(ثُمَّ) يَليها (المُتَلَاحِمَةُ، وَهِيَ الغَائِصَةُ فِي اللَّحْمِ)، ولذلك اشتُقَّت منه.
(ثُمَّ) يَليها (السِّمْحَاقُ، وَهِيَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ) تُسمَّى السِّمْحاقَ، سُمِّيَت الجراحةُ الواصلةُ إليها بها؛ لأنَّ هذه الجراحةَ تأخُذُ في اللَّحمِ كلِّه حتى تصِلَ إلى هذه القِشرَةِ.
(فَهذِهِ الخَمْسُ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا، بَلْ) فيها (حُكُومَةٌ)؛ لأنَّه لا توقيفَ فيها في الشرعِ، فكانت كجِراحاتِ بقِيَّةِ البدنِ.
(وَفِي المُوضِحَةِ، وَهِيَ مَا تُوضِحُ اللَّحْمَ) - هكذا في خَطِّه، والصوابُ: العَظْمَ-، (وَتُبْرِزُهُ)، عَطفُ تفسيرٍ على تُوضِحُهُ (١)، ولو أبْرَزَتْهُ بقَدرِ إبرةٍ لمن يَنظُرُهُ: (خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ)؛ لحديثِ عمرو بنِ حَزْمٍ: «وَفِي المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ» (٢).
فإن عَمَّت رأساً ونزَلَت إلى وَجهٍ؛ فموضِحَتان.
(ثُمَّ) يَليها (الهَاشِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ العَظْمَ وَتَهْشِمُهُ)، أي: تَكسِرُهُ، (وَفِيهَا عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ)، رُوي عن زيدِ بنِ ثابتٍ (٣)، ولم يُعرَفْ
стр. 1444
له مخالِفٌ في عَصرِه مِن الصحابةِ.
(ثُمَّ) يَليها (المُنَقِّلَةُ، وَهِيَ (١) مَا تُوضِحُ) العَظْمَ (وَتَهْشِمُـ) ـهُ (وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، وَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ)؛ لحديثِ عمرو بنِ حَزْمٍ.
(وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ المَأْمُومَةِ)، وهي التي تَصِلُ إلى جِلدَةِ الدِّماغِ، وتُسمَّى الآمَّةَ، وأُمَّ الدماغِ، (وَالدَّامِغَةِ) - بالغينِ المعجمةِ- التي تَخرِقُ الجِلدَةَ؛ (ثُلُثُ الدِّيَةِ)؛ لحديثِ عمرو بنِ حَزْمٍ: «فِي المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» (٢)، والدَّامِغَةُ أبلغُ.
وإن هَشَمَه بمُثَقَّلٍ ولم يُوضِحْهُ، أو طَعَنَه في خدِّه فوَصَلَ إلى فَمِه؛ فحُكومةٌ، كما لو أدْخَلَ غيرُ زوجٍ أصبعَهُ فَرجَ (٣) بِكرٍ.
(وَفِي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ)؛ لما في كتابِ عمرو بنِ حَزْمٍ: «فِي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» (٤)، (وَهِيَ)، أي: الجائفةُ (الَّتِي تَصِلُ إِلى بَاطِنِ الجَوْفِ)؛ كبطنٍ ولو لم تَخرِقْ مِعاءً، وظَهرٍ، وصَدرٍ، وحَلقٍ، ومَثانةٍ، وبينَ خُصيتين، ودُبُرٍ.
وإن أدخَلَ السَّهمَ مِن جانبٍ فخرَجَ مِن آخرَ؛ فجائفتان، رواه
стр. 1445
سعيدُ بنُ المسيّبِ عن أبي بكرٍ (١).
ومَن وطِئَ زوجةً لا يوطَأُ مِثلُها فخَرَقَ ما بين مخرَجِ بولٍ ومنِيٍّ، أو ما بينَ السبيلَيْنِ؛ فعليه الدِّيةُ إن لم يَستَمسِكْ بولٌ، وإلا فثُلُثُها.
وإن كانت ممَّن يوطَأُ مِثلُها لمثلِه؛ فهَدَرٌ.
(وَ) يجبُ (فِي الضِّلَعِ (٢) إذا جُبِرَ كما كان؛ بعيرٌ، (وَ) يجبُ في (كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ التَّرْقُوَتَيْنِ (٣)؛ بَعِيرٌ)؛ لما روى سعيدٌ عن عمرَ ﵁: «فِي الضِّلَعِ جَمَلٌ، وفِي التَّرْقُوَةُ جَمَلٌ» (٤)،
والتَّرقوةُ: العَظْمُ
стр. 1446
المُستَديرُ حَولَ العُنقِ مِن النَّحرِ إلى الكَتِفِ، ولكلِّ إنسانٍ تَرقُوَتان.
وإن انْجَبَر الضِّلَعُ أو التَّرقُوَةُ غيرُ مُستَقِيمَينِ؛ فحُكومةٌ.
