← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147658

الروض المربع بشرح زاد المستقنع - ط ركائز

البهوتي

Полный текст (1 607 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

(فَصْلٌ) (يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا)، أي: صحَّةِ الجمعةِ أربعةُ (شُرُوطٌ لَيْسَ مِنْهَا إِذْنُ الإِمَامِ)؛ «لأَنَّ عَلِيًّا صَلَّى بِالنَّاسِ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، فَلَمْ يُنْكِرُهُ أَحَدٌ، وَصَوَّبَهُ عُثْمَانُ» رواه البخاري بمعناه (١). (أَحَدُهَا)، أي: أحدُ الشروطِ: (الوَقْتُ)؛ لأنَّها صلاةٌ مفروضةٌ، فاشتُرِطَ لها الوقتُ كبقيةِ الصَّلواتِ، فلا تَصحُّ قبلَ الوقتِ ولا بعدَه إجماعاً، قاله في المبدعِ (٢). (وَأَوَّلُهُ: أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ العِيدِ)؛ لقولِ عبدِ الله بنِ سِيدانَ: «شَهِدْتُ الجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُمَرَ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ: قَدْ انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُثْمَانَ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولُ: زَالَ النَّهَارُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَداً عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ» رواه الدارقطني (٣)،

стр. 387

وأحمدُ واحتجَّ به (١)، قال: (وكذلك رُوي عن ابنِ مسعودٍ (٢)،

стр. 388

وجابرٍ (١)، وسعيدٍ (٢)، ومعاويةَ (٣): أنَّهم صلَّوا قبلَ الزَّوالِ، ولم يُنكرْ) (٤). (وَآخِرُهُ: آخِرُ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ) بلا خلافٍ، قاله في المبدعِ (٥)، وفعلُها بعدَ الزَّوالِ أفضلُ. (فَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا قَبْلَ التَّحْرِيمَةِ)، أي: قبلَ أن يكبِّروا للإحرامِ بالجمعةِ؛ (صَلَّوْا ظُهْراً)، قال في الشَّرحِ: (لا نَعلمُ فيه خلافاً) (٦)،

стр. 389

(وَإِلَّا) بأن أحرموا بها في الوقتِ؛ (فَجُمُعَةً)؛ كسائرِ الصَّلواتِ تُدركُ بتكبيرةِ الإحرامِ في الوقتِ. ولا تَسقطُ بشكٍّ في خروجِ الوقتِ. فإن بَقِيَ مِن الوقتِ قدرَ الخطبةِ والتحريمةِ؛ لزِمهم فعلُها، وإلا لم يُجْزِ. الشَّرْطُ (الثَّانِي: حُضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا) - وتقدّم بيانُهم - الخطبةَ والصلاةَ (١)، قال أحمدُ: (بَعَث النبي ﷺ مصعبَ بنَ عميرٍ إلى أهلِ المدينةِ، فلما كان يومُ الجمعةِ جَمَّع بهم، وكانوا أربعين، وكانت أَوَّل جمعةٍ جمِّعت بالمدينةِ) (٢)، وقال جابرٌ: «مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَ جُمُعَةً، وَأَضْحَى، وَفِطْراً» رواه الدارقطني (٣)،

стр. 390

وفيه ضعفٌ، قاله في المبدعِ (١). الشرطُ الثالثُ: أن يكونوا (بِقَرْيَةٍ مُسْتَوْطِنِينَ) بها، مَبنيةً بما جَرَت به العادةُ، فلا تُتَمَّمُ (٢) مِن مكانين مُتقاربين، ولا تَصحُّ مِن أهلِ الخيامِ وبيوتِ الشَّعرِ ونحوِهم؛ لأنَّ ذلك لم يُقصَدْ للاستيطانِ غالِباً، وكانت قبائلُ العربِ حولَه ﵇ ولم يأمرْهُم بها. وتَصحُّ بقريةٍ خرابٍ عزموا على إصلاحِها والإقامةِ بها. (وَتَصِحُّ) إقامتُها (فِيمَا قَارَبَ البُنْيَانَ مِنَ الصَّحْرَاءِ)؛ «لأَنَّ أَسْعَدَ بِن زُرَارَةَ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ فِي حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ» أخرجه أبو داودَ والدارقطني (٣)، قال البيهقي: (حسنُ الإسنادِ صحيحٌ) (٤)، قال الخطابي: (حرةُ بني بياضةَ على مِيلٍ مِن المدينةِ) (٥). وإذا رأى الإمامُ وحدَه العددَ فَنَقَص؛ لم يَجُزْ (٦) أن يَؤمَّهم،

стр. 391

ولزِمه استخلافُ أحدِهم، وبالعكسِ لا تَلزمُ واحداً منهم (١). (فَإِنْ نَقَصُوا) عن الأربعين (قَبْلَ إِتْمَامِهَا)؛ لم يُتِمُّوها جمعةً؛ لفقدِ شرطِها، و (اسْتَأْنَفُوا ظُهْراً) إن لم تُمكِنْ إعادتُها جمعةً. وإنْ بقي معه العددُ بعدَ انفضاضِ بعضِهم -ولو ممن لم يَسمعْ الخُطبةُ- ولحِقوا بهم قبلَ نَقصِهم؛ أتموا جمعةً. (وَمَنْ) أَحْرَم في الوقتِ و (أَدْرَكَ مَعَ الإِمَامِ مِنْهَا)، أي: مِن الجمعةِ (رَكْعَةً؛ أَتَمَّهَا جُمُعَةً)؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعاً: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» رواه الأثرمُ (٢).

