والمرادُ بالدينارِ: مِثْقالٌ مِن الذَّهبِ، مَضْروباً كان أو غيرَه، أو قيمتُه مِن الفضَّةِ فقط.
ويُجزئُ لواحدٍ، وتسقُطُ بعَجْزِه.
وامرأةٌ مطاوِعةٌ (١) كرجلٍ.
стр. 177
(وَ) يجوزُ أنْ (يَسْتَمْتِعَ مِنْهَا)، أي: مِن الحائضِ (بِمَا دُونَهُ)، أي: دونَ الفَرْجِ، مِنَ القُبلةِ، واللَّمسِ، والوطءِ دونَ الفرجِ؛ لأنَّ المَحيضَ اسمٌ لمكانِ الحيضِ، قال ابنُ عباسٍ: «فَاعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ» (١).
ويُسنُّ سَتْرُ فَرجِها عندَ مباشرةِ غيرِه.
وإذا أراد وَطأها فادَّعَتْ حيضاً مُمكِناً؛ قُبِل.
(وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ)، أي: دمُ الحيضِ أو النفاسِ (وَلَمْ تَغْتَسِلْ؛ لَمْ يُبَحْ غَيْرُ الصِّيامِ والطَّلاقِ).
فإن عَدِمَتْ الماءَ تيمَّمت، وحَلَّ وطؤُها.
وتُغَسَّلُ المسلمةُ الممتنعةُ قهراً، ولا نيَّةَ هنا كالكافرةِ؛ للعذرِ، ولا تُصلِّي به.
ويَنوي عن مجنونةٍ غُسِّلت، كميتٍ.
(وَالمُبْتَدَأَةُ)، أي: في زمَنٍ يُمْكِنُ أنْ يكونَ حيضاً، وهي التي رأت الدمَ، ولم تَكُن حاضت؛ (تَجْلِسُ)، أي: تدعُ الصلاةَ
стр. 178
والصيامَ ونحوَهما بمُجرَّدِ رؤيتِه، ولو أحمرَ، أو صُفْرةً، أو كُدْرةً، (أَقَلَّهُ)، أي: أقلَّ الحيضِ يوماً وليلةً، (ثُمَّ تَغْتَسلُ)؛ لأنَّه آخرُ حيضِها حُكْماً، (وَتُصَلِّي) وتصومُ ولا توطأُ.
(فَإِنْ انْقَطَعَ) دمُها (لِأَكْثَرِهِ)، أي: أكثرِ الحيضِ خمسةَ عشرَ يوماً (فَمَا دُونُ) - بضمِّ النونِ؛ لقطعِه عن الإضافةِ-؛ (اغْتَسلَتْ إِذَا انْقَطَع (١) أيضاً وجوباً؛ لصلاحيَّتِه أنْ يكونَ حيضَها (٢)، وتَفعلُ كذلك في الشهرِ الثاني والثالثِ.
(فَإِنْ تَكَرَّرَ) الدَّمُ (ثَلَاثًا)، أي: في ثلاثةِ أشهرِ ولم يَختلفْ؛ (فَ) هو كلُّه (حَيْضٌ)، وتَثْبُت (٣) عادتُها، فتجلِسُه في الشهرِ الرابعِ، ولا تَثبتُ بدونِ ثلاثٍ، (وَتَقْضِي مَا وَجَبَ فِيهِ)، أي: ما صامت فيه مِن واجبٍ، وكذا ما طافَتْهُ، أو اعتكَفَتْه فيه.
وإن ارتفعَ حيضُها ولم يَعُدْ، أو أَيِسَت قبلَ التِّكرارِ؛ لم تَقْضِ.
(وإِنْ عَبَرَ)، أي: جاوَزَ الدمُ (أكْثَرَهُ)، أي: أكثرَ الحيضِ (فَـ) هي (مُسْتَحَاضَةٌ).
والاستحاضةُ: سَيَلانُ الدَّمِ في غيرِ وقتِه، مِن العِرْقِ العاذِلِ مِن أدنى الرَّحمِ، دونَ قَعْرِه.
стр. 179
(فَإِنْ كَانَ) لها تمييزٌ؛ بأنْ كان (بَعْضُ دَمِهَا أَحْمَرَ، وَبَعْضُهُ أَسْوَدَ، وَلَمْ يَعْبُرْ)، أي: يُجاوزْ الأسودُ (أَكْثَرَهُ)، أي: أكثرَ الحيضِ، (وَلَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ؛ فَهُوَ)، أي: الأسودُ (حَيْضُهَا)، وكذا إذا كان بعضُه ثخيناً، أو مُنْتِناً، وصَلَح حيضاً، (تَجْلِسُهُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي) ولو لم يَتكرَّر أو يَتوالَ، (وَالأحْمَرُ)، أو الرقيقُ، أو غيرُ المنتنِ (١)؛ (اسْتِحَاضَةٌ)، تَصومُ فيه وتصلي.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُتَميِّزاً؛ جَلَسَتْ (٢) عن الصلاةِ ونحوِها أقلَّ الحيضِ مِن كلِّ شهرٍ حتى يتكرَّرَ ثلاثاً، فتَجلِسَ (غَالِبَ الحَيْضِ)، ستًّا أو سبعاً بتحرٍّ (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) مِن أوَّلِ وقْتِ ابتدائِها إنْ عَلِمَتْه، وإلا فَمِن أوَّل كلِّ هِلاليٍّ.
(وَالمُسْتَحَاضَةُ المُعْتَادَةُ) التي تَعرِف شهرَها، ووقتَ حيضِها، وطُهرِها منه، (وَلَوْ) كانت (مُميِّزَةً؛ تَجْلِسُ عَادَتَهَا)، ثمُّ تَغتسلُ بعدَها وتُصلِّي، (وَإِنْ نَسِيَتْهَا)، أي: نسيت عادتَها (عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ الصَّالِحِ)، بألا ينقُصَ الدمُ الأسودُ ونحوُه عن يومٍ وليلةٍ، ولا يَزيدُ على خمسةَ عشرَ، ولو تَنَقَّل أو لم يَتَكرَّرْ.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ) صالحٌ، ونسِيَت عدَدَه ووقتَه؛ (فَغَالِبُ
стр. 180
الحَيْضِ)، تجلِسُه مِن أوَّلِ كلِّ مدَّةٍ عُلِم الحيضُ فيها وضاعَ موضِعُه، وإلا فمِن أوَّل كلِّ هلالي، (كَالعَالِمَةِ بِمَوْضِعِهِ)، أي: موضعِ الحيضِ، (النَّاسِيَةِ لِعَدَدِهِ)، فتجلِسُ غالبَ الحيضِ في موضعِه.
(وَإِنْ عَلِمَتْ) المستحاضَةُ (عَدَدَهُ)، أي: عدَدَ أيامِ حيضِها، (وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهُ مِنَ الشَّهْرِ، وَلَوْ) كان موضِعُه مِن الشهرِ (فِي نِصْفِهِ؛ جَلَسَتْهَا)، أي: جلست أيامَ عادتِها (مِنْ أَوَّلِهِ)، أي: أوَّل الوقْتِ الذي كان الحيضُ يأتِيها فيهِ، (كَمَنْ)، أي: كمُبْتَدَأةٍ (لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ)، فتجلِسُ مِن أوَّلِ وقتِ ابتدائِها، كما تقدَّم.
(وَمَنْ زَادَتْ عَادَتُهَا)، مثلَ: أن يكونَ حيضُها خمسةً مِن كلِّ شهرٍ، فيصيرُ ستَّةً، (أَوْ تَقَدَّمَتْ)، مثلَ: أن يكونَ عادتُها مِن أوَّلِ الشهرِ فتراه في آخرِه (١)، (أَوْ تَأَخَّرَتْ)، عكسُ التي قبلَها؛ (فَمَا تَكَرَّرَ) مِن ذلك (ثَلَاثًا) فهو (حَيْضٌ).
