← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147658

الروض المربع بشرح زاد المستقنع - ط ركائز

البهوتي

Полный текст (1 607 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وكُرِه مدُّ رِجْلٍ (١) إليه، واستدبارُه، وتخطِّيه، وتَحْلِيَتُه بذهبٍ أو فضةٍ. وتحرمُ تَحْلِيةُ كتبُ العلمِ. (وَ) يحرُمُ على المحدثِ أيضاً (الصَّلَاةُ) ولو نفلاً، حتى صلاةُ جنازةٍ، وسجودُ تلاوةٍ وشكرٍ، ولا يَكْفُر من صلَّى محدِثاً. (وَ) يحرمُ على المحدثِ أيضاً (الطَّوافُ)؛ لقولِه ﷺ : «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَبَاحَ فِيهِ الكَلَامَ» رواه الشافعي في مسندِه. (٢)

стр. 142

(بَابُ الغُسْلِ) بضمِّ الغينِ: الاغتسالُ، أي: استعمالُ الماءِ في جميعِ بدنِه، على وجهٍ مخصوصٍ. وبالفتحِ: الماءُ، أو الفعلُ، وبالكسرِ: ما يُغْسَلُ به الرأسُ، مِن خطْمِيٍّ (١) وغيرِه (٢). (وَمُوجِبُهُ) ستةُ أشياءِ: أحدُها: (خُرُوجُ المَنِيِّ) مِن مَخرجِه (دَفْقاً بِلَذَّةٍ، لَا) إنْ خرَج

стр. 143

(بِدُونِهِمَا مِنْ غَيْرِ نَائِمٍ) ونحوِه، فلو خَرَج مِن يقظانٍ لغيرِ ذلك، كبَرْدٍ ونحوِه مِن غيرِ شهوةٍ؛ لم يجبْ به غُسلٌ؛ لحديثِ عليٍّ يرفعُه: «إِذَا فَضَخْتَ المَاءَ فَاغْتَسِلْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَاضِخاً فَلَا تَغْتَسِلْ» رواه أحمدُ (١)، والفَضْخُ: هو خُروجُه بالغَلَبةِ، قاله إبراهيمُ الحربي، فعلى هذا يكون نَجِساً وليس بمذي، قاله في الرعايةِ. وإنْ خَرَج المنيُّ مِن غيرِ مخرَجِه، كما لو انكسَر صُلْبه فخرج منه؛ لم يَجب الغُسل، وحُكمه كالنَّجاسةِ المعتادةِ. وإنْ أفاقَ نائمٌ أو نحوُه يُمْكِنُ بلوغُه، فوَجد بَللاً؛ فإن تحقَّق أنَّه مَنيٌّ اغتسل فقط، ولو لم يَذكُر احتِلاماً، وإن لم يَتحقَّقه منيًّا: فإن سبَقَ نومَه مُلاعبةٌ، أو نَظَرٌ، أو فِكْرٌ أو نحوُه، أو كان به إِبْرِدَةٌ (٢)؛ لم يجبْ غُسلٌ، وإلا اغتسل، وطَهَّرَ ما أصابَه احتياطاً. (وَإِنْ انْتَقَلَ) المنيُّ (وَلَمْ يَخْرُجْ؛ اغْتَسَلَ لَهُ)؛ لأنَّ الماء قد باعَدَ

стр. 144

محَلَّه، فصَدَق عليه اسم الجُنبِ، ويحصُلُ به البلوغُ ونحوُه مما يترتَّبُ على خروجِه. (فَإِنْ خَرَجَ) المنيُّ (بَعْدَهُ)، أي: بعد غُسلِه لانتقالِه؛ (لَمْ يُعِدْهُ)؛ لأنَّه منيٌّ واحدٌ، فلا يوجبُ غُسْلَين. (وَ) الثاني: (تَغْيِيبُ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ)، أو قَدْرِها إن فُقدت، وإن لم يُنزِلْ، (فِي فَرْجٍ أَصْليٍّ، قُبُلاً كَانَ أَوْ دُبُراً)، وإن لم يَجِد حرارةً. فإن أَوْلَج الخُنثى المُشكِلُ حَشَفتِه في فرجٍ أصليٍّ ولم يُنزِلْ، أو أَوْلَج غير الخُنثى ذَكَره في قُبُلِ الخُنثى؛ فلا غُسلَ على واحدٍ منهما إلا أن يُنزلَ. ولا غُسلُ إذا مسَّ الختانُ الختانَ مِن غيرِ إيلاجِ، ولا بإيلاجِ بعضِ الحَشَفةِ. (وَلَوْ) كان الفرْجُ (مَنْ بَهِيمَةٍ، أو مَيْتٍ)، أو نائمٍ، أو مجنونٍ، أو صغيرٍ يجامَعُ مثلُه، وكذا لو استَدْخَلت ذَكَر نائمٍ، أو صغيرٍ ونحوِه. (وَ) الثالثُ: (إِسْلامُ كَافِرٍ)، أصليًّا كان أو مرتداً، ولو مُمَيِّزاً، أو لم يوجدْ في كفرِه ما يوجِبُه؛ لأنَّ «قَيْسَ بنَ عَاصِمٍ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رواه أحمدُ، والترمذي وحسَّنه (١).

стр. 145

ويُستحبُ له إلقاءُ شَعْرِه، قال أحمدُ: (ويَغْسلُ ثيابِه) (١). (وَ) الرابعُ: (مَوْتُ) غيرِ شهيدِ معركةٍ، ومقتولٍ ظلماً، ويأتي (٢). (وَ) الخامسُ: (حَيْضٌ، وَ) السادسُ: (نِفَاسٌ)، (ولا خلافَ في وجوبِ الغُسلِ بهما)، قاله في المغني (٣)، فيجبُ بالخُروجِ، والانقطاعُ شرطٌ، (لَا وِلَادَةٌ عَارِيَةٌ عَنْ دمٍ)، فلا غُسلَ بها، والولدُ طاهرٌ. (وَمَنْ لَزِمَهُ الغُسْلُ) لشيءٍ مما تقدَّم (حَرُمَ عَلَيْهِ) الصلاةُ، والطوافُ، ومسُّ المصحفِ، و (قِرَاءَةُ القُرْآنِ)، أي: قراءةُ آيةٍ

стр. 146

فصاعِداً، وله قَوْلُ ما وافَق قرآناً إنْ لم يَقصِدْه؛ كالبسملةِ، والحمدلةِ ونحوِهما؛ كالذِّكرِ، وله تهجِّيه، والتفكُّرُ فيه، وتحريكُ شفتيه به ما لم يُبَيِّنْ الحروفَ، وقراءةُ بعضِ آيةٍ ما لم تَطُلْ، ولا يُمنَعُ مِن قراءتِه مُتنجِسُ الفمِ، ويُمنَعُ الكافرُ مِن قراءتِه، ولو رُجِي إسلامُه. (وَيَعْبُرُ المَسْجِدَ)، أي: يدخلُه؛ لقولِه تعالى: (وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣]، أي: طريقٍ، (لِحَاجَةٍ) وغيرِها على الصحيحِ، كما مشى عليه في الإقناعِ (١)، وكونُه طريقاً قصيراً حاجةٌ، وكَرِه أحمدُ اتخاذَه طريقاً (٢). ومُصلَّى العيدِ مسجدٌ، لا مُصلى الجنائزِ. (وَلَا) يجوزُ أنْ (يَلْبَثُ فِيهِ)، أي: في المسجدِ مَن عليه غُسلٌ (بِغَيْرِ وُضُوءٍ)، فإن توضَّأ جاز له اللُّبثُ فيه. ويُمنعُ منه مجنونٌ، وسكرانُ، ومَن عليه نجاسةٌ تَتَعَدَّى. ويُباحُ به وضوءٌ وغُسلٌ إن لم يُؤذِ بهما، وإذا كان الماءُ في المسجدِ، جاز دخولُه بلا تيمُّم، وإن أراد اللُّبثَ فيه للاغتسالِ؛ تيمَّم، وإن تعذَّر الماءُ واحتاج للُّبْثِ؛ جاز بلا تيمُّم.

