(بَابُ) حَدِّ (القَذْفِ)
وهو: الرَّمي بزنا أو لواطٍ.
(إِذَا قَذَفَ المُكَلَّفُ) المختارُ ولو أخرسَ بإشارةٍ (مُحْصَناً)، ولو مجبوباً، أو ذاتَ محرَمِهِ (١)، أو رتقاءَ؛ (جُلِدَ) قاذفٌ (ثَمَانِينَ جَلْدَةً إِنْ كَانَ) القاذفُ (حُرًّا)؛ لقولِه تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [النور: ٤].
(وَإِنْ كَانَ) القاذِفُ (عَبْداً) أو أمَةً، ولو عَتَقَ عَقِبَ قَذفٍ؛ جُلِدَ (أَرْبَعِينَ) جلدةً، كما تقدَّم في الزنا.
(وَ) القاذفُ (المُعْتَقُ بَعْضُهُ) يُجلَدُ (بِحِسَابِهِ)، فمَن نصفُه حُرٌّ يُجلَدُ ستِّين جلدةً.
(وَقَذْفُ غَيْرِ المُحْصَنِ) ولو قِنَّهُ (يُوجِبُ التَّعْزِيرَ) على القاذفِ؛ رَدْعاً عن أعراضِ المعصومين.
(وَهُوَ)، أي: حدُّ القذفِ (حَقٌّ لِلمَقْذُوفِ)؛ فيَسقُطُ بعَفْوِه، ولا يُقامُ إلا بطَلَبِه، كما يَأتي، لكن لا يَستَوفِيه بنفسِه، وتقدَّم (٢).
(وَالمُحْصَنُ هُنَا)، أي: في بابِ القذفِ هو: (الحُرُّ، المُسْلِمُ،
стр. 1472
العَاقِلُ، العَفِيفُ) عن الزنا ظاهِراً، ولو تائباً منه، (المُلْتَزِمُ الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ)، وهو ابنُ عشرٍ، وبنتُ تسعٍ، (وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ)، لكن لا يُحَدُّ قاذفٌ غيرَ بالغٍ حتى يَبلُغَ ويُطالِبَ.
ومَن قَذَف غائباً؛ لم يُحَدَّ حتى يَحضُرَ ويَطلُبَ، أو يَثبُتَ طَلبُه في غيبتِه.
ومَن قال لابن عشرين: زنَيْتَ مِن ثلاثين سنةً؛ لم يُحَدَّ.
(وَصَرِيحُ القَذْفِ) قولُ (١): (يَا زَانٍ، يَا لُوطِيُّ، ونَحْوُهُ)، كـ: يا عاهرُ (٢)، أو قد زنيتَ، أو زنَى فرجُك، ويا مَنيوكُ، ويا مَنيوكةُ، إن لم يُفَسِّرْهُ بفِعلِ زوجٍ أو سيِّد.
(وَكِنَايَتُهُ)، أي: كنايةُ القذفِ: (يَا قَحْبَةُ (٣)، و (يَا فَاجِرَةُ)، و (يَا خَبِيثَةُ)، و (فَضَحْتِ زَوْجَكِ، أَوْ نَكَّسْتِ رَأْسَهُ، أَوْ جَعَلْتِ لَهُ قُرُوناً، وَنَحْوُهُ)، كـ: علَّقْتِ عليه أولاداً مِن غيرِه، أو أفسدْتِ فراشَه،
стр. 1473
ولعربي: يا نَبَطي (١)، ونحوُه، وزَنَت يدُكَ، أو رِجلُكَ (٢)، ونحوُه، (إِنْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ القَذْفِ؛ قُبِلَ) وعُزِّرَ؛ كقولِه: يا كافِرُ، يا فاسِقُ، يا فاجِرُ، يا حِمارُ، ونحوُه.
(وَإِنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلَدٍ، أَوْ) قَذَف (جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمُ الزِّنَا عَادَةً؛ عُزِّرَ)؛ لأنَّه لا عارَ عليهم به؛ للقَطعِ بكذِبِه.
وكذا لو اختَلَفا فقال أحدُهما: الكاذبُ ابنُ الزانيةِ؛ عُزِّر ولا حدَّ.