стр. 392

(وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ)؛ بأن رَفَع الإمامُ رأسَه مِن الثانيةِ ثم دَخَل معه؛ (أَتَمَّهَا ظُهْراً)؛ لمفهومِ ما سَبَق، (إِذَا كَانَ نَوَى الظُّهْرَ) ودَخَل وقتُه؛ لحديثِ: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١)، وإلا أتمَّها نفلاً. ومَن أحرم مع الإمامِ ثم زُحِمَ عن السُّجودِ؛ لزِمه السُّجودُ على ظهرِ إنسانٍ أو رجلِه، فإن لم يُمكِنْه فإذا زال الزِّحامُ. وإن أَحْرَم ثم زُحِم وأُخرج مِن الصفِّ فصلَّى فذًّا؛ لم تَصحَّ، وإن أُخرج في الثانيةِ نوى مُفارقتَه وأتمَّها جمعةً. الشرطُ الرابِعُ: تقدُّمُ خُطبتين، وأشار إليه بقولِه: (وَيُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ)؛ لقولِه تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ) [الجمعة: ٩]، والذِّكرُ: هو الخطبةُ، ولقولِ ابنِ عمرَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» متفقٌ عليه (٢). وهما بَدَلُ ركعتين، لا مِن الظُّهرِ. (مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِمَا):

стр. 393

(حَمْدُ اللهِ)، بلفظِ: الحمدُ للهِ؛ لقولِه ﵇: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدُ للهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» رواه أبو داودَ عن أبي هريرةَ (١). (وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ) محمدٍ ﷺ ؛ لأنَّ كلَّ عبادةٍ افتَقَرت إلى ذِكرِ اللهِ تعالى افتَقَرت إلى ذِكرِ رسولِه؛ كالأذانِ، ويَتعيَّنُ لفظُ الصَّلاةِ. (وَقِرَاءَةُ آيَةٍ) كاملةٍ؛ لقولِ جابرِ بنِ سمرةَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ آيَاتٍ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ» رواه مسلمٌ (٢)، قال أحمدُ: (يَقرأُ ما شاء) (٣)، وقال أبو المعالي: (لو قَرَأ آيةً لا تَستقِلُّ بمعنى أو حُكْمٍ كقولِه: (ثُمَّ نَظَرَ) [المدثر: ٢١]، أو (مُدْهَامَّتَانِ) [الرحمن: ٦٤] لم يَكْفِ) (٤). والمذهبُ: لا بُدَّ مِن قراءةِ آيةٍ، ولو جُنُباً مع تحريمِها، فلو قَرَأ ما تضمَّنَ الحمدُ والموعِظةُ، ثم صلَّى على النبي ﷺ أجزأ. (والوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللهِ ؛ لأنَّه المقصودُ، قال في المبدعِ (٥):

стр. 394

(ويَبدأُ بالحمدِ للهِ، ثم بالصَّلاةِ، ثم بالموعظةِ، ثم القراءةِ، في ظاهرِ كلامِ جماعةٍ). ولا بُدَّ في كلِّ واحدةٍ مِن الخطبتين مِن هذه الأركانِ. (وَ) يُشترطُ (حُضُورُ العَدَدِ المُشْتَرَطِ) لسماعِ القدرِ الواجبِ؛ لأنَّه ذِكْرٌ اشتُرط للصَّلاةِ فاشتُرطَ له العددُ؛ كتكبيرةِ الإحرامِ، فإن انفضُّوا وعادوا قبلَ فوتِ رُكْنٍ منها؛ بَنَوْا، وإن كَثُر التَّفريقُ، أو فات منها رُكنٌ، أو أحدث فتطهَّر؛ استأنف مع سَعةِ الوقتِ. ويُشترطُ أيضاً لهما: الوقتُ، وأن يكونَ الخطيبُ يَصلحُ إماماً فيها، والجهرُ بهما بحيثُ يَسمعُ العددُ المعتبرُ حيثُ لا مانِعَ، والنِّيةُ، والاستيطانُ للقدرِ الواجِبِ منهما، والموالاةُ بينَهما وبينَ الصَّلاةِ. (وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ) مِن الحدثين والنَجَسِ ولو خَطَب بمسجدٍ؛ لأنَّهما ذِكْرٌ تقدَّم الصَّلاةَ؛ أشبه الأذانَ، وتحريمُ لَبْثُ الجُنُبِ بالمسجدِ لا تَعلُّقَ له بواجبِ العبادةِ. وكذلك لا يُشترطُ لهما سَترُ العورةِ. (وَلَا أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ)، بل يُستحبُّ ذلك؛ لأنَّ الخطبةَ مُنفصلةٌ عن الصَّلاةِ؛ أشبها الصَّلاتين. ولا يُشترطُ أيضاً حُضورُ متولِّي الصَّلاةِ الخطبةَ.