ولا تَلتفِتُ إلى ما خَرَج عن العادَةِ قبلَ تَكرُّرِه؛ كدمِ المبتدأةِ الزائدِ على أقلِّ الحيضِ، فتصومُ فيه وتُصلِّي قبلَ التِّكرارِ، وتَغتسِل عندَ انقطاعِه ثانياً، فإذا تكرَّر ثلاثاً صار عادةً، فتُعِيدُ ما صامته ونحوَه مِن فرضٍ.
стр. 181
(وَمَا نَقَصَ عَنِ العَادَةِ طُهْرٌ)، فإنْ كانت عادتُها ستًّا فانقطع لخمسٍ؛ اغتسلت عندَ انقطاعِه وصَلَّت؛ لأنَّها طاهرةٌ.
(وَمَا عَادَ فِيهَا)، أي: في أيامِ عادتِها؛ كما لو كانت عشراً فرأت الدمَ ستًّا، ثم انقطع يومين، ثم عاد في التاسعِ والعاشرِ؛ (جَلَسَتْهُ) فيهما؛ لأنَّه صادَفَ زمنَ العادةِ؛ كما لو لم يَنقطِعْ.
(وَالصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ فِي زَمَنِ العَادَةِ حَيْضٌ)، فتجلسُهما، لا بعدَ العادةِ، ولو تكرَّرتا؛ لقولِ أُمِّ عطيةَ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئاً» رواه أبو داودَ (١).
(وَمَنْ رَأَتْ يَوْماً) أو أقلَّ أو أكثرَ (دَماً، وَيوَمًا) أو أقلَّ أو أكثرَ (نقَاءً؛ فَالدَّمُ حَيْضٌ) حيثُ بلَغَ مجموعُه أقلَّ الحيضِ، (وَالنَّقَاءُ طُهْرٌ)، تغتسلُ فيه، وتصومُ وتصلي، ويُكره وطؤها فيه، (مَا لَمْ يَعْبُرْ)، أي: يُجاوزْ مجموعُهما (أَكْثَرَهُ)، أي: أكثرَ الحيضِ، فيكونُ استحاضةً.
(وَالمُسْتَحَاضَةُ وَنَحْوُها) مِمَّن به سلسُ بولٍ أو مذيٍ أو ريحٍ، أو جُرحٌ لا يَرْقَأُ دَمُه، أو رُعافٌ دائمٌ:
стр. 182
(تَغْسِلُ فَرْجَهَا)؛ لإزالةِ ما عليه مِن الحدَثِ (١).
(وَتَعْصِبُهُ) عَصْباً يَمنعُ الخارجَ حسبَ الإمكانِ، فإنْ لم يُمْكِنْ عَصْبُه كالبَاسورِ؛ صلَّى على حَسَبِ حالِه، ولا يَلزمُ إعادتُهما لكلِّ صلاةٍ إنْ لم يُفَرِّطْ.
(وَتَتَوَضَّأُ لِـ) دخولِ (وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) إن خَرَج شيءٌ، (وَتُصَلِّي) ما دام الوقتُ (فُرُوضاً وَنَوافِلَ)، فإنْ لم يَخرجْ شيءٌ لم يَجبْ وضوءٌ.
وإن اعْتِيد انقطاعُه زمناً يتَّسِعُ للوضوءِ والصلاةِ؛ تعَيَّن؛ لأنَّه أمْكَن الإتيانُ بها كاملةً.
ومَن يَلحقُه السلسُ قائماً صلَّى قاعداً، وراكعاً (٢) أو ساجداً يركعُ ويسجدُ.
(وَلَا تُوطَأُ) المستحاضةُ (إِلَّا مَعَ خَوْفِ العَنَتِ (٣) منه أو منها، ولا كفارةَ فيه.
(وَيُسْتَحبُ غُسْلُهَا)، أي: غُسلُ المستحاضةِ (لِكُلِّ صَلَاةٍ)؛ لأنَّ
стр. 183
«أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَكَانَتْ تَغْتَسِل عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» متفقٌ عليه (١).
(وَأَكْثَرُ مُدَّةِ النِّفَاسِ)، وهو دمٌ تُرْخِيه الرَّحمُ للولادةِ وبعدَها، وهو بقيَّةُ الدَّمِ الذي احتُبِسَ في مدَّةِ الحملِ لأجلِه، وأصلُه لغةً: مِن التَّنَفسِ، وهو الخروجُ مِن الجوفِ، أو مِن: نفَّسَ اللهُ كُرْبتَه، أي: فرَّجَها، (أَرْبَعُونَ يَوْماً)، وأوَّلُ مدَّتِه مِن الوضعِ.
وما رأته قبلَ الولادَةِ بيومينِ أو ثلاثةٍ بأمارةٍ؛ فنفاسٌ، وتقدَّم (٢).
ويَثبتُ حُكمُه بشيءٍ فيه خَلْقُ الإنسانِ.
ولا حدَّ لأقلِّه؛ لأنه لم يَردْ تحديدُه.
وإن جاوَز الدمُ الأربعين، وصادَف عادةَ حيضِها ولم يَزدْ، أو زاد وتكرَّر؛ فحيضٌ إن لم يُجاوِزْ أكثرَه.
ولا يَدخُلُ حيضٌ واستحاضةٌ في مدَّةِ نفاسٍ.
(وَمَتَى طَهُرَتْ قَبْلَهُ)، أي: قبلَ انقضاءِ أكثرِه (تَطَهَّرتْ)، أي: اغتسلت، (وَصَلَّتْ)، وصامت؛ كسائرِ الطاهراتِ؛ كالحائضِ إذا انقطعَ دمُها في عادتِها.
(وَيُكْرَهُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الأَرْبَعِينَ بَعدَ) انقطاعِ الدمِ و (التَّطْهِيرِ)، أي:
стр. 184
الاغتسالِ، قال أحمدُ: (ما يُعجبني أن يأتِيَها زوجُها، على حديثِ عثمانَ بنِ أبي العاصِ) (١).
(فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ) في الأربعين (فَمَشْكُوكٌ فِيهِ)، كما لو لم تَرَهُ ثم رَأَتْهُ فيها، (تَصُومُ، وَتُصَلِّي)، أي: تَتعبَّدُ؛ لأنَّها واجبةٌ في ذمَّتِها بيقينٍ، وسقوطُها بهذا الدمِ مشكوكٌ فيه، (وَتَقْضِي الوَاجِبَ) مِن صومٍ ونحوِه؛ احتياطاً، ولوجوبِه يقيناً، ولا تقضي الصلاةَ كما تقدَّم.
(وَهُوَ)، أي: النفاسُ (كَالحَيْضِ):
(فِيمَا يَحِلُّ)؛ كالاستمتاعِ بما دونَ الفرجِ.
(وَ) فيما (يَحْرُمُ) به؛ كالوطءِ في الفرجِ، والصومِ، والصلاةِ، والطلاقِ بغيرِ سؤالِها على عوضٍ.
(وَ) فيما (يَجِبُ) به؛ كالغُسْلِ، والكفارةِ بالوطءِ فيه.
(وَ) فيما (يَسْقُطُ) به؛ كوجوبِ الصلاةِ، فلا تقضيها.
стр. 185
(غَيْرَ العِدَّة)، فإن المُفارَقَةَ في الحياةِ تَعتدُّ بالحيضِ دونَ النفاسِ.
(وَ) غيرَ (البُلُوغِ)، فيثبتُ بالحيضِ دونَ النفاسِ؛ لحصولِ البلوغِ بالإنزالِ السَّابقِ للحَمْلِ.
ولا يُحْتَسبُ بمُدَّةِ النفاسِ على المُولي، بخلافِ مدَّةِ الحيضِ.