(وَيَسْقُطُ حَدُّ القَذْفِ بِالعَفْوِ)، أي: عفوِ المقذوفِ عن القاذِفِ.
(وَلَا يُسْتَوْفَى) حدُّ القذفِ (بِدُونِ الطَّلَبِ)، أي: طلبِ المقذوفِ؛ لأنَّه حقَّهُ كما تقدَّم (٣)، ولذلك (٤) لو قال لمكلَّفٍ (٥): اقذِفْني، فقَذَفَهُ؛ لم يُحَدَّ وعُزِّرَ.
وإن مات المقذُوفُ ولم يُطالِبْ به؛ سَقَط، وإلا فلجميعِ الورثةِ.
стр. 1474
ولو عفا بعضُهُم حُدَّ للباقي كامِلاً.
ومَن قَذَف ميتاً حُدَّ بطلبِ وارِثٍ مُحصَنٍ.
ومَن قَذَفَ نبيًّا كَفَرَ وقُتِلَ، ولو تاب، أو كان كافراً فأسْلَم.
стр. 1475
(بَابُ حَدِّ المُسْكِرِ)
أي (١): الذي يَنشأ عنه (٢) السُّكْرُ، وهو: اختلاطُ العقلِ.
(كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، وَهُوَ خَمْرٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ)؛ لقولِه ﵇: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» رواه أحمدُ وأبو داودَ (٣).
(وَلَا يُبَاحُ شُرْبُهُ)، أي: شُربُ ما يُسكِرُ كثيرُه (لِلَذَّةٍ، وَلَا لِتَدَاوٍ (٤)، وَلَا عَطَشٍ (٥)، وَلَا غَيْرِهِ، إِلاَّ لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا وَلَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُهُ)، أي: غيرُ الخمرِ، وخافَ تَلَفاُ؛ لأنَّه مُضْطرٌ، ويُقدَّمُ عليه بولٌ، وعليهما ماءٌ نَجِسُ.
(وَإِذَا شَرِبَهُ)، أي: المسكرَ (المُسْلِمُ)، أو شَرِبَ ما خُلِطَ به ولم يُستهلَكْ فيه، أو أكَلَ عَجيناً لتَّ به، (مُخْتَاراً عَالِماً أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ؛ فَعَلَيْهِ الحَدُّ، ثَمَانُونَ جَلْدَةً مَعَ الحُرِّيَّةِ)؛ «لأَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي حَدِّ الخَمْرَةِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ: اجْعَلْهُ كَأَخَفِّ الحُدُودِ ثَمَانِينَ،
стр. 1476
فَضَرَبَ عُمَرُ ثَمَانِيَنَ، وَكَتَبَ بِهِ إِلَى خَالِدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ فِي الشَّامِ» رواه الدارقطني وغيرُه (١).
فإن لم يَعلَمْ أنَّ كثيرَه يُسكِرُ؛ فلا حَدَّ عليه، ويُصَدَّق في جَهْلِ ذلك.
(وَ) عليه (أَرْبَعُونَ مَعَ الرِّقِّ)، عبداً كان أو أَمةً.
ويُعَزَّرُ مَن وُجِدَ منه رائحتُها، أو حَضَرَ شُرْبَها، لا مَن جَهِلَ التَّحريمَ، لكن لا يُقبَلُ ممَّن نشَأَ بين المسلمين.
ويَثبُتُ بإقرارٍ مرَّةً؛ كقذفٍ، أو بشهادةِ عدلَيْنِ.
ويَحرُمُ عصيرٌ غَلَا، أو أُتِيَ عليه ثلاثةُ أيامٍ بليالِيها.
стр. 1477
ويُكرَه الخليطان؛ كنَبيذِ (١) تمرٍ مع زبيبٍ (٢)، لا وَضعُ تمرٍ أو نحوِه وَحَدَه في ماءٍ لتَحْلِيَته؛ ما لم يَشتَدَّ أو تتمَّ له ثلاثةُ أيامٍ.
