دِرهمٌ، (وَمُشْتَريِهِ يَقُومُ مَقَامَ مُكَاتِبِهِ) بكسرِ التاءِ، (فَإِنْ أَدَّى) المكاتَبُ (لَهُ)، أي: للمُشتري ما بَقِي من مالِ الكتابةِ؛ (عَتَقَ، وَوَلَاؤُهُ لَهُ)، أي: للمشتري.
(وَإِنْ عَجَزَ) المكاتَبُ عن أداءِ مالِ (١) الكتابةِ أو بعضِه لمن كاتَبَه أو اشتراه؛ (عَادَ قِنًّا)، فإذا حلَّ نجمٌ ولم يُؤدِّه المكاتَبُ؛ فلسيِّدِه الفسخُ؛ كما لو أعْسَر المشتري ببعضِ الثَّمنِ، ويَلزَمُ إنظارُه ثلاثاً لنحوِ بيعِ عَرْضٍ.
ويجبُ على السيِّدِ أن يُؤدِّي إلى مَن وفىَّ كتابتَه رُبُعَها؛ لما روى أبو بكر بإسنادِه عن عليٍّ عن النبيِّ ﷺ في قولِهِ تعالى: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) [النور: ٣٣] قال: «رُبُعُ الكِتَابَةِ»، وروي موقوفاً على عليٍّ (٢).
стр. 1157
(بَابُ أَحْكَامِ أُمَّهَاتِ الأَوْلَادِ)
أصلُ أمٍّ: أُمَّهَةٌ، ولذلك جُمِعت على أمهاتٍ باعتبارِ الأصلِ.
(إِذَا أَوْلَدَ حُرٌّ أَمَتَهُ) ولو مُدَبَّرَةً أو مُكاتَبَةً، (أَوْ) أَوْلَدَ (أَمَةً لَهُ وَلِغَيْرِهِ)، ولو كان له جزءٌ يسيرٌ منها، (أَوْ أَمَةً) لِـ (وَلَدِهِ) كلِّها أو بعضِها لم يَكُن الابنُ وطِئها، قد (خُلِقَ وَلَدُهُ حُرًّا)؛ بأن حمَلَتْ به في ملكِه، (حَيًّا وُلِدَ أَوْ مَيِّتاً، قَدْ تَبَيَّنَ فِيهِ خَلْقُ الإِنْسَانِ) ولو خَفيًّا، (لَا) بإلقاءِ (مُضْغَةٍ أَوْ جِسْمٍ بِلَا تَخْطِيطٍ؛ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ مِنْ كُلِّ مَالِهِ)، ولو لم يَملِكْ غيرَها؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ يَرفعُه: «مَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ» رواه أحمدُ وابنُ ماجه (١).
وتصحُّ كتابتُها، فإن أدَّت في حياتِه عَتَقَت، وما بَقِيَ بيدِها لها، وإن ماتَ وعليها شيءٌ عَتَقَت، وما بيدِها للورثةِ، ويَتبَعُها ولدُها مِن غيرِ سيدِها بعدَ إيلادِها فيَعْتِقُ بموتِ سيدِها.
وإذا جَنَت فُدِيَتْ بالأقلِّ مِن قِيمتِها يومَ الفِداءِ أو أرْشِ الجنايةِ.
وإن قَتَلَتْ سيِّدَها عَمداً أو خَطأً عتَقَتْ، وللورثةِ القصاصُ في العَمدِ أو الدِّيةُ، فيَلزَمُها الأقلُّ منها أو مِن قيمتِها؛ كالخطأ.
وإن أسلَمَت أُمُّ ولدِ كافرٍ مُنِعَ مِن غِشْيانِها، وحِيل بينَه وبينَها حتى يُسلِمَ، وأُجبِرَ على نَفقتِها إن عُدِمَ كَسبُها.
стр. 1160
(كِتَابُ النِّكَاحِ)
هو لغةً: الوَطءُ والجمعُ بينَ الشَّيئينِ، وقد يُطلقُ على العقدِ، وإذا قالوا: نَكَح فلانةً أو بنتَ فلانٍ؛ أرادوا تَزوجَّها وعَقَد عليها، وإذا قالوا: نَكَح امرأتَه؛ لم يُريدوا إلا المجامَعَةَ.
وشرعاً: عقدٌ يُعتبَرُ فيه لفظُ: إنكاحٍ، أو تزويجٍ في الجملةِ.
والمعقودُ عليه: منفعةُ الاستمتاعِ.
(وَهُوَ سُنَّةٌ) لذي شهوةٍ لا يَخافُ زناً مِن رجلٍ وامرأةٍ؛ لقولِهِ ﵇: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» رواه الجماعةُ (١).
ويُباحُ لمن لا شَهوةَ له؛ كالعِنِّينِ (٢)، والكبيرِ.
стр. 1161
(وَفِعْلُهُ مَعَ الشَّهْوَةِ أَفْضَلُ مِنْ نَوَافِلِ العِبَادَةِ (١)؛ لاشتمالِه على مصالحَ كثيرةٍ؛ كتَحصينِ فرجِه وفرجِ زوجتِه، والقيامِ بها (٢)، وتحصيلِ النَّسل، وتكثيرِ الأُمَّةِ، وتحقيقِ مُباهاةِ النبيِّ ﷺ ، وغيرِ ذلك.