(وَ) يجبُ (فِي كَسْرِ الذِّرَاعِ - وَهُوَ السَّاعِدُ الجَامِعُ لِعَظْمَيِ الزِّنْدِ (١) وَالعَضُدِ-، وَ) في (الفَخِذِ، وَ) في (السَّاقِ)، والزَّندِ (إِذَا جُبِرَ ذلِكَ مُسْتَقِيماً؛ بَعِيرَانِ)؛ لما روى سعيدٌ عن عمرو بنِ شُعيبٍ (٢): أنَّ عمرو بنَ العاصِ كَتَب إلى عمرَ في أحَدِ الزَّنْدَيْن إذا كُسِرَ، فكَتَبَ إليه عمرُ: «أَنَّ فِيهِ بَعِيرَيْنِ، وَإِذَا كُسِرَ الزَّنْدَانِ فَفِيهِمَا أَرْبَعَةٌ مِنَ الإِبِلِ» (٣)، ولم يَظهَرْ له مخالفٌ مِن الصحابةِ.
стр. 1447
(وَمَا عَدَا ذلِكَ) المذكورَ (مِنَ الجِرَاحِ وَكَسْرِ العِظَامِ)؛ كخَرَزَةِ صُلْبٍ (١)، وعُصْعُصٍ (٢)، وعانةٍ؛ (فَفِيهِ حُكُومَةٌ).
(وَالحُكُومَةُ: أَنْ يُقَوَّمَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِيَ)، أي: الجنايةُ (بِهِ قَدْ بَرِئَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنَ القِيمَةِ فَلَهُ)، أي: للمجني عليه (مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنَ الدِّيَةِ، كَأَنَّ)، أي: لو قَدَّرْنا أنَّ (قِيمَتَهُ)، أي: قيمةَ المجنيِّ عليه لو كان (عَبْداً سَلِيماً) مِن الجنايةِ (سِتُّونَ، وَقِيمَتَهُ بِالجِنَايَةِ خَمْسُونَ؛ فَفِيهِ)، أي: في جُرْحِه (سُدُسُ دِيَتِهِ)؛ لنَقصِه بالجنايةِ سُدُسُ قيمتِه، (إِلَّا أَنْ تَكُونَ الحُكُومَةُ فِي مَحَلٍّ لَهُ مُقَدَّرٌ) مِن الشرعِ؛ (فَلَا (٣) يُبْلَغُ بِهَا)، أي: بالحكومةِ (المُقَدَّرُ)؛ كشجَّةٍ دونَ الموضِحَةِ لا تَبلُغُ حُكومَتُها أرشَ الموضِحَةِ.
وإن لم تُنقِصْهُ الجنايةُ حالَ بُرْءٍ؛ قُوِّمَ حالَ جَريانِ دمٍ، فإن لم تُنقِصْه أيضاً، أو زادَتْه حُسْناً؛ فلا شيءَ فيها.
стр. 1448
(بَابُ العَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُهُ) العاقلةُ
(عَاقِلَةُ الإِنْسَانِ) ذُكورُ (عَصَبَاتِهِ كُلِّهِمْ مِنَ النَّسَبِ وَالوَلَاءِ، قَرِيبُهُمْ)؛ كالإخوةِ، (وَبَعِيدُهُمْ)؛ كابنِ ابنِ ابنِ عمِّ (١) جدِّ الجاني، (حَاضِرِهِمْ وَغَائِبِهِمْ، حَتَّى عَمُودَيْ نَسَبِهِ)، وهم آباءُ الجاني وإن عَلَوا، وأبناؤه وإن نَزَلوا، سواءٌ كان الجاني رجلاً أو امرأةً؛ لحديثِ أبي هريرةَ: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيْتاً بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ التي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالغُرَّةِ تُوُفِّيَت، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِزَوْجِهَا وَبَنِيهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا» متفقٌ عليه (٢)، يُقالُ: عَقَلْتُ عن فلانٍ: إذا غَرِمْتُ عنه ديةَ جِنايَتِه.
ولو عُرِفَ نَسَبَهُ مِن قبيلةٍ ولم يُعلَمْ مِن أيِّ بطونِها؛ لم يَعقِلوا عنه.
ويَعقِلُ هَرِمٌ، وزَمِنٌ، وأعمى أغنياءُ.
(وَلَا عَقْلَ عَلَى رَقِيقٍ)؛ لأنَّه لا يَملِكُ، ولو مَلَك فمُلْكُهُ ضعيفٌ، (وَ) لا على (غَيْرِ مُكَلَّفٍ)؛ كصغيرٍ ومجنونٍ؛ لأنَّهما ليسَا
стр. 1449
مِن أهْلِ النُّصرَةِ، (وَ) لا على (فَقِيرٍ) لا يَملِكُ نصابَ زكاةٍ عندَ حُلُولِ الحَولِ فاضِلاً عنه؛ كحجٍّ، وكفارةِ ظهارٍ (١)، ولو مُعْتَمِلاً؛ لأنَّه ليس مِن أهلِ المواساةِ، (وَلَا أُنْثَى، وَلَا مُخَالِفٍ (٢) لِدِينِ الجَانِي)؛ لفواتِ المعاضَدَةِ والمناصرَةِ.