стр. 147

(وَمَنْ غَسَّلَ مَيْتاً) مسلماً أو كافراً؛ سُنَّ له الغُسلُ؛ لأمرِ أبي هريرةَ ﵁ بذلك، رواه أحمدُ وغيرُه (١)، (أَوْ أَفَاقَ مِنْ جُنُونٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، بِلَا حُلُمٍ (٢)، أي: إنزالٍ؛ (سُنَّ لَهُ الغُسْلُ)؛ لـ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الإِغْمَاءِ» متفقٌ عليه (٣)، والجنونُ في معناه، بل أَوْلى. وتأتي بقيةُ الأغسالِ المستحبةِ في أبوابِ ما تُستحبُّ له (٤).

стр. 148

ويَتيمَّمُ للكُلِّ، ولما يُسنُّ له وضوءٌ لعذرٍ. (وَ) صفةُ (الغُسْلِ الكَامِلِ)، أي: المشتمِلُ على الواجباتِ والسُّننِ: (أَنْ يَنْوِيَ) رفْعَ الحدثِ، أو استباحةَ الصلاةِ أو نحوِها. (ثُمَّ يُسَمِّيَ)، وهي هنا كوضوءٍ، تجبُ مع الذِّكرِ، وتسقُطُ مع السهوِ. (وَيَغْسِلَ يَديْهِ ثَلَاثاً) كما في الوضوءِ، وهو هنا آكدُ؛ لرفعِ الحدثِ عنهما بذلك. (وَ) يغسِلُ (مَا لَوَّثَهُ) مِن أذى، (وَيَتَوَضَّأَ) كاملاً. (ويَحْثِيَ) الماءَ (عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثاً تُرَوِّيهِ)، أي: يُرَوِّي في كلِّ مرَّةٍ أصولَ شعرِه؛ لحديثِ عائشةَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثاً، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يُخَلِّلُ شَعَرَهُ بِيَدِيهِ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ روَّى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ المَاءَ عَلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» متفقٌ عليه (١). (ويَعُمَّ بَدَنَهُ غَسْلاً)، فلا يُجزِئُ المَسْحُ، (ثَلَاثاً)، حتى ما يَظهرُ مِن فَرْجِ امرأةٍ عندَ قُعودٍ لحاجةٍ، وباطنِ شعرٍ.

стр. 149

وتنقُضُه لحيضٍ ونفاسٍ (١). (وَيَدْلُكَهُ)، أي: يَدلكُ بدنَه بيديه؛ ليتيقَّنَ وصولَ الماءِ إلى مَغَابِنِه وجميعِ بدنِه، ويَتفقَّدُ أصولَ شعْرِه، وغَضَارِيفَ أُذُنَيه، وتحتَ حَلْقِه وإبِطَيه، وعُمْقَ سُرَّته، وبين إِلْيَتَيه، وطيَّ ركبتيه. (وَيَتَيَامَنَ)؛ لـ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنُ (٢) فِي طُهُورِهِ» (٣). (ويَغْسِلَ قَدَمَيْهِ) ثانياً، (مَكَاناً آخَرَ). ويَكفي الظنُّ في الإسباغِ، قال بعضهم (٤): ويُحَرِّك خاتَمَه؛ ليتيقَّنَ وصولَ الماءِ. (وَ) الغسلُ (المُجْزِئُ)، أي: الكافي: (أَنْ يَنْوِيَ) كما تقدَّم. (وَيُسَمِّيَ)، فيقول: بسمِ اللهِ. (ويَعُمَّ بَدَنَهُ بِالغَسْلِ مَرَّةً)، أي: يغسِلُ ظاهرَ جميعِ بدنِه وما في حكمِه مِن غيرِ ضررٍ؛ كالفمِ، والأنفِ، والبشرةِ التي تحتَ الشعورِ ولو كثيفةً، وباطنِ الشعرِ، وظاهرِه مع مُسْتَرْسَلِه، وما تحتَ حَشَفةِ

стр. 150

أَقْلَف إن أَمْكَن شَمْرُها. ويَرتفعُ حَدَثٌ قَبلَ زَوالِ حُكْمِ خَبَثٍ. ويُستحبُ سِدْرٌ في غُسلِ كافرٍ أسلم، وحائضٍ، وأَخذُها مِسْكاً تجعلُه في قطنةٍ أو نحوِها، وتجعلُها في فرجِها، فإنْ لم تجد فطيباً، فإن لم تجد فطيناً. (وَيَتَوَضَّأُ بِمُدٍّ) استحباباً، والمُدُّ: رِطلٌ وثُلُثٌ عراقي، ورِطلٌ وأُوقِيَّتان وسُبُعَا أوقيَّةٍ مصري، وثَلاثُ أَوَاقٍ وثلاثةُ أَسْباعِ أوقيَّةٍ دمشقيَّة، وأوقيَّتان وأَرْبَعةُ أَسْباعِ أوقيَّةٍ قُدسيةٍ. (وَيَغْتَسِلُ بِصَاعٍ)، وهو أربعةُ أمدادٍ، وإن زاد جاز، لكن يُكره الإسرافُ ولو على نهرٍ جارٍ. ويحرُمُ أن يغتسلَ عُرياناً بين الناسِ، وكُره خالياً في الماءِ. (فَإِنْ أَسْبَغَ بأَقَلَّ) مما ذُكر في الوضوءِ أو الغسلِ؛ أجزأ. والإسباغُ: تَعْميمُ العضوِ بالماءِ، بحيثُ يجري عليه، ولا يكونُ مسحاً. (أَوْ نَوَى بِغُسْلِهِ الحَدَثَيْنِ)، أو الحدثَ وأطلقَ، أو الصلاةَ ونحوَها مما يحتاجُ لوُضوءٍ وغُسلٍ؛ (أَجْزَأَ) عن الحدثين، ولم يَلزمْه ترتيبٌ ولا موالاةٌ. (ويُسَنُّ لِجُنُبٍ)، ولو أنثى، وحائضٌ ونفساءُ انقطع دمُهما،

стр. 151

(غَسْلُ فَرْجِهِ)؛ لإزالةِ ما عليه من الأذى، (وَالوُضُوءُ لِأَكْلٍ) وشرب؛ لقول عائشة: «رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» رواه أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ (١)، (وَنَوْمٍ)؛ لقولِ عائشةَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَه لِلصَّلاةِ» متفقٌ عليه (٢). ويُكره تَركُه لنومٍ فقط. (وَ) يُسنُّ أيضاً غَسلُ فرجِه ووضوؤه (لِمُعَاوَدَةِ وَطْءٍ)؛ لحديثِ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ؛ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءاً»

стр. 152

رواه مسلمٌ وغيرُه (١)، وزاد الحاكمُ: «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلعَوْدِ» (٢)، والغُسْلُ أفضلُ. وكَرِه الإمامُ أحمدَ (٣) بناءُ الحمَّامِ، وبيعُه، وإجارتُه، وقال فيمن (٤) بنى حماماً للنساءِ: (ليس بعدلٍ) (٥). ولرجلٍ (٦) دخولُه بسترةٍ مع أمنِ الوقوعِ في محرَّمٍ، ويحرمُ على المرأةِ بلا عذرٍ.

