ولم يُخرِجْهُ فقد غَصَب ما استولى عليه، وإن لم يُرِد الغَصبَ فلا، وإن دَخَلها قَهراً في غَيبةِ ربِّها فغاصِبٌ، ولو كان فيها قماشُهُ، ذَكَره في المبدعِ (١).
(وَإِنْ غَصَبَ كَلْباً يُقْتَنَى)؛ ككلبِ صيدٍ وماشيةٍ وزرعٍ، (أَوْ) غَصَب (خَمْرَ ذِمِّيٍّ) مستورةً؛ (رَدَّهُمَا)؛ لأنَّ الكلبَ يجوزُ الانتفاعُ به واقتناؤه، وخمرَ الذمِّي يُقَرُّ على شُرْبِها، وهي مالٌ عندَه.
(وَلَا) يَلزَمُ أن (يَرُدَّ جِلْدَ مَيْتَةٍ) غُصِبَ، ولو بعدَ الدَّبغِ؛ لأنَّه لا يَطهُرُ بدبغٍ.
وقال الحارثيُّ: (يَردُّه حيثُ قلنا: يُباحُ الانتفاعُ به في اليابساتِ) (٢)، قال في تصحيح الفروع: (هو الصوابُ) (٣).
(وَإِتْلَافُ الثَّلَاثَةِ)، أي: الكلبِ، والخمرِ المحترمةِ، وجلدِ الميتةِ؛ (هَدَرٌ)، سواءٌ كان المتلِفُ مسلماً أو ذميًّا؛ لأنَّه ليس لها عِوضٌ شرعيٌّ؛ لأنَّه لا يجوزُ بَيعُها.
(وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ) كبيرٍ أو صغيرٍ؛ (لَمْ يَضْمَنْهُ)؛ لأنَّه ليس بمالٍ.
стр. 982
(وَإِنِ اسْتَعْمَلَهُ كُرْهاً) فعليه أجرتُهُ؛ لأنَّه استوفَى منافِعَهَ، وهي متقوَّمَةٌ، (أَوْ حَبَسَهُ) مدَّةً لمثلِها أجرةٌ؛ (فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ)؛ لأنَّه فوَّت مَنفعتَه، وهي مالٌ يجوزُ أَخْذُ العِوضِ عنها.
وإن مَنَعه العملَ مِن غيرِ غَصبٍ أو حبسٍ لم يَضمَنْ مَنافِعَه.
(وَيَلْزَمُ) غاصِباً (رَدُّ المَغْصُوبِ) إن كان باقياً وقَدِر على ردِّه؛ لقولِه ﵇: «لَا يَأْخُذ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَا لَاعِباً وَلَا جَاداً، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا» رواه أبو داودَ (١).
وإنْ زادَ لزِمَه رَدُّهُ (بِزِيَادَتِهِ)، متَّصلةً كانت أو مُنْفصلةً؛ لأنَّها مِن نماءِ المغصوبِ، وهو لمالكِهِ، فلَزِمه ردُّهُ؛ كالأصلِ، (وَإِنْ غَرِمَ) على ردِّ المغصوبِ (أَضْعَافَهُ)؛ لكونِهِ بُنِيَ عليه أو بُعِّدَ ونحوُه.
(وَإِنْ (٢) بَنَى فِي الأَرْضِ) المغصوبةِ، (أَوْ غَرَسَ؛ لَزِمَهُ القَلْعُ) إذا طالَبَه المالكُ بذلك؛ لقولِه ﵇: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (٣)،
(وَ) لَزِمه (أَرْشُ نَقْصِهَا)، أي: نقصِ الأرضِ، (وَتَسْوِيَتُهَا)؛ لأنَّه ضررٌ حَصَل بفعلِهِ، (وَالأُجْرَةُ)، أي: أجرةُ مِثلِها إلى وقتِ التسليمِ.
وإن بَذَلَ ربُّها قيمةَ الغِراسِ والبِناءِ ليَملِكَهُ؛ لم يَلزَم الغاصِبُ قبولَهُ، وله قَلعُهُما.
وإن زَرَعها وردَّها بعدَ أخْذِ الزَّرعِ فهو للغاصِبِ، وعليه أجرتُها، وإن كان الزَّرعُ قائماً فيها؛ خُيِّر ربُّها بينَ تركِه إلى الحصادِ بأجرةِ مثلِهِ، وبينَ أخذِهِ بنفقتِهِ، وهي مِثلُ بَذْرِه وعِوضِ لواحِقِهِ.
(وَلَوْ غَصَبَ جَارِحاً، أَوْ عَبْداً، أَوْ فَرَساً؛ فَحَصَلَ بِذَلِكَ) الجارِحِ أو العبدِ أو الفرسِ (صَيْدٌ؛ فَلِمَالِكِهِ)، أي: مالكِ الجارحِ ونحوِهِ؛ لأنَّه بسببِ (١) ملكِهِ فكان له.
وكذا لو غَصَب شبكةً أو شَرَكاً (٢) وصاد به، ولا أجرةَ لذلك، وكذا لو كَسَب العبدُ.
стр. 985
بخلافِ ما لو غَصَب مِنجَلاً (١) وَقَطَع به شَجراً أو حَشيشاً؛ فهو للغاصِبِ؛ لأنَّه آلةٌ، فهو كالحبلِ يُربَطُ به.
(وَإِنْ ضَرَبَ المَصُوغَ) المغصوبَ، (وَنَسَجَ الغَزْلَ، وَقَصَرَ (٢) الثَّوْبَ، أَوْ صَبَغَهُ (٣)، وَنَجَرَ الخَشَبَةَ) باباً، (وَنَحْوَهُ، أَوْ صَارَ الحَبُّ زَرْعاً، وَ) صارت (البَيْضَةُ فَرْخاً، وَ) صار (النَّوَى غَرْساً؛ رَدَّهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ) إن نَقَص، (وَلَا شَيْءَ لِلغَاصِبِ) نظيرَ عَمَلِهِ، ولو زاد به المغصوبُ؛ لأنَّه تَبرُّعٌ في ملكِ غيرِه، وللمالكِ إجبارُه على إعادةِ ما أمكنَ ردُّهُ إلى الحالةِ الأُولى؛ كحُلِيٍّ ودراهمَ ونحوِها.
(وَيَلْزَمُهُ)، أي: الغاصبَ (ضَمَانُ نَقْصِهِ)، أي: المغصوبِ، ولو بنباتِ لحيةِ أمرَدَ، فيَغرَمُ ما نَقَص مِن قيمتِهِ.
وإن جُنِي عليه ضَمِنه بأكثرِ الأمرين: ما نَقَص مِن قيمتِهِ، وأرشِ الجنايةِ؛ لأنَّ سَبَب كلِّ واحدٍ منهما قد وُجِد، فَوَجَب أن يَضمَنَهُ بأكثرِهما.
(وَإِنْ خَصَى الرَّقِيقَ رَدَّهُ مَعَ قِيمَتِهِ)؛ لأنَّ الخُصيَتَيْنِ يجبُ فيهما
стр. 986
كمالُ القيمةِ؛ كما يجبُ فيهما كمالُ الدِّيةِ مِن الحرِّ، وكذا لو قَطَع منه ما فيه دِيةٌ، كيديهِ، أو ذَكَرِهِ، أو أنفِهِ.
(وَمَا نَقَصَ بِسِعْرٍ؛ لَمْ يُضْمَنْ)؛ لأنَّه ردَّ العينَ بحالِها، لم يُنقِصْ منها عينٌ ولا صِفةٌ، فلم يَلزَمْهُ شيءٌ.
(وَلَا) يَضمَنُ نَقصاً حَصَل (بِمَرَضٍ) إذا (عَادَ) إلى حالِهِ (بِبُرْئِهِ) مِن المرضِ؛ لزوالِ مُوجِبِ الضمانِ، وكذا لو انقَلَعَ سِنُّه ثم عاد.
فإن ردَّ المغصوبَ مَعيباً، وزال عَيبُهُ في يدِ مالِكِهِ، وكان أخَذَ الأرشَ؛ لم يَلزَمْهُ رَدَّه؛ لأنَّه استقرَّ ضَمانُه برَدِّ المغصوبِ، وإن لم يَأخُذْهُ (١) لم يَسقُطْ ضَمانُه لذلك.