ويَتَعاقَلُ أهلُ ذِمَّةٍ اتَّحَدَت مِلَلُهُم.
وخطأُ إمامٍ وحاكمٍ في حكمِهِما في بيتِ المالِ.
ومَن لا عاقِلَةَ له، أو له وعَجَزَت؛ فإن كان كافراً فالواجِبُ عليه، وإن كان مسلماً فمِن بيتِ المالِ حالًّا إن أمْكَنَ، وإلا سَقَط.
(وَلَا تَحْمِلُ العَاقِلَةُ) مالاً، وَلَا (٣) (عَمْداً مَحْضاً) ولو لم يَجِبْ به قِصاصٌ؛ كجائفةٍ ومأمومةٍ؛ لأنَّ العامِدَ غيرُ معذورٍ فلا يَستحِقُّ المواساةَ، وخَرَج بالمحضِ شِبْهُ العَمْدِ فتَحمِلُه.
(وَلَا) تحمِلُ العاقلةُ أيضاً (عَبْداً)، أي: قيمةَ عبدٍ قَتَلَه الجاني، أو قَطَع طَرَفَهُ، ولا تحمِلُ أيضاً جِنايتَه.
(وَلَا) تحمِلُ أيضاً (صُلْحاً) عن إنكارٍ، (وَلَا اعْتِرَافاً لَمْ تُصَدِّقْهُ بِهِ)؛ بأن يُقِرَّ على نفسِه بجِنايةٍ وتُنكِرُ العاقلةُ؛ روى ابنُ عباسٍ
стр. 1450
مرفوعاً: «لَا تَحْمِلُ العَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا»، ورُوي عنه موقوفاً (١).
(وَلَا) تحمِلُ العاقِلَةُ أيضاً (مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ التَّامَّةِ)، أي: ديَةُ ذَكَرٍ حُرٍّ مسلمٍ؛ لقضاءِ عمرَ: «أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ شَيْئاً حَتَّى يَبْلُغَ عَقْلَ المَأْمُومَةَ» (٢)، إلا غُرَّةَ جَنينٍ مات بعدَ أُمِّهِ أو معها بجنايةٍ واحدةٍ
стр. 1451
لا قبلَها.
ويُؤجَّلُ ما وَجَب بشِبهِ العمدِ والخطأ على ثلاثِ سِنين.
ويَجتهِدُ الحاكمُ في تَحميلِ كلٍّ منهم ما يَسهُلُ عليه، ويَبدَأُ بالأقرَبِ فالأقرَبِ، لكن تُؤخَذُ مِن بَعِيدٍ لغيبةِ قريبٍ.
(فَصْلٌ) في كفارةِ القتلِ
(مَنْ قَتَلَ نَفْساً مُحَرَّمَةً) ولو نفسَه، أو قِنَّهُ، أو مُستأمناً، أو جَنيناً، أو شاركَ في قَتْلِها (خَطَأً)، أو شِبهَ عَمدٍ، (مُبَاشَرَةً أَوْ تَسَبُّباً)؛ كحَفرِه بِئراً؛ (فَعَلَيْهِ)، أي: على القاتِلِ ولو كافراً، أو قِنًّا، أو صغيراً، أو مجنوناً (الكَفَّارَةُ)؛ عِتْقُ رقبةٍ، فإن لم يَجِدْ فصيامُ شَهرين مُتتابعَينِ، ولا إطعامَ فيها.
стр. 1452
وإن كانت النَّفْسُ مباحةً؛ كباغٍ والقتلُ قِصاصاً، أو حدًّا، أو دَفْعاً عن نفسِه؛ فلا كفارةَ.
ويُكَفِّرُ قِنٌّ بصومٍ، ومِن مالِ غيرِ مكلَّفٍ ولِيُّهُ.
وتَتَعدَّدُ بِتَعدُّدِ قَتْلٍ.
стр. 1453
(بَابُ القَسَامَةِ)
(وَهِيَ) لغةً: اسمٌ القسمُ أُقِيمَ مقامَ المصدرِ، مِن قولِهم: أَقْسَمَ إقْساماً وقَسَامةً.
وشرعاً: (أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ فِي دَعْوَى قَتْلِ مَعْصُومٍ)، روى أحمدُ، ومسلمٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَرَّ القَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ» (١).
ولا تَكون في دَعوَى قَطعِ طرفٍ ولا جُرحٍ.