стр. 153

(بَابُ التَّيَمُّمِ) في اللغةِ: القصدُ. وشرعاً: مسْحُ الوجه واليدين بصعيدٍ، على وجهٍ مخصوصٍ. وهو من خصائصِ هذه الأمةِ، لم يَجعلْه اللهُ طَهوراً لغيرِها؛ توسعةً عليها، وإحساناً إليها، فقال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) الآية [المائدة: ٦]. (وَهُوَ)، أي: التيَّمُّمُ (بَدَلُ طَهَارَةِ المَاءِ) لكلِّ ما يُفْعلُ بها عندَ العجزِ عنه شرعاً؛ كصلاةٍ، وطوافٍ، ومسِّ مصحفٍ، وقراءةِ قرآنٍ، ووطءِ حائضٍ. ويُشترطُ له شرطان: أحدُهما: دُخولُ الوقتِ، وقد ذَكَره بقولِه: (إِذَا دَخَلَ وَقْتُ فَرِيضَةٍ)، أو منذورةٍ بوقتٍ معينٍ، أو عيدٍ، أو وُجِد كسوفٌ، أو اجتمع الناسُ لاستسقاءٍ، أو غُسِّل الميتُ، أو يُمِّمَ لعُذرٍ، أو ذَكَر فائتةً وأرَاد فعلَها، (أَوْ أُبِيحَتْ نَافِلَةٌ)، بألا يكونَ وقتَ نهيٍ عن فعلِها. الشرطُ الثاني: تعذُّرُ الماءِ، وهو ما أشار إليه بقولِه: (وَعَدِمَ المَاءَ)، حضراً كان أو سفراً، قصيراً كان أو طويلاً، مباحاً كان أو غيرَه.

стр. 154

فمَن خَرَج لِحَرثٍ أو احتطابٍ ونحوِهما ولا يُمْكِنُه حَمْلُ الماءِ معه، ولا الرجوعُ للوضوءِ إلا بتفويتِ حاجتِه؛ فله التيمُّمُ، ولا إعادةَ عليه. (أَوْ زَادَ) الماء (عَلَى ثَمَنِهِ)، أي: ثمنِ مثلِه في مكانِه، بأن لم يُبْذَلْ إلا بزائدٍ (كَثِيراً) عادةً، (أَوْ) بـ (ثَمَنٍ يُعْجِزُهُ) أو يَحتاجُ له (١) أو لمن نفقتُهُ عليه، (أَوْ خَافَ باسْتِعْمَالِهِ)، أي: استعمالِ الماءِ ضرراً، (أَوْ) خاف بـ (طَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ، أَوْ) ضَرَر (رَفِيقِهِ (٢)، أَوْ) ضررَ (حُرْمَتِهِ)، أي: زوجتِه أو امرأةٍ مِن أقاربِه، (أَوْ) ضَرَر (مَالِهِ بِعَطَشٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ هَلَاكٍ ونَحْوِهِ)؛ كخوفِه باستعمالِه تأخُّرَ البُرْءِ، أو بقاءَ أثَرِ شَيْنٍ في جسدِه؛ (شُرعَ التَّيمُّمُ)، أي: وَجَب لما يجبُ الوضوءُ أو الغُسلُ (٣) له، وسُنَّ لما يُسنُّ له ذلك، وهو جواب (إِذَا) مِن قولِه: (إِذَا دَخَلَ وَقْتُ فَرِيضَةٍ). ويَلزمُ شراءُ ماءٍ وحَبْلٍ، ودلْوٍ بثمنِ مِثْلٍ، أو زائدٍ يسيراً، فاضِلٍ عن حاجتِه، واستعارةُ الحبْلِ والدلْوِ، وقَبولُ الماءِ قَرضاً وهبةً، وقَبولُ ثمنِه قرضاً إذا كان له وفاءٌ، ويجبُ بَذْلُه لعطشانَ، ولو نجساً.

стр. 155

(ومَنْ وَجَدَ مَاءً يَكْفِي بَعْضَ طُهْرِهِ) مِن حدثٍ أكبرَ أو أصغرَ؛ (تَيَمَّمَ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ)، ولا يتيممُ قبلَه، ولو كان على بدنِه نجاسةٌ وهو محدِثٌ؛ غَسَل النجاسةَ، وتَيمَّم للحدثِ بعدَ غسلِها، وكذلك (١) لو كانت النجاسةُ في ثوبِه. (وَمَنْ جُرِحَ)، وتضرَّر بغَسْلِ الجُرحِ أو مسْحِه بالماءِ؛ (تَيَمَّمَ لَهُ) ولما يتضرَّرُ بغَسلِه مما قَرُب منه (وَغَسَلَ البَاقِيَ)، فإن لم يَتضرر بمسْحِه؛ وَجَب وأجزأ. وإذا كان جُرحُه ببعضِ أعضاءِ وضوئِه؛ لزِمه إذا توضَّأ مراعاةُ الترتيبِ؛ فيتيمَّمُ له عندَ غَسْلِه لو كان صحيحاً، ومراعاةُ الموالاةِ؛ فيُعيدُ غَسْلَ الصحيحِ عندَ كلِّ تيمُّمٍ، بخلافِ غُسْلِ الجنابةِ، فلا ترتيبَ فيه ولا موالاةَ. (وَيَجِبُ) على مَن عَدِمَ الماءَ إذا دَخَل وقتُ الصلاةِ، (طَلَبُ المَاءِ فِي رَحْلِهِ)، بأن يفتِّشَ مِن رَحْلِه (٢) ما يُمْكِنُ أن يكونَ فيه، (وَ) في (قُرْبِهِ)، بأن يَنْظُرَ وراءَه وأمامَه، وعن يمينِه وعن (٣) شمالِه، فإنْ رأى ما يشُكُّ معه في الماءِ قَصَده فاستبرأه، ويطلُبُه مِن رفيقِه. فإن تيمَّم قَبل طلَبِه؛ لم يصحَّ ما لم يتحقَّقْ عدمُه.