стр. 395

ويبطلها (١) كلامٌ محرمٌ ولو يسيراً. ولا تُجزئُ بغيرِ العربيةِ مع القدرةِ. (وَمِنْ سُنَنِهِمَا)، أي: الخطبتين: (أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ)؛ لفعلِه ﵇ (٢)، وهو بكسرِ الميمِ، مِن النَّبْرِ (٣)، وهو الارتفاعُ، واتِّخاذُه سنةٌ مُجمعٌ عليها، قاله في شرحِ مسلمٍ (٤)، ويَصْعَدُهُ على تُؤَدَةٍ (٥) إلى الدرجةِ التي تلي السَّطحَ. (أَوْ) يخطبُ على (مَوْضِعٍ عَالٍ) إن عَدِم المنبرَ؛ لأنَّه في معناه، عن يمينِ مُستقبِلِ القبلةِ بالمحرابِ، وإنْ خَطَب بالأرضِ فعن يسارِهم. (وَ) أن (يُسَلِّمَ عَلَى المَأْمُومِينَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ)؛ لقولِ جابرٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَعِدَ المِنْبَرِ سَلَّمَ» رواه ابنُ ماجه (٦)، ورواه

стр. 396

الأثرمُ عن أبي بكرٍ، وعمرَ (١)، وابنِ مسعودٍ (٢)، وابنِ الزبيرِ (٣)، ورواه النجادُ (٤) عن عثمانَ (٥)؛ كسَلَامِه على مَنْ عندَه في خروجِه. (ثُمَّ) يُسنُّ أنْ (يَجْلِسَ إِلَى فَرَاغِ الأَذَانِ)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ المِنْبَرِ حَتَّى يَفْرغَ المُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ» رواه أبو داودَ (٦).

стр. 397

(وَ) أن (يَجْلِسَ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ السابِقِ. (وَ) أن (يَخْطُبَ قَائِماً)؛ لما تقدَّم. (وَيَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ، أَوْ قَوْسٍ، أَوْ عَصَا)؛ لفعلِه ﵇، رواه أبو داودَ عن الحكمِ بنِ حَزَنٍ (١)، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ هذا الدِّينِ فُتِحَ به، قال في الفروعِ: (ويَتوجَّه باليسرى، والأخرى بحرفِ المنبرِ، فإنْ لم يَعتمدْ أمسك يمينَه بشمالِه، أو أرسلَهما) (٢). (وَ) أن (يَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ)؛ لفعلِه ﵇ (٣)، ولأنَّ في التفاتِه

стр. 398

إلى (١) أحدِ جانبيه إعراضاً عن الآخرِ، وإنْ استدبرَهُم كُره. ويَنحرفون إليه إذا خَطَب؛ لفعلِ الصَّحابةِ (٢)، ذكره في المبدعِ (٣). (وَ) أن (يُقَصِّرَ الخُطْبَةَ)؛ لما روى مسلمٌ عن عمارٍ مرفوعاً: «إِنَّ طُولَ (٤) صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَقَصِّرُوا الخُطْبَةَ» (٥).

стр. 399

وأن تكونَ الثانيةَ أقصرُ. ورَفْعُ صوتِه قدرَ إمكانِه. (وَ) أنْ (يَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ)؛ لأنَّه مسنونٌ في غيرِ الخطبةِ ففيها أَوْلَى. ويُباحُ الدُّعاءُ لمعَيَّنٍ (١)، وأن يَخطبَ مِن صحيفةٍ. قال في المبدعِ: (وينزِلُ مُسرِعاً) (٢). وإذا غَلَب الخوارجُ على بلدٍ فأقاموا فيه الجمعةَ؛ جاز اتِّباعُهم نصًّا. وقال ابنُ أبي موسى: (يصلِّي معهم الجمعةَ، ويُعيدُها ظهراً) (٣). (فَصْلٌ) (وَ) صلاةُ (الجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ) إجماعاً، حكاه ابنُ المنذرِ (٤).