و(مِنْ شَرْطِهَا)، أي: القَسامةِ: (اللَّوْثُ (٢)، وَهُوَ العَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ؛ كَالقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضاً بِالثَّأْرِ)، وكما بينَ البُغاةِ وأهلِ العَدلِ، وسواءٌ وُجِد مع اللَّوْث أثَرُ قَتلٍ أوْ لا.
(فَمَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ القَتْلُ مِنْ غَيْرِ لَوْثٍ؛ حَلَفَ يَمِيناً وَاحِدَةً وَبَرِئَ) حيثُ لا بيِّنةَ للمدَّعِي؛ كسائرِ الدَّعاوي، فإن نَكَل قُضِيَ عليه بالنُّكولِ إن لم تكنِ الدَّعوى بقَتلِ عمدٍ، فإن كانت به لم يَحلِفْ،
стр. 1454
وخُلِّيَ سبيلُهُ.
ومِن شَرْطِ القَسامةِ أيضاً: تكليفُ مُدَّعىً عليه القتلُ، وإمكانُ القَتلِ منه، ووَصفُ القَتلِ في الدَّعْوَى، وطَلَبُ جميعِ الورثةِ، واتفاقُهُم على الدَّعوى، وعلى عَينِ القاتِلِ، وكونُ فيهم ذكورٌ مُكلَّفون، وكونُ الدَّعوَى على واحدٍ مُعَيَّنٍ.
ويُقَادُ فيها إذا تَمَّت الشُّروطُ.
(وَيُبْدَأُ بِأَيْمَانِ الرِّجَالِ مِنْ وَرَثَةِ الدَّمِ؛ فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً)، وتُوَّزَّعُ بينهم بِقَدْرِ إرثِهِم، ويُكَمَّلُ كَسْرٌ، ويُقضى لهم.
ويُعتبَرُ حُضورُ مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه وقْتَ حَلِفٍ.
ومتى حَلَف الذُّكورُ فالحَقُّ حتَّى في عَمْدٍ لجميعِ الورثةِ.
(فَإِنْ نَكَلَ الوَرَثَةُ) عن الخمسينَ يَميناً أو عن بعضِها، (أَوْ كَانُوا)، أي: الورثةُ كلُّهُم (نِسَاءً؛ حَلَفَ المُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِيناً وَبَرِئَ) إن رَضِيَ الورثةُ، وإلا فَدَى الإمامُ القتيلَ مِن بيتِ المالِ؛ كمَيِّتٍ في زَحْمَةِ جمعةٍ وطوافٍ.
стр. 1455
(كِتَابُ الحُدُودِ)
جمعُ حدٍّ، وهو لغةً: المَنْعُ، وحدودُ اللهِ محارِمُه.
واصطلاحاً: عُقوبةٌ مُقدَّرةٌ شرعاً في مَعصيةٍ لتَمْنَعَ مِن الوقوعِ في مثلِها.
(لَا يَجِبُ الحَدُّ إِلَّا عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ)؛ لحديثِ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ (١)» (٢)،
(مُلْتَزِمٍ) أحكامَ المسلمين؛ مُسلماً كان أو ذِمَّيًّا،
وتحرُمُ شفاعةٌ وقبولُها في حدٍّ للهِ تعالى بعدَ أن يَبلُغَ الإمامَ.
ولسيِّدٍ مكلَّفٍ عالمٍ به وبشروطِهِ إقامتُه بجَلْدٍ، وإقامةُ تعزيرٍ على رقيقٍ كلِّه له.
(وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الحَدِّ قَائِماً)؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى إعطاءِ كلِّ عُضْوٍ حظَّه (١) مِن الضَّرْبِ، (بِسَوْطٍ) وسَطٍ (لَا جَدِيدٍ وَلا خَلَقٍ) -بفتحِ الخاءِ (٢) -؛ لأنَّ الجديدَ يجرحُهُ، والخَلَقَ لا يُؤلِمُهُ.
(وَلَا يُمَدُّ، وَلَا يُرْبَطُ، وَلَا يُجَرَّدُ) المحدودُ مِن ثيابِهِ عندَ جلْدِه؛
стр. 1460
لقولِ ابنِ مسعودٍ: «لَيْسَ فِي دِينِنَا مَدٌّ، وَلَا قَيْدٌ، وَلَا تَجْرِيدٌ» (١)، (بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَوْ قَمِيصَانِ)، وإن كان عليه فَروٌ أو جُبةٌ محشُوَّةٌ نُزِعَت.
(وَلَا يُبَالَغُ بِضَرْبِهِ بِحَيْثُ يَشُقُّ الجِلْدَ)؛ لأنَّ المقصودَ تأديبُه لا إهلاكُه، ولا يَرفَعُ ضاربٌ يدَهُ بحيثُ يَبدو إبطُهُ.