стр. 1478
(بَابُ التَّعْزِيرِ)
(وَهُوَ) لغةً: المنعُ، ومنه التعزيرُ بمعنى النُّصرةِ؛ لأنَّه يَمنَعُ المعادي (١) مِن الإيذاءِ.
واصطلاحاً: (التَّأْدِيبُ)؛ لأنَّه يَمنَعُ ممَّا لا يجوزُ فِعلُه.
(وَهُوَ)، أي: التعزيرُ (وَاجِبٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ؛ كَاسْتِمْتَاعٍ لَا حَدَّ فِيهِ)، أي: كمباشرةٍ دونَ فرجٍ، (وَ) كـ (سَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا)؛ لكونِ المسروقِ دونَ نصابٍ، أو غيرَ محرزٍ، (وَ) كـ (جِنَايَةٍ لَا قَوَدَ فِيهَا)؛ كصَفْعٍ ووَكْزٍ، (وَ) كـ (إِتْيَانِ المَرْأَةِ المَرْأَةَ، وَالقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا) إن لم يَكُن المقذوفُ ولداً للقاذفِ، فإن كان فلا حَدَّ ولا تعزيرَ، (وَنَحْوِهِ)، أي: نحوِ ما ذُكِر؛ كشَتْمِه بغيرِ الزِّنا، وقولِه: اللهُ أكبرُ عليكَ، أو خَصمُكَ.
ولا نَحتاجُ (٢) في إقامةِ التعزيرِ إلى مطالبةٍ.
(وَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلْدَاتٍ)؛ لحديثِ أبي بردةَ مرفوعاً: «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى» متفقٌ عليه (٣)، وللحاكِمِ نَقصُهُ عن العشرةِ حَسبما يراهُ، لكن
стр. 1479
مَن شَرِبَ مُسكِراً في نهارِ رمضانَ حُدَّ للشُربِ، وعُزِّرَ لفطِره بعشرين سَوطاً؛ لفعلِ عليٍّ ﵁ (١)، ومَن وَطِئَ أَمةَ امرأتِه حُدَّ ما لم تَكُن أَحَلَّتْها له، فيُجلَدُ مائةً؛ إن عَلِمَ التَّحريمَ فيهما، ومَن وَطِءَ أَمةً له فيها شِرْكٌ؛ عُزِّرَ بمائةٍ إلا سوطاً.
ويحرُمُ تعزيرٌ بحَلقِ لحيةٍ، وقَطعِ طَرَفٍ، أو جَرحٍ، أو أَخذِ مالٍ، أو إتلافِه.
(وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ) مِن رَجُلٍ أو امرأةٍ (بِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ عُزِّرَ)؛ لأنَّه معصيةٌ، وإن فَعَلَه خوفاً مِن الزَّنا؛ فلا شيءَ عليه إن لم يَقدِرْ على نكاحٍ ولو لأَمةٍ.
стр. 1480
(بَابُ القَطْعِ فِي السَّرِقَةِ)
وهي: أَخْذُ مالٍ على وجهِ الاختِفاءِ مِن مالِكِه أو نائِبِه.
(إِذَا (١) أَخَذَ) المكلَّفُ (المُلْتَزِمُ) مسلماً كان أو ذميًّا بخلافِ المُستَأمِنِ ونحوِه، (نِصَاباً مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ مِنْ مَالِ مَعْصُومٍ)، بخلافِ حربيٍّ، (لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الاخْتِفَاءِ؛ قُطِعَ)؛ لقولِه تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، ولحديثِ عائشةَ: «تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً» (٢).
(فَلَا قَطْعَ) عَلَى (٣) (مُنْتَهِبٍ)، وهو الذي يأخُذُ المالَ على وَجهِ الغنيمةِ، (وَلَا مُخْتَلِسٍ)، وهو الذي يختَطِفُ (٤) الشيءَ ويَمرُّ به، (وَلَا غَاصِبٍ، وَلَا خَائِنٍ فِي وَدِيعَةٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا)؛ لأنَّ ذلك ليس بسرقةٍ.