стр. 400

(يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ جَهْراً)؛ لفعلِه ﵇، (فِي) الرَّكعةِ (الأُولَى بِـ «الجُمُعَةِ») بعدَ الفاتحةِ، (وَفِي) الرَّكعةِ (الثَّانِيَةِ بِـ «المُنَافِقِينَ»)؛ «لأَنَّهُ ﵇ كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا» رواه مسلمٌ عن ابنِ عباسٍ (١). وأن يقرأٌ في فجرِها في الأُولَى «ألم السجدة»، وفي الثانيةِ «هل أتى»؛ «لأَنَّهُ ﵇ كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا» متفقٌ عليه مِن حديثِ أبي هريرةَ (٢). (وَتَحْرُمُ إِقَامَتُهَا)، أي: الجمعةِ، وكذا العيدُ (فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ مِنَ (٣) البَلَدِ)؛ لأنَّه ﵇ وأصحابَه لم يُقيموها في أكثرَ مِن موضِعٍ واحدٍ، (إِلَّا لِحَاجَةٍ)؛ كسَعَةِ البلدِ وتَباعدِ أقطارِه، أو بُعْدِ الجامِعِ، أو ضيقِه، أو خوفِ فتنةٍ، فيجوزُ التعدُّدُ بحسبِها (٤) فقط؛ لأنَّها تُفعلُ في الأمصارِ العظيمةِ في مواضِعَ مِن غيرِ نكيرٍ، فكان إجماعاً، ذكره في المبدعِ (٥).

стр. 401

(فَإِنْ فَعَلُوا)، أي: صلُّوها في موضعين، أو أكثرَ بلا حاجةٍ؛ (فَالصَّحِيحَةُ مَا بَاشَرَهَا الإِمَامُ، أَوْ أَذِنَ فِيهَا) ولو تأخرت، وسواءٌ قلنا: إذنُه شرطٌ أوْ لَا، إذ في تصحيحِ غيرِها افتياتٌ عليه، وتفويتٌ لجمعتِه. (فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي إِذْنٍ أَوْ عَدَمِهِ؛ فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ)؛ لأنَّ الاستغناءَ حَصَل بالأُولَى، فأُنيطَ الحُكمُ بها، ويُعتبَرُ السَّبقُ بالإحرامِ. (وَإِنْ وَقَعَتَا مَعاً) ولا مزيَّةَ لإحداهما؛ بطلَتَا؛ لأنَّه لا يُمكِنُ تَصحيحهما ولا تَصحيحُ إحداهما، فإن أمكن إعادتُها جمعةً فعلوا، وإلَّا صلَّوها ظهراً. (أَوْ جُهِلَتِ الأُولَى) منهما؛ (بَطَلَتَا)، ويصلُّون ظهراً؛ لاحتمالِ سَبْقِ إحداهما، فتصحُّ، فلا (١) تُعادُ، وكذا لو أقيمت في المصرِ جُمعاتٌ وجُهِلَ كيف وقعت. وإذا وَافق العيدُ يومَ الجمعةِ سَقَطَت عمَّن حضرَه مع الإمامِ؛ كمريضٍ، دونَ الإمامِ، فإن اجتمع معه العددُ المعتبرُ أقامها، وإلَّا صلَّى ظهراً، وكذا العيدُ بها إذا عَزموا على فِعلِها سَقَط. (وَأَقَلُّ السُّنَّةِ) الراتبةِ (بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ)؛ «لأَنَّهُ ﵇ كَانَ

стр. 402

يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ» متفقٌ عليه مِن حديثِ ابنِ عمرَ (١). (وَأَكْثَرُهَا سِتُّ) ركعاتٍ؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ» رواه أبو داودَ (٢). ويصلِّيها مكانَه، بخلافِ سائرِ السُّننِ فبِبَيْتِه. ويُسنُّ فَصْلٌ بين فرضٍ وسنَّتِه (٣) بكلامٍ أو انتقالٍ مِن موضعِه. ولا سنَّةَ لها قبلَها، أي: راتبةٌ، قال عبدُ اللهِ: (رأيت أبي يصلِّي في المسجدِ إذا أذَّن المؤذِّن ركعاتٍ). (وَيُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِلَ) لها في يومِها؛ لخبرِ عائشةِ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» (٤)، وعن جماعٍ وعندَ مضيٍّ أفضلُ،

стр. 403

(وَتَقَدَّمَ)، فيه نظر (١). (وَ) يُسنُّ (تَنَظُّفٌ وتَطَيُّبٌ (٢)؛ لما روى البخاري عن أبي سعيدٍ مرفوعاً: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ، وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا (٣) يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ؛ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» (٤). (وَ) أنْ (يَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ)؛ لورودِه في بعضِ الألفاظِ، وأفضلُها البياضُ، ويَعتَمَّ ويَرتدي. (وَ) أنْ (يُبَكِّرَ إِلَيْهَا مَاشِياً)؛ لقولِه ﵇: «وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ» (٥)، ويكونُ بسكينةٍ ووقارٍ، بعدَ طلوعِ الفجرِ الثاني. (وَ) أن (يَدْنُوَ مِنَ الإِمَامِ) مستقبلَ القبلةِ؛ لقولِه ﵇: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ،

стр. 404

فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ؛ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خطْوَةٍ (١) يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَةٍ، عَمَلُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، وإسنادُه ثقاتٌ (٢). ويَشتغِلُ بالصَّلاةِ، والذِّكرِ، والقراءةِ. (وَ) أنْ (يَقْرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ فِي يَوْمِهَا)؛ لما روى البيهقي بإسنادٍ حسنٍ عن أبي سعيدٍ مرفوعاً: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ يَوْمَ (٣) الجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الجُمُعَتَيْنِ» (٤).