(وَ) سُنَّ أن (يُفَرَّقَ الضَّرْبُ عَلَى بَدَنِهِ)؛ ليأخُذَ كلُّ عضوٍ منه حظَّه، ولأنَّ تواليَ الضربِ على عُضوٍ واحدٍ يُؤدِّي إلى القتلِ.
وُيكثِرُ منه في مواضِعِ اللَّحمِ؛ كالأَلْيتين، والفخذَيْنِ، ويُضرَبُ مِن جالِسٍ ظهرُه وما قاربَهُ.
(وَيُتَّقَى) وُجوباً (الرَّأْسُ، وَالوَجْهُ، وَالفَرْجُ، وَالمَقَاتِلُ)؛ كالفؤادِ، والخُصْيَتَيْنِ؛ لأنَّه ربَّما أدَّى ضَرْبُه على شيءٍ مِن هذه إلى قَتْلِه أو ذهابِ مَنفعةٍ.
(وَالمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِيهِ)، أي (٢): فيما ذُكِر، (إِلَّا أَنَّهَا تُضْرَبُ جَالِسَةً)؛ لقولِ عليٍّ ﵁: «تُضْرَبُ المَرْأَةُ جَالِسَةً، وَالرَّجُلُ
стр. 1461
قَائِماً» (١)، (وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا لِئَلاَّ تَنْكَشِفَ)؛ لأنَّ المرأةَ عورةٌ، وفِعْلُ ذلك بها أسْتَرُ لها.
وتُعتبَرُ لإقامَتِه نيَّةٌ، لا موالاةٌ.
(وَأَشَدُّ الجَلْدِ) في الحدودِ (جَلْدُ الزِّنَا، ثُمَّ) جَلْدُ (القَذْفِ، ثُمَّ) جَلْدُ (الشُّرْبِ، ثُمَّ) جَلْدُ (التَّعْزِيرِ)؛ لأنَّ اللهَ تعالى خَصَّ الزِّنا بمزيدِ تأكيدٍ بقولِه: (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) النور: ٢]، وما دونَه أخفُّ منه في العَدَدِ، فلا يجوزُ أن يَزيدَ عليه في الصِّفةِ.
ولا يُؤخَّرُ حَدٌّ لمرضٍ ولو رُجِيَ زوالُهُ، ولا لِحَرٍّ أو بردٍ ونحوِهِ، فإن خِيفَ مِن السَّوطِ لم يَتعَيَّنْ، فيُقامُ بطَرَفِ ثوبٍ ونحوِه.
ويُؤخَّرُ لسُكْرٍ حتى يَصحُوَ.
(وَمَنْ مَاتَ فِي حَدٍّ فَالحَقُّ قَتَلَهُ)، ولا شيءَ على مَن حدَّهُ؛ لأنَّه أتى به على الوجهِ المشروعِ بأمرِ الله تعالى وأمْرِ رسولِه ﵇.
ومَن زاد ولو جلدةً، أو في السَّوطِ، أو بسوطِ لا يَحتَمِلُهُ فتَلِفَ المحدودُ؛ ضَمِنَه بِدِيَتِه.
(وَلَا يُحْفَرُ لِلمَرْجُومِ فِي الزِّنَا)، رَجلاً كان أو امرأةً؛ «لأَنَّ النَّبِيَّ
стр. 1462
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْفُرْ للجُهَنِيَّةِ» (١)، «وَلَا لليَهُودِيَّيْنِ» (٢)، لكن تُشَدُّ على المرأةِ ثيابُها لئلا تَنكشِفَ.
ويجبُ في إقامةِ حَدِّ الزِّنا حضورُ إمامٍ أو نائبِهِ، وطائفةٍ مِن المؤمنين ولو واحداً.
وسُنُّ حضورُ مَن شَهِد، وبداءتُهُم برجْمٍ.
стр. 1463
(بَابُ حَدِّ الزِّنَا (١)
وهو: فِعلُ الفاحشةِ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ.
(إِذَا زَنَا) المكلَّفُ (المُحْصَنُ؛ رُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ)؛ لقولِهِ ﷺ ، وفِعلِه (٢).
ولا يُجلَدُ قبلَه (٣)، ولا يُنفَى.
(والمُحْصَنُ: مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ المُسْلِمَةَ، أَوْ الذِّمِّيَّةَ)، أو المستأمِنَةَ (فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ) في قُبُلِها، (وَهُمَا)، أي: الزوجان (بَالِغَانِ، عَاقِلَانِ، حُرَّانِ، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا)، أي: مِن هذه الشروطِ المذكورةِ (فِي أَحَدِهِمَا)، أي: أحدِ الزوجين؛ (فَلا إِحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا).
ويَثبُتُ إحصانُه بقولِه: وطِئْتُها، ونحوُهُ، لا بوَلَدِه منها مع إنكارِ وطْئِهِ.