ومَن لا شهوةَ له نوافلُ العبادةِ (٣) أفضلُ له.
(وَيَجِبُ) النكاحُ (عَلَى مَنْ يَخَافُ زِنًا بِتَرْكِهِ) ولو ظَنًّا، مِن رجلٍ وامرأةٍ؛ لأنَّه طريقُ إعفافِ نفسِه وصونِها عن الحرامِ، ولا فرقَ بين القادِرِ على الإنفاقِ والعاجزِ عنه، ولا يَكتفِي بمرَّةٍ بل يكونُ في مجموعِ العمرِ.
ويَحرمُ بدارِ حربٍ إلا لضرورةٍ فيُباحُ لغيرِ أسيرٍ.
(وَيُسَنُّ نِكَاحُ):
(وَاحِدَةٍ)؛ لأن الزِّيادةَ عليها تعريضٌ للمُحرَّمِ، قال الله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) [النساء: ١٢٩].
(دَيِّنَةٍ)؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعاً: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ
стр. 1162
يَدَاكَ» متفقٌ عليه (١).
(أَجْنَبِيَّةٍ)؛ لأنَّ ولدَها يكونُ أنْجَبَ، ولأنَّه لا يَأمنُ الطَّلاقَ فيُفضِي مع القرابةِ إلى قطيعةِ
الرَّحمِ.
(بِكْرٍ)؛ لقولِه ﵇ لجابرٍ: «فَهَلَّا بِكْراً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك» متفقٌ عليه.
(وَلُودٍ)، أي: مِن نساءٍ يُعْرَفْنَ بكثرَةِ الأولادِ؛ لحديثِ أنسٍ يرفعُه: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه سعيدٌ (٢).
(بِلَا أُمٍّ)؛ لأنَّها ربَّما أفسدَتْها عليه.
ويُسنُّ أن يَتخيَّرَ الجميلةَ؛ لأنَّه أغضُّ لبصرِه.
(وَ) يُباحُ (لَهُ)، أي: لمن أراد خِطبةَ امرأةٍ وغَلَب على ظنِّه إجابتُهُ (نَظَرُ مَا يَظْهَرُ غَالِباً)؛ كوجهٍ، ورقبةٍ، ويدٍ، وقدَمٍ؛ لقولِه ﵇: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُم امْرَأَةً فَقَدرَ أَنْ يَرَى مِنْهَا بَعْضَ مَا يَدْعُوهُ
стр. 1163
إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيِفْعَلْ» رواه أحمدُ وأبو داودَ (١)،
(مِرَاراً)، أي: يُكَرِّرُ النَّظرَ، (بِلَا خَلْوَةٍ) إن أَمِنَ ثورانَ الشَّهوةِ، ولا يحتاجُ إلى إذنِها.
ويُباحُ نظَرُ ذلك ورأسٍ وساقٍ مِن أمَةٍ وذاتِ محرمٍ، ولعبدٍ نَظَرُ ذلك مِن مولاتِه.
ولشاهدٍ ومُعامِلٍ نظرُ وجهِ مشهودٍ عليها ومَن تُعامِلُه وكفَّيْها لحاجةٍ.
ولطبيبٍ ونحوِه نظرٌ ولمْسٌ دَعَت إليه حاجةٌ.
ولامرأةٍ نظرٌ مِن امرأةٍ ورجلٍ إلى ما عدا ما بين سُرَّةٍ وركبةٍ.
ويحرمُ خَلوةُ ذكَرٍ غيرِ مَحْرَمٍ بامرأةٍ.
(وَيَحْرُمُ التَّصْرِيحُ بِخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ)؛ كقولِه: أُريد أن أتزوَّجَكِ؛
стр. 1164
لمفهومِ قولِه تعالى: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) [البقرة: ٢٣٥]، وسواءٌ (١) المعتدَّةُ (مِنْ وَفَاةٍ، وَالمُبَانَةُ) حالَ الحياةِ (دُونَ التَّعْرِيضِ)، فيباحُ لما تقدَّم.
ويحرمُ التَّعريضُ كالتصريحِ لرجعيةٍ.
(وَيُبَاحَانِ لِمَنْ أَبَانَهَا بِدُونِ الثَّلَاثَةِ (٢)؛ لأنَّه يُباحُ له نكاحُها في عِدَّتِها؛ (كَرَجْعِيَّةٍ)؛ فإنَّ له رجعتَها في عدَّتِها.
(وَيَحْرُمَانِ)، أي: التَّصريحُ والتَّعريضُ (مِنْهَا عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا)، فيحرمُ على الرجعيَّةِ أن تُجيبَ مَن خَطَبَها في عدَّتِها تَصريحاً أو تَعريضاً.
وأما البائنُ فيُباحُ لها إذا خُطِبت في عِدَّتِها التَّعريضُ دونَ التصريحِ.
(وَالتَّعْرِيضُ: إِنِّي فِي مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ، وَتُجِيبُهُ) إذا كانت بائِناً: (مَا يُرْغَبُ عَنْكَ، وَنَحْوِهِمَا)؛ كقولِه: لا تُفَوِّتِيني بنفسِكِ، وقولِها: إنْ قُضِيَ شيءٌ كان.