(وَإِنْ عَادَ) النقصُ (بِتَعْلِيمِ صَنْعَةٍ)؛ كما لو غَصَب عَبداً سَميناً قيمتُه مائةٌ، فهُزِلَ فصار يُساوي تِسعين، وتَعَلَّم صَنعةً فزادت قِيمتُه بها عشرةٌ؛ (ضَمِنَ النَّقْصَ)؛ لأنَّ الزيادةَ الثانيةَ غيرُ الأُولَى.
(وَإِنْ تَعَلَّمَ) صَنعةً زادت بها قِيمتُهُ عندَ الغاصِبِ، (أَوْ سَمِنَ) عندَه؛ (فَزَادَتْ قِيمَتُهُ، ثُمَّ نَسِيَ) الصَّنعةَ (أَوْ هُزِلَ فَنَقَصَتْ) قِيمتُهُ؛ (ضَمِنَ الزِّيَادَةَ)؛ لأنَّها زيادةٌ في نَفسِ المغصوبِ، فلَزِم الغاصِبَ ضمانُها؛ كما لو طالَبَه بردِّها فلم يَفعَلْ، و (كَمَا لَوْ عَادَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الأَوَّلِ)؛ بأن غَصَب عبداً، فَسَمِن وصار يُساوي مائةً، ثم
стр. 987
هُزِلَ فصار يُساوي تسعين، فتعلَّم صَنعةً فصار يُساوي مائةً؛ ضَمِن نَقصَ الهُزالِ؛ لأنَّ الزيادةَ الثانيةَ غيرُ الأُولى.
(وَ) إن كانت الزيادةُ الثانيةُ (مِنْ جِنْسِهَا)، أي: جِنسِ (١) الزيادةِ الأُولى، كما لو نَسِيَ صنعةً ثم تعلَّمها، ولو صَنعةً بَدَل صَنعةٍ؛ (لَا يَضْمَنُ)؛ لأنَّ ما ذَهَب عاد، فهو كما لو مَرِض ثم بَرِئ، (إِلَّا أَكْثَرَهُمَا (٢)، يعني إذا نَسِيَ صَنعةً وتَعلَّم أخرى، وكانت الأُولى أكثرَ؛ ضَمِن الفَضلَ بينهما؛ لفواتِهِ وعدمِ عودِهِ.
وإن جَنى المغصوبُ فعلى غاصِبِهِ أَرشُ جنايتِهِ.
(فَصْلٌ)
(وَإِنْ خُلِطَ) المغصوبُ بما يَتميَّزُ؛ كحنطةٍ بشعيرٍ، وتمرٍ بزبيبٍ؛ لَزِم الغاصِبَ تخليصُهُ، وردُّهُ، وأجرةُ ذلك عليه.
و(بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ؛ كَزَيْتٍ، أَوْ حِنْطَةٍ بِمِثْلِهَما (٣)؛ لَزِمه مِثلُه منه؛ لأنَّه مِثلي، فيجبُ مِثلُ مَكيلِهِ (٤).
وبدونِهِ أو خَيرٍ منه أو بغيرِ جنسِهِ؛ كزيتٍ بشيرَجٍ؛ فهما شَريكان
стр. 988
بقدْرِ ملكَيْهِما، فيُباعُ ويُعطى كلُّ واحِدٍ قدرَ حِصتِهِ.
وإن نَقَص المغصوبُ عن قيمتِهِ مُنفرِداً؛ ضَمِنه الغاصِبُ.
(أَوْ صَبَغَ) الغاصِبُ (الثَّوْبَ، أَوْ لَتَّ سَوِيقاً) مَغصوباً (بِدُهْنٍ) مِن زيتٍ أو نحوِهِ، (أَوْ عَكْسُهُ)، بأن غَصَب دُهناً ولتَّ به سَويقاً، (وَلَمْ تَنْقُصِ القِيمَةُ)، أي: قيمةُ المغصوبِ، (وَلَمْ تَزِدْ؛ فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا فِيهِ)؛ لأنَّ اجتماعَ الملكَيْنِ يَقتضي الاشتراكَ، فيُباعُ ويوزَّعُ الثمنُ على القِيمَتَينِ.
(وَإِنْ نَقَصَتْ القِيمَةُ) في المغصوبِ (ضَمِنَهَا) الغاصبُ؛ لتعدِّيه.
(وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا فِلِصَاحِبِهِ)، أي: لصاحبِ الملكِ الذي زادت قيمتُهُ (١)؛ لأنَّها تبعٌ للأصلِ.
(وَلَا يُجْبَرُ مَنْ أَبَى قَلْعَ الصِّبْغِ) إذا طَلَبه صاحِبُهُ، وإن وَهَب الصَّبغَ لمالكِ الثوبِ لَزِمَه قبولُهُ.
(وَلَوْ قُلِعَ غَرْسُ المُشْتَرِي أَوْ بِنَاؤُهُ لاسْتِحْقَاقِ الأَرْضِ)، أي: لخروجِ الأرضِ مستحقَّةٌ للغيرِ؛ (رَجَعَ) الغارِسُ أو الباني إذا لم يَعلَمْ بالحالِ (عَلَى بَائِعِهَا) له (بِالغَرَامَةِ)؛ لأنَّه غَرَّهُ وأَوْهَمَهُ أنّها ملكُهُ ببيعِها له.
стр. 989
(وَإِنْ أَطْعَمَهُ) الغاصِبُ (لِعَالِمٍ بِغَصْبِه؛ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ)؛ لأنَّه أتلف مالَ الغيرِ بغيرِ إذنِهِ مِن غيرِ تَغريرٍ، وللمالكٍ تَضمينُ الغاصِبِ؛ لأنَّه حالَ بينه وبينَ مالِهِ، وقرارُ الضَّمانِ على الآكلِ.
(وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ)، فإن أطعمه لغيرِ عالمٍ؛ فقرارُ الضمانِ على الغاصِبِ؛ لأنَّه غَرَّ الآكلَ.
(وَإِنْ أَطْعَمَهُ) الغاصبُ (لِمَالِكِهِ، أَوْ رَهَنَهُ) لمالكِهِ، (أَوْ أَوْدَعَهُ) لمالكِهِ، (أَوْ آجَرَهُ إِيَّاهُ؛ لَمْ يَبْرَأْ) الغاصبُ، (إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ) المالكُ أنَّه ملكُهُ فَيَبرأ الغاصِبُ؛ لأنَّه حينئذ يَملِكُ التَّصرُّفَ فيه على حسبِ اختيارِهِ، وكذا لو استأجره الغاصِبُ على قِصَارتِهِ أو خِياطتِهِ.
(وَيَبْرَأُ) الغاصِبُ (بِإِعَارَتِهِ) المغصوبَ لمالكِهِ مِن ضمانِ عينِهِ، عَلِم أنه ملكُهُ أوْ لم يَعلَمْ؛ لأنَّه دَخَل على أنَّه مضمونٌ عليه، والأيدِي المترتبةُ على يدِ الغاصبِ كلُّها أيدي ضمانٍ، فإن عَلِمَ الثاني فقرارُ الضمانِ عليه، وإلا فعلى الأَوَّلِ، إلا ما دَخَل الثاني على أنَّه مضمونٌ عليه، فَيَستقِرُّ عليه ضمانُهُ.
(وَمَا تَلِفَ) أو أُتْلِف مِن مغصوبٍ، (أَوْ تَغَيَّبَ) ولم يُمكِنْ ردُّهُ؛ كعبدٍ أَبَقَ، وفَرسٍ شَرَدَ، (مِنْ مَغْصُوبٍ مِثْلِيٍّ)، وهو: كلُّ مَكيلٍ أو مَوزونٍ لا صِناعةَ فيه مُباحةٌ يصحُّ السَّلمُ فيه؛ (غَرِمَ مِثْلَهُ إِذاً)؛ لأنَّه لمَّا تعذَّر ردُّ العينِ لَزِمه ردُّ ما يَقومُ مَقامَها، والمِثْلُ أقربُ إليه مِن القيمةِ، ويَنبغي أن يُستثنى منه الماءُ في المفازةِ، فإنه يُضمَنُ بقيمتِهِ
стр. 990
في مكانِهِ، ذَكَره في المبدعِ (١).
(وَإِلَّا) يُمكِنُ ردُّ مِثْلَ المثلي لإعوازِهِ؛ (فَقِيمَتُهُ يَوْمَ تَعَذَّرَ)؛ لأنَّه وقتُ استِحقاقِ الطَّلبِ بالمثلِ، فاعتُبرت القيمةُ إذاً.
