نَفقتُها؛ لأنَّها مَنَعَت نفسَها عنه بسببٍ لا مِن جِهتِه؛ فسَقَطَت نَفقتُها، بخلافِ مَن أحرَمَت بفريضةٍ؛ مِن صومٍ، أو حجٍّ، أو صلاةٍ ولو في أوَّلِ وقتِها بسُنَنِها، أو صامت قضاءَ رمضانَ في آخرِ شعبانَ؛ لأنَّها فَعَلَت ما أوجَبَ الشَّرعُ عليها.
وقَدرُها في حَجَّةِ فرضٍ كحَضَرٍ.
وإن اختَلَفا في نشوزٍ أو أَخذِ نفقةٍ؛ فقولُها.
(وَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى) مِن تَرِكةٍ (لِمُتَوفًّى (١) عَنْهَا) ولو حامِلاً؛ لأنَّ المالَ انتَقَل عن الزوجِ إلى الورثَةِ، ولا سببَ لوجوبِ النفقةِ عليهم، فإن كانت حاملاً فالنفقةُ مِن حِصَّةِ الحملِ مِن التركةِ إن كانت، وإلا فعلى وارِثِه الموسِرِ.
(وَلَهَا)، أي: لمن وجَبَتَ لها النفقةُ؛ مِن زوجةٍ، ومطلَّقةٍ رجعيةٍ، وبائنٍ حاملٍ، ونحوِها؛ (أَخْذُ نَفَقَةِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِهِ)، يعني (٢): مِن طُلوعِ الشمسِ؛ لأنَّه أوَّلُ وقتِ الحاجةِ إليه (٣)، فلا يجوزُ تأخيرُه عنه.
والواجبُ دَفعُ قوتٍ مِن خُبْزٍ وأُدْمٍ، لا حبٍّ، و (لَا قِيمَتُهَا)، أي: قيمةُ النفقةِ.
стр. 1372
(وَلَا) يجبُ (عَلَيْهَا أَخْذُهَا)، أي: أَخذُ قيمةِ النفقةِ؛ لأنَّ ذلك مُعاوَضَةٌ، فلا يُجبَرُ عليه مَن امتَنَع منهما، ولا يَملِكُ الحاكمُ فَرضَ غيرِ (١) الواجبِ كدارهِمَ إلا بتَراضِيهِما، (فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ)، أي: على أَخذِ القيمةِ، (أَوْ) اتفقا (عَلَى تَأْخِيرِهَا، أَوْ تَعْجِيلِهَا مُدَّةً طَويلَةً أَوْ قَلِيلَةً؛ جَازَ)؛ لأنَّ الحقَّ لا يَعدُوهُما.
(وَلَهَا الكِسْوَةُ كُلَّ (٢) عَامٍ مَرَّةً فِي أَوَّلِهِ)، أي: أوَّلِ العامِ مِن زَمَنِ الوجوبِ؛ لأنَّه أوَّلُ وَقتِ الحاجةِ إلى الكسوةِ، فيُعطِيها كسوةَ السَّنةِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ تَرديدُ الكسوةِ عليها شيئاً فشيئاً، بل هو شيءٌ واحدٌ يُستَدامُ إلى أن يَبلَى، وكذا غِطاءٌ، ووِطاءٌ، وسِتارةٌ يحتاجُ إليها.
واختار ابنُ نصرِ اللهِ (٣): أنَّها كماعُونِ الدَّارِ (٤) ومُشطٍ؛ تجبُ بقَدرِ الحاجةِ.
ومتى انقضَى العامُ والكسوةُ باقيةٌ؛ فعليه كسوةٌ للجديدِ.
(وَإِذَا غَابَ) الزوجُ أو كان حاضراً (وَلَمْ يُنْفِقْ) على زوجتِه؛ (لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ مَا مَضَى) وكسوتُه ولو لم يَفرِضْها حاكمٌ، تَرَك الإنفاقَ
стр. 1373
لعُذرٍ أو لا؛ لأنَّه حقٌّ يجبُ مع اليَسارِ والإعسارِ، فلم يَسقُطْ بمُضيِّ الزمانِ؛ كالأجرةِ.
(وَإِنْ أَنْفَقَتْ) الزوجةُ (فِي غَيْبَتِهِ)، أي: غَيبةِ الزوجِ (مِنْ مَالِهِ فَبَانَ مَيِّتاً؛ غَرَّمَهَا الوَارِثُ) للزوجِ (مَا أَنْفَقَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ)؛ لانقطاعِ وجوبِ النفقةِ عليه بموتِه، فما قبَضَتهُ بعدَه لا حقَّ لها فيه، فيَرجِعُ عليها بِبَدَلِه.
(فَصْلٌ)
(وَمَنْ (١) تَسَلَّمَ زَوْجَتَهُ) التي يُوطَأُ مثلُها؛ وجَبَت عليه نفقتُها، (أَوْ بَذَلَتْ) تسليمَ (نَفْسِهَا)، أو بَذَلَه ولِيُّها (وَمِثْلُهَا يُوطَأُ)؛ بأن تمَّ لها تِسعُ سِنين؛ (وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا)، وكسوتُها، (وَلَوْ مَعَ صِغَرِ زَوْجٍ، وَمَرَضِهِ، وَجَبِّهِ، وَعُنَّتِهِ)، ويُجبَرُ الولِيُّ مع صِغَرِ الزوجِ على بَذلِ نفقتِها وكسوتِها مِن مالِ الصبيِّ؛ لأنَّ النفقةَ كأرشِ جنايتِه (٢).