стр. 156

(وَ) يَلزمُه أيضاً طلبُه (بِدِلَالَةِ) ثقةٍ إذا كان قريباً عُرفاً ولم يَخف فوتَ وقتٍ ولو المختارُ، أو رُفْقةٍ (١)، أو على نفسِه أو مالِه. ولا يتيمَّمُ لخَوفِ فَوْتِ جنازةٍ، ولا وَقْتِ فَرْضٍ، إلا إذا وَصَل مُسافرٌ إلى ماءٍ وقد ضاق الوقتُ، أو عَلِم أنَّ النَّوْبة لا تصِلُ إليه إلا بعدَه، أو عَلِمه قريباً وخاف فوتَ الوقتِ إن قصده. ومَن باع الماءَ، أو وَهَبه بعد دخولِ الوقتِ ولم يَترُكْ ما يتطهَّرُ به؛ حَرُم، ولم يصحَّ العقدُ، ثم إنْ تيمَّم وصلَّى لم يُعِد إنْ عجَز عن ردِّه. (فَإِنْ) كان قادراً على الماءِ، لكن (نَسِيَ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ)، أو جَهِله بموضعٍ يُمْكِنُ (٢) استعمالُه، (وَتَيَمَّمَ) وصلى؛ (أَعَادَ)؛ لأنَّ النسيانَ لا يُخرِجُه عن كونِه واجِداً. وأما مَن ضلَّ عن رحْلِه وبه الماءُ وقد طَلَبه، أو ضلَّ عن موضِعِ بئرٍ كان يعرِفُها، وتيمَّم وصلَّى؛ فلا إعادةَ عليه؛ لأنَّه حالَ تيمُّمِه لم يَكُن واجداً للماءِ. (وَإِنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ أَحْدَاثاً) متنوعةً تُوجِب وضوءاً أو غُسلاً؛

стр. 157

أجزأه عن الجميعِ، وكذا لو نوى أحدَها، أو نوى بتيمُّمِه الحدثين، ولا يَكفي أحدُهما عن الآخرِ. (أَوْ) نوى بتيمُّمِه (نَجَاسَةً عَلَى بَدَنِهِ تَضُرُّهُ إِزَالَتُهَا، أَوْ عَدِمَ مَا يُزِيلُهَا) به، (أَوْ خَافَ بَرْداً) ولو حضَراً مع عدمِ ما يُسَخِّنُ به الماءَ بعدَ تخفيفِها ما أمْكَن وجوباً؛ أجزأه التيممُ لها؛ لعمومِ: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١). (أَوْ حُبِسَ فِي مِصْرٍ) فلم يَصِل للماءِ، أو حُبِس عنه الماءُ (فَتَيَمَّمَ)؛ أجزأه. (أَوْ عَدِمَ المَاءَ وَالتُّرَابَ)؛ كمَن حُبِس بمحلٍّ لا ماءَ به ولا ترابَ، وكذا مَن به قُروحٌ (٢) لا يَستطيعُ معها لَمْسَ البشَرة بماءٍ ولا ترابٍ؛ (صَلَّى) الفرضَ فقط على حسَبِ حالِه، (وَلَمْ يُعِدْ)؛ لأنَّه أتى بما أُمِر به، فَخَرَج مِن عُهدتِه. ولا يزيدُ على ما يُجزِئُ في الصلاةِ، فلا يَقرأُ زائداً على الفاتحةِ، ولا يُسبِّحُ غيرَ مرَّةٍ، ولا يَزيدُ في طمأنينةِ ركوعٍ أو سجودٍ (٣) وجلوسٍ بين السجدتين، ولا على ما يُجزئُ في التشهدين. وتَبطلُ صلاتُه بحَدثٍ ونحوِه فيها.

стр. 158

ولا يَؤُمُّ (١) مُتطهراً بأحدِهما. (وَيَجِبُ التَّيَمُّمُ): (بِتُرابٍ)، فلا يجوزُ التيمُّمُ برملٍ، وجِصٍ، ونَحْتِ الحجارةِ ونحوِها. (طَهُورٍ)، فلا يجوز بترابٍ تُيُمِّمَ به؛ لزوالِ طَهوريَّتِه باستعماله. وإن تيمَّم جماعةٌ مِن موضعٍ واحدٍ جاز؛ كما لو توضؤوا من حوضٍ يَغترفون منه. ويُعتبر أيضاً: أن يكونَ مباحاً، فلا يصحُّ بترابٍ مغصوبٍ. وأنْ يكونَ غيرَ محترقٍ، فلا يصحُّ بما دقَّ مِن خَزَف ونحوِه. وأن يكونَ (لَهُ غُبَارٌ)؛ لقولِه تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) [المائدة: ٦]، فلو تيمَّم على لِبَدٍ، أو ثوبٍ، أو بساطٍ، أو حصيرٍ، أو حائطٍ، أو صخرةٍ، أو حيوانٍ، أو بَرْذَعَتِهِ، أو شجرٍ، أو خشبٍ، أو عِدْلِ (٢) شعيرٍ ونحوِه مما عليه غبارٌ؛ صحَّ.

стр. 159

وإن اختلط الترابُ بذي غبار غيرِه؛ كالنُّوَرَةِ، فكماءٍ خالطَه طاهرٌ. (وَفُرُوضُهُ)، أي: فروضُ التيمُّمِ: (مَسْحُ وَجْهِهِ)، سِوى ما تحتَ شعرٍ ولو خفيفاً، وداخلِ فمٍ وأنفٍ، ويُكره. (وَ) مَسْحُ (يَدَيْهِ إِلى كُوعَيْهِ (١)؛ لقولِه ﷺ لعمَّارٍ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا»، ثُمَّ ضَرَب بيديه الأرضَ ضربةً واحدةً، ثُمَّ مَسَح الشِّمالَ على اليمينِ، وظاهِرَ كَفَّيْهِ ووَجْهِهِ. متفقٌ عليه (٢). (وَكَذَا التَّرتِيبُ) بين مسْحِ الوجهِ واليدين، (والمُوالاةُ) بينَهما، بألَّا يؤخِّرَ مَسْحَ اليدين بحيثُ يَجِفُّ الوجهُ لو كان مغسولاً، فهما فرضان (فِي) التيمُّمِ عن (حَدَثٍ أصْغَرَ) لا عن حدثٍ أكبرَ أو نجاسةٍ ببدنٍ؛ لأنَّ التيمُّمَ مبنيٌّ على طهارةِ الماءِ. (وَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِمَا يَتَيَمَّمُ لَهُ)، كصلاةٍ أو طوافٍ أو غيرِهما (مِنْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ)؛ كنجاسةٍ على بدنِه. فيَنوي استباحةَ الصلاةِ مِن الجنابةِ والحدثِ إن كانا، أو

стр. 160

أحدُهما، أو عن غَسْل بعضِ بدنِه (١) الجريح أو نحوِه (٢)؛ لأنَّها طهارةُ ضرورةٍ فلم تَرفع الحدثَ، فلا بدَّ مِن التَعْيين؛ تقويةً لضعفِه، فلو نوى رَفْعَ الحدَثِ لم يَصحَّ. (فَإِنْ نَوَى أَحَدَهَا)، أي: الحدثَ الأصغرَ، أو الأكبرَ، أو النَّجاسةَ بالبدنِ؛ (لَم يُجْزِئْهُ عَنْ الآخَرِ)؛ لأنَّها أسبابٌ مختلفةٌ، ولحديثِ: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٣). وإنْ نوى جميعَها جاز؛ للخبرِ، وكلُّ واحدٍ يَدخلُ في العمومِ فيَكون منويًّا. (وإِنْ نَوَى) بتيمُّمِه (نَفْلاً)؛ لم يُصَلِّ به فرضاً؛ لأنَّه ليس بمَنْويٍّ، وخالَفَ طهارةَ الماءَ؛ لأنَّها تَرفعُ الحدثَ. (أَوْ) نوى استباحةَ الصلاةِ و (أَطْلَقَ)، فلم يُعيِّن فرضاً ولا نفلاً؛ (لَم يُصَلِّ بِهِ فَرْضاً) ولو على الكِفايةِ، ولا نَذراً؛ لأنه لم يَنْوِهِ، وكذا الطوافُ. (وَإِنْ نَوَاهُ)، أي: نوى استباحةَ فرضٍ؛ (صَلَّى كُلَّ وَقْتِهِ فُرُوضاً وَنَوافِلَ).