(فَإِنْ أَجَابَ وَلِيُّ مُجْبَرَةٍ) -ولو تَعريضاً- لمسلمٍ، (أَوْ أَجَابَتْ غَيْرُ المُجْبَرَةِ لِمُسْلِمٍ؛ حَرُمَ عَلَى غَيْرِهِ خِطْبَتُهَا) بلا إذنِهِ؛ لحديثِ أبي
وكذا لو جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه قبلَ القَبولِ، لا إن نام.
(فَصْلٌ)
(وَلَهُ شُرُوطٌ) أربعةٌ:
(أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ)؛ لأنَّ المقصودَ في النكاحِ التعيينُ، فلا يصحُّ بدونِهِ؛ كزوَّجتُكَ بِنتي وله غيرُها حتى يُميِّزَها، وكذا لو قال: زَوَّجتُها ابنَكَ وله بنون.
(فَإِنْ أَشَارَ الوَلِيُّ إِلَى الزَّوْجَةِ، أَوْ سَمَّاهَا) باسمِها، (أَوْ وَصَفَهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ) بِهِ؛ كالطَّويلةِ أو الكبيرةِ؛ صحَّ النكاحُ؛ لحصولِ التَّمييزِ (١).
(أَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي، وَلَهُ) بنتٌ (وَاحِدَةٌ لَا أَكْثَرَ؛ صَحَّ) النكاحُ؛ لعدمِ الإلباسِ، ولو سماها بغيرِ اسمِها.
ومَن سُمِّيَ له في العقدِ غيرُ مخطوبتِه فقَبِلَ يظُنُّها إيَّاها؛ لم يصحَّ.
стр. 1170
(فَصْلٌ)
الشرطُ (الثَّانِي: رِضَاهُمَا)، فلا يصحُّ إن أُكْرِه أحدُهما بغيرِ حقٍّ؛ كالبيعِ، (إِلَّا البَالِغَ المَعْتُوهَ)، فيزوِّجُه أبوه أو وصيُّه في النِّكاحِ، (وَ) إلا (المَجْنُونَةَ، وَالصَّغِيرَ، وَالبِكْرَ وَلَوْ مُكَلَّفَةً، لَا الثَّيِّبَ) إذا تمَّ لها تِسعُ سِنين؛ (فَإِنَّ الأَبَ وَوَصِيَّهُ فِي النِّكَاحِ يُزَوِّجَانِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ)؛ كثيِّبٍ دونَ تسعٍ؛ لعدمِ اعتبارِ إذنِهِم، و (كَالسَّيِّدِ مَعَ إِمَائِهِ)، فيُزوِّجُهُنَّ بغيرِ إذنِهِنَّ؛ لأنَّه يَملِكُ منافعَ بُضْعِهِنَّ، (وَ) كالسِّيدِ مع (عَبْدِهِ الصَّغِيرِ)، فيُزوِّجُه بغيرِ إذنِه؛ كولدِه الصغيرِ.
(وَلَا يُزَوِّجُ بَاقِي الأَوْلِيَاءِ)؛ كالجدِّ والأخِ والعمِّ (صَغِيرَةً دُونَ تِسْعٍ) بحالٍ، بِكراً كانت أو ثيِّباً.
(وَلَا) يزوِّجُ غيرُ الأبِ ووصيِّه في النكاحِ (صَغِيراً)، إلا الحاكمُ لحاجةٍ.
(وَلَا) يزوِّجُ غيرُ الأبِ ووصيِّه فيه (كَبِيرَةً عَاقِلَةً)، بِكراً أو ثيِّباً، (وَلَا بِنْتَ تِسْعِ) سِنين كذلك (إِلَّا بِإِذْنِهِمَا)؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعاً: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ لَمْ تُكْرَهْ» رواه أحمدُ (١).
стр. 1171
وإذْنُ بنتِ تسعٍ مُعتبرٌ؛ لقولِ عائشةَ: «إذَا بَلَغَتْ الجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ» رواه أحمدُ (١)، ومعناه: في حُكمِ المرأةِ.
(وَهُوَ)، أي: الإذْنُ: (صُمَاتُ البِكْرِ)، ولو ضَحِكَتْ أو بَكَتْ، (وَنُطْقُ الثَّيِّبِ) بوطءٍ في القُبُلِ؛ لحديثِ أبي هريرة يرفعُهُ: «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ»، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وكيف إذنُها؟ ، قال: «أَنْ تَسْكُتَ» متفقٌ عليه (٢).
ويُعتبرُ في استئذانٍ تسميةُ الزوجِ على وجهٍ تقَعُ به المعرفةُ.
(فَصْلٌ)
الشرطُ (الثَّالِثُ: الوَلِيُّ)؛ لقولِه ﵇: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» رواه الخمسةُ إلا النسائي، وصحَّحه أحمدُ، وابنُ مَعينٍ (٣).
стр. 1172
(وَشُرُوطُهُ)، أي: شروطُ الولي:
(التَّكْلِيفُ)؛ لأنَّ غيرَ المكلَّفِ يَحتاجُ لمن ينظُرُ له، فلا ينظُرُ لغيرِه.
(وَالذُّكُورِيَّةُ)؛ لأنَّ المرأةَ لا وِلايةَ لها على نفسِها، فغيرُها أوْلَى.