стр. 1464
(وَإِذَا زَنَى) المكلَّفُ (الحُرُّ غَيْرُ المُحْصَنِ؛ جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ)؛ لقولِه تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢]، (وَغُرِّبَ) أيضاً مع الجلدِ (عَاماً)؛ لما روى الترمذيُّ عن ابنِ عمرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ» (١).
(وَلَوْ) كان المجلودُ (امْرَأَةً)؛ فتُغَرَّبُ مع مَحْرَمٍ، وعليها أجرتُهُ، فإن تعَذَّر المحرَمُ فَوَحدَها إلى مسافةِ القصرِ.
ويُغَرَّبُ غريبٌ إلى غيرِ وطنِهِ.
(وَ) إذا زنى (الرَّقِيقُ) جُلِدَ (خَمْسِينَ جَلْدَةً)؛ لقولِهِ تعالى: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: ٢٥]،
стр. 1465
والعذابُ (١) المذكورُ في القرآنِ مائةُ جلدةٍ لا غيرَ، (وَلا يُغَرَّبُ) الرقيقُ؛ لأنَّ التَّغريبَ إضرارٌ بسيِّدِه.
ويُجلَدُ ويُغرَّبُ مُبعَّضٌ بحسابِه.
(وَحَدُّ لُوطِيٍّ) فاعِلاً كان أو مَفعولاً (٢) (كَزَانٍ)، فإن كان مُحصَناً فحدُّه الرَّجمُ، وإلا جُلِدَ مائةً وغُرِّبَ عاماً، ومملوكُه كغيرِه.
ودُبُرُ أجنبيَّةٍ كلواطٍ.
(وَلَا يَجِبُ الحَدُّ) للزِّنا (إِلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ):
(أَحَدُهَا: تَغْيِيبُ حَشَفَتِهِ الأَصْلِيَّةِ كُلِّهَا)، أو قَدْرِها لعَدَمٍ، (فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ أَصْلِيَّيْنِ مِنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ)، فلا يُحَدُّ مَن قَبَّل، أو باشَر دونَ الفَرْجِ، ولا مَن غيَّب بعضَ الحشَفَةِ، ولا مَن غَيَّب الحشفةَ الزائدةَ، أو غَيَّبَ الأصليَّةَ في زائدٍ أو ميتٍ أو في بهيمةٍ، بل يُعَزَّرُ وتُقتَلُ البهيمةُ.
وإنما يُحَدُّ الزاني إذا كان الوطءُ المذكورُ (حَرَاماً مَحْضاً)، أي: خالِياً عن الشُّبهةِ، وهو معنى قولِه:
الشرطُ (الثَّانِي: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ)؛ لقولِه ﵇: «ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبَهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٣).
(فَلَا يُحَدُّ بِوَطْءِ أَمَةٍ لَهُ فِيهَا شِرْكٌ)، أو مُحَرَّمةٍ برَضاعٍ ونحوِه، (أَوْ لِوَلَدِهِ) فيها شِرْكٌ، (أَوْ وَطِئَ امْرَأَةً) في منزلِه (ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ، أَوْ) ظَنَّها (سُرِّيَّتَهُ)؛ فلا حدَّ، (أَوْ) وطِئَ امرأةً (فِي نِكَاحٍ بَاطِلٍ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، أَوْ) وَطئ امرأةً في (نِكَاحٍ) مختلَفٍ فيه؛ كمتعةٍ، أو بلا وليٍّ ونحوِه، (أَوْ) وَطئ أمةً في (مُلْكٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ) بعد قبضِه؛ كشراءِ فضوليٍّ ولو قبلَ الإجازةِ، (وَنَحْوِهِ)، أي: نحوِ ما ذُكِر؛ كجهلِ تحريمِ الزِّنا مِن قريبِ عهدٍ بإسلامٍ، أو ناشئٍ بباديةٍ (١) بعيدةٍ، (أَوْ أُكْرِهَتِ المَرْأَةُ) المزنيُّ بها (عَلَى الزِّنَا)؛ فلا حدَّ، وكذا مَلُوطٍ به
стр. 1468
أُكْرِه بإلجاءٍ، أو تهديدٍ (١)، أو منْعِ طعامٍ أو شرابٍ، مع اضطرارٍ (٢) فيهما (٣).
الشرطُ (الثَّالِثُ: ثُبُوتُ الزِّنَا، وَلَا يَثْبُتُ) الزنا (إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ):
(أَحَدُهُما: أَنْ يُقِرَّ بِهِ)، أي: بالزنا مكلَّفٌ ولو قِنًّا (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ)؛ لحديثِ ماعِزٍ (٤)، وسواءٌ كانت الأربعُ (فِي مَجْلِسٍ، أَوْ مَجَالِسَ).
(وَ) يُعتبَر أن (يُصَرِّحَ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الوَطْءِ)، فلا تَكفي الكنايةُ؛ لأنَّها تحتَمِلُ ما لا يوجِبُ الحدَّ، وذلك شُبهةٌ تَدرأُ الحدَّ.
