(وَلَا يُبَاعُ)، ولا يُناقَلُ به، (إِلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ) بالكليةِ؛ كدارٍ انهدمت، أو أرضٍ خَرِبت وعادت مَواتاً ولم تُمكِنْ (١) عمارتُها؛ فيباعُ؛ لما روي أنَّ عمرَ ﵁ كَتَب إلى سعدٍ لمَّا بَلَغُه أنَّ بيتَ المالِ الذي بالكوفةِ نُقِب: «أَنِ انْقُل المَسْجِدَ الَّذِي بِالتَّمَّارِينِ (٢)، وَاجْعَلْ بَيْتَ المَالِ فِي قِبْلَة المَسْجِدِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ فِي المَسْجِدِ (٣) مُصَلٍّ» (٤)، وكان هذا بمشهدٍ مِن الصحابةِ ولم يَظهَرْ خلافُهُ (٥)، فكان كالإجماعِ، ولو شَرَط الواقفُ أن لا يُباعَ إذاً؛ ففاسِدٌ، (وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ)؛ لأنَّه أقربُ إلى غرضِ الواقفِ، فإن تعذَّر
стр. 1052
مِثلُهُ ففي بعضِ مِثلِهِ، ويَصيرُ وقفاً بمجرَّدِ الشراءِ، وكذا فَرَسٌ حَبيسٌ لا يَصلُحُ لغزوٍ.
(وَلَوْ أَنَّهُ)، أي: الوقفَ (مَسْجِدٌ)، ولم يُنتفَعْ به في مَوضِعِهِ؛ فيُباعُ إذا خَرِبت مَحلَّتُهُ، (وَآلَتُهُ)، أي: ويجوزُ بيعُ بعضِ آلتِهِ، وصَرفُها في عمارتِهِ، (وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ) مِن حُصرِهِ (١)، وزَيْتِهِ، ونفقتِهِ، ونحوِها؛ (جَازَ صَرْفُهُ إِلى مَسْجِدٍ آخَرَ)؛ لأنَّه انتفاعٌ بهٌ في جِنسِ ما وُقِفَ له، (وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ)؛ «لأَنَّ شَيْبَةَ بنَ عُثْمَانَ الحَجَبِي كَانَ يَتَصَدَّقُ بِخُلْعَانِ (٢) الكَعْبَةَ»، وروى الخلَّالُ بإسنادِهِ: «أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْهُ بِذَلِكَ» (٣)،
ولأنه مالُ للهِ تعالى، لم يَبقَ له مَصرِفٌ، فصُرِف إلى المساكينِ.
стр. 1053
وفضلُ موقوفٍ على معيَّنٍ استحقاقُه مقدَّرٌ؛ يَتعيَّنُ إرصادُهُ، ونصَّ فيمن وَقَف على قنطرةٍ فانحرف الماءُ: (يُرصَدُ لعلَّه يَرجِعُ) (١).
وإنْ وَقَف على ثغرٍ فاختلَّ؛ صُرِف في ثغرٍ مِثلِهِ، وعلى قياسِهِ مسجدٌ، ورباطٌ، ونحوُهُما.
ولا يجوزُ غَرسُ شجرةٍ، ولا حَفرُ بئرٍ بالمسجدِ.
وإذا غَرَس الناظرُ أو بنَى في الوقفِ مِن مالِ الوقفِ، أو مِن مالِهِ ونواه للوقفِ؛ فللوقفِ، قال في الفروعِ: (ويَتوجَّهُ في غَرسِ أجنبي أنَّه للوقفِ بنيَّتِهِ) (٢).
والهبةُ المطلقةُ لا تَقتضي عِوضاً، سواءٌ كانت لمثلِهِ، أو دونَهُ، أو أعلى منه.
وإن اختلفا في شرطِ عِوَضٍ؛ فقولُ منكِرٍ بيمينِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ) أنْ يهبَ (مَجْهُولاً)؛ كالحملِ في البطنِ، واللبنِ في الضَّرعِ، (إِلَّا مَا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ)؛ كما لو اختلطَ مالُ اثنين على وجهٍ لا يَتميَّزُ، فَوَهَب أحدُهما لرفيقِهِ نصيبَه منه؛ فيصحُّ للحاجةِ؛ كالصلحِ.
ولا يصحُّ أيضاً هِبَةُ ما لا يَقدِرُ على تسليمِهِ؛ كالآبقِ والشارِدِ.
(وَتَنْعَقِدُ) الهبةُ (بِالإِيجَابِ وَالقَبُولِ)؛ بأن يقولَ: وَهَبتُكَ، أو أهديتُكَ، أو أعطيتُكَ، فيقولُ: قَبِلتُ، أو رَضيتُ، ونحوُهُ (وَ) بـ (المُعَاطَاةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا)، أي: على الهبةِ؛ لأنَّه ﵇ كان يُهدِي ويُهدَى إليه، ويُعطِي ويُعطَى، ويُفرِّقُ الصَّدقاتِ، ويَأمُرُ سُعاتَهُ بأخذِها وتَفريقِها، وكان أصحابُه يَفعلون ذلك، ولم يُنْقَلْ عنهم إيجابٌ ولا قبولٌ، ولو كان شرطاً لنُقِلَ عنهم نَقلاً مُتواتِراً أو مُشتهِراً (١).
(وَتَلْزَمُ بِالقَبْضِ بِإِذْنِ وَاهِبٍ)؛ لما روى مالكٌ عن عائشةَ: أنَّ أبا بكرٍ نَحَلَها جَذاذَ عشرينَ وسْقاً مِن مالِهِ بالعاليةِ، فلمَّا مَرِضَ، قال:
стр. 1056
«يَا بُنَيَّةُ كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقاً، وَلَوْ كُنْتِ حُزْتِيهِ أَوْ قَبَضْتِيهِ كَانَ لَكِ، فَإِنَّمَا هُوَ اليَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى» (١)، وروى ابنُ عيينةَ عن عمرَ نحوَهُ (٢)، ولم يُعرَفْ لهما في الصحابةِ مخالِفٌ، (إِلَّا مَا كَانَ فِي يَدِ مُتَّهِبٍ) وديعةً، أو غصباً، ونحوَهُما؛ لأنَّ قبضَهُ مُستدامٌ، فأغنى عن الابتداءِ.