(وَإِنْ وَلَدَت) امرأةٌ (تَوْأَمَيْنِ)، أي: وَلَدَين في بطْنٍ واحدٍ؛ (فَأَوَّلُ نِفَاسٍ (١) وَآخِرُهُ مِنْ أَوَّلِهِمَا)؛ كالحملِ الواحدِ، فلو كان بينَهما أربعون فأكثرَ، فلا نفاسَ للثاني.
ومَنْ صارت نُفساءُ بتعدِّيها بضربِ بطنِها أو شُرْبِ (٢) دواءٍ؛ لم تَقْضِ. (٣)
стр. 186
(كِتَابُ الصَّلَاةِ)
في اللغةِ: الدُّعاءُ، قال تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ١٠٣]، أي: ادْعُ لهم.
وفي الشرعِ: أقوالٌ وأفعالٌ مخصوصةٌ، مُفْتَتَحةٌ بالتكبيرِ، مُخْتَتَمةٌ بالتسليمِ.
سُمِّيت صلاةً؛ لاشتمالِها على الدعاءِ، مشتقةٌ مِن الصَّلَوَيْنِ (١)، وهما عِرْقانِ من جانِبَي الذَّنَبِ، وقيل: عظمانِ يَنْحَنِيان في الركوعِ والسجودِ.
وفُرضت ليلةَ الإسراءِ.
(تَجِبُ) الخمسُ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مُكَلَّفٍ)، أي: بالغٍ عاقلٍ، ذَكَرٍ أو أنثى أو خنثى (٢)، حرٍّ أو عبدٍ أو مبعضٍ، (إِلَّا حَائِضاً وَنُفَسَاءَ)، فلا تجبُ عليهما.
(وَيَقْضِي مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَومٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ، أَوْ سُكْرٍ) طوعاً أو كَرْهاً، (أَوْ نَحْوِهِ)؛ كشُرْبِ دواءٍ؛ لحديثِ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ
стр. 187
نَسِيَها، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» رواه مسلم (١)، وغُشِيَ على عمَّارٍ ثلاثاً، ثم أفاقَ وتوضأَ، وقضى تلك الثلاثِ (٢).
ويَقْضِي مَنْ شَرِب مُحرَّماً حتى زمنَ جنونٍ طَرَأَ متصلاً به؛ تغليظاً عليه.
(وَلَا تَصِحُّ) الصلاةُ (مِنْ مَجْنُونٍ)، وغيرِ مُميِّزٍ؛ لأنَّه لا يَعقلُ النِّيةِ.
(وَلَا) تصحُّ مِن (كَافِرٍ)؛ لعدمِ صحةِ النِّيةِ منه، ولا تجبُ عليه بمعنى: أنه لا يجبُ عليه القضاءُ إذا أسلم، ويُعاقَبُ عليها وعلى سائرِ فروعِ الإسلامِ.
(فَإِنْ صَلَّى) الكافرُ على اختلافِ أنواعِه، في دارِ الإسلامِ أو الحربِ، جماعةً أو منفرداً، بمسجدٍ أو غيرِه؛ (فَمُسْلِمٌ حُكْماً)، فلو
стр. 188
مات عقِبَ الصلاةِ فتَرِكَتُه لأقاربِه المسلمين، ويُغسَّلُ، ويُصلَّى عليه، ويُدفنُ في مقابِرِنا.
وإنْ أراد البقاءَ على الكفرِ، وقال: إنما أردتُ التَّهَزِّيَ؛ لم يُقبلْ، وكذا لو أذَّن ولو في غيرِ وقتِه.
(وَيُؤْمَرُ بِهَا صَغِيرٌ لِسَبْعٍ)، أي: يلزَمُ وليَّه أن يأمرَه بالصلاةِ لتمامِ سبعِ سنينَ، وتعليمُه إيَّاها والطهارةَ؛ ليعتادَها، ذكراً كان أو أنثى، وأن يكُفَّه عن المفاسدِ.
(وَ) أن (يُضْرَبَ عَلَيْهَا لِعَشْرِ) سنينَ؛ لحديثِ عمرو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه يرفعُه: «مُروا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ» رواه أحمدُ وغيرُه (١).
(فَإِنْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا)، بأن تَمَّت مدَّةُ بلوغِه وهو في الصلاةِ، (أَوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا؛ أَعَادَ)، أي: لزِمَه إعادتُها؛ لأنها نافلةٌ في حقِّه، فلم تُجزئْه عن الفريضةِ.
ويُعيدُ التَّيممَ، لا الوضوءَ والإسلامَ.
стр. 189
(وَيَحْرُمُ) على مَنْ وَجَبت عليه (تَأْخِيرُها عَنْ وَقْتِهَا) المختارِ، أو تأخيرُ بعضِها، (إِلَّا لِنَاوٍ (١) الجَمْعَ) لعذرٍ، فيُباحُ له التأخيرُ؛ لأنَّ وقتَ الثانيةِ يَصيرُ وقتاً لهما.
(وَ) إلا (لِمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا الَّذِي يُحَصِّلُهُ قَرِيباً)؛ كانقطاعِ ثَوبِه الذي ليس عندَه غيرُه إذا لم يَفْرُغْ من خِياطَتِه حتى خَرَج الوقتُ، فإن كان بَعيداً عُرفاً صلَّى.
ولمن لَزِمَته التأخيرُ في الوقتِ مع العزمِ عليه، ما لم يَظُنَّ مانعاً، وتَسقُطُ بموتِه، ولم يأثمْ.
(وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَها كَفَرَ) إذا كان مِمَّن لا يَجهلُه، وإن فَعَلها؛ لأنه مكذِّبٌ للهِ ورسولِه وإجماعِ الأمةِ.
وإن ادَّعى الجهلَ؛ كحديثِ الإسلامِ (٢)؛ عُرِّف وُجوبَها، ولم يُحْكَمْ بِكُفرِه؛ لأنَّه معذورٌ، فإن أصرَّ كَفَر.
(وَكَذَا تَارِكُهَا تَهَاوُناً) أو كَسَلاً، لا جُحوداً، (وَدَعَاهُ إِمامٌ أو نَائِبُهُ) لفعلِها، (فَأَصَرَّ، وَضَاقَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ عَنْهَا)، أي: عن الثانيةِ؛ لحديثِ: «أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةُ» (٣)، قال أحمدُ: (كلُّ شيءٍ ذَهَب آخِرُه لم يَبقَ مِنه
стр. 190
شيءٌ) (١)، فإن لم يُدْعَ لِفعلِها لم يُحكمْ بكفرِه؛ لاحتمالِ أنه تَرَكها لعذرٍ يَعتقدُ سُقوطَها لمثلِه.
(وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثاً فِيهِمَا)، أي: فيما إذا جَحَد وجوبَها، وفيما إذا تَرَكها تهاوناً، فإن تابَا وإلا ضُرِبت عُنقُهما.
والجمعةُ كغيرِها، وكذا تَرْكُ ركنٍ أو شرطٍ.
(وينبغي الإشاعةُ عن تارِكِها بتَرْكِها حتى يُصلِّي، ولا ينبغي السلامُ عليه، ولا إجابةُ دعوتِه)، قاله الشيخُ تقي الدينِ (٢).
ويَصِيرُ مسلماً بالصلاةِ.
ولا يكفرُ بِتَرْكِ غيرِها مِن زكاةٍ، وصومٍ، وحجٍ، تهاوناً وبخلاً.
стр. 191
(بَابُ الأَذَانِ)
هو في اللغةِ: الإعلامُ، قال تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ الله وَرَسُولِهِ) [التوبة: ٣]، أي: إعلامٌ.
وفي الشرعِ: إعلامٌ بدخولِ وقتِ الصلاةِ، أو قُرْبِه لفجرٍ، بِذِكْرٍ مخصوصٍ.
(وَالإِقَامَة) في الأصلِ: مصدرُ أقام.