ومَن بذَلَت التسليمَ وزوجُها غائبٌ؛ لم يُفرَضْ لها حتى يراسِلَهُ حاكمٌ، ويَمضِي زمنٌ يُمكِنُ قدومُهُ في مِثلِه.
(وَلَهَا)، أي: للزوجةِ (مَنْعُ نَفْسِهَا) مِن الزوجِ (حَتَّى تَقْبِضَ
стр. 1374
صَدَاقَهَا الحَالَّ)؛ لأنَّه لا يُمكِنُها استدراكُ مَنفعةَ البِضْعِ لو عَجَزَت عن أَخذِه بَعْدُ، ولها النفقةُ في مُدَّةِ الامتناعِ لذلك؛ لأنَّه بحقٍّ.
(فَإِنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا طَوْعاً) قبلَ قبضِ حالِّ الصدَاقِ، (ثُمَّ أَرَادَتِ المَنْعَ؛ لَمْ تَمْلِكْـ) ـهُ، ولا نفقةَ لها مُدَّةَ الامتناعِ.
وكذا لو تَساكَتَا بعدَ العقدِ فلم يَطلُبْها ولم تَبذِلْ نفسَها؛ فلا نفقةَ.
(وَإِذَا أَعْسَرَ) الزوجُ (بِنَفَقَةِ القُوتِ، أَوْ) أَعْسَرَ بـ (الكِسْوَةِ)، أي: كسوةِ المعسرِ، (أَوْ) أَعسَرَ بـ (بَعْضِهَا)، أي: بعضِ نفقةِ المعسرِ أو كسوتِه، (أَوْ) أَعسَرَ بـ (المَسْكَنِ)، أي: مَسكنِ مُعسِرٍ، أو صار لا يجدُ النفقةَ إلا يوماً دونَ يومٍ؛ (فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ) مِن زوجِها المعسرِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعاً في الرَّجلِ لا يجدُ ما يُنفِقُ على امرأتِه، قال: «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا» رواه الدارقطني (١).
стр. 1375
فتَفسَخُ فَوراً ومُتراخياً بإذنِ الحاكمِ، ولها الصبرُ مع مَنْعِ نفسِها وبدونِه، ولا يَمنَعُها تَكسُّباً ولا يحبِسُها.
(فَإِنْ غَابَ) زوجٌ موسرٌ (وَلَمْ يَدَعْ لَهَا نَفَقَةً، وَتَعَذَّرَ أَخْذُهَا مِنْ مَالِهِ، وَ) تعذَّرَت (اسْتِدَانَتُهَا عَلَيْهِ؛ فَلَهَا الفَسْخُ بِإِذْنِ حَاكِمٍ)؛ لأنَّ الإنفاقَ عليها مِن مَالِه مُتَعَذِّرٌ، فكان (١) لها الخيارُ؛ كحالِ الإعسارِ.
وإن مَنَع مُوِسرٌ نفقةً أو كسوةً أو بعضَهما، وقَدَرت على مالِه؛ أخَذَت كفايتَها وكفايةَ ولدِها وخادِمها بالمعروفِ بلا إذنِه.
فإن لم تَقدِرْ أَجْبَرَه الحاكمُ، فإن غَيَّبَ مالَه وصَبَر على الحبسِ؛ فلها الفسخُ؛ لتعَذُّرِ النفقةِ عليها مِن قِبَلِه.
стр. 1376
(بَابُ نَفَقَةِ الأَقَارِبِ وَالمَمَالِيكِ) مِن الآدَمِيِّينَ والبَهائِمِ
(تَجِبُ) النفقةُ كاملةً إذا كان المُنفِقُ عليه لا يَملِكُ شيئاً، (أَوْ تَتِمَّتُهَا) إذا كان يَملِكُ (١) البعضَ؛ (لأَبَوْيهِ وَإِنْ عَلَوْا)؛ لقولِه تعالى: (وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [البقرة: ٨٣]، ومِن الإحسانِ الإنفاقُ عليهما، (وَ) تجبُ النفقةُ أو تَتِمَّتُها (لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ)، ذَكراً كان أو أنثى؛ لقولِه تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ) [البقرة: ٢٣٣]، (حَتَّى ذَوِي الأَرْحَامِ مِنْهُمْ)، أي: مِن آبائِه وأمهاتِه؛ كأجدادِه المُدْلِين بإناثٍ، وجَدَّاتِه الساقِطاتِ، ومِن أولادِه؛ كولدِ البنتِ، سواءٌ (حَجَبَهُ)، أي: الغَنيَّ (مُعْسِرٌ)، فمَن له أبٌ وجدٌّ مُعسِران وجَبَت عليه نفقتُهُما ولو كان محجوباً مِن الجدِّ بأبيه المُعسِرِ، (أَوْ لَا)؛ بأن لم يَحجِبْهُ أحدٌ؛ كمَن له جَدٌّ مُعسِرٌ ولا أبَ له؛ فعليه نفقةُ جدِّه؛ لأنَّه وارِثُهُ.