(وَوَارِثُ الوَاهِبِ) إذا مات قبلَ القبضِ (يَقُومُ مَقَامَهُ) في الإذنِ والرجوعِ؛ لأنَّه عقدٌ يؤُولُ إلى اللُّزومِ، فلم يَنفسِخْ بالموتِ؛ كالبيعِ في مدَّةِ الخيارِ.
وتَبْطُلُ بموتِ المتَّهِبِ.
ويَقْبَلُ ويَقْبِضُ للصغيرِ ونحوِهِ وليُّهُ.
وما اتَّهبه عبدٌ غيرُ مكاتَبٍ وقَبِلَه فهو لسيِّدِهِ، ويصحُّ قبولُه بلا إذنِ سيِّدِهِ.
стр. 1057
(وَمَنْ أَبْرَأَ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ) ولو قبلَ وجوبِهِ (بِلَفْظِ الإِحْلَالِ، أَوْ الصَّدَقَةِ، أَوِ الهِبَةِ وَنَحْوِهَا)؛ كالإسقاطِ، أو التَّركِ، أو التَّمليكِ، أو العفوِ؛ (بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَلَوْ) ردَّه و (لَمْ يَقْبَلْ)؛ لأنَّه إسقاطُ حقٍّ، فلم يَفتقِرْ إلى القبولِ؛ كالعتقِ، ولو كان المُبْرَأُ منه مجهولاً، لكن لو جَهِلَه ربُّه وكتَمَه المدينُ خَوفاً مِن أنَّه لو عَلِمَه لم يُبْرِئْهُ؛ لم تصحَّ البراءةُ.
ولو أبرأَ أحدَ غَرِيمَيْهِ، أو مِن أحدِ دَيْنَيْهِ؛ لم تصحَّ؛ لإبهامِ المحلِّ.
(وَتَجُوزُ هِبَةُ كُلِّ عَيْنٍ تُبَاعُ)، وهبةُ جزءٍ مشاعٍ منها إذا كان مَعلوماً، (وَ) هِبةُ (كَلْبٍ يُقْتَنَى)، ونَجاسةٍ يُباحُ نفعُها؛ كالوصيةِ.
ولا تصحُّ مُعلَّقةً، ولا مُؤقتةً؛ إلا نحوَ: جَعلتُها لك عُمرَك، أو حَياتَك، أو عمري، أو ما بَقِيتُ؛ فتصحُّ، وتكونُ لموهوبٍ له ولورثتِهِ بعدَه (١).
وإن قال: سُكْنَاهُ (٢) لك عُمرَك، أو غَلَّتُه، أو خِدمتُه لك، أو مَنحتُكَهُ؛ فعاريةٌ؛ لأنَّها هبةُ المنافعِ.
ومَن باعَ أو وَهَب فاسِداً، ثم تَصرَّف في العينِ بعقدٍ صحيحٍ؛ صحَّ الثاني؛ لأنَّه تصرُّفٌ في ملْكِه.
стр. 1058
(فَصْلٌ)
(يَجِبُ التَّعْدِيلُ فِي عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ بِقَدْرِ إِرْثِهِمْ) ؛ للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأنثيين؛ اقتداءً بقسمةِ اللهِ تعالى، وقياساً لحالِ الحياةِ على حالِ الموتِ، قال عطاءٌ: (ما كانوا يَقسمون إلا على كتابِ اللهِ تعالى) (١).
وسائِرُ الأقاربِ في ذلك كالأولادِ.
(فَإِنْ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ)؛ بأنْ أعطَاه فوق إرثِهِ، أو خصَّهُ (سَوَّى) وجوباً (بِرُجُوعٍ) حيثُ أمكن، (أَوْ زِيَادَةِ) المفضولِ ليساويَ الفاضِلَ، أو إعطاءٍ ليستووا؛ لقولِهِ ﵇: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» متفقٌ عليه مختصراً (٢).
وتحرُمُ الشَّهادةُ على التخصيصِ أو التفضيلِ تحمُّلاً وأداءً (٣) إن عَلِمَ، وكذا كلُّ عقدٍ فاسدٍ عندَه مختلَفٍ فيه.
مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» رواه سعيدٌ، والترمذي وحسَّنه (١)،
وسواءٌ كان الوالدُ محتاجاً أوْ لَا، وسواءٌ كان الولدُ كبيراً أو صغيراً، ذكراً أو أنثى.
стр. 1061
وليس له أنْ يَتملَّكَ ما يَضرُّ بالولدِ، أو تَعلَّقت به حاجتُهُ، ولا ما يُعطيه وَلَداً آخَرَ، ولا في مرضِ موتِ أحدِهِما المخوفِ.
(فَإِنْ تَصَرَّفَ) والِدُه (فِي مَالِهِ) قبلَ تملُّكِهِ وقبضِهِ (وَلَوْ فِيمَا وَهَبَهُ لَهُ)، أي: لولدِهِ وأقبضه إياه (بِبَيْعٍ)، أو هِبةٍ، (أَوْ عِتْقٍ، أَوْ إِبْرَاءِ) غريمِ ولدِه مِن دَيْنِه؛ لم يصحَّ تصرُّفُه؛ لأنَّ ملكَ الولدِ على مالِ نفسِهِ تامٌّ يصحُّ تصرُّفُه فيه، ولو كان للغيرِ أو مُشترَكاً؛ لم يَجُزْ.