(وَيُضْمَنُ غَيْرُ المِثْلِيِّ) إذا تَلِف أو أُتْلِف (بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ) في بلدِهِ، مِن نقدِهِ أو غالبِهِ؛ لقولِه ﵇: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيْهِ» (٢).
ولو أَخَذ حَوائِجَ مِن بقَّالٍ ونحوِه في أيامٍ ثم يُحاسِبُهُ (٣)؛ فإنه يُعطيه بسعرِ يومِ أخذِهِ.
وإن تَلِف بعضُ المغصوبِ فَنَقَصت قِيمةُ باقيهِ؛ كزَوْجَي خُفٍّ تَلِف أحدُهُما؛ ردَّ الباقي، وقِيمةَ التالِفِ، وأرشَ نقصِهِ.
(وَإِنْ تَخَمَّرَ عَصِيرٌ) مغصوبٌ (فَـ) على الغاصِبِ (المِثْلُ)؛ لأنَّ ماليَّتَهُ زالت تحتَ يدِهِ؛ كما لو أتلفَهُ، (فَإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا دَفَعَهُ) لمالكِهِ؛ لأنَّه عيْنُ ملكِهِ، (وَ) دَفَع (مَعَهُ نَقْصُ قِيمَتِهِ) حِين كان (عَصِيراً) إن نَقَص؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَل تحتَ يدِهِ، ويَسترجِعُ الغاصِبُ ما أدَّاه بَدَلاً عنه.
стр. 991
وإذا كان المغصوبُ ممَّا جَرَت العادةُ بإجارتِهِ؛ لَزِم الغاصِبَ أجرةُ مثلِهِ مدَّةَ بقائِهِ بيدِهِ، استوفى المنافِعَ أو تَرَكها تَذهَبُ.
(فَصْلٌ)
(وَتَصَرُّفَاتُ الغَاصِبِ الحُكْمِيَّةُ) ، أي: التي لها حُكمٌ مِن صحةٍ وفسادٍ؛ كالحجِّ والطهارةِ ونحوِهِما، والبيعِ والإجارةِ والنكاحِ ونحوِها؛ (بَاطِلَةٌ)؛ لعدمِ إذنِ المالكِ.
وإن اتَّجر بالمغصوبِ؛ فالربحُ لمالكِهِ.
(وَالقَوْلُ فِي قِيمَةِ التَّالِفِ) قولُ الغاصبِ؛ لأنَّه غارِمٌ، (أَوْ قَدْرِهِ)، أي: قدرِ المغصوبِ، (أَوْ صِفَتِهِ)؛ بأن قال: غصَبْتَنِي عبداً كاتِباً، وقال الغاصبُ: لم يَكُن كاتباً؛ فـ (١) (قَوْلُهُ) أي: قولُ الغاصبِ؛ لما تقدَّم.
(وَ) القولُ (فِي رَدِّهِ أَوْ تَعَيُّبِهِ (٢)؛ بأن قال الغاصبُ: كانت فيه أصبعٌ زائدةٌ أو نحوُها، وأنكره مالكُهُ (٣)؛ (قَوْلُ (٤) رَبِّهِ)؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الردِّ والعيبِ.
стр. 992
وإن شاهدت البيِّنةُ المغصوبَ معيباً، وقال الغاصِبُ: كان مَعيباً وقتَ غصبِهِ، وقال المالكُ: تعيَّب عندَك؛ قُدِّم قولُ الغاصبِ؛ لأنَّه غارمٌ.
(وَإِنْ جَهِلَ) غاصبٌ (١) (رَبَّهُ)، أي: ربَّ المغصوبِ؛ سلَّمه إلى الحاكمِ فبَرِئَ مِن عُهدتِهِ، ويَلزَمُه تَسلُّمُه، أو (تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ مَضْمُوناً)، أي: بنيَّة ضمانه إن جاء ربُّه، فإذا تصدَّق به كان ثوابُهُ لربِّهِ، وسَقَط عنه إثمُ الغصبِ.
وكذا حُكمُ رهنٍ ووديعةٍ ونحوِهِا إذا جَهِلَ ربَّها.
وليس لمن هي عندَه أخْذُ شيءٍ مِنها ولو كان فقيراً.
(وَمَنْ أَتْلَفَ) لغيرِهِ مالاً (مُحْتَرَماً) بغيرِ إذنِ ربِّه ضَمِنه؛ لأنَّه فوَّتَه عليه، (أَوْ فَتَحَ قَفَصاً) عن طائرٍ فَطَارَ؛ ضَمِنه، (أَوْ) فَتَح (بَاباً) فَضَاع ما كان مُغلقاً عليه بسببِهِ، (أَوْ حَلَّ وِكَاءَ) زِقٍّ (٢) مائعٍ أو جامدٍ فأذابتْهُ الشمسُ، أو ألْقَتْهُ ريحٌ (٣) فاندَفَقَ؛ ضَمِنَه، (أَوْ) حَلَّ (رِبَاطاً) عن (٤) فرسٍ، (أَوْ) حلَّ (قَيْداً) عن مقيَّدٍ (فَذَهَبَ مَا فِيهِ، أَوْ أَتْلَفَ) ما فيه (شَيْئاً، وَنَحْوَهُ)، أي: نحوَ ما ذكرَ؛ (ضَمِنَهُ)؛ لأنَّه تَلِف
стр. 993
بسببِ فعلِهِ.
(وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ فَعَثَرَ (١) بِهِ إِنْسَانٌ)، أو أتلفت شيئاً؛ (ضَمِنَ)؛ لتعدِّيه بالرَّبطِ، ومثلُه لو تَرَك في الطريقِ طِيناً، أو خَشَبةً، أو حَجراً، أو كيسَ دراهمٍ، أو أسندَ خشبةً إلى حائطٍ، (كَـ) ما يَضمَنُ مُقْتَنِي (الكَلْبِ العَقُورِ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ بِإِذْنِهِ، أَوْ عَقَرَهُ خَارِجَ مَنْزِلِهِ)؛ لأنَّه مُتعدٍّ باقتنائِهِ، فإن دَخَل منزله بغيرِ إذنِهِ لم يَضمَنْهُ؛ لأنَّه مُتعدٍّ بالدخولِ.
وإن أتلَفَ العقورُ شيئاً بغيرِ العَقْرِ، كما لو وَلَغ أو بال في إناءِ إنسانٍ؛ فلا ضَمانَ؛ لأنَّ هذا لا يَختصُّ بالعقورِ.
وحُكمُ أسدٍ، ونمرٍ، وذِئبٍ، وهِرٍّ تأكُلُ الطُّيورَ وتَقلِبَ القدورَ في العادةِ؛ حُكمُ كلبٍ عَقورٍ.
وله قَتل هرٍّ بأكلِ لحمٍ ونحوِهِ، والفواسِقِ.
وإن حَفَر في فنائِهِ بِئراً لنفسِهِ؛ ضَمِن ما تَلِف بها.
وإن حَفَرها لنفعِ المسلمين بلا ضَررٍ في سابلةٍ لم يَضمَنْ ما تَلِف بها؛ لأنَّه مُحسِنٌ.
وإن مال حائطُهُ ولم يَهدِمْهُ حتى أتلف شيئاً؛ لم يَضمَنْهُ؛ لأنَّ
وإذا طَرَد دابةً مِن زَرعِه، لم يَضمَنْ إلا أن يُدخِلَها مزرعةَ غيرِهِ، فإن اتصلت المزارِعُ صَبَرَ ليَرجِعَ على ربِّها، ولو قَدَر أن يُخرِجَها وله مُنصرَفٌ غيرُ المزارِعِ فَتَرَكَها؛ فَهَدر.
(وَإِنْ كَانَتْ) البهيمةُ (بِيَدِ رَاكِبٍ أَوْ قَائِدٍ أَوْ سَائِقٍ؛ ضَمِنَ جِنَايَتَهَا بِمُقَدَّمِهَا)؛ كيَدِها وفمِها، (لَا) ما جَنَت (بِمُؤَخَّرِهَا)؛ كرجلِها؛ لما روى عن سعيدٍ مرفوعاً: «الرِّجْلُ جُبَارٌ» (١)، وفي روايةِ أبي هريرةَ: «رِجْلُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ» (٢)، ولو كان السببُ مِن غيرِهِم؛ كنخسٍ وتنفيرٍ؛ ضَمِن فاعِلُه، فلو رَكَبها اثنان فالضمانُ على المتصرِّفِ مِنهما.