(وَ) تجبُ النفقةُ أو إكمالُها (٢) لِـ (كُلِّ مَنْ يَرِثُهُ) المنفِقُ (بِفَرْضٍ)؛ كولدِ الأُمِّ، (أَوْ تَعْصِيبٍ)؛ كأخٍ وعمٍّ لغيرِ أُمٍّ، (لَا) لمن يرِثُهُ (بِرَحِمٍ)؛ كخالٍ وخالةٍ، (سِوَى عَمُودَيْ نَسَبِهِ)، كما سَبَق، (سَوَاءٌ وَرِثَهُ الآخَرُ؛ كَأَخٍ) للمنفقِ، (أَوْ لَا؛ كَعَمَّةٍ وَعَتِيقٍ)،
стр. 1377
وتكونُ النفقةُ على مَن تجبُ عليه (بِمَعْرُوفٍ (١)؛ لقولِه تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ٢٣٣]، ثم قال: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) [البقرة: ٢٣٣]، فأوجَبَ على الأبِ نفقةَ الرَّضاعِ، ثم أَوجَبَ مثلَ ذلك على الوارِثِ، وروى أبو داودَ: أنَّ رجلاً سألَ النَّبيَّ ﷺ : مَن أَبَرَّ؟ قال: «أُمَّكَ، وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ، وَأَخَاكَ»، وفي لفظٍ: «وَمَوْلَاكَ الَّذِي هُوَ أَدْنَاكَ، حَقًّا وَاجِباً وَرَحِماً مَوْصُولاً». (٢)
ويُشْتَرطُ لوجُوبِ نفقةِ القَريبِ ثلاثةُ شروطٍ:
الأوَّل: أن يكونَ المُنفِقُ وارثاً لمن يُنفِقُ عليه، وتقدَّمت الإشارةُ إليه (٣).
الثاني: فَقْرُ المُنفَقِ عليه، وقد أشار إليه بقولِه: (مَعَ فَقْرِ مَنْ تَجِبُ لَهُ) النفقةُ (وَعَجْزِهِ عَنْ تَكَسُّبٍ)؛ لأنَّ النفقةَ إنَّما تجبُ على
стр. 1378
سبيلِ المواساةِ، والغنِيُّ بِملكِه أو قدرتِه على التَّكسبِ مُستَغْنٍ عنِ المواساةِ، ولا يُعتبَرُ نَقصُهُ؛ فتَجِبُ لصحيحٍ مُكلَّفٍ لا حِرْفَةَ له.
الثالث: غِنَى المُنْفِقِ، وإليه الإشارةُ بقولِه: (إِذَا فَضَلَ) ما يُنفِقُهُ عليه (عَنْ قُوتِ نَفْسِهِ، وَزَوْجَتِهِ، وَرَقِيقِهِ؛ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ، وَ) عن (كِسْوَةٍ وَسُكْنَى) لنفسِه وزوجتِه ورقيقِه، (مِنْ حَاصِلٍ) في يدِهِ (أَوْ مُتَحَصِّلٍ) مِن صِناعةٍ، أو تِجارةٍ، أو أُجرةِ عقارٍ، أو رَيْعِ وَقفٍ، ونحوِه؛ لحديثِ جابرٍ مرفوعاً: «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيراً فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ فَعَلَى عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ فَعَلَى قَرَابَتِهِ» (١).
و(لَا) تجبُ نفقةُ القريبِ (مِنْ رَأْسِ مَالٍ) لتِجارةِ (٢)، (وَ) لا مِن (ثَمَنِ مُلْكٍ، وَ) لا مِن (آلَةِ صَنْعَةٍ)؛ لحصولِ الضَّررِ بوجوبِ الإنفاقِ مِن ذلك.
ومَن قَدِرَ أن يَكتسِبَ أُجبِرَ لنفقةِ قَريبِه.
(وَمَنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ أَبٍ) واحتاج للنفقةِ؛ (فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ)، أي: على وارِثِه (عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ) منه؛ لأنَّ اللهَ تعالى رتَّبَ النفقةَ على الإرثِ بقولِه: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) [البقرة: ٢٣٣]، فوَجَبَ أن يَترتَّبَ (٣) مِقدارُ النفقةِ على مقدارِ الإرثِ.
стр. 1379
(فَـ) مَن له أُمٌّ وجدُّ؛ (عَلَى الأُمِّ) مِن النفقةِ (الثُّلُثُ، وَالثُّلُثَانِ عَلَى الجَدِّ)؛ لأنَّه لو مات لوَرِثاه كذلك.
(وَمَنْ لَهُ جَدَّةٌ وَأَخٌ) لغيرِ أُمٍّ؛ (عَلَى الجَدَّةِ السُّدُسُ، وَالبَاقِي عَلَى الأَخِ)؛ لأنَّهما يَرِثانِه كذلك.
(وَالأَبُ يَنْفَرِدُ بِنَفَقَةِ وَلَدِهِ)؛ لقولِه ﵇ لهندٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (١).
(وَمَنْ لَهُ ابْنٌ فَقِيرٌ وَأَخٌ مُوسِرٌ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا)، أما ابنُه فلفَقرِه، وأما الأخُ فلِحَجْبِه بالابنِ.
(وَمَنْ) احتاج لنفقةٍ (٢) و (أُمُّهُ فَقِيرَةٌ وَجَدَّتُهُ مُوسِرَةٌ؛ فَنَفَقَتُهُ عَلَى الجَدَّةِ)؛ ليَسَارِها، ولا يَمنَعُ ذلك حَجْبُها بالأُمِّ؛ لعدمِ اشتراطِ الميراثِ في عَمُودَي النَّسبِ كما تقدَّم.
(وَمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ زَيْدٍ) مَثلاً لكونِه ابنَه، أو أباه، أو أخاه، ونحوَه؛ (فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ)؛ لأنَّ ذلك مِن حاجَةِ الفقيرِ؛ لدعاءِ ضرورتِه إليه، (كَـ) نفقةِ (ظِئْرٍ) مَن تجبُ نفقتُهُ فيجبُ الإنفاقُ عليها (لِحَوْلَيْنِ (٣) كامِلَين؛ لقولِه تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ
لأنَّهنَّ في معنى الأُمِّ؛ لتحَقُّقِ وِلادَتِهِنَّ؛ (ثُمَّ أَبٌ)، لأنَّه أَصلُ النَّسبِ، (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذلِكَ)، أي: القُربى فالقُربى؛ لأنَّهنَّ يُدْلِينَ بعَصَبةٍ قريبةٍ، (ثُمَّ جَدٌّ) كذلك الأقربُ فالأقربُ؛ لأنَّه في معنى أبي المحضُونِ، (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذلِكَ) القُربى فالقُربى، (ثُمَّ أُخْتٌ لأَبَوَيْنِ)؛ لتَقَدُّمِها في الميراثِ، (ثُمَّ) أُختٌ (لأَمٍّ)؛ كالجدَّاتِ، (ثُمَّ) أُختٌ (لأَبٍ، ثُمَّ خَالَةٌ لأَبَوَيْنِ، ثُمَّ) خالةٌ (لأَمٍّ، ثُمَّ) خالةٌ (لأَبٍ)؛ لأنَّ الخالاتِ يُدْلِين بالأُمِّ، (ثُمَّ عَمَّاتٌ كَذلِكَ)، أي: تُقدَّمُ العمَّةُ لأبوين، ثمَّ لأُمٍّ، ثمَّ لأبٍ؛ لأنَّهنَّ يُدْلِين بالأبِ، (ثُمَّ خَالَاتُ أُمِّهِ) كذلك، (ثُمَّ خَالَاتُ أَبِيهِ) كذلك، (ثُمَّ عَمَّاتُ أَبِيهِ) كذلك، ولا حضانةَ لعمَّاتِ الأُمِّ مع عمَّاتِ الأبِ؛ لأنَّهنَّ يُدْلِين بأبي الأُمِّ وهو مِن ذوي الأرحامِ، وعمَّاتِ الأبِ يُدْلِين بالأبِ وهو مِن أقربِ العصباتِ، (ثُمَّ بَنَاتُ إِخْوَتِهِ)، تُقَدَّمُ بنتُ أخٍ شقيقٍ، ثم بنتُ أخٍ لأُمٍّ، ثم بنتُ أخٍ لأبٍ، (وَ) مِثلُهُنَّ بناتُ (أَخَوَاتِهِ، ثُمَّ بَنَاتُ أَعْمَامِهِ) لأبوين، ثم لأُمٍّ، ثم لأبٍ، (وَ) بناتُ (عَمَّاتِهِ) كذلك، (ثُمَّ بَنَاتُ أَعْمَامِ أَبِيهِ)
стр. 1388
كذلك، (وَبَنَاتُ عَمَّاتِ أَبِيهِ) كذلك على التفصيلِ المتقدِّمِ.
(ثُمَّ) تَنتَقِلُ (لِبَاقِي العَصَبَةِ، الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ)، فتُقدَّمُ الإخوةُ ثم بَنوهم، ثم الأعمامُ ثم بَنوهم، ثم أعمامُ أبٍ ثم بَنوهم، وهكذا.
(فَإِنْ كَانَت) المحضونةُ (أُنْثَى فَـ) يُعتبَرُ أن يكونَ العَصبةُ (مِنْ مَحَارِمِهَا) ولو برضاعٍ أو مصاهرةٍ إن تمَّ لها سَبعُ سِنين، فإن لم يَكُن لها إلا عَصبةٌ غيرُ مَحْرَمٍ سلَّمَها لثقةٍ يختارُها أو إلى مَحْرمِه.
وكذا لو تزوَّجَت أُمٌّ وليس لولدِها غيرُها.
(ثُمَّ) تَنتَقِلُ الحضانةُ (لِذَوِي أَرْحَامِهِ) مِن الذُّكورِ والإناثِ غيرِ مَن (١) تَقدَّم، وأَوْلاهُم أبو أُمٍّ، ثم أمهاتُه، فأخٌ لأُمٍّ، فخالٌ، (ثُمَّ) تَنتَقِلُ (لِلحَاكِمٍ)؛ لعمومِ وِلايَتِه.
(وَإِنِ (٢) امْتَنَعَ مَنْ لَهُ الحَضَانَةُ) منها، (أَوْ كَانَ) مَن له الحضانةُ (غَيْرَ أَهْلٍ) للحضانةِ؛ (انْتَقَلَتْ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ)، يعني: إلى مَن يَليهِ؛ كوِلايةِ النكاحِ؛ لأنَّ وجودَ غيرِ المستحِقِّ كعدمِه.
(وَلَا حَضَانَةَ لِمَنْ فِيهِ رِقٌّ) ولو قلَّ؛ لأنَّها ولايةٌ وليس هو مِن أهلِها.
(وَلَا) حضانةَ (لِفَاسِقٍ)؛ لأنَّه لا يُوثَقُ به فيها، ولا حظَّ
стр. 1389
للمحضونِ في حضانَتِه.
(وَلَا) حضانةَ (لِكَافِرٍ) على مسلمٍ؛ لأنَّه أوْلَى بعدمِ الاستحقاقِ مِن الفاسقِ.