стр. 405

(وَ) أنْ (يُكْثِرَ الدُّعَاءَ)؛ رجاءَ أن يصادِفَ ساعةَ الإجابةِ. (وَ) أنْ (يُكْثِرَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لقولِه ﵇: «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ» رواه أبو داودَ وغيرُه (١)، وكذا ليلتُها. (وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ)؛ لما روى أحمدُ: أنَّ النبي ﷺ وهو على المنبرِ- رأى رجلاً يَتخطَّى رقابَ النَّاسِ، فقال له: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» (٢)،

стр. 406

(إِلَّا أَنْ يَكُونَ) المتخطِّي (الإِمَامَ (١) فلا يُكره؛ للحاجةِ، وأَلْحَق به في الغُنْيَةِ: المؤذنَ (٢)، (أَوْ) يكونَ التخطِّي (إِلَى فُرْجَةٍ) لا يصِلُ إليها إلا به، فيَتخطَّى؛ لأنَّهم أسقطوا حقَّ أنفسِهم بتأخُّرِهم. (وَحَرُمَ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ)، ولو عبدَه أو ولدَه الكبيرَ (فَيَجْلِسَ مَكَانَهُ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ» متفقٌ عليه (٣)، ولكن يقولُ: افسحوا، قاله في التلخيصِ (٤)، (إِلَّا) الصغيرَ، و (مَنْ قَدَّمَ صَاحِباً لَهُ فَجَلَسَ فِي مَوْضِعٍ يَحْفَظُهُ لَهُ)، وكذا لو جَلَس لحفظِه بدونِ إذنِه، قال في الشَّرحِ: (لأنَّ النائِبَ يقومُ باختيارِه) (٥)، لكن إنْ جَلَسَ في مكانِ الإمامِ، أو طريقِ المارَّةِ، أو استقبل

стр. 407

المصلين في مكانٍ ضيقٍ؛ أُقِيم، قاله أبو المعالي (١). وكُرِه إيثارُه غيرَه بمكانِه الفاضلِ، لا قَبولَه، وليس لغيرِ المؤْثَرِ سبقُه. (وَحَرُمَ رَفْعُ مُصَلًّى مَفْرُوشٍ)؛ لأنَّه كالنائبِ عنه، (مَا لَمْ تَحْضُرِ الصَّلَاةُ) فيرفعُه؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له بنفسِه، ولا يصلِّي عليه. (وَمَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعَارِضٍ لَحِقَهُ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ قَرِيباً؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)؛ لقولِه ﵇: «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ (٢) إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» رواه مسلمٌ (٣)، ولم يُقيِّدْه الأكثرُ بالعَوْدِ قريباً. (وَمَنْ دَخَلَ) المسجدَ (وَالإِمَامُ يَخْطُبُ؛ لَمْ يَجْلِسْ) ولو كان وقتَ نَهيٍ (حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يُوجِزُ فِيهِمَا)؛ لقولِه ﵇: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَقَدْ خَرَجَ الإِمَامُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» متفقٌ عليه، زاد مسلمٌ: «وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (٤). فإنْ جَلَس قام فأتى بهما ما لم يَطُلِ الفَصْلُ. فتُسنُّ تحيةُ المسجدِ لمن دخلَه غيرَ وقتِ نهيٍ، إلا الخطيبَ،

стр. 408

وداخِلَه لصلاةِ عيدٍ، أو بعدَ شروعٍ في إقامةٍ، وقَيِّمَه، وداخِلَ المسجدِ الحرامِ؛ لأنَّ تحيَّتَه الطَّوافِ. (وَلَا يَجُوزُ الكَلَامُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ) إذا كان منه بحيثُ يَسمعُه؛ لقولِه تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) [الأعراف: ٢٠٤] ولقولِه ﵇: «مَنْ قَالَ: صَهْ، فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» رواه أحمدُ (١)، (إِلَّا لَهُ)، أي: للإمامِ، فلا يَحرمُ عليه الكلامُ، (أَوْ لِمَنْ يُكَلِّمُهُ) لمصلحةٍ؛ «لأَنَّه ﷺ كَلَّمَ سَائِلاً (٢)، وَكَلَّمَهُ هُوَ» (٣). ويجبُ لتحذيرِ ضريرٍ وغافلٍ عن هلكةٍ.