(وَبَاقِي جِنَايَتِهَا هَدَرٌ) إذا لم يَكُن يدُ أحدٍ عليها؛ لقولِهِ ﵇:
стр. 996
«العَجْمَاءِ جُبَارٌ» (١)، أي: هَدَر، إلا الضَّاريةَ والجوارحَ وشِبهَهَا؛ (كَقَتْلِ الصَّائِلِ عَلَيْهِ) مِن آدميٍّ أو غيرِهِ إن لم يَندفِعْ إلا بالقتلِ، فإذا قَتَله لم يَضمَنْهُ؛ لأنَّ قَتْلَه بدَفْعٍ جائزٌ؛ لما فيه مِن صِيانةِ النفسِ.
(وَ) كـ (كَسْرِ مِزْمَارٍ) أو غيرِهِ مِن آلاتِ اللهوِ، (وَصَلِيبٍ، وَآنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَآنِيَةِ خَمْرٍ غَيْرِ مُحْتَرَمَةٍ)؛ لما روى أحمدُ عن ابنِ عمرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مُدْيَةً (٢)، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَسْوَاقِ المَدِينَةِ وَفِيهَا زِقَاقُ الخَمْرِ قَدْ جُلِبَت مِنَ الشَّامِ، فَشُقَّتْ (٣) بِحَضْرَتِهِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ» (٤).
ولا يَضمَنُ كتاباً فيه أحاديثُ رَدِيَّةٌ، ولا حُلياً مُحرَّماً على رجالٍ إذا لم يَصلُحْ للنساءِ.
стр. 997
(بَابُ الشُّفْعَةِ)
بإسكانِ الفاءِ، مِن الشَّفعِ، وهو الزوجُ؛ لأنَّ الشفيعَ بالشُّفعةِ يَضُم المبيعَ إلى ملكِهِ الذي كان مُنفرداً.
(وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ) الشَّريكِ (انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِمَّنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ)؛ كالبيعِ والصُّلحِ والهبةِ بمعناه، فيَأخُذُ الشفيعُ نَصيبَ البائعِ (بِثَمَنِهِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ العَقْدُ)؛ لما روى أحمدُ والبخاري عن جابرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» (١).
(فَإِنِ انْتَقَلَ) نصيبُ الشَّريكِ (بَغَيْرِ عِوَضٍ)؛ كالإرثِ، والهبةِ بغيرِ ثوابٍ، والوصيةِ، (أَوْ كَانَ عِوَضُهُ) غيرَ ماليٍّ؛ بأن جُعِل (صَدَاقاً، أَوْ خُلْعاً، أَوْ صُلْحاً عَنْ دَمِ عَمْدٍ؛ فَلَا شُفْعَةَ)؛ لأنَّه مملوكٌ بغيرِ مالٍ، أشبه الإرثِ، ولأنَّ الخبرَ وَرَد في البيعِ، وهذه ليست في معناه.
(وَيَحْرُمُ التَّحَيُّلُ لإِسْقَاطِهَا)، قال الإمامُ: (لا يجوزُ شيءٌ مِن
стр. 998
الحيلِ في إبطالِها، ولا إبطالِ حقِّ مسلمٍ) (١)، واستدل الأصحابُ: بما روى أبو هريرةَ عن النبي ﷺ : «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتْ اليَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ بِأَدْنَى الحِيَلِ» (٢).
(وَتَثْبُتُ) الشفعةُ (لِشَرِيكٍ (٣) فِي أَرْضٍ تَجِبُ قِسْمَتُهَا)، فلا شفعةَ في مَنقولٍ؛ كسيفٍ ونحوِهِ؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوصِ، ولا فيما لا تجبُ قِسمتُهُ؛ كحمَّامٍ ودورٍ صغيرةٍ ونحوها؛ لقولِه ﷺ : «لَا شُفْعَةَ فِي فِنَاءٍ وَلَا طَرِيقٍ وَلَا مَنْقَبَةٍ» رواه أبو عبيدٍ في الغَريبِ (٤)،
والمَنقَبَةُ: طريقٌ ضيِّقٌ بين دارَيْن، لا يُمكِنُ أن يَسلُكَهُ أحدٌ.
стр. 999
(وَيَتْبَعُهَا)، أي: الأرضَ (الغِرَاسُ، وَالبِنَاءُ)، فَتَثبُتُ الشفعةُ فيهما تَبعاً للأرضِ إذا بيعَا معها، لا إن أُبِيعا مفردين (١)، (لَا الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ) إذا بِيعا مع الأرضِ، فلا يُؤخذانِ بالشفعةِ؛ لأنَّ ذلك لا يَدخُلُ في البيعِ، فلا يَدخُلُ في الشفعةِ؛ كقماشِ الدارِ.
(فَلَا شُفْعَةَ لِجَارٍ)؛ لحديثِ جابرٍ السابقِ.
(وَهِيَ)، أي: الشفعةُ (عَلَى الفَوْرِ وَقْتَ عِلْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا إِذاً بِلَا عُذْرٍ؛ بَطَلَتْ)؛ لقولِهِ ﷺ : «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا» (٢)، وفي روايةٍ: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ العِقَالِ» رواه ابنُ ماجه (٣).
стр. 1000
فإن لم يَعلَمْ بالبيعِ؛ فهو على شُفعتِهِ ولو مَضى سُنون، وكذا لو أخَّرَ لعذرٍ؛ بأن عَلِم ليلاً فأخَّرَهُ إلى الصباحِ، أو لحاجةِ أكلٍ أو شربٍ أو طهارةٍ، أو إغلاقِ بابٍ، أو خروجٍ مِن حمَّامٍ، أو ليأتيَ بالصلاةِ وسُنَنِها.
وإن عَلِم وهو غائِبٌ؛ أشْهَدَ على الطَّلِبِ بها إن قَدِر.
(وَإِنْ قَالَ) الشفيعُ (لِلمُشْتَرِي: بِعْنِي) ما اشتَرَيْتَ، (أَوْ صَالِحْنِي)؛ سَقَطَت؛ لفواتِ الفورِ.
(أَوْ كَذَّبَ العَدْلَ) المخبِرَ له بالبيعِ؛ سَقَطَت؛ لتَراخيه عن الأخذِ بلا عذرٍ، فإن كذَّب فاسِقاً لم تَسقُطْ؛ لأنَّه لم يَعلَمْ الحالَ على وَجهِهِ.
(أَوْ طَلَبَ) الشفيعُ (أَخْذَ البَعْضِ)، أي: بعض الحصَّةِ المبيعةِ؛ (سَقَطَتْ) شُفعتُهُ؛ لأنَّ فيه إضراراً بالمشتري بتبعيضِ الصَّفقةِ عليه، والضَّررُ لا يُزالُ بمثلِهِ.
ولا تَسقُطُ الشُّفعةُ إن عَمِلَ الشفيعُ دلَّالاً بينهما، أو تَوكَّل
стр. 1001
لأحدِهِما، أو أسقَطَها قبلَ البيعِ.
(وَالشُّفْعَةُ لِـ) شَريكينِ (اثْنَيْنِ بِقَدْرِ حَقَّيْهِمَا)؛ لأنَّها حقٌّ يُستفادُ بسببِ الملكِ، فكانت على قدرِ الأملاكِ، فدارٌ بين ثلاثةٍ: نصفٌ، وثُلثٌ، وسُدسٌ، فباع ربُّ الثُّلثِ، فالمسألةُ مِن ستةٍ، والثُّلثُ يُقسَمُ على أربعةٍ: لصاحبِ النِّصفِ ثلاثةٌ، ولصاحبِ السُّدسِ واحِدٌ.
(فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا)، أي: أحدُ الشَّفيعين؛ (أَخَذَ الآخَرُ الكُلَّ أَوْ تَرَكَ) الكلَّ؛ لأنَّ في أخذِ البعضِ إضراراً بالمشتري، ولو وَهَبها لشريكِهِ أو غيرِهِ؛ لم يصحَّ.