(وَالحُرِّيَّةُ)؛ لأنَّ العبدَ لا وِلايةَ له على نفسِه، فغيره أوْلَى.
(وَالرُّشْدُ فِي العَقْدِ)؛ بأن يعرِفَ الكُفْءَ ومصالحَ النكاحِ، لا حِفظَ المالِ، فرُشدُ كلِّ مقامٍ بحسبِه.
(وَاتِّفَاقُ الدِّينِ)، فلا وِلايةَ لكافرٍ على مسلمةٍ، ولا لنصرانيٍّ على مجوسيةٍ؛ لعدمِ التوارُثِ
بينَهما، (سِوَى مَا يُذْكَرُ)؛ كأُمِّ ولدٍ لكافرٍ أسلمت، وأَمَةٍ كافرةٍ لمسلمٍ، والسُّلطانُ يُزوِّجُ مَن لا وليَّ لها مِن أهلِ الذِّمةِ.
(وَالعَدَالَةُ) ولو ظاهِرةً؛ لأنَّها وِلايةٌ نظرِيةٌ، فلا يَستبِدُّ بها الفاسقُ، إلا في سلطانٍ وسيِّدٍ يُزوِّجُ أمتَه.
إذا تقرَّرَ ذلك: (فَلَا تُزَوِّجُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا، وَلَا غَيْرَهَا)؛ لما تقدَّم.
(وَيُقَدَّمُ أَبُو المَرْأَةِ) الحرَّةِ (فِي إِنْكَاحِهَا)؛ لأنَّه أكملُ نظَراً وأشدُّ
стр. 1173
شَفَقَةً، (ثُمَّ وَصِيُّهُ فِيهِ)، أي: في النكاحِ؛ لقِيامِه مَقامَه، (ثُمَّ جَدُّهَا لأَبٍ وَإنْ عَلَا)، الأقربُ فالأقربُ (١)؛ لأنَّ له إيلاداً وتَعصيباً فأشبه الأبَ، (ثُمَّ ابْنُهَا، ثُمَّ بَنُوهُ وَإِنْ نَزَلُوا)، الأقربُ فالأقربُ؛ لما روت أمُّ سلمةَ: أنَّها لمَّا انقضت عِدَّتَها، أرسل إليها رسولُ اللهِ ﷺ يَخطُبُها، فقالت: يا رسول الله ليس أحدٌ مِن أوليائي شاهِداً، قال: «لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ»، فقالت: قُمْ يا عمرُ فزوِّج رسولَ اللهِ ﷺ ، فزوَّجه. رواه النسائي (٢)،
(ثُمَّ أَخُوهَا لأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لأَبٍ)؛ كالميراثِ، (ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ) وإن نَزلوا، يُقدَّمُ مَن لأبوين على مَن لأبٍ إن استَووا في الدَّرجةِ وإلا قُدِّم الأقربُ، (ثُمَّ عَمُّهَا لأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لأَبٍ)؛ لما تقدَّم، (ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ)
стр. 1174
على ما سَبَق في الميراثِ، (ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَةِ نَسَبٍ (١) كَالإِرْثِ)، فأحقُّ العَصَباتِ بعدَ الإخوةِ بالميراثِ أحقُّهُم بالوِلايةِ؛ لأنَّ مبنى الوِلايةِ على الشَّفَقةِ والنَّظرِ، وذلك مُعتبرٌ بمظنَّتِه وهو القرابةُ، (ثُمَّ المَوْلَى المُنْعِمُ) بالعتقِ؛ لأنَّه يَرِثُها ويعقِلُ عنها، (ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَتِهِ نَسَباً) على ترتيبِ الميراثِ، ثُمَّ إن عُدِمُوا فعصبته (٢) وَلَاءً على ما تقدَّم (٣)، (ثُمَّ السُّلْطَانُ)، وهو: الإمامُ أو نائِبُه، قال أحمدُ: (والقاضي أحبُّ إليَّ مِن الأميرِ في هذا) (٤)، فإن عُدِمَ الكلُّ زوَّجَها ذو سُلطانٍ في مكانِها، فإن تعذَّر وَكَّلَتْ.
ووليُّ أَمَةٍ سيِّدُها ولو فاسِقاً.
ولا وِلايةَ لأخٍ مِن أُمٍّ، ولا لخالٍ ونحوِه مِن ذوي الأرحامِ.
(فَإِنْ عَضَلَ) الوليُّ (الأَقْرَبُ)؛ بأن مَنَعَها كُفْؤاً رَضِيَتهُ ورَغِبَ بما صحَّ مهراً، ويَفسُقُ به إن تكرَّر، (أَوْ لَمْ يَكُنْ) الأقربُ (أَهْلاً) لكونِه طفلاً، أو كافراً، أو فاسقاً، أو عبداً، (أَوْ غَابَ) الأقربُ (غَيْبَةً
стр. 1175
مُنْقَطِعَةً لَا تُقْطَعُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ) فوقَ مسافةِ القصرِ، أو جُهِلَ مكانُه؛ (زَوَّجَ) الحُرَّةَ الوليُّ (الأَبْعَدُ)؛ لأنَّ الأقربَ هنا كالمعدومِ.