стр. 409

(وَيَجُوزُ) الكلامُ (قَبْلَ الخُطْبَةِ، وَبَعْدَهَا)، وإذا سَكَت بينَ الخطبتين، أو شَرَع في الدُّعاءِ. وله الصَّلاةُ على النبي ﷺ إذا سَمِعها مِن الخطيبِ، وتُسنُّ سِرًّا؛ كدعاءٍ وتأمينٍ عليه، وحمدُه خفيةً إذا عَطَس، وردُّ سلامٍ، وتشميتُ عاطِسٍ. وإشارةُ أخرسٍ إذا فُهِمت ككلامٍ، لا تسكيتُ مُتكلمٍ بإشارةٍ. ويُكره العبثُ والشُّربُ حالَ الخطبةِ إن سَمِعها، وإلا جاز، نصَّ عليه.

стр. 410

(بَابُ صَلَاةُ العِيدَيْنِ) سُمِّي به؛ لأنَّه يَعودُ ويَتَكرَّرُ لأوقاتِه، أو تفاؤلاً، وجَمْعُهُ: أعيادٌ. (وَهِيَ)، أي: صلاةُ العيدين (فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ لقولِه تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر: ٢]، وكان النبيُّ ﷺ والخلفاءُ بعدَه يداومون عليها. (إِذَا تَرَكَهَا أَهْلُ بَلَدٍ قَاتَلَهُمُ الإِمَامُ)؛ لأنَّها مِن أعلامِ الدِّينِ الظاهرةِ. (وَ) أولُ (وَقْتُهَا كَصَلَاةِ الضُّحَى)؛ لأنَّه ﵇ ومَن بعدهَ لم يُصلُّوها إلا بعدَ (١) ارتفاعِ الشَّمسِ (٢)،

стр. 411

ذكره في المبدعِ (١). (وَآخِرُهُ)، أي: آخرُ وقتِها: (الزَّوَالُ)، أي: زوالُ الشَّمسِ، (فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالعِيدِ إِلَّا بَعْدَهُ)، أي: بعدَ الزَّوالِ (صَلَّوا مِنَ الغَدِ) قضاءً؛ لما روى أبو عميرٍ بنُ أنسٍ عن عمومةٍ له مِن الأنصارِ، قال: «غُمَّ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ فَأَصْبَحْنَا صِيَاماً، فَجَاءَ رَكْبٌ في آخِرِ النَّهَارِ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا الهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ، وَأَنْ يَخْرُجُوا غَداً لِعِيدِهِمْ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والدارقطني وحسَّنه (٢). (وَتُسَنُّ) صلاةُ العيدِ (فِي صَحْرَاءَ) قريبةٍ عُرفاً؛ لقولِ أبي سعيدٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ فِي الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى» متفقٌ

стр. 412

عليه (١)، وكذلك الخلفاءُ بعدَه (٢). (وَ) يُسنُّ (تَقْدِيمُ صَلَاةِ الأَضْحَى، وَعَكْسُهُ الفِطْرُ) فيؤخرُها؛ لما روى الشافعي مرسلاً: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنْ عَجِّلِ الأَضْحَى، وَأَخِّرِ الفِطْرَ، وَذَكِّرِ النَّاسَ» (٣). (وَ) يُسنُّ (أَكْلُهُ قَبْلَهَا)، أي: قبلَ الخروجِ لصلاةِ الفِطْرِ؛ لقولِ بَريرةَ (٤): «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يُفْطِرَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يُصَلِّيَ» رواه أحمدُ (٥)، والأفضلُ تمراتٍ وتراً.

стр. 413

والتَّوْسِعَةِ على الأهلِ، والصَّدقةِ. (وَعَكْسُهُ)، أي: يُسنُّ الإمساكُ (فِي الأَضْحَى إِنْ ضَحَّى) حتى يصلِّيَ ليأكلَ مِن أُضحيَّتِه؛ لما تقدَّم، والأَوْلَى مِن كَبِدها. (وَتُكْرَهُ) صلاةُ العيدِ (فِي الجَامِعِ بِلَا عُذْرٍ)، إلا بمكةَ المشرفةِ؛ لمخالفةِ فِعلِه ﵇. ويُستحبُّ للإمامِ أن يَسْتَخْلِفَ مَن يُصلِّي بضعفةِ الناسِ في المسجدِ؛ لفعلِ علي (١)، ويخطبُ لهم. ولهم فِعلُها قبلَ الإمامِ وبعدَه. وأيُّهما سَبَق سَقَط به الفرضُ، وجازت التضحيةُ. (وَيُسَنُّ تَبْكِيرُ مَأْمُومٍ إِلَيْهَا)؛ ليَحصُلَ له الدُّنُوُّ مِن الإمامِ وانتظارُ الصَّلاةِ فيَكثُرَ ثوابُه، (مَاشِياً)؛ لقولِ عليٍّ ﵁: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى العِيدِ مَاشِياً» رواه الترمذي، وقال: (العملُ على هذا عندَ