لكِنْ الأصحُّ: أنَّ جاحِدَ العاريَّةِ يُقطَعُ إن بَلَغَت نِصاباً؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كَانَتْ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا» رواه أحمدُ والنسائي، وأبو داودَ (٥)، قال أحمدُ: (لا
стр. 1481
أعرِفُ شيئاً يَدفَعُهُ) (١).
(وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ)، وهو (الَّذِي يَبُطُّ الجَيْبَ أَوْ غَيْرَهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ) أو بعدَ سُقوطِه نِصاباً؛ لأنَّه سَرَقَ مِن حِرْزٍ.
(وَيُشْتَرَطُ) للقَطعِ في السِّرقةِ ستةُ شروطٍ:
أحدُها: (أَنْ يَكُونَ المَسْرُوقُ مَالاً مُحْتَرَماً)؛ لأنَّ ما ليس بمالٍ لا حُرمَةَ له، ومالُ الحربيِّ تجوزُ سَرِقَتُه بكلِّ حالٍ، (فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ آلَةِ لَهْوٍ)؛ لعدمِ الاحترامِ، (وَلَا) بسرقةِ (مُحَرَّمٍ؛ كَالخَمْرِ)، وصليبٍ، وآنيةٍ فيها خمرٌ، ولا بسرقةِ ماءٍ، أو إناءٍ فيه ماءٌ، ولا بسرقةِ مُكاتَبٍ، وأُمِّ ولدٍ، ومُصحفٍ، وحُرٍّ ولو صَغيراً، ولا بما عليهما.
الشرطُ الثاني: ما أشار إليه بقولِه: (وَيُشْتَرَطُ) أيضاً (أَنْ يَكُونَ) المسروقُ (نِصَاباً، وَهُوَ)، أي: نصابُ السرقةِ (ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) خالِصَةً، أو تَخلُصُ مِن مَغشوشةٍ، (أَوْ رُبْعُ دِينَارٍ)، أي: مثقالٍ، وإن لم يُضرَبْ، (أَوْ عَرْضٌ قِيمَتُهُ كَأَحَدِهِمَا)، أي: ثلاثةِ دراهِمَ،
стр. 1482
أو رُبْع دينارٍ، فلا قَطعَ بِسَرِقَةِ ما دونَ ذلك؛ لقولِه ﵇: «لَا تُقْطَعُ اليَدُ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً» رواه أحمدُ، ومسلمٌ، وغيرُهُما (١)، وكان رُبْعُ الدينارِ يومئذٍ ثلاثةُ دراهِمَ، والدينارُ اثني عَشَر دِرهماً، رواه أحمدُ (٢).
(وَإِذَا (٣) نَقَصَتْ قِيمَةُ المَسْرُوقِ) بعدَ إخراجِه؛ لم يَسقُطْ القَطعُ؛ لأنَّ النُّقصانَ وُجِدَ في العَيْنِ بعدَ سَرِقَتِها، (أَوْ مَلَكَهَا)، أي: العينَ المسروقةَ (السَّارِقُ) ببيعٍ أو هبةٍ أو غيرِهما؛ (لَمْ يَسْقُطِ القَطْعُ) بعدَ التَّرافُعِ إلى الحاكمِ.
(وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا)، أي: قيمةُ العينِ المسروقةِ (وَقْتَ إِخْرَاجِهَا مِنَ
стр. 1483
الحِرْزِ)؛ لأنَّه وقْتُ السرقةِ التي بها وَجَب القَطعُ، (فَلَوْ ذَبَحَ فِيهِ)، أي: في الحِرْزِ (كَبْشاً) فنقَصَت قِيمتُه، (أَوْ شَقَّ فِيهِ ثَوْباً فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ نِصَابِ) السرقةِ (ثُمَّ أَخْرَجَهُ) مِن الحرزِ؛ فلا قَطعَ؛ لأنَّه لم يُخرِجْ مِن الحرزِ نصاباً، (أَوْ أَتْلَفَ فِيهِ (١)، أي: في الحرزِ (المَالَ؛ لَمْ يُقْطَعْ)؛ لأنَّه لم يُخرِجْ منه شيئاً.