стр. 161

فمن نوى شيئاً استباحه ومثلَه ودونَه؛ فأعلاه فَرْضُ عَيْنٍ، فَنَذرٌ، فَفَرضُ كِفايةٍ، فصلاةُ نافلةٍ، فطوافُ نَفْلٍ، فمَسُّ مصحفٍ، فقراءةُ قرآنٍ، فلُبْثٌ بمسجدٍ. (وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ) مطلقاً: (بِخُرُوجِ الوَقْتِ) أو دخولِه، ولو كان التيمُّمُ لغيرِ صلاةٍ، ما لم يَكُن في صلاةِ جمعةٍ، أو نوى الجَمْعَ في وقتِ ثانيةٍ مَن يُباحُ له؛ فلا يَبطُلُ تيمُّمُه بخروجِ وقتِ الأُولى؛ لأنَّ الوقتين صارا كالوقتِ الواحدِ في حقِّه. (وَ) يَبطلُ التيمُّمُ عن حدثٍ أصغرَ (بِمُبطِلَاتِ الوُضُوءِ)، وعن حدثٍ أكبر بمُوجِباتِه؛ لأنَّ البدلَ له حكمُ المبدلِ، وإن كان لحيضٍ (١) أو نفاسٍ؛ لم يَبطُلْ بحدثٍ غيرِهما. (وَ) يَبطلُ التيمُّمُ أيضاً بـ (وُجُودِ المَاءِ) المقدورِ على استعمالِه بلا ضَررٍ إن كان تيمَّم لعدمِه، وإلا فَبِزوال مُبيحٍ مِن مرضٍ ونحوِه، (وَلَوْ فِي الصَّلاةِ)، فيتطهَّرُ ويستأنِفُها، (لَا) إن وُجِد ذلك (بَعْدَهَا)، فلا تجبُ إعادتُها، وكذا الطوافُ. ويُغسَّلُ ميتٌ ولو صُلِّي عليه، وتُعادُ. (وَالتَّيَمُّمُ آخِرَ الوَقْتِ) المختارِ (لِرَاجِي المَاءِ)، أو العالمِ

стр. 162

وُجُودَه، ولمن استوى عندَه الأمرانِ؛ (أَوْلَى)؛ لقولِ عليٍّ ﵁ في الجُنُبِ: «يَتَلَوَّمُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الوَقْتِ، فَإِنْ وَجَدَ الماءَ وَإِلَّا تَيَمَّمَ» (١). (وَصِفَتُهُ) أي: كيفيةُ التيمُّمِ: (أَنْ يَنْوِيَ) كما تقدَّم. (ثُمَّ يُسَمِّيَ)، فيقولُ: بسم اللهِ، وهي هنا كوضوءٍ. (ويَضرْبَ التُّرابَ بِيَدَيْهِ مُفَرَّجَتَي الأَصَابِعِ)؛ ليصِلَ الترابُ إلى ما بينَها (٢)، بعدَ نَزْعِ نحوِ خاتمٍ؛ ضربةً واحدةً، ولو كان الترابُ

стр. 163

ناعماً فَوَضَع يديه عليه وعَلِق بهما؛ أجزأه. (يَمْسَحُ وَجْهَهَ بِبَاطِنِهَا (١)، أي: باطنِ أصابعِه، (وَ) يَمسحُ (كَفَّيهِ بِرَاحَتَيْهِ) استحباباً، فلو مسَحَ وجهَه بيمينِه ويمينُه بيسارِه، أو عكس؛ صحَّ. واستيعابُ الوجهِ والكفين واجبٌ، سِوى ما يشُقُّ وُصولُ التُّرابِ إليه. (وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُ)؛ ليصِلَ الترابُ إلى ما بينها (٢). ولو تيمَّمَ بخِرْقَةٍ أو غيرِها؛ جاز. ولو نوى وصَمَد للرِّيحِ حتى عمَّتْ محلَّ الفرض بالتراب، أو أمَرَّه (٣) عليه ومَسَحه به؛ صحَّ، لا إن سَفَتْهُ بلا تَصْميدٍ، فَمَسَحه به.

стр. 164

(بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ) الحُكْمِيَّةِ أي: تطهيرِ مَواردِها. (يُجْزِئُ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ كُلِّهَا)، ولو مِن كلبٍ أو خنزيرٍ (١) (إِذَا كَانَتْ عَلَى الأَرْضِ) وما اتَّصَل بها مِن الحيطانِ والأحواضِ والصخرِ؛ (غَسْلةٌ وَاحِدَةٌ تَذْهَبُ بَعَيْنِ النَّجَاسَةِ)، ويذهبُ لونُها وريحُها، فإن لم يذهبَا لم تَطهرْ، ما لم يَعجزْ. وكذا إذا غُمِرت بماءِ المطرِ والسيول؛ لعدمِ اعتبارِ النيةِ لإزالتِها. وإنما اكْتُفِيَ بالمرَّةِ (٢)؛ دفعاً للحرجِ والمشقةِ؛ لقولِه ﷺ : «أَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ (٣) سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ» متفقٌ عليه (٤). فإن كانت النجاسةُ ذاتَ أجزاءٍ متفرِّقةٍ؛ كالرِّمَمِ، والدَّمِ الجافِّ، والرَّوثِ، واختلطت بأجزاءِ الأرضِ؛ لم تَطهُرْ بالغَسلِ، بل بإزالةِ أجزاءِ المكانِ، بحيثُ يُتَيقَّنُ زوالُ أجزاءِ النجاسةِ.

стр. 165

(وَ) يُجزئُ في نجاسةٍ (عَلَى غَيْرِهَا)، أي: غيرِ أرضٍ (١) (سَبْعُ) غسلاتٍ، (إِحْدَاهَا (٢)، أي: إحدى الغسلاتِ - والأُولى أَوْلَى - (بِتُرَابٍ) طَهورٍ (فِي نَجَاسَةِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ) وما تَولَّد منهما، أو مِن أحدِهما؛ لحديثِ: «إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعاً، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» رواه مسلمٌ عن أبي هريرةَ مرفوعاً (٣). ويُعْتبرُ ماءٌ يُوصِل (٤) الترابَ إلى المحلِّ ويستوعِبُه به، إلا فيما يَضُرَّ؛ فيكفي مُسَمَّاه. (وَيُجْزِئُ عَنِ التُّرَابِ: أُشْنَانٌ (٥) وَنَحْوُهُ)، كالصابونِ (٦) والنُّخالةِ. ويحرُمُ استعمالُ مطعومٍ في إزالتِها. (وَ) يُجزئُ (فِي نَجَاسَةِ غَيْرِهِمَا)، أي: غيرِ الكلبِ والخنزيرِ أو ما تولَّد منهما أو مِن أحدِهما، (سَبْعُ) غسلاتٍ، بماءٍ طهورٍ، ولو غيرَ مُباحٍ، إن أنْقَتْ، وإلا فحتى تُنْقِي، مع حتٍّ وقرْصٍ لحاجةٍ،

стр. 166

وعَصْرٍ مع إمكانٍ، كلَّ مرةٍ خارِجَ الماءِ، فإن لم يُمكِن عصرُه فبِدقِّهِ وتَقْليبِه أو تَثْقيلِه كلَّ غسلةٍ حتى يذهبَ أكثرُ ما فيه مِن الماءِ، ولا يضرُّ بقاءُ لونٍ، أو ريحٍ، أو هما (١) عجزاً، (بِلَا تُرَابٍ)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «أُمِرْنَا بِغَسْلِ الأَنْجَاسِ سَبْعاً» (٢)، فيَنصرفُ إلى أمرِه ﷺ . قاله في المبدعِ (٣) وغيرِه (٤). وما تَنجَّس بغَسلةٍ يُغسلُ عددَ ما بَقي بعدَها مع ترابٍ في نحوِ نجاسةِ كلبٍ إن لم يَكُن استُعمل. (وَلَا يَطْهُرُ مُتَنَجِّسٌ) ولو أرضاً (بِشَمْسٍ، وَلَا رِيْحٍ، وَلَا دَلْكٍ)، ولو أسفلَ خُفٍّ أو حذاءٍ، أو ذَيْلَ امرأةٍ، ولا صَقيلٌ بمَسْحٍ.