стр. 414

أهلِ العلمِ) (١)، (بَعْدَ) صلاةِ (الصُّبْحِ). (وَ) يُسنُّ (تَأَخُّرُ إِمَامٍ (٢) إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ)؛ لقولِ أبي سعيدٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ» رواه مسلمٌ (٣)، ولأنَّ الإمامَ يُنْتَظَرُ ولا يَنْتَظِرُ. ويخرجُ (عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ)، أي: لابساً أجملَ ثيابِه؛ لقولِ جابرٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَمُّ، وَيَلْبِسُ بُرْدَهُ الأَحْمَر فِي العِيدَيْنِ

стр. 415

وَالجُمُعَةِ» رواه ابنُ عبدِ البر (١). (إلَّا المُعْتَكِفَ فَـ) ـيخرجُ (فِي ثِيَابِ اعتِكَافِهِ)؛ لأنَّه أثَرُ عبادةٍ فاستُحِبَّ بقاؤه. (وَمِنْ شَرْطِهَا)، أي: شرطِ صحَّةِ صلاةِ العيدِ: (اسْتِيطَانٌ، وَعَدَدُ الجُمُعَةِ)، فلا تُقامُ إلا حيثُ تُقامُ (٢)؛ لأنَّ النبي ﷺ وافَقَ العيدَ في حجَّتِه ولم يُصَلِّ، (لَا إِذْنُ إِمامٍ (٣)، فلا يُشترطُ كالجمعةِ. (وَيُسَنُّ) إذا غَدَا من طريقٍ (أَنْ يَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ)؛ لما روى البخاري عن جابرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى العِيدِ خَالَفَ

стр. 416

الطَّرِيقَ» (١)، وكذا الجمعةُ. قال في شرحِ المنتهى: (ولا يَمتنِعُ ذلك أيضاً في غيرِ الجمعةِ) (٢). وقال في المبدعِ: (الظاهِرُ أن المخالفةَ فيه شُرِعت لمعنى خاصٍ، فلا يَلتحِقُ (٣) به غيرُه) (٤). (وُيَصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ» متفقٌ عليه (٥)، فلو قدَّم الخطبةَ لم يُعتَدَّ بها. (يُكَبِّرُ فِي الأُولَى بَعْدَ) تكبيرةِ الإحرامِ و (الاسْتِفْتَاحِ، وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ وَالقِرَاءَةِ سِتًّا) زوائدَ، (وَفِي) الرَّكعةِ (الثَّانِيَةِ قَبْلَ القِرَاءَةِ خَمْساً)؛ لما روى أحمدُ عن عمرو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعاً فِي الأُولَى، وَخَمْساً فِي

стр. 417

الآخِرَةِ (١)» إسنادُه حسنٌ (٢)، قال أحمدُ: (اختلف أصحابُ النبي ﷺ في التَّكبيرِ، وكلُّه جائزٌ) (٣). (يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ)؛ لقولِ وائلِ بنِ حُجرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ (٤)» (٥)، قال أحمدُ: (فأَرَى أنْ يَدخُلَ فيه

стр. 418

هذا كلُّه) (١)، وعن عمرَ: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي (٢) كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، فِي الجَنَازَةِ وَالعِيدِ»، وعن زيدٍ كذلك، رواهما الأثرمُ (٣). (وَيَقُولُ) بين كلِّ تكبيرتين: (اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً (٤)؛ لقولِ عقبةَ بنِ عامرٍ: سألتُ ابنَ مسعودٍ عمّا يقولَه بعدَ تكبيراتِ العيدِ، قال: «يَحْمَدُ اللهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى

стр. 419

النَّبِيِّ ﷺ » رواه الأثرمُ، وحربٌ (١)، واحتجَّ به أحمدُ (٢). (وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ)؛ لأنَّ الغرضَ الذِّكرُ بعدَ التَّكبيرِ. وإذا شكَّ في عددِ التَّكبيرِ بنَى على اليقينِ. وإذا نَسِيَ التَّكبيرِ حتى قرأ؛ سَقَط؛ لأنَّه سنَّةٌ فات محلُّها. وإنْ أدرك الإمامَ راكعاً أَحْرَم ثم رَكَع، ولا يَشتغِلُ بقضاءِ التكبيرِ، وإن أدركه قائماً بعدَ فراغِه مِن التكبيرِ لم يَقْضِه، وكذا إن أدركه في أثنائه سَقَط ما فات. (ثُمَّ يَقْرَأُ جَهْراً)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْهَر بِالقِرَاءَةِ فِي العِيدَيْنِ وَالاسْتِسْقَاءِ» رواه الدارقطني (٣)، (فِي الأُولَى بَعْدَ الفَاتِحَةِ: بـ «سَبِّحْ»، وبـ «الغَاشِيَةِ» فِي الثَّانِيَةِ)؛ لقولِ سمرةَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي العِيدَينِ بِـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)