(وَ) الشرطُ الثالثُ: (أَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الحِرْزِ، فَإِنْ سَرَقَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ)؛ كما لو وَجَد باباً مفتوحاً، أو حِرْزاً مَهتوكاً؛ (فَلَا قَطْعَ) عليه.
(وَحِرْزُ المَالِ: مَا العَادَةُ حِفْظُهُ فِيهِ)، إذ الحرْزُ معناه: الحفظُ، ومنه احتَرَز، أي: تحفَّظَ، (وَيَخْتَلِفُ) الحرزُ (بِاخْتِلَافِ الأَمْوَالِ، وَالبُلْدَانِ، وَعَدْلِ السُّلْطَانِ وَجَوْرِهِ، وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ)؛ لاختلافِ الأحوالِ باختلافِ المذكوراتِ.
(فَحِرْزُ الأَمْوَالِ)، أي: النُّقودِ، (وَالجَوَاهِرِ، وَالقُمَاشِ فِي الدُّورِ، وَالدَّكَاكِينِ، وَالعُمْرَانِ)، أي: الأبنيةِ الحصينةِ والمحالِ المسكونةِ مِن البلدِ؛ (وَرَاءَ الأَبْوَابِ وَالأَغْلَاقِ الوَثِيقَةِ)، والغَلَقَ (٢): اسم للقُفْلِ خَشباً كان أو حَديداً،
стр. 1484
وصُندوقٌ (١) بسوقٍ وثَمَّ حارسٌ حِرْزٌ.
(وَحِرْزُ البَقْلِ، وَقُدُورِ البَاقِلَاءِ وَنَحْوِهِمَا)؛ كقدورِ طبيخٍ وخزفٍ؛ (وَراءَ الشَّرائِجِ)، وهي (٢) ما يُعمَلُ مِن قَصَبٍ أو نحوِه، يُضَمُّ بعضُه إلى بعضٍ بحبلٍ أو غيرِه، (إِذَا كَانَ فِي السُّوقِ حَارِسٌ)؛ لجَريانِ العادةِ بذلك.
(وَحِرْزُ الحَطَبِ، وَالخَشَبِ؛ الحَظَائِرُ) جمعُ حَظيرةٍ - بالحاءِ المهملةِ والظاءِ المعجمةِ -: ما يُعمَلُ للإبلِ والغنمِ مِن الشَّجرِ تَأوي إليه فيُعبَرُ بعضُه في بعضُ ويُربَطُ.
(وَحِرْزُ المَوَاشِي؛ الصِّيَرُ) جمعُ صِيرةٍ، وهي الحظيرةُ، (وَحِرْزُهَا)، أي: المواشي (فِي المَرْعَى بِالرَّاعِي وَنَظَرِهِ إِلَيْهَا غَالِباً)، فما غاب عن مُشاهدتِه غالباً فقد خَرَجَ عن الحرْزِ.
وحِرْزُ سُفُنٍ في شَطٍّ برَبْطِها، وإبلٍ باركةٍ معقولةٍ بحافظٍ حتى نائمٍ، وحَمولتِها بتَقطيرِها (٣) مع قائدٍ يَراها، ومع عدمِ تقطيرٍ بسائقٍ يَراها، وحِرزُ ثيابٍ في حمَّامٍ ونحوِه بحافظٍ، كقعودِه (٤) على متاعٍ، وإن فرَّط حافِظُ حمَّامٍ بنومٍ أو تَشاغُلٍ؛ ضَمِنَ، ولا قَطعَ على سارقٍ
(وَمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَ رَجُلٍ مُتَلَصِّصاً؛ فَحُكْمُهُ كَذلِكَ)، أي: يَدفَعُهُ بالأسهلِ فالأسهلِ، فإن أمَرَهُ بالخروجِ فخَرَجَ لم يَضرِبْهُ، وإلا فلَه ضَربُه بأسهلِ ما يَندفِعُ به، فإن خَرَج بالعصا لم يَضرِبْهُ بالحديدِ.
ومَن نَظَر في بيتِ غيرِه مِن خَصاصِ (١) بابٍ مُغلَقٍ ونحوِه، فَخَذَف عينَه (٢) أو نحوَها فتَلِفَت؛ فهَدَرٌ، بخلافِ مُتسمِّعٍ قبلَ إنذارِه.