وفي الشرعِ: إعلامٌ بالقيامِ إلى الصلاةِ، بذِكْرٍ مخصوصٍ.
وفي الحديثِ: «المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقاً يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه مسلم (١).
(هُمَا فَرْضَا كِفَايةٍ)؛ لحديثِ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَليَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» متفقٌ عليه (٢)، (عَلَى الرِّجَالِ)، الأحرارِ، (المُقِيمِينَ) في القرى والأمصارِ، لا على الرجلِ الواحدِ، ولا على النساءِ، ولا العبيدِ، ولا المسافرينَ، (لِلصَّلَوَاتِ) الخمسِ (المَكْتُوبَةِ)، المؤدَّاة، دون المنذورة، دون المقضيات (٣)،
стр. 192
والجمعةُ مِن الخمسِ.
ويُسنَّانِ لمنفَرِدٍ، وسفراً، ولِمَقْضِيَّةٍ.
(يُقَاتَلُ أَهْلُ بَلَدٍ تَرَكُوهُمَا)، أي: الأذانَ والإقامةَ، فيُقاتِلُهم الإمامُ أو نائِبُه؛ لأنَّهما مِن شعائرِ الإسلامِ الظاهرةِ.
وإذا قام بهما من يَحصُلُ به الإعلامُ غالباً؛ أجزأ عن الكلِّ وإن كان واحداً، وإلا زِيد بقَدْرِ الحاجةِ، كلُّ واحدٍ في جانبٍ، أو دفعةً واحدةً بمكانٍ واحدٍ، ويُقيمُ أحدُهم، وإن تشاحُّوا أُقْرِع.
وتَصحُّ الصلاةُ بدونِهما، لكنْ يُكره.
(وَتَحْرُمُ أُجْرَتُهُمَا)، أي: يحرُمُ أَخْذُ الأجرةِ على الأذانِ والإقامةِ؛ لأنَّهما قربةٌ لفاعِلِهما، (لَا) أخْذُ (رَزْقٍ (١) مِنْ بَيْتِ المَالِ) مِنْ مَالِ الفَيْءِ، (لِعَدَمِ مُتَطَوِّعٍ) بالأذانِ والإقامةِ، فلا يحرُمُ؛ كأرزاقِ القضاةِ والغزاةِ.
(وَ) سُنَّ أن (يَكُونَ المُؤَذِّنُ صَيِّتاً (٢)، أي: رفيعَ الصَّوتِ؛ لأنَّه أبلغُ في الإعلامِ، زاد في المغني وغيرِه: (وأن يكونَ حَسَن الصوتِ؛ لأنه أرقُّ لسامِعِه) (٣)، (أَمِيْناً)، أي: عَدْلاً؛ لأنَّه مُؤتَمَنٌ
стр. 193
يُرجعُ إليه في الصلاةِ وغيرِها، (عَالِماً بِالوَقْتِ)؛ ليتحرَّاه فيؤذِّن في أوَّلِه.
(فَإِنْ تَشَاحَّ فِيهِ اثْنَانِ) فأكثرَ؛ (قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا فِيهِ)، أي: فيما ذُكِر مِن الخِصالِ، (ثُمَّ) إن استووا فيها؛ قُدِّم (أَفْضَلُهُمَا فِي دِينِهِ وعَقْلِهِ)؛ لحديثِ: «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ» رواه أبو داودَ وغيرُه (١)، (ثُمَّ) إن استووا، قُدِّم (مَنْ يَخْتَارُهُ) أكثرُ (الجِيْرَانِ)؛ لأنَّ الأذانَ لإعلامِهِم، (ثُمَّ) إن تساووا في الكلِّ؛ (قُرْعةٌ)، فَأيُّهُم خَرَجت له القرعةُ قُدِّم.
(وَهُوَ)، أي: الأذانُ المختارُ: (خَمسَ عَشْرَةَ جُمْلَةً)؛ لأنَّه أذانُ بلالٍ ﵁ (٢)، مِن غيرِ ترجيعِ الشهادتين، فإن رجَّعَهما فلا بأس.
стр. 194
(يُرَتِّلُهَا)، أي: يُستحبُ أن (١) يَتَمَهَّلَ في ألفاظِ الأذانِ، ويقفُ على كلِّ جملةٍ، وأن يكونَ قائِماً، (عَلَى عُلْوٍ)، كالمنارةِ؛ لأنه أبلغُ في الإعلامِ، وأن يكونَ (مُتَطَهِّراً) من الحدثِ الأصغرِ والأكبرِ، ويُكره أذانُ جنبٍ، وإقامةُ مُحْدِثٍ، وفي الرعايةِ: (يُسنُّ أن يؤذنَ مُتطهِّراً مِن نجاسةِ بدنِه وثوبِه) (٢)، (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ)؛ لأنها أشرفُ الجهاتِ، (جَاعِلاً إِصْبَعَيْهِ) السَّبَّابَتَيْن (فِي أُذُنَيْهِ)؛ لأنه أرفعُ للصَّوتِ، (غَيْرَ مُسْتَدِيرٍ)، فلا يُزِيلُ قَدميْه في منارةٍ ولا غيرِها، (مُلْتَفِتاً فِي الحَيْعَلَةِ يَمِيناً وَشِمَالاً)، أي: يُسنُّ أن يلتفتَ يميناً لحيَّ على الصلاةِ، وشمالاً لحيَّ على الفلاحِ، ويرفعُ وجهَه إلى السماءِ فيه كلِّه؛ لأنَّه حقيقةُ التوحيدِ.
(قَائِلاً بَعْدَهُمَا)، أي: يُسنُّ أن يقولَ بعدَ الحَيْعَلَتَيْن (فِي أَذَانِ الصُّبْحِ)، ولو أذَّن قبلَ الفجرِ: (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، مَرَّتَيْنِ)؛ لحديثِ أبي محذورةَ، رواه أحمدُ وغيرُه (٣)، ولأنَّه وقتٌ يَنامُ الناسُ
стр. 195
فيه غالِباً، ويُكره في غيرِ أذانِ الفجرِ، وبينَ الأذانِ والإقامةِ.
(وَهِيَ)، أي: الإقامةُ: (إِحْدَى عَشْرَةَ) جملةً، بلا تَثْنِيَةٍ، وتباحُ تَثْنِيَتُها، (يَحْدُرُهَا)، أي: يُسرعُ فيها، ويقفُ على كلِّ جملةٍ؛ كالأذانِ.
(وَيُقِيمُ مَنْ أَذَّنَ) استحباباً، فلو سُبِق المؤذِّنُ بالأذانِ، فأراد المؤذِّنُ أن يُقيمَ، فقال أحمدُ: لو أعاد الأذانَ كما صَنَع أبو محذورةَ، فإن أقام مِن غيرِ إعادةٍ فلا بأس، قاله في المبدعِ (١)، (فِي مَكَانِهِ) أي: يُسنُّ أن يُقيمَ في مكانِ أذانِه (إِنْ سَهُلَ)؛ لأنَّه أبلغُ في الإعلامِ، فإن شقَّ، كأنْ أذَّن في منارةٍ، أو مكانٍ بعيدٍ عن المسجدِ؛ أقام في المسجدِ؛ لئلا يفوتَه بعضُ الصلاةِ، لكنْ لا يقيمُ إلا بإذنِ الإمامِ.
(وَلا يَصِحُّ) الأذانُ (إِلَّا مُرَتَّباً)؛ كأركانِ الصلاةِ، (مُتَوَاليِاً) عُرفاً؛ لأنَّه لا يَحصلُ المقصودُ منه إلا بذلك.
فإن نكَّسَه (٢) لم يُعتدَّ به.
стр. 196
ولا تُعتبرُ الموالاةُ بين الإقامةِ والصلاةِ إذا أقام عندَ إرادةِ الدخولِ فيها.