стр. 167

(وَلَا) يَطهرُ متنجِّسٌ بـ (اسْتِحَالَةٍ)، فرَمادُ النجاسةِ، وغبارُها، وبخارُها، ودودُ جُرُح، وصراصِرُ كُنُفٍ، وكلبٌ وَقَع في ملاَّحةٍ صار (١) مِلحاً، ونحوُ ذلك؛ نَجِس، (غَيْرَ الخَمْرَةِ) إذا انقلبت بنفسِها خلًّا، أو بنقلٍ لا لقصدِ تخليلٍ، ودَنُّها مثلُها؛ لأنَّ نجاستَها لشدَّتِها المُسكِرةِ وقد زالت، كالماءِ الكثيرِ إذا زالَ تغيُّرُه بنفسِه، والعَلَقةِ إذا صارت حيواناً طاهراً. (فَإِنْ خُلِّلَتْ)، أو (٢) نُقِلَت لقصدِ التخليلِ؛ لم تَطهرْ. والخلُّ المباحُ: أن يُصَبَّ على العنبِ أو العصيرِ خلٌّ قبلَ غَليانِه حتى لا يَغْلي. ويُمنَعُ غيرُ خَلَّالٍ مِن إمساكِ الخمرةِ لتُخَلَّل. (أَوْ تَنَجَّسَ دُهْنٌ مائعٌ)، أو عجينٌ، أو باطِنُ حَبٍّ، أو إناءٌ تَشرَّبَ النجاسةَ، أو سكِّينٌ سُقِيَتْهَا؛ (لَمْ يَطْهُرْ)؛ لأنَّه لا يُتحقَّقُ وصولُ الماءِ (٣) إلى جميعِ أجزائِه. وإن كان الدُّهنُ جامداً ووقعت فيه نجاسةٌ؛ أُلْقِيَت وما حولها، والباقي طاهرٌ، فإن اختلط ولم يَنضبطْ؛ حَرُم.

стр. 168

(وَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ نَجَاسَةٍ) في بدنٍ، أو ثوبٍ، أو بُقعةٍ ضيِّقةٍ وأراد الصلاةَ؛ (غَسَلَ) وجوباً (حَتَّى يَجْزِمَ بِزَوَالِهِ)، أي: زوالِ النجسِ؛ لأنَّه مُتَيَقَّنٌ، فلا يَزولُ إلا بيقينِ الطهارةِ، فإن لم يَعْلَمْ جهتَها مِن الثوبِ؛ غَسَله كلَّه، وإن علِمَها في أحدِ كُمَّيه ولا يَعرفُه؛ غَسَلهما. ويُصلِّي في فضاءٍ واسعٍ حيثُ شاء، بلا تحرٍّ (١). (ويَطْهُرُ بَوْلُ) وقيءُ (غُلَامٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ) لشهوةٍ (بِنَضْحِهِ)، أي: غَمْرِه بالماءِ، ولا يحتاجُ لِمَرسٍ وعصْرٍ. فإن أكَلَ الطعامَ غُسِلَ كغائطِه، وكبولِ الأنثى والخنثى، فَيُغسلُ كسائرِ النجاساتِ، قال الشافعي: (لم يَتبيَّن لي فرقٌ مِن السنةِ بينهما) (٢)، وذكر بعضُهم: أنَّ الغلامَ أصلُه مِن الماءِ والترابِ، والجاريةُ مِن اللحمِ والدمِ، وقد أفاده ابنُ ماجه في سننِه (٣)، وهو

стр. 169

غريبٌ. قاله في المبدعِ (١). ولعابُهُما طاهرٌ. (وَيُعْفَى فِي غَيْرِ مَائِعٍ وَ) في غيرِ (مَطْعُومٍ عَنْ يَسِيرِ دَمٍ نَجِسٍ)، ولو حيضاً، أو نفاساً، أو استحاضةً، وعن يسيرِ قَيْحٍ وصديدٍ (مِنْ حَيْوَانٍ طَاهِرٍ) لا نجسٍ، ولا إن كان من سبيلٍ، قُبُلٍ أو دبرٍ. واليسيرُ: ما لا يَفْحُشُ في نفسِ كلِّ أحدٍ بحسَبِه. ويُضَّمُّ متفرقٌ بثوبٍ، لا أكثرَ. ودمُ السمكِ، وما لا نَفْسَ له سائلةٌ؛ كالبَقِّ والقَمْلِ، ودمُ الشهيدِ عليه، وما يَبقى في اللَّحمِ وعروقِه ولو ظهرت حُمْرَته؛ طاهرٌ. (وَ) يُعفى (عَنْ أَثَرِ اسْتِجْمَارٍ) بمحلِّه بعدَ الإنقاءِ واستيفاءِ العددِ. (وَلَا يَنْجُسُ الآدَمِيُّ بِالمَوْتِ)؛ لحديثِ: «المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ» متفقٌ عليه (٢).

стр. 170

(وَمَا لَا نَفْسَ)، أي: دم، (لَهُ (١) سَائِلَةٌ)، كالبَقِّ والعقربِ وهو (مُتَولِّدٌ مِنْ طَاهِرٍ)؛ لا ينجُسُ بالموتِ، بَرِّياً كان أو بحرياً، فلا ينجُسُ الماءُ اليسيرُ بموتِهما (٢) فيه. (وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَرَوْثُه، وَمَنِيُّهُ)؛ طاهرٌ؛ «لِأَنَّهُ ﷺ : أَمَرَ العُرَنِيِّينَ أَنْ يَلْحَقُوا بِإبلِ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِها وَأَلْبَانِها» (٣)، والنَّجِسُ لا يُباحُ شُرْبُه، ولو أُبيح للضرورةِ لأمرِهِم بغَسْلِ أثرِه إذا أرادوا الصلاةَ. (وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ) طَاهرٌ؛ لقولِ عائشةَ: «كُنْتُ أَفْرُكُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ يَذْهَبُ فَيُصَلِّي بِهِ» متفقٌ عليه (٤). فعلى هذا: يُستحبُّ فَرْكُ يابسِه، وغَسلُ رَطْبِه. (وَرُطُوبَةُ فَرْجِ المرْأَةِ) -وهو مسلكُ الذَّكَرِ-؛ طاهرةٌ (٥)، كالعَرَقِ، والرِّيقِ، والمُخاطِ، والبَلْغَمِ ولو ازْرَقَّ، وما سَال مِن الفمِ وقتَ النومِ.