стр. 1495
(بَابُ قِتَالِ أَهْلِ البَغْيِ)
أي: الجَورِ، والظُلمِ، والعدولِ عن الحقِّ.
(إِذَا خَرَجَ قَوْمٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ) - بفتحِ النونِ: جمعُ مانعٍ، كفَسَقَةٍ وكَفَرَةٍ، وبسكونِها: بمعنى امتناعٍ يَمنَعُهُم- (عَلَى الإِمَامِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ)، ولو لم يَكُن فيهم مُطاعٌ؛ (فَهُمْ بُغَاةٌ) ظَلمةٌ.
فإن كانوا جَمْعاً يَسيراً لا شوكةَ لهم، أو لم يَخرُجُوا بتأويلٍ، أو خرجُوا بتأويلٍ غيرِ سائغٍ؛ فقطَّاعُ طريقٍ.
ونَصْبُ الإمامِ فرضٌ، ويُجبَرُ مَن تَعيَّنَ لذلك، وشَرطُه: أن يكون حُرًّا، ذكراً، عَدلاً، قُرشيًّا، عالماً، كافياً، ابتداءً ودواماً.
(وَ) يجبُ (عَلَيْهِ)، أي: على الإمامِ (أَنْ يُرَاسِلَهُم)، أي: البغاةَ، (فَيَسْأَلَهُمْ) عن (مَا يَنْقِمُونَ (١) مِنْهُ، فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلمَةً (٢) أَزَالَهَا، وَإِنِ ادَّعَوْا شُبْهَةً كَشَفَهَا)؛ لقولِه تعالى: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات: ٩]، والإصلاحُ إنما يكونُ بذلك، فإن كان ما يَنقِمون منه مما لا يحلُّ أزالَهُ، وإن كان حلالاً لكن التَبَس عليهم فاعتقدوا أنَّه مخالفٌ للحقِّ؛ بيَّنَ لهم دليلَه، وأظهرَ لهم وجهَه، (فَإِنْ فَاؤُوا)،
стр. 1496
أي: رَجعوا عن البَغْي وطَلَبِ القتال؛ ترَكَهُم، (وَإِلَّا) يَرجِعُوا؛ (قَاتَلَهُمْ) وجوباً، وعلى رعِيَّتِه مَعونَتُهُ.
ويحرُمُ قتالُهُم بما يعُمُّ إتلافُهُ؛ كمنجنيقٍ ونارٍ إلا لضرورةٍ، وقتلُ ذُرِّيتِهِم ومُدْبِرِهم وجَريحِهم، ومَن تَرَك القتالَ.
ولا قَوَدَ بقَتلِهم بل الدِّيةُ.
ومَن أُسِرَ منهم حُبِسَ حتى لا شوكةَ ولا حربَ.
وإذا انْقَضَت فمَن وَجَدَ منهم مالَه بيدِ غيرِه أخذَه، وما تَلِف حالَ حربٍ غيرُ مضمونٍ.
وإن أظْهَر قومٌ رأيَ الخوارجِ ولم يَخرُجوا عن قَبْضَةِ الإمامِ؛ لم يُتَعَرَّضْ لهم، وتَجري الأحكامُ عليهم كأهلِ العدلِ.
(وَإِنِ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ) طَلبِ (رِئَاسَةٍ؛ فَهُمَا ظَالِمَتانِ، وَتَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ) مِن الطائفتين (مَا أَتْلَفَتْ) عَلَى (الأُخْرَى)، قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: (فأوْجَبُوا الضَّمانَ على مجموعِ الطائفةِ وإن لم يُعلَمْ عينُ المتلِفِ) (١).
ومَن دَخَل بينهما لصلحٍ وجُهِلَ قاتلُه، وما جُهِلَ متلِفُه؛ ضَمِنَتاهُ على السَّواءِ.
стр. 1497
(بَابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ)
(وَهُوَ) لغةً: الراجعُ، قال تعالى: (وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ) [المائدة: ٢١].
