ القضيبِ ودونَ العصا) (٢)، (وَنَحْوُهُمَا)؛ كشِسْعِ النَّعلِ (٣)؛ (فَيُمْلَكُ) بالالتقاطِ (بِلَا تَعْرِيفٍ)، ويُباحُ الانتفاعُ به؛ لما روى جابرٌ قال: «رَخَّصَ النَبِيُّ ﷺ فِي العَصَا وَالسَّوْطُ وَالحَبْلُ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ» رواه أبو داودَ (٤)، وكذا

стр. 1029

التَّمرةُ، والخِرقةُ (١)، وما لا خَطَر له، ولا يَلزَمُه دَفعُ بَدَلِه. (وَمَا امْتَنَعَ مِنْ سَبُعٍ صَغِيرٍ)؛ كذئبٍ، ويَرِدُ الماءَ؛ (كَثَوْرٍ وَجَمَلٍ وَنَحْوِهِمَا)؛ كالبغالِ، والحميرِ، والظباءِ، والطيورِ، والفهودِ، ويُقالُ لها: الضَّوالُّ، والهَوامِي، والهَوامِلُ (٢)؛ (حَرُمَ أَخْذُهُ)؛ لقولِه ﵇ لما سُئل عن ضالَّةِ الإبلِ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا، وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» متفقٌ عليه (٣)، وقال عمرُ: «مَنْ أَخَذَ الضَّالَّةَ فَهُوَ ضَالٌ» (٤)، أي: مخطئٌ،

стр. 1030

فإن (١) أَخَذها ضَمِنها، وكذا نحو حَجرِ طاحونٍ، وخشبٍ كبيرٍ. (وَلَهُ الْتِقَاطُ غَيْرِ ذَلِكَ)، أي: غير ما تقدَّم مِن الضَّوالِّ ونحوِها، (مِنْ حَيَوانٍ)؛ كغنمٍ وفُصلانٍ وعَجاجِيلَ وأفلاءٍ (٢)، (وَغَيْرِهِ)، كأثمانٍ، ومتاعٍ، (إِنْ أَمِنَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ)، وقَوِيَ على تعريفِها؛ لحديثِ زيدِ بنِ خالدٍ الجهني قال: سُئل النبي ﷺ عن لُقطةِ الذَّهبِ والوَرِقِ، فقال: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَك، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْماً مِنَ الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إلَيْهِ»، وسألَه عن الشاةِ، فقال: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَك، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» متفقٌ عليه مُختصَراً (٣)، والأفضلُ تَرْكُها، رُوي عن ابنِ عباسٍ (٤)، وابنِ عمرَ (٥).

стр. 1031

(وَإِلَّا) يَأمَنُ نفسَهُ عليها؛ (فَهُوَ كَغَاصِبٍ)، فليس له أخذُها؛ لما فيه مِن تضييعِ مالِ غيرِهِ، ويَضمَنُها إن تَلِفَت، فَرَّط أو لم يُفرِّط، ولا يَملِكُها وإن عَرَّفها. ومَن أَخَذها ثم رَدَّها إلى موضِعِها، أو فَرَّط فيها؛ ضَمِنها. ويُخيَّرُ في الشاةِ ونحوِها بينَ ذبحِها وعليه القيمةُ، أو بيعِها ويَحفظُ ثمنَها، أو يُنفِقُ عليها مِن مالِهِ بنيَّةِ الرُّجوعِ. وما يُخشَى فَسادُه له بيعُه وحِفظُ ثمنِهِ، أو أكلُهُ بقيمتِهِ، أو تجفيفِ ما يُمكِنُ تَجفيفُهُ. (وَيُعَرِّفُ الجَمِيعَ) وجوباً؛ لحديثِ زيدٍ السابِقِ، نَهاراً (فِي مَجَامِعِ النَّاسِ)؛ كالأسواقِ، وأبوابِ المساجِدِ في أوقاتِ الصَّلواتِ؛ لأنَّ المقصودَ إشاعةُ ذِكرِها وإظهارُها؛ ليَظهَرَ عليها صاحبُها، (غَيْرَ المَساجِدِ)، فلا تُعرَّفُ فيها، (حَوْلاً) كامِلاً، رُوي عن عمرَ (١)،

стр. 1032

وعليٍّ (١)، وابنِ عباسٍ (٢)، عَقِب الالتقاطِ؛ لأنَّ صاحِبَها يَطلُبُها إذاً، كلَّ يومٍ أُسبوعاً، ثم عُرفاً. وأُجرةُ المنادي على الملتَقِطِ. (وَيَمْلِكُهُ بَعْدَهُ)، أي: بعدَ التَّعريفِ، (حُكْماً)، أي: مِن غيرِ اختيارٍ؛ كالميراثِ، غَنيًّا كان أو فَقيراً؛ لعمومِ ما سَبَق، ولا يَملِكُها بدونِ تعريفٍ، (لَكِنْ لَا يَتَصَرَّفُ فِيها قَبْلَ مَعْرِفَةِ صِفَاتِهَا)، أي: حتى يَعرِفَ وعاءَها، ووكاءَها، وقدرَها، وجِنسَها، وصِفتَها، ويُستحبُّ ذلك عندَ وُجدانِها، والإشهادُ عليها، (فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهَا فَوَصَفَهَا؛ لَزِمَ دَفْعُهَا إِلَيْهِ) بلا بينةٍ ولا يمينٍ، وإن لم يَغلِبْ على ظنِّهِ صِدقُهُ؛ لحديثِ زيدٍ، وفيه: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا، وَعَدَدَهَا، وَوِكَاءَهَا؛ فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ» رواه مسلمٌ (٣).