(وَلَا) حضانةَ (لِمُزَوَّجَةٍ بِأَجْنَبِيٍّ مِنْ مَحْضُونٍ مِنْ حِينِ عَقْدٍ)؛ للحديثِ السابقِ (١)، ولو رَضِيَ زوجٌ.
(فَإِنْ زَالَ المَانِعُ)؛ بأن عَتَقَ الرقيقُ، وتابَ الفاسقُ، وأسلَمَ الكافرُ، وطُلِّقت المزوَّجَةُ ولو رَجعيًّا؛ (رَجَعَ إِلَى حَقِّهِ)؛ لوجودِ السببِ وانتفاءِ المانعِ.
(وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ)، أي: أبوَيْ المحضونِ (سَفَراً طَوِيلاً) لغيرِ الضِّرارِ - قاله الشيخُ تقيُّ الدينِ، وابنُ القيمِ (٢)
- (إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ) مسافةَ قصرٍ فأكثرَ (لِيَسْكُنَهُ، وَهُوَ)، أي: البلدُ (وطَريقُهُ آمِنَانِ؛ فَحَضَانَتُهُ)، أي: المحضونِ (لأَبِيهِ)؛ لأنَّه الذي يَقومُ بتأديبِه وتخريجِه وحِفظِ نَسبِه، فإذا لم يَكُن الولدُ في بلَدِ الأبِ ضاعَ.
(وَإِنْ بَعُدَ السَّفَرُ) وكان (لِحَاجَةٍ) لا لسُكنى؛ فمُقيمٌ منهما أوْلَى،
стр. 1390
(أَوْ قَرُبَ) السفرُ (لَهَا)، أي: لحاجةٍ ويَعودُ؛ فالمقيمُ منهما أوْلَى؛ لأنَّ في السفرِ إضراراً به، (أَوْ) قَرُبَ السفرُ وكان (للسُّكْنَى؛ فَـ) الحضانةُ (لأُمِّهِ)؛ لأنَّها أتمُّ شفقةً، وإنَّما أخْرَجْتُ كلامَ المصنِّفِ عن ظاهرِه ليُوافِقَ ما في المنتهى وغيرِه (١).
(فَصْلٌ)
(وَإِذَا بَلَغَ الغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ) كامِلةً (عَاقِلاً؛ خُيِّر بَيْنَ أَبَوَيْهِ فَكَانَ مَعَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا) ، قضَى بذلك عمرُ (٢)،
стр. 1391
وعليٌّ ﵄ (١)، وروى سعيدٌ، والشافعيُّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ غُلَاماً بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ» (٢).
فإن اختارَ أباهُ كان عندَه ليلاً ونهاراً، ولا يُمنَعُ زيارةَ أُمِّه، وإن اختارَها كان عندَها ليلاً وعندَ أبيهِ نهاراً؛ ليُعَلِّمَه ويُؤَدِّبَه.
стр. 1392
وإن عادَ فاختار الآخرَ نُقِلَ إليه، ثمَّ إن اختارَ الأوَّل نُقِلَ إليه، وهكذا.
فإن لم يَختَرْ، أو اختارَهما؛ أُقْرِعَ.
(وَلَا يُقَرُّ) محضونٌ (بِيَدِ مَنْ لَا يَصُونُهُ وَيُصْلِحُهُ (١)؛ لفواتِ المقصودِ مِن الحضانةِ.
(وَأَبُو الأُنْثَى أَحَقُّ بِهَا بَعْدَ) أن تَستَكمِلَ السَّبعَ.
(وَيَكُونُ الذَّكَرُ) البالغُ (٢) (بَعْدَ) بلوغِه و (رُشْدِهِ حَيْثُ شَاءَ)؛ لأنَّه لم يَبْقَ عليه وِلايةٌ لأحدٍ، ويُستحبُّ له أن لا يَنفَرِدَ عن أبَوَيه.
(وَالأُنْثَى) منذُ يَتمُّ لها سبعُ سِنين (عِنْدَ أَبِيهَا) وجوباً (حَتَّى يَتَسَلَّمَهَا زَوْجُهَا)؛ لأنَّه أحفظُ لها وأحقُّ بولايَتِها مِن غيرِه، ولا تُمنَعُ الأُمُّ مِن زيارتِها إن لم يخَفْ منها.
ولو كان الأبُ عاجزاً عن حِفظِها أو يُهمِلُهُ لاشتغالِه عنه أو قِلَّةِ دينِه، والأُمُّ قائمةٌ
بحِفظِها؛ قُدِّمَت، قاله الشيخُ تقيُّ الدينِ، وقال: (إذا قُدِّرَ أنَّ الأبَ تزوَّجَ بِضَرَّةٍ وهو يَتركُها عند ضَرَّةِ أُمِّها لا تَعمَلُ مصلحتِها بل تُؤذِيها أو تُقصِّرُ في مَصلحتِها، وأُمُّها تَعمَلُ مَصلحَتَها ولا تُؤذيها؛ فالحضانةُ هنا للأُمِّ قَطعاً) (٣).
(كِتَابُ الجِنَايَاتِ)
جمعُ جنايةٍ، وهي لغةً: التَّعدِّي على بدنٍ، أو مالٍ، أو عرضٍ.
واصطلاحاً: التَّعدِّي على البَدَنِ بما يوجِبُ قِصاصاً أو مالاً.
ومَن قَتَل مُسلماً عمداً عدواناً فَسَق، وأمرُهُ إلى اللهِ، إن شاء عذَّبَه وإن شاء غَفَر له، وتوبتُهُ مَقبولةٌ.