وإن كان أحدُهُما غائِباً فليس للحاضِرِ أن يَأخُذَ إلا الكُلَّ أو يَترُكَ، فإن أَخَذ الكلَّ ثم حَضَر الغائِبُ؛ قاسَمَهُ.
(وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ)؛ فللشفيعِ أخذُ حقِّ أحدِهِما؛ لأنَّ العقدَ مع اثنين بمنزِلَةِ عَقدين.
(أَوْ عَكْسُهُ)؛ بأن اشترى واحِدٌ حقَّ اثنين صَفقةً؛ فللشفيعِ أخذُ أحَدِهِما؛ لأنَّ تعدُّدَ البائِعِ كتعدُّدِ المشتري.
(أَوْ اشْتَرَى وَاحِدٌ شِقْصَيْنِ) - بكسرِ الشينِ، أي: حِصَّتين- (مِنْ أَرْضَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً؛ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحَدِهِمَا)؛ لأنَّ الضَّررَ قد يَلحَقُهُ بأرضٍ دونَ أرضٍ.
(وَإِنْ بَاعَ شِقْصاً وَسَيْفاً) في عقدٍ واحدٍ؛ فللشفيعِ أخذُ الشِّقصِ
стр. 1002
بحِصَّتِهِ مِن الثمنِ؛ لأنَّه تجبُ فيه الشفعةُ إذا بِيع مُنفرداً، فكذا (١) إذا بِيع مع غيرِهِ.
(أَوْ تَلِفَ بَعْضُ المَبيعِ؛ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ)؛ لأنَّه تعذَّر أخذُ الكلِّ، فجاز له أخذُ الباقي، كما لو أتلَفَهُ آدميٌّ، فلو اشترى داراً بألفٍ تُساوي ألفين، فباع بابَها أو هدَمَها فبَقِيَت بألفٍ؛ أَخَذَها الشفيعُ بخمسمائةٍ.
(وَلَا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ وَقْفٍ)؛ لأنَّه لا يُؤخَذُ بالشفعةِ، فلا تجبُ به، ولأنَّ مُستحِقَّهُ غيرُ تامِّ الملكِ.
(وَلَا) شُفعةَ أيضاً بـ (غَيْرِ مِلْكٍ) للرقبةِ (سَابِقٍ)؛ بأن كان شَريكاً في المنفعةِ؛ كالموصَى له بها، أو مَلَك الشَّريكان داراً صَفقةً واحِدَةً؛ فلا شُفعةَ لأحدِهِما على الآخَرِ؛ لعدمِ الضَّررِ.
(وَلَا) شُفعةَ (لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ)؛ لأنَّ الإسلامَ يَعلو ولا يُعلَى (٢).
(فَصْلٌ)
(وَإِنْ تَصَرَّفَ مُشْتَرِيهِ)، أي: مُشتري شِقصٍ تثبُت (٣) فيه الشُّفعةُ
стр. 1003
(بِوَقْفِهِ، أَوْ هِبَتِهِ أَوْ رَهْنِهِ)، أو صَدَقةٍ به، (لَا بِوَصِيَّةٍ؛ سَقَطَتْ الشُّفْعَةُ)؛ لما فيه مِن الإضرارِ بالموقوفِ عليه والموهوبِ له ونحوِهِ؛ لأنَّه مَلَكَه بغيرِ عِوضٍ.
ولا تَسقُطُ الشفعةُ بمجرَّدِ الوصيَّةِ به قبلَ قبولِ الموصَى له بعدَ موتِ الموصِي؛ لعدمِ لزومِ الوصيةِ.
(وَ) إن تَصرَّف المشتري فيه (بِبَيْعٍ؛ فَلَهُ)، أي: الشفيعِ (أَخْذُهُ بِأَحَدِ البَيْعَيْنِ)؛ لأنَّ سببَ الشفعةِ الشراءُ، وقد وُجِد في كلٍّ منهما، ولأنَّه شَفيعٌ في العَقدين، فإن أَخَذ بالأَوَّلِ رَجَع الثاني على بائِعِهِ بما دَفَع له؛ لأنَّ العِوضَ لم يُسلَّمْ له، وإن أجَّره فللشفيعِ أخذُهُ، وتَنفسِخُ به الإجارةُ، هذا كلُّه إنْ كان التصرُّفُ قبلَ الطلبِ؛ لأنه ملكُ المشتري، وثُبوتُ حقِّ التملُّكِ للشفيعِ لا يَمنَعُ مِن تَصرُّفِهِ.
وأما تَصرُّفُهُ بعدَ الطلبِ فباطِلٌ؛ لأنَّه ملكُ الشَّفيعِ إذاً.
(وَلِلمُشْتَرِي الغَلَّةُ) الحاصِلةُ قبلَ الأخذِ، (وَ) له أيضاً (النَّمَاءُ المُنْفَصِلُ)؛ لأنَّه مِن ملكِهِ، والخراجُ بالضمانِ.
(وَ) له أيضاً (الزَّرْعُ، وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ)، أي: المؤبرةُ؛ لأنَّه ملكُهُ، ويَبقى إلى الحصادِ والجذاذِ؛ لأنَّ ضررَهُ لا يَبقى، ولا أُجرةَ عليه.
стр. 1004
وعُلِمَ منه: أنَّ النماءَ المتَّصِلَ؛ كالشجرِ إذا كَبُرَ، والطَّلعِ إذا لم يُؤبَّرْ؛ يَتبَعُ في الأخذِ بالشفعةِ؛ كالردِّ بالعيبِ.
(فَإِنْ بَنَى) المشتري (أَوْ غَرَسَ) في حالٍ يُعذَرُ فيه الشريكُ بالتأخيرِ، بأن قاسَمَ المشتري وَكيلَ الشفيعِ، أو رَفَع الأمرَ للحاكمِ فقاسَمَهُ، أو قاسَمَ الشفيعَ لإظهارِهِ زِيادةً في الثمنِ ونحوِهِ، ثم غَرَس أو بَنى؛ (فَلِلشَّفِيعِ تَمَلُّكُهُ بِقِيمَتِهِ)؛ دَفعاً للضررِ، فتُقَوَّمُ الأرضُ مَغروسةً أو مَبنيةً، ثم تُقَوَّمُ خاليةً منهما، فما بينَهما فهو قِيمةُ الغِراسِ والبناءِ، (وَ) للشفيعِ (قَلْعُهُ، وَيَغْرَمُ نَقْصَهُ)، أي: ما نَقَص مِن قِيمتِهِ بالقلعِ؛ لزوالِ الضررِ به، فإن أبى فلا شُفعةَ.
(وَلِرَبِّهِ)، أي: ربِّ الغِراسِ أو البناءِ (أَخْذُهُ)، ولو اختار الشفيعُ تَملُّكَهُ بقيمتِهِ، (بِلَا ضَرَرٍ) يَلحَقُ الأرضَ بأخذِهِ، وكذا مع ضررٍ، كما في المنتهى وغيرِهِ (١)؛ لأنَّه ملكُهُ، والضررُ لا يُزالُ بالضررِ.
(وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ قَبْلَ الطَّلَبِ؛ بَطَلَتْ) الشفعةُ؛ لأنَّه نوعُ خيارٍ للتمليكٍ، أشبه خيارَ القبولِ.
(وَ) إن مات (بَعْدَهُ)، أي: بعدَ الطلبِ؛ ثَبَتَت (لِوَارِثِهِ)؛ لأنَّ الحقَّ قد تَقرَّرَ بالطلبِ، ولذلك لا تَسقُطُ بتأخيرِ الأخذِ بعدَه.
(وَيَأْخُذُ) الشفيعُ الشِّقصَ (بِكُلِّ الثَّمَنِ) الذي استقرَّ عليه العقدُ؛
стр. 1005
لحديثِ جابرٍ: «فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ» رواه أبو إسحاقَ الجَوْزِجاني في المترجمِ (١)، (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ) الثمنِ أو (بَعْضِهِ؛ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ)؛ لأنَّ في أخذِهِ بدونِ دَفعِ كلِّ الثمنِ إضراراً بالمشتري، والضَّررُ لا يُزالُ بالضررِ.
وإن أحضر رَهناً أو كَفيلاً؛ لم يَلزَم المشتري قبولُهُ، وكذا لا يَلزَمُهُ قبولُ عِوضٍ عن الثمنِ.