(وَإِنْ زَوَّجَ الأَبْعَدُ، أَوْ) زوَّجَ (أَجْنَبِيٌّ) ولو حاكِماً (مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) للأقربِ؛ (لَمْ يَصِحَّ) النكاحُ؛ لعدمِ الوِلايةِ مِن العاقدِ عليها مع وجودِ مُستحِقِّها، فلو كان الأقربُ لا يَعلَمُ أنَّه عصبةٌ، أو أنَّه صارَ أو عاد أهلاً بعدَ مُنافٍ؛ صحَّ النكاحُ؛ استصحاباً للأصلِ.
ووكيلُ كلِّ وليٍّ يقومُ مَقامَه غائباً وحاضِراً بشرطِ إذْنِها للوكيلِ بعدَ توكيلِه إن لم تَكُن مُجْبَرَةً.
ويُشترَطُ في وكيلِ وليٍّ ما يُشترطُ فيه.
ويقولُ الوليُّ أو وكيلُه لوكيلِ الزَّوجِ: زوَّجتُ موكِّلَكَ فُلاناً فُلانةً، ويقولُ وكيلُ الزَّوجِ: قَبِلْتُهُ لفلانٍ، أو لموكِّلي فلانٍ.
وإن (١) استوى ولِيَّان فأكثرَ سُنَّ تقديمُ أفضلَ، فأسَنَّ، فإن تشاحُّوا أُقْرِع، ويتعَيَّنُ مَن أَذِنَتْ له منهم.
ومَن زوَّجَ ابنَه ببنتِ أخيه ونحوِه؛ صحَّ أن يَتولَّى طَرَفَي العقدِ، ويَكفي: زوَّجْتُ فلاناً فلانةً.
وكذا وليُّ عاقلةٍ تحِلُّ له، إذا تزوَّجَها بإذنِها؛ كفَى قولُه: تزوَّجْتُها.
(فَلَا يَصِحُّ) النِّكاحُ (إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، عَدْلَيْنِ) ولو ظاهِراً؛ لأنَّ الغرضَ إعلانُ النكاحِ، (ذَكَرَيْنِ، مُكَلَّفَيْنِ، سَمِيعَيْنِ، نَاطِقَيْنِ)، ولو أنَّهما ضريران أو عَدُوَّا الزوجين.
ولا يُبطِلُه تواصٍ بكتمانِه.
ولا تُشترَطُ الشَّهادةُ بخُلُوِّها مِن الموانعِ، أو إذنِها، والاحتياطُ الإشهادُ، فإن أنكَرَت الإذنَ صُدِّقَت قبلَ دُخولٍ لا بعدَه.
(وَلَيْسَتِ الكَفَاءَةُ، وَهِيَ) لغةً: المساواةُ، وهنا: (دِينٌ)، أي: أداءُ الفرائضِ واجتنابُ النَّواهي، (وَمَنْصِبٌ، وَهُوَ: النَّسَبُ، وَالحُرِّيَّةُ)، وصناعةٌ غيرُ زَرِيَّةٍ، ويَسَارٌ بحسَبِ ما يجبُ لها؛ (شَرْطاً فِي صِحَّتِهِ)، أي: صحَّةِ النَّكاحِ، «لأَمْرِ النَّبِيَّ ﷺ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ، فَنَكَحَهَا بِأَمْرِهِ» متفقٌ عليه (١)، بل شرطٌ للزومِ.
стр. 1178
(فَلَوْ زَوَّجَ الأَبُ عَفِيفَةً بِفَاجِرٍ، أَوْ عَرَبِيَّةً بِعَجَمِيٍّ)، أو حرَّةً بعبدٍ؛ (فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنَ المَرْأَةِ أَوِ الأَوْلِيَاءِ) حتى مَن حَدَث؛ (الفَسْخُ)، فيَفسَخُ أخٌ مع رِضا أبٍ؛ لأنَّ العارَ عليهم أجمعين.
وخيارُ الفسخِ على التَّراخي، لا يَسقُطُ إلَّا بإسقاطِ عصبةٍ، أو بما يدلُّ على رضاها مِن قولٍ أو فعلٍ.
(والمُلَاعَنَةُ عَلَى المُلَاعِنِ) ولو أكْذَبَ نفسَه، فلا تحِلُّ له بنكاحٍ ولا ملكِ يمينٍ.
(وَيَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ) -ولو مُحَرَّماً- (مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ) مِن الأقسامِ السابقةِ؛ لقولِه ﵇: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ» متفقٌ عليه (١)، (إِلَّا أُمَّ أُخْتِهِ) وأُمَّ أخيه مِن رضاعٍ، (وَ) إلَّا (أُخْتَ ابْنِهِ) مِن رضاعٍ، فلا تحرمُ المرضِعَةُ ولا بنتُها على أبي المُرْتَضِعِ وأخيه مِن نَسَبٍ، ولا أُمُّ المُرْتَضِعِ وأختُه مِن نَسَبٍ على أبي المُرْتَضِعِ أو ابنِه الذي هو أخو المُرْتَضِعِ؛ لأنهنَّ في مُقابلةِ مَن يَحرمُ بالمصاهرةِ لا بالنسبِ.
(وَيَحْرُمُ) بالمصاهرةِ (بِالعَقْدِ) وإن لم يحصُلْ دخولٌ ولا خَلوةٌ:
(زَوْجَةُ أَبِيهِ) ولو مِن رضاعٍ، (وَ) زوجةُ (كُلِّ جَدٍّ) وإن علَا؛ لقولِه تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) [النساء: ٢٢].