стр. 420

[الأعلى: ١]، و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاشية: ١]» رواه أحمدُ (١). (فَإِذَا سَلَّمَ) مِن الصَّلاةِ (خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَةِ الجُمُعَةِ) في أحكامِها (٢)، حتى في الكلامِ، إلا التكبيرَ مع الخاطبِ، (يَسْتَفْتِحُ الأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيراتٍ) قائماً نَسَقاً، (والثَّانِيَةَ بِسَبْعِ) تكبيراتٍ كذلك، لما روى سعيدٌ عن عبيدِ اللهِ (٣) بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ قال: «يُكَبِّرُ الإِمَامُ يَوْمَ العِيدِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُب تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ» (٤). (يَحُثُّهُمْ فِي) خُطبةِ (الفِطْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ)؛ لقولِه ﵇: «أَغْنُوهُمْ بِهَا عَنِ السُّؤَالِ فِي هَذَا اليَوْمِ» (٥)، (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ) جِنساً

стр. 421

وقدْراً، والوجوبَ والوقتَ، (وَيُرَغِّبُهُم فِي) خُطبةِ (الأَضْحَى فِي الأُضْحِيَةِ، وَيُبَيِّن لَهُمْ حُكْمَهَا)؛ لأنَّه ثَبَت أنَّ النبي ﷺ ذَكَر في خُطبةِ الأضحى كثيراً مِن أحكامِها، مِن روايةِ أبي سعيدٍ (١)، والبراءِ (٢)، وجابرٍ (٣)، وغيرِهم (٤). (وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ) سنةٌ، (والذِّكْرُ بَيْنَهَا (٥)، أي: بينَ التكبيراتِ سنةٌ، ولا يُسَنُّ بعدَ التكبيرةِ الأخيرة في الركعتين.

стр. 422

(وَالخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ)؛ لما روى عطاءُ عن عبدِ اللهِ بنِ السائِبِ قال: شهدت مع النبيِّ ﷺ العيدَ فلما قضى الصَّلاةَ قال: «إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» رواه ابنُ ماجه، وإسنادُه ثقاتٌ (١)، ولو وَجَبتْ لوَجَب حضورُها واستماعُها. والسُّنةُ لمن حَضَر العيدَ مِن النِّساءِ حُضورُ الخُطبةِ، وأن يُفْرَدْنَ بموعظةٍ إذا لم يَسْمَعْنَ خطبةَ الرِّجالِ. (وَيُكْرَهُ التَّنَفُّلُ) وقضاءُ فائتةٍ (قَبْلَ الصَّلَاةِ)، أي: صلاةِ العيدِ، (وَبَعْدَهَا فِي مَوْضِعِهَا) قبلَ مفارقتِه؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا»

стр. 423

متفقٌ عليه (١). (وَيُسَنُّ لِمَنْ فَاتَتْهُ) صلاةُ العيدِ، (أَوْ) فاته (بَعْضُهَا؛ قَضَاؤُهَا) في يومِها قبلَ الزَّوالِ وبعدَه (عَلَى صِفَتِهَا)؛ لفعلِ أنسٍ (٢)، وكسائرِ الصَّلواتِ. (وَيُسَنُّ (٣) التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ)، أي: الذي لم يُقَيَّدْ بأدبارِ الصَّلواتِ، وإظهارُه، وجَهرُ غيرِ أنثى به، (فِي لَيْلَتَي العِيدَيْنِ)، في البيوتِ والأسواقِ والمساجِدِ وغيرِها، ويَجهرُ (٤) به في الخروجِ إلى

стр. 424

المصلَّى إلى فراغِ الإمامِ مِن خُطبتِه. (وَ) التكبيرُ (فِي) عيدِ (فِطْرٍ آكَدُ)؛ لقولِه تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ) [البقرة: ١٨٥] (١). (وَ) يُسنُّ التكبيرُ المطلقُ أيضاً (فِي كُلِّ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ)، ولَوْ لَمْ يَرَ بهيمةَ الأنعامِ. (وَ) يُسنُّ التكبيرُ (المُقَيَّدُ عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ فِي جَمَاعَةٍ) في الأضحى (٢)؛ «لأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُكَبِّر إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ» (٣)، وقال ابنُ مسعودٍ: «إِنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ» رواه ابنُ المنذرِ (٤)، فلْيَلْتفِتْ (٥) الإمامُ إلى المأمومين، ثم يُكبِّرُ لفعلِه ﵇ (٦)،

стр. 425

(مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ)، روي عن عمرَ (١)، وعليٍّ (٢)، وابنِ عباسٍ (٣)، وابنِ مسعودٍ ﵃ (٤).
следующие страницы →