стр. 1033

ويَضمَنُ تَلَفَها ونَقصَها بعدَ الحولِ مُطلقاً، لا قبلَه إن لم يُفرِّط. (وَالسَّفِيهُ وَالصَّبِيُّ يُعَرِّفُ لُقَطَتَهُمَا وَلِيُّهُمَا)؛ لقيامِهِ مَقامَهما، ويَلزَمُه (١) أخذُها مِنهما، فإن تَرَكها في يدِهِما فَتَلِفَت؛ ضَمِنها، فإن لم تُعرَف؛ فهي لهما. وإن وَجَدها عَبدٌ عَدلٌ فلسيدِهِ أخذُها منه وتَركُها معه ليُعرِّفَها، فإنْ لم يَأمَن سَيِّدَه عليها؛ سَتَرها عنه وسلَّمَها للحاكمِ، ثم يَدفَعُها إلى سيِّدِه بشرطِ الضمانِ. والمكاتَبُ كالحرِّ. ومَن بعضُه حرٌّ فهي بينه وبينَ سيِّدِهِ. (وَمَنْ تَرَكَ حَيَوَاناً) لا عَبداً أو مَتاعاً (بِفَلَاةٍ لانْقِطَاعِهِ، أَوْ عَجْزِ رَبِّهِ عَنْهُ؛ مَلَكَهُ آخِذُهُ)، بخلافِ عبدٍ ومتاعٍ. وكذا ما يُلقى في البحرِ خَوفاً مِن غرقٍ؛ فيَملِكُه آخِذُهُ. وإن انكسرت سَفينةٌ، فاستخرَجَه قومٌ؛ فهو لربِّه، وعليه أُجرةُ المثلِ. (وَمَنْ أُخِذَ نَعْلُهُ وَنَحْوُهُ) مِن متاعِهِ، (وَوَجَدَ مَوْضِعَهُ غَيْرَهُ؛ فَلُقَطَةٌ)، ويَأخُذُ حقَّه مِنه بعدَ تَعريفِهِ. وإذا وَجَد عَنبرةً على الساحِلِ؛ فهي له.

стр. 1034

(بَابُ اللَّقِيطِ) بمعنى: مَلقوطٍ. (وَهُوَ) اصطلاحاً: (طِفْلٌ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ، وَلَا رِقُّهُ، نُبِذَ)، أي: طُرِحَ في شارعٍ أو غيرِهِ، (أَوْ ضَلَّ). (وَأَخْذُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ لقولِهِ تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: ٢]. ويُسنُّ الإشهادُ عليه. (وَهُوَ حُرٌّ) في جميعِ الأحكامِ؛ لأنَّ الحريَّةَ هي الأصلُ، والرِّقُّ عارِضٌ. (وَمَا وُجِدَ مَعَهُ) مِن فِراشٍ تحتَه، أو ثِيابٍ فوقَه، أو مالٍ في جيبِهِ (أَوْ تَحْتَهُ ظَاهِراً، أَوْ مَدْفُوناً طَرِيًّا، أَوْ مُتَّصِلاً بِهِ؛ كَحَيَوانٍ وَغَيْرِهِ) مَشدوداً بثيابِه، (أَوْ) مَطروحاً (قَرِيباً مِنْهُ؛ فَـ) هو (لَهُ)؛ عَمَلاً بالظاهرِ؛ ولأنَّ له يداً صحيحةً؛ كالبالغِ. (وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ) مُلتقِطُه بالمعروفِ؛ لوِلايتِهِ عليه، (وَإِلَّا) يَكُن معه شيءٌ؛ (فَمِنْ بَيْتِ المَالِ)؛ لقولِ عمرَ ﵁: «اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَك وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ» (١)،

стр. 1035

وفي لفظٍ: «وَعَلَيْنَا رَضَاعُهُ» (١)، ولا يجبُ على الملتقِطِ، فإن تَعذَّر الإنفاقُ مِن بيتِ المالِ، فعلى مَن عَلِم حالَه مِن المسلمين، فإن تَرَكوه أَثِمُوا. (وَهُوَ مُسْلِمٌ) إذا وُجِد في دارِ الإسلامِ، وإن كان فيها أهلُ ذمَّةٍ؛ تَغليباً للإسلامِ والدَّارِ. وإن وُجِد في بلدِ كفارٍ لا مُسلِمَ فيه؛ فكافِرٌ تَبعاً للدارِ. (وَحَضَانَتُهُ لِوَاجِدِهِ الأَمِينِ)؛ لأنَّ عمرَ أقرَّ اللقيطَ في يدِ أبي جَميلةَ حينَ قال له عَريفُهُ: (إنَّه رَجلٌ صالِحٌ). (وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ) مما وُجِد معه مِن نَقدٍ أو غيرِهِ (بِغَيْرِ إِذْنِ حَاكِمٍ)؛ لأنَّه وليُّهُ. وإن كان فاسِقاً، أو رَقيقاً، أو كافِراً واللقيطُ مسلمٌ، أو بدويًّا يَنتقِلُ في المواضِعِ، أو وَجَده في الحضرِ فأراد نَقَله إلى الباديةِ؛ لم