(أَوْ أَرَادَ أَخْذَهُ)، أي: أرادَ الوالدُ أَخْذَ ما وَهَبه لولدِهِ (قَبْلَ رُجُوعِهِ) في هِبتِهِ بالقولِ، كَرَجَعْتُ فيها، (أَوْ) أراد أخْذَ مالِ ولدِه قبلَ (تَمَلُّكِهِ بِقَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ وَقَبْضٍ مُعْتَبَرٍ؛ لَمْ يَصِحَّ) تصرُّفُهُ؛ لأنَّه لا يَملِكُهُ إلا بالقبضِ مع القولِ أو النيةِ، فلا يَنفُذُ تَصرُّفُهُ فيه قبلَ ذلك، (بَلْ بَعْدَهُ)، أي: بعدَ القبضِ المعتبرِ مع القولِ أو النيةِ؛ لصَيْرورتِهِ ملكاً له بذلك.
وإن وَطِئَ جاريةَ ابنِهِ فأَحْبَلها؛ صارت أُمَّ ولدٍ له، وولدُهُ حرٌّ، ولا حَدَّ ولا مَهْرَ عليه إن لم يَكُن الابنُ وَطِئَها.
(وَلَيْسَ لِلوَلَدِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنٍ وَنَحْوِهِ)؛ كقيمةِ مُتْلَفٍ، وأَرْشِ جِنايةٍ؛ لما روى الخلَّالُ: أنَّ رجلاً جاء إلى النبيِّ ﷺ بأَبِيه يقتَضِيه دَيْناً عليه، فقال: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (١).
(وَمَنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدِهِ)، أو كان بينَ الصفَّيْنِ عندَ التحامِ حربٍ (١)، وكلٌّ مِن الطائفتين مكافِئةٌ للأُخرى، أو كان مِن المقهورةِ، أو كان في لُجَّةِ البحرِ عندَ هَيَجانِهِ، أو قُدِّم أو حُبِسَ لقتلٍ، (وَمَنْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ) حتى تَنجوَ؛ (لَا يَلْزَمُ تَبَرُّعُهُ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ، وَلَا بِمَا فَوْقَ الثُّلُثِ)، ولو لأجنبيٍّ؛ (إِلَّا بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ لَهَا إِنْ مَاتَ مِنْهُ (٢)؛ كوصيةٍ؛ لما (٣) تقدَّم؛ لأنَّ توقُّعُ التلفِ مِن أولئكَ كتوقُّعِ المريضِ.
(وَإِنْ عُوفِيَ) مِن ذلك (فَكَصَحِيحٍ) في نفوذِ عطاياه كلِّها؛ لعدمِ المانعِ.
(وَمَنِ امْتَدَّ مَرَضُهُ بِجُذَامٍ، أَوْ سِلٍّ) في ابتدائِهِ، (أَوْ فَالِجٍ) في انتهائِهِ، (وَلَمْ يَقْطَعْهُ بِفِرَاشٍ؛ فَـ) عطاياه (مِنْ كُلِّ مَالِهِ)؛ لأنَّه لا يُخَافُ تعجيلُ الموتِ منه؛ كالهرمِ.
стр. 1067
(وَالعَكْسُ)؛ بأن لَزِمَ الفراشَ؛ (بِالعَكْسِ)، فعطاياه كوصيتِه؛ لأنَّه مريضٌ صاحبُ فِراشٍ يُخْشَى منه التلفُ.
(وَيُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عِنْدَ مَوْتِهِ)؛ لأنَّه وقتُ لُزومِ الوصايا واستحقاقِها، وثبوتِ وِلايةِ قبولِها وردِّها، فإن ضاق ثُلثُهُ عن العطيةِ والوصيةِ؛ قُدِّمت العطيةُ؛ لأنَّها لازمةٌ.
ونماءُ العَطيةِ مِن القبولِ إلى الموتِ تَبَعٌ لها.
ومعاوَضَةُ المريضِ بثمنِ المثلِ مِن رأسِ المالِ، والمحاباةُ كعطيةٍ.
(وَ) تُفارِقُ العطيةُ الوصيةَ في أربعةِ أشياءَ:
أحدُها: أنه (يُسَوَّى بَيْنَ المُتَقَدِّمِ وَالمُتَأَخِّرِ فِي الوَصِيَّةِ)؛ لأنَّها تبرُّعٌ بعدَ الموتِ يُوجَدُ دفعةً واحِدَةً، (وَيُبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ فِي العَطِيَّةِ)؛ لوقوعِها لازمةً.
(وَ) الثاني: أنه (لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهَا)، أي: في العطيةِ بعدَ قَبضِها (١)؛ لأنَّها تَقعُ لازمةً في حقِّ المُعْطِي، وتَنتقِلُ إلى المعطَى في الحياةِ ولو كَثُرت، وإنما مُنِعَ مِن التبرُّعِ بالزائِدِ على الثُّلثِ لحقِّ الورثةِ، بخلافِ الوصيةِ، فإنه يَملِكُ الرجوعُ فيها.
стр. 1068
(وَ) الثالثُ: أن العطيةَ (يُعْتَبَرُ القَبُولُ لَهَا عِنْدَ وُجُودِهَا)؛ لأنَّها تمليكٌ في الحالِ، بخلافِ الوصيةِ، فإنها تَمليكٌ بعدَ الموتِ، فاعْتُبِر عندَ وجودِهِ.
(وَ) الرابعُ: أنَّ العطيةَ (يَثْبُتُ المِلْكُ) فيها (إِذاً)، أي: عندَ قَبولِها؛ كالهبةِ، لكن يَكونُ مُراعىً؛ لأنَّا لا نَعلَمُ هل هو مَرضُ الموتِ أو لا؟ ولا نَعلَمُ هل يَستفيدُ مالاً أو يَتْلَفُ شيءٌ مِن مالِهِ؟ فتوقَّفْنا لنَعلَمَ عاقبةَ أمرِهِ، فإذا خَرَجت مِن الثُّلثِ تبَيَّنَّا أنَّ الملكَ كان ثابتاً مِن حينِهِ، وإلا فبِقَدْرِهِ.
(وَالوَصِيَّةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ)، فلا تُمْلَكُ قبلَ الموتِ؛ لأنَّها تمليكٌ بعدَه فلا تَتقدَّمُهُ.
وإذا مَلَك المريضُ مَن يَعتِقُ عليه بهبةٍ، أو وصيةٍ، أو أقرَّ أنَّه أعتقَ ابنَ عمِّه في صحَّتِهِ؛ عَتَقَا مِن رأسِ المالِ، ووَرِثَا؛ لأنَّه حُرٌّ حينَ موتِ مورِّثِهِ لا مانِعَ به، ولا يكونُ عِتقُهُم وصيةً.
ولو دَبَّر ابنَ عمِّه؛ عَتَق ولم يَرِثْ، وإنْ قال: أنت حُرٌّ آخِرَ حياتي؛ عَتَق ووَرِثَ.
стр. 1069
(كِتَابُ الوَصَايَا)
جمعُ وصيةٍ، مأخوذةٌ مِن وَصَيتُ الشيءَ: إذا وصَلْتَهُ، فالموصِي وَصَل ما كان له في حياتِهِ بما بعدَ موتِهِ.
واصطلاحاً: الأمرُ بالتَّصرُّفِ بعدَ الموتِ، أو التبرُّعُ بالمالِ بعدَه.
وتصحُّ الوصيةُ مِن البالغِ الرشيدِ، ومِن الصبيِّ العاقلِ، والسَّفيهِ بالمالِ، ومِن الأخرسِ بإشارةٍ مفهومةٍ.
وإن وُجِدَت وصيَّةُ إنسانٍ بخطِّهِ الثابتِ ببيِّنةٍ أو إقرارِ ورَثَةٍ (١)؛ صحَّت.
ويُستحبُّ أن يَكتُبَ وصيَّتَهُ ويُشهِدَ عليها.
و(يُسَنُّ لِمَنْ تَرَكَ خَيْراً - وَهُوَ المَالُ الكَثِيرُ) عُرفاً- (أَنْ يُوصِيَ بِالخُمُسِ)؛ روي عن أبي بكرٍ (٢)،
стр. 1070
وعليٍّ (١)، وهو ظاهِرُ قولِ السلفِ، قال أبو بكرٍ: «رَضِيتُ بِمَا رَضِيَ اللهُ بِهِ لِنَفْسِهِ»، يعني في قولِهِ تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) [الأنفال: ٤١].
(وَلَا تَجُوزُ) الوصيُّةُ (بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لأَجْنَبِيٍّ) لمن له وارِثٌ، (وَلَا لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ إِلَّا بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ لَهُمَا بَعْدَ المَوْتِ)؛ لقولِ النبيِّ ﷺ لسعدٍ حينَ قال: أُوصِي بمالي كله؟ قال: «لَا»، قال: بالشَّطرِ؟ قال: «لَا»، قال: فالثُّلثُ، قال: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» متفقٌ عليه (٢)، وقولِهِ ﵇: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذي وحسَّنه (٣).
стр. 1071
وإن وصَّى لكلِّ وارثٍ بمُعيَّنٍ بقَدْرِ إرثِهِ؛ جاز؛ لأنَّ حقَّ الوارثِ في القَدْرِ لا في العينِ.
стр. 1072
والوصيَّةُ بالثُّلُثِ فما دونُ لأجنبيٍّ تَلزَمُ بلا إجازةٍ.
وإذا أجاز الورثةُ ما زاد على الثُّلثِ أو لوارثٍ؛ (فَـ) ـإنِّها (تَصِحُّ تَنْفِيذاً)؛ لأنَّها إمضاءٌ لقولِ المورِّثِ (١) بلفظِ: أَجزْتُ، أو أمضَيْتُ، أو نفَّذْتُ (٢)، ولا تُعتبَرُ (٣) لها أحكامُ الهبةِ.
(وَتُكْرَهُ وَصِيَّةُ فَقِيرٍ) عُرفاً (وَارِثُهُ مُحْتَاجٌ)؛ لأنَّه عَدَل عن أقاربِهِ المحاويجِ إلى الأجانبِ.
(وَتَجُوزُ) الوصيةُ (بِالكُلِّ لِمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ)؛ روي عن ابنِ مسعودٍ (٤)؛ لأنَّ المنْعَ فيما زاد على الثُّلثِ لحقِّ الورثةِ، فإذا عُدِموا زال المانِعُ.
(وَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالوَصَايَا) ولم تُجِز الورثةُ؛ (فَالنَّقْصُ) على الجميعِ (بِالقِسْطِ) فيتحاصُّون، لا فرقَ بينَ مُتقدِّمِها ومُتأخِّرِها،
стр. 1073
والعتقِ وغيرِهِ؛ لأنَّهم تساوَوا في الأصلِ وتَفاوتوا في المقدارِ، فَوَجَبت المُحاصَّةُ؛ كمسائلِ العولِ.
(وَإِنْ أَوْصَى لِوَارِثٍ فَصَارَ عِنْدَ المَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ)؛ كأخٍ حُجِب بابنٍ تجدَّد (١)؛ (صَحَّتْ) الوصيةُ اعتباراً بحالِ الموتِ؛ لأنَّه الحالُ الذي يحصُلُ به الانتقالُ إلى الوارثِ والموصَى له.
(وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ)، فَمَن أوصَى لأخيه مع وجودِ ابنهِ فمات ابنُهُ؛ بَطَلَت الوصيَّةُ إن لم تُجِزْ باقي الورثةُ.