(وَهِيَ)، أي: الجنايةُ ثلاثةُ أضرُبٍ:
(عَمْدٌ (١) يَخْتَصُّ القَوَدُ بِهِ)، والقَوَدُ: قَتلُ القاتِل بمَن قَتَلَهُ، (بِشَرْطِ القَصْدِ)، أي: أن يَقصِدَ الجاني الجنايةَ.
(وَ) الضربُ الثاني: (شِبْهُ عَمْدٍ).
(وَ) الثالثُ: (خَطَأٌ)، رُوي ذلك عن عمرَ، وعليٍّ ﵄ (٢).
стр. 1395
(فَـ) القتلُ (العَمْدُ: أَنْ يَقْصِدَ مَنْ يَعْلَمُهُ آدَمِيًّا مَعْصُوماً فَيَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ)، فلا قِصاصَ إن لم يَقصِدْ قَتلَهُ، ولا إن قَصَده بما لا يَقتُلُ غالباً.
وللعمدِ تِسعُ صُوَرٍ:
إحداها: ما ذَكَره بقولِه: (مِثْلُ أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ)، أي: نُفوذٌ (فِي البَدَنِ)؛ كسكِّينٍ، وشوكةٍ، ولو بِغَرْزِهِ بإبرةٍ ونحوِها، ولو لم يُدَاوِ مجروحٌ قادرٌ جُرحَهُ.
الثانيةُ: أن يَقتُلَهُ بمُثَقَّلٍ، كما أشار بقولِه: (أَوْ يَضْرِبَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ وَنَحْوِهِ)؛ كلُتٍّ (١)، وسَنْدَانٍ (٢)
стр. 1396
ولو في غيرِ مَقْتَلٍ (١)، فإن كان الحجرُ صغيراً فليس بعَمْدٍ إلا إن كان في مَقتَلٍ، أو حالِ ضعفِ قوةٍ مِن مرضٍ، أو صِغَرٍ، أو كِبَرٍ، أو حَرٍّ، أو بَرْدٍ، ونحوِه، أو يُعِيدُه به، (أَوْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ حَائِطاً) أو سَقفاً ونحوَهما (٢)، (أَوْ يُلْقِيَهُ مِنْ شَاهِقٍ) فيموتُ.
الثالثةُ: أن يُلقِيَه بجُحْرِ أسدٍ أو نحوِه، أو مَكتُوفاً بحَضْرَتِه، أو في مَضيقٍ بحَضْرَةِ حيَّةٍ، أو يُنهِشَه كلباً أو حيَّةً، أو يُلسِعَه عَقرباً مِن القَواتِلِ غالباً.
الرابعةُ: ما أشار إليه بقولِه: (أَوْ) يُلقِيَهُ (فِي نَارٍ، أَوْ مَاءٍ يُغْرِقُهُ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُمَا)؛ لعجزِه أو كثرتِهما، فإن أمْكَنَهُ فهَدَرٌ.
الخامسةُ: ذَكَرها بقولِه: (أَوْ يَخْنِقَهُ) بحَبْلٍ أو غيرِه، أو يَسُدَّ فمَه وأنفَه، أو يَعصِرَ خُصْيَتَيْهِ زَمَناً يموتُ في مثلِه.
السادسةُ: أشار إليها بقولِه: (أَوْ يَحْبِسَهُ وَيَمْنَعَهُ (٣) الطَّعَامَ أَوِ الشَّرَابَ فَيَمُوتَ مِنْ ذلِكَ فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِيهَا غَالِباً)، بشرطِ تعَذُّرِ الطَّلبِ عليه، وإلا فَهَدَرٌ.
стр. 1397
السابعةُ: ما أشار إليه (١) بقولِه: (أَوْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ) يَقتلُ غالباً.
الثامنةُ: المذكورةُ في قولِه: (أَوْ) يَقتلَهُ بـ (سُمٍّ)؛ بأن سَقاه سُمًّا لا يَعلَمُ به، أو يخلِطَهُ بطعامٍ ويُطعِمَه له، أو بطعامِ آكلِه فيأكُلَه جهلاً.
ومتى ادَّعى قاتِلٌ بسُمٍّ أو سِحرٍ عدمَ عِلمِه أنَّه قاتِلٌ؛ لم يُقبَلْ.
التاسعةُ: المشارُ إليها بقولِه: (أَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنةٌ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ) مِن زناً، أو رِدَّةٍ لا تُقبَلُ معها التَّوبةُ، أو قَتلِ عَمدٍ، (ثُمَّ رَجَعُوا)، أي: الشُّهودُ بعدَ قَتلِه (وَقَالُوا: عَمَدْنَا قَتْلَهُ).
فيُقادُ بهذا كلِّه (وَنَحْوَ ذلِكَ)؛ لأنَّهم توَصَّلوا (٢) إلى قتلِه بما يَقتلُ غالباً.
ويختَصُّ بالقِصاصِ مُباشرٌ للقَتْلِ عالِمٌ بأنَّه ظُلمٌ، ثم ولِيٌّ عالمٌ بذلك، فبيِّنةٌ وحاكمٌ عَلِموا ذلك.