(وَ) تحرمُ أيضاً بالعقدِ (زَوْجَةُ ابْنِهِ وَإِنْ نَزَلَ) ولو مِن رضاعٍ؛ لقولِه تعالى: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ) [النساء: ٢٣]، (دُونَ بَنَاتِهِنَّ)، أي: بناتِ حلائلِ آبائه وأبنائه، (وَ) دونَ (أُمَّهَاتِهِنَّ)، فتَحِلُّ له ربيبةُ والدِه وولدِه، وأُمُّ زوجةِ والدِه وولدِه؛ لقولِه تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا
стр. 1181
وَرَاءَ ذَلِكُمْ) [النساء: ٢٤].
(وَتَحْرُمُ) أيضاً (أُمُّ زَوْجَتِهِ، وَجَدَّاتُهَا) ولو مِن رضاعِ (بِالعَقْدِ)؛ لقولِه تعالى: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) [النساء: ٢٣].
(وَ) تَحْرُمُ أيضاً الربائبُ، وهُنَّ: (بِنْتُهَا)، أي: بنتُ الزوجةِ، (وَبَنَاتُ أَوْلَادِهَا) الذُّكورِ والإناثِ وإن نزَلْنَ مِن نسبٍ أو رضاعٍ (بِالدُّخُولِ)؛ لقولِه تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) [النساء: ٢٣].
(فَإِنْ بَانَتِ الزَّوْجَةُ) قبلَ الدُّخولِ ولو بعدَ الخلوةِ، (أَوْ مَاتَتْ بَعْدَ الخَلْوَةِ (١)؛ أُبِحْنَ)، أي: الربائبُ؛ لقولِه تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٣].
ومَن وطِئَ امرأةً بشبهةٍ أو زِنا؛ حَرُمَ عليه أُمُّها وبنتُها، وحَرُمَت على أبيه وابنِه.
(فَصْلٌ)
في الضَّربِ الثاني مِن المحرماتِ
(وَتَحْرُمُ إِلَى أَمَدٍ: أُخْتُ مُعْتَدَّتِهِ، وَأُخْتُ زَوْجَتِهِ، وَبِنْتَاهُمَا)، أي: بنتُ أختِ مُعتدَّتِه، وبنتُ أختِ زوجتِه، (وَعَمَّتَاهُمَا،
стр. 1182
وَخَالَتَاهُمَا) وإن عَلتا مِن نَسبٍ أو رضاعٍ، وكذا بنتُ أخيهما، وكذا أختُ مُستَبْرَأتِه، وبنتُ أخيها أو أُختِها، أو عمَّتِها أو خالَتِها؛ لقولِه تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ) [النساء: ٢٣]، وقولِه ﵇: «لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» متفقٌ عليه عن أبي هريرةَ (١).
ولا يَحرمُ الجمعُ بين أُختِ شخصٍ مِن أبيه وأختِه مِن أُمِّه، ولا بين مُبانةِ شخصٍ وبنتِه من غيرِها ولو في عقدٍ.
(فَإِنْ طُلِّقَتْ) المرأةُ (وَفَرَغَتِ العِدَّةُ؛ أُبِحْنَ)، أي: أُختُها، أو عمَّتُها، أو خالتُها، أو نحوُهنِّ؛ لعدمِ المانعِ.
ومَن وَطِئ أُختَ زوجتِه بشُبهةٍ أو زناً حَرُمَت عليه زوجتُه حتى تَنقَضِي عِدَّةُ الموطوءةِ.
(فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا)، أي: تزوَّجَ الأُختين ونحوَهُما (فِي عَقْدٍ) واحدٍ؛ لم يصحَّ، (أَوْ) تزوَّجَهُما في (عَقْدَيْنِ مَعاً؛ بَطَلَا)؛ لأنَّه لا يُمكِنُ تصحيحُه فيهما، ولا مزيَّةَ لإحداهما على الأخرى.
وكذا لو تزوَّج خَمساً في عقدٍ واحدٍ أو عقودٍ معاً.
(فَإِنْ تَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا (٢)، أي: أحدُ العَقدَين؛ بَطَل مُتأخِّرٌ فقط؛
стр. 1183
لأنَّ الجمعَ حَصَل به.
(أَوْ وَقَعَ) العقدُ الثاني (فِي عِدَّةِ الأُخْرَى وَهِيَ بَائِنٌ أَوْ رَجْعِيَّةٌ؛ بَطَلَ) الثاني؛ لئلَّا يجتمِعَ ماؤه في رحمِ أُختين أو نحوِهما.
وإنْ جُهِلَ أسبقُ العقدَيْن؛ فُسِخا، ولإحداهما نصفُ مهرِها بقُرعةٍ.
ومَن مَلَك أختَ زوجتِه ونحوِها؛ صحَّ، ولا يطؤُها حتى يفارِقَ زوجتَه وتَنقضي عِدَّتُها.
ومَن مَلَك نحوَ أختين صحَّ وله وطءُ أيِّهما شاء، وتَحرُمُ به الأُخرى حتى يُحرِّمَ الموطوءةَ بإخراجٍ عن ملكِه أو تزويجٍ بعدَ استبراءٍ.