واصطلاحاً: (الَّذِي يَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ) طَوعاً، ولو مميِّزاً، أو هازِلاً بنطقٍ، أو اعتقادٍ، أو شكٍ، أو فعلٍ.
(فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ) تعالى كَفَر؛ لقولِه تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) [النساء: ٤٨]، (أَوْ جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ) سبحانه، (أَوْ) جَحَد (وَحْدَانِيَّتَهُ، أَوْ) جَحَد (صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ)؛ كالحياةِ والعلمِ؛ كَفَر، (أَوِ اتَّخَذَ لِلهِ) تعالى (صَاحِبَةً أَوْ وَلَداً، أَوْ جَحَدَ بَعْضَ كُتُبِهِ، أَوْ) جَحَد بعضَ (رُسُلِهِ، أَوْ سَبَّ اللهَ) سبحانه، (أَوْ) سبَّ (رَسُولَهُ)، أي: رسولاً مِن رُسِلِه، أو ادَّعى النُّبوةَ؛ (فَقَدْ كَفَرَ)؛ لأنَّ جَحْدَ شيءٍ مِن ذلك كجَحْدِه كلِّه، وسبُّ أحدٍ منهم لا يكونُ إلا مِن جاحِدِه.
(وَمَنْ جَحَدَ تَحْرِيمَ الزِّنَا، أَوْ) جَحَد (شَيْئاً مِنَ المُحَرَّمَاتِ الظاهِرَةِ المُجْمَعِ عَلَيْهَا)، أي: على تحريمِها، أو جَحَد حِلَّ خبزٍ ونحوِه مما لا خلافَ فيه، أو جَحَد وُجوبَ عبادةٍ مِن الخَمْسِ، أو حُكماً ظاهِراً مُجمَعاً عليه إجماعاً قطعيًّا (بِجَهْلٍ (١)، أي: بسببِ
стр. 1498
جهلِه، وكان ممَّن يَجهَلُ مِثلُه ذلك؛ (عُرِّفَ) حُكْمَ (ذلِكَ)؛ ليرجِعَ عنه، (وَإِنْ) أصرَّ أو (كَانَ مِثْلُهُ لَا يَجْهَلُهُ؛ كَفَرَ)؛ لمعانَدَتِه للإسلامِ، وامتناعِه مِن التزامِ أحكامِه، وعدمِ قبولِه لكتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِه وإجماعِ الأمةِ.
وكذا لو سَجَد لكوكَبٍ ونحوِه، أو أتَى بقولِ أو فِعلٍ صريحٍ في الاستهزاءِ بالدِّينِ، أو امتَهَنَ القرآنَ، أو أسقَطَ حُرمَتَه.
لا مَن حكَى كُفْراً سَمِعَه وهو لا يَعتقِدُهُ.
(فَصْلٌ)
(فَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ وَهُوَ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ، رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ؛ دُعِيَ إِلَيْهِ) ، أي: إلى الإسلامِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) وجوباً، (وَضُيِّقَ عَلَيْهِ)، وحُبِسَ؛ لقولِ عمرَ ﵁: «فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثاً، فَأَطْعَمْتُمُوهُ (١) كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفاً وَأَسْقَيْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ أَوْ يُرَاجِعُ أَمْرَ اللهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي» رواه مالكٌ في الموطأ (٢)،
ولو لم تَجِبْ
стр. 1499
الاستتابةُ لما بَرِئَ مِن فِعْلِهم.
(فَإِنْ) أسلَمَ لم يُعَزَّرْ، وإن (لَمْ يُسْلِمْ؛ قُتِلَ بِالسَّيْفِ)، ولا يُحرَقُ بالنارِ؛ لقولِه ﵇: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تُعَذِّبُوهُ بِعَذَابِ اللهِ» يعني: النارِ. أخرجه البخاري، وأبو داودَ (١)، إلا رسولَ كفَّارٍ،
стр. 1500
فلا يُقتَلُ.
ولا يَقتُلُه إلا إمامٌ أو نائبُه؛ ما لم يَلحَقْ بدارِ حربٍ فلِكُلِّ أحدٍ قَتلُهُ وأخذُ ما معه.