(وَشِبْهُ العَمْدِ: أَنْ يَقْصِدَ جِنَايَةً لَا تَقْتُلُ غَالِباً وَلَمْ يَجْرَحْهُ بِهَا؛ كَمَنْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ بِسَوْطٍ، أَوْ عَصَا صَغِيرَةٍ) ونحوِها، (أَوْ لَكَزَهُ وَنَحْوَهُ) بيدِه، أو ألقاهُ في ماءٍ قليلٍ، أو صاحَ بعاقلٍ اغتَفَلَهُ، أو بصغيرٍ على سطحٍ فمات (٣).
стр. 1398
(وَ) قَتْلُ (الخَطَأِ: أَنْ يَفْعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ، مِثْلُ أَنْ يَرْمِيَ صَيْداً، أَوْ) يَرمِيَ (غَرَضاً، أَوْ) يَرمِيَ (شَخْصاً) مُباحَ الدَّمِ؛ كحربيٍّ وزانٍ مُحصَنٍ (فَيُصِيبَ آدَميًّا) مَعصوماً (لَمْ يَقْصِدْهُ) بالقتلِ فيَقتُلَه.
وكذا لو أراد قَطعَ لَحْمٍ أو غيرِه مما له فِعلُه فسَقَطَت منه السِّكينُ على إنسانٍ فَقَتَله، (وَ) كذا (عَمْدُ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ)؛ لأنَّه لا قَصدَ لهما، فهما كالمكلَّفِ المخطئِ، فالكفارةُ في ذلك في مالِ القاتِلِ، والدِّيةُ على عاقِلَتِه كما يأتي (١).
ويُصَدَّقُ إن قال: كنتُ يومَ قَتَلْتُه (٢) صغيراً أو مجنوناً وأمْكَن.
ومَن قَتَل بصَفِّ كُفارٍ مَن ظنَّهُ حربيًّا فبَان مُسلماً، أو رمَى كُفَّاراً تَتَرَّسوا بمسلمٍ وخِيفَ علينا إن لم نَرْمِهِم ولم يَقصِدْهُ، فَقَتَله؛ فعليه الكفارةُ فقط؛ لقولِه تعالى: (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [النساء: ٩٢]، ولم يَذْكُر الدِّيَةَ.
стр. 1399
(فَصْلٌ)
(تُقْتَلُ الجَمَاعَةُ) ، أي: الاثنانِ فأكثرَ (بِـ) الشخصِ (الوَاحِدِ) إن صَلُحَ فِعلُ كلِّ واحدٍ لقَتْلِه؛ لإجماعِ الصحابةِ، روى سعيدُ بنُ المسيّبِ: أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قَتَل سبعةً مِن أهلِ صنعاء قَتَلُوا رجلاً، وقال: «لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ جَمِيعاً» (١).
وإن لم يَصلُحْ فِعلُ كلِّ واحدٍ للقتلِ، فلا قِصاصَ، ما لم يَتَواطئوا عليه.
(وَإِنْ سَقَطَ القَوَدُ) بالعَفوِ عن القاتِلِين؛ (أَدَّوْا دِيَةً وَاحِدَةً)؛ لأنَّ القتلَ واحدٌ فلا يَلزَمُ به أكثرُ مِن ديةٍ؛ كما لو قَتَلُوه خطأً.
وإن جَرَح واحدٌ جَرحاً وآخرُ مائةً فهما سواءٌ.
وإن قَطَع واحدٌ حشْوَتَهُ (٢)، أو وَدَجَيْه (٣) ثم ذَبحَهُ آخرُ؛ فالقاتِلُ
стр. 1400
الأوَّلُ، ويُعَزَّرُ الثاني.
(وَمَنْ أَكْرَهَ مُكَلَّفَاً عَلَى قَتْلِ) مُعَيَّنٍ (مُكَافِئِهِ فَقَتَلَهُ؛ فَالقَتْلُ)، أي: القَوَدُ إن لم يَعْفُ ولِيُّه، (أَوِ الدِّيَةُ) إن عَفا (عَلَيْهِمَا)، أي: على القاتِلِ ومَن أكرهَه؛ لأنَّ القاتِلَ قَصَد استِبقاءَ نفسِه بقتلِ غيرِه، والمُكرِه تَسَبَّبَ إلى القتلِ بما يُفضِي إليه غالباً.
وقولُ قادِرٍ: اقتُلْ نفسَكَ وإلا قَتَلْتُكَ؛ إكراهٌ.
(وَإِنْ أَمَرَ) مُكلَّفٌ (بِالقَتْلِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ) لصغرٍ أو جنونٍ؛ فالقِصاصُ على الآمِرِ؛ لأنَّ المأمورَ آلةٌ له لا يُمكِن إيجابُ القِصاصِ عليه، فوَجَبَ على المُتسبِّبِ به.
(أَوْ) أمَرَ مكلَّفٌ بالقتلِ (مُكَلَّفاً يَجْهَلُ تَحْرِيمَهُ)، أي: تحريمَ القتلِ؛ كمَن نَشأَ بغيرِ بلادِ (١) الإسلامِ ولو عَبداً للآمِرِ؛ فالقِصاصُ على الآمرِ؛ لما تقدَّم.
(أَوْ أَمَرَ بِهِ)، أي: بالقتلِ (السُّلْطَانُ ظُلْماً مَنْ لَا يَعْرِفُ ظُلْمَهُ فِيهِ)، أي: في القتلِ؛ بأن لم يَعرِفْ المأمورُ أنَّ المقتولَ لم يَستحِقَّ القتلَ، (فَقَتَلَ) المأمورُ؛ (فَالقَوَدُ) إن لم يَعْفُ مستَحِقُّه، (أَوِ الدِّيَةُ) إن عَفا عنه (عَلَى الآمِرِ) بالقتلِ دونَ المباشِرِ؛ لأنَّه مَعذورٌ (٢)
стр. 1401
لوجوبِ طاعةِ الإمامِ في غيرِ المعصيةِ، والظاهرُ أنَّ الإمامَ لا يأمُرُ إلا بالحقِّ.