ويجوزُ الكلامُ بينَ الأذانِ وبعدَ الإقامةِ قبلَ الصلاةِ.
ولا يَصحُّ الأذانُ إلا (مِنْ) واحدٍ، ذكرٍ، (عَدْلٍ)، ولو ظاهراً، فلو أذَّن واحدٌ بعضَه وكمَّله آخرُ، أو أذَّنت امرأةٌ أو خنثى، أو ظاهرُ الفسقِ؛ لم يُعتدَّ به.
ويَصحُّ الأذانُ (وَلَوْ) كان (مُلَحَّناً)، أي: مُطَرَّباً به، (أَوْ) كان (مَلْحُوناً) لحناً لا يُحِيلُ المعنى، ويُكرهان، ومِن ذي لُثْغَةٍ (١) فاحشةٍ، وبَطَلَ إنْ أُحيلَ المعنى.
(وَيُجْزِئُ) أذانٌ (مِنْ مُمَيِّزٍ)؛ لصحةِ صلاتِه؛ كالبالغِ.
(وَيُبْطِلُهُمَا)، أي: الأذانَ والإقامةَ (فَصْلٌ كَثِيرٌ)، بسكوتٍ، أو كلامٍ ولو مباحاً، (وَ) كلامٌ (يَسِيرٌ مُحَرَّمٌ)؛ كقذفٍ، وكُرِه اليسيرُ غيرُه.
(وَلَا يُجْزِئُ) الأذانُ (قَبْلَ الوَقْتِ)؛ لأنَّه شُرِع للإعلامِ بدخولِه، ويُسنُّ في أوَّلِه، (إِلَّا لِفَجْرٍ)، فيَصحُّ (بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ)؛ لحديثِ: «إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»
стр. 197
متفقٌ عليه (١).
ويُستحبُ لمن أذَّن قبلَ الفجرِ أن يكونَ معه مَن يؤذِّنُ في الوقتِ، وأن يَتخذَ ذلك عادةً؛ لئلا يَغُرَّ الناسَ.
ورفعُ الصَّوتِ بالأذانِ ركنٌ، ما لم يؤذِّنْ لحاضِرٍ فبِقَدْرِ ما يُسْمِعُه.
(وَيُسَنُّ جُلُوسُهُ)، أي: المؤذِّنِ (بَعْدَ أَذَانِ المَغْرِبِ)، أو صلاةٍ يُسنُّ تعجيلُها، قبلَ الإقامةِ (يَسِيْراً)؛ لأنَّ الأذانَ شُرِع للإعلامِ، فسُنَّ تأخيرُ الإقامةِ للإدراكِ.
(وَمَنْ جَمَعَ) بينَ صلاتين لعذرٍ؛ أذَّن للأولى، وأقام لكلٍّ منهما، سواءٌ كان جَمْع تقديمٍ أو تأخيرٍ.
(أَوْ قَضَى) فرائضَ (فَوائِتَ؛ أَذَّنَ لِلأُولَى، ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ) مِن الأُولى وما بعدَها، وإن كانت الفائتةُ واحدةً، أذَّن لها وأقام، ثم إن خاف مِنْ رَفْعِ صوتِه به تَلبيساً؛ أسرَّ، وإلا جَهَر، فلو تَرَك الأذانَ لها فلا بأس.
(وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ)، أي: سامعِ المؤذِّنِ أو المقيمِ، ولو أن السامِعَ امرأةٌ، أو سَمِعه ثانياً وثالثاً حيثُ سُنَّ، (مُتَابَعَتُه سِرًّا) بمثلِ ما يقولُ،
стр. 198
ولو في طوافٍ، أو قراءةٍ، ويقضيه المصلِّي والمُتخلِّي.
(وَ) تُسنُّ (١) (حَوْقَلَتُهُ فِي الحَيْعَلَةِ)، أي: أن يقولَ السامِعُ: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، إذا قال المؤذِّنُ أو المُقيمُ: حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفلاحِ، وإذا قال: الصلاةُ خيرٌ مِن النومِ، ويُسمّى التَثْويبَ، قال السامِعُ: صَدَقْت وبَرِرْتَ (٢)، وإذا قال المُقيمُ: قد قامت الصلاةُ، قال السامِعُ: أقامها اللهُ وأدامها.
وكذا يُستحبُ للمؤذنِ والمقيمِ إجابةُ أنفسِهِما؛ ليجمَعا بينَ ثوابِ الأذانِ والإجابةِ.
(وَ) يُسنُّ (قَوْلُهُ)، أي: قولُ المؤذنِ وسامِعِه (بَعْدَ فَرَاغِهِ: اللَّهُمَّ)، أصلُه: يا الله، والميمُ بدلاً من (يا). قاله الخليلُ وسيبويه (٣)، (رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ)، بفتحِ الدالِ، أي: دَعوةِ الأذانِ، (التَّامَّةِ)، الكاملةِ السالمةِ مِن نقصٍ يتطرَّقُ إليها، (وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ)، التي ستقومُ وتُفْعَلُ بصفاتِها، (آتِ مُحَمَّداً الوَسِيلَةَ)، منزلةً
стр. 199
في الجنةِ، (وَالفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الَّذِي وَعَدْتَهُ)، أي: الشفاعةَ العظمى في موقِفِ القيامةِ؛ لأنَّه يَحمَدُه فيه الأوَّلون والآخرون، ثم يدعو.
ويحرمُ خروجُ مَن وَجَبت عليه الصلاةُ بعدَ الأذانِ في الوقتِ مِنْ مسجدٍ بلا عذرٍ أو نيةِ رجوعٍ.
стр. 200
(بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاة)
الشَّرطُ: ما لا يوجَدُ المشروطُ مع عدمِه، ولا يَلزمُ أن يوجدَ عندَ وجودِه.
(شُرُوطُهَا): ما يجبُ لها (قَبْلَهَا)، أي: تتقدَّمُ عليها وتَسْبِقُها (١)، إلا النيةَ فالأفضلُ مقارنَتُها للتحريمةِ.
ويجبُ استمرارُها، أي: الشروطِ فيها، وبهذا المعنى فَارَقت الأركانَ.
(مِنْهَا)، أي: شروطِ الصلاةِ (٢): الإسلامُ، والعقلُ، والتمييزُ، وهذه شروطٌ في كلِّ عبادةٍ، إلا التمييزَ في الحجِّ ويأتي، ولذلك لم يَذكُرْها كثيرٌ مِن الأصحابِ هنا.
ومنها: (الوَقْتُ)، قال عمرُ: «الصَّلَاةُ لَهَا وَقْتٌ شَرَطَهُ الله لَهَا، لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهِ» (٣)، وهو حديثُ جبريلَ حيثُ (٤) أَمَّ النبيَّ ﷺ في
стр. 201
الصلواتِ الخمسِ، ثم قال: «يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ» (١)، فالوقتُ سبَبُ وجوبِ الصلاةِ؛ لأنها تُضافُ إليه، وتُكَرَّر بِتَكَرُّرِه.
(وَ) منها: (الطَّهَارَةُ مِنَ الحَدَثِ)؛ لقولِه ﷺ : «لا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» متفقٌ عليه (٢)، (وَ) الطهارةُ مِن (النَّجَسِ)، فلا تصحُّ الصلاةُ مع نجاسةِ بَدَنِ المصلي، أو ثوبِه، أو بُقْعَتِه، ويأتي.
والصَّلواتُ المفروضاتُ خمسٌ في اليومِ والليلةِ، ولا يجبُ غيرُها إلا لعارضٍ؛ كالنذرِ.
(فَوَقْتُ الظُّهْرِ) وهي الأُولى: (مِنَ الزَّوَالِ)، أي: مَيْلِ الشَّمسِ
стр. 202
إلى المغربِ (١)، ويستمرُّ (إِلَى مُسَاوَاةِ الشَّيْءِ) الشاخصِ (فَيْئَهُ بَعْدَ فَيءِ الزَّوَالِ)، أي: بعدَ الظلِّ الذي زالت عليه الشمسُ.