(وَيُعْتَبَرُ) لملكِ الموصَى له المعيَّنَ الموصَى به (القَبُولُ) بالقولِ أو ما قام مَقامَهُ كالهبةِ (بَعْدَ المَوْتِ)؛ لأنَّه وقتُ ثبوتِ حقِّهِ، وهو على التَّراخي، فيصحُّ (وَإِنْ طَالَ) الزَّمن بينَ القَبولِ والموتِ، و (لَا) يصحُّ القبولُ (قَبْلَهُ)، أي: قبلَ الموتِ؛ لأنَّه لم يَثبُتْ له حقٌّ.
وإن كانت الوصيَّةُ لغيرِ معيَّنٍ؛ كالفقراءِ، أو مَنْ لا يمكِنُ حَصْرُهم؛ كبني تميمٍ، أو مَصلحةِ مسجدٍ ونحوِهِ، أو حجٍّ؛ لم تَفتقِرْ إلى قَبولٍ، ولزِمَت بمجرَّدِ الموتِ.
(وَيَثبُتُ المِلْكُ بِهِ)، أي: بالقبولِ (عَقِبَ المَوْتِ)، قدَّمه في الرعايةِ (٢).
стр. 1074
والصحيحُ: أنَّ الملكَ حينَ القبولِ؛ كسائرِ العقودِ؛ لأنَّ القبولَ سببٌ، والحُكمُ لا يَتقدَّمُ سببَهُ، فما حَدَث قبلَ القبولِ مِن نماءٍ مُنفصلٍ؛ فهو للورثةِ، والمتَّصلُ يَتبعُها.
(وَمَنْ قَبِلَهَا)، أي: الوصيةَ (ثُمَّ رَدَّهَا) ولو قَبْلَ القبضِ؛ (لَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ)؛ لأنَّ ملكَهُ قد استقرَّ عليها بالقبولِ، إلَّا أَن يَرضَى الورثةُ بذلك، فتكونُ هبةً منهُ (١) لهم تُعتَبرُ شُروطُها.
(وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الوَصِيَّةِ)؛ لقولِ عمرَ: «يُغَيِّرُ الرَّجُلُ مَا شَاءَ فِي وَصِيَّتِهِ» (٢)،
فإذا قال: رَجَعْتُ في وَصيَّتِي، أو أبطلتُها ونحوَهُ؛ بَطَلت، وكذا إن وُجِدَ منه ما يدُلُّ على الرجوعِ.
(وَإِن قَالَ) الموصِي: (إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَلَهُ مَا وَصَّيْتُ بِهِ لِعَمْرٍو، فَقَدِمَ) زيدٌ (فِي حَيَاتِهِ)، أي: حياةِ الموصِي؛ (فَلَهُ)، أي: فالوصيَّةُ
(بَابُ المُوصَى لَهُ)
(تَصِحُّ) الوصيَّةُ (لِمَنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ) مِن مُسلمٍ وكافِرٍ؛ لقولِهِ تعالى: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا) [الأحزاب: ٦] قال محمدُ بنُ الحنفيةِ: (هو وَصيةُ المسلمِ لليهوديِّ والنصرانيِّ) (١).
وتصحُّ لمكاتَبِه ومدَبَّرِهِ، وأُمِّ ولدِهِ، (وَلِعَبْدِهِ بِمُشَاعٍ؛ كَثُلُثِهِ)؛ لأنَّها وصيَّةٌ تَضمَّنت العِتقَ بثُلُثِ مالِه، (وَيَعْتُقُ مِنْهُ بِقَدْرِهِ)، أي: بقَدْرِ الثُّلثِ، فإنْ كان ثُلثُهُ مائةً وقِيمةُ العبدِ مائةً فأقلَّ؛ عُتِقَ كلُّه؛ لأنَّه يَملِكُ مِن كلِّ جزءٍ مِن المالِ ثُلثَهُ مُشاعاً، ومِن جُملتِهِ نفسُهُ فيَملِكُ ثُلثَها، فيَعتِقُ ويَسْرِي إلى بقيتِهِ، (وَيَأْخُذُ الفَاضِلَ) مِن الثُّلثِ؛ لأنَّه صار حرًّا.
وإن لم يُخرِجْ مِن الثُّلثِ؛ عَتَق منه بقَدْرِ الثُّلثِ.
(وَ) إن وَصَّى (٢) (بِمِائَةٍ أَوْ) بـ (مُعَيَّنٍ)؛ كدارٍ وثوبٍ؛ (لَا تَصِحُّ) هذه الوصيةُ (لَهُ)، أي: لعبدِهِ؛ لأنَّه يَصيرُ ملكاً للورثةِ، فما وصَّى له به فهو لهم، فكأنَّه وصَّى لورثتِهِ بما يَرثونَهُ، فلا فائدةَ فيه.
ولا تصحُّ لعبدِ غيرِهِ.
стр. 1078
(وَتَصِحُّ) الوصيَّةُ (بِحَمْلٍ) تَحقَّقَ وجودُهُ قبلَها؛ لجريانِها مَجرى الإرثِ.
(وَ) تصحُّ أيضاً (لِحَمْلٍ تَحَقَّقَ وُجُودُهُ قَبْلَهَا)، أي: قبلَ الوصيةِ، بأنْ تَضَعَهُ لأقلَّ مِن ستَّةِ أشهرٍ مِن الوصيَّةِ إن كانت فِراشاً، أو لأقلَّ مِن أرْبَعِ سِنينَ إن لم تَكُن كذلك.
ولا تصحُّ لمن تحمِلُ به هذه المرأةُ.
(وَإِذَا أَوْصَى مَنْ لَا حَجَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ؛ صُرِفَ مِنْ ثُلُثِهِ مُؤْنَةُ حَجَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى يَنْفَدَ) الألفُ، راكِباً أو راجِلاً؛ لأنَّه وَصَّى بها في جِهةِ قُربةٍ، فَوَجَب صَرفُها فيها، فلو لم يَكْفِ الألفُ أو البقيَّةُ؛ حُجَّ به مِن حيثُ يبلُغُ.