(وَ) يُعتبَرُ أن (لَا يَنْزِعَ)، أي: يَرجِعَ (عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الحَدُّ)، فلو رَجَع عن إقرارِه، أو هَرَب؛ كُفَّ عنه.
ولو شَهِدَ أربعةٌ على إقرارِه به أربعاً فأنكرَ، أو صدَّقَهم دونَ أربعٍ؛ فلا حَدَّ عليه ولا عليهم.
стр. 1469
الأمرُ (الثَّانِي) مما يَثبُتُ به الزنا: (أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِزِنَا وَاحِدٍ يَصِفُونَهُ)، فيقولون: رأيْنَا ذَكَرَهُ في فَرْجِها كالمِرْوَدِ في المُكْحَلَةِ والرِّشَاءِ في البئرِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا أقَرَّ عنده ماعزٌ، قال له: «أَنِكْتَهَا لا تُكَنِّي؟ »، قال: نعم، قال: «كَمَا يَغِيبُ المِرْوَدُ فِي المُكْحُلَةِ، وَالرِّشَاءُ فِي البِئْرِ؟ »، قال: نعم (١). وإذا اعتُبِر التَّصريحُ في الإقرارِ فالشهادةُ أوْلَى، (أَرْبَعَةٌ) فاعلُ (يَشْهَد)؛ لقولِه تعالى: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) [النور: ٤].
ويُعتبَرُ أن يكونوا (مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ)، أي: في الزنا؛ بأن يكونوا رجالاً، عُدُولاً، ليس فيهم مَن به مانِعٌ مِن عَمَى أو زوجيِّةٍ،
стр. 1470
(سَوَاءٌ أَتَوْا الحَاكِمَ جُمْلَةً أَوْ مُتَفَرِّقِينَ)، فإن شهِدُوا في مجلسَيْنِ فأكثرَ، أو لم يُكمِلْ بعضُهُم الشهادةَ، أو قامَ به مانعٌ؛ حُدُّوا للقذفِ؛ كما لو عَيَّن اثنان يوماً أو بلداً أو زاويةً مِن بيتٍ كبيرٍ، وآخَران آخَرَ.
(وَإِنْ حَمَلَتِ امْرَأَةٌ لا زَوْجَ لَهَا وَلا سَيِّدَ؛ لَمْ تُحَدَّ بِمُجَرَّدِ ذلِكَ) الحملِ، ولا يجبُ أن تُسْأَلَ؛ لأنَّ في سؤالِها عن ذلك إشاعةَ الفاحشةِ، وذلك مَنهيٌّ عنه.
وإن سُئِلت وادَّعَت أنَّها أُكرهت، أو وُطِئت بشبهةٍ، أو لم (١) تَعترِفْ بالزِّنا أربعاً؛ لم تُحَدَّ؛ لأنَّ الحدَّ يُدرَأُ بالشُّبهةِ.
стр. 1471
(بَابُ) حَدِّ (القَذْفِ)
وهو: الرَّمي بزنا أو لواطٍ.
(إِذَا قَذَفَ المُكَلَّفُ) المختارُ ولو أخرسَ بإشارةٍ (مُحْصَناً)، ولو مجبوباً، أو ذاتَ محرَمِهِ (١)، أو رتقاءَ؛ (جُلِدَ) قاذفٌ (ثَمَانِينَ جَلْدَةً إِنْ كَانَ) القاذفُ (حُرًّا)؛ لقولِه تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [النور: ٤].
(وَإِنْ كَانَ) القاذِفُ (عَبْداً) أو أمَةً، ولو عَتَقَ عَقِبَ قَذفٍ؛ جُلِدَ (أَرْبَعِينَ) جلدةً، كما تقدَّم في الزنا.
(وَ) القاذفُ (المُعْتَقُ بَعْضُهُ) يُجلَدُ (بِحِسَابِهِ)، فمَن نصفُه حُرٌّ يُجلَدُ ستِّين جلدةً.
(وَقَذْفُ غَيْرِ المُحْصَنِ) ولو قِنَّهُ (يُوجِبُ التَّعْزِيرَ) على القاذفِ؛ رَدْعاً عن أعراضِ المعصومين.
(وَهُوَ)، أي: حدُّ القذفِ (حَقٌّ لِلمَقْذُوفِ)؛ فيَسقُطُ بعَفْوِه، ولا يُقامُ إلا بطَلَبِه، كما يَأتي، لكن لا يَستَوفِيه بنفسِه، وتقدَّم (٢).
(وَالمُحْصَنُ هُنَا)، أي: في بابِ القذفِ هو: (الحُرُّ، المُسْلِمُ،
стр. 1472
العَاقِلُ، العَفِيفُ) عن الزنا ظاهِراً، ولو تائباً منه، (المُلْتَزِمُ الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ)، وهو ابنُ عشرٍ، وبنتُ تسعٍ، (وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ)، لكن لا يُحَدُّ قاذفٌ غيرَ بالغٍ حتى يَبلُغَ ويُطالِبَ.