стр. 171

(وَسُؤْرُ الهِرَّةِ وَمَا دُونَها فِي الخِلْقَةِ طاهرٌ) غيرُ مكروهٍ، غيرَ دجاجةٍ مُخَلَّاةٍ. والسُّؤرُ - بضمِّ السينِ - مهموزاً: بقيَّةُ طعامِ الحيوانِ وشرابِه، والهِرُّ: القِطُّ. وإنْ أَكَل هو أو طفل ونحوُهما نجاسةً ثم شَرِب - ولو قبلَ أن يَغِيبَ - مِن مائعٍ؛ لم يُؤَثِّرْ؛ لعمومِ البلوى، لا عن نجاسةٍ بيدِها أو رجلِها. ولو وقع ما يَنْضَمُّ دُبُرُه في مائعٍ ثم خَرَج حيًّا؛ لم يُؤثِّرْ. (وسِبَاعُ البَهَائِمِ وَ) سباعُ (الطَّيْرِ) التي هي أكبرُ مِن الهرِّ خِلْقَةً، (وَالحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَالبَغْلُ مِنْهُ)، أي: مِن الحمارِ الأهلي لا الوحشي؛ (نَجِسَةٌ)، وكذا جميعُ أجزائِها وفضلاتِها؛ لأنَّه ﵇ لمَّا سُئل عن الماءِ، وما يَنُوبُه مِن السباعِ والدوابِ، فقال: «إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» (١)، فمفهومُه: أنه يَنجُسُ إذا لم يَبلُغْهما، وقال في الحُمُرِ يومَ خيبرٍ: «إِنَّها رِجْسٌ» متفقٌ عليه (٢)، والرِّجسُ: النجسُ.

стр. 172

(بَابُ الحَيْضِ) أصلُه: السيلانُ، مِن قولِهم: حاض الوادي، إذا سال. وهو شرعاً: دمُ طبيعةٍ وجِبِلَّةٍ، يخرجُ مِن قَعْرِ الرَّحِمِ في أوقاتٍ معلومةٍ، خَلَقه اللهُ لحكمةِ غذاءِ الولدِ وتربيتِه. (لا حَيْضَ قَبْلَ تِسْعِ سِنِينَ)، فإنْ رأت دماً لدونِ ذلك فليس بحيضٍ؛ لأنَّه لم يَثبُتْ في الوجودِ، وبعدَها إنْ صَلَح؛ فحيضٌ، قال الشافعي: (رأيتُ جدَّةً لها إحدى وعشرون سنةً) (١). (وَلَا) حيضَ (بَعْدَ خَمْسِينَ) سنةً؛ لقولِ عائشةَ: «إِذَا بَلَغَت المَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةٍ خَرَجَت مِنْ حَدِّ الحَيْضِ»، ذكره أحمدُ (٢)، ولا فرق بينَ نساءِ العربِ وغيرِهنَّ.

стр. 173

(وَلَا) حيضَ (مَعَ حَمْلٍ)، قال أحمدُ: (إنَّما تَعْرِفُ النِّساءُ الحملَ بانقطاعِ الدمِ) (١)، فإنْ رأتْ دماً فهو دمُ فسادٍ لا تَتْرُكُ له العبادةَ، ولا يُمْنَعُ زوجُها مِن وطئِها، ويُستحبُّ أن تغتسِلَ بعدَ انقطاعِه، إلا أنْ تراه قبلَ ولادتِها بيومين أو ثلاثةٍ مع أمارةٍ؛ فنِفاسٌ، ولا تَنْقُصُ به مدَّتُه. (وَأَقَلُّهُ)، أي: أقلُّ الحيضِ (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ)؛ لقولِ عليٍّ ﵁ (٢). (وَأَكْثَرُهُ)، أي: أكثرُ الحيضِ (خَمْسَةَ عَشَرَ) يوماً بلياليها؛ لقولِ عطاءٍ: (رأيتُ مَنْ تحيضُ خمسةَ عَشَرَ يوماً (٣) (٤). (وَغَالِبُهُ)، أي: غالبُ الحيضِ (ستُّ) ليالٍ بأيامِها، (أَوْ (٥) سَبْعُ) ليالٍ بأيامِها. (وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ) يوماً، احتجَّ أحمدُ بما

стр. 174

رُوي عن عليٍّ: أنَّ امرأةً جاءته، وقد طلَّقها زوجُها، فزَعَمت أنَّها حاضت في شهرٍ ثلاثَ حِيَضٍ، فقال عليٌّ لشُرَيْحٍ: «قُلْ فِيهَا»، فقال شريحٌ (١): «إنْ جاءت ببيِّنَةٍ مِن بِطَانةِ أهلِها ممن يُرْجى دينُه وأمانتُه فشَهِدَت بذلك، وإلا فهي كاذبة»، فقال عليٌّ: «قَالُون»، أي: جيِّدٌ، بالروميةِ (٢). (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ)، أي: أكثرِ الطُّهرِ بين الحيضتين؛ لأنَّه قد وُجِدَ مَن لا تحيضُ أصلاً، لكن غالِبُه بَقيَّةُ الشهرِ. والطُّهرُ زَمَنَ حيضٍ: خُلوصُ النَّقاءِ، بألا تتغيَّرَ معه قطنةٌ

стр. 175

احْتَشَت بها. ولا يُكره وطؤها زمنَه إنِ اغتسلت. (وَتَقْضِي الحَائِضُ (١) الصَّوْمَ لَا الصَّلَاةَ) إجماعاً، (وَلَا يَصِحَّانِ)، أي: الصومُ والصلاةُ (مِنْهَا)، أي: مِن الحائضِ، (بَلْ يَحْرُمَانِ) عليها، كالطوافِ، وقراءةِ القرآنِ، واللُّبثِ في المسجدِ، لا المرورِ به إنْ أَمِنَت تلويثَه. (وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِي الفَرْجِ) إلا لمن به شَبَقٌ بشَرْطِه، قال اللهُ تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، (فَإِنْ فَعَلَ) بأن أَوْلَجَ قبلَ انقطاعِه مَن يُجامِعُ مثلُه حَشَفَتَه ولو بحائلٍ، أو مكرَهاً، أو ناسِياً، أو جاهِلاً؛ (فَعَلَيْهِ دِينَارٌ، أَوْ نِصْفُهُ (٢) على التخييرِ (كَفَّارةٌ)؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهُ» رواه أحمدُ، والترمذي، وأبو داودَ، وقال: (هكذا الروايةُ الصحيحةُ) (٣).

стр. 176

والمرادُ بالدينارِ: مِثْقالٌ مِن الذَّهبِ، مَضْروباً كان أو غيرَه، أو قيمتُه مِن الفضَّةِ فقط. ويُجزئُ لواحدٍ، وتسقُطُ بعَجْزِه. وامرأةٌ مطاوِعةٌ (١) كرجلٍ.