وللمشتري حَبسُهُ على ثمنِهِ، قاله في الترغيبِ وغيرِهِ (٢)؛ لأنَّ الشُّفعةَ قَهرِيٌّ، والبيعُ عن رِضا، ويُمْهَلُ إنْ تعذَّر في الحالِ ثلاثةَ أيامٍ.
(وَ) الثمنُ (المُؤَجَّلُ يَأْخُذُ) الشفيعُ (المَلِيءُ بِهِ)؛ لأنَّ الشفيعَ
стр. 1006
يستحِقُّ الأخذُ بقدرِ الثمنِ وصفتِهِ، والتأجيلُ مِن صفتِهِ.
(وَضِدُّهُ)، أي: ضدُّ المليءِ وهو المعسِرُ؛ يَأخُذُ إذا كان الثمنُ مُؤجلاً (بِكَفِيلٍ مَلِيءٍ)؛ دَفعاً للضررِ.
وإن لم يَعلَم الشفيعُ حتى حَلَّ فهو كالحالِ.
(وَيُقْبَلُ فِي الخُلْفِ) في قدرِ الثمنِ (مَعَ عَدَمِ البَيِّنَةِ) لواحِدِ منهما؛ (قَوْلُ المُشْتَرِي) مع يمينِهِ؛ لأنَّه العاقِدُ، فهو أعلم بالثمنِ، والشفيعُ ليس بغارِمٍ؛ لأنَّه لا شَيء عليه، وإنما يُريدُ تملُّكَ الشِّقصِ بثمنِهِ، بخلافِ الغاصِبِ ونحوِهِ.
(فَإِنْ قَالَ) المشتري: (اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ؛ أَخَذَ الشَّفيعُ بِهِ)، أي: بالألفِ، (وَلَوْ أَثْبَتَ البَائِعُ) أنَّ المبيعَ بـ (أَكْثَرَ) مِن الألفِ (١)؛ مُؤاخذةً للمشتري بإقرارِهِ، فإن قال: غَلِطْتُ، أو كَذَبتُ، أو نَسِيتُ؛ لم يَقبَلْ؛ لأنه رُجوعٌ عن إقرارِهِ.
ومَن ادَّعَى على إنسانٍ شُفعةً في شِقصٍ، فقال: ليس لك ملكٌ في شَركتي؛ فعلى الشفيعِ إقامةُ البيِّنةِ بالشركةِ، ولا يَكفي مجرَّدُ وَضعِ اليدِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ البَائِعُ بِالبَيْعِ) في الشِّقصِ المشفوعِ، (وَأَنْكَرَ المُشْتَرِي) شراءَهُ؛ (وَجَبَتْ) الشُّفعةُ؛ لأنَّ البائعَ أقرَّ بحقَّيْن؛ حقٌّ للشفيعِ وحقٌّ
стр. 1007
للمشتري، فإذا أسقط (١) حقَّه بإنكارِهِ ثَبَت حقُّ الآخَرِ، فَيَقبِضُ الشَّفيعُ مِن البائعِ، ويُسلِّم إليه الثمنَ، ويَكونُ دَرَكُ الشفيعِ على البائعِ، وليس له ولا للشفيعِ مُحاكمةُ المشتري.
(وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى المُشْتَرِي، وَعُهْدَةُ المُشْتَرِي عَلَى البَائِعِ) في غيرِ الصورةِ الأخيرةِ، فإذا ظَهَر الشِّقصُ مُستحقًّا أو مَعيباً؛ رَجَع الشَّفيعُ على المشتري بالثمنِ أو بأرشِ العيبِ، ثم يَرجِعُ المشتري على البائعِ، فإن أبى المشتري قَبْضَ المبيعِ أجبره الحاكِمُ.
ولا شُفعةَ في بَيعِ خيارٍ قبلَ انقضائِهِ، ولا في أرضِ السَّوادِ ومِصرَ والشَّامِ؛ لأنَّ عمرَ وَقَفَها، إلا أن يَحكُمَ ببيعِها حاكِمٌ، أو يَفعلَهُ الإمامُ أو نائِبُهُ؛ لأنَّه مُختلَفٌ فيه، وحُكمُ الحاكمِ يَنفُذُ فيه.
стр. 1008
(بَابُ الوَدِيعَةِ)
مَن وَدَعَ الشيءَ: إذا تَرَكَه؛ لأنَّها مَتروكةٌ عندَ المودَعِ.
والإيداعُ: تَوكيلٌ في الحفظِ تَبرُّعاً، والاستيداعُ توكُّلٌ فيه كذلك.
ويُعتبرُ لها ما يُعتبرُ في وكالةٍ.
ويُستحبُ قبولُها لمن عَلِمَ أنَّه ثِقةٌ قادِرٌ على حِفظِها، ويُكره لغيرِهِ إلا بِرضَى ربِّها.
و(إِذَا تَلِفَتْ) الوديعةُ (مِنْ بَيْنِ مَالِهِ وَلَمْ يَتَعَدَّ وَلَمْ يُفَرِّطْ؛ لَمْ يَضْمَنْ)؛ لما روى عمرو بنُ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ» رواه ابنُ ماجه (١)،
وسواءٌ ذَهَب معها شيءٌ مِن مالِه أوْ لَا.
стр. 1009
(وَيَلْزَمُهُ)، أي: المودَعَ (حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا) عُرفاً كما يَحفَظُ مالَهُ؛ لأنَّه تعالى أَمَر بأدائِها، ولا يُمكِنُ ذلك إلا بالحفظِ، قال في الرعايةِ: (مَن استودع شيئاً حَفِظَه في حِرزِ مِثلِهِ عَاجلاً مع القُدرةِ، وإلا ضَمِن).
(فَإِنْ عَيَّنَهُ)، أي: الحِرزَ (صَاحِبُهَا فَأَحْرَزَهَا (١) بِدُونِهِ؛ ضَمِنَ)، سواءٌ رَدَّها إليه أوْ لَا؛ لمخالفتِهِ له في حِفظِ مالِهِ، (وَ) إن أحرزها (بِمِثْلِهِ أَوْ أَحْرَزَ) منه؛ (فَلَا) ضَمانَ عليه؛ لأنَّ تَقييدَهُ بهذا الحرزِ يَقتضي ما هو مِثلُهُ، فما فوقَه مِن بابِ أَوْلى.
(وَإِنْ قَطَعَ العَلَفَ عَنِ الدَّابَةِ) المودَعَةِ (بِغَيْرِ قَوْلِ صَاحِبِهَا؛ ضَمِنَ)؛ لأنَّ العَلَفَ مِن كمالِ الحفظِ، بل هو الحفظُ بعينِهِ؛ لأنَّ العُرفَ يَقتضي عَلفَها وسَقْيَها، فكأنَّه مأمورٌ به عُرفاً، وإن نهاه المالِكُ عن عَلفِها (٢) لم يَضمَنْ؛ لإذنِهِ في إتلافِها، أشبه ما لو أَمَره بقتلِها، لكن يَأثَمُ بتركِ علفِها إذاً؛ لحرمةِ الحيوانِ.
(وَإِنْ عَيَّنَ جَيْبَهُ)؛ بأن قال (٣): احفَظها في جيبِكَ، (فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ أَوْ يَدِهِ؛ ضَمِنَ)؛ لأنَّ الجيبَ أحرزُ، ورُبَّما نَسِيَ فَسَقَط ما في
стр. 1010
كُمِّه أو يدِّه.
(وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ)، فإذا قال: اترُكها في كُمِّك أو يدِّك، فَتَرَكها في جَيبِهِ؛ لم يَضمَنْ؛ لأنَّه أحرزُ.
وإن قال: اترُكها في يدِك، فَتَرَكها في كُمِّه، أو بالعكسِ، أو قال: اترُكها في بيتِكَ، فشدَّها في ثيابِهِ وأخرجها؛ ضَمِن؛ لأنَّ البيتَ أحرزُ.
(وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ) عادةً؛ كزوجتِهِ وعبدِهِ، (أَوْ) رَدَّها لمن يَحفَظُ (مَالَ رَبِّهَا؛ لَمْ يَضْمَنْ)؛ لجريانِ العادةِ به، ويُصَدَّقُ في دعوى التَّلفِ والرَّدِّ؛ كالمودَعِ.
(وَعَكْسُهُ الأَجْنَبِيُّ وَالحَاكِمُ) بلا عُذرٍ، فَيَضمَنُ المودَعُ بدفعِها إليهما؛ لأنَّه ليس له أن يُودِعَ مِن غيرِ عذرٍ.