(وَإِنْ قَتَلَ المَأْمُورُ) مِن السلطانِ أو غيرِه (المُكَلَّفُ) حالَ كونِه (عَالِماً تَحْرِيمَ القَتْلِ؛ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ) بالقَوَدِ أو الدِّيةِ؛ لمباشرتِه القتلَ مع عدمِ العذرِ؛ لقولِه ﵇: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ» (١)، (دُونَ الآمِر) بالقتلِ، فلا ضمانَ عليه، لكن يُؤدَّبُ بما يَراه الإمامُ مِن ضَرْبٍ أو حَبْسٍ.
ومَن دَفَع إلى غيرِ مُكلَّفٍ آلةَ قتلٍ ولم يَأمُرْهُ به فقَتَل؛ لم يَلزَمْ الدافِعَ شيءٌ.
(وَإِنِ اشْتَرَكَ فِيهِ)، أي: في القتلِ (اثْنَانِ لَا يَجِبُ القَوَدُ عَلَى أَحَدِهِمَا) لو كان (مُفْرَداً لأُبُوَّةٍ) للمقتولِ (أَوْ غَيْرِهَا)؛ مِن إسلامٍ أو حريةٍ، كما لو اشتَرَك أبٌ وأجنبيٌّ في قتلِ ولدِه، أو حُرٌّ ورقيقٌ في قتلِ رقيقٍ، أو مسلمٌ وكافرٌ في قتل كافرٍ؛ (فَالقَوَدُ عَلَى الشَّرِيكِ) للأبِ في قتلِ ولدِه، وعلى شَريكِ الحرِّ والمسلمِ؛ لأنَّه شارَكَ في
стр. 1402
القتلِ (١) العمدِ العدوان (٢)، وإنَّما امتنعَ
القِصاصُ عن الأبِ والحرِّ والمسلمِ لمعنىً يختصُّ بهم، لا لقصورٍ في السببِ، بخلافِ ما لو اشتَرَكَ خاطئٌ وعامدٌ، أو مُكلَّفٌ (٣) وغيرُه، أو وليُّ قصاصٍ وأجنبيٌّ، أو مُكلَّفٌ وسَبُعٌ أو (٤) ومقتُولٌ في قتلِ نفسِه؛ فلا قِصاصَ.
(فَإِنْ عَدَلَ) وليُّ القِصاصِ (إِلَى طَلَبِ المَالِ) مِن شريكِ الأبِ ونحوِه؛ (لَزِمَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ)؛ كالشريكِ في إتلافِ مالٍ، وعلى شريكِ قِنٍّ نصفُ قيمةِ المقتولِ.
стр. 1403
(بَابُ شُرُوطِ) وجوب (القِصَاصِ)
(وَهِيَ أَرْبَعَةٌ):
أحدُها: (عِصْمَةُ المَقْتُولِ)؛ بأن لا يكونَ مُهدَرَ (١) الدمِ، (فَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ) حربيًّا أو نحوَه، (أَوْ) قَتَلَ (ذِمِّيٌّ) أو غيرُه (حَرْبِيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا)، أو زانياً مُحصَناً ولو قبلَ ثُبوتِه عندَ حاكمٍ؛ (لَمْ يَضْمَنْهُ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ) ولو أنَّه مثلُه.
الشرطُ (الثَّانِي: التَّكْلِيفُ)؛ بأن يكونَ القاتلُ بالغاً عاقلاً؛ لأنَّ القِصاصَ عقوبةٌ مُغلَّظةٌ، (فَلَا) يجبُ (قِصَاصَ عَلَى صغِيرٍ، وَلَا مَجْنُونٍ)، أو معتوهٍ؛ لأنَّه ليس لهم قصدٌ صحيحٌ.
الشرطُ (الثَّالِثُ: المُكَافَأَةُ) بين المقتولِ وقاتِلِه حالَ جنايةٍ؛ (بِأَنْ يُسَاوِيَهُ) القاتلُ (فِي الدِّينِ، وَالحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ)، يعني: بألا يَفضُلَ القاتلُ المقتولَ بإسلامٍ أو حريةٍ أو ملكٍ، (فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ) حُرٌّ أو عبدٌ (بِكَافِرٍ) كتابيٍّ أو مجوسيٍّ، ذميٍّ (٢) أو معاهدٍ؛ لقولِه ﵇: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» رواه البخاري، وأبو داودَ (٣).
(وَلَا) يُقتَلُ (حُرٌّ بِعَبْدٍ)؛ لحديثِ أحمدَ عن عليٍّ: «مِنَ السُّنَّةِ أَلَّا
стр. 1404
يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ» (١)، وروى الدارقطني عن ابنِ عباسٍ يرفعُهُ: «لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ» (٢).
وكذا لا يُقتَلُ حُرٌّ بمُبَعَّضٍ، ولا مُكاتَبٌ بقِنِّه؛ لأنه مالِكٌ لرقبتِه.
(وَعَكْسُهُ)؛ بأن قَتَل كافرٌ مسلماً، أو قِنٌّ أو مُبَعَّضٌ حُرًّا؛ (يُقْتَلُ) القاتلُ.