стр. 1036

يُقَرَّ بيدِهِ. (وَمِيرَاثُهُ، وَدِيَتُهُ) كديةِ حرٍّ، (لِبَيْتِ المَالِ) إنْ لم يُخلِّفْ وارِثاً؛ كغيرِ اللقيطِ، ولا ولاءَ عليه؛ لحديثِ: «إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (١). (وَوَلِيُّهُ فِي) القتلِ (العَمْدِ) العدوانِ (الإِمَامُ، يَتَخَيَّرُ بَيْنَ القِصَاصِ وَالدِّيَةِ) لبيتِ المالِ؛ لأنَّه وَليُّ مَن لا وليَّ له. وإن قُطِعَ طَرفُه عَمداً؛ انتُظِر بلوغُهُ ورُشدُهُ ليَقتَصَّ أو يَعفُوَ. وإن ادَّعى إنسانٌ أنَّه مَملوكُهُ ولم يَكُن بيدِهِ؛ لم يَقبَلْ إلا ببيِّنةٍ تَشهَدُ أنَّ أمتَه وَلَدَتْهُ في ملكِهِ ونحوِهِ. (وَإِنْ أَقَرَّ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ) (٢) ولو (ذَاتُ زَوْجٍ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ أَنَّهُ وَلَدُهُ؛ لَحِقَ بِهِ)؛ لأنَّ الإقرارَ به مَحضُ مَصلحةٍ للطفلِ؛ لاتصالِ نَسبِهِ، ولا مَضرَّةَ على غيرِهِ فيه. وشَرطُهُ: أن يَنفرِدَ (٣) بدعوتِهِ، وأن يُمكِنَ كَونُهُ منه، حُرًّا كان أو عَبداً. وإذا ادَّعته المرأةُ لم يُلحَقْ بزوجِها؛ كعكسِهِ. (وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِ اللَّقِيطِ)، فَيَلحَقُهُ وإن لم يَكُن له تَوأمٌ أو وَلَد؛

стр. 1037

احتياطاً للنَّسبِ. (وَلَا يَتْبَعُ) اللقيطُ (الكَافِرَ) المدَّعِي أنَّه وَلَدُه (فِي دِينِهِ، إِلَّا أن يُقيمَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ)؛ لأنَّ اللقيطَ محكومٌ بإسلامِهِ بظاهرِ الدارِ، فلا يُقبَلُ قولُ الكافِرِ في كُفرِهِ بغيرِ بيِّنةٍ. وكذا لا يَتبَعُ رَقيقاً في رِقِّه. (وَإِنِ اعْتَرَفَ) اللقيطُ (بِالرِّقِّ مَعَ سَبْقِ مُنَافٍ) للرقِّ مِن بيعٍ ونحوِهِ، أو عَدَمِ سَبقِهِ؛ لم يُقبَلْ، لأنَّه يُبطِلُ حقَّ اللهِ مِن الحريَّةِ المحكومِ بها، سواءٌ أقرَّ ابتداءً لإنسانٍ، أو جَواباً لدَعوَى عليه. (أَوْ قَالَ) اللقيطُ بعدَ بلوغِهِ: (إِنَّهُ كَافِرٌ؛ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ)؛ لأنَّه محكومٌ بإسلامِهِ، ويُستتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل. (وَإِنِ ادَّعَاهُ جَمَاعَةٌ قُدِّمَ ذُو البَيِّنَةِ)، مُسلماً أو كافِراً، حُرًّا أو عَبداً؛ لأنَّها تُظهِرُ الحقَّ وتبيِّنُهُ. (وَإِلَّا) يَكُن لهم بيِّنةٌ، أو تعارَضَت؛ عُرِضَ معهم على القافةِ، (فَمَنْ أَلْحَقَتْهُ القَافَةُ بِهِ؛ لَحِقَهُ)؛ لقضاءِ عمرَ به بحضرةِ الصحابةِ ﵃ (١).

стр. 1038

وإنْ ألحقَتْهُ باثنينِ فأكثرَ؛ لَحِقَ بهم. وإن ألحقَتْهُ بكافرٍ أو أمَةٍ؛ لم يُحكَمْ بكفرِهِ ولا رِقِّهِ. ولا يُلحَقُ بأكثرَ مِن أمِّ. والقافَةُ: قومٌ يُعرِفون الأنسابِ بالشَّبهِ، ولا يَختَصُّ ذلك بقبيلةٍ معيَّنةٍ، ويَكفي واحِدٌ. وشَرْطُهُ: أن يَكونَ ذَكراً، عَدلاً، مُجرَّباً في الإصابةِ، ويَكفي مجرَّدُ خَبَره. وكذا إن وَطِئ اثنانِ امرأةً بشبهةٍ في طُهرٍ واحِدٍ، وأتتْ بولدٍ يُمكِنُ أن يَكونَ مِنهما.