(وَلَا يُطَالَبَانِ)، أي: الحاكمُ والأجنبيُّ بالوديعةِ إذا تَلِفت عندَهما بلا تَفريطٍ (إِنْ جَهِلَا)، جَزَم به في الوجيزِ (١)؛ لأنَّ المودَعَ ضَمِن بنفسِ الدَّفعِ والإعراضِ عن الحفظِ، فلا يجبُ على الثاني ضمانٌ؛ لأنَّ دَفْعاً واحداً لا يُوجِبُ ضَمانين.
وقال القاضي: له ذلك، فللمالِكِ مُطالبَةُ مَن شاء منهما،
стр. 1011
ويَستقرُّ الضمانُ على الثاني إن عَلِمَ، وإلا فعلى الأَوِّلِ، وجَزَم بمعناه في المنتهى (١).
(وَإِنْ حَدَثَ خَوْفٌ، أَوْ) حَدَث للمودَعِ (سَفَرٌ؛ رَدَّهَا عَلَى رَبِّهَا) أو وَكيلِهِ فيها؛ لأنَّ في ذلك تَخليصاً له مِن دَرَكِها، فإن دَفَعها للحاكِمِ إذاً؛ ضَمِن؛ لأنَّه لا وِلايةَ له على الحاضِرِ.
(فَإِنْ غَابَ) ربُّها؛ (حَمَلَهَا) المودَعُ (مَعَهُ) في السفرِ، سواءٌ كان لضرورةٍ أوْ لَا؛ (إِنْ كَانَ أَحْرَزَ) ولم يَنهَهُ عنه؛ لأنَّ القصدَ الحفظُ، وهو مَوجودٌ هنا، وله ما أنفق بنيَّةِ الرجوعِ، قاله القاضي.
(وَإِلَّا) يَكُن (٢) السَّفرُ أحفظَ لها، أو كان نَهى عنه؛ دَفَعها إلى الحاكمِ؛ لأنَّ في السفرِ بها غرراً؛ لأنَّه عُرْضَةٌ للنَّهبِ وغيرِهِ، والحاكمِ يَقومُ مَقامَ صاحبِها عندَ غَيبتِهِ، فإن أودعها مع قدرتِهِ على الحاكمِ؛ ضَمِنها؛ لأنَّه لا وِلايةَ له.
فإن تعذَّر حاكمٌ أهلٌ (أَوْدَعَهَا ثِقَةً)؛ لفعلِهِ ﷺ لمَّا أراد أن يُهاجِرَ، أودَعَ الودائِعَ التي كانت عندَه لأُم أيمنَ ﵂ (٣)، ولأنَّه
стр. 1012
مَوضِعُ حاجةٍ.
وكذا حُكمُ مَن حَضَره الموتُ.
(وَمَنْ) تعدَّى في الوديعةِ؛ بأن (أُودِعَ دَابَّةً فَرَكِبَهَا لِغَيْرِ نَفْعِهَا)، أي: عَلَفِها وسَقيِها، (أَوْ) أُودِع (ثَوْباً فَلَبِسَهُ) لغيرِ خوفٍ مِن عُثٍّ (١) أو نحوِهِ، (أَوْ) أُودِع (دَرَاهِمَ فَأَخْرَجَهَا مِنْ مَحْرَزٍ ثُمَّ رَدَّهَا) إلى حِرزِها، (أَوْ رَفَعَ الخَتْمَ) عن كِيسِها، أو كانت مَشدودةً فأزال الشدَّ؛ ضَمِن، أَخْرَجَ منها شيئاً أو لا؛ لهتكِ الحرزِ.
(أَوْ خَلَطَهَا بِغَيْرِ مُتَمَيِّزٍ)؛ كدراهِمَ بدراهِمَ، وزيتٍ بزيتٍ، مِن مالِهِ أو غيرِهِ، (فَضَاعَ الكُلُّ؛ ضَمِنَ) الوديعةَ؛ لتعدِّيه، وإن ضاع البعضُ ولم يَدرِ أيهما ضاع؛ ضَمِن أيضاً.
وإن خَلَطها بمُتميِّزٍ؛ كدراهِمَ بدنانيرَ؛ لم يَضمَنْ.
وإن أَخَذ دِرهماً مِن غيرِ مَحرَزِهِ، ثم ردَّه فضاع الكلُّ؛ ضَمِنه وَحدَه، وإن ردَّ بَدَله غيرَ متميِّزٍ؛ ضَمِن الجميعَ.
стр. 1013
ومَن أَودعه صبيٌّ وديعةً؛ لم يَبرأ إلا بردِّها لوليِّهِ.
ومَن دَفَع لصبيٍّ ونحوِهِ وديعةً؛ لم يَضمَنْها مُطلقاً، ولعبدٍ؛ ضَمِنها بإتلافِها في رَقبتِهِ.
(فَصْلٌ)
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ المُودَعِ فِي رَدِّهَا إِلَى رَبِّهَا) أو مَن يَحفظُ مالَهُ، (أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ)؛ بأن قال: دَفَعتُها لفلانٍ بإذنِكَ، فأنكر مالِكُها الإذنَ أو الدَّفعَ؛ قُبِلَ قولُ المودَعِ؛ كما لو ادَّعى ردَّها على مالِكِها.
(وَ) يُقبَلُ قولُه أيضاً في (تَلَفِهَا وَعَدَمِ التَّفْرِيطِ) بيمينِهِ؛ لأنَّه أمينٌ، لكن إن ادَّعى التَّلفَ بظاهِرٍ؛ كُلِّف به ببيِّنةٍ، ثم قُبِل قولُهُ في التَّلفِ.
وإن أخَّر ردَّها بعدَ طلبِها بلا عُذرٍ؛ ضَمِن، ويُمهَلُ لأكلٍ ونومٍ وهضمِ طعامٍ بقدْرِهِ.
وإنْ أمَرَه بالدَّفعِ إلى وكيلِهِ، فتَمَكَّنَ وأبَى؛ ضَمِن، ولو لم يَطلُبْها وَكيلُهُ.
(فَإِنْ قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي، ثُمَّ ثَبَتَتْ) الوديعةُ (بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، ثُمَّ ادَّعَى رَدًّا أَوْ تَلَفاً سَابِقَيْنِ لِجُحُودِهِ؛ لَمْ يُقْبَلَا وَلَوْ بِبَيِّنَةٍ)؛ لأنَّه مكذِّبٌ للبيِّنةِ، وإن شَهِدت بأحدِهِما ولم تُعيِّن وَقتاً؛ لم تُسمَعْ.
(بَلْ) يُقبَلُ قولُهُ بيمينِهِ في الردِّ والتلفِ (فِيـ) ما إذا أجاب بـ
стр. 1014
(قَوْلِهِ: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَنَحْوُهُ)، كما لو أجاب بقولِهِ: لا حقَّ لك قِبَلِي، أو لا تَستحِقُّ عليَّ شيئاً، (أَوْ) ادَّعى الردَّ أو التلفَ (بَعْدَهُ)، أي: بعدَ جُحودِهِ (بِهَا)، أي: بالبيِّنةِ؛ لأنَّ قولَهُ لا يُنافي ما شَهِدت به البينةُ ولا يُكذِّبُها.
(وَإِنْ) مات المودَعُ و (ادَّعَى وَارِثُهُ الرَّدَّ مِنْهُ)، أي: مِن وارِثِ المودَعِ لربِّها، (أَوْ مِنْ مَوْرُوثِهِ)، وهو المودَعُ؛ (لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ)؛ لأنَّ صاحِبَها لم يَأتِمنْه عليها بخلافِ المودَعِ.
(وَإِنْ (١) طَلَبَ أَحَدُ المُودِعَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ يَنْقَسِمُ) بلا ضررٍ؛ (أَخَذَهُ)، أي: أَخَذ نصيبَهُ فيُسلَّمُ إليه؛ لأنَّ قِسمتَهُ مُمكِنَةٌ بغيرِ ضررٍ ولا غبنٍ.
(وَلِلمُسْتَوْدَعِ، وَالمُضَارَبِ، وَالمُرْتَهِنِ، وَالمُسْتَأْجِرِ) إذا غُصِبت العينُ منهم؛ (مُطَالَبَةُ غَاصِبِ العَيْنِ)؛ لأنَّهم مأمورون بحفظِها وذلك منه.