وليس لحُرٍّ أن يتزوَّجَ بأكثرَ مِن أربعٍ، ولا لعبدٍ أن يتزوَّجَ بأكثرَ مِن ثِنتين.
(وَتَحْرُمُ المُعْتَدَّةُ) مِن الغيرِ؛ لقولِه تعالى: (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) [البقرة: ٢٣٥].
(وَ) كذا (المُسْتَبْرَأَةُ مِنْ غَيْرِهِ)؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ أن تكونَ حامِلاً فيُفضي إلى اختلاطِ المياهِ، واشتباهِ الأنسابِ.
(وَ) تحرمُ (الزَّانِيَةُ) على زانٍ وغيرِه (حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُها)؛ لقولِه تعالى: (وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) [النور: ٣]،
(بَابُ الشُّرُوطِ) في النكاحِ (وَالعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ)
والمعتبرُ مِن الشروطِ ما كان في صُلْبِ العقدِ، أو اتَّفقا عليه قبلَه (١).
وهي قسمان:
صحيحٌ: وإليه أشار بقولِه: (إِذَا شَرَطَتْ (٢) طَلَاقَ ضَرَّتِهَا، أَوْ (٣) أَلَّا يَتَسَرَّى، وَلَا (٤) يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ (٥) أن (لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا (٦) أَوْ بَلَدِهَا)، أو ألَّا يُفرِّقَ بينها وبينَ أولادِها أو أبويها (٧)، أو أن تُرْضِعَ ولدَها الصغيرَ، (أَوْ شَرَطَتْ نَقْداً مُعَيَّناً) تأخُذُ منه مهرَها، (أَوْ) شَرطت (زِيَادَةً فِي مَهْرِهَا؛ صَحَّ) الشَّرطُ وكان لازماً، فليس للزوجِ فكُّهُ بدونِ إبانتِها، ويُسنُّ وفاؤه به.
(فَإِنْ خَالَفَهُ فَلَهَا الفَسْخُ) على التَّراخي؛ لقولِ عمرَ للذي قضَى
стр. 1189
عليه بلزومِ الشَّرطِ حين قال: إذاً يطلِّقُنَّنا: «مَقَاطِعُ الحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ» (١).
ومَن شَرَط ألا يُخرجَها مِن منزِل أبوَيها فمات أحدُهما؛ بَطَل الشرطُ.
القسمُ الثاني: فاسدٌ، وهو أنواعٌ:
أحدُها: نكاحُ الشِّغَارِ (٢)، وقد ذَكَره بقولِه: (وَإِذَا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ وَلِيَّتَهُ فَفَعَلَا)، أي: زوَّجَ كلٌّ منهما الآخرَ (٣) وَلِيَّتَهُ، (وَلَا مَهْرَ) بينَهما؛ (بَطَلَ النِّكَاحَانِ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ»، والشِّغَارُ: أن يزوَّجَ الرجلُ ابنتَه على أن
стр. 1190
يزوِّجَه الآخرُ ابنتَه وليس بينهما صداقٌ. متفقٌ عليه (١)، وكذا لو جَعَلا (٢) بُضْعَ كلِّ واحدةٍ مع دراهِمَ معلومةٍ مهراً للأُخرى.
(فَإِنْ سُمِّيَ لَهُمَا)، أي: لكلِّ واحدةٍ منهما (مَهْرٌ) مستقِلٌّ غيرُ قليلٍ بلا (٣) حيلةٍ؛ (صَحَّ) النكاحانِ، ولو كان المسمَّى دونَ مهرِ المثلِ.
وإن سُمِّيَ لإحداهما دونَ الأخرى؛ صحَّ نكاحُ مَن سُمِّيَ لها فقط.
الثاني: نكاحُ المحلِّلِ، وإليه الإشارةُ بقولِه: (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنَّهُ مَتَى حَلَّلَهَا لِلأَوَّلِ طَلَّقَهَا، أَوْ نَوَاهُ)، أي: التحليلَ (٤) (بِلَا شَرْطٍ) يُذكرُ في العقدِ، أو اتَّفقا عليه قبلَه ولم يَرجِعْ؛
بَطَل النكاحُ؛ لقولِه
стр. 1191
عليه السلام: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ المُسْتَعَارِ؟ »، قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: «هُوَ المُحَلِّلُ، لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ» رواه ابنُ ماجه (١).
(أوْ قَالَ) وَلِيٌّ: (زَوَّجْتُكَ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، أَوْ إِنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا)، أو نحوَه مما عُلِّقَ فيه النكاحُ على شرطٍ مُستقبلٍ؛ فلا يَنعقِدُ النكاحُ غيرُ: زوَّجتُ، أو قَبِلْتُ إن شاء اللهُ، فيصحُّ كقولِه: زوجتُكَها إنْ كانت بِنتي، أو انقَضَت عِدَّتُها - وهما يَعلمان ذلك-، أو إن شئتَ، فقال: شئتُ وقَبِلْتُ، ونحوَه؛ فإنَّه صحيحٌ.