стр. 1039

(كِتَابُ الوَقْفِ) يُقالُ: وَقَفَ الشيءَ، وحَبَسَه، وأَحْبَسَهُ (١)، وسبَّلَه بمعنى واحد، وأَوْقَفَه لغةٌ شاذةٌ. وهو مما اختصَّ به المسلمون، ومِن القُرَبِ المندوبِ إليها. (وَهُوَ تَحْبِيسُ الأَصْلِ وَتَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ) على برٍ أو قرابةٍ، والمرادُ بالأصلِ: مالٌ يُمكِنُ الانتفاعُ به مع بقاءِ عَيْنِه. وشرطُهُ: أن يكونَ الواقفُ جائزَ التصرُّفِ. (وَيَصِحُّ) الوقفُ (بِالقَوْلِ، وَبِالفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ) عُرفاً؛ (كَمَنْ جَعَلَ أَرْضَهُ مَسْجِداً وَأَذِنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ)، أو أذَّنَ فيه وأقَام، (أَوْ) جَعَل أرضَه (مَقْبَرَةً وَأَذِنَ) للناسِ (فِي الدَّفْنِ فِيهَا)، أو سقايةً وشَرَعَها لهم؛ لأنَّ العُرفَ جارٍ بذلك، وفيه دلالةٌ على الوقفِ. (وَصَرِيحُهُ)، أي: صريحُ القولِ: (وَقَفْتُ، وَحَبَّسْتُ، وَسَبَّلْتُ)، فمتى أتَى بصيغةٍ منها صار وقفاً مِن غيرِ انضمامِ أمرٍ زائدٍ. (وَكِنَايَتُهُ: تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأَبَّدْتُ)؛ لأنَّه لم يَثبُتْ لها فيه عُرفٌ لغويٌّ ولا شرعيٌّ.

стр. 1040

(فَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ مَعَ الكِنَايَةِ، أَوِ اقْتِرَانُ) الكنايةِ (بأَحَدِ (١) الأَلْفَاظِ الخَمْسَةِ) الباقيةِ مِن الصَّريحِ والكنايةِ، كتصدَّقتُ بكذا صدقةً موقوفةً، أو محبَّسةً، أو مسبَّلةً، أو محرَّمةً، أو مؤبَّدةً؛ لأنَّ اللفظَ يَترجَّحُ بذلك لإرادةِ الوقفِ، (أَوْ) اقترانُها، بـ (حُكْمِ الوَقْفِ)؛ كقولِهِ: تصدَّقتُ بكذا صدقةً لا تُباعُ ولا تُورَثُ. (وَيُشْتَرَطُ فِيهِ) أربعةُ شروطٍ: الأولُ: (المَنْفَعَةُ)، أي: أن تكونَ العينُ يُنتفَعُ بها (دَائِماً مِنْ مُعَيَّنٍ)، فلا يصحُّ وقفُ شيءٍ في الذِّمةِ؛ كعبدٍ ودارٍ، ولو وَصَفه كالهبةِ، (يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ؛ كَعَقَارٍ، وَحَيَوَانٍ، وَنَحْوِهِمَا)؛ مِن أثاثٍ وسلاحٍ. ولا يصحُّ وقفُ المنفعةِ؛ كخدمةِ عبدٍ مُوصَى له بها، ولا عينٍ لا يصحُّ بيعُها؛ كحرٍّ وأمِّ ولدٍ، ولا ما لا يُنتفَعُ به مع بقائِهِ؛ كطعامٍ لأكلٍ. ويصحُّ وقفُ المصحفِ، والماءِ، والمشاعِ. (٢) (وَ) الشرطُ الثاني: (أَنْ يَكُونَ عَلَى بِرٍّ) إذا كان على جِهةٍ عامةٍ؛ لأنَّ المقصودَ منه التقرُّبُ إلى اللهِ تعالى، وإذا لم يَكُن على بِرٍّ لم

стр. 1041

يَحصُلْ المقصودُ؛ (كَالمَسَاجِدِ، وَالقَنَاطِرِ، وَالمَسَاكِينِ)، والسِّقاياتِ، وكتبِ العلمِ، (وَالأَقَارِبِ مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ)؛ لأنَّ القريبَ الذمِّي مَوضِعُ القربةِ؛ بدليلِ جَوازِ الصدقةِ عليه، وَوَقفَت صفيةُ ﵂ على أخٍ لها يهوديٍّ (١). فيصحُّ الوقفُ على كافرٍ معيَّنٍ (غَيْرَ حَرْبِيٍّ) ومرتدٍّ؛ لانتفاءِ الدوامِ؛ لأنَّهما مقتولان عن قُربٍ. (وَ) غيرَ (كَنِيسَةٍ)، وبِيعَةٍ، وبيتِ نارٍ، وصومعةٍ؛ فلا يصحُّ الوقفُ عليها؛ لأنَّها بُنِيَت للكفرِ، والمسلمُ والذمِّيُّ في ذلك سواءٌ. (وَ) غيرَ (نَسْخِ التَّوْرَاةِ، وَالإِنْجِيلِ، وَكُتُبِ زَنْدَقَةٍ)، وبدعٍ مُضِلَّةٍ؛