وإن قال: حجةً بألفٍ؛ دُفِعَ لمن يَحُجُّ به واحدةً؛ عَمَلاً بالوصيَّةِ حيثُ خَرَج مِن الثُّلثِ، وإلَّا فَبِقَدْرِه، وما فَضَل منها فهو لمن يحجُّ؛ لأنَّه قَصَد إرفاقَهُ.
(وَلَا تَصِحُّ) الوصيَّةُ (لِمَلَكٍ)، وجِنِّيٍّ، (وَبَهِيمَةٍ، وَمَيِّتٍ)؛ كالهبةِ لهم؛ لعدمِ صحَّةِ تمليكِهِم.
(فَإِنْ وَصَّى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ يَعْلَمُ مَوْتَهُ؛ فَالكُلُّ لِلحَيِّ)؛ لأنَّه لما أوْصَى بذلك مع عِلمِهِ بموتِهِ؛ فكأنَّه قَصَد الوصيَّةَ للحيِّ وحدَه.
(وَإِنْ جَهِلَ) موتَه؛ (فَـ) للحي (النِّصْفُ) مِن الموصَى به؛ لأنَّه
стр. 1079
أضاف الوصيَّةَ إليهما، ولا قَرينةَ تدلُّ على عدمِ إرادةِ الآخَرِ.
ولا تصحُّ الوصيَّةُ لكنيسةٍ، وبيتِ نارٍ، أو عمارتِهما، ولا لكَتْبِ التوراةِ والإنجيلِ ونحوِها.
(وَإِنْ وَصَّى بِمَالِهِ لابْنَيْهِ وَأَجْنَبِيٍّ فَرَدَّا) وصيَّتَه؛ (فَلَهُ التُّسُعُ)؛ لأنَّه بالردِّ رَجَعت الوصيةُ إلى الثُّلثِ، والموصَى له ابنانِ والأجنبيُّ، فله ثُلثُ الثُّلثُ، وهو تُسعٌ.
وإنْ وَصَّى لزيدٍ والفقراءِ والمساكينِ بثُلثِهِ؛ فلِزَيْدٍ التُّسُعُ، ولا يُدْفَعُ له شيءٌ بالفقرِ؛ لأنَّ العَطفَ يَقتضي المغايرةَ.
ولو أوْصَى بثُلُثِهِ للمساكينِ وله أقاربُ محاويجُ غيرُ وارثِين لم يُوصِ لهم؛ فهم أحقُّ به.
стр. 1080
(بَابُ المُوصَى بِهِ)
(تَصِحُّ بِمَا يُعْجَزُ عَنْ تَسْلِيمِهِ؛ كَآبِقٍ، وَطَيْرٍ فِي هَوَاءٍ)، وحملٍ في بطنٍ، ولبنٍ في ضرعٍ؛ لأنَّها تصحُّ بالمعدومِ، فهذا أَوْلَى.
(وَ) تصحُّ (بِالمَعْدُومِ؛ كَـ) وصيَّةٍ (بِمَا يَحْمِلُ حَيَوانُهُ)، وأمتُهُ (١)، (وَشَجَرَتُهُ، أَبَداً أَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً) كسنةٍ، ولا يَلزَمُ الوارِثَ السقيُ؛ لأنَّه لم يَضمَنْ تَسليمَها، بخلافِ بائعٍ، (فَإِنْ) حَصَل شيءٌ فهو للموصَى له بمقتضَى الوصيَّةِ، وإنْ (لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ بَطَلَتْ الوَصِيَّةُ)؛ لأنَّها لم تُصادِفْ محلًّا.
(وَتَصِحُّ بِـ) ما فيه نفعٌ مباحٌ؛ مِن (كَلْبِ صَيْدٍ وَنَحْوِهِ)؛ كحرثٍ وماشيةٍ، (وَبِزَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ) لغيرِ مسجدٍ، (وَ) للموصَى (لَهُ ثُلُثُهُمَا)، أي: ثُلثُ الكلبِ والزيتِ المتنجسِ، (وَلَوْ كَثُرَ المَالُ إِنْ لَمْ تُجِزِ الوَرَثَةُ)؛ لأنَّ موضوعَ الوصيَّةِ على سلامةِ ثُلُثَي التَّركةِ للورثةِ، وليس مِن التَّركةِ شيءٌ مِن جِنسِ الموصَى به.
وإنْ وصَّى بكلبٍ ولم يَكُن له كلبٌ؛ لم تصحَّ الوصيةُ.
(وَتَصِحُّ بِمَجْهُولٍ؛ كَعَبْدٍ وَشَاةٍ)؛ لأنَّها إذا صحَّت بالمعدومِ فالمجهولُ أوْلَى، (وَيُعْطَى) الموصَى له (مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاسْمُ)؛ لأنَّه
стр. 1081
اليقينُ؛ كالإقرارِ، فإنِ اختلف الاسمُ بالحقيقةِ والعُرفِ؛ قُدِّم (العُرْفِيُّ) في اختيارِ الموفَّقِ (١)، وجَزَم به في الوجيزِ (٢)، والتبصرةِ (٣)؛ لأنَّه المتبادَرُ إلى الفهمِ.
وقال الأصحابُ (٤): تُغلَّبُ الحقيقةُ؛ لأنَّها الأصلُ.
(وَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِهِ) أو نحوِهِ (فَاسْتَحْدَثَ مَالاً وَلَوْ دِيَةً)؛ بأنْ قُتِل عَمداً أو خطأً وأُخِذَت ديتُهُ؛ (دَخَلَ) ذلك (فِي الوَصِيَّةِ)؛ لأنَّها تجبُ للميتِ بَدَل نفسِهِ، ونفسُهُ له، فكذا بَدَلُها، ويُقضَى منها دَيْنُه ومؤنةُ تجهيزِهِ.