(أَوْ) قال وَلِيٌّ: زوَّجتُك، و (إِذَا جَاءَ غَدٌ)، أو وقْتُ كذا
стр. 1192
(فَطَلِّقْهَا (١)، أَوْ وَقَّتَهُ بِمُدَّةٍ)؛ بأن قال: زوَّجْتُكَها شَهراً أو سنةً، أو يُتزوَّجُ الغريبُ بنيَّةِ (٢) طلاقِها إذا خَرَج؛ (بَطَلَ الكُلُّ)،
وهذا النوعُ هو نكاحُ المُتعةِ، قال سَبْرَةُ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمُتْعَةِ عَامَ الفَتْحِ حِينَ دَخَلْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ حَتَّى نَهَانَا عَنْهَا» رواه مسلمٌ (٣).
(فَصْلٌ)
(وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا، أَوْ) أَنْ (لَا نَفَقَةَ) لها، (أَوْ) شَرَط (أَنْ يَقْسِمَ لَهَا أَقَلَّ مِنْ ضَرَّتِهَا، أَوْ أَكْثَرَ) منها، (أَوْ شَرَطَ فِيهِ)، أي: في النكاحِ (خِيَاراً، أَوْ) شَرَط (إِنْ جَاءَ بِالمَهْرِ فِي وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا)، أو شَرَطَتْ أن يُسافِرَ بها، أو أن تَستَدعِيَهُ لوطءٍ عندَ إرادتِها، أو لا تُسَلِّمَ نفسَها إلى مدَّةِ كذا، ونحوَه؛ (بَطَلَ الشَّرْطُ)؛ لمنافاتِه مُقتضَى العقدِ، وتَضمُّنِه إسقاطَ حقٍّ يجبُ به قبلَ انعقادِه، (وَصَحَّ النِّكَاحُ)؛ لأنَّ هذه الشروطُ تَعودُ إلى معنىً زائدٍ في العقدِ لا يُشترَطُ ذِكرُهُ، ولا يضُرُّ الجهلُ به فيه.
(وَإِنْ شَرَطَهَا مُسْلِمَةً)، أو قال وَلِيُّها: زوَّجتُكَ هذه المسلمةَ، أو ظنَّها مسلمةً ولم تُعرَفْ بتقدُّمِ كُفرٍ (فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً)؛ فله الفسخُ؛
стр. 1193
لفواتِ شرطِه.
(أَوْ شَرَطَهَا بِكْراً، أَوْ جَمِيلَةً، أَوْ نَسِيبَةً (١)، أَوْ) شَرَط (نَفْيَ عَيْبٍ لَا يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ)؛ بأن شَرَطها سميعةً أو بصيرةً (فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ؛ فَلَهُ الفَسْخُ)؛ لما تقدَّم.
وإن شَرَط صفةً فبانت أعلى منها؛ فلا فَسخَ.
ومَن تزوَّجَ امرأةً وشَرَط أو ظَنَّ أنَّها حُرَّةٌ، ثم تَبيَّنَ أنَّها أَمَةٌ؛ فإن كان مِمَّن يَحِلُّ له نكاحُ الإماءِ؛ فله الخيارُ، وإلَّا فُرِّقَ بينهما، وما وَلَدَتْهُ قبلَ العِلمِ حُرٌّ يَفديه بقيمتِه يومَ وِلادتِه.
وإن كان المغرورُ عبداً فولدُهُ حُرٌّ أيضاً، يَفديه إذا عَتَق.
ويَرجِعُ زوجٌ بالفِداءِ والمهرِ على مَن غَرَّهُ.
ومَن تزوَّجت رجلاً على أنَّه حُرٌّ أو تظُنُّه حرًّا فبان عبداً؛ فلها الخيارُ.
(وَإِنْ عَتَقَتْ) أمَةٌ (تَحْتَ حُرٍّ؛ فَلَا خِيَارَ لَهَا)؛ لأنَّها كافأت زوجَها في الكمالِ، كما لو أسلمت كتابيَّةٌ تحتَ مسلمٍ، (بَلْ) يَثبُتُ لها الخيارُ إن عَتَقتْ كلُّها (تَحْتَ عَبْدٍ) كلِّه؛ لحديثِ بريرةَ: «وَكَانَ
стр. 1194
زَوْجُهَا عَبْداً أَسْوَدَ» رواه البخاري وغيرُه عن ابنِ عباسٍ (١)، وعائشةَ ﵃ (٢).
فتقولُ: فَسَخْتُ نِكاحي، أو اختَرْتُ نَفسي، ولو مُتراخياً، ما لم يُوجَدْ منها دليلُ رِضا؛ كتمكينٍ مِن وطءٍ أو قُبْلةٍ، ونحوِها، ولو جاهِلَةً.
ولا يَحتاجُ فَسخُها لحاكمٍ.
فإن فَسَخَت قبلَ دخولٍ فلا مهرَ، وبعدَه هو لسيِّدِها.
(فَصْلٌ) في العيوبِ في النكاحِ
وأقسامُها ثلاثةٌ:
قسمٌ يَختَصُّ بالرَّجلِ، وقد ذَكَره بقولِه: (وَمَنْ وَجَدَتْ زَوْجَهَا مَجْبُوباً) قُطِعَ ذكَرُه كلُّه، (أَوْ) بعضُه و (بَقِيَ لَهُ مَا لَا يَطَأُ بِهِ؛ فَلَهَا الفَسْخُ).