وإن صادَرَه سلطانٌ، أو أَخَذها منه قَهراً؛ لم يَضمَنْ، قاله أبو الخطابِ (٢).
стр. 1015
(بَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِ)
بفتحِ الميمِ والواوِ، (وَهِيَ) مُشتقةٌ مِن الموتِ، وهو عدمُ الحياةِ.
واصطلاحاً: (الأَرْضُ المُنْفَكَّةُ عَنِ الاخْتِصَاصَاتِ وَمِلْكِ مَعْصُومٍ)، بخلافِ الطرقِ، والأفنيةِ، ومسيلِ المياهِ، والمُحتَطَباتِ ونحوِها، وما جَرى عليه ملكُ مَعصومٍ بشراءٍ أو عطيَّةٍ أو غيرِهِما، فلا يُملَكُ شيءٌ مِن ذلك بالإحياءِ.
(فَمَنْ أَحْيَاهَا)، أي: الأرضَ المواتَ؛ (مَلَكَهَا)؛ لحديثِ جابرٍ يرفعُهُ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» رواه أحمدُ، والترمذي وصحَّحه (١)، وعن عائشةَ مثلُهُ، رواه مالكٌ وأبو داودَ (٢)،
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: (هو مسندٌ صحيحٌ، مُتلقى بالقبولِ، عندَ فقهاءِ المدينةِ وغيرِهِم) (٣)،
стр. 1016
(مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) ذِمي، مُكلفٍ وغيرِهِ؛ لعمومِ ما تقدَّم، لكن على الذمِّي خَرَاجُ ما أحيا مِن مَواتِ عَنوةٍ، (بِإِذْنِ الإِمَامِ) في الإحياءِ (وَعَدَمِهِ)؛ لعمومِ الحديثِ، ولأنَّها عينٌ مباحةٌ، فلا يَفتقِرُ ملكُها إلى إذنٍ، (فِي دَارِ الإِسْلَامِ وَغَيْرِهَا)، فجميعُ البلادِ سواءٌ في ذلك.
(وَالعَنْوَةُ)؛ كأرضِ مِصرَ والشامِ والعراقِ (كَغَيْرِهَا) مما أسلم أهلُهُ عليه (١)، أو صُولِحُوا عليه، إلَّا ما أحياه مسلمٌ مِن أرضِ كفارٍ صُولِحُوا على أنَّها لهم ولنا الخَراجُ.
(وَيُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ مَا قَرُبَ مِنْ عَامِرٍ إِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصْلَحَتِهِ)؛ لعمومِ ما تقدَّم، وانتفاءِ المانعِ، فإن تعلَّق بمصالِحِهِ؛ كمقبرته ومَلقى كُناستِهِ ونحوِهِما (٢)؛ لم يَملِكْ.
وكذا مَواتُ الحَرَمِ وعَرفاتٍ لا يُملَكُ بإحياءٍ.
وإذا وَقَع في الطريقِ وقتَ الإحياءِ نزاعٌ؛ فلها سَبعةُ أذرعٍ، ولا تُغيَّرُ بعدَ وَضْعِها.
ولا يُملَكُ مَعدِنٌ ظاهرٌ؛ كملحٍ وكُحلٍ وجِصٍّ بإحياءٍ، وليس للإمامِ إقطاعُهُ.
стр. 1017
وما نَضَبَ عنه الماءُ مِن الجزائِرِ لم يُحْيَ بالبناءِ؛ لأنَّه يَردُّ الماءَ إلى الجانِبِ الآخَرِ، فيَضرُّ بأهلِهِ، ويُنتفَعُ به بنحوِ زرعٍ.
(وَمَنْ أَحَاطَ مَوَاتاً)؛ بأن أدار حولَهُ حائِطاً مَنيعاً بما جَرَت العادةُ به؛ فقد أحياه، سواءٌ أرادَها للبناءِ أو غيرِهِ؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» رواه أحمدُ وأبو داودَ عن جابرٍ (١)، (أَوْ حَفَرَ بِئْراً فَوَصَلَ إِلَى المَاءِ)؛ فقد أحياه، (أَوْ أَجْرَاهُ)، أي: الماءَ (إِلَيْهِ)، أي: المواتِ، (مِنْ عَيْنٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ حَبَسَهُ)، أي: الماءَ (عَنْهُ)، أي: عن المَواتِ إذا كان لا يُزرَعُ معه (لِيُزْرَعَ؛ فَقَدْ أَحْيَاهُ)؛ لأنَّ نَفعَ الأرضِ بذلك أكثرُ مِن الحائطِ.
ولا إحياءَ بحَرثٍ وزَرعٍ.
(وَيَمْلِكُ) المحيي (حَرِيمَ البِئْرِ العَادِيَّةِ) - بتشديدِ الياءِ، أي: القديمةُ، مَنسوبة إلى عادٍ، ولم يُرِدْ عادًا بعينِها-؛ (خَمْسِينَ ذِرَاعاً مِنْ كُلِّ جَانِبٍ)، إذا كانت انطمَّتْ وذَهَب ماؤها فجدَّد حَفرَها
стр. 1018
وعمارَتَها، أو انقطع ماؤها فاستخرَجَهُ، (وَحَرِيمَ البَدِيَّةِ) المحدَثةِ (نِصْفَهَا)؛ خمسةٌ وعشرون ذِراعاً؛ لما روى أبو عبيدٍ في الأموالِ عن سعيدِ بنِ المسيّبِ قال: «السُّنَةُ فِي حَرِيمِ القَلِيبِ العَادِي خَمْسُونَ ذِرَاعاً، وَالبَدِيِّ (١) خَمْسَةَ وَعِشْرُونَ ذِرَاعاً» (٢)، وروى الخلَّالُ والدارقطني نحوَهُ مَرفوعاً (٣).
وحَريمُ شجرةٍ: قَدرُ مدِّ أغصانِها، وحريمُ دارٍ مِن مواتٍ حَولها
стр. 1019
مَطرَحُ تُرابٍ، وكُناسةٍ، وثلجٍ، وماءِ مِيزابٍ.
ولا حَريمَ لدارٍ مَحفوفةٍ بملكٍ، ويَتصرَّفُ كلٌّ منهم (١) بحسبِ العادةِ.
ومَن تَحجَّر مَواتاً؛ بأنْ أدار حولَهُ أحجاراً ونحوَها؛ لم يَملِكْهُ وهو أحقُّ به، ووارِثُه مِن بعدِهِ، وليس له بيعُهُ.
(وَلِلإِمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ)؛ «لأَنَّهُ ﵇ أَقْطَعَ بِلَالَ بنَ الحَارِثِ العَقِيقَ» (٢)،
(وَلَا يَمْلِكُهُ) بالإقطاعِ، بل هو أحقُّ مِن غيرِهِ،
стр. 1020
فإذا أحياه مَلَكه.
وللإمامِ أيضاً إقطاعُ غيرِ مَواتٍ تَمليكاً وانتفاعاً للمصلحةِ.
(وَ) له (إِقْطَاعُ الجُلُوسِ) للبيعِ والشراءِ (فِي الطُّرُقِ الوَاسِعَةِ)، ورحبةِ مسجدٍ غيرِ مَحوطةٍ، (مَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ)؛ لأنَّه ليس للإمامِ أن يَأذَنَ فيما لا مَصلحةَ فيه، فَضْلاً عمَّا فيه مَضرةٌ.
(وَيَكُونُ) المقطَع (١) (أَحَقَّ بِجُلُوسِهَا)، ولا يَزولُ حقَّه بنقلِ مَتاعِهِ منها؛ لأنَّه قد استحقَّ بإقطاعِ الإمامِ، وله التَّظليلُ على نفسِهِ بما ليس ببناءٍ بلا ضررٍ، ويُسمى هذا: إقطاعَ إرفاقٍ.
(وَمِنْ غَيْرِ إِقْطَاعٍ) للطرقِ الواسعةِ والرحبةِ غيرِ المَحوطةِ الحقُّ (لِمَنْ سَبَقَ بِالجُلُوسِ مَا بَقِيَ قُمَاشُهُ (٢) فِيهَا وَإِنْ طَالَ)، جَزَم به في الوجيزِ (٣)؛ لأنَّه سَبَق إلى ما لم (٤) يَسبِقْ إليه مُسلِمٌ، فلم يَمنَعْ، فإذا