стр. 177

(وَ) يجوزُ أنْ (يَسْتَمْتِعَ مِنْهَا)، أي: مِن الحائضِ (بِمَا دُونَهُ)، أي: دونَ الفَرْجِ، مِنَ القُبلةِ، واللَّمسِ، والوطءِ دونَ الفرجِ؛ لأنَّ المَحيضَ اسمٌ لمكانِ الحيضِ، قال ابنُ عباسٍ: «فَاعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ» (١). ويُسنُّ سَتْرُ فَرجِها عندَ مباشرةِ غيرِه. وإذا أراد وَطأها فادَّعَتْ حيضاً مُمكِناً؛ قُبِل. (وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ)، أي: دمُ الحيضِ أو النفاسِ (وَلَمْ تَغْتَسِلْ؛ لَمْ يُبَحْ غَيْرُ الصِّيامِ والطَّلاقِ). فإن عَدِمَتْ الماءَ تيمَّمت، وحَلَّ وطؤُها. وتُغَسَّلُ المسلمةُ الممتنعةُ قهراً، ولا نيَّةَ هنا كالكافرةِ؛ للعذرِ، ولا تُصلِّي به. ويَنوي عن مجنونةٍ غُسِّلت، كميتٍ. (وَالمُبْتَدَأَةُ)، أي: في زمَنٍ يُمْكِنُ أنْ يكونَ حيضاً، وهي التي رأت الدمَ، ولم تَكُن حاضت؛ (تَجْلِسُ)، أي: تدعُ الصلاةَ

стр. 178

والصيامَ ونحوَهما بمُجرَّدِ رؤيتِه، ولو أحمرَ، أو صُفْرةً، أو كُدْرةً، (أَقَلَّهُ)، أي: أقلَّ الحيضِ يوماً وليلةً، (ثُمَّ تَغْتَسلُ)؛ لأنَّه آخرُ حيضِها حُكْماً، (وَتُصَلِّي) وتصومُ ولا توطأُ. (فَإِنْ انْقَطَعَ) دمُها (لِأَكْثَرِهِ)، أي: أكثرِ الحيضِ خمسةَ عشرَ يوماً (فَمَا دُونُ) - بضمِّ النونِ؛ لقطعِه عن الإضافةِ-؛ (اغْتَسلَتْ إِذَا انْقَطَع (١) أيضاً وجوباً؛ لصلاحيَّتِه أنْ يكونَ حيضَها (٢)، وتَفعلُ كذلك في الشهرِ الثاني والثالثِ. (فَإِنْ تَكَرَّرَ) الدَّمُ (ثَلَاثًا)، أي: في ثلاثةِ أشهرِ ولم يَختلفْ؛ (فَ) هو كلُّه (حَيْضٌ)، وتَثْبُت (٣) عادتُها، فتجلِسُه في الشهرِ الرابعِ، ولا تَثبتُ بدونِ ثلاثٍ، (وَتَقْضِي مَا وَجَبَ فِيهِ)، أي: ما صامت فيه مِن واجبٍ، وكذا ما طافَتْهُ، أو اعتكَفَتْه فيه. وإن ارتفعَ حيضُها ولم يَعُدْ، أو أَيِسَت قبلَ التِّكرارِ؛ لم تَقْضِ. (وإِنْ عَبَرَ)، أي: جاوَزَ الدمُ (أكْثَرَهُ)، أي: أكثرَ الحيضِ (فَـ) هي (مُسْتَحَاضَةٌ). والاستحاضةُ: سَيَلانُ الدَّمِ في غيرِ وقتِه، مِن العِرْقِ العاذِلِ مِن أدنى الرَّحمِ، دونَ قَعْرِه.

стр. 179

(فَإِنْ كَانَ) لها تمييزٌ؛ بأنْ كان (بَعْضُ دَمِهَا أَحْمَرَ، وَبَعْضُهُ أَسْوَدَ، وَلَمْ يَعْبُرْ)، أي: يُجاوزْ الأسودُ (أَكْثَرَهُ)، أي: أكثرَ الحيضِ، (وَلَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ؛ فَهُوَ)، أي: الأسودُ (حَيْضُهَا)، وكذا إذا كان بعضُه ثخيناً، أو مُنْتِناً، وصَلَح حيضاً، (تَجْلِسُهُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي) ولو لم يَتكرَّر أو يَتوالَ، (وَالأحْمَرُ)، أو الرقيقُ، أو غيرُ المنتنِ (١)؛ (اسْتِحَاضَةٌ)، تَصومُ فيه وتصلي. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُتَميِّزاً؛ جَلَسَتْ (٢) عن الصلاةِ ونحوِها أقلَّ الحيضِ مِن كلِّ شهرٍ حتى يتكرَّرَ ثلاثاً، فتَجلِسَ (غَالِبَ الحَيْضِ)، ستًّا أو سبعاً بتحرٍّ (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) مِن أوَّلِ وقْتِ ابتدائِها إنْ عَلِمَتْه، وإلا فَمِن أوَّل كلِّ هِلاليٍّ. (وَالمُسْتَحَاضَةُ المُعْتَادَةُ) التي تَعرِف شهرَها، ووقتَ حيضِها، وطُهرِها منه، (وَلَوْ) كانت (مُميِّزَةً؛ تَجْلِسُ عَادَتَهَا)، ثمُّ تَغتسلُ بعدَها وتُصلِّي، (وَإِنْ نَسِيَتْهَا)، أي: نسيت عادتَها (عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ الصَّالِحِ)، بألا ينقُصَ الدمُ الأسودُ ونحوُه عن يومٍ وليلةٍ، ولا يَزيدُ على خمسةَ عشرَ، ولو تَنَقَّل أو لم يَتَكرَّرْ. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ) صالحٌ، ونسِيَت عدَدَه ووقتَه؛ (فَغَالِبُ

стр. 180

الحَيْضِ)، تجلِسُه مِن أوَّلِ كلِّ مدَّةٍ عُلِم الحيضُ فيها وضاعَ موضِعُه، وإلا فمِن أوَّل كلِّ هلالي، (كَالعَالِمَةِ بِمَوْضِعِهِ)، أي: موضعِ الحيضِ، (النَّاسِيَةِ لِعَدَدِهِ)، فتجلِسُ غالبَ الحيضِ في موضعِه. (وَإِنْ عَلِمَتْ) المستحاضَةُ (عَدَدَهُ)، أي: عدَدَ أيامِ حيضِها، (وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهُ مِنَ الشَّهْرِ، وَلَوْ) كان موضِعُه مِن الشهرِ (فِي نِصْفِهِ؛ جَلَسَتْهَا)، أي: جلست أيامَ عادتِها (مِنْ أَوَّلِهِ)، أي: أوَّل الوقْتِ الذي كان الحيضُ يأتِيها فيهِ، (كَمَنْ)، أي: كمُبْتَدَأةٍ (لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ)، فتجلِسُ مِن أوَّلِ وقتِ ابتدائِها، كما تقدَّم. (وَمَنْ زَادَتْ عَادَتُهَا)، مثلَ: أن يكونَ حيضُها خمسةً مِن كلِّ شهرٍ، فيصيرُ ستَّةً، (أَوْ تَقَدَّمَتْ)، مثلَ: أن يكونَ عادتُها مِن أوَّلِ الشهرِ فتراه في آخرِه (١)، (أَوْ تَأَخَّرَتْ)، عكسُ التي قبلَها؛ (فَمَا تَكَرَّرَ) مِن ذلك (ثَلَاثًا) فهو (حَيْضٌ). ولا تَلتفِتُ إلى ما خَرَج عن العادَةِ قبلَ تَكرُّرِه؛ كدمِ المبتدأةِ الزائدِ على أقلِّ الحيضِ، فتصومُ فيه وتُصلِّي قبلَ التِّكرارِ، وتَغتسِل عندَ انقطاعِه ثانياً، فإذا تكرَّر ثلاثاً صار عادةً، فتُعِيدُ ما صامته ونحوَه مِن فرضٍ.
следующие страницы →