стр. 1042

فلا يصحُّ الوقفُ على ذلك؛ لأنَّه إعانةٌ على معصيةٍ، وقد غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حين رأَى مع عمرَ شيئاً اسْتَكْتَبَه مِن التوراةِ وقال: «أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟ أَلَمْ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّة، وَلَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» (١). ولا يصحُّ أيضاً على قُطَّاعِ الطَّريقِ، أو المغاني، أو فقراءِ أهلِ الذمَّةِ، أو التَّنويرِ على قبرٍ، أو تبخيرِهِ، أو على مَن يُقِيمُ عندَه أو يخدِمُهُ، ولا وقفُ ستورٍ لغيرِ الكعبةِ. (وَكَذَا الوَصِيَّةُ)، فلا تصحُّ على مَن لا يصحُّ الوقفُ عليه. (وَ) كذا (الوَقْفُ عَلَى نَفْسِهِ)، قال الإمامُ: (لا أعرف الوقفَ إلا ما أخرجَهُ للهِ تعالى أو في سبيلِهِ، فإن وَقَفه عليه حتى يَموتَ فلا أعرِفُهُ) (٢)؛ لأنَّ الوقفَ إما تمليكٌ للرقبةِ أو المنفعةِ، ولا يجوزُ له أن يُملِّكَ نفسَهُ مِن نفسِه، ويُصرَفُ في الحالِ لمن بعدَه؛ كمُنقطِعِ الابتداءِ.

стр. 1043

وإن وَقَف على غيرِهِ واستثنى كلَّ الغلَّةِ أو بعضَها، أو الأكلَ منه مُدَّةَ حياتِهِ، أو مدَّةً مَعلومةً؛ صحَّ الوقفُ والشَّرطُ؛ لشرطِ عمرَ ﵁ أَكْلَ الوالي منها، وكان هو الوالي عليها (١)، وفَعَله جماعةٌ مِن الصحابةِ (٢).

стр. 1044

الشرطُ الثالثُ: أشار إليه بقولِهِ: (وَيُشْتَرَطُ فِي غَيْرِ) الوقفِ على (المَسْجِدِ وَنَحْوِهِ)؛ كالرِّباطِ والقنطرةِ (أَنْ يَكُونَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ) ملكاً ثابِتاً؛ لأنَّ الوقفَ تمليكٌ، فلا يصحُّ على مجهولٍ؛ كرَجُلٍ ومسجدٍ، ولا على أحدِ هذين، ولا على عبدٍ ومكاتبٍ، و (لَا) على (مَلَكٍ)، وجِنِّيٍّ، وميتٍ، (وَحَيَوَانٍ، وَحَمْلٍ) أصالةً، ولا على مَن سيولَدُ. ويصحُّ على ولدِهِ، ومَن يُولَدُ له، ويَدخُلُ الحَمْلُ والمعدومُ تَبعاً. الشرطُ الرابعُ: أن يَقِفَ ناجِزاً؛ فلا يصحُّ مُؤقَّتاً، ولا مُعلَّقاً إلا بموتٍ. وإذا شَرَط أن يَبيعَهُ متى شاء، أو يَهبَهُ، أو يَرجِعَ فيه؛ بَطَل الوقفُ والشرطُ، قاله في الشَّرحِ (١). (لَا قَبُولُهُ)، أي: قبولُ الوقفِ؛ فلا يُشترَطُ ولو كان على مُعيَّنٍ. (وَلَا إِخْرَاجُهُ عَنْ يَدِهِ)؛ لأنَّه إزالةُ ملكٍ يَمنَعُ البيعَ، فلم يُعتبَرْ فيه ذلك؛ كالعِتقِ.

стр. 1045

وإن وَقَف على عبدِهِ ثم المساكين؛ صُرِفَ في الحالِ لهم. وإن وَقَف على جِهةٍ تَنقطَعُ كأولادِهِ ولم يَذكُرْ مآلاً، أو قال: هذا وقفٌ، ولم يُعيِّن جهةً؛ صحَّ، وصُرِفَ (١) بعدَ أولادِهِ لورثةِ الواقِفِ نَسباً على قدرِ إرثِهِم وقفاً عليهم؛ لأنَّ الوقفَ مَصرِفُهُ البِرَّ، وأقاربُهُ أولى الناسِ ببِرِّه، فإن لم يكونوا؛ فعلى المساكين. (فَصْلٌ) (ويَجِبُ العَمَلُ بِشَرْطِ الوَاقِفِ) ؛ لأنَّ عمرَ ﵁ وَقَف وَقْفاً وشَرَط فيه شُروطاً (٢)، ولو لم يجبْ اتباعُ شرطِهِ لم يَكُن في اشتراطِهِ فائدةٌ، (فِي جَمْعٍ)؛ بأن يَقِفَ على أولادِهِ، وأولادِ أولادِهِ، ونسلِهِ، وعَقبِهِ (٣)، (وَتَقْدِيمٍ)؛ بأن يَقِفَ على أولادِهِ -مَثلاً- يُقدَّمُ الأفقهُ، أو الأَدْيَنُ، أو المريضُ ونحوُهُ، (وَضِدِّ ذَلِكَ)؛ فضِدُّ الجمعِ (٤)؛ بأن يَقِفَ على ولدِهِ زيدٍ ثم أولادِهِ، وضدُّ التقديمِ التأخيرُ؛ بأن يَقِفَ على ولدِ فلانٍ بعدَ بني فلانٍ، (وَاعْتِبَارِ وَصْفٍ وَعَدَمِهِ)؛ بأن يقولَ: على أولادي الفقهاءِ؛ فَيَختصُّ بهم، أو يُطلِقَ؛ فيَعُمُّهم وغيرَهم،