(وَلَا تُقْبَلُ) في الدنيا (تَوْبَةُ مَنْ سَبَّ اللهَ) تعالى، (أَوْ) سَبَّ (رَسُولَهُ) سبًّا صريحاً، أو تَنقَّصَهُ، (وَلَا) توبةُ (مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ)، ولا توبةَ زِنديقٍ، وهو المنافِقُ الذي يُظهِرُ الإسلامَ ويُخفِي الكفرَ، (بَلْ يُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ)؛ لأنَّ هذه الأشياءَ تدُلُّ على فسادِ عقيدتِه وقلَّةِ مُبالاتِه بالإسلامِ.
ويصحُّ إسلامُ مميِّزٍ يَعقِلُه، ورِدَّتُه، لكن لا يُقتَلُ حتَّى يُستَتابَ بعدَ البلوغِ ثلاثةَ أيامٍ.
(وَتَوْبَةُ المُرْتَدِّ) إسلامُه، (وَ) توبةُ (كُلِّ كَافِرٍ إِسْلَامُهُ؛ بِأَنْ يَشْهَدَ) المرتدُّ أو الكافرُ الأصلي (أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ)؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ: أنَّ النَّبي ﷺ دَخَل الكنيسةَ، فإذا هو (١) بيهوديٍّ (٢) يَقرَأُ عليهم التوراةَ، فقرَأَ حتى أتَى على صفةِ النَّبي ﷺ وأُمَّتِه، فقال: هذه صفتُكَ وصفةُ أُمَّتِكَ، أشهدُ أن لا إله إلا اللهَ وأنَّك رسولُ اللهِ، فقال النَّبي ﷺ : «آوُوا أَخَاكُمْ» رواه أحمدُ (٣).
стр. 1501
(وَمَنْ كَانَ كُفْرُهُ بِجَحْدِ فَرْضٍ وَنَحْوِهِ)؛ كتحليلِ حرامٍ، أو تحريمِ حلالٍ، أو جَحْدِ نبيٍّ (١) أو كتابٍ أو رسالةِ محمدٍ ﷺ إلى غيرِ العربِ؛ (فَتَوْبَتُهُ مَعَ) إتيانِه بـ (الشَّهَادَتَيْنِ إِقْرَارُهُ بِالمَجْحُودِ بِهِ) مِن ذلك؛ لأنَّه كَذَّب اللهَ سبحانه بما اعتَقَدَهُ مِن الجَحْدِ، فلا بُدَّ في إسلامِه مِن الإقرارِ بما جَحَده، (أَوْ قَوْلُهُ: أَنَا) مسلمٌ، أو (بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دينَ الإِسْلَامِ).
ولو قال كافرٌ: أسْلَمْتُ، أو (٢) أنا مسلمٌ، أو أنا مؤمنٌ؛ صار
стр. 1502
مسلماً وإن لم يَلفَظْ بالشهادتين، ولا يُغني قولُ: محمدٌ رسولُ اللهِ عن كلمةِ التوحيدِ.
وإن قال: أنا مسلمٌ ولا أنطِقُ بالشهادتين؛ لم يُحكَمْ بإسلامِه حتى يَأتيَ بالشهادتين.
ويُمنَعُ المرتَدُّ مِن التَّصرفِ في مالِه، وتُقضَى منه ديونُه، ويُنفَقُ عليه وعلى عيالِه، فإن أسلَمَ، وإلا صار فيئاً مِن موتِه مُرتَدًّا.
ويَكفُرُ ساحرٌ يَركَبُ المِكْنَسةَ (١) فتَسيرُ به في الهواءِ ونحوِه، لا كاهنٌ، ومُنَجِّمٌ، وعَرَّافٌ، وضارِبٌ بحَصى ونحوه إن لم يَعتقِدْ إباحتَه وأنَّه يَعلَمُ به الأمورَ المغيَّبةَ، ويُعَزَّرُ، ويُكَفُّ عنه.
ويحرُمُ طِلْسَمٌ، ورُقْيَةٌ بغيرِ العربي (٢).
ويجوزُ الحَلُّ بسحرٍ ضرورةً.