اعلم أنَّ الشَّمسَ إذا طَلَعت رُفِع لكلِّ شاخصٍ ظِلٌّ طويلٌ مِن جانِبِ المغربِ، ثم ما دامت الشَّمسُ ترتفعُ فالظلُّ يَنقُصُ، فإذا انتهت الشمسُ إلى وَسَطِ السَّماءِ - وهي حالةُ الاستواءِ - انتهى نُقصانُه، فإذا زاد أدنى زيادةً فهو الزَّوالُ، ويَقْصُرُ الظلُّ في الصَّيفِ؛ لارتفاعِها إلى الجوِّ، ويطولُ في الشِّتاءِ، ويختلِفُ بالشَّهرِ والبلدِ.
(وَتَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ)، وتحصُلُ فضيلةُ التَّعجيلِ بالتأهُّبِ أولَ الوقتِ، (إِلَّا فِي شِدَّةِ حَرٍّ)، فيُستحبُ تأخيرُها إلى أن يَنْكَسِرَ؛ لحديثِ: «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ» (٢)، (وَلَوْ صَلَّى وَحْدَهُ) أو بِبَيْتِه، (أَوْ مَعَ غَيْمٍ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً)، أي: ويُستحبُ تأخيرُها مع غَيْمٍ إلى قُرْبِ وقْتِ العصرِ لمن يصلي جماعةً؛ لأنَّه وقتٌ يُخافُ فيه المطرُ والريحُ، وطُلِب (٣) الأسهل بالخروجِ لهما معًا.
وهذا في غيرِ الجمعةِ، فيُسنُّ تقديمُها مطلقاً.
(وَيَلِيهِ (٤)، أي: يلي وقتَ الظهرِ (وَقْتُ العَصْرِ) المختارُ، مِن
стр. 203
غيرِ فَصْلٍ بينهما، ويَستمرُّ (إِلَى مَصِيرِ الفَيْءِ مِثْلَيْهِ بَعْدَ فَيءِ الزَّوَالِ)، أي: بعدَ الظلِّ الذي زالت عليه الشَّمسُ، (وَ) وقتُ (الضَّرُورَةِ إِلَى غُرُوبِهَا)، أي: غروبِ الشَّمسِ، فالصلاةُ فيه أداءٌ، لكنْ يأثمُ بالتأخيرِ إليه لغيرِ عذرٍ.
(وَيُسَنُّ تَعْجِيلُهَا) مطلقًا.
وهي الصلاةُ الوسطى.
(وَيَلِيهِ وَقْتُ المَغْرِبِ)، وهي وِتْرُ النهارِ، ويَمتدُّ (إِلَى مَغِيْبِ الحُمْرَةِ)، أي: الشَّفَقِ الأحمرِ.
(وَيُسَنُّ تَعْجِيلُهَا، إِلَّا لَيْلَةَ جَمْعٍ)، أي: مُزْدَلِفَة، سُمِّيت جَمْعاً؛ لاجتماعِ الناسِ فيها، فيُسنُّ (لِمَنْ) يُباحُ له الجمعُ و (قَصَدَهَا مُحْرِماً)؛ تأخيرُ المغربِ ليجمَعَها مع العشاءِ تأخيراً، قبلَ حَطِّ رَحْلِه.
(وَيَلِيهِ وَقْتُ العِشَاءِ، إِلَى) طلوعِ (الفَجْرِ الثَّانِي)، وهو الصادِقُ، (وَهُوَ: البَيَاضُ المُعْتَرِضُ) بالمشرقِ، ولا ظُلْمةَ بعدَه، والأوَّلُ: مستطيلٌ، أزرقُ، له شعاعٌ ثم يُظْلِمُ.
(وَتَأْخِيرُهَا إِلَى) أنْ يُصَلِّيَها في آخرِ الوقتِ المختارِ، وهو (ثُلُثُ اللَّيْلِ؛ أَفْضَلُ إِنْ سَهُلَ)، فإن شقَّ، ولو على بعضِ المأمومين؛ كُرِه.
стр. 204
ويُكره النومُ قبلَها، والحديثُ بعدَها، إلا يسيراً، أو لشغلٍ، أو مع أهلٍ ونحوِه.
ويحرمُ تأخيرُها بعدَ الثُّلثِ بلا عذرٍ؛ لأنَّه وقت ضرورةٍ.
(وَيَلِيهِ وَقْتُ الفَجْرِ) مِن طلوعِه (إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ).
(وَتَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ) مطلقاً.
ويجبُ التأخيرُ لتعلُّمِ فاتحةٍ، أو ذكرٍ واجبٍ أمْكَنَه تعلُّمُه في الوقتِ، وكذا لو أَمَرَه والدُه به ليصلِّي به، ويُسنُّ لحاقنٍ ونحوِه مع سَعةِ الوقتِ.
(وَتُدْرَكُ الصَّلَاةُ) أداءً (بِـ) إدراكِ تكبيرةِ (الإِحْرَامِ فِي وَقْتِهَا)، فإذا كبَّر للإحرامِ قبلَ طلوعِ الشَّمسِ أو غروبِها كانت كلُّها أداءً، حتى ولو كان التأخيرُ لغيرِ عذرٍ، لكنه آثمٌ.
وكذا وقتُ الجمعةِ يُدْركُ بتكبيرةِ الإحرامِ، ويأتي (١).
(وَلا يُصَلِّي) مَن جَهِل الوقتَ ولم تُمْكِنْه (٢) مُشاهدةُ الدلائلِ (قَبْلَ غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِدُخُولِ وَقْتِهَا، إِمَّا بِاجْتِهَادٍ) ونظرٍ في الأدلةِ، أو له صَنعةٌ وجَرَت عادتُه بعملِ شيءٍ مقدَّرٍ إلى وقتِ الصلاةِ، أو جَرَت (٣)
стр. 205
عادتُه بقراءةِ شيءٍ مقدَّرٍ، ويُستحبُ له التأخيرُ حتى يَتَيَقَّنَ، (أَوْ) بـ (خَبَرِ) ثقةٍ (مُتَيَقِّنٍ)، كأن يقولَ: رأيتُ الفجرَ طالعاً، أو الشفقَ غائباً، ونحوُه، فإن أَخْبَر عن ظنٍّ؛ لم يُعمَل بخبرِه، ويُعمَلُ بأذانِ ثقةٍ عارفٍ.
(فَإِنْ أَحْرَمَ بِاجْتِهَادٍ)، بأن غلب على ظنِّه دخولُ الوقتِ لدليلٍ مما تقدَّم، (فَبَانَ) إحرامُه (قَبْلَهُ؛ فَـ) صلاتُه (نَفْلٌ)؛ لأنَّها لم تجبْ، ويُعيدُ فرضَه، (وإِلَّا) يتبينَ له الحالُ، أو ظَهَر أنه في الوقتِ؛ (فَـ) صلاتُه (فَرْضٌ)، ولا إعادةَ عليه؛ لأنَّ الأصلَ براءةُ ذِمَّتِه.
ويُعيدُ الأعمى العاجزُ مطلقاً إن لم يجدْ مَن يقلِّدُه.
(وَإِنْ أَدْرَكَ مُكَلَّفٌ مِنْ وَقْتِهَا)، أي: وقتِ فريضةٍ (قَدْرَ التَّحْرِيمَةِ)، أي: تكبيرةِ الإحرامِ، (ثُمَّ زَالَ تَكْلِيفُهُ) بنحوِ جنونٍ، (أَوْ) أدركت طاهرٌ (١) مِن الوقتِ قدرَ التحريمةِ، ثم (حَاضَتْ) أو نفِست (٢)، (ثُمَّ كُلِّفَ) الذي كان زال تكليفُه، (وَطَهُرَتِ) الحائضُ أو النُّفساءُ (٣)؛ (قَضَوْهَا)، أي: قضَوْا تلك الفريضةَ التي أدركوا مِن
стр. 206
وقتِها قدرَ التحريمةِ قَبْلُ؛ لأنَّها وجبت بدخولِ وقتِها واستقرت، فلا تَسْقُطُ بوجودِ المانعِ.