стр. 1046

(وَالتَّرْتِيبٍ)؛ بأن يقولَ: على أولادي ثم أولادِهِم ثم أولادِ أولادِهِم، (وَنَظَرٍ)؛ بأن يقولَ: الناظرُ فلانٌ، فإن مات ففلانٍ؛ «لأَنَّ عُمَرَ ﵁ جَعَلَ وَقْفَهُ إِلَى حَفْصَةَ تَلِيهِ مَا عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو (١) الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا» (٢)، (وَغَيْرِ ذَلِكَ)؛ كشرطِ ألا يؤجَرَ، أو قدَّرَ مدَّةَ الإجارةِ، أو ألا يُنزَّلَ فيه فاسِقٌ أو شريرٌ أو مُتَجَوِّهٍ (٣) ونحوِهِ، وإن نَزَل مُستحِقٌّ تَنزيلاً شرعيًّا؛ لم يَجُزْ صَرفُهُ بلا مُوجِبٍ شرعيٍّ. (فَإِنْ أَطْلَقَ) في الموقوفِ عليه (وَلَمْ يَشْتَرِطْ) وصفاً؛ (اسْتَوَى الغَنِيُّ وَالذَّكَرُ وَضِدُّهُمَا)، أي: الفقيرُ والأنثى؛ لعدمِ ما يَقتضي التخصيصُ.

стр. 1047

(وَالنَّظَرُ) فيما إذا لم يَشرَط (١) النظرَ لأحدٍ، أو شَرَط لإنسانٍ ومات (٢)؛ (لِلمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (٣) المُعيَّنِ؛ لأنَّه ملكُهُ وغلَّتُهُ له، فإن كان واحداً استقلَّ به مُطلقاً، وإنْ كانوا جماعةً فهو بينَهُم على قَدْرِ حِصَصِهِم، وإنْ كان صغيراً أو نحوَهُ قام وليُّه مقامَه فيه (٤)، وإنْ كان الوقفُ على مسجدٍ، أو مَن لا يُمكِنُ حَصرُهُم كالمساكينِ؛ فللحاكِمِ، وله أن يَستنيبَ فيه. (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ)، أو أولادِهِ، (أَوْ وَلَدِ غَيْرِهِ، ثُمَّ عَلَى المَسَاكِينِ؛ فَهُوَ لِوَلَدِهِ) الموجودِ حينَ الوقفِ، (الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ) والخناثى؛ لأنَّ اللفظَ يَشملُهُم (بِالسَّوِيَّةِ)؛ لأنَّه شَرَّك بينهم، وإطلاقُها يَقتضي التسويةَ؛ كما لو أقرَّ لهم بشيءٍ، ولا يَدخُلُ فيهم الولدُ المنفيُّ بلعانٍ؛ لأنَّه لا يُسمَّى ولدَهُ، (ثُمَّ) بعدَ أولادِهِ لـ (وَلَدِ بَنِيهِ) وإن سَفلوا؛ لأنَّه ولدُهُ، ويَستحِقونَهُ مُرتَّباً، وُجِدُوا حينَ الوقفِ أو لا، (دُونَ) ولدِ (بَنَاتِهِ)؛ فلا يَدخُلُ ولدُ البناتِ في الوقفِ على الأولادِ (٥) إلا بنصٍّ أو قرينةٍ؛ لعدمِ دخولِهِم في قولِهِ تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ) [النساء: ١١]،

стр. 1048

(كَمَا لَوْ قَالَ: عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ لِصُلْبِهِ)، أو عقبِهِ، أو نسلِهِ؛ فَيَدخُلُ ولدُ البنينَ، وُجِدوا حالةَ الوقفِ أوْ لا، دونَ ولدِ البناتِ، إلا بنصٍّ أو قرينةٍ. والعطفُ بـ (ثُمَّ) للترتيبِ؛ فلا يَستحِقُّ البطنُ الثاني شيئاً حتى يَنقرِضَ الأوَّلُ، إلا أن يقولَ: مَن مات عن ولدٍ فنصيبُهُ لولدِهِ. والعطفُ بالواو للتشريكِ. (وَلَوْ قَالَ: عَلَى بَنِيهِ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ؛ اخْتَصَّ بِذُكُورِهِمْ)؛ لأنَّ لفظَ (البَنِين) وُضِعَ لذلك حقيقةً، قال تعالى: (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) [الطور: ٣٩]، (إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَبِيلَةً)؛ كبني هاشمٍ، وتميمٍ، وقضاعةَ؛ (فَيَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ)؛ لأنَّ اسمَ القبيلةِ يَشمَلُ ذَكَرَها وأُنثاها، (دُونَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ)؛ لأنَّهم لا يَنْتَسِبون إلى القبيلةِ الموقوفِ عليها. (والقَرَابَةُ) إذا وَقَف على قرابتِهِ، أو قرابةِ زيدٍ، (وَأَهْلُ (١) بَيْتِهِ، وَقَوْمُهُ)، ونسباؤه (٢)؛ (يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَ) أولادِ (أَبِيهِ، وَ) أولادِ (جَدِّهِ، وَ) أولادِ (جَدِّ أَبِيهِ) فقط؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُجاوِزْ بني هاشمٍ بسهمِ ذوي القُربى، ولم يُعطِ قَرابةَ أُمِّه، وهم: بنو