ومَن قَذَف غائباً؛ لم يُحَدَّ حتى يَحضُرَ ويَطلُبَ، أو يَثبُتَ طَلبُه في غيبتِه.
ومَن قال لابن عشرين: زنَيْتَ مِن ثلاثين سنةً؛ لم يُحَدَّ.
(وَصَرِيحُ القَذْفِ) قولُ (١): (يَا زَانٍ، يَا لُوطِيُّ، ونَحْوُهُ)، كـ: يا عاهرُ (٢)، أو قد زنيتَ، أو زنَى فرجُك، ويا مَنيوكُ، ويا مَنيوكةُ، إن لم يُفَسِّرْهُ بفِعلِ زوجٍ أو سيِّد.
(وَكِنَايَتُهُ)، أي: كنايةُ القذفِ: (يَا قَحْبَةُ (٣)، و (يَا فَاجِرَةُ)، و (يَا خَبِيثَةُ)، و (فَضَحْتِ زَوْجَكِ، أَوْ نَكَّسْتِ رَأْسَهُ، أَوْ جَعَلْتِ لَهُ قُرُوناً، وَنَحْوُهُ)، كـ: علَّقْتِ عليه أولاداً مِن غيرِه، أو أفسدْتِ فراشَه،
стр. 1473
ولعربي: يا نَبَطي (١)، ونحوُه، وزَنَت يدُكَ، أو رِجلُكَ (٢)، ونحوُه، (إِنْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ القَذْفِ؛ قُبِلَ) وعُزِّرَ؛ كقولِه: يا كافِرُ، يا فاسِقُ، يا فاجِرُ، يا حِمارُ، ونحوُه.
(وَإِنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلَدٍ، أَوْ) قَذَف (جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمُ الزِّنَا عَادَةً؛ عُزِّرَ)؛ لأنَّه لا عارَ عليهم به؛ للقَطعِ بكذِبِه.
وكذا لو اختَلَفا فقال أحدُهما: الكاذبُ ابنُ الزانيةِ؛ عُزِّر ولا حدَّ.
(وَيَسْقُطُ حَدُّ القَذْفِ بِالعَفْوِ)، أي: عفوِ المقذوفِ عن القاذِفِ.
(وَلَا يُسْتَوْفَى) حدُّ القذفِ (بِدُونِ الطَّلَبِ)، أي: طلبِ المقذوفِ؛ لأنَّه حقَّهُ كما تقدَّم (٣)، ولذلك (٤) لو قال لمكلَّفٍ (٥): اقذِفْني، فقَذَفَهُ؛ لم يُحَدَّ وعُزِّرَ.
وإن مات المقذُوفُ ولم يُطالِبْ به؛ سَقَط، وإلا فلجميعِ الورثةِ.
стр. 1474
ولو عفا بعضُهُم حُدَّ للباقي كامِلاً.
ومَن قَذَف ميتاً حُدَّ بطلبِ وارِثٍ مُحصَنٍ.
ومَن قَذَفَ نبيًّا كَفَرَ وقُتِلَ، ولو تاب، أو كان كافراً فأسْلَم.
стр. 1475
(بَابُ حَدِّ المُسْكِرِ)
أي (١): الذي يَنشأ عنه (٢) السُّكْرُ، وهو: اختلاطُ العقلِ.
(كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، وَهُوَ خَمْرٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ)؛ لقولِه ﵇: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» رواه أحمدُ وأبو داودَ (٣).
(وَلَا يُبَاحُ شُرْبُهُ)، أي: شُربُ ما يُسكِرُ كثيرُه (لِلَذَّةٍ، وَلَا لِتَدَاوٍ (٤)، وَلَا عَطَشٍ (٥)، وَلَا غَيْرِهِ، إِلاَّ لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا وَلَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُهُ)، أي: غيرُ الخمرِ، وخافَ تَلَفاُ؛ لأنَّه مُضْطرٌ، ويُقدَّمُ عليه بولٌ، وعليهما ماءٌ نَجِسُ.
(وَإِذَا شَرِبَهُ)، أي: المسكرَ (المُسْلِمُ)، أو شَرِبَ ما خُلِطَ به ولم يُستهلَكْ فيه، أو أكَلَ عَجيناً لتَّ به، (مُخْتَاراً عَالِماً أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ؛ فَعَلَيْهِ الحَدُّ، ثَمَانُونَ جَلْدَةً مَعَ الحُرِّيَّةِ)؛ «لأَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي حَدِّ الخَمْرَةِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ: اجْعَلْهُ كَأَخَفِّ الحُدُودِ ثَمَانِينَ،