(وَمَنْ صَارَ أَهْلاً لِوُجُوبِهَا)، بأن بَلَغ صبيٌّ، أو أسلَم كافرٌ، أو أفاقَ مجنونٌ، أو طهُرت حائضٌ أو نفساءُ (قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا)، أي: وقتِ الصلاةِ، بأن وُجِد ذلك قبلَ الغروبِ مثلاً ولو بقدرِ تكبيرةٍ؛ (لَزِمَتْهُ)، أي: العصرُ، (وَمَا يُجْمَعُ إِلَيْهَا قَبْلَهَا) وهي الظهرُ، وكذا لو كان ذلك قبلَ الفجرِ لزِمته العشاءُ والمغربُ؛ لأنَّ وقتَ الثانيةِ وقتٌ للأُولى حالَ العذرِ، فإذا أدركَه المعذورُ فكأنه أدركَ وقتَها.
(وَيَجِبُ فَوْراً) ما لم يَنْضرَّ في بدنِه، أو معيشةٍ يحتاجُها، أو يحضرُ لصلاةِ عيدٍ، (قَضَاءُ الفَوَائِتِ مُرَتِّباً) ولو كثُرت.
ويُسنُّ صلاتُها جماعةً.
(وَيَسْقُطُ التَّرتِيبُ بِنِسْيَانِهِ)؛ للعذرِ، فإن نَسِي الترتيبَ بينَ الفوائتِ، أو بينَ حاضرةٍ وفائتةٍ حتى فَرَغ مِن الحاضرةِ؛ صحَّت، ولا يَسقطُ بالجهلِ.
(وَ) يَسقطُ الترتيبُ أيضاً (بِخَشْيَةِ خُرُوجِ وَقْتِ اخْتِيَارِ الحَاضِرَةِ)، فإن خَشي خروجُ الوقتِ قَدَّم الحاضرةَ؛ لأنَّها آكدُ.
стр. 207
ولا يجوزُ تأخيرُها عن وقتِ الجوازِ، ويجوزُ التأخيرُ لغرضٍ صحيحٍ؛ كانتظارِ رفقةٍ، أو جماعةٍ لها.
ومَن شكَّ فيما عليه مِن الصلواتِ، وتيقَّنَ سبْقَ الوجوبِ؛ أبرأ ذِمَّتَه يقيناً، وإن لم يَعلمْ وقتَ الوجوبِ، فمِمَّا تيقَّنَ وجوبَه.
(وَمِنْهَا)، أي: مِن شروطِ الصلاةِ: (سَتْرُ العَوْرَةِ)، قال ابنُ عبدِ البر: (أجمعوا على فسادِ صلاةِ مَن تَرَك ثوبَه وهو قادرٌ على الاستتارِ به وصلَّى عُرياناً) (١).
والسَّترُ - بفتحِ السينِ -: التغطيةُ، وبكسرِها: ما يُسترُ به.
والعورةُ لغةً: النقصانُ والشيءُ المستقبَحُ، ومنه كلمةٌ عوراءُ، أي: قبيحةٌ.
وفي الشرعِ: القُبُلُ والدُّبرُ، وكلُّ ما يُستحيى (٢) منه، على ما يأتي تفصيلُه.
(فَيَجِبُ) سَترُها حتى عن نفسِه، وخلوةٍ، وفي ظلمةٍ، وخارجِ الصلاةِ، (بِمَا لَا يَصِفُ بَشَرَتَهَا)، أي: لونَ بَشَرَةِ العَورةِ مِن بياضٍ أو سوادٍ؛ لأنَّ السَّترَ إنما يَحصُلُ بذلك.
ولا يُعتبرُ أن لا يصِفَ حجمَ العُضوِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ التحرُّزُ عنه.
стр. 208
ويَكفي السَّترُ بغيرِ منسوجٍ؛ كورقٍ، وجلدٍ، ونباتٍ، ولا يجبُ بِباريَّةٍ (١)، وحصيرٍ، وحَفِيرةٍ، وطينٍ، وماءٍ كَدِرٍ لعَدَمِ؛ لأنه ليس بسترةٍ.
ويُباحُ كشفُها لتداوٍ، وتَخَّلٍ ونحوِهِما، ولزوجٍ، وسيدٍ، وزوجةٍ، وأمةٍ.
(وَعَوْرَةُ رَجُلٍ)، ومَن بَلَغ عشراً، (وَأَمَةٍ، وَأُمِّ وَلَدٍ)، ومكاتَبةٍ، ومُدَبَّرَةٍ، (وَمُعْتَقٍ بَعْضُهَا)، وحرَّةٍ مميِّزةٍ، ومراهقةٍ: (مِنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ)، وليسَا من العورةِ.
وابنُ سبعٍ إلى عشرٍ: الفرجانِ.
(وَكُلُّ الحُرَّةِ) البالغةِ (عَوْرَةٌ، إِلَّا وَجْهَهَا)، فليس عورةً في الصلاةِ.
(وَتُسْتَحَبُّ صَلَاتُهُ فِي ثَوْبَيْنِ)؛ كالقميصِ والرداءِ، أو الإزارِ أو السَّراويلِ مع القميصِ.
(وَيَكْفِي سَتْرُ عَوْرَتِهِ)، أي: عورةِ الرَّجلِ (فِي النَّفْلِ، وَ) سَتْرِ عورتِه (مَعَ) جميعِ (أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فِي الفَرْضِ)، ولو بِما يصِفُ
стр. 209
البَشَرةَ؛ لقولِه ﷺ : «لا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» رواه الشيخان عن أبي هريرةَ (١).
(وَ) تُستحبُ (صَلَاتُهَا)، أي: صلاةُ المرأةِ: (فِي دِرْعٍ)، وهو القميصُ، (وَخِمَارٍ)، وهو ما تضعُه على رأسِها وتُديرُه تحتَ حَلْقِها، (وَمِلْحَفَةٍ)، أي: ثوبٍ تَلتحِفُ به.
وتُكره صلاتُها في نقابٍ وبُرقُعٍ (٢).
(وَيُجْزِئُ) المرأةُ (سَتْرُ عَوْرَتِهَا) في فرضٍ ونفلٍ.
(وَمَنِ انْكَشَفَ بَعْضُ عَوْرَتِهِ) في الصلاةِ، رجلاً كان أو امرأةً، (وفَحُشَ) عُرفاً وطال الزَّمنُ؛ أعاد.
وإن قَصُر الزمنُ، أو لم يَفحُشْ المكشوفُ ولو طال الزَّمنُ؛ لم يُعِد إن لم يتعمَّدْه.
(أَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ)؛ كمغصوبٍ كلِّه أو بعضِه، وحريرٍ ومنسوجٍ (٣) بذهبٍ أو فِضةٍ إن كان رجلاً واجداً غيرَه، وصلَّى فيه عالماً ذاكراً؛ أعاد.
стр. 210
وكذا إذا صلَّى في مكانِ غَصبٍ، (أَوْ) صلَّى في ثوبٍ (نَجِسٍ؛ أَعَادَ)، ولو لعدمِ غيرِه، (لَا مَنْ حُبِسَ فِي مَحَلِّ) غصبٍ، أو (نَجِسٍ)، ويَركعُ ويَسجدُ إن كانت النجاسةُ يابسةً، ويُومئ برَطْبَةٍ غايةَ ما يُمْكِنُه، ويجلسُ على قدميه.