(وَمَنْ أُوصِيَ لَهُ بِمُعَيَّنٍ فَتَلِفَ) قبلَ موتِ الموصِي، أو بعدَه قبلَ القَبولِ؛ (بَطَلَتْ) الوصيَّةُ؛ لزوالِ حقِّ الموصَى له.
(وَإِنْ تَلِفَ المَالُ كلُّهُ (٥) غَيْرَهُ)، أي: غيرَ المعيَّنِ الموصَى به؛ (فَهُوَ للمُوصَى لَهُ)؛ لأنَّ حقوقَ الورثةِ لم تَتعلَّقْ به؛ لتَعيينِهِ للموصَى له، (إِنْ خَرَجَ مِنْ ثُلُثِ المَالِ الحَاصِلِ لِلوَرَثَةِ)، وإلَّا فبِقَدْرِ الثُّلثِ.
والاعتبارُ في قيمةِ الوصيَّةِ - ليُعرَفَ خُروجُها مِن الثُّلثِ وعَدمُهُ
стр. 1082
- بحالةِ الموتِ؛ لأنَّها حالةُ لزومِ الوصيَّةِ.
وإن كان ما عدا المعيَّنِ دَيْناً أو غائباً؛ أَخَذ الموصَى له ثُلُثَ الموصَى به، وكلَّ ما اقتُضِيَ مِن الدَّينِ أو حَضَر مِن الغائِبِ شيءٌ؛ مَلَك مِن (١) الموصَى به قَدْرَ ثُلثِهِ، حتَّى يملِكَهُ كلَّهُ.
стр. 1083
(بَابُ الوَصِيَّةِ بِالأَنْصِبَاءِ وَالأَجْزَاءِ)
الأنصباءُ: جمعُ نصيبٍ، والأجزاءُ: جمعُ جزءٍ.
و(إِذَا أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ؛ فَلَهُ مِثْلُ نَصِيبِهِ مَضْمُوماً إِلَى المَسْأَلَةِ)، فتصحُّ مسألةُ الورثةِ وتَزيدُ عليها مِثلَ نَصيبِ ذلك المعيَّنِ، فهو الوصيةُ، وكذا لو أسقط لفظَ: (مِثْل).
(فَإِذَا أَوْصَى (١) بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ) أو بنصيبِهِ (وَلَهُ ابْنَانِ؛ فَلَهُ)، أي: للموصَى له (الثُّلُثُ)؛ لأنَّ ذلك مَثلُ ما يَحصُلُ لابنِهِ.
(وَإِنْ كَانُوا ثَلاثَةً؛ فَـ) للموصَى (لَهُ الرُّبُعُ)؛ لما سَبَق.
(وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ بِنْتٌ؛ فَلَهُ التُّسعَانِ)؛ لأنَّ المسألةَ مِن سبعةٍ؛ لكلِّ ابنٍ سَهمان، وللأنثى سهمٌ، ويُزادُ عليها مِثلُ نِصيبِ ابنٍ، فتَصيرُ (٢) تِسعةً، فالاثنان منها تُسعان.
(وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ) ذلك الوارِثُ؛ (كَانَ لَهُ مِثْلُ مَا لِأَقَلِّهِمْ نَصِيباً)؛ لأنَّه اليقينُ، وما زاد مشكوكٌ فيه.
(فَمَعَ ابْنٍ وَبِنْتٍ): له (رُبُعٌ)، مِثلُ نَصيبِ البنتِ.
(وَمَعَ زَوْجَةٍ وَابْنٍ): له (تُسُعٌ)، مِثلُ نَصيبِ الزوجةِ.
стр. 1084
وإنْ وصَّى بضِعْفِ نصيبِ ابنِهِ؛ فله مِثلاه، وبضِعْفَيهِ؛ فله ثلاثةُ أمثالِهِ (١)، وبثلاثةِ أضعافِهِ؛ فله (٢) أربعةُ أمثالِهِ، وهكذا.
(وَ) إن وَصَّى (٣) (بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ؛ فَلَهُ سُدُسٌ)، بمنزلةِ سدسٍ مفروضٍ، وهو قولُ عليٍّ (٤)، وابنِ مسعودٍ (٥)؛ لأنَّ السَّهمَ في كلامِ العربِ السُّدسُ، قاله إياسُ بنُ معاويةَ (٦)، وروى ابنُ مسعودٍ: «أَنَّ رَجُلاً أَوْصَى لآخَرٍ بِسَهْمٍ مِنَ المَالِ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ السُّدُسَ» (٧).
(وَ) إن أَوْصَى (بِشَيْءٍ، أَوْ جُزْءٍ، أَوْ حَظٍّ)، أو نَصيبٍ، أو قِسْطٍ؛ (أَعْطَاهُ الوَارِثُ مَا شَاءَ) ممَّا يُتَمَوَّلُ؛ لأنَّه لا حدَّ له في اللغةِ ولا في الشرعِ، فكان على إطلاقِهِ.
стр. 1085
(بَابُ المُوصَى إِلَيْهِ)
لا بأس بالدُّخولِ (١) في الوصيَّةِ لمن قَوِيَ عليه ووَثِقَ مِن نفسِهِ؛ لفعلِ الصحابةِ ﵃ (٢).
(تَصِحُّ وَصِيَّةُ المُسْلِمِ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ رَشِيدٍ، وَلَوْ) امرأةً، أو مستوراً، أو عاجِزاً، ويُضَمُّ إليه أمينٌ، أو (عَبْداً)؛ لأنَّه تصحُّ استنابتُهُ في الحياةِ، فصحَّ أن يُوصَى إليه؛ كالحُرِّ.
(وَيَقْبَلُ) عبدُ غيرِ الموصِي (بِإِذْنِ سَيِّدِهِ)؛ لأنَّ منافعَهُ مُستحقَّةٌ له، فلا يَفوِّتُها عليه بغيرِ إذنِهِ.