стр. 1049

زهرةَ شيئاً. ويَستوي فيه الذكرُ والأنثى، والكبيرُ والصغيرُ، والقريبُ والبعيدُ، والغنيُّ والفقيرُ؛ لشمولِ اللَّفظِ لهم، ولا يَدخُلُ فيهم مَن يُخالِفُ دينَهُ. وإنْ وَقَف على ذوي رحمِهِ؛ شَمِل كلَّ قرابةٍ له مِن جِهةِ الآباءِ والأمهاتِ والأولادِ؛ لأنَّ الرَّحِمَ يَشمَلُهُم. والموالي يَتناوَلُ المولَى مِن فوقٍ وأسفلٍ. (وَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي إِرَادَةَ الإِنَاثِ، أَوْ) تَقتضي (حِرْمَانَهُنَّ؛ عُمِلَ بِهَا)، أي: بالقرينةِ؛ لأنَّ دلالتَها كدلالةِ اللفظِ. (وَإِذَا وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ)؛ كأولادِهِ، أو أولادِ زيدٍ وليسوا قبيلةً؛ (وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسَاوِي) بينَهُم؛ لأنَّ اللَّفظَ يَقتضي ذلك، وقد أمكن الوفاءُ به، فَوَجَب العملُ بمُقتضاه. فإنْ كان الوقفُ في ابتدائِهِ على مَنْ يُمكِنُ استيعابُهُ فصار مما لا يُمكِنُ استيعابُهُ؛ كوقفِ عليٍّ ﵁ (١)؛ وَجَب تَعميمُ مَن أمكن

стр. 1050

منهم، والتسويةُ بينَهُم. (وَإِلَّا) يُمكِنُ (١) حصرُهُم واستيعابُهُم؛ كبني هاشمٍ وتميمٍ؛ لم يَجِبْ تَعميمُهُم؛ لأنَّه غيرُ مُمكِنٍ، و (جَازَ التَّفْضِيلُ) لبعضِهِم على بعضٍ؛ لأنَّه إذا جاز حِرمانُهُ جاز تَفضيلُ غيرِهِ عليه، (وَالاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمْ)؛ لأنَّ مقصودَ الواقفِ بِرُّ ذلك الجِنسِ، وذلك يَحصُلُ بالدَّفعِ إلى واحدٍ منهم. وإن وَقَف مدرسةً أو رباطاً أو نحوَهُما على طائفةٍ؛ اختصَّتْ بهم، وإن عَين إماماً أو نحوَهُ تَعيَّن. والوصيَّةُ في ذلك كالوقفِ. (فَصْلٌ) (وَالوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ) بمجرَّدِ القولِ، وإنْ لم يَحكُمْ به حاكِمٌ؛ كالعتقِ؛ لقولِهِ ﵇: «لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ» (٢)، قال الترمذي: (العملُ على هذا الحديثِ عندَ أهلِ العلمِ) (٣)، فـ (لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ) بإقالةٍ ولا غيرِها؛ لأنَّه مُؤبَّدٌ.

стр. 1051

(وَلَا يُبَاعُ)، ولا يُناقَلُ به، (إِلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ) بالكليةِ؛ كدارٍ انهدمت، أو أرضٍ خَرِبت وعادت مَواتاً ولم تُمكِنْ (١) عمارتُها؛ فيباعُ؛ لما روي أنَّ عمرَ ﵁ كَتَب إلى سعدٍ لمَّا بَلَغُه أنَّ بيتَ المالِ الذي بالكوفةِ نُقِب: «أَنِ انْقُل المَسْجِدَ الَّذِي بِالتَّمَّارِينِ (٢)، وَاجْعَلْ بَيْتَ المَالِ فِي قِبْلَة المَسْجِدِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ فِي المَسْجِدِ (٣) مُصَلٍّ» (٤)، وكان هذا بمشهدٍ مِن الصحابةِ ولم يَظهَرْ خلافُهُ (٥)، فكان كالإجماعِ، ولو شَرَط الواقفُ أن لا يُباعَ إذاً؛ ففاسِدٌ، (وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ)؛ لأنَّه أقربُ إلى غرضِ الواقفِ، فإن تعذَّر

стр. 1052

مِثلُهُ ففي بعضِ مِثلِهِ، ويَصيرُ وقفاً بمجرَّدِ الشراءِ، وكذا فَرَسٌ حَبيسٌ لا يَصلُحُ لغزوٍ. (وَلَوْ أَنَّهُ)، أي: الوقفَ (مَسْجِدٌ)، ولم يُنتفَعْ به في مَوضِعِهِ؛ فيُباعُ إذا خَرِبت مَحلَّتُهُ، (وَآلَتُهُ)، أي: ويجوزُ بيعُ بعضِ آلتِهِ، وصَرفُها في عمارتِهِ، (وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ) مِن حُصرِهِ (١)، وزَيْتِهِ، ونفقتِهِ، ونحوِها؛ (جَازَ صَرْفُهُ إِلى مَسْجِدٍ آخَرَ)؛ لأنَّه انتفاعٌ بهٌ في جِنسِ ما وُقِفَ له، (وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ)؛ «لأَنَّ شَيْبَةَ بنَ عُثْمَانَ الحَجَبِي كَانَ يَتَصَدَّقُ بِخُلْعَانِ (٢) الكَعْبَةَ»، وروى الخلَّالُ بإسنادِهِ: «أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْهُ بِذَلِكَ» (٣)، ولأنه مالُ للهِ تعالى، لم يَبقَ له مَصرِفٌ، فصُرِف إلى المساكينِ.