ويُصلِّي عرياناً مع ثوبٍ مغصوبٍ لم يجد غيرَه، وفي حريرٍ ونحوِه لعدمِ غيرِه (١).
ولا يصحُّ نَفلُ آبِقٍ.
(وَمَنْ وَجَدَ كِفَايَةَ عَوْرَتِهِ سَتَرَهَا) وجوباً، وتَرَك غيرَها؛ لأنَّ سَترَها واجبٌ في غيرِ الصَّلاةِ، ففيها أوْلَى.
(وَإِلَّا) يجد ما يَستُرُها كلَّها بل بعضَها، (فَـ) ليستُرْ (الفَرْجَينِ)؛ لأنَّهما أفحشُ، (فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمَا) وكفى أحدَهما؛ (فَالدُّبُر) أَوْلى؛ لأنَّه يَنفرِجُ في الركوعِ والسجودِ، إلا إذا كَفَتْ مَنْكِبَه وعجُزَه فقط، فيسترُهما ويصلِّي جالساً.
ويلزمُ العُريانَ تحصيلُ السُّترةِ بثمنِ أو أجرةِ مثلِها، أو زائدٍ يسيراً.
стр. 211
(وَإِنْ أُعِيرَ سُتْرَةً لَزِمَهُ قَبُولُهَا)؛ لأنَّه قادرٌ على سَترِ عَورتِه بما لا ضَرَر فيه، بخلافِ الهبةِ؛ للمنَّةِ، ولا يَلزمُه استعارتُها.
(وَيُصَلِّي العَارِي) العاجزُ عن تحصيلِها (قَاعِداً)، ولا يَتربعُ بل يَنضامُّ، (بِالإِيماءِ اسْتحبَاباً فِيهِمَا)، أي: في القُعودِ، والإيماءِ بالرُّكوعِ والسجودِ، فلو صلَّى قائماً، وركع وسجد جاز.
(وَيَكُونُ إِمَامُهُمْ)، أي: إمامُ العُراةِ (وَسْطَهُمْ) (١)، أي: بينَهم وجوباً، ما لم يكونوا عُمْياً (٢) أو في ظلمةٍ.
(وَيُصَلِّي كُلُّ نَوْعٍ) مِن رجالٍ ونساءٍ (وَحْدَهُ) لأنفسِهِم إن اتَّسع محَلُّهم، (فَإِنْ شَقَّ) ذلك (صَلَّى الرِّجَالُ وَاسْتَدْبَرَهُم النِّسَاءُ، ثُمَّ عَكَسُوا)، فصلَّى النساءُ واستدبرَهنَّ الرِّجالُ.
(فَإِنْ وَجَدَ) المصلِّي عُرياناً (سُتْرَةً قَرِيبَةً) عُرفًا (فِي أَثْنَاءِ الصَّلاةِ؛ سَتَرَ) بها عورتَه، (وَبَنَى (٣) على ما مضى من صلاتِه، (وَإِلَّا) يجدها قريبةً بل وَجَدها بعيدةً؛ (ابْتَدَأَ) الصلاةَ بعد سَترِ عورتِه.
стр. 212
وكذا مَن عَتَقَت فيها واحتاجت إليها.
(وَيُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ السَّدْلُ)، وهو طرحُ ثوبٍ على كَتِفيْه، ولا يَردُّ طرفَه على الآخرِ (١).
(وَ) يُكره فيها (اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ)، بأن يَضْطَبِعَ (٢) بثوبٍ ليس عليه غيرُه، والاضطباعُ: أن يَجعلَ وسَطَ الرداءِ تحتَ عاتِقِه الأيمنِ، وطَرَفَيْه على عاتقِه الأيسرِ، فإن كان تحتَه ثوبٌ غيرُه لم يُكره.
(وَ) يُكره في الصلاةِ (تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ، وَاللِّثَامُ عَلَى فَمِهِ وَأَنْفِهِ) بلا سببٍ؛ «لنَهْيِهِ ﷺ أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ» رواه أبو داودَ (٣)، وفي
стр. 213
تغطيةِ الفمِ تشبُّهٌ بفعلِ المجوسِ عند عبادتِهِم النِّيرانِ.
(وَ) يُكره فيها (كَفُّ كُمِّهِ)، أي: أن يكفَّه عن السُّجودِ معه، (وَلَفُّهُ)، أي: لفُّ كُمِّه بلا سببٍ؛ لقولِه ﷺ : «وَلَا أَكُفَّ شَعْراً وَلَا ثَوْباً» متفقٌ عليه (١).
(وَ) يُكره فيها (شَدُّ وَسَطِهِ كَزُنَّارٍ) (٢)، أي: بما يُشبِه شدَّ (٣) الزُّنَّارِ؛ لما فيه مِن التَّشبُّهِ بأهلِ الكتابِ، وفي الحديثِ (٤): «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» رواه أحمدُ وغيرُه بإسنادٍ صحيحٍ (٥).
стр. 214
ويُكره للمرأةِ شدُّ وسَطِها في الصلاةِ مُطلقاً.
ولا يُكره للرَّجلِ بما لا يُشْبِه الزُّنَّارِ.
(وَتَحْرُمُ الخُيَلَاءُ فِي ثَوْبٍ وَغَيْرِهِ)، مِن عِمامةٍ وغيرِها، في الصلاةِ وخارِجِها، في غيرِ الحربِ؛ لقولِه ﵇: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ» متفقٌ عليه (١).
ويجوزُ الإسبالُ مِن غيرِ خُيلاءَ للحاجةِ.
(وَ) يحرمُ (التَّصْوِيرُ)، أي: على صورةِ حيوانِ؛ لحديثِ الترمذي وصحَّحه: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الصُّورَةِ فِي البَيْتِ، وَأَنْ تُصْنَعَ» (٢)، وإن أُزيل مِن الصُّورةِ ما لا تَبقى معه حياةٌ؛ لم يُكره.
(وَ) يحرمُ (اسْتِعْمَالُهُ)، أي: المُصَوَّرِ، على الذَّكرِ والأنثى، في لُبْسٍ، وتعليقٍ، وسَترِ جُدُرٍ، لا افتراشُه، وجعلُه مِخَدًّا (٣).
(وَيَحْرمُ) على الذَّكرِ (اسْتِعْمَالُ مَنْسُوجٍ) بذهبٍ أو فضَّةٍ، (أَوْ)
стр. 215
استعمالُ (مُمَوَّهٍ بِذَهَبٍ) أو فضَّةٍ، غيرَ ما يأتي في الزَّكاةِ مِن أنواعِ الحلي (١)، (قَبْلَ اسْتِحَالَتِهِ)، فإن تغيَّر لونُه ولم يَحصلْ منه شيءٌ بِعَرْضِه على النَّارِ لم يحرمْ؛ لعدمِ السَّرَفِ والخيلاءِ.
(وَ) تحرمُ (ثِيَابُ حَرَيرٍ، وَ) يحرمُ (مَا)، أي: ثوبٌ (هُوَ)، أي: الحريرُ (أَكْثَرُهُ ظُهُوراً) مما نُسِج معه، (عَلَى الذُّكُورِ)، والخَناثَى (٢)، دونَ النِّساءِ، لُبْساً بلا حاجةٍ، وافتراشاً، واستناداً، وتعليقاً، وكتابةَ مهرٍ، وسَتْرَ جُدُرِ غيرِ الكعبةِ المشرفةِ؛ لقولِه ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ» متفق عليه (٣)، وإذا (٤) فَرَش فوقَه حائلاً صفيقاً؛ جاز الجلوسُ عليه والصلاةُ.
(لا إِذَا اسْتَوَيَا)، أي: الحريرُ وما نُسِج معه ظُهوراً، ولا الخَزُّ، وهو ما سُدِي (٥) بالإبْريسم (٦) وأُلْحِم بصوفٍ أو قُطنٍ ونحوِه، (أَوْ)