(وَإِذَا أَوْصَى إِلَى زَيْدٍ، وَ) أوصَى (بَعْدَهُ إِلَى عَمْرٍو وَلَمْ يَعْزِلْ زَيْداً؛ اشْتَرَكَا)؛ كما لو أوصَى إليهما معاً، (وَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِتَصَرُّفٍ لَمْ يَجْعَلْهُ) مُوصٍ (لَهُ)؛ لأنَّه لم يَرْضَ بنظرِهِ (٣) وحدَه؛ كالوكيلين.
стр. 1086
وإن غابَ أحدُهُما أو مات؛ أقام الحاكمُ مَقامَهُ أميناً.
وإنْ جَعَل لأحدِهِما أو لكلٍّ منهما أن يَنفرِدَ بالتصرُّفِ؛ صحَّ.
ويصحُّ قبولُ الموصَى إليه الوصيَّةَ في حياةِ الموصِي وبعدَ موتِهِ، وله عَزْلُ نفسِهِ متى شاء.
وليس للموصَى إليه أنْ يوصِيَ إلَّا أن يُجعَلَ (١) إليه.
(وَلَا يَصِحُّ وَصِيَّتُهُ (٢) إِلَّا فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ)؛ ليَعْلَمَ الوصِيُّ ما وُصِّي إليه به ليَحفظَهُ ويَتصرَّفَ فيه، (يَمْلِكُهُ المُوصِي؛ كَقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَتَفْرِقَةِ ثُلُثِهِ، وَالنَّظَرِ لِصِغَارِهِ)؛ لأنَّ الوصِيَّ يَتصرَّفُ بالإذنِ، فلم يَجُزْ إلَّا فيما يَملِكُهُ الموصِي؛ كالوكالةِ.
(وَلَا تَصِحُّ) الوصيَّةُ (بِمَا لَا يَمْلِكُهُ المُوصِي؛ كَوَصِيَّةِ المَرْأَةِ بِالنَّظَرِ فِي حَقِّ أَوْلَادِهَا الأَصَاغِرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ)؛ كوصيَّةِ الرَّجلِ بالنظرِ على بالغٍ رشيدٍ، فلا تصحُّ؛ لعدَمِ وِلايةِ الموصِي حالَ الحياةِ.
(وَمَنْ وُصِّيَ) إليه (فِي شَيْءٍ لَمْ يَصِرْ وَصِيًّا فِي غَيْرِهِ)؛ لأنَّه استفادَ التصرَّفَ بالإذنِ، فكان مَقصوراً على ما أُذِن فيه (٣)، كالوكيلِ.
стр. 1087
ومَن أَوصَى بقضاءِ دَيْنٍ معيَّنٍ فأبى الورثةُ، أو جَحَدوا وتَعذَّر إثباتُهُ؛ قَضاه باطِناً بغيرِ عِلمِهِم، وكذا إن أُوصِي إليه بتفريقِ ثُلُثِهِ وأبَوْا أو جَحَدوا؛ أخرجَهُ مما في يدِهِ باطِناً.
وتصحُّ وصيةُ كافرٍ إلى مسلمٍ إنْ لم تَكُن ترِكتُهُ نحوَ خمرٍ، وإلى عَدْلٍ في دِينِهِ.
(وَإِنْ ظَهَرَ عَلَى المَيِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ) تَرِكتَهُ (بَعْدَ تَفرِقَةِ الوَصِيِّ) الثُلُثَ الموصَى إليه بتَفرقتِهِ؛ (لَمْ يَضْمَنْ) الوصيُّ لربِّ الدَّينِ شَيئاً؛ لأنَّه معذورٌ بعدمِ (١) عِلْمِه بالدَّينِ.
وكذا إن جُهِلَ موصًى له فتَصدَّقَ به هو أو حاكمٌ ثم عَلِمَ.
(وَإِنْ قَالَ: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ شِئْتَ)، أو أعطِهِ لمن شئتَ، أو تَصدَّقْ به على مَن (٢) شئتَ؛ (لَمْ يَحِلَّ) للوصيِّ أخذُهُ (لَهُ)؛ لأنَّه تمليكٌ مَلَكه بالإذنِ، فلا يكونُ قابِلاً له؛ كالوكيلِ، (وَلَا) دَفعُه (لِوَلَدِهِ)، ولا سائِرَ ورثتِهِ؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في حقِّهِم، أغنياءَ كانوا أو فقراءَ.
وإن دَعَت الحاجةُ إلى بَيعِ بعضِ العقارِ لقضاءِ دَيْنٍ أو حاجةِ صغارٍ وفي بيعِ بعضِهِ ضررٌ؛ فله البيعُ على الصغارِ والكبارِ إن (٣)
стр. 1088
امتنعوا أو غابوا.
(وَمَنْ مَاتَ بِمَكَانٍ لَا حَاكِمَ بِهِ (١) وَلَا وَصِيَّ؛ جَازَ لِبَعْضِ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ تَوَلِّي تَرِكَتَهُ (٢)، وَعَمَلُ الأَصْلَحِ حِينَئِذٍ فِيهَا مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ)؛ لأنَّه موضِعُ ضَرورةٍ، ويُكَفِّنُه منها، فإن لم تَكُن فَمِن عندِه، ويَرْجِعُ عليها أو على مَن تَلزَمُه نَفقتُهُ إن نواه؛ لدعاءِ الحاجةِ لذلك.
стр. 1089
الروض المربع
بشرح زاد المستنقع مختصر المقنع
стр. 1090
الروض المربع
بشرح زاد المستنقع مختصر المقنع
للعلامة منصور بن يونس البهوتي (ت: ١٠٥١ هـ)
قوبل على نسخة مقروءة على المؤلف وخمس نسخ أخرى
تحقيق
أ. د خالد بن علي المشيقح
د. عبد العزيز بن عدنان العيدان
د. أنس بن عادل اليتامى
المجلد الثالث
من أول كتاب الفرائض إلى نهاية الكتاب