стр. 1053

وفضلُ موقوفٍ على معيَّنٍ استحقاقُه مقدَّرٌ؛ يَتعيَّنُ إرصادُهُ، ونصَّ فيمن وَقَف على قنطرةٍ فانحرف الماءُ: (يُرصَدُ لعلَّه يَرجِعُ) (١). وإنْ وَقَف على ثغرٍ فاختلَّ؛ صُرِف في ثغرٍ مِثلِهِ، وعلى قياسِهِ مسجدٌ، ورباطٌ، ونحوُهُما. ولا يجوزُ غَرسُ شجرةٍ، ولا حَفرُ بئرٍ بالمسجدِ. وإذا غَرَس الناظرُ أو بنَى في الوقفِ مِن مالِ الوقفِ، أو مِن مالِهِ ونواه للوقفِ؛ فللوقفِ، قال في الفروعِ: (ويَتوجَّهُ في غَرسِ أجنبي أنَّه للوقفِ بنيَّتِهِ) (٢).

стр. 1054

(بَابُ الهِبَةِ وَالعَطِيَّةِ) الهبةُ: مِن هُبوبِ الريحِ، أي: مُرُورِهِ، يقال: وَهَب (١) له شيئاً وَهباً- بإسكان الهاء وفتحها -، وهِبَةً. والاتِّهابُ: قبولُ الهبةِ، والاسْتِيهَابُ: سؤالُ الهبةِ. والعطيةُ هنا: الهبةُ في مرضِ الموتِ. (وَهِيَ التَّبَرُّعُ) مِن جائزِ التصرُّفِ (بِتَمْلِيكِ مَالِهِ المَعْلُومِ المَوْجُودِ فِي حَيَاتِهِ غَيْرَهُ) -مَفعولُ (تَمْلِيك) - بما يُعَدُّ هِبَةً عُرفاً. فَخَرج بـ (التَّبَرُّع): عقودُ المعاوضاتِ؛ كالبيعِ والإجارةِ، وبـ (التَّمْلِيكِ): الإباحةُ؛ كالعاريةِ، وبـ (المَالِ): نحوُ الكلبِ، وبـ (المَعْلُومِ): المجهولُ، وبـ (المَوْجُودِ): المعدومُ، فلا تصحُّ الهبةُ فيها، وبـ (الحَيَاةِ): الوصيةُ. (وَإِنْ (٢) شَرَطَ) العاقدُ (فِيهَا عِوَضاً مَعْلُوماً؛ فَـ) هي (بَيْعٌ)؛ لأنَّه تمليكٌ بعوضٍ معلومٍ، ويَثْبُتُ الخيارُ والشفعةُ. فإن كان العوضُ مجهولاً لم تصحَّ، وحُكمُها كالبيعِ الفاسدِ، فيرُدُّها بزيادتِها مُطلقاً، وإن تَلِفَت ردَّ قِيمتَها.

стр. 1055

والهبةُ المطلقةُ لا تَقتضي عِوضاً، سواءٌ كانت لمثلِهِ، أو دونَهُ، أو أعلى منه. وإن اختلفا في شرطِ عِوَضٍ؛ فقولُ منكِرٍ بيمينِهِ. (وَلَا يَصِحُّ) أنْ يهبَ (مَجْهُولاً)؛ كالحملِ في البطنِ، واللبنِ في الضَّرعِ، (إِلَّا مَا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ)؛ كما لو اختلطَ مالُ اثنين على وجهٍ لا يَتميَّزُ، فَوَهَب أحدُهما لرفيقِهِ نصيبَه منه؛ فيصحُّ للحاجةِ؛ كالصلحِ. ولا يصحُّ أيضاً هِبَةُ ما لا يَقدِرُ على تسليمِهِ؛ كالآبقِ والشارِدِ. (وَتَنْعَقِدُ) الهبةُ (بِالإِيجَابِ وَالقَبُولِ)؛ بأن يقولَ: وَهَبتُكَ، أو أهديتُكَ، أو أعطيتُكَ، فيقولُ: قَبِلتُ، أو رَضيتُ، ونحوُهُ (وَ) بـ (المُعَاطَاةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا)، أي: على الهبةِ؛ لأنَّه ﵇ كان يُهدِي ويُهدَى إليه، ويُعطِي ويُعطَى، ويُفرِّقُ الصَّدقاتِ، ويَأمُرُ سُعاتَهُ بأخذِها وتَفريقِها، وكان أصحابُه يَفعلون ذلك، ولم يُنْقَلْ عنهم إيجابٌ ولا قبولٌ، ولو كان شرطاً لنُقِلَ عنهم نَقلاً مُتواتِراً أو مُشتهِراً (١). (وَتَلْزَمُ بِالقَبْضِ بِإِذْنِ وَاهِبٍ)؛ لما روى مالكٌ عن عائشةَ: أنَّ أبا بكرٍ نَحَلَها جَذاذَ عشرينَ وسْقاً مِن مالِهِ بالعاليةِ، فلمَّا مَرِضَ، قال:
следующие страницы →